← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12085

من أصول الفقه على منهج أهل الحديث

زكريا بن غلام قادر الباكستاني

Полный текст (345 стр.). Показаны 316–345 · переход к 321.

стр. 316

القاعدة الثانية عشر: ما جاء عن أحد من الصحابة فعل عبادة ما فإن تلك العبادة يُشرع فعلها ولا تعتبر بدعة الصحابة حريصون على إتباع السنة واجتناب البدعة فإذا ورد عن أحد من الصحابة فعل عبادة ما لم تأت في الكتاب أو السنة فإن تلك العبادة تعتبر مشروعة ولا تعتبر بدعة، لأن الصحابي لا يأت بعبادة إلا وله فيها مستند ولا يجتهد في ذلك من عنده، لكن يشترط لاعتبار تلك العبادة مشروعة شرطان ذكرهما الألباني في أحكام الجنائز فقال "٣٠٦": كل أمر لا يمكن أن يشرع إلا بنص أو توقيف، ولا نص عليه عليه، فهو بدعة إلا ما كان عن صحابي تكرر ذلك العمل منه دون نكير. انتهى. وقد ذكر الحاكم في المستدرك "١/٣٧٠" حديث النهي عن الكتابة على القبور وقال: وليس العمل عليه: فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف. فتعقبه الذهبي قائلاً: ما قلت طائلاً، ولا نعلم صحابيا فعلى ذلك، وإنما هو شيء أحدثه بعض التابعين فمن بعدهم، ولم يبلغهم النهي. انتهى.

стр. 317

القاعدة الثالثة عشر: فعل العبادة على غير الصفة التي وردت بها أوغير السبب التي وردت من أجله تعتبر بدعة إذا وردت عبادة بصفة معينة فيجب فعلها على تلك الصفة، ولا يجوز فعلها على غير الصفة التي وردت بها، كالأذان فإنه ورد بصفة

стр. 318

معينة فلا يشرع التلحين والتطريب فيه، لأن ذلك مخالف للصفة التي ورد بها الأذان، وقد كان السلف ينكرون ذلك، فعن يحيى البكاء أن رجلا قال لإبن عمر: إني لأحبك في الله، فقال له ابن عمر: لكني أبغضك في الله، فكأن أصحاب ابن عمر لاموه، فقال: إنه يبغي في أذانه. أخرجه عبد الرزاق "١/٤٨١" بإسناد حسن. قال ابن الأثير في الناهية "١/١٠٦": أراد بالبغي في الأذان التطريب والتمديد. أهـ. وكذلك أيضا فإن العبادة التي وردت لسبب ما لايشرع فعلها إذا لم يوجد ذلك السبب، كصلاة الاستخارة فإن سببها الأمور التي آثار عواقبها غير ظاهرة وواضحة كالنكاح، فلاتشرع صلاة الاستخارة لأمور آثار عواقبها ظاهرة وواضحة.

стр. 319

القاعدة الرابعة عشر: لا يشرع التقرب إلى الله بالمباحات قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "١١/٤٥٠ - ٤٥١": فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به وهو أن المباحات إنما هي تكون مباحة إذا جعلت مباحات، فأما إذا اتخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك ديناً لم يشرعه الله، وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها، فلا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله، ولهذا عظم ذم الله في القرآن لمن شرع ديناً لم

стр. 320

يأذن الله به، ولمن حرم يأذن الله بتحريمه، فإذا كان هذا في المباحات فكيف بالمكروهات أو المحرمات؟!..، ثم قال: وبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء إذا لم يكن محرما لا ينهى عنه، بل يقال إنه جائز، ولا يفرقون بين اتخاذه ديناً وطاعة وبراً، ودبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة، ومعلوم أن اتخاذه ديناً بالاعتقاد أو الاقتصاد أو بهما أو بالقول أو بالعمل أو بهما من أعظم المحرمات وأكبر السيئات. انتهى.

стр. 321

القاعدة الخامسة عشر: المصلحة المرسلة ليست من البدعة في شيء المصلحة المرسلة لا تعتبر بدعة، وذلك لأن الأدلة الشرعية دلت عليها بخلاف البدعة فالشرع جاء بتمكين المصالح وإلغاء المفاسد، وعلى هذا جرى عمل الصحابة، قال الشنقيطي في المصالح المرسلة "٢١": فالحاصل أن الصحابة ﵃ كانوا يتعلقون بالمصالح المرسلة التي لم يدل دليل على إلغائها، ولم تعارضها مفسدة راجحة أو مساوية. انتهى. وأما البدعة فليس فيها مصلحة، وإن كان ظاهرها أن فيها مصلحة فحقيقة الأمر ليس كذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى "١١/٣٤٤": والقول الجامع: أن الشريعة لا تهمل مصلحة

стр. 322

قط، بل الله تعالى قد أكمل لنا الدين وأتم النعمة، فما من شيء يقرب إلى الجنة إلا وقد حدثنا به النبي ﷺ ، وتركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعده إلا هالك، لكن ما اعتقده العقل مصلحة، وإن كان الشرع لم يرد به فأحد الأمرين لازم له: إما أن الشرع دل عليه من حيث لم يعلم هذا الناظر، أو إنه ليس بمصلحة وإن اعتقده مصلحة، لأن المصلحة هي المنفعة الحاصلة أو الغالبة، وكثيراً ما يتوهم الناس أن الشيء ينفع في الدين والدنيا ويكون منفعته مرجوحة بالمضرة. انتهى. قلت: والضابط في تمييز المصلحة المرسلة من البدعة، هو أن المصلحة المرسلة لم يكن المقتضي لفعلها موجود في زمن النبي ﷺ ، أو كان المقتضي موجودا لها لكن كان هناك مانع يمنع منه، والبدعة بعكس ذلك، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم "٢/٥٩٤": فما رآه الناس مصلحة نُظر في السبب المحرج إليه: فإن كان السبب المحرج إليه أمراً حدث بعد النبي ﷺ من غير تفريط منه، فهنا قد يجوز إحداث ما تدعوا الحاجة إليه، وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائماً على عهد رسول الله ﷺ لكن تركه النبي ﷺ لمعارض زال بموته، وأما ما لم يَحدُث سبب يحوج إليه أو كان السبب المحوج إليه بعض ذنوب العباد فهنا لا يجوز الإحداث فكل أمر يكون المقتضي لفعله على عهد رسول الله ﷺ موجوداً لو كان مصلحة ولم يُفعل أنه ليس بمصلحة.. إلى أن قال: فأما ما كان المقتضي لفعله موجوداً لو كان مصلحة وهو مع هذا لم يشرعه، فوضعه تغيير لدين الله، وإنما أدخله فيه من نُسب إلى

стр. 323

تغيير الدين من الملوك والعلماء والعباد، أومن زل منهم باجتهاد.. فمثال هذا القسم: الأذان في العيدين، فإن هذا لما أحدثه بعض الأمراء أنكره المسلمون لأنه بدعة، فلو لم يكن كونه بدعة دليلاً على كراهته، وإلا لقيل: هذا ذكر لله ودعاء للخلق إلى عبادة الله، فيدخل في العمومات كقوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً﴾ [الأحزاب: ٣٦] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ [فصلت: ٣٣] أو يقاس على الأذان في الجمعة! فإن الاستدلال على حُسن الأذان في العيدين أقوى من الاستدلال على حسن أكثر البدع! بل يقال ترك رسول الله ﷺ له مع وجود ما يعتقد مقتضياً وزال المانع: سنة كما أن فعله سنة..، فهذا مثال لما حدث مع قيام المقتضي له وزال المانع له، لو كان خيراً. فإن كل ما يبديه المحدث لهذا المصلحة أو يستدل به من الأدلة قد كان ثابتاً على عهد رسول الله ﷺ ومع هذا لم يفعله رسول الله ﷺ ، فهذا الترك سنة خاصة مقدمة على كل عموم وكل قياس. انتهى. قال الشنقيطي في المصالح المرسلة "٢١": ولكن التحقيق أن العمل بالمصلحة المرسلة أمر يجب فيه التحفظ وغاية الحذر حتى يتحقق صحة المصلحة عدم معارضتها لمصلحة أرجح منها، أو مفسدة أرجح منها، أو مساوية لها، وعدم تأديتها إلى مفسدة في ثاني حال. انتهى.

стр. 324

القاعدة السادسة عشر: ليس كل من وقع في البدعة صار مبتدعاً لا يحكم على الرجل بكونه مبتدعا بمجرد وقوعه في البدعة، لأنه قد يكون وقع في البدعة بسبب جهل أو خطأ منه وليس عن عمد وقصد، فلا يلزم من وقوعه في البدعة أن يحكم عليه بأنه مبتدع، وإنما يحكم عليه بأنه مبتدع بعد إقامة الحجة عليه وانتفاء الشبهة عن ما فعله، وعلى هذا جرى عمل السلف الصالح، فإنهم يحكمون على الفعل الذي وقع من شخص ما بأنه بدعة ولا يحكمون على الفاعل بأنه مبتدع إلا بعد إقامة الحجة عليه

стр. 325

القواعد التي لا تصح لتصحيح الحديث أو تضعيفه أولاً: ما لا يصح من القواعد لتصحيح الحديث أجمع علماء الحديث أن الحديث الصحيح هو الذي تتوفر فيه خمسة شروط وهي: ١ - اتصال السند. ٢ - عدالة الرواة. ٣ - ضبطهم. ٤ - السلامة من الشذوذ. ٥ - السلامة من العلة. فمتى اختلَّ شرط من هذه الشروط الخمسة صار الحديث ضعيفاً، وهناك قواعد صححت بها بعض الأحاديث لم تتوفر فيها شرط من الشروط الخمسة المتقدمة وعليه فتكون تلك القواعد غير صحيحة، وهذه القواعد هي:

стр. 326

١ - تصحيح الحديث لصحة معناه: هناك بعض الأحاديث الضعيفة قد يكون معناها صحيح، لو ورد أدلة صحيحة دلت على معنى ذلك الحديث الضعيف أو لوقوع ما دل عليه ذلك الحديث لكن لا يجوز نسبة ذلك الحديث الضعيف إلى النبي ﷺ لأنه ليس كل ما صح معناه قاله النبي ﷺ . قال الألباني في الضعيفة "٣/٣٦، ٣٧": بعد أن ذكر ضعف حديث: "إذا أبغض المسلمون علماءهم، وأظهروا عمارة أسواقهم وتناكحوا على جمع الدراهم، رماهم الله بأربع خصال: بالقحط من الزمان، والجور من السلطان، والخيانة من ولاة الحكام، والصولة من العدو". قال الذهبي: منكر. قال الألباني: كتب بعض الطلاب الحمقى وبالحبر الذي لا يمحى، عقب قول الذهبي المتقدم - نسخة الظاهرية -: "قلت بل صحيح جداً" وكأن هذا الأحمق يستلزم من مطابقة معنى الحديث الواقع أنه قاله رسول الله ﷺ ، وهذا جهل فاضح، فكم من مئات الأحاديث ضعفها أئمة الحديث وهي مع ذلك صحيحة المعنى، ولا حاجة لضرب الأمثلة على ذلك، ففي هذه السلة ما يغني عن ذلك، ولو فتح باب تصحيح الأحاديث من حيث المعنى دون التفات إلى الأسانيد، لا ندسَّ كثير من الباطل على الشرح، ولقال الناس على النبي ﷺ ما لم يقل، ثم تبوؤا

стр. 327

مقعدهم من النار. انتهى. ٢ - تصحيح الحديث بالتجرة: الحديث لا يصحح بالتجربة، وإنما يُصحح بناء على الإسناد، قال الشوكاني في تحفة الذاكرين "١٤٠": السنة لا تثبت بمجرد التجربة، وقبول الدعاء لا يدل على أن سبب القبول ثابت عن رسول الله ﷺ ، فقد يجيب الله الدعاء من غير توسل منه وهو أرحم الراحمين، وقد تكون الاستجابة استدراجا. انتهى. وقال الألباني في الضعيفة "٢/١٠٨، ١٠٩" بعد أن ذكر ضعف حديث: "إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة فليناد: يا عباد الله أحبسوا عليَّ، فإن لله في الأرض حاضراً سيجبه عليكم". قال السخاوي في الإبتهاج بأذكار المسافر والحاج "٣٩": وسنده ضعيف، لكن قال النووي: إنه جربه وهو وبعض أكابر شيوخه. فتعقبه الألباني ﵀ وقال: العبادات لا تؤخذ من التجارب، سيما ما كان منها في أمر غيبي كهذا الحديث، فلا يجوز الميل إلى تصحيحه بالتجربة. انتهى. ٣ - تصحيح الحديث بالكشف: ذكر العجلوني في كشف الخفا "١/٩" عن ابن عربي الصوفي ما حاصله أنه رب حديث ترك العمل به لضعف طريقه من أجل وضاع في رواته يكون صحيحا في نفس الأمر لسماع المكاشف له من الروح حين

стр. 328

إلقائه على رسول الله ﷺ . انتهى. والجواب: أن حكاية هذا الكلام فيه غنية عن الردِّ عليه، لوضوح بطلانه، ومخالفته للشرع. وإلا فما فائدة السند إذا كانت الحديث يعرف بالكشف، وما فائدة هذه الجهود الجبارة من علماء الحديث في تنقيح الأسانيد. قال العلامة عليش في فتح العلي المالك "١/٤٥": من المعلوم لكل أحد أن الأحاديث لا تثبت إلا بالأسانيد لا بنحو الكشف وأنوار القلوب، فما نقله السخاوي عن جماعة الشيخ إسماعيل اليمني، إن كان المراد صحة اللفظ توقف الأمر على السند، وإلا رُدَّ القول على قائله كائناً من كان، ودين الله لا محاباة فيه، والولاية والكرامات لا دخل لها هنا، إنما نرجع للحفاظ العارفين بهذا الشأن. انتهى. وقال الألباني في الضعيفة "١/١٤٥" في حديث: "أصحابي كالنجوم بأيهم أقتديتم اهتديتم" بعد أن حكم عليه بالوضع قال: وأما قول الشعراني في الميزان: [وهذا الحديث وإن كان فيه مقال عند المحدثين فهو صحيح عند أهل الكشف] ، فباطل وهراء لا يلتفت إليه ذلك لأن تصحيح الأحاديث من طريق الكشف بدعة صوفية مقيتة، والاعتماد عليها يؤدي إلى تصحيح أحاديث باطلة لا أصل لها وكذا الحديث. انتهى.

стр. 329

٤ - تصحيح الحديث لتلقي العلماء له بالقبول: قال السيوطي في كتاب البحر الذي زحر "كما في التحفة المرضية/١٧٨""١" المقبول ما تلقاه العلماء بالقبول وإن لم يكن له إسناد صحيح فيما ذكره طائفة منهم ابن عبد البر، ومثلوه بحديث جابر: الدينار أربعة وعشرون قيراطا، أو اشتهر عند أئمة الحديث بغير نكير منهم فيما ذكره الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني وابن فورك كحديث في الرقة ربع العشر وحديث لا وصية لوارث. انتهى. وقال السخاوي: إذا تلقت الأمة الضعيف بالقبول يعمل به على الصحيح حتى إنه ينزل منزلة المتواتر في أنه ينسخ المقطوع به، ولهذا قال الشافعي: حديث "لا وصية لوارث" لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولكن العامة تلقته بالقبول وعملوا به حتى جعلوه ناسخاً لآية الوصية للوارث. انتهى. قلت: الحديث الضعيف الذي تلقاه العلماء بالقبول له حالتان: الحالة الأولى: أن يكون ذلك الحديث الضعيف أجمع العلماء على القول به، فيؤخذ بذلك الحكم الذي ورد في ذلك الحديث لإجماع العلماء عليه، ولا ينسب ذلك الحديث إلى رسول الله ﷺ وذلك لأن الإجماع إنما هو على الحكم الذي وقع في ذلك الحديث، والعمل به لا على نسبة ذلك الحديث إلى رسول الله ﷺ ، وهذا مراد الشافعي المتقدم

стр. 330

بقوله: لا يثبته أهل العلم بالحديث، ولكن العامة تلقته بالقبول. فانظر كيف حكم على الحديث بضعفه، والأخذ بالحكم الوارد فيه والعمل بمقتضاه للإجماع، ولذا قال الحافظ في الفتح "١٢/ " بعد أن ذكر الحديث: "لا وصية لوارث": لكن الحجة في هذا إجماع العلماء على مقتضاه كما صرح به الشافعي وغيره. انتهى. قلت: على أن هذا الحديث قد ثبت إسناده بعض أئمة الحديث. فالحاصل أن الحديث الضعيف الذي أجمع العلماء بالقول به، يؤخذ بالحكم الوارد فيه لإجماع العلماء عليه،، ولا ينسب إلى رسول الله ﷺ لضعف إسناده. الحالة الثانية: أن يكون الحديث الذي قيل أنه متلقى بالقبول قد صرح بعض الأئمة بقبوله، وبعض الأئمة سكت عنه فلم يصرح بقبوله ولا برده، فلا يقال عن هذا الحديث أنه ملتقى بالقبول. وذلك لسكوت بعض الأئمة عنه والساكت لا ينسب له قول. ٥ - تصحيح الحديث لموافقته لأصول الشريعة أو لآية من كتاب الله: قال ابن الحصار كما في تدريب الراوي "٢٥": قد يعلم الفقيه صحة الحديث إذا لم يكن في سنده كذاب بموافقة آية من كتاب الله أو بعض أصول الشريعة، فيحمله ذلك على قبوله والعمل به. انتهى.

стр. 331

قلت: إذا كان في سند الحديث راو ضعيف، فإنه لا يجوز نسبة ذلك الكلام إلى النبي ﷺ لضعف السند ولو كان ذلك الحديث موافقاً لآية في كتاب الله أو لبعض أصول الشريعة لأن العمل يكون حينئذ على تلك الآية أو ذلك الأصل، وكم من حديث وافق آية أو أصلا من أصول الشريعة وضعفه أئمة الحديث لضعف سنده كحديث: "لا بأس بقضاء شهر رمضان مفرقاً" فإنه حديث ضعيف ضعفه الألباني في السلسة الضعيفة "٢/١٣٦" مع أنه يشهد له قوله تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] فأطلقت الآية القضاء بدون تقييد التتابع. وكحديث: "إذا أذن المؤذن يوم الجمعة حرم العمل" قال الألباني في الضعيفة "٥/٢٣٠" بعد أن حكم على الحديث بأنه موضوع: ويغني عن هذا الحديث قول الله ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الجمعة: ٩] الآية. انتهى.

стр. 332

ثانيا: مالا يصح تضعيف الحديث به: أئمة الحديث إنما يضعفون الحديث إذا اختل منه شرط من شروط الحديث الصحيح، ولا يضعفون الحديث بغير ذلك، فإن وجدوا في المتن معنى غريب مع صحة السند لم يضعفوا الحديث وإنما يحاولون أن يحملوه على معنى من المعاني المحتملة إذا أمكن، وإلا فإنه يتوقف في تأويله ولا

стр. 333

يضعف من أجل ذلك. فإن قيل: قد ذكر الأئمة قواعد يستدل بها على وضع متن الحديث فالجواب: أن هذه القواعد ليست أصلية، وإنما هي قواعد يصار إليها بعد النظر في السند، لأن هذه القواعد يُعمل بها دون النظر في السند، فإذا كان الإسناد غير صحيح فإنهم حينئذ يعملون بتلك القواعد ويضيفون إلى ضعف السند نكارة المتن فإن قيل: قد ورد عن بعض الأئمة تضعيف متون بعض الأحاديث مع صحة الإسناد. فالجواب: أن هذا نادر والنادر لا حكم له، وأيضا تجد هذا الحديث الذي حكم على متنه بالنكارة من بعض الأئمة أحيانا يكون قد صححه البعض الآخر، كحديث "خلق الله التربة يوم السبت.." ضعفه البخاري وصححه مسلم ولم ير أن ما أعُلَّ به من نكارة متنه إعلال صحيح، وغير ذلك من الأحاديث فلو كان هذا منهجا لهم لم اختلفوا في تضعيف تلك الأحاديث وهذا مما يدل على أن تلك القواعد التي ذكرها الأئمة ليست أصلية، وإنما يصار إليها بعد النظر في الإسناد, القواعد التي ذكرها ابن القيم في المنار المنيف "٣٥" لمعرفة الحديث الموضوع بغير نظر في إسناده، ذكر تحتها أحاديث أسانيدها جميعها هالكة وساقطة، بل قال: وإنما يعرف ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، ودخلت بدمه ولحمه وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله ﷺ وهديه فيما يأمر به وينهى عنه. انتهى.

стр. 334

ولو بحث أحد في تلك المواصفات التي ذكرها ابن القيم يجد أنها غير موجودة في أحد من أهل الأعصار المتأخرة والله المستعان.

стр. 335

فمن القواعد التي لا يصح تضعيف الحديث بها: اولاً: تضعيف الحديث لمخالفته للقياس ... فمن القواعد التي لا يصح تضعيف الحديث بها: ١ - تضعيف الحديث لمخالفته للقياس: الحديث الصحيح لا يخالف القياس الصحيح أبداً كما قرره ابن القيم في إعلام الموقعين "٢/٢٨" فإذا جاء حديث يخالف القياس خلافا واضحا جليا، فلا بد أن يكون في إسناده ضعف، إذ لا يأت أبدا حديث إسناده صحيح وقيل: بأنه يخالف القياس إلا ويكون ذلك القياس قياساً ليس صحيحاً، قال الخطيب في الفقه والمتفقه "١/١٣٦" في رده على قول من ذهب إلى تضعيف الحديث المخالف للقياس في الظاهر: ويدل على صحة ما ذكرناه أن الخبر يدل على قصد صاحب السترع بصريحة والقياس يدل على قصده بالاستدلال، والتصريح أقوى فوجب أن يكون التقديم أولى.. والاجتهاد في خبر الواحد إنما هو في ثبوت صدق الراوي فإذا ثبت صدقه من طريق يوجب الظن لزم المصير إلى خبره ولم يبق موضع آخر يحتاج إلى الاجتهاد فيه، ولأن ثبوت صدقه في الظاهر أجلى من طريق ثبوت العلة. العلة.

стр. 336

ثانياً: تضعيف الحديث لمخالفته للعقل: ... ٢ - تضعيف الحديث لمخالفته للعقل: من منهج المعتزلة وأفراخهم من العقلانيين وأنهم إذا وجدوا حديثاً يخالف عقلهم ضعفوه وردوه، مع صحة إسناده، ولم يعلموا أن الحديث الصحيح لا يخالف العقل أبداً، وفي هذا الموضوع ألَّف شيخ الإسلام ابن تيمية كتابه الرائع: "موافقه صحيح المنقول لصريح المعقول". ومراده بذلك أن المنقول الصحيح لا يخالف المعقول أبداً، وإنما يَرُدُّ الحديث الصحيح بدعوى أنه يخالف العقل من كان عقله ضعيفاً ومداركه ضيقة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لا يُعلم حديث واحد يخالف العقل أو السمع الصحيح إلا وهو عند أهل العلم ضعيف بل موضوع، والنصوص الثابتة في الكتاب والسنة لا يعارضها معقول بينٌ قط. انتهى. وقال الألباني في الصحيحة "٥/٦١٢": إذا ورد الأثر بطل النظر، فبعد ثبوت الحديث لا مجال لاستنكار ما تضمنه من الواقع، ولو أننا فتحنا باب الإستنكار لمجرد الإستبعاد العقلي للزم إنكار كثير من الأحاديث الصحيحة، وهذا ليس من شأن أهل السنة والحديث، بل هو من دأب المعتزلة وأهل الأهواء. انتهى.

стр. 337

ثالثاً: تضعيف الحديث إذا كان مما تعم به البلوى وكان راويه واحداً ... ٣ - تضعيف الحديث إذا كان مما تعم به البلوى وكان راويه واحداً احتج من ذهب إلى هذه القاعدة بأن الحديث الذي تعم به البلوى يكثر السؤال عنه وإذا كثر السؤال كثر الجواب، فإذا نقل واحداً ذلك

стр. 338

علم أنه مما أخطأ فيه وأنه لا أصل لذلك الحديث. وقد تعقب هذا الكلام الخطيب في الفقيه والمتفقه فقال: "١/١٣٧": وهذا عندنا غير صحيح والدليل على وجوب قبوله أنه خبر عدل فيما يتعلق بالشرع بما لا طريقة فيه للعلم فوجب العمل به قياساً على ما لا تُعم به البلوى، ولأن شروط البيوع والأنكحة وما يعرض في الوضوء مما خرج من غير السبيلين، والمشي مع الجنازة، وبيع رباع مكة وإيجارتها، ووجوب الوتر، وما أشبه ذلك قد أثبته المخالف بخبر الواحد وهو مما تُعم به البلوى، فأما قوله: إن السؤال يكثر عنه، فالجواب عنه: أن النقل لا يجب أن يكون على حسب البيان لأن الصحابة كانت دواعيهم مختلفة وكان بعضهم لا يرى الرواية ويؤثر عليها الاشتغال بالجهاد، وقال السائب بن يزيد: "صحبت سعد بن أبي وقاص من المدينة إلى مكة فلم أسمعه يروي عن رسول الله ﷺ حديثا" ويروى: "إلا حديثا واحدا"،..على أن ما ذكره المخالف يبطل بما وصفناه من الأحكام التي أثبتها من طريق الآحاد وكل جواب له عنها فهو جوابنا عما ذكره. انتهى. قلت: ويكفي في رد هذه القاعدة حديث: "إنما الأعمال بالنيات" فإنه حديث تعم به البلوى ويحتاج إليه كل أحد، ومع ذلك قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم "٥": هذا الحديث تفرد بروايته يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن أبي وقاص الليثي

стр. 339

عن عمر بن الخطاب ﵁، وليس له طريق يصح غيره هذا الطريق، كذا قال علي بن المديني وغيره. انتهى.

стр. 340

رابعاً: تضعيف الحديث لمخالفته للقرآن أو لحديث مشهور بالصحة ... ٤ - تضعيف الحديث لمخالفته للقرآن أو لحديث مشهور بالصحة: ليس هناك حديث إسناده صحيح ويكون مخالف للقرآن أو لحديث أصح منه في حقيقة الأمر، وإنما يكون ذلك الاختلاف في الظاهر، لأن الأدلة الشرعية لا تناقض بينها أبداً، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "١٩/٢٠٢": وإذا كان "أي الحكم" في السنة لم يكن ما في السنة معارضا لما في القرآن. انتهى. فإذا لم يستطع الناظر في الدليل التوفيق بينه وبين الدليل الآخر فلا يحكم عليه بالضعف لسبب عدم استطاعته التوفيق بينهما بل يكل علم ذلك إلى الله ، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "١٩/٢٠٠". والدلائل الصحيحة لا تتناقض لكن قد يخفى وجه اتفاقها على بعض العلماء. انتهى. وقال ابن خزيمة كما في الكفاية "٦٠٦": لا أعرف أنه روي عن رسول الله ﷺ حديثان بإسنادين صحيحين متضادين، فمن كان عنده فليأت به حتى أؤلف بينهما. انتهى. وقال الحافظ الألباني في الصحيحة "٥/٤٦٤": والذي أراه أنه لا ينبغي عند نقد الحديث أن يلاحظ الناقد أموراً فقهية يتوهم أنها تعارض

стр. 341

الحديث، فيتخذ ذلك حجة للطعن في الحديث، فإن هذا مع كونه ليس من قواعد علم الحديث - لو اعتمد عليه في النقد، للزم منه رد كثير من الأحاديث الصحيحة التي وردت بالطريق القوية. انتهى.

стр. 342

خامساً: تضعيف الحديث لمخالفته لرأي الراوي له ... ٥ - تضعيف الحديث لمخالفته لرأي الراوي له: إذا روى الراوي حديثا وأفتى بخلافه، فإن الحديث يكون مقدماً على فتوى ذلك الراوي، ولا يضعف الحديث من أجل أن الراوي أفتى بخلافه، وذلك لأن الراوي إنما أفتى بخلافه ليس لضعف في الحديث، وإنما لاحتمال نسيانه للحديث الذي رواه، أو لظنه أن دلالته ليست على ظاهرها، أو لغير ذلك من الأسباب، قال الخطيب في كتاب الفقيه والمتفقه "١/١٤١، ١٤٣": إذا روى الصحابي عن رسول الله ﷺ حديثاً ثم روى عن ذلك الصحابي خلاف لما روى فإنه ينبغي الأخذ بروايته، وترك ما رُوي عنه من فعله أو فتياه لأن الواجب علينا بقول نقله وروايته عن النبي ﷺ لا قول رأيه.. لأن الصاحب قد ينسى ما روى وقت فتياه..، ولأن الصحابي قد يذكر ما روي إلا أنه يتأول فيه تأويلا يصرفه عن ظاهره كما تأولت أم المؤمنين عائشة ﵂ إتمام الصلاة في السفر. انتهى. قلت: فإن قيل قد قال الحافظ ابن رجب في شرح علل الترمذي "٤٠٩": قاعدة - في تضعيف حديث الراوي إذا روى ما يخالف رأيه: قد ضعف الإمام أحمد وأكثر الحافظ أحاديث كثيرة مثل هذا.. ثم ذكر

стр. 343

جملة من الأحاديث. فالجواب: أنه عند النظر في تلك الأحاديث التي ذكرها ابن رجب، وُجد أن بعض تلك الأحاديث اختلف الحفاظ في الحكم على صحتها، فلو كان ما ذكره ابن رجب قاعدة صحيحة لما اختلف الحفاظ في تضعيف تلك الأحاديث، كحديث ابن عباس في حج الصبي فقد أخرجه مسلم في صحيحه "٢/٩٧٤" وأيضا فإن تلك الأحاديث التي ذكرها ابن رجب في شرح العلل، أكثرها لا يصح إسنادها إلى ذلك الصحابي الذي روى الحديث، فهذا مما يشعر أن أولئك الحفاظ لم يضعفوها لأجل أن راويها أفتى بخلافها، وإنما ضعفوها لضعف سندها، وهذا مما يُشعر بأن تضعيف الحديث إذا أفتى راويه بخلافه ليست قاعدة عند أولئك الحفاظ، وإنما هي قرينة مؤكدة على ضعف الحديث متناً بالإضافة إلى ضعفه سنداً، ورحم الله الإمام ابن رجب فلكل جواد كبوة. وقاعدة: إذا خالف الراوي ما رواه فالعبرة بما رواه لا بما رآه، قد أقرها غير واحد من الأئمة وعملوا بها.

стр. 344

سادساً: تضعيف الحديث لعدم ورود في كتب الحديث المشتهرة ... ٦ - تضعيف الحديث لعدم ورود في كتب الحديث المشتهرة الأحاديث الصحيحة ليست محصورة في كتب الحديث المشهرة اشتهاراً كبيراً، فقد يكون هناك حديث صحيح وليس مذكوراً في كتب الحديث المشتهرة، ولذلك تجد أئمة إذا وجدوا حديثاً في كتاب من

стр. 345

كتب الحديث ولم يكن ذلك الكتاب مشتهراً، فإنهم لا يقولون إن ذلك الحديث ضعيف لوجوده في كتاب ليس بمشهور، وإنما ينظرون في سنده ومن ثَمَّ يحكمون على الحديث بحسب سنده، وهذه كتب الأئمة طافحة بتصحيح أحاديث لم تذكر في كتب الحديث المشهورة، وأقرأ مثلاً: "صحيح الجامع الصغير" للحافظ الألباني، تجد مصداق ما ذكرتُ. تم بحمد الله