← Акыда

Акыда · id 12074

معتقد أهل السنة والجماعة في أسماء الله الحسنى

محمد بن خليفة التميمي

Полный текст (340 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وقال أبو الحسن الأشعري: (واختلفت المعتزلة، هل يجوز أن يسمى البارىء عالما من استدلا على أنه عالم بظهور أفعاله عليه وإن لم يأته السمع من قبل الله سبحانه بأن يسميه بهذا الاسم أم لا، على مقالتين: فزعمت الفرقة الأولى منهم أنه جائز أن يسمي الله سبحانه عالما قادرا حيا سميعا بصيرا من استدل على معنى ذلك أنه يلإق بالله وإن لم يأت به رسول وزعمت الفرقة الثانية أنه لا يجوز أن يسمي الله سبحانه بهذه الأسماء من دله العقل على معناها إلآ أن يأتيه بذلك رسول من قبل الله سبحانه يأمره بتسميته بهذه الأسماء) ١. ٢- وأما عن الأشاعرة، فإن جمهورهم مع أهل السنة في كون أسماء الله توقيفية وكذلك الماتريدية، ولكن القاضي الباقلاني- من الأشاعرة- لا يشترط التوقيف واشترط أمرين هما: ١- أن يدل على معنى ثابت لله تعالى. ٢- ألا يكون إطلاقه موهما لما لا يليق بالله تعالى٢. وتوقف الجويني في هذه المسألة، فهو يرى أن الجواز وعدمه حكمان شرعيان لا سبيل إلى إطلاق أحدهما إلا بإذن الشرع، ولم يأت ولذا قال بالتوقف٣. قال السفاريني. (الجمهور منعوا إطلاق ما لم يأذن به الشرع مطلقا، وجوزه المعتزلة مطلقا، ومال إليه بعض الأشاعرة كا لقاضي أبي بكير الباقلاني، وتوفف إمام الحرمين الجوينى ٠٠) ٤.

стр. 37

٣- وأما الكرامية، فقد قال الرازي: (وقالت المعتزلة والكرامية: إن اللفظ إذا دل العقل على أن المعنى ثابت في حق الله سبحانه جاز إطلاق ذلك اللفظ على الله سواء ورد التوقيف به أو لم يرد) ١. وإن مما لاشك فيه أن اسماط شرط التوقيف في باب أسماء الله ضرره عظيم. وأذكر لك قصة تبين فساد قول القائلين باسماط هذا الشرط، فمعتزلة البصرة يسقطون هذا الشرط، والجبائي منهم، وقد دخل رجل على الجبائي فقال: هل يجوز أن يسمى الله تعالى عاقلا؟ فقال الجبائي: لا، لأن العقل مشتق من العقال، وهو المانع، والمنع في حق الله تعالى محال فامتنع الإطلاق. قال الشيخ أبو الحسن (الأشعري) : فقلت له: فعلى قياسك لا يسمى الله- سبحانه- حكيما، لأن هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام. وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج، ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت ﵁: فنحكم بالقوافي من هجانا ونضرب حين تختلط الدماء٢. وقول الآخر٣: أبي حنيفة أحكموا سفهاءكم إني أخاف عليكمو أن أغضبا

стр. 38

أي: "نمنع بالقوافي من هجانا"، و "امنعوا سفهاءكم ". فإذا كان اللفظ مشتقا من المنع، والمنع على الله محال، لزمك أن تمنع إطلاق "حكيم " عليه . قال: فلم يحر جوابا، إلا أنه قال لي: فلم منعت أنت أن يسمى الله سبحانه عاقلا، وأجزت أن يسمى حكيما؟ قال (أي الأشعري) : فقلت له: لأن طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعي، دون القياس اللغوي. فأطلقت "حكيما" لأن الشرع أطلقه، ومنعت "عاقلا" لأن الشرع منعه، ولو أطلقه الشرع لأطلقته "١.

стр. 39

المطلب الرابع: الشرط الثاني للأسماء الحسنى وهو: أن تقتضي الأسماء المدح والثناء بنفسها إن من شرط الأسماء الحسنى صحة الإطلاق. بمعنى أن يقتضي الاسم المدح والثناء بنفسه بدون متعلق أو قيد. وهذا الشرط هو الذي يميز باب الأسماء عن باب الصفات بخلاف الشرط الأول فإنه شرط مشترك بين الاثنين، فأسماء الله وصفاته لابد من ورود النص بهما١ "توضيح هذا الشرط": هذا الشرط من دقيق فقه الأسماء الحسنى، فنحن إذ وقفنا وقفة تأمل عند نصوص الكتاب والسنة الواردة في هذا الشأن نجد الحقائق التالية. أولا: أن الله أطلق على نفسه أسماء ك "السميع" و"البصير"، وأوصافا "السمع" و"البصر"، وهكذا أخبر عن نفسه بأفعالها فقال: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ٣

стр. 40

فاستعملها في تصاريفها المتنوعة، مما يدل على أن مثل ذلك يجوز إطلاقه عليه في أي صورة ورد. ثانيا: وأطلق على نفسه أفعالا ك"الصنع" و "الصبغة" و "الفعل" ونحوها. قال تعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْمن كُلَّ شَيْءٍ﴾ ١ وقال تعالى: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ ٢ وقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ٣ لكنه لم يتسم ولم يصف نفسه بها ولكن أخبر بها عن نفسه، مما يدل على أنها تخالف الأول في الحكم فوجب الوقوف فيها على ما ورد. ثالثا: ووصف نفسه بأفعال في سياقها المدح ك"يريد" و"يشاء" فقال جل شأنه: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ ٤ وقال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ ٥ إلا أنه لم يشتق له منها أسماء فدل على أن هذا النوع مخالفة للقسمين الأولين، فوجب رده إلى الكتاب والسنة وذلك بالوقوف حيث أوقفنا الله ورسوله ﷺ . رابعا: ووصف نفسه بأفعال أخرى على سبيل المقابلة بالعقاب والجزاء فقال تعالى: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ ٦ وقال تعالى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ ٧ ولم يشتق منها أسماء له تعالى فدل ذلك على أن مثل هذه الأفعال لها حكم خاص فوجب الوقوف على ما ورد.

стр. 41

فهذه الحقائق السابقة قررت عند العلماء النتائج التالية: ١- أن النصوص جاءت بثلاثة أبواب هي "باب الأسماء" و"باب الصفات" و"باب الإخبار". ٢- أن باب الأسماء هو أخص تلك الأبواب، فما صح إسما صح صفة وصح خبرا وليس العكس. ٣- باب الصفات أوسع من باب الأسماء، فما صح صفة فليس شرطا أن يصح إسما، فقديصح وقد لايصح، مع أن الأسماء جميعها مشتقة من صفاته. ٤- أن ما يدخل في باب الإخبار عنه تعالى أوسع مما يدخل في باب أسمأنه وصفاته، فالله يخبر عنه بالاسم وبالصفة وبما ليس باسم ولا صفة كألفاظ "الشيء" و"الموجود" و"القائم بنفسه" و"المعلوم"، فإنه يخبر بهذه الألفاظ عنه ولاتدخل في أسمأنه الحسنى وصفاته العليا. والذي يعنينا هنا من بين تلك النتائج هو تحديد سبب خصوصية باب الأسماء، وما المانع من دخول بعض ألفاظ الصفات وغيرها في هذا الباب وهذا يتضح لنا عند تحليل ما اشتقت منه أسماء الله. فمن المعلوم أن أسماء الله الحسنى كلها مشتقة، فكل اسم من أسمأنه مشتق إما من صفة من صفاته أو فعل قائم به١، ولمعرفة صحة الاسم ينطر إلى الصفة أو الفعل الذي اشتق منه، ولبيان ذلك، نقول: أولا: باب الصفات أوسع من باب الأسماء؟ فإن كانت الصفة منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمأنه. مثال ذلك "المتكلم- والمريد- والفاعل- والصانع". فهذه الألفاظ لا

стр. 42

تدخل في أسمأنه، ولهذا غلط من سماه بهذه الأسماء؟ لأن الكلام والإرادة والفعل والصنع منقسمة إلى محمود ومذموم١. ومن أجل ذلك كان باب الصفات أوسع من باب الأسماء، فالله يوصف بصفات كالكلام، والإرادة، والاستواء، والنزول، والضحك، ولا يشتق له منها أسماء، فلا يسمى با لمتكلم، والمريد، والمستوي، والنازل، والضاحك، (فهذه الأسماء التي فيها عموم وإطلاق لما يحمد ويذم لا توجد في أسماء الله الحسنى، لأنها لا تدل في حال إطلاقها على ما يحمد الرب به ويمدح) ٢. وفي المقابل هناك صفات ورد إطلاق الأسماء منها كالعلو، والعلم، والرحمة والقدرة، لأنها في نفسها صفات مدح والأسماء الدالة عليها أسماء مدح) ٣ فمن أسمأنه: العلي، والعليم، والرحيم، والقدير. قال ابن القيم ﵀: (إن الصفة إذا كانت منقسمة إلى كمال ونقص لم تدخل بمطلقها في أسمأنه، بل يطلق عليه منها كمالها، وهذا كالمريد والفاعل والصانع، فإن هذه الألفاط لا تدخل في أسمأنه، ولهذا غلط من سماه بالصانع عند الإطلاق، بل هو الفعال لما يريد، فإن الإرادة والفعل والصنع منقسمة، ولهذا إنما أطلق على نفسه من ذلك أكمله فعلا وخبرا) ٤. وقال ﵀: (ومن هنا يتبتن لك خطأ من أطلق عليه اسم الصانع والفاعل والمربي ونحوها؟ لأن اللفظ الذي أطلقه سبحانه على نفسه وأخبر به

стр. 43

عنها أتم من هذا، وأكمل وأجل شأنا، فإنه يوصف من كل صفة كمال بأكملها وأجلها وأعلاها. فيوصف من الإرادة بأكملها وهو الحكمة وحصول كل ما يريد بإرادته ... وكذلك العليم الخبير أكمل من الفقيه العارف، والكريم الجواد أكمل من السخي، والرحيم أكمل من الشفيق، والخالق البارىء المصور أكمل من الفاعل الصانع؟ ولهذا لم تجئ هذه في أسمأنه الحسنى، فعليك بمراعاة ما أطلقه سبحانه على نفسه من الأسماء والصفات، والوقوف معها وعدم إطلاق مالم يطلقه على نفسه، مالم يكن مطابقا لمعنى أسمأنه وصفاته، وحينئذ فيطلق المعنى لمطابقته لها دون اللفظ، ولاسيما إذا كان مجملا أو منقسما أو مما يمدح به غيره فإنه لا يجوز إطلاقه إلا مقيدا، وهذا كلفظ الفاعل والصانع فإنه لا يطيق عليه في أسمأنه الحسنى إلا إطلاقا مقيدا كما أطلقه على نفسه كقوله: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ ١ ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ ٢ وقوله: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْمن كُلَّ شَيْءٍ﴾ ٣، فإن اسم "الفاعل" و"الصانع" منقسم المعنى إلى ما يمدح عليه ويذم، فلهذا المعنى لم يجىء في الأسماء الحسنى "المريد" كما جاء فيها "السميع" "البصير"، ولا "المتكلم، الآمر، الناهي" لإنقسام مسمى هذه الأسماء، بل وصف نفسه بكمالاتها وأشرف أنواعها. ومن هنا يعلم غلط بعض المتأخرين وزلقه الفاحش في اشتقاقه له سبحانه من كل فعل أخبر به عن نفسه اسما مطلقا، وأدخله في أسمأنه الحسنى فاشتق منها اسم الماكر، والمخادع، والفاتن، و. المضل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا)

стр. 44

وقال ﵀: (وما كان مسماه منقسما إلى كامل وناقص وخير وشر لم يدخل اسمه في الأسماء الحسنى. كالشيء والمعلوم. ولذلك لم يسم بالمريد ولا بالمتكلم. وإن كان له الإرادة والكلام، لانقسام مسمى "المريد" و"المتكلم" وهذا من دقيق فقه الأسماء الحسنى. فتأمله، وبالله التوفيق) ١. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (وأما تسميته سبحانه بأنه مريد وأنه متكلم، فإن هذين الاسمين لم يردا في القرآن ولا في الأسماء الحسنى المعروفة، ومعناهما حق، ولكن الأسماء الحسنى المعروفة هي التي يدعى الله بها، وهي التي جاءت في الكتاب والسنة، وهي التي تقتضي المدح والثناء بنفسها، والعلم والقدرة والرحمة ونحو ذلك هي في نفسها صفات مدح، والأسماء الدالة عليها أسماء مدح، وأما الكلام والإرادة فلما كان جنسه ينقسم إلى محبوب كالصدق والعدل، وإلى مذموم كالظلم والكذب، والله تعالى لا يوصف إلا بالمحمود دون المذموم جاء ما يوضح به من الكلام والإرادة في أسماء تخص المحمود كاسمه الحكيم والرحيم والصادق والمؤمن والشهيد والرؤوف والحليم والفتاح ونحو ذلك. فلهذا لم يجىء في أسمأنه الحسنى المأثورة المتكلم المريد) ٢. وقال ﵀: (إن الله سبحانه له الأسماء الحسنى، كما سمى نفسه بذلك، وأنزل كتبه، وعلمه من شاء من خلقه كاسمه (الحق) و (العليم) ، و (الرحيم) و (الحكيم) و (الأول) و (الآخر) و (العلي) و (العظيم) و (الكبير)

стр. 45

ونحو ذلك. وهذه الأسماء كلها أسماء مدح وحمد تدل على ما يحمد به، ولا يكون معناها مذموما، والله له الأسماء الحسنى، وليس له مثل السوء قط، فالأسماء التي فيها عموم وإطلاق لما يحمد ويذم لا توجد في أسماء الله الحسنى، لأنها لا تدل على ما يحمد الرب ويمدح، فالإرادة إذا أخذت مطلقا وقيل: "المريد" فالمريد قد يريد خيرا، يحمد عليه، وقد يريد شرا يذم عليه، وإذا أخذ الكلام وقيل: "متكلم" فالمتكلم بصدق وعدل، وقد يتكلم بكذب وظلم، ولذلك لم تذكر مطلقة) ١. ثانيا: باب الأفعال أوسع من باب الأسماء: وأما إذا كان الاسم مشتقا من أفعاله القائمة به، فإن كان الفعل ورد مقيدا فإنه لا يلزم من الإخبار عنه بالفعل مقيدا أن يشتق له منه اسم مطلق، كما غلط فيه بعض المتأخرين فجعل من أسمأنه الحسنى "المضل، الفاتن، الماكر تعالى الله عن قوله، فإن هذه الأسماء لم يطلق عليه سبحانه منها إلا أفعالا مخصوصة معينة فلا يجوز أن يسمى بأسمأنها المطلقة، والله أعلم) ٢. قال ابن القيم ﵀: (الفعل أوسع من الاسم، ولهذا أطلق الله على نفسه أفعالا لم يتسم منها أسماء الفاعل، كأراد، وشاء، وأحدث. ولم يسم "بالمريد" و"الفاعل" و"المتمن" وغير ذلك من الأسماء التي أطلق أفعالها على نفسه. فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء. وقد أخطأ- أقبح خطإ- من اشتق له من كل فعل اسما، وبلغ بأسمأنه زيادة على الألف فسماه "الماكر، والمخادع، والفاتن، والكائد" ونحو ذلك) ٣.

стр. 46

وقال الشيخ حافظ حكمي: (اعلم أنه قد ورد في القرآن أفعال أطلقها الله على نفسه على سبيل الجزاء والعدل والمقابلة، وهي فيما سيقت فيه مدح وكمال، لكن لا يجوز أن يشتق له تعالى منها أسماء ولا تطلق عليه في غير ما سيقت فيه من الآيات، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُم﴾ ١ وقول: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ ٢ وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ ٣ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِم﴾ ٤ ونحو ذلك، فلا يجوز أن يطلق على الله تعالى مخادع، ماكر، ناس، مستهزئ، ونحو ذلك مما تعالى الله عنه، ولا يقال: الله يستهزىء ويخاع ويمكر وينسى على سبيل الإطلاق، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا) ٥. وقال ابن القيم ﵀: (إن الله تعالى لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع والاستهزاء مطلقا، ولا ذلك داخل في أسمأنه الحسنى، ومن ظن من الجهال المصنفين في شرح الأسماء الحسنى أن من أسمأنه تعالى الماكر، المخادع، المستهزىء، الكائد- فقد فاه بأمر عظيم تقشعر منه الجلود، وتكاد الأسماع تضئم عند سماعه، وغز قذا الجاهل أنه أطلق على نفسه هذه الأفعال، فاشتق له منها أسماء، وأسماؤه تعالى كالها حسنى فأدخلها في الأسماء الحسنى وقرنها بالرحيم، الودود، الحكيم، الكريم، وهذا جهل عظيم، فإن هذه الأفعال ليست ممدوحة مطلقا، بل تمدح في موضع وتذم في

стр. 47

موضع، فلا يجوز إطلاق أفعالها على الله تعالى مطلفا، فلا يقال إنه تعالى يمكر ويخادع ويستهزئ ويكيد، فكذلك بطريق الأولى لايشتق له منها أسماء ويكفى بها، بل إذا كان لم يأت في أسمأنه الحسنى المريد والمتكلم ولا الفاعل ولا الصانع لأن مسمياتها تنقسم إلى ممدوح ومذموم، وإنما يوصف بالأنواع المحمودة منها كالحليم والحكيم والعزيز والفعال لما يريد، فكيف يكون منها الماكر والمخادع والمستهزىء. ثم يلزم هذا الغالط أن يجعل من أسمأنه الحسنى الداعي، والآتي، والجائي، والذاهب، والقادم، والرائد، والناسي، والقاسم، والساخط، والغضبان، واللاعن، إلى أضعاف ذلك من التي أطلق تعالى على نفسه أفعالها من القرآن، وهذا لا يقوله مسلم ولا عاقل، والمقصود أن الله سبحانه لم يصف نفسه بالكيد والمكر والخداع إلا على وجه الجزاء لمن فعل ذلك بغير حق، وقد علم أن المجازاة على ذلك حسنة من المخلوق فكيف من الخالق اهـ١ قلت: ومن هنا يتبتن لك خطأ ما عده بعضهم ومنهم ابن العربي المالكي في كتابه أحكام القرآن، حيث سماه بالفاعل والزارع، فإن الفاعل والزارع إذا أطلقا بدون متعلق ولا سياق يدل على وصف الكمال فيهما فلا يفيدان مدحا، أما في سياقها من الآيات التي ذكرت فيها فهي صفات كمال ومدح وتوحد كما قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ ٢، وقال تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ ٣

стр. 48

الآيات، بخلاف ما إذا عدت مجردة عن متعلقاتها وما سيقت فيه وله، وأكبر مصيبة أن عد في الأسماء الحسنى رابع ثلاثة، وسادس خمسة مصرحا قبل ذلك بقوله: وفي سورة المجادلة اسمان فذكرهما. وهذا خطأ فاحشة، فإن الآية لا تدل على ذلك ولا تقتضيه بوجه، لا منطوقا ولا مفهوما، فإن الله قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أنى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ١ الآية. وأين في هذا سياق رابع ثلاثة، سادس خمسة؟ وكان حقه اللائق بمراده أن يقول: رابع كل ثلاثة في نجواهم وسادس كل خمسة كذلك، فإنه تعالى يعلم أفعالهم ويسمع أقوالهم كما هو مفهوم صدر الآية، ولكن لا يليق بهذا المعنى إلا سياق الآية والله تعالى أعلم) ٢.

стр. 49

المبحث الثاني: مناهج الناس في عدد الأسماء الحسنى المطلب الأولى: القائلون بأن أسماء الله غير محصورة بعدد معين نعلمه ... المطلب الأولى: القائلون بأن أسماء الله غيرمحصورة بعدد معين نعلمه انقسم الناس في مسألة عدد أسماء الله الحسنى إلى فريقين. الفريق الأول: يقولون: إن أسماء الله الحسنى لا تدخل تحت حصر ولا تحد بعدد، فإن لله تعالى أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها ملك مقرب ولا نبي مرسل١، وهذا هو الصواب وعلى ذلك مضى سلف الأمة وأئمتها، وهو قول جمهور العلماء ولم يخالفهم فيه إلا طائفة من المتأخرين كابن حزم وغيره٢. أدلتهم: مما احتح به الجمهور لقولهم في هذه المسألة ما يلي: ا- حديث عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "ما أصاب عبدا قط هم ولا غم ولاحزن فقال اللهم إني عبدك، ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماضي في حكمك، عدل في قضاؤك، أسئلك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنرلته في كتابك أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي ونور صدري وجلاء حزني وذهاب همي وغمي، إلا أذهب الله همه وغمه وأبدله مكانه فرحا" قالوا: يا رسول الله أفلا تتعلمهن قال: "بلى، ينبغي لمن يسمعهن أن

стр. 50

يتعلمهن"١. والشاهد من هذا الحديث قوله: "أو استأثزت به في علم الغيب عندك" فهودليل على أن أسماءه أكثر من تسعة وتسعين، وأن له أسماء وصفات استأثر بها في علم الغيب عنده لا يعلمها غيره٢. ففي هذا الحديث جعل أسماءه ثلاثة أقسام٣: ١- قسم سمى به نفسه فأظهره لمن شاء من ملائكته أو غيرهم ولم ينزل به كتابه.

стр. 51

٢- وقسم أنزل به كتابه فتعرف به إلى عباده. ٣- وقسم استأثر به في علم غيبه فلم يطلع عليه أحد من خلقه. ولهذا قال: "استأثرت به " أي انفردت بعلمه، وليس المراد انفراده بالتسمي به، لأن هذا الانفراد ثابت في الأسماء التي أنزل بها كتابه١. وقال الخطابي عند هذا الحديث: (فهذا يدلك على أن لله أسماء لم ينزلها في كتابه حجبها عن خلقه ولم يظهرها لهم) ٢. وقال ابن كثير: (ثم ليعلم أن الأسماء الحسنى غير منحصزة في تسعة وتسعين) ٣، واستدل لذلك بهذا الحديث. ٢- ومما يستدل به ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ كان يقول في سجوده: "اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وبك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك"٤. والشاهد من الحديث هو قوله: "لا أحصي ثناء عليك". وأما عن وجه الاستشهاد فيقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (فأخبر أنه لا يحصي ثناء عليه، ولو أحصى أسماءه لأحصى صفاته كلها، فكان يحصي الثناء عليه، لأن صفاته إنما يعبر عنها بأسمأنه) ٥. ٣- ويستدل كذلك بقوله ﷺ في حديث الشفاعة: "فيفتح علي من

стр. 52

محامده بما لا أحسنه الآن"١ قال ابن القيم ﵀: (وتلك المحامد هي تفي بأسمأنه وصفاته) ٤- أن الأسماء الواردة في الكتاب والسنة أكثر من تسعة وتسعين، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وإن قيل لا تدعو إلا باسم له ذكر في الكتاب والسنة، قيل: هذا أكثر من تسعة وتسعين) ٣. وقال محمد بن المرتضى اليماني: (وقد ثبت أن أسماء الله تعالى أكثر من ذلك المروي (أي التسعة والتسعون) بالضرورة، فإن في كتاب الله أكثر من ذلك) ٤.

стр. 53

المطلب الثاني: القائلون بأن أسماء الله محصورة بعدد معين هناك من حدد عددا معينا لأسماء الله الحسنى وزعم أن أسماء الله محصورة فيه، وإن كانوا على اختلافي في تحديد الزقم الذي يحذونه لأسماء الله؟ فهناك: ا- من يقوله: إن أسماء الله ثلاثمائة فقط١ ٢- ومنهم من قال: إن لله ألف اسم٢. ٣- ومنهم من قال: هي ألفا وواحد٣. ٤- ومنهم من يقول: إن لله أربعة آلاف اسم، ألف لا يعلمه إلا الله، وألف لا يعلمه إلا الله والملائكة، وألف لا يعلمه إلا الله والملائكة والأنبياء، وأما الألف الرابع فإن المؤمنين يعلمونه، فثلاثمائة منه في التوراة، وثلاثمائة في الإنجيل، وثلاثمائة في الزبور، ومائة في القرآن، تسعة وتسعون منها ظاهرة وواحد مكتوم٤. ٥- ومنهم من يقول: هي مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا عدد الأنبياء ﵈، لأن كل نبي تمده حقيقة اسم خاص به مع إمداد بقية الأسماء له لتحققه بجميعها٥.

стр. 54

٦- ومنهم من يقول: إن أسماء الله تسعة وتسعون فقط١. الجواب على ذلك: أما من قال: إنها ثلاثمائة، أو ألف، أو ألف وواحد، أو أربعة آلاف، أو مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، فهي أقوال عارية من البينة وهي ليست إلا مجرد دعوى لا دليل ولا برهان عليها٢ وهي من جنس الأقوال التي لا زمام لها ولا خطام، فلا يلتقت إليها وقد حرم الله علينا أن نتقول عليه أو أن تقفوا ما ليس لنا به علم، فقد قال تعالى. ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ ٣، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ ٤. وأما من قال: إنما تسعة وتسعون فقط. فهذا هو قول ابن حزم وطائفة معه٥. واستدلوا لقولهم بحديث: "إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة"٦ فهم احتجوا بالتأكيد في قوله ﷺ : "مائة إلا واحدا". فقال ابن حزم: إنه لو جاز أن يكون له اسم زائد على العدد المذكور لزم أن يكون له مائة اسم، فيبطل قوله: "مائة إلا واحدا". وقال: وصح أن أسماءه لا تزيد على تسعة وتسعين شيئا، لقوله عليه

стр. 55

السلام: "مائة! إلا واحدا" فنفى الزيادة وأبطلها١. الرد عليه: (هذا الذي قاله ليس بحجة لأن الحصر المذكور عندهم هو باعتبار الوعد الحاصل لمن أحصاها، فمن ادعى على أن الوعد وقع لمن أحصى زائدا على ذلك أخطأ، ولا يلزم من ذلك ألا يكون هناك اسم زائد) ٢. والحديث لا يدل على الحصر كما ذكره غير واحد من العلماء، وإليك بعض أقوالهم: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (والصواب الذي عليه جمهور العلماء أن قول النبي ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة" معناه أن من أحصى التسعة والتسعين من أسمأنه دخل الجنة وليس مراده أنه ليس له إلا تسعة وتسعون اسما) ٣. وقال ﵀: "فإن الذي عليه جماهير المسلمين أن أسماء الله أكثر من تسعة وتسعين. قالوا- ومنهم الخطابى- قوله: "إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها.." التقييد بالعدد عائد إلى الأسماء الموصوفة بأنها هي هذه الأسماء؟ فهذه الجملة وهي قوله: "من أحصاها دخل الجنة" صفة للتسعة والتسعين وليست جملة مبتدأة، ولكن موضعها النصب، ويجوز أن تكون مبدأة والمعنى لا يختلف، والتقدير: إن لله أسماء بقدر هذا العدد من أحصاها دخل الجنة كما يقول القائل: إن لي مائة غلام أعددتهم للعتق، وألف درهم أعددتها للحج، فالتقييد بالعدد هو في الموصوف بهذه الصفة لا في أصل

стр. 56

استحقاقه لذلك العدد فإنه لم يقل إن أسماء الله تسعة وتسعون. قال: ويدلك على ذلك قوله في الحديث الذي رواه أحمد في المسند: "اللهم إني أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك" فهذا يدل على أن لله أسماء فون تسعة وتسعين يحصيها بعض المؤمنين. وأيضا فقوله: "إن لله تسعة وتسعين" تقييده بهذا العدد بمنزلة قوله: ﴿تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ ١ فلما استقلوهم قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَرَبِّكَ إِلَّا هُو﴾ ٢ فأن لا يعلم أسماءه إلا هو أولى، وذلك أن هذا لوكان قد قيل منفردا لم يفد النفي إلا بمفهوم العدد الذي هو دون مفهوم الصفة، والنزاع فيه مشهور وإن كان المختار عندنا أن التخصيص بالذكرـ بعد قيام المقتضي للعموم ـ يفيد الاختصاص بالحكم، فإن العدول عن وجوب التعميم إلى التخصيص إن لم يكن للاختصاص بالحكم وإلا كان تركا لمقتضى بلا معارض وذلك ممتنع. فقوله: "إن لله تسعة وتسعين" قد يكون للتحصيل بهذا العدد فوائد غير الحصر، و (منها) ذكر أن إحصاءها يورث الجنة، فإنه لو ذكر هذه الجملة منفردة، وأتبعها بهذه منفردة لكان حسنا، فكيف والأصل في الكلام الاتصال وعدم الانفصال؟ فتكون الجملة الشرطية صفة لا ابتدائية. فهذا هو الراجح في العربية مع ما ذكر من الدليل) ٣. قال ابن القيم ﵀: قوله: "إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها

стр. 57

دخل الجنة" لا ينفي أن يكون له غيرها والكلام جملة واحدة: أي له أسماء موصوفة بهذه الصفة، كما يقال: لفلان مائة عبد أعدهم للتجارة وله مائة فرس أعدهم للجهاد وهذا قول الجمهور، وخالفهم ابن حزم فزعم أن أسماءه تنحصرفي هذا العدد"١. وقال ﵀: "وأما قوله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة" فالكلام جملة واحدة وقوله: "من أحصاها دخل الجنة" صفة لا خبر مستقل. والمعنى: له أسماء متعددة من شأنها أن من أحصاها دخل الجنة. وهذا لا ينفي أن يكون له أسماء غيرها. وهذا كما تقول: لفلان مائة مملوك قد أعدهم للجهاد. فلا ينفي هذا أن يكون له مماليك سواهم معدون لغير الجهاد، وهذا لاخلاف بين العلماءفيه"٢. وقال الخطابي: "في هذا الحديث إثبات هذه الأسماء المخصوصة بهذا العدد، وليس فيه منع ما عداها من الزيادة. وهو كقولك: إن لزيد ألف درهم أعدها للصدقة، وكقولك إن لعمرو مائة ثوب من زاره خلعها عليه، وهذا لا يدل على أنه ليس عنده من الدراهم أكثر من ألف درهم، ولا من الثياب أكثر من مائة ثوب، وإنما دلالته أن الذي أعده زيد من الدراهم للصدقة ألف درهم، وأن الذي أرصده عمرو من الثياب للخلع مائة ثوب"٣. وقال النووي: "اتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمأنه

стр. 58

فليس معناه أنه ليس له إسماء غير هذه التسعة والتسعين، وإنما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة، فالمراد الإخبار عن دخول الجنة بإحصأنها لا الإخبار بحصر الأسماء"١

стр. 59

المبحث الثالث: مناهج الناس في تعيين الأسماء الحسنى المطلب الأول: منهج المعتمدين على العد الوارد في بعض روايات حديث أبى هريرة ﵁ ... المطلب الأول: منهج المعتمدين على العد الوارد في بعض روايات حديث أبى هريرة ﵁ سبق وأن أشرت في مبحث ضابط الأسماء الحسنى إلى اختلاف مناهج العلماء في طريقة تعيين الأسماء الحسنى، وانقسام تلك المناهج إلى أربعة أقسام هي: ١- منهج المعتمدين على العد الوارد في بعض روايات حديث أبي هريرة ﵁. ٢- منهج المقتصرين على ما ورد بصورة الاسم (أي ما ورد إطلاقه وترك ما يؤخذ بالاشتقاق أو الإضافة) . ٣- منهج المتوسعين الذين يذكرون المشتق والمضاف والمطلق من الأسماء، ولكنهم لا يفرقون بين صفة وصفة وفعل وفعل. ٤- منهج المتوسطين المعتدلين الذين يذكرون المشتق والمضاف مع المطلق، ولكنهم يفصلون بين ما يصح إطلاقه من الصفات والأفعال وبين مالا يصح إطلاقه. وسأتطرق في هذا المطلب للمنهج الأول من تلك المناهج الأربعة، وسأخصص لبقية المناهج مطالب مستقلة بها. أقوال أهل العلم في المنهج الأول: انقسم العلماء في اعتماد العد الوارد في حديث الأسماء إلى قسمين:

стр. 60

القسم الأول: من اعتمد العد الوارد في حديث الاسماء، وبالأخص العد الوارد من طريق الوليد بن مسلم. ومن هؤلاء بعض المحدثين كالحاكم وابن حبان، وكذلك غالب شراح الأسماء الحسنى حيث عولوا في شروحهم على ذلك العد. (وأهل هذا القسم هم ما بين معتقد لصحة حديث الأسماء، أو مقلد لمن صحح ومستأنس بمتابعة الأكثرعلى القبول) القسم الثاني: من اعترض على هذا العد ولم يسلم بصحة الروايات الواردة فيه، ويرى عدم التعويل المطلق على ذلك العد، وينتقد من يقول باعتماده بإطلاق ويرى قصر الناس عليه. وممن ذهب إلى هذا القول عامة حفاظ الحديث وأهل المعرفة فيه، وجمع من العلماء السابقين والمعاصرين. رأي المعترضين على العد الوارد في حديث الأسماء: رأيت أن أقدم رأي الناقدين لهذا المنهج على رأي المعتمدين له، نظرا لكون مدار النزاع بين الفريقين منصبا بالدرجة الأولى على تصحيح وتضعيف الحديث الوارد في عد الأسماء، الأمر الذي يستدعي بسط القول في هذا الحديث والكلام عنه رواية ودراية. ونظرا لكون أصحاب الفريق الثاني هم من أهل المعرفة بهذا الفن وكلامهم فيه هو الأقوى صناعة والأجود عبارة فإن من الأصلح تقديم قولهم

стр. 61

في المسألة على قول غيرهم. هذا ويرتكز اعتراض الناقدين لهذا المنهج على نقاط رئيسية ثلاث هي: ١- أن التسعة والتسعين اسما لم يرد في تعيينها-حديث صحيح عن النبي ﷺ ، وأن أشهر ما عند التاس فيها هو حديث الترمذي الذي رواه الوليد بن مسلم وحفاظ أهل الحديث يقولون: إن هذه الزيادة مما جمعه الوليد بن مسلم عن شيوخه، فهي مدرجة في الحديث١. ٢- أنه من الخطأ التعويل على هذا العد وقصر الناس عليه، ففي الكتاب والسنة أسماء ليست في ذلك الحديث مثل اسم "الرب" و"المنان" " و "السبوح " و "الوتر" و"الشافي" وغيرها كثير٢. ٣- أن في العد الوارد في الحديث أسماء لم تثبت في النصوص وهي محل نظر٣. وأهم النقاط الثلاث هي النقطة الأولى، فهي التي عليها مدار النزاع بين المعتمدين لهذا المنهج والناقدين له. فعمدة الآخذين بهذا المنهج هو تصحيحهم لرواية حديث الأسماء. وعمدة الناقدين لهذا المنهج هو ردهم لتلك الرواية وقولهم بعدم صحة رفعها. ولذلك وسع الناقدون في هذه النقطة وبسطوها وشرحوها وبينوا جزئياتها وفصلوا كل ما يحتاج فيها إلى بيان وتوضيح، وكان من جوابهم في هذه المسألة وبسطهم لها ما يلي: أن حديت أبي هريرة المتعلق بهذه المسألة قد جاء بسياقين:

стр. 62

١- السياق الأول: عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة غير واحد من أحصاها دخل الجنة" وهذا السياق لم يرد فيه سرد الأسماء. ٢- والسياق الثاني: عن أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : "إن لله تسعة ؤتسعين اسما من أحصاها دخل الجتة، فو الله الذي لآ إله إلا هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن. " وسرد الأسماء. فقالوا: أولا: إن صدر الحديث وهو قوله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة غير واحد من أحصاها دخل الجنة" متفق على صحته، فقد أخرجه البخاري١ ومسلم٢ في صحيحيهما، وكذلك بعض أصحاب السنن وغيرهم. ثانيا: مع التأكيد على صحة صدر الحديث إلا أن دعوى التواتر مردودة، فالحديث لم يصح إلا عن أبي هريرة رضي الله عنه٣، وإن كان قد روي عن علي وسلمان وابن عباس وابن عمر رضي الله عنهم٤، لكن إسناد كل منها مع غرابته ضعيف٥

стр. 63

قال الحافظ ابن حجر: "ولم يتواتر عن أبي هريرة أيضا، بل غاية أمره أن يكون مشهورا"١. ثالثا: الرواية التي وقع فيها عد الأسماء الحسنى وسردها قد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن ذلك العد ليس من كلام النبي ﷺ ، وإنما هو مدرج في الحديث، وتفصيل القول في هذه الرواية يتبين لك من خلال النقاط التالية: النقطة الأولى: طرق هذه الرواية: اهتم عدد من العلماء بجمع طرق هذا الحديث وأفردوا ذلك بأجزاء مسثقلة، منها على سبيل المثال جزء الحافظ أبي نعيم الأصبهاني، وجزء الحافظ ابن حجر وكلاهما مطبوع. والذي يمكن استخلاصه من كلامهم عن طرق هذه الرواية هو أن لهذه الرواية ثلات طرق٢. الطريق الأولى: طريق الوليد بن مسلم: وقد أخرجها كل من: أ- الترمذي في سننه (كتاب الدعوات، باب ٨٣ ح٣٥٠٦/٥/ ٥٣، ٥٣١) . ٢- وابن حبان في صحيحه (انظر: موارد الظمآن ح ٢٣٨٤) ، (والإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ح ٨٥٨) . ٣- والحاكم في المستدرك ١/ ١٦. ٤- وابن منده في كتاب التوحيد ٢/٢٠٥ ٥- والبيهقي في السنن الكبرى ١٥/ ٢٧، وفي الأسماء والصفات ص ١٥-١٦،

стр. 64

وفي الاعتقادص ٥٠. ٦- والبغوي في شرح السنة ٥/ ٣٢. وغيرهم. كلهم من طريق الوليد بن مسلم حدثنا شعيب بن أبي حمزة عن الأعرج عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة، فو الله الذي لآ إله الرحيم، الملك، القدوس، السلام المؤمن، المهيمن الجبار، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الغفار، الرزاق، الفتاح، العليم، القابض الباسط، الخافض الرافع، المعز، المذل، السميع، البصير، الحكم، العدل، اللطيف، العظيم، الغفور، الشكور، العلي، الكبير، الحفيظ، المقيت، الحسيب، الجليل، الكريم، الرقيب، المجيب، الواسع، الحكيم، الودود، المجيد، الباعث، الشهيد، الحق، الوكيل، القوي، المتين، الولي، الحميد، المحصي، المبدئ المعيد، المحيي المميت، الحي، القيوم، الواجد، الماجد، الواحد، الصمد، القادر، المقتدر، المقدم المؤخر، الأول الآخر، الظاهر الباطن، الوالي، المتعالي، البر، التواب، المنتقم، العفو، الرؤوف، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام، المقسط، الجامع، الغني، المغني، المانع، الضار النافع، النور، الهادي، البديع، الباقي، الوارث، الرشيد، الصبور" قال الحافظ ابن حجر: "وقد أخرجه الطبراني عن أبي زرعة الدمشقي عنصفوان بن صالح فخالف في عدة أسماء فقال: "القائم الدائم" بدل "القابض الباسط" و "الشديد" بدل "الرشيد" و "الأعلى المحيط مالك يوم الدين".بدل

стр. 65

"الودود المجيد الحكيم" ووقع عند ابن حبان عن الحسن بن سفيان عن صفوان "الرافع " بدل "المانع". ووقع في صحيح ابن خزيمة في رواية صفوان أيضا مخالفة في بعض الأسماء، قال "الحاكم" بدل "الحكيم"، و "القريب" بدل "الرقيب" و"المولى" بدل " الوالي" و "الاحد" بدل "المغني". ووقع في رواية البيهقي وابن منده من طريق موسى بن أيوب عن الوليد "المغيث" بالمعجمة والمثلثة بدل" المقيت" بالقاف والمثناة١. ووقع بين رواية الوليد عن زهير بن محمد وروايته عن أبي الزناد المخالفة في أربعة وعشرين اسما مع مخالفتها لها في الترتيب، فليس في رواية زهير "الفتاح، القهار، الحكم، العدل، الحسيب، الجليل، المحصي، المقتدر، المقدم، المؤخر، البر، المنتقم، المغني، النافع، الضبور، البديع، القدوس، الغفار، الحفيظ، الكيير، الواسع، الماجد، مالك الملك، ذو الجلال والإكرام". والأسماء التي ذكرت بدلها "الرب، الفرد، الكافي، الدائم، القاهر، المبين- بالموحدة-، الصادق، الجميل، البادىء، القديم، البار، الوفي، البرهان، الشديد، الواقي- بالقاف -، القدير، الحافظ، العادل، المعطي، العالم، الأحد، الأبد، الوتر، ذو القوة"٢

стр. 66

الطريق الثانية: طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني: وقد أخرجها ابن ماجه في سننه، أبواب الدعاء، باب أسماء الله عر وجل (ح ٣٩٥٧- ٢/ ٣٤٧) قال: حدثنا هشام بن عمارة، قال: حدثنا عبد الملك بن محمد الصنعاني، قال: حدثنا أبو المنذر زهير بن محمد التميمي، قال: حدثنا موسى بن عقبة، قال: حدثني عبد الرحمن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا، إنه وتر يحب الوتر، من حفظها دخل الجنة. الله، الواحد، الصمد، الأول، الآخر، الظاهر الباطن، الخالق، البارئ، المصور، الملك، الحق، السلام، المؤمن، المهيمن، العزيز، الجبار، المتكبر، الرحمن، الرحيم، اللطيف، الخبير، السميع، البصير، العليم، العظيم، البار، المتعال، الجليل، الجميل، الحي القيوم، القادر، القاهر، العلي، الحكيم، القريب، المجيب، الغني، الوهاب، الودود، والشكور، الولي، الشهيد، المبين، البرهان، الرؤوف، الرحيم١، المبدئ، المعيد، الباعث، الوارث، القوي، الشديد، الضار النافع، الباقي، الواقي، الخافض الرافع، القابض الباسط، المعز المذل، المقسط، الرزاق، ذو القوة، المتين، القائم، الحافظ، الوكيل، الناظر، السامع، المعطي المانع، المحي المميت، الجامع، الهادي، الكافي، الأبد، العالم، الصادق، النور، المنير، التام، القديم، الوتر، الأحد، الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحدا" قال زهير: فبلغنا عن غير واحد من أهل العلم، أن أولها يفتح بقول لا إله

стр. 67

إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، بيده الخير وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى. وأخرجه أبو نعيم في جزئه برقم (٢٠) ، وابن حجر في جزئه رقم (٣٦) و (٣٧) ، وعزاه ابن حجر في الفتح (١١/ ٢١٥) لابن أبي عاصم والحاكم من طريق عبد الملك بن محمد الصنعاني عن زهير بن محمد به. الطريق الثالثة: طريق عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان: وقد أخرجها كل من: ١- الحاكم في المستدرك ١/ ١٧. ٢- البيهقي في الأسماء والصفات ص ١٨-١٩، وفي الاعتقادص ٥٠ من طريق خالد بن مخلد القطواني: حدثنا عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان حدثنا أيوب السختياني وهشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة ﵁ عن النبي صلى الله عليه وسلمء قال: "إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها كلها دخل الجنة: الله، الرحمن، الرحيم، الإله، الرب، الملك، القدوس، السلام، المؤمن المهيمن، العزيز، الجباز، المتكبر، الخالق، البارئ، المصور، الحليم، العليم، السميع، البصير، الحي، القيوم، الواسع، اللطيف، الخبير، الحنان، المنان، البديع، الودود، الغفور، الشكور، المجيد، المبدئ، المعيد، النور، البادئ، الأول، الآخر، الظاهر، الباطن، العفو، الغفار، الوهاب، القادر، الأحد، الصمد، الوكيل، الكافي، الباقي، الحميد، المغيث، الدائم، المتعالي، ذو الجلال والإكرام، المولى، النصير، الحق، المبين، الباعث، المجيب، المحيي المميت، الجليل، الصادق، الحافظ، المحيط، الكبير، القريب،

стр. 68

الرقيب، الفتاح، التواب، القديم، الوتر، الفاطر، الرزاق، العلام، العلي، العظيم، الغني، الملك، المقتدر، الأكرم، الرؤوف، المدبر، القدير، المالك، القاهر، الهادي، الشاكر، الكريم، الرفيع، الشهيد، الواحد، ذو الطول، ذو المعارج، ذو الفضل، الخلاق، الكفيل، الجميل"١. وعزاه ابن حجر في جزئه رقم (٤٠) ، والشوكاني في تحفة الذاكرين (٥٤) لابن مردويه في تفسيره من طريق خالد بن مخلد، وعزاه ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٢١٥) للفريابي في "الذكر" من طريق عبد العزيز بن الحصين. النقطه الثانية: الحكم على أسانيدها: ١- طريق عبد الملك بن محمد الصناني عند ابن ماجه٢. في إسناد الحديث، هشام بن عمار ثقة، ولكنه لما كبر صار يتلقن وعبد الملك لين الحديث، وزهير بن محمد له مناكير،، قد ضعف برواية أهل الشام عنه، لأنها غير مستقيمة، وهذه من روايتهم عنه، ومنهم من ضعفه مطلقا، قال البوصيري في الزوائد: "إسناد طريق ابن ماجه ضعيفة لضعف عبد الملك بن محمد"٣. ب- طريق عبد العزيز بن الحصين بن التزجمان: قال الحاكم: "عبد العزيز بن الحصين بن الترجمان ثقة وإن لم يخرجاه"٤. فتعقبه الذهبي في تلخيصه بقوله: "بل ضعفوه"٥.

стр. 69

وقد ذكر من ضعفه في ميزان الاعتدال حيث قال: "قال البخاري: ليس بالقوي عندهم، وقال ابن معين: ضعيف، وقال مسلم: ذاهب الحديث، وقال ابن عدي: الضعف على رواياته بين"١. ونقل ابن حجر في اللسان تضعيفه عن أبي داود وأبي القاسم البغوي وأبي أحمد الحاكم وأبي زرعة الدمشقي وأبي مسهر، وقال في خاتمة ترجمته: "قلت: وأعجب من كل ما تقدم أن الحاكم أخرج له في المستدرك وقال: إنه ثقة"٢. وقال ابن حجر: "قال الحاكم بعد أن أخرج رواية عبد العزيز بن الحصين"عبد العزيز ثقة، وإن لم يخرجاه، وإنما جعلته شاهدا للحديث الأول"٣ وفي كلامه مناقشات. الأولى: جزمه بأن عبد العزيز ثقة، مخالفة لمن قبله، فقد ضعفه يحيى بن معين والبخاري وأبو حاتم وغيرهم، حتى قال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات. الثانية: شرط الشاهد أن يكون موافقا في المعنى، وهذا شديد المخالفة في كثير من الأسماء. والثالثة: جزمه بأنها كلها في القرآن، ليس كذلك، فإن بعضها لم يرد في القرآن أصلا، وبعضها لم يرد بذكر الاسم٤. ج- طريق الوليد بن مسلم: قال الترمذي بعد ذكره لهذا الطريق: "هذا حديث غريب، حدثنا به غير

стр. 70

واحد عن صفوان بن صالح، ولا نعرفه إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث. وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ولا نعلم في كثير شيئا من الروايات له إسناد صحيح ذكر الأسماء إلا في هذا الحديث. وقد روى آدم بن أبي إياس هذا الحديث بإسناد غير هذا عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ ، وذكر فيه الأسماء، وليس له إسناد صحيح"١ انتهى كلامه. قال ابن حجر: "ولم ينفرد به صفوان بن صالح كما قال الترمذي، فقد أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات٢ من طريق موسى بن أيوب النصيبي وهو ثقة عن الوليد أيضا"٣. وقال الحاكم بعد تخريج الحديث من، طريق الوليد بن مسلم: "هذا حديث قد خرجاه في الصحيحين بأسانيد صحيحة دون ذكر الأسامي فيه، والعلة فيه عندهما أن الوليد ابن مسلم تفرد بسياقته بطوله وذكر الأسامي فيه ولم يذكرها غيره، وليس هذا بعلة، فإنني لا أعلم اختلافا بين أئمة الحديث أن الوليد بن مسلم أوثق وأحفظ وأعلم وأجل من أبي اليمان وبشر بن شعيب وعلي بن عياش وأقرانهم من أصحاب شعيب٤"٥ انتهى كلامه. قال ابن حجر تعقيبا على كلام الحاكم: "وليس العلة عند الشيخين تفرد

стр. 71

الوليد فقط بل الاختلاف فيه والاضطراب وتدليسه واحتمال الإدراج"١. ويحسن هنا تفصيل هذه العلل التي أشار إليها ابن حجر ﵀: فالعلة الأولى: الاختلاف فيه والاضطراب: وقد وقع الاختلاف فيه من جهة السند ومن جهة المتن. ١- أما جهة السند: فقال ابن حجر: "وقد اختلف في سنده على الوليد. فأخرجه عثمان الدارمي في "النقض على المريسي"٢ عن هشام بن عمار عن الوليد فقال: عن خليد بن دعلج عن قتادة عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، فذكره بدون التعيين. (وعند الدارمي أيضا) ٣ قال الوليد وحدثنا سعيد بن عبد العزيز مثل ذلك وقال كلها في القرآن (هو الله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم..) وسرد الأسماء. وأخرجه أبو الشيخ ابن حبان من رواية أبي عامر القرشي عن الوليد بن مسلم بسند آخر فقال: حدثنا زهير بن محمد عن موسى بن عقبة عن الأعرج عن أبي هريرة، قال زهير: فبلغنا أن غير واحد من أهل العلم قال: إن أولها أن تفتح بلا إله لا الله.. وسرد الأسماء٤. ٢- أما من جهة المتن: فقد وقع اختلاف في سرد الأسماء وذلك بالزيادة والنقص بين رواية ورواية، وكذا تقديم وتأخير كما سبق الإشارة إلى ذلك عند ذكررواية الوليد، وإليك فهرسا يوضح الاختلاف الواقع في رواية الوليد.

стр. 72

العلة الثانية: تدليس الوليد: الوليد مدلس تدليس التسوية، وهذا النوع من التدليس يسمى عند المتقدمين (تجويدا) فيقولون: جوده فلان، يريدون ذكر فيه من الأجواد وحذف الأنياء، وسماه المتأخرون (تدليس التسوية) وذلك أن المدلس الذي سمع الحديث من شيخه الثقة عن ضعيف عن ثقة، يسقط الضعيف من السند ويجعل الحديث عن شيخه الثقة عن الثقة الثاني بلفظ محتمل، فيستوي الإسناد كله ثقات. وهو شر أنواع التدليس وأفحشها، لأن شيخه- وهو الثقة الأول- ربما لا يكون معروفا بالتدليس، فلا يحترز الواقف على السند عن عنعنة وأمثالها من الألفاظ المحتملة التي لا يقبل مثلها من المدلسين، ويكون هذا المدلس الذي يحترز من تدليسه قد أتى بلفظ السماع الصريح عن شيخه، فأمن بذلك من تدليسه، وفي ذلك غررشديد. ولا يقال في مثل هذا النوع "قد صرح بالتحديث" إذ لابد من التصريح بالتحديث من قبل كل من فوق المدلس. قال الدارقطني: الوليد يروي عن الأوزاعي أحاديث، هي عند الأوزاعي عن ضعفاء عن شيوخ أدركهم الأوزاعي، كنافع وعطاء والزهري فيسقط أسماء الضعفاء مثل عبد الله بن عامرالأسلمي وإسماعيل بن مسلم. وقال صالح بن محمد جزرة: سمعت الهيثم بن خارجة قال: قلت للوليد- قد أفسدت حديث الأوزاعي. قال: وكيف؟ قلت: تروي عن الأوزاعي عن نافع، وعن الأوزاعي عن الزهري وعن الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير، وغيرك يدخل بين الأوزاعي وبين نافع عبد الله بن عامر الأسلمي، وبينه وبين الزهري قرة وغيره، فما يحملك على هذا؟ قال أنبل الأوزاعي أن

стр. 73

يروي عن مثل هؤلاء الضعفاء، قلت: فإدا روى الأوزاعي عن هؤلاء الضعفاء مناكير فأسقطتهم أنت وصيرتها من رواية الأوزاعي عن الثقات، ضعف الأوزاعي. قال: فلم يلتفت إلى قولي١. واحتج البخاري ومسلم بالوليد، ولكنهما ينتقيان حديثه ويتجنبان ما ينكر له٢. وقال ابن الوزير: "الوليد مدلس مكثر من التدليس حتى عن الكذابين، وتعانى تدليس التسوية فلا ينفع قوله حدثنا ولا سمعت، لأن معنى تدليس التسوية أنه قد سمع من شيخه شعيب، ثم أسقط شيخ شعيب الذي بينه وبين أبي الزناد، فيحتمل أن يكون في الإسناد ساقط ضعيف بل كذاب، فكيف يحسن الحديث مع هذا، مع أنه قد رواه الثقات والحفاظ عن أبي الزناد بغير ذكر الأسماء. وقد رواه البخاري ومسلم والترمذي عن ابن عيينة، عن أبي الزناد بغير ذكر الأسماء. ورواه البخاري والنسائي من حديث شعيب بغير ذكرها. ورواه البخاري عن أبي اليمان الحكم بن نافع، والنسائي عن علي بن عياش كلاهما عن شعيب بغير ذكر الأسماء. وأما قول الحاكم: إنه لا خلاف أن الوليد بن مسلم أوثق وأحفظ وأعلم وأجل من أبي اليمان، وبشر بن شعيب و. علي بن عياش- فما يغني ذلك شيئا مع ما ذكرنا من التدليس الفاحش عنه وهوتدليس التسوية، فما يصح له مع ذلك

стр. 74

حديث إلا أن يخلو الإسناد عنه، وعمن فوقه من العنعنة ونحوها منه إلى الصحابي على أقل الأحوال، ولم يحصل ذلك"١ العلة الثالثة: احتمال الإدراج: وهذه هي العلة الرئيسية في رد الحديث، فقد ذهب أكثر العلماء إلى أن سرد الأسماء ليس من كلام النبي ﷺ وإنما هو مدرج في الحديث. ويشهد لذلك ما يلي: ١- خلو أكثر الروايات عن هذا العد. ٢- الاختلاف الشديد في سرد الأسماء والزيادة والنقص في تلك الروايات. ٣- الفصل الذي وقع بين صدر الحديث وسرد الأسماء كما جاء التصريح به في بعض الطرق. ٤- بعض تلك الأسماء ليست في القرآن والسنة الصحيحة، وفي المقابل هناك أسماء في القرآن والسنة لم ترد في تلك الروايات. ومن كلام العلماء في تقرير ذلك: ١- قول البيهقي: "ويحتمل أن يكون التفسير وقع من بعض الرواة في الطريقين- يقصد طريق الوليد وطريق عبد الملك بن محمد معا- ولهذا الاحتمال ترك البخاري ومسلم إخراج حديث الوليد في الصحيح"٢ ٢- وقال ابن عطية في تفسيره: "في سرد الأسماء نظر، فإن بعضها ليس في القرآن ولا في الحديث الصحيح"٣.

стр. 75

٣- وقال ابن حزم: "والأحاديث الواردة في سرد الأسماء ضعيفة لا يصح منها شيء أصلا) ١. ٤- وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: "وقد اتفق أهل المعرفة بالحديث على أن هاتين الروايتين- أي رواية التزمذي وابن ماجه- ليستا من كلام النبي ﷺ وإنما كل منهما من كلام بعض السلف، فالوليد ذكرها عن بعض شيوخه كما جاء مفسرا في بعض طريق حديثه. ولهذا اختلفت أعيانهما عنه، فروي عنه في إحدى الروايات من الأسماء بدل ما يذكر في الرواية الأخرى، لأن الذين جمعوها قد كانوا يذكرون هذا تارة وهذا تارة، واعتقدوا هم وغيرهم أن الأسماء الحسنى التي من أحصاها دخل الجنة ليست شيئا معينا، بل من أحصى تسعة وتسعين اسما من أسماء الله دخل الجنة، أو أنها وإن كانت معينة فالاسمان اللذان يتفق معناهما يقوم أحدهما مقام صاحبه، "كالأحد" و "الواحد"، فإن في رواية هشام بن عمار عن الوليد بن مسلم عنه، رواها عثمان بن سعيد (الدارمي) ٢"الأحد" بدل "الواحد" و"المعطي" بدل "المغني" وهما متقاربان. وعند الوليد هذه الأسماء بعد أن روى الحديث عن خليد بن دعلج عن قتادة عن ابن سيرين عن أبي هريرة. ثم قال هشام وحدثنا الوليد حدثنا سعيد بن عبد العزيز مثل ذلك. وقال: كلها في القرآن (هو الله الذي لا إله إلا هو..) مثل ما ساقها الترمذي، لكن الترمذي رواها عن طريق صفوان بن صالح عن الوليد عن شعيب وقد رواها ابن
следующие страницы →