← Акыда

Акыда · id 12074

معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (340 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى تأليف: د/محمد بن خليفة التميمي ال مقدمة الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هاديا له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الأسماء الحسنى والصفات العلى. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة وتركها على مثل البيضاء، وجاهد في الله حق جهاده، وعبد ربه حتى أتاه اليقين من ربه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: فهذه الدراسة الثانية من سلسلة "دراسات في مباحث توحيد الأسماء والصفات وهي بعنوان: "معتقد أهل، السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى"، وقد سبقها بحمد الله وفضله الدراسة الأولى وهي بعنوان: "معتقد أهل السنة والجماعة في توحيد الأسماء والصفات"، وسيتبع ذلك بإذن الله ومشيئته الدراسات التالية: الدراسة الثالثة: "معتقد أهل السنة والجماعة في صفات الله العلى". الدراسة الرابعة: "قواعد أهل السنة والجماعة في نصوص الأسماء والصفات". الدراسة الخامسة: "مقالة التعطيل وموقف أهل السنة والجماعة منها" الدراسة السادسة: " مقالة التشبيه وموقف أهل السنة والجماعة منها"

стр. 2

وكنت قد بينت في الدراسة الأولى معتقد أهل السنة في هذا الباب على وجه الإجمال، وفي هذه الدراسة سأتناول بالبحث مسألة أسماء الله على وجه التفصيل، وقد تطرقت للمباحث المهمة المتعلقة بهذه المسألة، فبذلت طاقتي وجهدي في جمع ما تفرق منها في بطون الكتب، وحرصت على ترتيب ذلك وصياغته. وقد سرت في هذه الدراسة وفق الخطة التالية: الأولى: التمهيد: واستعرضت فيه مواقف الطوائف من أسماء الله الحسنى. ثانيا: الفصل الأول: في ثبوت الأسماء وتعيينها. وفيه أربعة مباحث: المبحث الأول: في معرفة ضابط الأسماء الحسنى. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: أهمية معرفة ضابط الأسماء الحسنى. المطلب الثاني: تحديد ضابط الأسماء الحسنى. المطلب الثالث: في الشرط الأول للأسماء الحسنى، وهو ورود النص بذلك الاسم. المطلب الرابع: في الشرط الثاني الأسماء الحسنى، وهو أن تقتضي الأسماء المدح والثناء بنفسها. المبحث الثاني: مناهج الناس في عدد الأسماء الحسنى وفيه مطلبان: المطلب الأول: منهج القائلين بأن أسماء الله غير محصورة بعدد معين. المطلب الثاني: منهج القائلين بأن الأسماء الله محصورة بعدد معين.

стр. 3

معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى المبحث الثالث: مناهج الناس في تعيين الأسماء الحسنى. وفيه أربعة مطالب: المطلب الأول: منهج المعتمدين على العد الوارد في بعض روايات حديث الأسماء. المطلب الثاني: منهج المقتصرين على ما ورد بصورة الاسم. المطلب الثالث: منهج المتوسعين. المطلب الرابع: منهج المتوسطين. المبحث الرابع: جهود أهل العلم في جمع الأسماء الحسنى. وفيه ستة مطالب: المطلب الأول: نماذج لإجتهادات أهل العلم في جمع الأسماء الحسنى. المطلب الثاني: الأسماء التي ورد إطلاقها في النصوص وأدلتها ومن ذكرها من أهل العلم ومن أسقطها. المطلب الثالث: الأسماء التي لم ترد في النصوص بصورة الاسم وإنما أخذت بالاشتقاق. المطلب الرابع: الأسماء المضافة. المطلب الخامس: الأسماء المزدوجة. المطلب السادس: الأسماء التي يرجح عدم ثبوتها إما لعدم ورود النص أو لعدم صحة الإطلاق. ثالثا: الفصل الثاني: أحكام الأسماء الحسنى. وفيه أربعة مباحث:

стр. 4

المبحث الأول: أسماء الله غير مخلوقة، أو ما يعرف بمسألة "الاسم والمسمى". وفيه مدخل، ومطلبان: المدخل: في التعريف بهذه المسألة. المطلب الأول: الجانب اللغوي للمسألة. المطلب الثاني: الجانب العقدي للمسألة. المبحث الثاني: أسماء الله كلها حسنى. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الأدلة على كون أسماء الله كلها حسنى. المطلب الثاني: وجه الحسن في أسماء الله. المطلب الثالث: الأحكام المستفادة من كون أسماء الله حسنى. المبحث الثالث: أسماء الله الحسن أعلام وأوصاف. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأولى: بيان معتقد أهل السنة في المسألة. المطلب الثاني: الأدلة على أن أسماء الله أعلام وأوصاف. المطلب الثالث: الأحكام المستفادة من هذه المسألة. المبحث الرابع: إحصاء أسماء الله الحسنى. وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: الحث على إحصاء أسماء الله الحسنى والمقصود بذلك. المطلب الثاني: مراتب الإحصاء. المطلب الثالث: ثمرات الإحصاء.

стр. 5

الخاتمة: في التحذير من الإلحاد في أسماء الله الحسنى وبعد: فمما لاشك فيه أن هذا الباب شأنه عظيم والزلل فيه خطير، فأرجو أن أكون قد وفقت في عرض الموضوع على الوجه المطلوب، وعملي هذا جهد بشر، والمرء يستحضر قول القائل: "إني رأيت أنه لا يكتب إنسان كتابا في يوم إلا قال في غدة: لو غير هذا لكان أحسن، ولو زيد كذا لكان يستحسن، ولو قدم هذا لكان أفضل، ولو ترك هذا لكان أجمل. وهذا من أعظم العبر، وهو دليل على استيلاء النقص على جملة البشر". فأرجو ممن يقف على خلل أو خطأ في هذا الكتاب أن يبادرني النصيحة، وأسأل الله أن يبارك هذا العمل وأن يتقبله مني، وأن يجعله عملا صالحا ولوجهه خالصا، وألا يجعل لأحد فيه شيئا، وأن ينفع به قارئيه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. د. محمد بن خليفة التميمي

стр. 6

ال تمهيد استعراض مواقف الطوائف من أسماء الله الحسنى إن من فضل الله ونعمته على أهل السنة أن وفقهم للعمل بكتابه وسنة رسوله صلى الله صلى، فالهداية والنور والحق إنما هي في الكتاب والسنة، فالله يقول في شأن كتابه: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ ١ وقال: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَأنا﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقّ﴾ ٣. وقال في شأن رسوله صغ: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً وَدَاعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيراً﴾ ٥، وقال تعالى: ﴿رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ٦. فكل إنسان لا يمكنه أن يخرج من ظلمات الجهل والشرك والكفر والشك إلى نور العلم والتوحيد والإيمان واليقين إلا بالكتاب والسنة، ففيهما بحمد الله

стр. 7

طريق الهدى وسبيل الرشاد، وضياء النفوس وشفاء الصدور، وبصائر القلوب، والتذكرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ومعلوم أن كل من سلك إلى الله علما وعملا بطريق ليست مشروعة موافقة للكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها فلابد أن يقع في بدعة قولية أو عملية، فإن السائر إذا سار على غير الطريق المهيع فلابد أن يسلك بنيات الطريق، بخلاف الطريق المشروعة في العلم والعمل؟ فإنها أقوم طريق ليس فيها عوج، فعن عبد الله بن مسعود قال: خط رسول ﷺ خطا وخط خطوطا عن يمينه وشماله ثم قال: "هذه سبيل الله وهذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو منها، ثم قرأ ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِه﴾ ١ (ومعلوم أن الضلال والتهوك إنما استولى على كثير من المتأخرين بنبذهم كتاب الله وراء ظهورهم وإعراضهم عما بعث به الله محمدا ﷺ من البينات والهدى، وتركهم البحث عن طريقة السابقين من الصحابة والتابعين وتابعي التابعين، والتماسهم علم معرفة الله ممن لم يعرف الله) ولقد كان من نتاج ذلك البعد والإعراض الذي وقع فيه هؤلاء المبتدعة- إلحادهم في أسماء الله الحسنى، بنوعيه الجلي الواضح والخفي غير المباشر معاندة ومشاقة لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَأنه سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٣. فمسألة أسماء الله مع وضوحها وجلأنها في النصوص، مع ذلك لم تسلم

стр. 8

أهل السنة ومخالفتهم، بل أن يعلم مقالة كل فريق على حقيقتها. ثم إن العرض لهذه الأقوال المخالفة، مع إتباع ذلك بعرض قول أهل السنة هو من باب إظهار حسن الشيء بذكر ضده، وكما قيل: "الضد يظهر حسنه الضد" و"بضدها تتميز الأشياء"، والقصد من ذلك أن يتبين للقارىء الكريم معالم معتقد أهل السنة في باب الأسماء الحسنى وما تميز واختص به من بين سائر الأقوال الأخرى، الأمر الذي يساعد على تصور وفهم ما سيعرض في هذه الدراسة من مسائل ومباحث لها صلة وعلاقة بما أظهرته تلك الطوائف من مقالات فاسدة في باب أسماء الله الحسنى. وإليك عرض تلك الأقوال المخالفة، وهي أربعة أقوال، ثم أتبعها بذكر القول الخامس وهو قول أهل السنة والجماعة: القول الأول: من يقول: إن الله لا يسمى بشيء: وهذا قول الجهمية أتباع جهم بن صفوان، والغالية من الملاحدة كالقرامطة والفلاسفة. وهؤلاء المعطلة نفاة الأسماء لهم في تعطيلهم لأسماء الله أربعة مسالك المسلك الأول: الاقتصارعلى نفي الإثباب فقالوا: لا يسقى بإثبات. المسلك الثاني: أنه لا يسمى بإثباب ولا نفي. المسلك الثالث: السكوت عن الأمرين، الإثبات والتفي. المسلك الرابع: تصويب جميع الأقوال بالرغم من تناقضها. فهم بذلك اتفقوا على إنكار الأسماء جميعا، ولكن تنوعت مسالكهم في الإنكار.

стр. 9

ا- فأصحاب المسلك الأول: اقتصروا على قولهم: بأنه ليس له اسم كالحي والعليم ونحو ذلك. وشبهتهم في ذلك: أ- أنه إذا كان له اسم من هذه الأسماء لزم أن يكون متصقا بمعنى الاسم كالحياة والعلم فإن صدق المشتق- أي الإسم كالعليم- مستلزم لصدق المشتق منه- أي الصفة كالعلم-، وذلك محال عندهم. ب- ولأنه إذا سمي بهذه الأسماء فهي مما يسمى به غيره. والله منزه عن مشابهة الغير١. (فهؤلاء المعطلة المحضة- نفاة الأسماء- يسمون من سمى الله بأسمأنه الحسنى مشبها. فيقولون: إذا قلنا حي عليم فقد شبهناه بغيره من الأحياء العالمين، وكذلك إذا قلنا هو سميع بصير فقد شبهناه بالإنسان السميع البصير، وإذا قلنا رؤوف رحيم فقد شبهناه بالنبي الرؤوف الرحيم، بل قالوا: إذا قلنا إنه موجود فقد شبهناه بسائر الموجودات لاشتراكهما في مسمى الوجوب) وهذا المسلك ينسب لجهم بن صفوان، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "جهم كان ينكر أسماء الله تعالى فلا يسميه شيئا لا حيا ولا غير ذلك إلا على سبيل المجاز"٣.

стр. 10

وهو كذلك قول ابن سينا وأمثاله١. ٢- وأما أصحاب المسلك الثاني: فقد زادوا في الغلو فقالوا: لا يسمى بإثباب ولا نفي، ولا يقال موجود ولا لا موجود، ولا حي ولا لا حي، لأن في الإثبات تشبيها بالموجودات، وفي النفي تشبيها له بالمعدومات، وكل ذلك تشبيه٢. والمسلك الثاني: ينسب لغلاة المعطلة من القرامطة الباطنية والمتفلسفة. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فالقرامطة الذين قالوا لا يوصف بأنه حي ولا ميت، ولا عالم ولا جاهل، ولا قادر ولا عاجز، بل قالوا لا يوصف بالإيجاب ولا بالسلب، فلا يقال حي عالم ولا يقال ليس بحي عالم، ولا يقال هو عليم قدير، ولا يقال ليس بقدير عليم، ولا يقال هو متكلم مريد، ولا يقال ليس بمتكلم مريد قالوا: لأن في الإثبات تشبيها بما تثبت له هذه الصفات، وفي النفي تشبيه له بما ينفى عنه هذه الصفات"٣ ٣- وأما أصحاب المسلك الثالث فيقولون: نحن لا نقول ليس بموجود ولا معدوم ولا حي ولا ميت، فلا ننفي النقيضين، بل نسكت عن هذا وهذا، فنمتنع عن كل من المتناقضين، لا نحكم لا بهذا ولا بهذا، فلا نقول: ليس بموجود ولا معدوم، ولكن لا نقول: هو موجود، ولا نقول هو معدوم. ومن الناس من يحكي نحو هذا عن الحلاج، وحقيقة هذا القول هو الجهل

стр. 11

البسيط والكفر البسيط، الذي مضمونه الإعراض عن الإقرار بالله ومعرفته وحبه وذكره وعبادته ودعأنه١. وأصحاب المسلك الثالث هم المتجاهلة اللاأدرية. وأصحاب المسلك الثاني هم المتجاهلة الواقفة الذين يقولون لا نثبت ولا ننفي. وأصحاب المسلك الاول هم المكذبة النفاة. ٤- وهناك مسلك رابع، يقول بتصويب كل واحد من القائلين للأقوال المتناقضة، كما يقوله من يقوله من أصحاب الوحدة، كابن عربى ونحوه الذي يقول بأن كل من اعتقد في الله عقيدة فهو مصيب فيها، حتى قال: عقدالخلائق في الإله عقائدا وأنا أعتقد جميع ما عقدوه فأصحاب وحدة الوجود يعطون أسماءه سبحانه لكل شيء في الوجود، إذ كان وجود الأشياء عندهم هو عين وجوده ما ثمت فرق إلا بالإطلاق والتقييد٢ وهذا منتهى قوله طوائف المعطلة. وغاية ما عندهم في الإثبات قولهم هو (وجود مطلق) أي وجود خيالي في الذهن، أو وجود مقيد بالأمور السلبية، وقالوا: لا نقول موجود ولا معدوم، أو قالوا: هو لا موجود ولا معدوم٣. حكم القول بنفي الأسماء: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "والتحقيق أن التجهم المحض- وهو نفي

стр. 12

الأسماء والصفات، كما يحكى عن جهم والغالية من الملاحدة ونحوهم، من نفي الأسماء الحسنى- كفر بين مخالف لما علم بالاضطرار من دين الرسول ﷺ "١. القول الثاني: إن الله يسمى بالخالق القادر فقط: وهذا القول منسوب كذلك للجهم بن صفوان. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "كان الجهم وأمثاله يقولون: إن الله ليس بشي، وروي عنه أنه قال: لا يسمى باسم يسمى به الخلق فلم يسمه إلا بالخالق القادر، لأنه كان جبريا يرى أن العبد لا قدرة له٢ وقال أيضا: "ؤلهذا نقلوا عن جهم أنه لا يسمي الله بشيء، ونقلوا عنه أنه لا يسميه باسم من الأسماء التي يسمي بها الخلق: كالحي، والعالم، والسميع، والبصير، بل يسميه قادرا خالقا لأن العبد عنده ليس بقادر، إذ كان هؤ رأس الجهمية الجبرية"٣ القول الثالث: إثبات الأسماء مجردة عن الصفات: وهذا قول المعتزلة، فهم يجمعون على تسمية الله بالاسم ونفي الصفة عنه، يقول ابن المرتضى المعتزلي: "فقد أجمعت المعتزلة على أن للعالم محدثا قديما قادرا عالما حيا لآلمعان.."٤.

стр. 13

ولهم في ذلك الئفي مسلكان: المسلك الأول: من جعل الأسماء كالأعلام المحضة المترادفة١ التي لم توضع لمسماها باعتبار معنى قائم به. فهم بذلك ينظرون إلى هذه الأسماء على أنها أعلام خالصة لا تدل على صفة، و (المحضة) : الخالصة الخالية من الدلالة على شيء آخر، فهم يقولون: إن العليم والخبير والسميع ونحو ذلك على لم دالة ليست دالة على أوصاف، وهي بالنسبة إلى دلالتها على ذات واحدة هي: مترادفة، وذلك مثل تسميتك ذاتا واحدة ب"زيد - وعمرو- ومحمد – وعلي"، فهذه الأسماء مترادفة وهي أعلام خالصة لا تدل على صفة لهذه الذات المسماة بها٢ المسلك الثاني: من يقول منهم: إن كل علم منها مستقل، فالله يسمى عليما وقديرا، وليست هذه الأسماء مترادفة، ولكن ليس معنى ذلك أن هناك حياة أو قدرة٣ ولذلك يقولون: عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بلا سمع، بصير بلا بصر. وقول المعتزلة وإن كان دون قول الجهمية، لكنه عظيم أيضا٤

стр. 14

قال أبو الحسن الأشعري: "وزعمت الجهمية- يعني المعتزلة- أن الله عر وجل لا علم له ولا قدرة ولا حياة ولا سمع ولا بصر له وأرادوا أن ينفوا أن الله عالم قادر حي سميع بصير، فمنعهم خوف السيف من إظهارهم نفي ذلك، فأتوا بمعناه لأنهم إذا قالوا: لا علم لله ولا قدرة له، فقد قالوا: إنه ليس بعالم ولا قادر، ووجب ذلك عليهم، وهذا إنما أخذوه عن أهل الزندقة والتعطيل لأن الزنادقة قال كثير منهم: إن الله ليس بعالم ولا قادر ولا حي ولا سميع ولا بصير، فلم تقدر المعتزلة أن تفصح بذلك، فأتت بمعناه، وقالت: إن الله عالم قادر حي سميع بصير من طريق التسمية من غير أن يثبتوا له حقيقة العلم والقدرة والسمع والبصر"١ وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن المعتزلة لما رأوا الجهمية قد نفوا أسماء الله الحسنى استعظموا ذلك لما فيه من تكذيب القرآن تكذيبا ظاهر الخروج عن العقل، فأقروا بالأسماء ونفوا الصفات، فصاروا هم كذلك متناقضين، فإن إثبات حي عليم قدير حكيم سميع بصير، بلا حياة، ولا علم، ولا قدرة، ولا حكمة، ولا سمع، ولابصر، مكابرة للعقل كإثبات مصل بلا صلاة، وصائم بلا صيام، وقائم بلا قيام، ونحو ذلك من الأسماء المشتقة كأسماء الفاعلين والصفات المعدولة عنها"٢. وقد ضم المعتزلة إلى بدعتهم هذه بدعا أخرى منها: ١- قولهم بأن أسماء الله مخلوقة٣.

стр. 15

٢- قول بعضهم بأن أسماء الله ليست توقيفية١ أما قولهم بأن أسماء الله مخلوقة، فلأنهم يقولون: الاسم غير المسمى، وأسماء الله غيره، وما كان غيره فهو مخلوق. ويقولون: إن كلام الله مخلوقا، وأسماؤه مخلوقة، وهو نفسه لم يتكلم بكلام يقوم بذاته ولا سمى نفسه باسم هو المتكلم به، بل قد يقولون: إنه تكلم به، وسمى نفسه بهذه الأسماء بمعنى أنه خلقها في غيره لا بمعنى أنه نفسه تكلم بها كلام القائم به. فالقول في أسمأنه هو نوع من القول في كلامه. وقد ذم السلف المعتزلة بقولهم هذا، وغلظوا فيهم القول لأن أسماء الله من كلامه وكلام الله غير مخلوق، بل هو المتكلم به، وهو المسمى لنفسه بما فيه من الأسماء. ولهذا يروى عن الشافعي والأصمعى وغيرهما أنه قال: إذا سمعت الرجل يقول: الاسم غير المسمى فاشهد عليه بالزندقة٢ وقال الإمام أحمد: "من قال: أسماء الله تعالى مخلوقة فقد كقر"٣. وأما بدعتهم الثالثة في أسماء الله: فهي قولهم بأن أسماء الله غيرتوقيفية. فقد نقل البغدادي عن المعتزلة البصرية أنهم أجازوا إطلاق الأسماء على الله بالقياس٤ وقال أبو الحسن الأشعري: "واختلفت المعتزلة هل يجوز أن يسمى

стр. 16

البارئ عالما من استدل على أنه عالم بظهور أفعاله عليه وإن لم يأته السمع من قبل الله سبحانه بأن يسميه بهذا الاسم أم لا؟ على مقالتين: فزعمت الفرقة الأولى منهم أنه جائز أن يسمى الله سبحانه عالما قادرا حيا سميعا بصيرا من استدل على معنى ذلك أنه يليق بالله وإن لم يأت به رسول. وزعمت الفرقة الثانية أنه لا يجوز أن. يسمى الله سبحانه بهذه الأسماء من دله العقل على معناها، إلا أن يأتيه بذلك، رسول من قبل الله سبحانه يأمره بتسميته بهذه الأسماء"١ موافقة ابن حزم للمعتزلة في مسألة نفي معاني الأسماء: هذا القول بإثبات الأسماء ونفي الصفات به أيضا بعض متكلمة الظاهرية٢ كابن حزم الذي قال: "إن أسماءه الحسنى كالحي والعليم والقدير بمنزلة أسماء الأعلام التي لا تدل على حياة ولا علم ولا قدرة، وقال: لا فرق بين الحي وبين العليم وبين القدير في المعنى أصلا"٣. وهذا القول لابن حزم وأمثاله من الظاهرية في باب الصفات هو بعينه مسلك المعتزلة في الصفات كما سبق وأن بيناه. ومثل هذه المقالات إنما هي في الحقيقة سفسطة في العقليات وقرمطة في، السمعيات، وسيأتي تفصيل الرد عليها في ثنايا الدراسة بإذن الله.

стр. 17

القول الرابع: إثبات الأسماء الحسنى مع إثبات مكاني بعضها وتحريف معاني البعض الأخر: وهذا قول الكلابية والأشاعرة والماتريدية ومن وافقهم. ورأيهم في هذه المسألة مبني على قولهم في صفات الله تعالى. فالكلابية وقدماء الأشاعرة ينفون الصفات الاختيارية وبالتالي لا يثبتون معاني الأسماء التي اشتقت من الصفات الاختيارية على الوجه الصحيح. وأما المتأخرون من الأشاعرة ومعهم الماتريدية، فإنهم لا يثبتون من الصفات سوى سبع صفاب هي: (العلم، القدرة، الحياة، الجمع، البصر، الإرادة، الكلام) ، ويزيد بعض الماتريدية صفة ثامنة هي (التكوين) ١ فالاسم عندهم إن دل على ما أثبتوه من الصفات، أثبتوا ما دل عليه من المعنى، وإن كان دالا على خلاف ما أثبتوه صرفوه عن حقيقته وحرفوا معناه. ومعلوم أنه لم يرد في باب الأسماء من تلك الصفات التي ذكروها إلا خمسة فقط، وهي: (العليم) و (القدير) و (الحي) و (السميع) و (البصير) فهذه الخمسة يثبتون معانيها وإن كان هناك من يرجع صفتي (السمع) و (البصر) إلى (العلم) ، ولكن جمهورهم على خلاف ذلك٢

стр. 18

وأما بقية الأسماء التي لا تتقق مع ما أثبتوه من الصفات، فإنهم لايثبتون مادلت عليه من المعاني، بل يحرفونها كتحريفهم لمعنى (الرحمة) في اسمه (الرحمن) إلى (إرادة الثواب، أو إرادة الإنعام) و (الود) في (الودود) ب (إرادة إيصال الخير) ومن المخالفات التي وقع فيها بعض هؤلاء بالإضافة إلى ما تقدم: ١- قولهم بأن في الأسماء الله غير مشتق. ٢- قول بعضهم بأن أسماء الله ليست توقيفية. ٣- مسألة الاسم والمسمى. وأما بالنسبة لما يتعلق بالمسألة الأولى، فإن بعض الأشاعرة يقسمون الأسماء إلى قسمين: القسم الأول: أسماء مشتقة. القسم الثاني: أسماء غير مشتقة. قال البغدادي: "جملة أسمأنه قسمان لا مشتق وغير مشتق"٢. فيجعلون اسم "الله" غير مشتق أي لا يدل على معنى فيعاملونه معاملة الأسماء الجامدة، وهذا مخالفة لمذهب أهل السنة الذين يعتقدون بأن أسماء الله جميعها متصفة لمعاني وليس فيها اسم جامد لا يدل على معنى. وأما المسألة الثانية وهي كون أسماء الله توقيفية. فإن الماتريدية وجمهور الأشاعرة يوافقون أهل السنة في هذه المسألة،

стр. 19

ولكن القاضي الباقلاني من الأشاعرة لا يشترط أن يكون توقيف من الكتاب والسنة في أسماء الله، واشترط أمرين: ا- أن يدل على معنى ثابت لله تعالى. ٢- ألا يكون إطلاقه موهما لما لا يليق بالله تعالى١ وتوقف الجويني في هذه المسألة٢ وأما المسألة الثالثة وهي مسألة الاسم والمسمى: فإن قول الأشاعرة والماتريدية فيها واحد، فهم يقولون: "الاسم عين المسمى"٣ وحقيقة هذه العبارة عندهم أن المسمى- أي "الله" - غير مخلوق، وأما التسميات فهي مخلوقة. فهم وافقوا الجهمية والمعتزلة في المعنى، وإن أظهروا أنهم موافقون لأهل السنة في اللفظ بقولهم: "إن أسماء الله غير مخلوقة". ومرادهم بذلك أن الله غير مخلوق. وهذا مما لا تنازع فيه الجهمية والمعتزلة٤ وسيأتي تفصيل قولهم في المسألة في مبحث الاسم والمسمى.

стр. 20

القول الخامس: إثبات الأسماء الحسنى مع إثبات معانيها جميعا وإثبات ما يتعلق بها من الحكام والمقتضيات: وهذا قول أهل السنة والجماعة، واعتقادهم يمكن إجماله في النقاط التالية: ١- الإيمان بثبوت الأسماء الحسنى الواردة في القرآن والسنة من غير زيادة ولا نقصان. ٢- الإيمان بأن الله هو الذي يسمي نفسه، ولا يسميه أحد من خلقه، فالله هو الذي تكلم بهذه الأسماء، وأسماؤه منه، وليست محدثة مخلوقة كما يزعم الجهمية والمعتزلة والكلابية والأشاعرة والماتريدية. ٣- الإيمان بأن هذه الأسماء دالة على معاني في غاية الكمال، فهي أعلام وأوصاف، وليست كالأعلام الجامدة التي لم توضع باعتبار معناها، كما يزعم المعتزلة. ٤- احترام معاني تلك الأسماء وحفظ مالها من حرمة في هذا الجانب وعدم التعرض لتلك المعاني بالتحريف والتعطيل كما هو شأن أهل الكلام. ٥- الإيمان بما تقتضيه تلك الأسماء من الآثار وما ترتب عليها من الأحكام. وبالجملة فإن أهل السنة يؤمنون بأسماء الله إيمانا صحيحا وفق ما أمرت به نصوص القرآن والسنة ووفق ما كان عليه فهم سلف الأمة، بخلاف أهل الباطل الذين أنكروا ذلك وعطلوه، فألحدوا في أسماء الله إلحادا كليا أو جزئيا، كما سبق وأن بيناه خلال عرض الأقوال الأربعة السابقة وفي العموم فإن فصولا الدراسة التي بين يديك، ستوضح لك بإذن الله

стр. 21

معتقد أهل السنة على وجه التفصيل، وستبين كذلك عور أهل الباطل وما عندهم من مزاعم فاسدة في هذا الباب، وما هم عليه من بعد عن الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة

стр. 22

الفصل الأول: في ثبوت الأسماء وتعيينها المبحث الأول: في معرفة ضابط الأسماء الحسنى المطلب الأول: في أهمية معرفة ضابط الأسماء الحسنى ... المطلب الأول: في أهمية معرفة ضابط الأسماء الحسنى إن من أهم ما ينبغي أن يعنى به الدارس لباب الأسماء الحسنى هو معرفة ضابط الأسماء الحسنى وحدها، وذلك لما يحويه هذا الأمر من أهمية وفائدة عظيمة، فإن تحديد ضابط للأسماء الحسنى يكون مستكملا لمقومات التعريف المعلومة (وهي أن يكون جامعا مانعا) - يعد أمرا مهما للغاية، وخاصة إذا علم أن هذا الباب قد تعددت فيه المناهج في عد الأسماء واختلفت في تعيينها، فالدارس بحاجة إلى حد يميز فيه الصواب من تلك المناهج ليعرف الحكم الصحيح فيها، وخاصة في باب خطير كهذا الباب، فإن الخطأ في أسماء الله لاشك جليل. وحري بهذه المسألة أن تعطى حقها من الاهتمام، وأن يقف الباحث عندها وقفة ليوفيها حقها من الدراسة والبحث، فكثير من الباحثين المعاصرين يغفل هذا الأمر ويهمله، فترى أكثرهم يسارع إلى الدخول في عد الأسماء وشرحها دون نظر في الضابط الذي اعتمده في ذلك الجمع والعد. وصنيعهم هذا يعد أمرا سلبيا، فهو يساعد على تعقيد المسألة وخفإنها ويزيد من كثرة الاختلافات الحاصلة فيها ويضيف لها عبأ ثقيلا يتعب الدارسين ويزيد من حيرتهم واضطرابهم، ولكأن لسان حالهم يقول: هذا يجمع وذاك يجمع، ولا نعلم أئ هؤلاء أولى بالصواب. فتصحيحا لهذا الوضع الحاصل، وتأكيدا على ضرورة معرفة ضابط

стр. 23

الأسماء قبل الدخول في تعيينها، عقدت، هذا المبحث لتوضيح وإبراز قيمة هذا الضابط من جهة، ولبيانه وشرح شروطه من جهة أخرى. وتبرز أهمية هذا الضابط في جانبين رئيسين هما: الجانب الأول: تحديد العلاقة التي تربط باب الأسماء بباب الصفات وباب الإخبار، فلابد من معرفة نوع العلاقة بين الأبواب الثلاثة وفهم ما بينها من عموم وخصوص. فباب الأسماء أخص من البابين الآخرين، وبالتالي هما أوسع منه فباب الصفات أوسع من باب الأسماء، وباب الإخبار أوسع من باب الصفات. ١- فكل ما صح اسما صح أن يدل على الصفة وصح الإخباربه. ٢- وكل ما صح صفة صح خبرا، ولكن ليس شرطا أن يصح اسما، فقد يصح وقد لا يصح، ولذلك كان باب الصفات أوسع من باب الأسماء. فالله يوصف بصفات كالكلام، والإرادة، والاستواء، ولا يشتق له منها أسماء، فلا يسمى بالمتكلم، والمريد، والمستوي. وفي المقابل هناك صفات ورد إطلاق الأسماء منها كالعلم، والعلو، والرحمة، فمن أسمأنه العليم، والعلي، والرحيم. ٣- وما صح خبرا فليس شرطا أن يصح اسما أو صفة، فإن الله يخبر عنه بالاسم ويخبر عنه بالصفة، (ويخبر عنه ما ليس باسم ولا صفة بشرط ألا يكون معناه سئيا) ١، فالله يخبر عنه بأنه شيء، ومذكور، ومعلوم وغير ذلك، ولكته لا يسمى ولا يوصف بذلك، ولهذا كان باب الإخبار أوسع من البابين الآخرين.

стр. 24

فإذا كان الحال كذلك فلابد من معرفة ضابط الأسماء الحسنى من أجل أن تحفظ لهذا الباب خصوصيته فلا يدخل فيه ما ليس منه. والجانب الثاني: الاستفادة من هذا الضابط في تعيين الأسماء الحسنى وتحديد ما يصح وما لا يصح مما يورده أهل العلم في كتبهم، أو مما يشيع على ألسنة الناس. فالمناهج التي سار عليها العلماء في جمعهم للأسماء الحسنى مختلفة إلى حد ما عددا وطريقة، فمن حيث الكم هناك من اقتصر على التسعة والتسعين، وهناك من قصر عن ذلك، وهناك من زاد. ومن حيث الطريقة التي ساروا عليها في جمع تلك الأسماء هناك أربعة مناهج وقفت عليها من خلال استقراء جهودهم في هذا المجال، أوردها لك على النحو التالي: المنهج الأول: الاعتماد على العد الوارد في روايات حديث أبي هريرة ﵁، وبالأخص طريق الوليد بن مسلم، عند الترمذي وغيره، وذلك (لاعتقادهم بصحة حديث الأسماء وتعدادها على مذهب المتساهلين في التصحيح وعدم النظر في العلل الواردة فيه) المنهج الثاني: الاقتصار على ما ورد من الأسماء بصورة الاسم فقط، أي ما ورد إطلاقه. وهذا منهج ابن حزم في عد الأسماء٢

стр. 25

قال عنه ابن حجر: "فإنه- أي ابن- حزم - اقتصر على ما ورد فيه بصورة الاسم لا ما يؤخذ من الاشتقاق كالباقي من قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ ١ ولا ما ورد مضافا كالبديع من قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ ٢" ٣. المنهج الثالث: منهج المتوسطين الذين اشتقوا من كل صفة وفعل اسما ولم يفرقوا بين البابين- أي باب الأسماء وباب الصفات- بل إنهم يدخلون ما يتعلق بباب الإخبار أحيانا. ومن هؤلاء ابن العربي المالكي وابن المرتضى اليماني والشرباصي. المنهج الرابع: منهج المتوسطين الذين توسطوا بين أصحاب المنهج الثاني والمنهج الثالث، فلا هم الذين حجروا تحجر ابن حزم، ولا هم الذين توسعوا توسع ابن العربى وأمثاله. وهذا المنهج هو الأشهر والأكثر تطبيقا عند أهل العلم، فهم حافظوا على خاصية هذا الباب، وبالتالي جعلوا شروطا لاشتقاق الاسم من الصفة، وهذه الشروط دلت عليها النصوص، وسيأتي تفصيلها في المطلب الثالث والرابع من هذا المبحث. وليس الغرض هنا تفصيل تلك المناهج وبيان ما لها وما عليها، فإن لذلك مبحثه المستقل، ولكن المقصود هنا هو الإشارة إلى أن هذا الاختلاف الحاصل بين المناهج الأربعة السابقة الذكر يؤكد ضرورة تحديد ضابط

стр. 26

للأسماء الحسنى يعين على معرفة الراجح منها. فلعل هذا التوضيح يكون كافيا في شرح أهمية هذا الضابط، وهذا أوان الشروع في المقصود.

стр. 27

المطلب الثاني: تحديد ضابط الأسماء الحسنى لعل أنسب تعريف للأسماء الحسنى، هو قول شيخ الإسلام ابن تيمية فيها: "الأسماء الحسنى المعروفة: هي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها"١. وهذا التعريف في اعتقادي هو أصلح وأفضل تعريف للأسماء الحسنى وذلك: أولا: لموافقته للنص الشرعي، ولعل شيخ الإسلام ابن تيمية استقاه من قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ٢. فقوله في التعريف: "هي التي يدعى بها" مأخوذ من قوله تعالى: ﴿فَادْعُوهُ بِهَا﴾ . وقوله: "هي التي وردت في الكتاب والسنة" مأخوذ من قوله: ﴿الأَسْمَاءُ﴾ (فالألف واللام هنا للعهد، فالأسماء بذلك، تكون معهودة ولا معروف في ذلك إلا ما نص الله عليه في كتابه أوسنة رسوله ﷺ ٣. وقوله: (وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها) مأخوذ من قوله تعالى: ﴿الْحُسْنَى﴾ فالحسنى تأنيث الأحسن، والمعنى أن أسماء الله أحسن الأسماء

стр. 28

وأكملها، (فما كان مسماه منقسما إلى كمال ونقص وخير وشر لم يدخل اسمه في الأسماءالحسنى) ١. وبهذا يتضح لك أن ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في تعريف الأسماء الحسنى هو مطابق لما ذكره الله في كتابه العزيز. وهذا وحده يكفي في اختيار هذا التعريف. ثانيا: مما يؤكد صحة هذا التعريف اشتماله على شرطين للاسم هما: الشرط الأول: ورود النص من القرآن أو السنة بذلك الاسم. والشرط الثاني: صحة الإطلاق، وذلك أن يقتضي الاسم المدح والثناء بنفسه. وهذان الشرطان يحققان للتعريف مقوماته بأن يكون جامعا لجوانب الشيء ومانعا من دخول غيره فيه، فالشرط الأول يؤكد على كون أسماء الله توقيفية، وأنه لا يجوز استعمال القياس فيها. والشرط الثاني يؤكد على خاصية باب الأسماء وأنه أخص من باب الصفات وباب الإخبار. وتوضيح هذين الشرطين هو ما سأضمنه في المطلب الثالث والرابع، ولذلك فإن شرح هذا الضابط سيأتي هناك لارتباطه بالشرطين، فلا حاجة لذكره هنا تحاشيا للتكرار والإطالة

стр. 29

المطلب الثالث: في الشرط الأول للأسماء الحسنى وهو ورود النص بذلك الإسم " فأسماء الله توقيفية" من الأمور المتقررة في عقيدة أهل السنة في باب أسماء الله الحسنى أن من ضابط أسماء الله الحسنى ورود النص بذلك، الاسم فلا يسمى الله إلا بما سمى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ . أ- فمعنى كون أسماء الله توقيفية: أي يجب الوقوف في أسماء الله على ما ورد ذكره في نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الصحيحة لا نزيد على ذلك ولا ننقص منه. ولذلك يرى السلف أن من أحكام باب الأسماء ما يلي: ١- إثبات ما أثبته الله لنفسه من الأسماء الحسنى الواردة قي نصوص القرآن والسنة الصحيحة. ٢- ألا ننفي عن الله ما سمى به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ ٣- ألا نسمي الله بما لم يسم به نفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ . وذلك لأنه لا طريق إلى معرفة أسماء الله ﵎ إلا من طريق واحد هو طريق الخبر (أي الكتاب والسنة) . ب- ومن أقوال أهل العلم في تقرير هذه المسألة مايلي: قال ابن القيم ﵀: (أسماء الله تعالى هي أحسن الأسماء وأكملها، فليس في الأسماء أحسن منها ولا يقوم غيرها مقامها ولايؤدي معناها. وتفسير

стр. 30

الاسم منها بغيره ليس تفسيرا بمرادف محض، بل هو على سبيل التقريب والتفهيم. فإذا عرفت هذا فله من كل صفة كمال أحسن اسم وأكمله وأتمه معنى، وأبعده عن شائبة عيب أو نقص. فله من صفة الإدراكات: العليم الخبير دون العاقل الفقيه. والسميع البصير دون السامع والباصر والناظر. ومن صفات الإحسان: البر الرحيم الودود دون الرفيق والشفوق ونحوهما. وكذلك العلي العظيم دون الرفيع الشريف. وكذلك الكريم دون السخي. والخالق البارىء المصور دون الفاعل الصانع المشكل والغفور العفو دون الصفوح الساتر. وكذلك سائر أسمأنه تعالى يجري على نفسه منها أكملها وأحسنها وما لا يقوم غيره مقامه، فتأمل ذلك، فأسماؤه أحسن الأسماء، كما أن صفاته أكمل الصفات، فلا تعدل عما سمى به نفسه إلى غيره، كما لا تتجاوز ما وصف به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ إلى ما وصفه به المبطلون والمعطلون) ١. وقال أبو سليمان الخطابي: (ومن عدم هذا الباب- أعني الأسماء والصفات- ومما يدخل في أحكامه ويتعلق به من شرائط، أنه لا يتجاوز فيها التوقيف، ولا يستعمل فيها القياس فيلحق بالشيء نظيره في ظاهر وضع اللغة ومتعارض الكلام:

стр. 31

"فالجواد" لا يجوز أن يقاس عليه السخي وإن كانا متقاربين في ظاهر الكلام، وذلك أن السخي لم يرد به التوقيف، كما ورد بالجواد. و"القوي" لا يقاس عليه الجلد، وإن كانا يتقاربان في نعوت الآدميين لأن باب التجلد يدخله التلف والاجتهاد. ولا يقاس على "القادر" المطيق ولا المستطيع. وفي أسمأنه "العليم" ومن صفته العلم، فلا يجوز قياسا عليه أن يسمى عارفا لما تقتضيه المعرفة من تقديم الأسباب التي بها يتوصل إلى علم الشيء وكذلك لا يوصف بالعاقل. وهذا الباب يجب أن يراعى ولا يغفل، فإن عائدته عظيمة والجهل به ضار، وبالله التؤفيق) ١. وقال السفاريني في منظومته: لكنها في الحق توقيفية لنا بذا أدلة وفية ثم قال في شرحه: (لكنها- أي أسماء الله- في القول الحق المعتمد عند أهل الحق توقيفية بنص الشرع وورود السمع بها، ومما يجب أن يعلم أن علماء السنة اتفقوا على جواز إطلاق الأسماء الحسنى والصفات على البارىء جل وعلا إذا ورد بها الإذن من الشارع، وعلى امتناعه على ما ورد المنع عنه) ٢. ج- الأدلة على كون أسماء الله توقيفية: من خلال ما تقدم من نقول يتضح لك مدى تمسك علماء أهل السنة بالتوقيف في باب الأسماء الحسنى، ومنعهم لاستخدام القياس اللغوي

стр. 32

والعقلي في هذا الباب. وهذا هو القول الحق الذي تدل عليه النصوص الشرعية ومنها ما يلي: أولا: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ ١. فهذه الآية تدل على أن الأسماء توقيفية من وجهين: ١- قوله: ﴿الأَسْمَاءُ﴾ فهي هنا جاءت (بأل) وهي هنا للعهد، فالأسماء بذلك لا تكون إلا معهودة، ولا معروف في ذلك إلا ما نص عليه في الكتاب أو السنة٢. ٢- قوله. ﴿الْحُسْنَى﴾ فهذا الوصف يدل على أنه ليس في الأسماء الأخرى أحسن منها، وأن غيرها لا يقوم مقامها ولا يؤدي معناها٣. فلا يجوز بحال أن يدخل في أسماء الله ما ليس منها، فهذا الوصف يؤكد كونها توقيفية. ثانيا: قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَأنه سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤. قال الإمام البغوي: (قال أهل المعاني: الإلحاد في أسماء الله تسميته بما لم يتسم به ولم ينطق به كتاب الله ولا سنة رسوله ﷺ ٥. وقال ابن حجر: "قال أهل التفسير: من الإلحاد في أسمأنه تسميته بما لم يرد في الكتاب أو السنة الصحيحة"٦

стр. 33

وقال ابن حزم: (منع تعالى أن يسمى إلا بأسمأنه الحسنى وأخبر أن من سماه بغيرها فقد ألحد) ١. وبهذا يتبين أن هذه الآية دليل على أن أسماء الله توقيفية، وأن مخالفة ذلك وتسميته تعالى بما لم يسم به نفسه ميل بها عما يجب فيها، فالإقدام على فعل شي من ذلك هو نوع من الإلحاد في أسماء الله. ثالثا: قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾ ٢. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ومن جعله تسبيحا للاسم يقول: المعنى: إنك لا تسم به غير الله، ولا تلحد في أسمأنه، فهذا ما يستحقه اسم الله) ٣ فإذا فسرت الآية بهذا الوجه ففيها دليل على كل ما سبق في الآية التي قبلها من اعتبار تسميته بما لم يسم به نفسه من أنواع الإلحاد في أسمأنه. رابعا: قوله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاء﴾ ٤ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْم﴾ ٥. وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٦. فإذا كانت هذه الآيات تحرم وتحذر من الخوض في الأمور المغيبة عند فقد الدليل الشرعي، فإن ذلك التحريم والتحذير يدخل فيه باب أسماء الله

стр. 34

باعتباره من الأمور المغيبة التي لا تعرف إلا من طريق النص الشرعي. ولذلك من الواجب هنا الاقتصار على الأسماء الواردة في النصوص وترك ما سواها. خامسا: حديث "ما أصاب عبدا قط هم ولا غم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمتك ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثزت به في علم الغيب عندك ... " الحديث١ والشاهد في الحديث قوله: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك". قال ابن القيم: (فالحديث صريح في أن أسماءه ليست من فعل الآدميين وتسمياتهم) ٢. و"أو" في قوله: "سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك" حرف عطف والمعطوف بها أخص مما قبله فيكون من باب عطف الخاص على العام، فإن ما سمى به نفسه يتناول جميع الأنواع المذكورة بعده، فيكون عطف كل جملة منها من باب عطف الخاص على العام، فوجه الكلام أن يقال: "سميت به نفسك فأنزلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك"٣.

стр. 35

د- الذين خالفوا الحق في هذه المسألة: قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (والناس متنازعون، هل يسمى الله بما صح معناه في اللغة والعقل والشرع وإن لم يرد بإطلاقه نص ولا إجماع، أم لايطلق إلا ما أطلق نصا أو إجماعا، على قولين مشهورين: ١- فعامة النظار- أي أهل الكلام- يطلقون ما لا نص في إطلاقه ولا إجماع كلفظ القديم والذات ونحو ذلك. ٢- ومن الناس من يفصل بين الأسماء التي يدعى بها، وبين ما يخبر به عنه للحاجة، فهو سبحانه إنما يدعى بالأسماء الحسنى كما قال: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ ١. وأما إذا احتيج إلى الإخبار عنه مثل أن يقال: ليس هو بقديم ولا موجود ولا ذات قائمة بنفسها ونحو ذلك، فقيل: بل هو سبحانه قديم موجود وهو ذات قائمة بنفسها. وقيل: ليس بشيء. فقيل: بل هو شيء فهذا سائغ، وإن كان لا يدعى بمثل هذه الأسماء التي ليس فيها ما يدل على المدح) ٢. فالذين خالفوا الحق في هذه المسألة هم بعض أهل الكلام كما أشار لذلك شيخ الإسلام في النقل السابق، ومن هؤلاء بعض المعتزلة وبعض الأشاعرة، وكذلك الكرامية. أما عن المعتزلة، فقد ذكر البغدادي أن المعتزلة البصرية أجازوا إطلاق الأسماء عليه بالقياس) ٣.

стр. 36

وقال أبو الحسن الأشعري: (واختلفت المعتزلة، هل يجوز أن يسمى البارىء عالما من استدلا على أنه عالم بظهور أفعاله عليه وإن لم يأته السمع من قبل الله سبحانه بأن يسميه بهذا الاسم أم لا، على مقالتين: فزعمت الفرقة الأولى منهم أنه جائز أن يسمي الله سبحانه عالما قادرا حيا سميعا بصيرا من استدل على معنى ذلك أنه يلإق بالله وإن لم يأت به رسول وزعمت الفرقة الثانية أنه لا يجوز أن يسمي الله سبحانه بهذه الأسماء من دله العقل على معناها إلآ أن يأتيه بذلك رسول من قبل الله سبحانه يأمره بتسميته بهذه الأسماء) ١. ٢- وأما عن الأشاعرة، فإن جمهورهم مع أهل السنة في كون أسماء الله توقيفية وكذلك الماتريدية، ولكن القاضي الباقلاني- من الأشاعرة- لا يشترط التوقيف واشترط أمرين هما: ١- أن يدل على معنى ثابت لله تعالى. ٢- ألا يكون إطلاقه موهما لما لا يليق بالله تعالى٢. وتوقف الجويني في هذه المسألة، فهو يرى أن الجواز وعدمه حكمان شرعيان لا سبيل إلى إطلاق أحدهما إلا بإذن الشرع، ولم يأت ولذا قال بالتوقف٣. قال السفاريني. (الجمهور منعوا إطلاق ما لم يأذن به الشرع مطلقا، وجوزه المعتزلة مطلقا، ومال إليه بعض الأشاعرة كا لقاضي أبي بكير الباقلاني، وتوفف إمام الحرمين الجوينى ٠٠) ٤.

стр. 37

٣- وأما الكرامية، فقد قال الرازي: (وقالت المعتزلة والكرامية: إن اللفظ إذا دل العقل على أن المعنى ثابت في حق الله سبحانه جاز إطلاق ذلك اللفظ على الله سواء ورد التوقيف به أو لم يرد) ١. وإن مما لاشك فيه أن اسماط شرط التوقيف في باب أسماء الله ضرره عظيم. وأذكر لك قصة تبين فساد قول القائلين باسماط هذا الشرط، فمعتزلة البصرة يسقطون هذا الشرط، والجبائي منهم، وقد دخل رجل على الجبائي فقال: هل يجوز أن يسمى الله تعالى عاقلا؟ فقال الجبائي: لا، لأن العقل مشتق من العقال، وهو المانع، والمنع في حق الله تعالى محال فامتنع الإطلاق. قال الشيخ أبو الحسن (الأشعري) : فقلت له: فعلى قياسك لا يسمى الله- سبحانه- حكيما، لأن هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام. وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج، ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت ﵁: فنحكم بالقوافي من هجانا ونضرب حين تختلط الدماء٢. وقول الآخر٣: أبي حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكمو أن أغضبا

стр. 38

أي: "نمنع بالقوافي من هجانا"، و "امنعوا سفهاءكم ". فإذا كان اللفظ مشتقا من المنع، والمنع على الله محال، لزمك أن تمنع إطلاق "حكيم " عليه . قال: فلم يحر جوابا، إلا أنه قال لي: فلم منعت أنت أن يسمى الله سبحانه عاقلا، وأجزت أن يسمى حكيما؟ قال (أي الأشعري) : فقلت له: لأن طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعي، دون القياس اللغوي. فأطلقت "حكيما" لأن الشرع أطلقه، ومنعت "عاقلا" لأن الشرع منعه، ولو أطلقه الشرع لأطلقته "١.

стр. 39

المطلب الرابع: الشرط الثاني للأسماء الحسنى وهو: أن تقتضي الأسماء المدح والثناء بنفسها إن من شرط الأسماء الحسنى صحة الإطلاق. بمعنى أن يقتضي الاسم المدح والثناء بنفسه بدون متعلق أو قيد. وهذا الشرط هو الذي يميز باب الأسماء عن باب الصفات بخلاف الشرط الأول فإنه شرط مشترك بين الاثنين، فأسماء الله وصفاته لابد من ورود النص بهما١ "توضيح هذا الشرط": هذا الشرط من دقيق فقه الأسماء الحسنى، فنحن إذ وقفنا وقفة تأمل عند نصوص الكتاب والسنة الواردة في هذا الشأن نجد الحقائق التالية. أولا: أن الله أطلق على نفسه أسماء ك "السميع" و"البصير"، وأوصافا "السمع" و"البصر"، وهكذا أخبر عن نفسه بأفعالها فقال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ٣

стр. 40

فاستعملها في تصاريفها المتنوعة، مما يدل على أن مثل ذلك يجوز إطلاقه عليه في أي صورة ورد. ثانيا: وأطلق على نفسه أفعالا ك"الصنع" و "الصبغة" و "الفعل" ونحوها. قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْمن كُلَّ شَيْءٍ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٣ لكنه لم يتسم ولم يصف نفسه بها ولكن أخبر بها عن نفسه، مما يدل على أنها تخالف الأول في الحكم فوجب الوقوف فيها على ما ورد. ثالثا: ووصف نفسه بأفعال في سياقها المدح ك"يريد" و"يشاء" فقال جل شأنه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥ إلا أنه لم يشتق له منها أسماء فدل على أن هذا النوع مخالفة للقسمين الأولين، فوجب رده إلى الكتاب والسنة وذلك بالوقوف حيث أوقفنا الله ورسوله ﷺ . رابعا: ووصف نفسه بأفعال أخرى على سبيل المقابلة بالعقاب والجزاء فقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ ٧ ولم يشتق منها أسماء له تعالى فدل ذلك على أن مثل هذه الأفعال لها حكم خاص فوجب الوقوف على ما ورد.
следующие страницы →