والجَرَضِ بالريقِ، وإنّما شَبَّهَ شَرَقَهُ بشَرَقِ القَناةِ مبالغَةً في وَصْفِ الشَرَقِ باللُّزومِ لمواصلةِ صَدْرِ القَناةِ الدَمَ لِمواصَلَةِ الطَعنِ، ومعنى أذْعْنَهُ نَشَرْتَهُ وَبَثثْتَهُ، وإذاعَةُ السِرِّ: إفشاؤُهُ وبَثُّهُ.
وأنشد في الباب لجرير (١٠٤):
[٣٥] إذا بعضُ السِنينَ تَعْرَّقَتْنا … كَفَى الأيْتامَ فَقْد أَبى اليَتيمِ
استشهَدَ به على تأنيثِ [تَعَرَّفَتْنا] فعل (بعضٍ) لإضافته إلى السنين، ولأنّه أرادَ <به> سَنَةً، فكأنَّه قال: إذا سَنَةٌ من السنين تَعَرَّقَتْنا.
عَنَى بالبيتِ هِشامَ بنَ عبد الملك فيقول: إذا أصابَتْنا سَنَةُ جَذْبٍ تُذْهِبُ المالَ قام للأيتام مَقامَ آبائهم <فلم تَنَلْهُم المَسْغَبَةُ والشِدَّةُ، وكانَ ينبغي أنْ يقول: فَقْدَ آبائهم> لأنّه ذَكَر الأيْتام أوّلًا، ولكنّه أفَرَدَ حَمْلًا على المعنى لأنّ الأيتامَ هنا اسمُ جِنْسٍ، فواحِدُها يَنوبُ مَنابَ جَمْعِها، وجَمعُها يَنوبُ مَنابَ واحِدِها، فمعنى كَفَى الأيتامَ فَقْدَ أبى اليتيم ومعنى كَفَى اليتيمَ فَقْدَ أَبيهِ واحدٌ: ومعنى تَعَرَّقَتْنا أذهَبَتْ أموالَنا، وأصلُهُ مِن تَعَرَّقْتُ العَظْمَ، إذا أَذهَبْتَ ما عليهِ من اللحمِ.
وأنشد في الباب <له> أيضا (١٠٥):
[٣٦] لَمّا أَتَى خَبَرُ الزُبَيْرِ تواضَعَتْ … سُورُ المَدينةِ والجِبالُ الخُشَّعُ
القولُ فيه كالقولِ في الذي قبلَه، إلّا أَنّه أَبعَدُ شَيئًا لأنّ السُورَ وإنْ كانَ بعضَ المَدينةِ فَلا يُسَمّى مَدينةً كما تُسَمّى بَعضُ السنين سَنَةً، ولكنّ الاتساعَ فيه متمكنٌ لأنّ معنى تَواضَعَتِ المدينةُ وتَواضَعَ سُورُ المدينةِ مُتَقارِبٌ.
يَصِفُ مَقْتَلَ الزُبَيْرِ بنِ العَوّامِ صاحبِ رسول (١٠٦) الله ﷺ حينَ انصَرَفَ يومَ الجَمَلِ وقُتِلَ في الطريقِ غِيلَةً، فيقول: لَمّا وافَى خَبَرُهُ المدينةَ مدينةَ
стр. 72
الرسول ﷺ تَواضَعَتْ هي وجِبالُها وخَشَعَتْ حُزْنًا له، وهذا مَثَلٌ وإنّما يُريدُ أَهلَها.
وكانَ ينبغي أنْ يقولَ: والجِبالُ الشامِخَةُ، ولكنّه وَصَفَها بما آلَتْ إليه كما قالَ : "إنِّي أراني أعْصِرُ خَمْرًا (١٠٧) أي: عِنَبًا يَؤُولُ إلى الخَمرِ، وهذا التَفسيرُ مَعَ عَطْفِ الجِبالِ على السُورِ، فإنْ جَعَلْتَها مُبتدأَةً لم يكُن في الكلامِ اتِّساعٌ، ويكونُ التقديرُ والجِبالُ خُشَّعٌ لموتِهِ.
وأنشد في الباب لذي الرُمَّة (١٠٨):
[٣٧] مَشَيْنَ كما اهتَزَّتْ رِماحٌ تَسَفَّهَتْ … أعالِيَها مَرُّ الرِياحِ النواسِمِ
القولُ في تأنيثِ فِعلِ المَرِّ، لأنّه من مؤنَّثٍ كالقَولِ فيما (١٠٩) قبلَهُ.
وَصَفَ نِساءً فيقول: إذا مَشَيْنَ اهتَزَزْنَ في مِشْيَتهنّ وتَثَنَّيْنَ فكأنَّهنّ رِماحٌ نُصِبَتْ فَمَرَّتْ عليها الرِياح فاهتَزَّتْ وتَثَنَّتْ. ومعنى تَسَفَّهَتْ استَخَفَّتْ، والسَفَهُ: خِفَّةُ العَقلِ وضَعْفُهُ. والنَواسِمُ: الضَعيفَةُ الهُبوبِ، واحدتُها ناسِمَةٌ، واسمُ الفِعلِ التَنْسيمُ (١١٠)، وإنّما خَصَّ النواسِمَ لأنّ الزَعازِعَ الشَديدةَ تعصفُ ما مَرَّتْ به وتُغَيِّرهُ. ويُروى (مَرضَى الرِياح)، يريد الفاتِرةَ، ولا ضرورةَ فيه على هذا.
وأنشد في الباب للعَجّاج (١١١) في مِثلِه:
[٣٨] طُولُ اللَّيالي أُسْرَعَتْ في نَقْضي
стр. 73
أَنَّثَ فِعلَ الطولِ وهو مُذَكَّرٌ، لأنَّه أَضافَهُ إلى مؤنَّثٍ، وهو كالذي تَقَدَّم (١١٢).
يقول: مُرورُ الزَمانِ (١١٣) عَلَيٍّ هَرَّمَني وأَبْلاني فَصِرْتُ إلى الضَعْفِ بَعدَ القُوَّةِ، فكأنَّما نَقضتُ بَعدَ الإِبرامِ، وبعده:
أكَلْنَ بَعْضي وتَرَكْنَ بَعْضي
فأخْلَصَ الخَبَرَ لِلّيالي دونَ الطُولِ، فَقَد بَيَّنَ لَكَ أنّ معنى (طُولُ اللّيالي أَسْرَعَتْ في نَقْضِي) واللّيالي أسْرَعَتْ <في نَقْضي> سَواءٌ.
وأنشد في الباب لجرير (١١٤):
[٣٩] يا تَيْمَ تَيْمَ عَدِيٍّ لا أَبا لَكُمُ … لا يُلْقِيَنْكُمُ في سَوْأَةٍ عُمَرُ
استشهَدَ به على إقحام تَيْم الثاني بينَ تَيم الأوّل وما أُضِيفَ إليه، لأنّ الفائدةَ علي تكريرِ الاسمَينِ وإفْرادِهما سَواءٌ إذا كانا لشيءٍ واحِدٍ، فكأنّه إنّما أضافَ اسمًا واحدًا إلى عَدِي، فحَذَفَ التنوينَ منهما للإضافةِ كما يُحْذَفُ مِن أحدهما أذا أُضِيفَ.
يُخاطبُ تَيْمَ بنَ عَبدِ مَنَاةَ <بنِ أَدْ بن طابخةَ بن إلياس بن مُضَر (١١٥) > وهم رَهْطُ عُمَرَ بنِ لَجأ (١١٦) التَيْمي الخارجي، وعَدِيٌّ هذا هو عَدِيُّ بنُ <بكر (١١٧) بنِ> عبدِ مَنَاة، فأضافَ تَيْمًا إليه لالتباسِه <به>، وكانَتْ (١١٨) بينَ جَريرٍ وعُمَرَ هذا مهاجاةٌ، فلمّا تَوَعَّدَ جَريرٌ قَومَهُ أتَوْهُ به مُوثَقًا وحَكَّموهُ فيه فأعْرَضَ عن هَجْوِهم.
ومعنى لا يُلْقِينّكُمُ في سَوْأَةٍ، لا تُملِئوهُ عليَّ فأقارِضكم بالهَجْوِ فتَقَعوا مِنْهُ في سَوْأَةٍ وشَرٍّ (١١٩). والسَوْأَةُ: الفَعْلَةُ القَبيحةُ، ومعنى لا أَبا لكُمُ الغِلْظَةُ في الخطابِ
стр. 74
والحَطُّ، وأصلُهُ أنْ يُنْسَبَ المخاطَبُ إلى غَيرِ أبٍ معلومٍ شَتْمًا له واحتِقارًا، وكَثَّرَتْ في الاستعمالِ حتى جُعِلَتْ في كُلِّ خِطابٍ يُغْلَظُ فيه على المُخاطَب.
وأنشد في بابٍ ترجمتُهُ: هذا بابٌ يُخْبَرُ فيه عن النكرِة بالنكرةِ (١٢٠):
[٤٠] لَتَقْرُبنَّ قَرَبًا جُلْذِيًا
ما دامَ فيهنَّ فَصيلٌ حَيّا
فقدْ دنا اللّيلُ فَهِيّا هِيّا
استشهَدَ به على تقديم (فيهنّ) على (فَصيلٍ) وجَعْلِهِ لَغْوًا مع التقديمِ، وسَوَّغَ ذلك أَنَّك لو حَذَفْتَ <فيهنّ> انقَلَبَ المعنى إلى مَعنىً آخَرَ وهو الأبَدُ، فلمّا لم تتمّ الفائدةُ إلّا به حَسُنَ تَقديْمُهُ لمُضارَعَتِهِ الخَبَرَ في الفائدة.
يُخاطِبُ ناقَتَهُ فيقول: لَتَسيرنَّ إلى الماءِ سَيْرًا حَثيثًا، والقَرَبُ: القُرْبُ من الورودِ، وليلةُ القَرَب: <الليلةُ> التي يُورَدُ الماءُ في صَبيحتها بعدَ سَيرٍ إليه وطَلَبٍ، والجُلْذِيُ مِن وَصْفِ القَرَبِ ومعناه الشَديدُ السريعُ، ويجوز أنْ يكونَ اسمُ ناقتِهِ جُلْذِيَّةً فَرَخَّمَ.
والضميرُ <الذي> في قولِهِ: (فيهنَّ) عائدٌ على الإِبلِ، ودَلَّ عليه سِياقُ الكلامِ، وذَكَر الناقَةَ فأَضمَرَهُ وإنْ لَمْ يَجْرِ لها ذِكْرٌ يرجعُ الضَميرُ إليه، وإنّما ذَكَر الفَصِيلَ لأنّ ناقَتَهُ من جُملَةِ الإِبِلِ التي يَسوقُها إلى الماءِ سَوْقًا حَثيثًا، فيقول: لا أَعْذِرُكِ ما دامَ في صَواحِبِكِ فصيلٌ يُطيقُ السَيرَ، وهِيّا كلمةُ استِحْثاثٍ، وهي مكسورةُ الأوَلِ، وقد حُكِيت بالفتح.
وأنشد في بابٍ ترجمَتُهُ: هذا بابُ ما أُجْرِيَ مُجْرَى ليسَ وهو بابُ (ما)، لسعد بن مالك القيسي (١٢١):
стр. 75
[٤١] مَنْ صَدَّ عَنْ نِيرانِها … فأنا ابنُ قَيسٍ لا بَراحُ
استشهَدَ به على إجراءِ (لا) مُجرى (ليس) في بعض اللُّغاتِ كما أُجْرِيَتْ (ما) مُجراها في لغةِ أهل الحِجازِ، فتقديُره لا بَراحٌ لي، على معنى ليسَ لي بَراحٌ.
والوَجْهُ في (لا) إذا وَلِيَتْها النكرةُ ولَمْ تتكَرّرْ أنْ تَنصبَها بلا تنوينٍ وتُبْنَى معها على ما بَيَّنَهُ سيبويه (١٢٢) في باب (لا) وذَكَرَهُ بعِلَّتِهِ، وأمّا رَفْعُها للنكرةِ مفردةً ونَصْبُ الخَبَرِ فيجري مجرى الضرورة في القِلَّة، وهي في ذلك مُشَبَّهَةٌ بـ (ليسَ) لأنّ معناها كمعناها ودُخولُها على المبتدأ كدُخولِها فأُعْمِلَتْ لذلك عَمَلَها.
وَصَفَ نَفْسَه بالشَجاعةِ والإقْدامِ عند اشتدادِ الحربِ وصدودِ الشُجعانِ عنها والأقرانِ.
وأنشد في البابِ للفرزدق (١٢٣):
[٤٢] فأَصبَحُوا قَدْ أَعادَ اللهُ نِعْمَتَهُم … إذْ هُمْ قُريشٌ وإذْ ما مِثْلَهُم بَشَرُ
استشهَدَ به على تقديم خَبَرِ (ما) منصوبًا، والفرزدقُ تَميميٌّ يَرْفَعُهُ مُؤخّرًا، فكيفَ إذا تَقَدّمَ.
وقَدْ رُدَّ <على" سيبويه (١٢٤) حَمْلُهُ على هذا، وخُرِّجَ للنَصْبِ وَجْهان أَضْرَبْتُ عنهما لتَبْييني لهما في كتاب (النكت) (١٢٥).
والذي حَمَلَهُ عليه سيبويه أصَحُّ عندي وإنْ كانَ الفرزدقُ تميميًا، لأنّه أرادَ أنْ يُخَلِّصَ المعنى منَ الاشتراكِ فلم يُبالِ (١٢٦)، إفْسادَ اللفظِ مع إصلاحِ المعنى، وتَحْصينه، وذلك أنّه لو قال: (وإذْ ما مِثْلُهُم بَشَرٌ) بالرفعِ لجازَ أن يُتَوَهَّمَ [أنّه] من باب ما مِثْلُكُ
стр. 76
أَحَدٌ إذا نَفَيْتَ عنه الإنسانيةَ والمُروءَةَ، فإذا قال: (ما مِثْلَهُم بَشَرٌ) بالنَصْبِ لم يُتَوَهَّمْ ذلك، وخلصَ المعنى للمَدحِ دونَ تَوَهّم الذَمّ فَتأمَّلْهُ تَجِدْه صحيحًا.
والشِعرُ موضعُ ضَرورةٍ يُحْتَمَلُ فيه وَضْعُ الشَيء [في] غيرِ موضِعِهِ دونَ إحرازِ فائدةٍ ولا تَحصيلِ معنىً و <لا> تحصينِهِ فكيفَ مع وجودِ ذلك وسيبويه ﵀ مِمَّنْ (١٢٧) يأخُذُ بتصحيح المعاني وإن اختَلَفَتِ الألفاظُ فلذلك وَجَّهَهُ على هذا وإنْ كانَ غَيرُهُ أَقرَبَ إلى القِياسِ في الظاهرِ.
مَدَحَ بالشعرِ بني أُمَيَّةَ فيقول: كانَ مُلْكُ العَرَب في الجاهليةِ لغيرِ قريش وسائر مُضَر، وكانوا أَحَقَّ بهِ لِفَضْلِهم على جميعِ البَشَر، فقد أَصبَحُوا بالإسلامِ والمُلْكُ فيهم فعادَ إليهم ما خَرَجَ عَنْ غيرهمِ مِمّا كانَ واجِبًا لهم لِفَضْلِهم.
وأنشد في البابِ لِسَوادَةَ بن عَدِيّ (١٢٨) وقيلَ لأميّة بن أبي الصلت (١٢٩):
[٤٣] لا أَرَى المَوتَ يَسبِقُ المَوتَ شَيءٌ … نَغَّصَ الموتُ ذا الغِنَي والفَقيرا
استشهَدَ به على إعادَةِ الظاهِرِ مكانَ المُضْمَرِ وفيه قُبْحٌ إذْ كان تكريرُهُ في جملةٍ واحدةٍ، لأنّه يَسْتَغْني بَعضُها عن بعضٍ كالبيتِ فَلا يكادُ يجوزُ إلّا في ضَرورةٍ كقولك: زَيْدٌ ضَرَبْتُ زيدًا. فإنْ كانَتْ إعادَتُه في جُملتين حَسُنَ كقولك: زيدٌ شَتَمْتُهُ وزيدٌ أَهَنْتُهُ، لأنّه قد يُمْكِنُ أنْ يُسْكَتَ على الجملةِ الأولى ثُمّ تُسْتانَفَ الأخرى بعدَ ذِكرِ رَجُلٍ غيرِ زيدٍ، فلو قيلَ: زَيدٌ ضَرَبْتُهُ وهو أهَنْتُهُ لجازَ أنْ يُتَوَهَّمَ الضَميرُ لغيرِ زيدٍ، فإذا أُعِيدَ مُظْهَرًا أزالَ التَوَهُّمَ ومع إعادَتِهِ مُظْهَرًا في الجملةِ الواحدةِ كقولك: زيدٌ ضَرَبْتُهُ لا يُتَوَهَّمُ الضميرُ لغيرِهِ، لأنّك لا تقول: زيدٌ ضَرَبْتُ عَمرًا.
стр. 77
والإظْهارُ في مِثلِ هذا <البيت> أحسَنُ منه في زيدٍ (١٣٠) ونَحوِه، لأنّ الموتَ اسمُ جنسٍ فإذا أُعِيدَ مُظْهَرًا لم يُتَوَهَّمْ أنّه اسمٌ لشيءٍ آخَرَ كما يُتَوهَّمُ في زَيدٍ ونَحْوِه من الأسماءِ المشتَرَكة، فلذلك كانَ الإِظهارُ في هذا أَمْثَلَ <شَيئًا> لأنَّه لا يُشْكِلُ.
وَصَفَ أنّ الموتَ لا يَفوتُهُ شَيءٌ، ومعنى يسبِقْ: يَفوتُ، والتَنْغِيصُ: تنكيدُ العَيشِ وتكدِيرُهُ، أيْ: إذا ذَكَرَه الإنسانُ تَنَغَّصَ.
وأنشد في الباب للجَعْديّ (١٣١) في مِثْلِه:
[٤٤] إذا الوَحْشُ ضَمَّ الوَحْشَ في ظُلُلاتِها … سَواقِطٌ مِنْ حَرٍّ وقَدْ كانَ أَظْهَرا
القولُ فيه كالقَولِ في الذي قبلَه، وعِلَّتُهُ كعِلَّتِهِ.
وَصَفَ سَيْرَه في الهاجرةِ إذا استكَنَّ الوَحْشُ مِن حَرِّ الشمسِ واحتِدامِها ولَحِقَ بكُنْسِهِ. والظُلُلاتُ جَمعُ ظُلَّةٍ وهي ما يُسْتَظَلُّ به، وحَرَّكَ اللامَ على أَصْلِ التَحريكِ في ما جُمِعَ من الصّحيحِ بالألِفِ والتاءِ نحو الظُلُماتِ والغُرُفاتِ، ويَجوزُ أنْ تكونَ الظُلُلاتُ جمع ظُلُلٍ، وظُللٌ جَمعَ ظَليلٍ كجَديدٍ وجُدُدٍ، فيكونُ جَمعَ الجَمعِ.
ومعنى أظهَرَ صارَ في وَقْتِ الظَهيرةِ وهو منتصفُ النهارِ، وحينئذٍ يَشتَدُّ الحَرُّ، وذَكَّرَ أَظهَرَ بعدَ أنْ أَنَّث الضميرَ في ظُلُلاتِها لأنّ الوَحشَ اسمُ جِنسٍ يُذَكَّرُ ويؤنَّثُ.
وأنشد في البابِ للفرزدق (١٣٢):
[٤٥] لَعَمْرُكَ ما مَعْنٌ بتارِكِ حَقِّهِ … ولا مُنْسِئٌ مَعْنٌ ولا مُتَيَسِّرُ
استشهَدَ به على أنَّ تكريرَ الاسمِ مُظْهَرًا في جُملتين أحسَنُ من تكريرِهِ في جملةٍ واحدةٍ لِما قَدَّمْتُ ذِكْرَهُ، ولو حُمِلَ البيتُ على أنَّ التكريرَ من جملةٍ واحدةٍ
стр. 78
لقال: (ولا مُنْسِيءٍ مَعْنٌ) عَطْفًا على قوله: (بتارِكِ حَقِّهِ)، ولكنّه لمّا كَرَّرَه مُظْهَرًا وأمْكَنَهُ أنْ يجعلَ الكلامَ جملتين استأنَفَ الكلامَ فرَفَعَ الخَبَرَ.
وعَنَى بالبيتِ مَعْنَ بنَ زائدةَ الشَيباني (١٣٣) وهو أحَدُ أجوادِ العربِ وسُمَحَائهم فوَصَفَه ظُلْمًا بسُوءِ الاقتِضاءِ وأَخْذِ الغَريمِ على عُسْرَتِهِ، وأنّه لا يُنْسِئُهُ بِدَيْنِهِ ولا يَتَيَسَّرُ عليه، النَسءُ: التأخير، يقال: نَسَأتُهُ وأنْسَاتُهُ إذا أَخَّرْتَهُ.
وأنشد في البابِ للأعْوَرَ الشَنِّيّ (١٣٤):
[٤٦] هَوِّنْ عليكَ فإنَّ الأمورَ … بكَفِّ الإلهِ مَقادِيرُها
فلَيْسَ بآتِيكَ مَنْهِيُّها … ولا قاصِرًا عنكَ مَأمُورُها
استشهَدَ بالبيتِ الأخيرِ من البيتينِ على جَوازِ النصبِ في الخبرِ المعطوفِ على خَبرِ ليسَ وإنْ كانَ الآخِرُ أجنبيًّا، لأنّ ليسَ تعمَلُ في الخَبَرِ مُقَدَّمًا ومؤخّرًا لِقُوَّتها.
وذَكَر أنّ الجَرَّ جائزٌ (١٣٥) في البيتِ على أنْ تجعَلَ الآخِرَ مِن سَبَب الأوّلِ، لأنّه أخبَرَ أوّلا عن المَنْهيَ فقال: (ليس بآتِيكَ مَنهيُّها)، ثُمَّ أخبَرَ آخِرًا عن المأمورِ وأضافَهُ إلى ضَميرِ (١٣٦) الأمورِ، والمَنْهيُّ مِن الأمورِ، فكأنَّ الضميرَ الذي أُضِيفَ إليه المأمورُ عائدٌ عليه، لأنّ بعضَ الأمورِ أُمورٌ وجَعَلَهُ بمنزلة قول جرير (١٣٧):
إذا بَعضُ السِنينَ تَعَرَّقَتْنا [٣٥].
стр. 79
وقد مضى تَفسيرُه (١٣٨).
وكذلك تَأَوّلَ (١٣٩)، بيتَ النابغةِ الجَعْدِيّ، وهو قولُه: (١٤٠):
[٤٧] فليسَ بمعروفٍ لنا أنْ نَرُدَّها … صِحاحًا ولا مُستنكَرٌ أنْ تُعَقَّرا
فَرَدَّ قوله: ولا مستنكَرٍ على قوله: بمعروفٍ، وجَعَلَ الآخِر من سبب الأوّل لأنّ الرَدَّ ملتَبِسٌ بالخَيلِ فكأنّه منها.
والعَقْرُ مُتَّصِلٌ بضميرها فكأنّه اتّصَلَ بضميرِ الرَدِّ حيثُ كانَ منَ الخَيل كما كانَ المَرُّ من الرياحِ <في قَولِ ذي الرُمَّة (١٤١):
مَشَيْنَ كما اهتزّتْ رِماحٌ تسَفَّهَتْ … أعاليهَا مَرُّ الرياحِ> النَواسمِ [٣٧]
وقد مَرَّ تَفسِيرُهُ (١٤٢).
فتقديرُ البيت الأوّلِ عند سيبويه فليسَ بآتِيكَ الأمورُ مَنْهِيُّها ولا قاصِرٍ عنكَ مأمورُها، وتقديرُ الآخِرِ فليسَ بمعروفَةٍ خَيْلُنا رَدُّها صِحاحًا ولا مستنكَرٍ عَقْرُها لِما ذَكَرنا من التِباسِ المَنْهيِّ بالأمورِ فكأنّه الأمورُ، والتِباسِ الرَدِّ بالخَيْلِ فكأنّه الخَيلُ.
وقد رُدَّ عليه ما تأوّلَ في البيتين، وأُبْطِلَ جَوازُ الجَرُ الذي أجازَهُ سَماعًا مِن العربِ فقال: (وقد جَرَّهُ بَعضُهم) (١٤٣).
والرَدُّ عليه فيما تأوّلَهُ صَحيحٌ، والرَدُّ على العَربِ مِن الاعتِداءِ وأشَدُ التَعَسُّفِ والاجتراءِ، وسَأُبَيِّنُ صِحَّةَ القِياسِ فيما أجازَتْهُ العَرَبُ من ذلك وغَفْلَةَ سيبويه في تأويلِهِ وما لَحِقَهُ فيه من السَهْو المُوَكَّلِ بالبَشَر، على أنّي قَد استقصيتُ القولَ فيما تأوَّلَهُ هو
стр. 80
وغَيرُهُ في البيتين في كتابِ (النكت) (١٤٤).
فأقول: إنّ العَرَبَ تُجيرُ في الدارِ زيدٌ والحُجرةِ عمروٌ، وإنَّ في الدارِ زيدًا والحُجْرَةِ عَمرًا، وليسَ بقائمٍ زيدٌ ولا خارِجٍ عَمروٌ، ولا تُجيزُ زيدٌ في الدارِ والحُجرةِ عَمروٌ، ولا إنّ زيدًا في الدارِ والحُجرةِ عَمرًا، ولا ليسَ زيدٌ بقائمٍ ولا خارجٍ عَمروٌ، والفَرقُ بَينَ الكلامينِ أنّك إذا قلتَ: في الدارِ زيدٌ والحُجرة عمروٌ جَرى آخِرُ الكلامِ وأوّلُهُ على استواءٍ من تقديمِ الخَبَرينِ على المُخْبرِ عنهما، فاحتَمَلَ الكلامُ الحَذْفَ من الثاني لدلالَةِ الأوّلِ على المحذوف ولاتصالِ المحذوفِ بحرفِ العطفِ القائمِ مقامَهُ في الاتصالِ بالمجرورِ، فلم يَبْقَ في الكلام إزالَةُ شيءٍ عن موضِعِه لوقوعِ الرُتبةِ فيه وحُصولِها.
فإذا قلتَ: زيدٌ في الدارِ والحُجرةِ عَمروٌ لم يَجُزْ لأنَّ خَبَرَ الأوّل وَقَع مُؤخَّرًا فيجبُ في خَبرِ الآخِرِ أنْ يُقَدَّرَ مؤخرًا طَلَبًا للاستواءِ، وأنتَ إذا أَخَّرْتَهُ فقلتَ: زيدٌ في الدارِ وعَمروٌ الحُجْرَةِ بطلَ لحَذْفِ حَرفِ الجَرِّ مع التفريقِ بينَ المجرورِ وحَرْفِ العطفِ، فكما (١٤٥) لَمْ يَجُزْ حَذْفُهُ في التأخيرِ لم يَجُز مع التقديمِ.
وكذلك القولُ في إنّ في الدارِ زيدًا والحُجرةِ عَمرًا، وفي قولك: ليسَ بقائمٍ زيدٌ ولا خارجٍ عَمرٌو، لأنّ هذا كُلَّه جارٍ على الرُتْبَةِ فجازَ فيه الحَذْفُ على ما تَقَدّمَ، فإنْ أخّرْتَ الخبرينِ في المسألتين بطلَ فيهما ما بَطَل في الأوّل.
فقولُه: ليسَ بآتيك مَنْهِيُّها ولا قاصِرٍ عنكَ مأمورُها بمنزلة قولك: ليسَ بقائمٍ زيدٌ ولا خارجٍ عمروٌ، وكذلك بيت الجعدي، ولو كانَ تأليفُ البيتين: ليسَ مَنْهِيُّها بآتيكَ ولا قاصِرٍ عنكَ مأمورُها، وليسَ أنْ تَرُدَّها صِحاحًا بمعروفٍ ولا مستنكَرٍ عَقْرُها لم يَجُزْ لِما قَدَّمْنا.
فَحَمْلُ البيتينِ على جوازِ الجَرِّ في الثاني وإنْ كانَ الآخِرُ أجنبيًّا من الأوّلِ خارجٌ على هذا ولا يحتاج إلى ما تأوَّلَهُ سيبويه من جَعْلِ المَنهيِّ كالأمورِ ورَدَّ الضميرِ المضافِ
стр. 81
إليه المأمورُ عليه، لأنّ المأمورَ لا يكونُ مِن المُنهي بوجهٍ وإنْ كانَ أُمورًا، وكذلك العَقرُ لا يَجوزُ أنْ يُضافَ إلى ضَميرِ الرَدِّ وإنْ كانَ الرَدُّ ملتبسًا بالخَيلِ، لأنّه لا معنى له إذْ ليسَ الرَدُّ بالخَيلِ ولا العَقْر واقِعًا به في التَحصيلِ.
فقَدْ بطلَ مذهَبُ سيبويه وصَحَّ التأويلُ الذي ذَكَرنا في البيتين مع السَماع مِن العربِ ووجودِه في القرآن والشِعر، قال اللهُ : "واختِلافِ الليلِ والنَهارِ وما [أنزَلَ اللهُ من السماءِ من رِزقٍ فأحْيا به الأرض بعدَ مَوتِها] (١٤٦)، وتَصريفِ الرياحِ آياتٍ" (١٤٧) وَآيات، فالرَفعُ على موضع إنَّ، والنَصبُ على المنصوبِ بها (١٤٨)، وقد حَذَف الجارّ من الخبرِ كما ترى.
ولا يُلْتَفَتُ إلى ما تأوَّلَ (١٤٩) النحويَون في الآيةِ ممَا ذكرناه في كتاب (النكت) (١٥٠) عنهم، مع الشاهد القاطع في قوله (١٥١) : "للذينَ أحْسَنوا الحُسْنَى وزِيادَةً" (١٥٢) إلى آخِرِ الآيةِ، ثُمَّ قال: "والذين كَسَبوا السَيئاتِ جَزاءُ سَيِّئَةٍ بمِثْلها" (١٥٣)، فالتقديرُ للذين أحسَنوا الحُسْنى وللذين أساءوا جَزاءُ بالسَيئِّة، فَحذَفَ مِن الآخِرِ حَرفَ الجَرِّ لذِكْرِهِ في الأول، فهذا (١٥٤) كقولك: لزيدٍ عَقْل وعمروٍ أَدَبٌ تريد ولعمرٍو أدَبٌ، وكذلك ما حكاه سيبويه ﵀ مِن قولِ العرب: ما كُلُّ سَوداءَ تَمرةً ولا بيضاءَ شَحْمة (١٥٥)، أرادَ ولا كُلُّ بَيضاءَ شَحْمَة، فحذَفَ (كُلًّا) من الآخِرِ كما حُذِفَ حَرفُ الجَرِّ في فيما ذكرناه.
стр. 82
وكذلك البيتُ الذي أنشَدَهُ لأبي دُوَاد (١٥٦) وهو قوله:
[٤٨] أَكُلَّ امرِيءٍ تَحْسِبِينَ امْرَأ … ونارٍ تَوَقَّدُ بالليلِ نارا
أرادَ وكُلَّ نارٍ، فحَذَفَ لِما جَرى من ذِكرِ (كُلٍّ) مع تقُديمهِ المجرورَيْنِ وحُصولِ الرُتْبَةِ في آخِرِ الكلامِ واتِّصالِ المجرورِ بحرفِ العَطْفِ لَفظًا ومَعنىً.
ولو كانَ تأليفُ البيتِ: أتَحْسِبِينَ امْرَأً كلّ امْرِيءٍ ونار تَوَقَّدُ بالليلِ نارًا لم يَجُزْ حتى تُظْهِرَ (كُلًّا)، لأنَّك إنْ أعطيتَ الكلامَ حَقَّهُ من الاستِواءِ لَزِمَكَ تأخيرُ (النارِ) المجرورةِ بـ (كُلٍّ) المُقَدّرةِ كما أخّرْتَ (كُلًّا) الأولى، فكنتَ تقول: اتَحْسِبِينَ امرَأً كُلَّ امْرِيءٍ وتَحْسِبِينَ نارًا نار تريدُ كُلَّ نارٍ، وقد تَقَدمَ فَسادُ ذلك، وكذلك المسائل التي ذَكَر في آخِرِ البابِ قِياسُها كُلُّها واحِدٌ، وهي بمنزلة الأبياتِ والآياتِ (١٥٧) لا فَرقَ بينَها، فَتأَمَّلْ ذلك تَجِدْهُ [صحيحًا] جاريًا على أصلٍ مُطَّرِدٍ إنْ شاء الله، ومعاني الأبيات ظاهرةً مستَغْنِية عن التفسير.
وأنشد في بابٍ ترجمَتُهُ: هذا بابُ ما يجري على الموضعِ لا على الاسمِ الذي قبلَهُ، لعُقَيْبَةَ الأسدي (١٥٨).
[٤٩] مُعاوِيَ إنَّنا بَشَرٌ فأسْجِحْ … فلَسْنا بالجبالِ ولا الحَديدا
[أديروها بَني حَرْبٍ عليكُم … ولا تَرْموا بها الغَرَضَ البعيدا] (١٥٩)
стр. 83
استشهد به على جَوازِ حَمْلِ المعطوفِ على موضعِ الباءِ وما عَمِلَتْ فيه، لأنَّ معنى لَسْنا بالجِبالِ ولَسْنا الجِبالَ واحدٌ.
وقد رُدَّ < على > سيبويه روايةُ البيتِ (١٦٠) بالنَصْب، لأنَّ البيتَ من قصيدةٍ مجرورةٍ معروفةٍ وبعدَهُ ما يدلُّ على ذلك وهو قوله:
أكَلْتُم أَرْضَنا فَجَرَزْتُموها … فهَلْ من قائمٍ أوْ مِنْ حَصيدِ
وسيبويه غَيرُ مُتَّهَمٍ فيما نَقَلَهُ روايةً عن العربِ، فيجوزُ أنْ يكونَ البيتُ من قصيدةٍ منصوبةٍ غير هذهِ المعروفةِ، أو يكونَ الذي أنشَدَهُ رَدَّهُ إلى لُغَتِهِ فَقَبِلَه مِنْهُ سيبويه منصوبًا، فيكون الاحتجاج بلُغةِ المُنشِدِ لا بقولِ الشاعر.
أرادَ معاويةَ بن أبي سفيان، شكا إليه جَوْرَ العُمَالِ، ومعنى أسْجِحْ سَهِّلْ وارفقْ، وخَدّ أسْجَحُ، أي: طَويلٌ سَهْلٌ، وناقَةٌ سُجُحٌ، < أي > سَهْلَةُ المَرِّ < مِن > هذا.
وأنشد في البابِ للبيدِ في مِثلِه (١٦١):
[٥٠] فإنْ لَمْ تَجِدْ مِن دُونِ عَدنانَ والدًا … ودُونَ مَعَدٍّ فَلْتَزَعْكَ العَواذِلُ حَمَل (دونَ) الآخِرَةَ على موضعِ الأولى، لأنَّ معنى لم تَجِدْ من دونِ عَدنانَ ولم تَجِدْ دونَ عدنان واحِدٌ.
وَصَفَ قُصَارى الإنسانِ المَوتُ، فينبغي له أنْ يَكُفَّ عن القَبيحِ ويَتَّعِظَ بالموتِ، فيقول: انَتسِبْ إلى عَدنانَ أو مَعَدٍّ فإنْ لم تَجِدْ مَنْ بَيْنَك وبَيْنَهما مِن الآباءِ باقيًا فاعلَمْ أنَّك ستصيرُ مَصِيرَهم، فينبغي لكَ أنْ تَنْزِعَ عَما أنتَ عليه.
стр. 84
ومعنى تَزَعُكَ تَكُفُّكُ، فأرادَ بالعواذلِ ما يَزَعُه ويَكُفُّه من حَوادثِ الدهرِ وزَواجرِهِ، فَسَمّاها عَواذِلَ على السَعَةِ، والعَذْلُ: اللَّوْمُ.
وأنشد في البابِ لكَعْبِ بنِ جُعَيْل (١٦٢):
[٥١] ألا حَيَّ نَدْمَاني عُمَيْرَ بنَ عامِرٍ … إذا ما تَلاقَينْا مِنَ اليَومِ أو غَدَا
استشهَدَ به على حَمْلِ (غَدٍ) على موضعِ (اليومِ)، لأن معنى تَلاقَيْنا مِن اليومِ وتَلاقَيْنا اليومَ واحِدٌ. والنَدْمانُ والنَديمُ في البناءِ مِثلُ الرحمنِ والرحيمِ.
وأنشد في الباب للعَجاج (١٦٣):
[٥٢] كَشْحًا طَوَى مِن بَلَدٍ مُخْتَارا … مِن يأسَةِ اليائِسِ أو حِذَارا
استشهد به على حَمْلِ (الحِذارِ) على موضعِ (اليَأسَةِ)، لأن معناه يَأسَةَ اليائِسِ، وهو كالذي تَقَدَّمَ.
وَصَفَ ثَورًا وَحْشِيًا أو حِمارًا خَرَجَ من بَلَدٍ إلى بَلَدٍ خَوْفًا من صائدٍ أحَسَّ به، أو يَأسًا مِن مَرعىً كانَ فيه، فيقول: طوَى كَشْحَهُ على ما نَوَى من النَقْلَةِ مُخْتارًا لذلك يأسًا منه أو حِذارًا. والكَشْحُ: الجَنْبُ، ويقال: الخَصْرُ، ويقالُ لكُلِّ مَنْ أضمَرَ شَيئًا ونواه: طَوى عليه كَشْحًا.
وأنشد في باب ترجمَتُهُ: هذا بابُ الإضمارِ في ليسَ وكانَ، لحُمَيْد الأرْقَط (١٦٤):
стр. 85
[٥٣] فأصْبَحوا والنَوَى عالي مُعَرّسِهِم … وليس كُلَّ النَوَى يُلْقِيِ المَسَاكينُ
استشهد به على الإضمارِ في (ليسَ)، لأنَها فِعلُ وجَعَلَ الدليلَ على ذلك إيلاءَها المنصوبَ بغيرِها، وشَرْطُ العامِلِ ألا يُفْصَلَ بينَهُ وبينَ معمولِهِ بما لم يَعْمَلْ فيه، لأنَّ ما عَمِلَ فيه مِنْ سَبِبِه فَلا يُفْصَلُ بينَهُ وبَينَهُ بأجنبيٍّ ليسَ مِنهُ.
وَصَفَ في البيتِ أضيافًا نَزَلوا به، وقبلَ البيتِ (١٦٥):
باتُوا رجُلَّتُنا الصَهْباءُ بَينَهُمُ … كأنَّ أَظْفارَهُم فيها السَكاكِينُ
والجُلَّةُ: قُفَّةُ التَمرِ تُتَخَذُ من سَعفِ النَخلِ ولِيفِهِ فلذلك وَصَفها بالصُهْبَةِ.
فيقول: لمَّا أصْبَحوا ظَهَرَ على مُعَرَّسِهِم وهو موِضعُ نُزولهم نَوَى التَمرِ وعَلاه لكَثْرتِهِ، على أنَّهم لحاجَتِهم لَمْ يُلْقُوا إلا بَعضَهُ، وإنما (١٦٦) أشارَ إلى كثرةِ ما قَدْمَ لهم مِنه وكثرةِ أكْلِهم له، ونَصَبَ (كُلًّا) بـ (يُلْقي)، والجملةُ تَفسيرٌ للمُضْمَر في (ليسَ) وخَبَرٌ عنه.
وأنشد في البابِ للعُجَيرِ السَلُولي (١٦٧):
[٥٤] إذا مُتُّ كانَ الناسُ صِنْفانِ شامِتٌ … وآخَرُ مُثْنٍ بالذي كُنتُ أصْنَعُ
استشهد به على الإضمارِ في (كانَ) كما تَقَدَّمَ في (ليسَ)، ولو لَمْ يُضْمِر لنَصَب الخَبَرَ فقال: صِنْفَينِ. ومعنى البيتِ ظاهِر مِن لفظه.
وأنشد في الباب لهِشام أخي ذي الرُمة: (١٦٨):
[٥٥] هِي الشِفاءُ لِدائي لو ظَفِرْت بها … وليسَ منها شِفاءُ الداءِ مَبْذولُ
стр. 86
القولُ فيه كالقَولِ في البيتينِ قبلَه، لأنّه أضمَرَ في (ليسَ) وجَعَل الجملةَ تفسيرًا للمُضْمَر في موضعِ الخَبَرِ.
وَصَفَ امرأةً يُحِبُّها وهي تَهْجُرُه فيقول: وِصالُها شِفاءُ لِما أجِدُه من داءِ حُبِّها فلو بَذَلَتْهُ لَشَفَتْني.
وتقديرُ الاسمِ المُضْمَرِ في (ليسَ) وليسَ الأمرُ الذي شِفاءُ دائي مبذولًا منها، وإعرابُهُ كما تَقَدَّمَ.
وأنشد في الباب لمُزَاحِمٍ العُقَيْلي (١٦٩):
[٥٦] وقالوا تَعَرَّفْها المنازِلَ مِن مِنىً … وما كُلَّ مَنْ وافَى مِنى أنا عارِفُ
استشهدَ بهِ على رَفْعِ كُلٍّ بـ (ما) إذْ لَمْ يُمْكِنْهُ الإضمارُ فيها، لأنها حَرف ولو أمْكَنَهُ الإضمارُ في (ما) كما يُمْكِنُ في (ليسَ) لنَصَبَ كُلًّا بـ (عارِفٍ) كما نَصَبَ كُلّ النوى بِـ (يُلْقِي).
وَحَذفَ الهاءَ مِن قوله: أنا عارِفُهُ وهو يَنويها، فالتَزَمَ رَفعَ كُلّ بـ (ما) على لُغةِ أهلِ الحجازِ، وجَعَلَ الجملةَ بعدَها خَبَرًا عنها مع حَذفِ الهاءِ ضَرورةً، ولو جَعَلَ (ما) تَميميَّةً لنَصَبَ كُلًّا بـ (عارفٍ) ولم تكنْ فيه ضَرورَةٌ، لأنّ (ما) في لُغتهم غَيرُ عامِلَةٍ فَلا يَقْبُحُ أنْ يَليِهَا ما عَمِلَ فيه غَيرُها.
وَصَفَ أنْه اجتَمَع بمَحْبوبَتِهِ في الحَجِّ فجَعَل يتَفَقَّدُها فقيلَ له: تَعَرُّفْها بالمنازِلِ مِنْ مِنًى وهي حَيثُ يَنزِلون أيامَ رَمْيِ الجِمارِ، فزَعَمَ أنّه لا يَعرفُ كُلَّ مَنْ وافَي مِنًى فَيَسْألَهُ عنها لأنّه لا يَسْألُ عنها إلا مَنْ يَعرفُهُ ويَعْرِفُها.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ الفاعلَيْنِ والمَفْعولَينِ، لقيس بن
стр. 87
الخَطيمِ (١٧٠):
[٥٧] نَحْنُ بما عِندَنا وأنتَ بِما … عِندَكَ راضٍ والرَأيُ مُخْتَلِفٌ
استَشْهَدَ به مُقَوِّيًا لِما جازَ من حَذفِ المَفعولِ الذي هو فَضْلَةٌ مُسْتَغْنًى عنها في قولهم: ضَرَبْتُ وضَرَبنَي زيدٌ، لأنّه حَذَفَ في البيتِ خَبَرَ المبتدأ [الأوّل] الذي هو محتاجٌ إليه لا يتمُّ الكلامُ إلا بهِ، وجازَ هذا الحَذْفُ لأنَّ خَبَرَ المبتدأ دالٌّ عليه إذْ كانَ مَعناهُ كمعناه، والتقديرُ نَحنُ راضُون وأنتَ راضٍ.
وهذا يُقَوِّي مذهَبَ سيبويه في تَقديرِهِ الحَذفَ من الأوّل في قوله جَل وعَز: "واللهُ ورسولُهُ أَحَقُّ أنْ يرضُوه" (١٧١)، لأن قولَه: (راضٍ) لا يكونُ خبَرًا لِـ (نَحنُ) البَتَّةَ، ولا بُدَّ مِن تقديرِ حَذْفِ خَبَرِهِ ضرورةً.
وأنشد في الباب لضابيء البُرْجُمي (١٧٢):
[٥٨] فَمَنْ يَكُ أمْسَى بالمَدينةِ رَحْلُهُ … فإنِّي وقَيّارًا بِها لَغَرِيبُ
أراد فإنِّي بها لَغَريبٌ وإنَّ قَيارًا بها لَغَريبٌ على مذهبِ سيبويه، فحَذَفَ مِنَ الأوّلِ اجتِزاءً بالآخِرِ لأنّ الخَبَرَ عنهما واحِدٌ، فهو بمنزلةِ إنِّي وقَيارًا بها لَغَرِيبانِ، وقَيار: اسمُ فَرَسِهِ.
وَصَفَ في البَيتِ حَبْسَ (١٧٣) عُثْمانَ ﵁ < لَهُ > بالمدينةِ حينَ استُعْدِيَ عليه، والرَحْلُ هنا المنزِلُ.
стр. 88
وأنشد في البابِ لابنِ أحمرَ في مِثْلهِ، واسمُه عَمرو بن أحمر بن العَمَرّد الباهلي (١٧٤):
[٥٩] رَمَاني بأمْرٍ كُنْتُ مِنْهُ ووالِدِي … بَرِيئًا ومِنْ أجْلِ الطَوِيِّ رَمَاني
أرادَ كنتُ منه بَريئًا ووالدِيِ منه بَرِيئًا كما تَقَدمَ، وهذا كُلُّه تَقْوِيَةٌ لحَذْفِ المَفْعولِ في هذا البابِ.
وَصَفَ في البيتِ رَجُلًا كانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَهُ مُشاجَرَةً في بِئْرٍ وهو الطَوِي، فذَكَرَ أنّه رَماهُ بأَمْرٍ يَكْرَهُهُ ورَمَى أَباهُ بمِثْلِهِ على بَراءَتهما مِنه من أجْلِ المُشاجَرَة التي كانَتْ بينهما.
ويُروى ومِنْ جُولِ الطَوِيِّ رَمَاني، والجُولُ والجَالُ: جِرابُ [البِئْرِ من قَعْرِها إلى أعلاها] (١٧٥) في جَميعِ جَوانِبِها. والمعنى أنّ الذي رَماني به رَجَعَ عليه وكان أحَقَّ به فكانَ كَمَنْ رَمَى في قَعْرِ بِئرٍ فرجَعَتْ رَمْيَتُهُ عليه، وهذا البيتُ على هذه الروايةِ مِنْ أَحْكَمِ أبياتِ العربِ.
وأنشد في الباب للفرزدق (١٧٦) في مِثْلِهِ:
[٦٠] إنِّي ضَمِنْتُ لِمَنْ أتاني ما جَنَى … وأبَي فكانَ وكُنتُ غَيرَ غَدورِ
هذا [كالأبيات] (١٧٧) المُتَقَدّمة في حَذْفِ خَبَرِ الأولِ لدلالةِ خَبَرِ الثاني عليه، وتَقديرُ جَميعِ الأبياتِ عندَ غَيرِ سيبويه إلا البيتَ الأولَ منها وهو قوله: نَحنُ بما
стр. 89
عندنا، على التقديمِ والتَأخيرِ، فتقديرُ هذا البيت عند غَيرِهِ فكانَ غَيرَ غَدورٍ وكنتُ <، وكذلك كُنتُ منه بَريئًا ووالِدِي، وهذا التقديمُ والتأخيرُ لا يُنْجي مَنْ خالَفَ سيبويه مِن أنْ يكونَ أحَدُ الخَبَرينِ محذوفًا، لأنَّه إذا قالَ: فكانَ غَيرَ غَدورٍ وكُنتُ > عُلِم (١٧٨)، أن المعنى وكنتُ كذلك، أي: وكُنتُ غَيرَ غَدورٍ.
فإذا كانَ حَمْلُهُ على التَّقديمِ والتأخيرِ لا يُخْرجُهُ عنِ الحذفِ فقولُ سيبويه أَوْلى مع إجْماعِهِم في البيتِ الأول المُتقدمِ الذِكر على حَذْفِ خَبرِ الأولِ ضرورةً.
وأنشد في الباب أيضًا للفرزدق (١٧٩):
[٦١] ولكن نِصْفًا لَوْ سَبَبْتُ وسَبَّني … بَنُو عَبدِ شَمْسٍ مِنْ مَنافٍ وهاشِمِ
استشهد به على إعْمالِ الفِعلِ الثاني وهو (سَبَّني) لِقربِهِ منَ الاسمِ وحَذْفِ المفعولِ من الفِعلِ الأولِ للاستِغْناء عنه بدلالةِ ما بعدَهُ عليه.
وَصَفَ في البيتِ شَرَفَهُ وأَنَه لا كُفءَ له يُقاوِمُهُ في مسابَّةٍ ومُفاخَرَةٍ إلا مِنْ قُريش، وقبلَ هذا البيت (١٨٠):
وإنَّ حَرَامًا أنْ أسُبَّ مُقاعِسًا … بآبائيَ الشُمِّ الكِرامِ الخَضَارِمِ
ومُقاعِسٌ: حَيٌّ مِن تَميمٍ (١٨١)، فيقول: قَدْ حَرَّمْتُ على نَفْسي مسابتَّهم بآبائي لِضَعَتِهم وشَرَفي، ولا أرى انتِصافًا لِعِرْضي بذَمِّ أعراضِهم، ولكن انتصافي في المسابَّةِ والمهاجاةِ أنْ أسُبَّ أشرافَ قُريشٍ وتَسُبَّني.
وبَنو عبدِ شَمْسٍ < وبَنو هاشِمٍ > مِن أشرافِ قُريشٍ (١٨٢)، وهم بنو عبد منَافٍ
стр. 90
ابنِ قُصَيّ فقال: مِن مَنافٍ وهو يريدُ من عَبدِ مَنافٍ على حَسبِ النَسَبِ إليه إذا قالوا: مَنَافِيٌّ لأنّه لا يُشْكِلُ. وعَطَفَ هاشِمًا على عَبدِ شَمسِ لأنّهما أخَوانِ، وهما ابنا عبدِ منافٍ ولم يَعْطِفْهُ على مَنافٍ لِفَسادِ المعنى. والنِصْفُ < والنَصْفُ > بمعنى الانتِصافِ.
وأنشد في البابِ لطُفَيْل الغَنَوِيّ (١٨٣) في مِثْلِه:
[٦٢] وكُمْتًا مُدَمّاةً كأنَّ مُتُونَها … جَرَى فَوْقَها واستَشْعَرَتْ لَونَ مُذْهَبِ
استشهَدَ به سيبويه على إعمالِ الفِعلِ الثاني وهو (استَشْعَرَتْ)، ولو أعْمَلَ الأوّلَ وهو (جَرَى) لرَفَعَ (اللّونَ) وأضْمَرَ في استَشْعَرَتْ فقال: واستَشْعَرَتْهُ لَونُ مُذْهَبِ.
وَصَفَ خَيْلًا كُمْتًا مُشْرَبَةً حُمْرَةً وهي المُدْمّاةُ، وشَبَّهَ ما أُشْرِبَتْ كُمْتَتُها من الحُمرةِ بالذَهَبِ، وجعَلَها كأنّها قَدْ أُلبِسَتْ مِنه شِعارًا وهو ما وَلِيَ الجِلْدَ مِن اللِّباسِ، والدِثارُ: ما لُبِسَ فَوْقَهُ.
والكُمْتُ: جَمعُ كُمَيْتٍ على حَدِّ مُكَبَّرِهِ لَوْ تُكُلَّمَ به وهو أكْمَتُ، وإنّما أُلْزِمَ الكُمَيْتُ التَصغيرَ لأنّه لونٌ بينَ الحُمرةِ والسَوادِ ولم يَخْلُص لأحدهما فَصُغِّرَ لنُقْصانِهِ عن كُلِّ واحدٍ منهما، والمُذْهَبُ هنا اسمٌ للذَهَبِ.
وأنشد في البابِ لرَجُلٍ مِنْ باهِلَةَ في مِثْلِهِ (١٨٤):
[٦٣] ولَقَدْ أرَى تَغْنَي به سَيْفانَةٌ … تُصْبي الحَليمَ ومِثْلُها أَصْبَاهُ
أراد ولقد أَرى سَيْفانَةً تَغْني به سَيْفانَةٌ، فحذَفَ المفعولَ وجَعَل الفِعلَ لها على ما تَقَدَّم.
стр. 91
وَصَفَ منزِلًا خاليًا فيقول: قَدْ كنتُ أرى قبلَ اليومِ امرأةً سَيْفانَةً تَغْنَى به، أي: تُقيمُ، ومنه قيل للمرأةِ: غانِيَةً، وللمنزلِ مَغْنىً، والسَّيَفانَةُ: الممشوقَةُ اللّحمِ المُهَفْهَفَةُ، شُبِّهَتْ بالسَيفِ في إرْهافِهِ ولَطَافَتِهِ.
ومعنى تُصْبي الحَليمَ، أي: تدعوه إلى الصِبا بحُسْنِها وجَمالِها، ثُمَّ أكّدَ حُسُنَها فقال: ومِثلُها مِن أهل الحُسْنِ أصْبَى الحليمَ.
وأنشد في الباب لعُمَرَ بن أبي ربيعة (١٨٥) في إعمالِ الأوّل، وقال الأصمعي (١٨٦): هو لطُفيل الغَنَوي:
[٦٤] إذا هي لَمْ تَسْتَكْ بعُودِ أَراكَةٍ … تُنُخِّلَ فاستاكَتْ به عُودُ إسْحِلِ
أَرادَ تُنُخِّلَ عُودُ إسحِلِ فاستاكَتْ به، ولو أعمَلَ الآخِرَ لقال: فاستاكَتْ (١٨٧) بعودِ إسحِلِ.
وَصَفَ امرأةً تستعملُ سِواكَ الأراكِ والإسحِلِ على حَسَبِ انتقالِها في المواضعِ التي تُنْبِتُهما، والأراكُ: من أفضلِ شَجَرِ السِواكِ واحدَتُها أَراكَةٌ، والإِسْحِلُ مِثلُه واحِدَتُه إسْحِلَةُ، ومعني تُنُخِّلَ: اختِيرَ.
وأنشد في الباب للمرّار الأسدي (١٨٨)، وقيل: لابن أبي ربيعة:
[٦٥] فَرَدَّ على الفُؤادِ هَوىً عَميدًا … وسُوئِلَ لو يُبِينُ لنا السُؤالا
وقد نَغْنَي بها ونَرَى عُصورًا … بها يَقْتَدْنَنا الخُرُدَ الخِذَالا
стр. 92
الشاهدُ في البيت الأخيرِ، وأنشَدَ الأوّلَ لِيُرِيَ أنَّ القوافِي منصوبةُ، فلذلك أضطُرَّ إلى إعمال الفِعلِ الأوّل وهو (نَرَى) فنَصَبَ به (الخُرُدَ الخِدالَ).
وَصَفَ منزلًا، يقول: لمّا أَلْمَمْتُ به ذَكَرْتُ مَنْ كُنتُ عَهِدْتُهُ فيه، فَرَدّ عليَّ مِن الهَوَى ما قد سَلَوْتُ عَنْه، والعَميدُ: الشَديدُ البالغُ وأصلُه مِن عَمِدَ البَعيرُ، إذا تَشَدَّخ سَنَامُهُ من داخِلِه، وأنَّتَ ضَميرَ المنزلِ في قوله: (نَغْنَى بها)، لأنَّه في معنى الدارِ والمنزلة، والعُصورُ: الدُهورُ، ونَصْبُها على الظَرفِ، ومعنى يَقْتَدْنَنا: يَمِلْنَ بنا إلى الصِبا ويَقُدْنَنا نَحْوَه، وواحدةُ الخُرُدِ خريدَةُ وهي الخَفِرَةُ الحَيوِيُةُ، والخِدالُ: جَمعُ خَدْلَةٍ وهي الغَليظةُ الساقِ الناعمةُ، ومعنى نَغْنَى نُقِيمُ، وقد تَقَدّمَ تَفسيرُهُ (١٨٩).
< وأنشَدَ في الباب لامرِئ القيس (١٩٠) في مِثْلِه: >
[٦٦] فَلَو أنَّ ما أَسْعَى لأدْنَى مَعِيشَةٍ … كَفَاني ولم أَطْلُبْ قَليلٌ مِنَ المالٍ
أرادَ كَفَاني قليلٌ مِنَ المالِ ولم أطلُب المُلْكَ وعليه معنى الشِعر، ولو أَعْمَلْ الثاني ونَصَبَ به القليلَ لفَسدَ (١٩١) المعنى.
وَصَفَ بُعْدَ هِمَّتِهِ فيقول: لو كانَ سَعْيِي في الدُنيا لأدْنَى حَظٍّ منها لكَفَتْني (١٩٢) البَّلْغَةُ من العيشِ ولم أتَجَشَّمْ ما أتَجَشَّمُ.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتْهُ: هذا بابُ ما يكونُ الاسمُ فيه مَبنيًّا على الفِعلِ قُدِّمَ أو
أُخِّرَ، لبِشْرِ بن أبي خازِم الأسدي (١٩٣):
[٦٧] فَأَمّا تَميمٌ تَميمُ بنُ مُرٍّ … فأَلْفاهُمُ القَومُ رَوْبَى نِيَاما
стр. 93
استشهد به على أنّ حُكْمَ الاسمِ بعدَ (أمّا) حُكْمُهُ في الابتداء، لأنّها لا تَعملُ شَيئًا فكأنّها لم تُذْكَر قَبلَه.
والرَوْبَى: الخُثراءُ الأنْفُسِ المُستَثْقِلونَ نَومًا، ويقال: هم الذين شَرِبوا الرائبَ فَسَكِروا، وواحِدُ الرَوْبَى رائِبٌ وهو غريبٌ، ونَظيرُهُ هالِكٌ وهَلْكى.
وأنشد في الباب لذي الرُمَّة (١٩٤):
[٦٨] إذا ابْنُ أَبي مُوسَى بِلالٌ بَلَغْتِهِ … فقامَ بفَأسٍ بينَ وِصْلَيْكِ جازِرُ
استشهَدَ [به في الباب] (١٩٥)، وهو مشتَمِلٌ على ما يُبْنَى على الفِعلِ مَرَّةً ويُبنى عليه الفِعل مَرَّةً، و (إذا) ممّا يكونُ الاسمُ فيه مَبْنيًّا على الفِعلِ خاصّةً في مثلِ البيتِ لِما فيها من معنى الشرط.
فإمّا أنْ يكونَ سيبويه ﵀ يعتقدُ فيها هذا ويذكُرُ النَصْبَ هنا بَعْدَها وإنْ كانَ البابُ ممّا يجوزُ فيه الرَفعُ والنَصْبُ لِيُرِي ضَرْبًا من تَمثيلِ نَصْبِ الإسمِ بإضْمارِ فِعلٍ في غير (إذا) من مسائل الباب.
وإمَّا أنْ يكونَ مذهَبُهُ جَوازَ الرَفْعِ والنَصْبِ بعدَ (إذا) وإنْ كانَ فيها معنى الشرطِ لأنَّها غَيرُ عاملةٍ، ولأنّ تقديمَ الاسمِ فيها على الفِعلِ حَسَنُ ويُكْتَفَى بما في جملة الابتداءِ من [ذِكْرِ] الفِعلِ فيُسْتَغنى بذلك عَن أنْ يَلِيَها الفِعلُ (١٩٦)، وكلا المذهبين حَسَنٌ صَحيحٌ إنْ شاء الله.
يُخاطِبُ ناقَتَه فيقول: إذا بَلَّغْتِني هذا الممدوحَ وهو بلالُ بنُ أبي بُرْدَة (١٩٧) بنِ أبي موسى الأشعري فقد استَغْنَيْتُ عن استعمالِكِ لأنّي قد حَلَلْتُ عندَهُ في سَعَةٍ وخِصْبٍ فلا احتاجُ إلى الرحيل.
стр. 94
وقولُه: (فَقامَ بفأسٍ) دُعاءٌ منه عليها، وقد عِيبَ عليه لأنّه كانَ يَنْبغي [له] أنْ يَنظُرَ لها مع استَغْنائِه عنها.
وأَدخَلَ الفاءَ على الفِعلِ الماضي لأنّه دُعاءٌ كما تقول: إنْ أعطيتَني فَجَزاكَ اللهُ خَيرًا، ولو كانَ خَبَرًا لم تَدْخُل عليه الفاءُ، والوِصْلُ بالكَسْرِ: واحِدُ الأوصالِ.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يَجْرِي ممّا يكونُ ظَرْفًا هذا المجرى، لأبي النجم (١٩٨):
[٦٩] قد أَصبَحَتْ أُمًّ الخِيارِ تَدَّعي
عَلَيَّ ذَنْبًا كُلُّهُ لم أَصْنَعِ
استشهد به على رَفْعِ (كُلٍّ) مع حَذْفِ الضَميرِ منَ الفِعلِ، وجَعَلَه في الجَوازِ (١٩٩) مِثلَ زَيدٌ ضَرَبْتُ وقال: (وهو بمنزلَتِهِ في غيرِ الشِعرِ لأنّ النَصبَ لا يَكْسِرُ الشِعْرَ) (٢٠٠)، يريد أنّه لّو قالَ: (كُلَّهُ لم أصنَعِ)، لأجراه على ما يَنْبغي ولم يَحْتَجْ إلى الرَفْع مع حَذْفِ الضَمير.
والقَولُ عندي إنّ الرَفْعَ هُنا أَقوى منه في قولك: زَيدٌ ضَرَبْتُ وألْزَمُ، لأنّ (كُلًّا) لا يَحْسُنُ حَمْلُها على الفِعلِ لأنّ أصْلَها أنْ تأتيَ تابِعَةً للاسمِ مؤكِّدَةً كقولك: ضَرَبْتُ القَومَ كُلَّهم، أو مبتَدَأةً بعد كلامٍ كقولك: إنَّ القَومَ كُلُّهُم ذاهِبٌ، فإنْ قلتَ: ضَرَبْتُ كُلَّ (٢٠١) القومِ وبَنَيْتَها على الفِعلِ قَبْحَتْ لخروجها عن الأصلِ، فإنْ كان الأمرُ كذلك فينبغي أنْ يكونَ قولُه: (كُلُّهُ لم أَصْنَعِ) وإنْ كانَ قد حَذَفَ الهاءَ أقوى من قوله: (كُلَّه) بالنصب، وتكونُ الضَرورةُ فيه حَذْفَ الهاءِ لا رَفْعَ (كُلّ)، وكذلك ما يجري مَجْراه.
стр. 95
وأنشد في البابِ لامرئٍ القيس (٢٠٢):
[٧٠] فأَقْبَلْتُ زَحْفًا على الرُكْبَتَيْنِ … فَثَوْبٌ نَسِيتُ رثَوْبٌ أَجُر
هذا كالذي قبلَهُ عند سيبويه في ابتداءِ الاسمِ مَعَ حَذْفَ الضَميرِ في الخَبَرِ.
ويجوزُ عندي أنْ يكونَ (نَسِيتُ وأَجُرُّ) من نَعْتِ الثَوْبينِ، فيمتنع أنْ: عملَ فيه لأنّ النَعْتَ لا يَعملُ في المنعوتِ، فيكونُ التقدير فثَوْبايَ (٢٠٣) ثَوبٌ مَنْسِيٌّ وثَوْبٌ مجرورٌ.
وَصَفَ أنَّه طَرَق مَحْبوبَتَهُ على خَوْفٍ من الرُقَباء فجَعَل يَزْحَفُ إليها، أَيْ: يَمشِي رُوَيْدًا لِئلَّا يُحَسَّ به فتُذْهِله تلكَ الحالُ حتى يَنْسَى أحَدَ ثَوْبَيْهَ ويَجُرّ الآخَرَ، ولم يُردِ ثوبين خاصّةً وإنَّما أرادَ الجِنْسَ مُقَسَّمًا على حالتينِ.
وأنشد في الباب للنَمِر بنِ تَوْلَبٍ (٢٠٤) في مِثْلِه:
[٧١] فَيَوْمٌ عَلَيْنا وَيْومٌ لنا … ويَومٌ نُسَاءُ ويَومٌ نُسَرّ
هذا كالذي قبلَه عند سيبويه.
ويجوزُ عندي فيه [وَجْهٌ آخَرُ وهو] ما جازَ في البيت المتقدِّمِ من جَعْلِ الفِعلِ نَعْتًا للاسمِ.
وأنشد في البابِ في مِثلِ الأوّلِ (٢٠٥):
[٧٢] ثَلاثٌ كُلُّهُنَّ قَتَلْتُ عَمْدًا … فأخْزَى اللهُ رابِعَةً تَعودُ
كانَ الوَجْهُ عند سيبويه أنْ يكونَ (كُلَّهُنّ) < بالنصب > حَمْلًا على الفِعلِ.
стр. 96
المالِ الذي أَصابوه.
وقولُه: (تَناءٍ) مُنَوَّنٌ لا يَجوزُ حَذْفُ التنوينِ منهُ لأنّه لم يُضِافَ إلى ضَميرِه، ولو أضافَهُ لشَدَّدَ الياءَ فانكَسَرَ الشِعرُ. ومعنى البيتِ ظاهِرٌ من لَفظِهِ.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما يُختارُ فيه إعمالُ الفِعلِ ممّا يكونُ في المبتدأ مَبْنيًّا عليهِ الفِعلُ، للرَبيع بن ضَبُع الفَزاري (٢٠٩):
[٧٥] أَصْبَحْتُ لا أحْمِلُ السِلاحَ ولا … أَمْلِكُ رأسَ البَعِيرِ إنْ نَفَرا
والذِئْبَ أَخْشَاهُ إنْ مَرَرْتُ به … وَحْدِي وأَخْشَى الرِياحَ والمَطَرا
استشهَدَ بالبيتينِ (٢١٠) لاختيارِ النَصْبِ في الاسمِ إذا كانَ قبلَه اسمٌ بُنِيَ على الفِعلِ وعَمِلَ فيه طَلَبًا للاعتدالِ، وتقديرُ البيتِ: أصبحتُ لا أحمِلُ السِلاحَ وأخْشَى الذئبَ أَخْشَاه، فحَذَفَ الفِعلَ الناصِبَ للذئبِ لدلالةِ الفِعلِ الثاني عليه.
وَصَفَ في البيتين انتهاءَ شَبيبته وذَهابَ قُوَّتِهِ، فلا يُطيقُ حَمْلَ السِلاحِ لحَرْبٍ، ولا يَمْلِكُ رأسَ البعير إنْ نَفَرَ مِن شَيءٍ، وإذا خَلَا بالغائبِ خَشِيَهُ على نفسِهِ، وإنّه لا يحتملُ بَرْدَ الريحِ وأذَى المَطَر لِهَرَمِهِ وضَعْفِهِ.
والرَبيعُ هذا أحَدُ المُعَمَّرين، ويقال: إنَّه نَيَّف على مئتي عامٍ.
ويُروى (ولا أمْلِكُ رأسَ البَعيرِ أنْ يَقِرا)، مِنَ الوَقارِ، أي: لضَعْفِهِ لا يَملِكُ تسكينَ بَعيرِهِ وتَوقيرَهُ عند النِفارِ، ونَسَبَ الوَقَارَ إلى الرأسِ لأنّه الموضعُ الذي يُمْلَكُ منه ويُحاوَلُ تَسْكينُهُ.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابٌ يُحمَلُ فيه الاسمُ على اسمٍ بُني عليه الفِعلُ مَرَّةً … الترجمة، لجرير (٢١١):
стр. 97
وقد بَيَّنَتُ (٢٠٦) أنّ الاختِيارّ عندي الرَفْعُ على ما يوجِبُهُ القِياسُ لما ذَكَرْتُ منَ العِلَّةِ < في كُلٍّ >.
وأنشد في البابِ لجرير (٢٠٧):
[٧٣] أَبَحْتَ حِمَى تِهامَةَ بعدَ نَجْدٍ … وما شَيءٌ حَمَيْتَ بمُسْتَباحِ
استشهَدَ به لجَوازِ حَذْفِ الهاءِ من الفِعلِ إذا كانَ في موضعِ النَعْت، لأنّه مع المنعوتِ كالصِلَةِ مع الموصولِ، والحَذْفُ في الصلةِ حَسَنٌ بالِغٌ فَضَارَعَها النَعْتُ فحَسُنَ الحَذفُ فيه.
يُخاطِبُ عبدَ الملك بنْ مروانَ فيقول: مَلَكْتَ العَرَبَ وأَبَحْتَ حِماها بعدَ مخالَفَتِها لك، وما حَمَيْتَ لا يَصِلُ إليه مَنْ خالَفَكَ لِقُوَّةِ سُلْطانِكَ. وتِهامَةُ: ما سفلَ من بلاد العربِ، ونَجْدٌ: ما ارتَفَعَ، وكَنَى بهما عن جَميعِ بلادِ العَرَبِ.
وأنشد في البابِ للحارث بنِ كَلَدَة (٢٠٨) في مِثلِه:
[٧٤] وما أَدْرِي أغَيَّرَهُم تَناءٍ … وطُولُ العَهْدِ أمْ مالٌ أَصَابُوا
استشهَدَ به لحَذْفِ الهاءِ مِنَ الفِعلِ إذا نُعِتَ به الاسمُ على ما تَقَدَّمَ، ولو نَصَبَ هنا الاسمَ على أنْ يجعَلَ الفِعلَ خَبَرًا لا وَصْفًا لجازَ، وكانَ يكون التقديرُ وما أدْرِي أغَيَّرهم تَناءٍ أمْ أصابوا مالًا فَغَيَّرَهم، إلَّا أنَّ حَمْلَهُ على الوَصْفِ أَحسَنُ ليكونَ الاسمُ بعدَ (أَمْ) محمولًا عن الاسمِ المتّصلِ بـ (غَيَّرَهُم)، لأنَّه شَكَّ بينَ تَغْييرِ التَنائي لَهُم أو
стр. 98
[٧٦] جِئْني بمِثْلِ بَني بَدْرٍ لِقَوْمِهمُ … أو مِثلَ أُسْرَةِ مَنْظورِ بنِ سَيَّارِ
استشهَدَ به لحمل الاسمِ المعطوفِ على موضعِ الباءِ وما عَمِلَتْ فيه، لأنَّ معنى قوله: (جِئْني بمِثْلِ بَني بَدرٍ): هاتِني مِثْلَهم، فكأنّه قال: هاتِ مِثلَ بَني بَدْرٍ أو مِثْلَ أُسَرةِ مَنْظورٍ.
يُخاطِبُ الفرزدق، فيفخر عليه بساداتِ قَيسٍ لأنّهم أخوالُهُ، وبَنو بَدْرٍ من فَزارَةَ وفيهم شَرَفُ قَيْسَ عَيْلان، وبنو سَيّارٍ من ساداتِ فَزارَة أيضًا، وفَرَارة (٢١٢) من ذُبْيان من قيس.
وأُسرَةُ الرجُلِ: رَهْطُهُ الأدْنَون إليه، واشتقاقُهُ من أَسَرْتُ الشَيء، إذا شَدَدْتَهُ وقَوَّيْتَهُ لأنّ الإنسانَ يَقْوَى برَهْطِهِ على العَدوِّ ويَعزُّ.
وأنشد في الباب للعَجّاجٍ (٢١٣):
[٧٧] يَذْهَبْنَ في نَجْدٍ وغَوْرًا غائرا
استشهَدَ به (٢١٤) لنَصْبِ (غَوْرٍ) حَمْلًا على موضع (نَجْدٍ) وما عَمِلَ فيه، لأنّ معنى يذهَيْنَ في نَجْدٍ ويَسْلُكْنَ نَجْدًا واحِدٌ، فكأنّه قال: يَسْكْنَ نَجْدًا وغَوْرًا غائِرًا.
وَصَفَ ظَعائنَ مُنْتَجِعاتٍ يأتينَ مَرّةً نَجْدًا وهو ما ارتَفَع من بلادِ العَرَبِ، ومَرَّةً الغَوْرَ وهو تِهامَةُ وهي ما انخفَضَ من بلادها.
وأنشد في البابِ أيضًا (٢١٥):
стр. 99
[٧٨] ألْقَى الصَحيفةَ كَيْ يُخَفِّفَ رَحْلَةُ … والزادَ حتَى نَعْله أَلْقَاها
استشهَدَ به لِما يَجوزُ بعدَ (حَتَّى) في عَطْفٍ عَمَلِ الفِعلِ بعضِهِ على بَعضٍ في الرَفْع والنَصْبِ والجَرِّ كقولك: ضَرَبْتُ القومَ حَتَّى زيدًا ضَرَبْتُهُ<، وحَتَّى زيدٌ بالرَفْعِ >، وحَتَّى زيدٍ بالجَرِّ، فالنَصَبُ (٢١٦) لأنّ حَتَّى من حروفِ العَطْفِ فكأنّه قال: وزيدًا (٢١٧) ضَرَبْتُهُ، والرَفْعُ على القَطْع وجَعْلَ (حتى) بمنزلة واو الابتداء كأنّه قال: وزيدٌ مضروبُ، والخَفْضُ بـ (حَتَّى) لأنّها غايةً بمنزلة (إلى) فكأنَّه قال: فانتهيتُ (٢١٨) بالضَرْبِ إلى زَيدٍ، ويكونُ (ضَرَبْتُهُ) توكيدًا مُسْتَغْنىً عنه، وكذلك تَفسيرُ الفِعلِ بعد (حَتَّى).
وَصَفَ راكبًا جَهِدَتْ راحِلَته فَخافَ أنْ تَقومَ عليه وتقطَعَ به، أو كانَ خائفًا من عَدُوٍّ يَطلُبُه فخَفَّفَ رَحْلَهُ بإلقاءِ ما كانَ عندَهُ من صَحيفْةٍ وهي الكتابُ، وزادٍ ونَعْلٍ، وهذا من الإفراطِ في الوَصْفِ والمُبالغَةِ في الدلالةِ على شِدَّةِ الجَهْدَ أو طَلَبِ الفَوْتِ (٢١٩).
وكانَ الواجبُ في الظاهِرِ أنْ يقول: أَلْقى الزادَ كي يُخَفِّفَ رَحْلَهُ والنَعْلَ حتَّى الصحيفة، فيبدَأ بالأثقلِ مَحْمَلًا ثُمَّ يُتْبِعُه الأخَفَّ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ أو يكون قَدَّمَ الصحيفَةَ لأنّ الزادَ والنَعْلَ أحَقُّ عنده بالإبقاءِ لأنَّ الزادَ يُبْلِغُهُ الوجهَ الذي يريدُهُ، والنَعلَ تَقومُ له مقامَ الراحِلَةِ إنْ عَطِبَتْ فاحتاج إلى المَشْي فقد قالوا: كادَ المُنْتَعلُ [أنْ] يكونَ راكبا (٢٢٠)، وكأنَّ البيتَ عُنِي به المُتَلمْسُ حينَ رَمَى بصحيفته (٢٢١)، وفَرَّ إلى ملوكِ الشامِ.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما ينتصبُ في الألفِ، لجرير (٢٢٢):
стр. 100
[٧٩] أَثَعْلَبَة الفَوارِسَ أَمْ رِيَاحًا … عَدَلْتَ بهم طُهَيَّةَ والخِشَابا
استشهَدَ به لنَصْبِ (ثعلَبَةَ) بإضمارِ فِعلٍ دلَّ عليه ما بعدَهُ، فكأنّه قال: أَظَلَمْتَ ثَعْلَبَةَ عَدَلْتَ بهم طُهَيَّةَ ونحوه من التقدير.
خاطَبَ < بالبيتِ > الفرزدقَ فاخِرًا عليه برَهْطِهِ الأدْنَى إليه من تميم، لأنَّ ثعلبَةَ ورياحًا (٢٢٣) من بني يربوع بن حنظلة، وجَريرٌ من كُلَيب بن يربوع، وطُهَيَّةُ والخِشابُ من بني مالكِ بن حنظلةَ (٢٢٤)، والفرزدقُ من بَني دارم بن مالك بن حنظلة، فَهُم أدْنَى إليه، وإنّما قال: (الفَوارسَ) لأنَّ فُرسانَ تَميمٍ معدودون في بني يربوع بن حَنْظلة.
وأنشد في بابٍ ترجَمَتُه: هذا بابُ ما جَرَى في الاستفهام من أسماءِ الفاعِلِينَ والمفعولينَ مَجْرَى الفِعلِ، لأبي كبير الهُذَلي (٢٢٥):
[٨٠] مِمَّنْ حَمَلْنَ به وَهُنَّ عَواقِدٌ … حُبُكَ النِطاقِ فعاشَ غَيرَ مُهَبَّلٍ
الشاهدُ في نَصْبِ حُبُكِ النِطاقِ بـ (عَوَاقِدَ)، لأنه جَمعُ عاقِدَةٍ، وعاقِدَةٌ تَعمَلُ عَمَلَ الفِعلِ المضارع لأنّها في معناه، فجرى جَمْعُها في العَمَلِ مَجْراها، ونَوّنَ عواقِدَ مُضْطَرًّا.
وَصَفَ رَجُلًا شَهْمَ الفُؤادِ ماضيًا في الرجالِ، فذَكَر أَنَّه مِمَّنْ حَمَلَتْ به النِساءُ مُكْرَهاتٍ فَغَلَبَ عليه شَبَهُ الآباءِ وخَرَجَ مُذَكّرًا، وكانت العَرَبُ تفعَلُ ذلك، يُغْضِبُ الرجُلُ منهم المرأةَ ويُعْجِلْها حَلَّ نِطاقها ويَقَعُ بها فيغلبُ ماؤُهُ على مائها فيَنْزِعُ الوَلَدُ إليه في الشَبَهِ.
وحُبُكُ النِطاقِ: مَشَدُّهُ (٢٢٦)، واحدُها حِباكٌ وهو مِن حَبَكْتُ الشَيءَ إذا شَدَدْتَهُ
стр. 101
وأحْكَمْتَهُ. والنِطاقُ: إزارٌ تَحْتبكُ [المرأةُ في وَسَطِهِ] (٢٢٧) وتُرسِلُ أعلاه على أسْفَلِهِ تُقيمُهُ مقامَ السَراويلِ. والمُهَبَّلُ: الثَقيلُ، ويقال: هو الذي يُدْعَى عليه بالهَبَلِ فيُقال: هَبِلَتْهُ أُمُّهُ أَيْ: فَقَدَتْهُ.
ونَظيرُ البيتِ ما أنشَدَهُ بعدَ هذا للعَجَّاج < وهو قوله: > (٢٢٨)
أوَ ألفًا مَكَّة من وُرْقِ الحَمِي [١]
وقد مَرَّ تَفسيرُهُ (٢٢٩).
وأنشد في الباب لذي الرُمَّة (٢٣٠):
[٨١] هَجُومٌ عليها نَفْسَهُ غَيرَ أنَّهُ … مَتَى يُرْمَ في عَيْنَيه بالشَبْحِ يَنْهَضِ
الشاهِدُ في نَصْبِ النَفْسِ بـ (هَجُومٍ)، لأنَّه تكثيرُ هاجمٍ، وهاجِمٌ يَعملُ عَمَلَ يَهْجِمُ فَجَرَى تكثيرُهُ مَجْراه.
وَصَف ظَليمًا فيقول: يَهجمُ نَفْسهُ على بَيْضِه أي: يُلْقيها عليها حاضِنًا لها، فإذا فأجأَهُ شَخْصٌ وهو الشَبْحُ فارَقَ بَيْضَهُ وشَرَدَ ونَهَضَ فارًّا، ويُقال للشَخْصِ: شَبْح وشَبَحٌ (٢٣٢).
ومعنى قوله: يُرْمَ في عَيْنَيه بالشَبْحِ، يُفاجِئُهُ بسُرعةٍ فينظُر إليه، فجَعَلَ مُفَاجَأَتَهُ لنَظَرِه كشيءٍ [واحِدٍ] رُمِيَ به، وهو مِن بديعِ الكلامِ وفَصِيحِهِ.
وأنشد في الباب لأبي ذُؤيب (٢٣٣):
стр. 102
[٨٢] قَلَى دِينَهُ واهتاجَ للشَوقِ إنَّها … على الشَوقِ إخْوانَ العَزاءِ هَيُوجُ
الشاهد في نَصْب إخوانِ العَزاءِ بـ (هَيُوجٍ)، لأنّه تكثيرُ هائجٍ، وعَمِلَ فيه مُقَدَّمًا كعَمَلِهِ فيه مؤخّرًا لقُوَّتِهِ وجَرْيِهِ مَجرى الفِعلِ في عَمَلِهِ.
وَصَفَ امرأةً بالحُسْنِ واسْتِمالَةِ الرِجالِ فيقول: لو نَظَرَ إليها راهِبٌ لَقَلَى دينَهُ، أيْ: أبْغَضَهُ وتَرَكَهُ، واهتاجَ شَوقًا إليها، ثُمَّ قالَ: إنَّها لإفْراطِ حُسْنِها وجَمالِها تَهِيجُ إخْوانَ العَزاءِ عن (٢٣٤)، مِثْلِها < على الشَوْقِ > وتَحْملهم على الصِبَا واللَّهُو، ويقال: هِجْتُ الشَيءَ فاهتاجَ إذا هَيَّجْتُهُ ولا يقال: أهَجْتُ.
وأنشد في البابِ للقُلاخ بن حَزْن المِنْقَري (٢٣٥)، والقُلاخ بالخاءِ معجمةً وهو من قَلَخَ البَعيرُ < قَليخًا و> قُلاخًا إذا هَدَرَ:
[٨٣] أَخَا الحَرْبِ لَبّاسًا إليها جلالَها … وليسَ بِوَلّاجِ الخَوالِفِ أَعْقَلا
الشاهِدُ في نَصْب (جِلالها) بقوله: (لَبّاسًا): لأنّه تكثيُر لأبِسٍ فَعَمِلَ [عَمَلَ فِعْلِهِ] (٢٣٦).
وَصَفَ رجلًا بالشَجاعةِ والإعداد للحربِ فيقول: هو أخو الحربِ (٢٣٧) لمُلازَمَتِهِ لها، مُعِدٌّ لآلَتِها، لابِسُ لِعُدَّتِها، وجَعَل ما يَلْبَسُه لها منَ السِلاحِ كالدِرْعِ ونَحْوِها جِلالًا، وهي جَمعُ جُلّ، على طريقة المَثَلِ والاستعارِة، والوَلّاجُ: الكثيرُ الوُلوجِ في البُيوتِ المُتَرَدِّدُ فيها لضَعْفِ هِمَّتِهِ، نَفَى ذلك عنه، والخَوالِفُ: جَمعُ خالِفَةٍ وهي عَمود
стр. 103
في مُؤخَّرِ البيتِ، ويقال: هي شقّةٌ في أسفَلِ مؤخَّرِ البيتِ. والأعْقَلُ: الذي تَصطَكُّ رُكْبتَاه عندَ المَشْيِ خِلْقَةً أوْ ضعفًا.
وأنشد في البابِ مستشهِدًا لمِثْلِهِ (٢٣٨):
[٨٤] بَكَيْتُ أَخَا لأواءَ يُحْمَدُ يَومُهُ … كريمٌ رُؤوسَ الدارِعِينَ ضَروبُ
الشاهد في نَصْب الرُؤوسِ بـ (ضَرُوبٍ)، وقد تَقَدَّمَ نَظيُره.
وَصَفَ رجُلًا شُجاعًا كريمًا فَقَدَه فبكى عليه فيقول: بَكَيْتُ رجُلًا أخا لأواءَ، أي: كافيًا لها دافِعًا لمَعَرَّتها، والّلأْواءُ: الشِدّة، ثُمَّ بَيَّنَ أنّه مُقَدَّمٌ على الأقْرانِ ضَروبٌ رؤوسهم بالسَيفِ، وإذا نالَ منهم الرؤوسَ فقد بَلَغ النِهايَةَ من الإقدامِ عليهم.
ومعنى قوله: (يُحْمَدُ يَومُهُ) أَيْ: إنْ تَوَلّى يومًا من أيّام الحربِ أو العطاءِ والبَذْلِ حُمِدَ، وجَعَلَ الفِعلَ لليومِ مَجازًا واتّساعًا.
وأنشد في البابِ لأبي طالب (٢٣٩) في نَحْوِه:
[٨٥] ضَروبٌ بنَصْلِ السَيْفِ سُوقَ سِمانِها … إذا عَدِمُوا زادًا فإنَّكَ عاقِرُ
الشاهد في نَصْبِ السُّوقِ (٢٤٠) بـ (ضَروبٍ) على ما تَقَدَّمَ.
يمدحُ (٢٤١) رجُلًا بالكَرَمِ فيقول: يَضرِبُ بسَيْفه سُوق السِمانِ من الإبِلِ للأضيافِ إذا عَدِموا الزادَ ولم يَظْفَروا بجَوادٍ لشِدَّةِ الزَمانِ وكَلَبِهِ، وكانوا إذا أَرادوا نَحْرَ الناقَةِ ضَرَبوا ساقَها بالسَيفِ فَخَرَّتْ ثُمَّ نَحَروها.
стр. 104
وأنشد في البابِ لابنِ أَحْمَرِ (٢٤٢):
[٨٦] أَوْ مِسْحَلٌ شَنِجٌ عِضَادَةً سَمْحَجٍ … بسَرَاتِهِ نَدَبٌ لها وكُلُومُ
الشاهدُ في نَصْبِ عِضادَةٍ بـ (شَنِجٍ)، لأنَّه تكثيرُ شانِجٍ، وشانِجٌ في معنى مُلازِمٍ، وفِعْلُهُ شَنِجْتُهُ كَلَزِمْتُه على ما حكاه البصريون، وذلك غَيرُ مشهورٍ في اللُّغة.
وقَدْ خُولِفَ سيبويه (٢٤٣) في هذا وجُعِلَ نَصْبُ (عِضادَةَ) على الظَرفِ، والتقديرُ شَنِجٌ في عِضادَةِ سَمْحَجٍ، وعِضادَتَّها ناحِيَتُها، فكأنَّه قال: مُنقَبِضٌ في ناحيةٍ من الأتانِ، وشَنِجٌ في معني منقبضٍ على هذا التأويل وهو غيرُ مُتَعَدٍّ.
والصحيحُ قولُ سيبويه، وعليه معنى الشِعرِ لأنَّه وَصَفَ المِسْحَلَ وهو غَيرُ الفَلاةِ بالنَشَاطِ والهِيَاجِ والحَمْلِ على أَتانِهِ، فهي تَرْمَحُهُ وَتكْلِمُهُ أي: تَجْرَحُهُ، وشَبَّهَ ناقَتَهُ به في هذه الحالِ، ولو كانَ المعنى على التَفسيرِ الآخَر لقَصَّرَ (٢٤٤) في وَصَفِ ناقَتِهِ وتَشْبيهِها به.
والسَمْحَجُ: الطويلَةُ على وجْهِ الأرضِ، والسَراةُ: أَعلَى الظَهر ووسطُهُ، والنَدَبُ: آثارُ الجِراحاتِ، واحدَتُها نَدْبَةٌ، والكُلومُ: الجِراحاتُ، واحِدها كَلْمٌ.
وأنشد في الباب لطَرَفة بن العَبْد (٢٤٥):
[٨٧] ثُمَّ زادوا أَنَّهم في قَوْمِهِم … غُفُرٌ ذَنْبَهُمْ غَيرُ فُخُرْ
الشاهِدُ في نَصْب ذَنْبِهم بِـ (غُفُرٍ)، لأنَّه جَمعُ غَفورٍ، وغَفورٌ تكثيرُ غافِرٍ وعامِلٌ عَمَلَهُ فجَرَى جَمْعُهُ في العَمَلِ مجراه. مَدَحَ قومَهُ فيقول: لَهُم فَضْلٌ على الناسِ وزِيادَة
стр. 105
عليهم بأنَّهم يَغْفِرونَ ذَنْبَ المُذنِبِ إليهم ولا يَفْخَرونَ بذلك سِتْرًا لمعروفهم.
ويُروى غَيرُ فُجُرْ بالجيمِ، أي: يَغْفِرونَ الذَنبَ ويَعِفُونَ عن الفَحْشاء، والروايَةُ الأولَى أصَحُّ وأحسَنُ.
وأنشد في الباب (٢٤٦):
[٨٨] حَذِرٌ أُمورًا لا تُخَافُ وآمِنٌ … ما ليسَ مُنْجِيَهُ من الأقْدارِ
الشاهِدُ في نَصْبِ الأمورِ بِـ (حَذِرٍ)، لأنَّه تكثيرُ حاذِرٍ، وحاذِرٌ يعمَلُ عَمَلَ فِعْلِه المُضارِع، فجَرَى (حَذِرٌ) عندَ سيبويه مَجْراه في العَمَلِ لأنَّه عندَهُ مُغَيَّرٌ من بِنائِهِ للتكثير كما كانَ ضَروبٌ وضَرَّابٌ وغَيرُهما من الأمثلةِ.
وقد خُولِف سيبويه (٢٤٧) في تَعَدِّي فَعِلٍ وفعيلٍ، لأنَّهما بِناءانِ لِما لا يتعدَّى في الأصلِ كبَطِرٍ وأَشِرٍ وكريمٍ ولَئيمٍ.
وسيبويه ﵀ لا يُراعي موافَقَتَهُ لِبناءِ ما لا يَتَعدّى إذا كانَ منقولًا من فاعِلٍ المتَعَدّي للتكثيرِ وهو القِياسُ مع إتْيانِهِ بالشاهِدِ وإنْ كانَ قَدْ رُدَّ عليه استشهادُهُ بالبيتِ وجُعِلَ مصنوعًا (٢٤٨)، ونُسِبَ إلى أبي [يحيى اللاحقي] (٢٤٩)، وزعَم الرادُّ عنه أنّه قال: سألَني سيبويه عن تَعَدّي (فَعِلٍ) فوضَعْتُ له (حَذِرٌ أُمورًا لا تُخافُ)، وإنْ كانَ هذا
стр. 106
صحيحًا فلا يَضُرُّ ذلك سيبويه لأنّ القياس يَتْضُدُه.
وقَدْ ألْفَيْتُ في بعضِ ما رأيتُ، لزيد الخيلِ بن مهلهل الطائي بَيتًا في تَعَدِّي فَعِلٍ، وهو قوله (٢٥٠):
أَتَاني أَنَّهم مَزِقونَ عِرْضِي … جِحاشَ الكِرْمِلَيْنِ لَها فَدِيدُ
فقال: مَزِقوَن عِرْضي كما تَرَى، وأجراه مُجرى مُمَزقينَ، وهذا لا يحتملُ غيرَ هذا التأويلِ، فقد ثَبَتَ صِحَّةُ القِياسِ بهذا الشاهِد القاطع.
وأنشد في البابِ لرؤبَةَ (٢٥١) في مِثلِ ما تَقَدَّمَ:
[٨٩] برأسِ دَمّاغٍ رُوُسَ العِزِّ
الشاهِدُ فيه نَصْبُ رُؤُوسِ العزِّ بـ (دَمّاغٍ)، لأنّه تكثيرُ دامغٍ وهو الذي يَبْلُغُ بالشَجَّةِ إلى الدِماغِ، وأرادَ رُؤوسَ أهلِ العزِّ فحَذَفَ كما قال جَلَّ وعَزّ: "وسْئَلِ القَرْيَةَ" (٢٥٢).
وأنشد في الباب لساعدةَ بن جُؤيَّة (٢٥٣):
[٩٠] حَتَّى شَآها كَلِيلٌ مَوْهِنًا عَمِلٌ … باتَتْ طِرابًا وباتَ الليلَ لم يَنَمٍ
الشاهدُ في نَصْبِ مَوْهِن (٢٥٤) بـ (كَليلٍ)، لأنَّه بمعنى مُكِلٍّ مُغَيَّرٌ منه لمعنى التكثير.
وقد رُدَّ (٢٥٥) هذا التأويلُ على سيبويه لِما قَدَّمْنا من أَنَّ فَعِيلًا وفَعِلًا بِناءان لِما لا يتعدّى في الأصلِ، وجَعَل الرادُّ نَصْبَ مَوْهنٍ على الظَرفِ، والمعنى عنده إنّ البَرقَ ضَعيفُ الهُبوبِ كَلِيل في نفسه.
وهذا الردُّ غيرُ صحيحٍ، لأنّه لو كانَ كليلًا لم يَقُل: عمِلٌ وهو الكثيرُ العَمَلِ، ولا
стр. 107
وَصَفَه بقوله: باتَ الليلَ لم يَنَم.
والمعنى على مذهب سيبويه أنَّه وَصَف حمارًا وأُتْنًا نَظَرَتْ إلى بَرقٍ مُستطير دالٍّ على الغَيْثِ يُكِلُّ المَوْهِنَ بُروقُه (٢٥٦) وتَوالي لمعانِه كما يقال: أُتْعَبْتَ لَيْلَك، أي: سِرتَ فيه سيرًا حَثيثًا مُتْعِبًا مُتواليًا، والمَوْهِنُ: وقتٌ من الليلِ، فشَآها ذلك البَرقُ أي: ساقَها وأزْعَجَها من [موضعها إلى الموضع الذي كان منه البرقُ] (٢٥٧)، فباتَتْ طَرِبَةً إليه مُنْتقِلَةً نَحْوَه.
وفَعلٌ في معنى مُفْعِلٍ موجودٌ كثيرًا، يقال: بَصيرٌ بمعنى مُبْصِرٍ، وعذابٌ أليمٌ بمعنى مؤلمٍ، وداعٍ سَميعٌ بمعنى مُسْمِعٍ، كما قال عمرو بن معد يكرب (٢٥٨):
أَمِنْ رَيْحانَةَ الداعي السمِيعُ
أي: المُسْمِعُ، وكذلك كَلِيلٌ في معنى مُكِلٍّ، وإذا كانَ بمعناه عَمِلَ عَمَلَهُ لأنّه مُغَيَّرٌ منه للتكثير كما تَقَدَّمَ.
وأنشد في الباب للكُمَيت (٢٥٩):
[٩١] شُمٌّ مَهَاوِينٌ أَبْدانَ الجَزورِ مَخَا … مِيصُ العَشِيّاتِ لا خُورٌ ولا قُزُمُ
الشاهد [في] نَصْبِ أَبْدانِ الجَزورِ بقوله: مَهَاوِين، لأنَّه جَمعُ بهْوانٍ، ومِهْوانٌ تكثيرُ مُهِينٍ كما كانَ مِنْحارٌ ومِضْرابٌ تكثيرَ ناحِرٍ وضاربٍ، فَعَمِلَ الجَمعُ عَمَلَ واحِدِه كما تَقَدَّمَ.
وَصَفَ قَومًا بالعِزَّةِ والكَرَمِ فيقول: هم شُمُّ الأنوفِ أعِزّةٌ، فَجَعَلَ الشَمَمَ كِنايةً
стр. 108
من العِزّةِ والأنَفَةِ كما يقالُ للعزيزِ: شامِخُ الأنْفِ وللذليلِ خاشِعُ الأنْفِ.
ثُمَّ قالَ: يُهينون للأضيافِ والمساكينِ أَبْدانَ الجَزورِ وهو جَمعُ بَدَنَةٍ وهي الناقةُ المُتَّخَذَةُ للنَحْرِ المُسمنةُ وكذلك الجَزورُ. وقوله: مَخَاميِصُ العَشِيَّاتِ، أي: يُؤخّرونَ العَشَاءَ تَرَبُّصًا على ضَيْفٍ يَطرُقُ، فُبُطونُهُم خَميصَةٌ في عَشِيّاتِهم لتأخِيرِهم الطَعامَ، والخُورُ: الضُعَفاءُ عند الشِدَّةِ، والقُزُمُ والقَزَمُ: الحُقَراءُ: الأرْذالُ، وأصلُ القزمِ رُذالُ الغَنَمِ.
ويروى (أَبْداءَ الجَزورِ)، وهي أفضَلُ أعْضائها إذا فُصِلَت، واحِدُها بَدْءٌ ومنه قيلَ للسَيِّدِ: بَدْءٌ لِفَضْلِهِ.
وأنشد في الباب (٢٦٠):
[٩٢] يَمُرّونَ بالدَهْنا خِفَافًا عِيابُهُم … ويَخْرُجْنَ مِن دارِينَ بُجْرَ الحَقَائِبِ
علي حِينِ ألْهَي الناسَ جُلُّ أمورِهم … فَنَدْلًا زُرَيْقُ المالَ نَدْلَ الثَعالِبِ
الشاهد في نَصْبِ المالِ بقوله: (نَدْلًا)، لأنّه بَدَلٌ من قولك: (انْدُلْ) كما تقولُ: ضَرْبًا زيدًا بمعنى اضْرِبْ زيدًا.
ولَكَ في نَصْبِ (نَدْلًا) تقديران، إنْ شِئتَ جَعَلْتَ الفِعلَ المُضْمَرَ هو العامل فيه و (نَدْلًا) دالٌّ عليه مؤكِّدٌ له، وإنْ شِئْتَ جَعَلْتَ نَصْبَهُ بفِعْلٍ آخَر كأنّه قال: أَوقِعْ نَدْلًا ونحوه مِن التقدير، فيكونُ العاملُ فيه غَيرَ فِعْلِهِ.
وَصَفَ تجارًا وقيل < وَصَف > لُصوصًا فيقول: يَمُرُّون بالدَهْنا وهي رَمْلَةٌ من بلادِ تَميمٍ خِفافًا عِيَابُهُم لا شَيءَ فيها، ثُمَّ قال: (ويَخْرُجْنَ من دارِينَ) فأخْبَرَ عن رواحِلِهم ولذلك أنثَ، ودارينُ: اسمُ سُوقٍ يُنْسَب إليه المِسْكُ يقال: مِسْكٌ دارِيٌّ. والبُجْرُ: المُمْتَلِئةُ، وأصلُ البُجْرَةِ نُتُوءُ السُرَّةِ، والحَقائِبُ: جَمعُ حَقِيبةٍ وهي
стр. 109
ما يَحْتَقِبُهُ الراكِبُ خَلْفَهُ من سُفْرةٍ وعَيْبَةٍ ونحو ذلك.
ثم قالَ: (على حين أَلْهَى الناسَ جُلُّ أُمورهم)، فَدَلّ هذا على أنَّهم لُصوصٌ يفترِضونَ الناسَ عندما يَعْنيهم من أُمورهم فَيَلُهَونَ به عَن حِفْظِ أموالِهم وإنْ كانوا تجارًا، فيقول: هم مُواظبون على التِجارَةِ والكَسْبِ وإنْ كانَ الناسُ في شُغْلٍ عن ذلك لِما هُمْ فيه من اختِلافِ أَهْوائهم وتَشَعُّبِ أُموِرِهِم.
وزُرَيْق اسمُ قبيلةٍ (٢٦١)، وهو منادَىً. والنَدْلُ هنا الأخْذُ باليَدَينِ، ومِنه اشتِقاقُ المِنْديلِ، والنَذْلُ أيضًا السُرْعَةُ في السَير، ويقال في المَثَل: (هو أَكْسَبُ من ثَعْلَبٍ) (٢٦٢)، لأنَّه يَدَّخِرُ لنفِسِه ويأتي على ما يَعْدو عليه من الحَيَوانِ إذا أَمْكَنَهُ، والدَهْنا تُمَدُّ وتُقْصَرُ.
وأنشد في البابِ في نَحْوِه (٢٦٣):
[٩٣] أَعَلاقَةً أَمَّ الوُلَيِّد بَعْدَما … أَفْنانُ رأسِكَ كالثَغَام المُخْلِسِ
الشاهدُ في نَصْبِ الأمِّ بقوله: (عَلاقةً)، لأنّها بَدَلٌ من لفظِ تَعْلَقُ فَعَمِلَتْ عَمَلَهُ.
وَصَفَ كِبَرَهُ وأنّ الشَيْبَ قد شَمِلَهُ فَلا يَليقُ به الصِبا واللَّهْوِّ، وأَفْنانُ الرأس: خِصَلُ شَعرِهِ، وأصْلُ الفَنَنِ الغُصْنُ، والثَغامُ: شَجَرٌ إذا يَبِسَ ابيَضَّ، ويقال: هو نَبْتٌ له نَوْرٌ أبيضُ فشَبَّهَ بَياضَ الشَيبِ في سَوادِ الشَعر ببياض النَوْرِ في خُضْرَةِ النَبت، والمُخْلِسُ: ما اختَلَطَ فيه البياضُ بالسَوادِ، يقال: أخْلَسَ الشَعرُ والنَبْتُ إذا كانَ فيه لَوْنان. والعَلَاقَةُ والعَلَقُ: أنْ يَعْلَقَ الحُبُّ بالقَلْبِ، ومنه: نَظْرةٌ من ذي عَلَقٍ (٢٦٤)، أي: مِن ذي هَوىً قد عَلِقَ قَلْبَهُ.
стр. 110
وأَولَى (بعدَما) الجملةَ في قوله: (بعدَما أَفنانُ رأسِكَ)، وبَعْدَ لا تَليها الجُمَلُ، وجازَ ذلك لأنً (ما) وُصِلَتْ بها لُتهَيَّأَ للجملةِ بعدَها كما فُّعِل بقَلَّما ورُبمَّا، و (ما) مع الجملةِ في موضع جَرٍّ بإضافَتها إليها، والمعنى بعدَ شَبهِ رأسِكَ بالثَغامِ المُخْلِسِ.
وصَغَّرَ الوَليدَ ليدلَّ على < فَتاءِ > سِنَّ المرأةِ، لأنّ صِغَرَ (٢٦٥) وليدِها لا يكونُ إلّا في عَصرِ شَبابها وما يَتّصلُ به من زَمانِ وِلادِها (٢٦٦).
وأنشد في بابٍ ترجمَتُه: هذا بابُ الأفعالِ التي تُستعملُ وتُلْغَى، لِلَّعِينِ المِنْقَري يهجو العجاج (٢٦٧):
[٩٤] أَبِالأراجِيزِ يا ابنَ اللُّوُمِ تُوعِدُني … وفي الأراجيزِ خِلْتُ اللُّوُمُ والخَوَرُ
الشاهِدُ في رَفْعِ اللُّؤم والخَوَر بعدَ (خِلْتُ) لِما تَقَدّمَ عليها من الخَبَرِ ويُنْوَى فيها مِنَ التأخير، والتقديرُ وفي الأراجِيزِ اللُّوْمُ والخَوَرُ خِلْتُ ذلك.
وَصَفَ أنّه راجِزٌ لا يُحْسِنُ القَصِيدَ والتَصَرُّفَ في أنواعِ الشِعرِ، فجَعَل ذلك دلَالةٌ على لُؤمِ طَبْعِهِ (٢٦٨) وخَوَر نَفْسِهِ، والخَوَرُ: الضَغْفُ.
وأنشد في الباب لأبي ذؤيب الهُذَلي (٢٦٩):
[٩٥] فإنْ تزْعُمِيني كُنتُ أَجْهَلُ فيكُمُ … . فإنِّي شَرَيْتُ الحِلْمَ بَعْدَكِ بالجَهْلِ