Полный текст (345 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
القاعدة السابعة: اليقين لا يزول بالشك
عن عبادة بن تميم عن أبيه أنه شكا إلى رسول الله ﷺ الرجل الذي يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة فقال: "لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً".
أخرجه البخاري "١٣٧" ومسلم "٣٦١".
هذا الحديث يدل على أن الأشياء يحكم ببقائها على ماهي عليه حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطاريء، وهناك أدلة أخرى على هذه القاعدة منها حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى ثلاثاً أو أربعاً فليطرح
стр. 282
الشك وليبن على ما استيقن ثم ليسجد سجدتين قبل أن يسلم فإن كان صلى خمساً شفعن له صلاته وإن كان صلى إتماماً لأربع كان ترغيماً للشيطان". أخرجه مسلم "٥٧١".
قال ابن عبد البر في التمهيد "٥/٢٥": في هذا الحديث من الفقه أصل عظيم مطرد في أكثر الأحكام وهو أن اليقين لا يزيله الشك، وأن الشك مبني على أصله المعروف حتى يزيله يقين لا شك فيه. انتهى.
стр. 283
القاعدة الثامنة: الضرورات تبيح المحظورات:
قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] .
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية "٢/١٧٤": أي قد بين لكم ما حرم عليكم ووضحه ﴿إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٩] أي إلا في حال الاضطرار فإنه يباح لكم ما وجدتم. انتهى.
وقال تعالى في كتابه الكريم: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ البقرة: ١٧٣] .
قال ابن كثير في تفسيره "١/١٩٥": أي في غير بغي ولا عدوان وهو مجاوزة الحد فلا إثم عليه أي في أكل ذلك.
قال الشافعي في الأم "٤/٣٦٢": كل ما أحل من حرم في معنى لا
стр. 284
يحل إلا في ذلك المعنى خاصة، فإذا زايل ذلك المعنى عاد إلى أصل التحريم مثلاً: الميتة المحرمة في الأصل المحلة للمضطر، فإذا زالت الضرورة عادت إلى أصل التحريم. انتهى.
стр. 285
القاعدة التاسعة: الضرر يُزال
عن عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: "لا ضرر ولا ضرار" أخرجه ابن ماجة "٢٣٤٠" وهو حديث حسن.
ومعنى هذا الحديث أن الضرر أن يدخل الشخص على غيره ضرراً بما ينتفع هو به، والضرار أن يدخل الشخص على غيره ضرراً بلا منفعة له من ذلك الضرر كمن منع ما لا يضره ويتضرر به الممنوع "كما في جامع العلوم والحكم/٢٨٧".
قال ابن القيم في إعلام الموقعين "٢/١١١": فإن حكمة الشارع اقتضت رفع الضرر عن المكلفين ما أمكن، فإن لم يمكن رفعه إلا بضرر أعظم منه بقاه على حاله، وإن أمكن رفعه بالتزام ضرر دونه رفعه به. انتهى.
стр. 286
القاعدة العاشرة: العادة محكمة
عن عائشة أم المؤمنين أن هنداً بنت عتبة قالت يا رسول الله: إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه
стр. 287
وهو لا يعلم فقال النبي ﷺ : "خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف".
أخرجه البخاري "٥٣٦٤" ومسلم "١٧١٤".
هذا الحديث يدل على أنه يُرجع إلى العرف والعادة وذلك في الشيء الذي لم يجعل له الشارع حداً.
قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢٩/١٥": وكل اسم فلا بد له من حد، فمنه ما يعلم حد باللغة كالشمس، والقمر، والبر، والبحر، والسماء، والأرض، ومنه ما يعلم بالشرع، كالمؤمن والكافر والمنافق، وكالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وما لم يكن منه له حد في اللغة ولا في الشرع فالمرجع فيه إلى عرف الناس كالقبض المذكور في قوله ﷺ : "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يقبضه"، ومعلوم أن البيع والإجارة والهبة ونحوها لم يحد الشارع لها حداً لا في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا نقل عن أحد من الصحابة والتابعين أنه عين للعقود صفة معينة من الألفاظ وغيرها...، بل تسمية أهل العرف من العرب هذه المقدات بيعاً دليل على أنها في لغتهم تسمى بيعاً، والأصل بقاء اللغة وتقريرها، لا نقلها وتغييرها، فإذا لم يكن له حد في الشرع ولا في اللغة كان المرجع فيه إلى عرف الناس وعاداتهم، فما سموه بيعاً فهو بيع وما سموه هبة فهو هبة. انتهى.
стр. 288
القاعدة الحادية عشر: درء المفاسد أولى من جلب المصالح
عن عائشة أم المؤمنين أن النبي ﷺ قال: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها الحجر".
أخرجه مسلم "١٣٣٣".
فالنبي ﷺ ترك ما فيه مصلحة حتى لا تحصل مفسدة بسبب تلك المصلحة، قال ابن القيم في مفتاح دار السعادة "٣٥٠": وإذا تأملت شرائع دينه التي وضعها بين عباده وجدتها لا تخرج عن تحصيل المصلحة الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان، وإن تزاحمت قدم إهمها وأجلها، وإن فاتت أدناها، وتعطيل المفاسد الخالصة أو الراجحة بحسب الإمكان، وإن تراحمت عطل أعظمها فساداً باحتمال أدناهما، وعلى هذا وضع أحكم الحاكمين شرائع دينه، وهي دالة عليه، شاهدة له بكمال علمه وحكمته، ولفظه بعباده، وإحسانه إليهم. انتهى.
стр. 289
القاعدة الثانية عشر: الإجزاء والإثابة يجتمعان ويفترقان
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى "١٩/٣٠٣": الإجزاء والإثابة يجتمعان ويفترقان، فالإجزاء براءة الذمة من عهد الأمر وهو السلامة من ذم الرب أو عقابه، والثواب الجزاء على الطاعة، وليس الثواب من مقتضيات مجرد الإمتثال بخلاف الإجزاء، فإن الأمر يقتضي
стр. 290
إجزاء المأمور به لكن هما مجتمعان في الشرع، إذ قد استقر فيه أن المطيع مثاب، والعاصي معاقب، وقد يفترقان فيكون الفعل مجزئا لا ثواب فيه إذ قارنه من المعصية ما يقابل الثواب، كما قيل: "رب صائم حظه من صيامه العطش، ورب قائم ثم حظه من قيام السهر" فإن قول الزور والعمل به في الصيام أوجب إثماً يقابل ثواب الصوم، وقد اشتمل الصوم على الامتثال المأمور به والعمل المنهي فبرئت الذمة للامتثال ووقع الحرمان للمعصية، وقد يكون مثاباً عليه غير مجزئ إذا فعله ناقصاً عن الشرائط والأركان، فيثاب على ما فعل ولا تبرأ الذمة إلا بفعله كاملاً، وهذا تحرير جيدان فعل المأمور به يوجب البراءة، فإن قارنه معصية بقدره تخل بالمقصود قابل الثواب وإن نقص المأمور به أثيب ولم تحصل البراءة التامة، فإما أن يُعاد، وإما أن يجبر، وإما أن يأثم. انتهى.
стр. 291
قواعد في البدعة
القاعدة الأولى: الأصل في العبادات المنع وفي العادات الإباحة
عن عائشة أم المؤمنين قالت قال ﵁: "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد" أخرجه مسلم "١٧١٨".
هذا الحديث يدل على عدم إحداث شيء من العبادات إلا بدليل، وأما غير العبادات فلا يمنع منه إلا بدليل، قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى "٢٩/١٦": تصرفات العبادات من الأقوال والأفعال نوعان: عبادات يصلح بها دينهم، وعبادات يحتاجون إليها في دنياهم، فباستقراء أصول الشريعة نعلم أن العبادات التي أوجبها الله أو أحبها لا يثبت الأمر بها إلا بالشرع، وأما العادات فهي ما اعتاده الناس في دنياهم مما يحتاجون إليه، والأصل فيه عدم الحظر، فلا يحظر منه إلا ما حظره الله ، وذلك لأن الأمر والنهي هما شرع الله والعبادة لا بد أن تكون مأموراً بها، فما لم يثبت أنه مأمور به كيف يحكم بأنه عبادة؟! ومالم يثبت من العادات أنه منهي عنه كيف يحكم على أنه محظور؟! ولهذا كان أحمد وغيره من فقهاء أهل الحديث يقولون: إن الأصل في العبادات التوفيق، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله تعالى وإلا
стр. 292
دخلنا في معنى قوله: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] والعادات الأصل فيها العفو فلا يحظر منها إلا ما حرمه، وإلا دخلنا في معنى قوله: ﴿قلْ أرَأيْتُم ما أنَزلَ الله لَكمْ مِنْ رزقٍ فجعَلتُمْ منْهُ حَرامًا وَحلالاً﴾ [يونس: ٥٩] انتهى.
стр. 293
القاعدة الثانية: ليس في الشرع بدعة حسنة بل كل بدعة هي ضلالة
عن العرباض بن سارية عن النبي ﷺ أنه قال "إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل ببدعة ضلالة وكل ضلالة في النار".
صحيح: أخرجه أبو داود "٥٤٠٧" والترمذي "٢٦٧٦" وابن ماجة "٤٢" وغيرهم.
هذا الحديث يدل على أنه ليس في الشرع بدعة حسنة، بل كل بدعة هي ضلالة، وهذا ما فهمه الصحابة فقد قال عبد الله بن عمر: كل بدعة ضلالة وإن رآها الناس حسنة.
أخرجه اللالكائي "١/٩٢" بإسناد صحيح.
ومنه تعلم أن تقسيم بعض أهل العلم البدعة إلى خمسة أقسام: واجبة، ومندوبة، ومحرمة، ومكروهة، ومباحة، تقسيم ليس بصحيح لمخالفته للأحاديث ولفهم السلف الصالح فإنهم كانوا يرون كل بدعة ضلالة،
стр. 294
كما تقدم عن عبد الله بن عمر ﵄.
ويحتج من يقول بالبدعة الحسنة بحديث: "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة".
والجواب:
أن هذا الحديث لا حجة فيه، وذلك لأنه ورد في أمر ثابت في الشرع وهو الصدقة، فعن المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنا عند رسول الله ﷺ في صدر النهار قال: فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء، متقلدي السيوف، عامتهم من مضر بل كلهم من مضر، فتمعر وجه رسول الله ﷺ لما رأى بهم من الفاقة، فدخل ثم خرج، فأمر بلالاً فأذن وأقام، فصلى ثم خطب فقال: " ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] إلى آخر الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ والاية التي تلي في ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحشر: ١٨] تصدق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، ولو بشق تمرة" قال: فجاء رجل من الأنصار بصُرَّة كادت كفه تعجز عنها، بل قد عجزت قال: ثم تتابع الناس، حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل، كأنه مذهبة، فقال رسول الله ﷺ : "من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء،
стр. 295
ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء".
أخرجه مسلم "١٠١٧".
قال الشاطبي في الموافقات "١/١٨٣": فتأملوا أين قال رسول الله ﷺ "من سن سنة حسنة" تجدوا ذلك فيمن عمل بمقتضى المذكور على أبلغ ما يقدر عليه، حتى بتلك الصرة، فانفتح بسببه باب الصدقة على الوجه الأبلغ، فسر رسول الله ﷺ حتى قال: "من سن في الإسلام سنة حسنة"، فدل على أن السنة هاهنا مثل ما فعل ذلك الصحابي، وهو العمل بما ثبت كونه سنة، فظهر أن السنة الحسنة ليست بمبتدعة. انتهى.
ويحتج أيضا من يقول بالبدعة الحسنة بقول عمر لما رأى الناس مجتمعين في صلاة التراويح نعمت البدعة هذه.
والجواب: قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم "٢/٥٨٩": أكثر ما في تسمية عمر تلك بدعة مع حسنها، وهذه تسمية لغوية لا تسمية شرعية، وذلك أن البدعة في اللغة تعم كل ما فعل ابتداء من غير مثال سابق، وأما البدعة الشرعية فما لم يدل عليه دليل شرعي، فإذا كان نص رسول الله ﷺ قد دل على استحباب فعل، أو إيجابه بعد موته، أو دلَّ عليه مطلقاً ولم يعمل به إلا بعد موته، ككتاب الصدقة الذي أخرجه أبو بكر ﵁، فإذا عمل ذلك العمل بعد موته، صحَّ أن يسمى بدعة في اللغة لأنه عمل مبتدأ، كما أن نفس الدين الذي
стр. 296
جاء به النبي ﷺ يُسمى مُحدثا في اللغة، كما قالت رسل قريتين للنجاشي عن أصحاب النبي ﷺ المهاجرين إلى الحبشة: "إن هؤلاء خرجوا من دين آبائهم ولم يدخلوا في دين الملك، وجاؤوا بدين محدث لا يُعرف" ثم ذلك العمل الذي دل عليه الكتاب والسنة ليس بدعة في الشريعة وإن سمي بدعة في اللغة. انتهى.
وقال ابن رجب في جامع العلوم "٢٣٣": وأما وقع في كلام السلف من استحسان بعض البدع فإنما ذلك في البدع اللغوية لا الشرعية. انتهى.
ويحتج أيضا من يقول بالبدعة الحسنة بأثر: "ما رآه المسلمون حسنا فهو عند الله حسن".
والجواب: قال ابن القيم في الفروسية "٦٠": في هذا الأثر دليل على أن ما أجمع عليه المسلمون ورأوه حسنا عند الله فهو حسن، لا مارآه بعضهم فهو حجة عليكم. انتهى.
وقال الألباني في الضعيفة "٢/١٧": إن من عجائب الدنيا أن يحتج بعض الناس بهذا الحديث على أن في الدين بدعة حسنة، وأن الدليل على حسنها اعتياد المسلمين لها! ولقد صار من الأمر المعهود أن يبادر هؤلاء إلى الإستدلال بهذا الحديث عند ما تثار هذه المسألة. وخفي عليهم.
أ - أن هذا الحديث موقوف فلا يجوز أن يحتج به في معارضة النصوص القاطعة في أن "كل بدعة ضلالة" كما صح عنه ﷺ .
ب - وعلى افتراض صلاحية الإحتجاج به فإنه لا يعارض تلك النصوص
стр. 297
لأمور:
الأول: أن المراد به إجماع الصحابة واتفاقهم على أمر، كما يدل عليه السياق، ويؤيده استدلال ابن مسعود به على إجماع الصحابة على انتخاب أبي بكر خليفة وعليه فاللام في "المسلمون" ليس للاستغراق كما يتوهمون بل للعهد.
الثاني: سلمنا أنه للاستغراق ولكن ليس المراد به قطعا كل فرد من المسلمين ولو كان جاهلا، فلا بد إذن من أن يحمل على أهل العلم منهم. انتهى.
стр. 298
القاعدة الثالثة: البدع كلها محرمة وليس فيها ما هو مكروه:
...
القاعة الثالثة: البدع كلها محرمة وليس فيها ما هو مكروه:
المكروه: هو الذي لا يأثم فاعله ويثاب تاركه.
وعليه فليس في البدع ما هو مكروه، لأن المكروه فعله ليس بمحرم، والبدع كلها محرمة، قال الألباني في حجة النبي ﷺ "١٠٣": ولكن يجب أن نعلم أن أصغر بدعة يأتي الرجل بها في الدين هي محرمة بعد تبين كونها بدعة فليس في البدع كما يتوهم البعض ما هو في رتبة المكروه فقط. انتهى.
قلت: وأظن أن هؤلاء البعض الذين عناهم الألباني ﵏ جاءتهم هذه الشبهة من تقسيم الشاطبي في الاعتصام "٢/٤٩": تقسيم
стр. 299
البدعة إلى قسمين: محرمة ومكروهة.
ولكن مراد الشاطبي بالكراهة هنا الكراهة التحريمية لا الكراهة التنزيهية حيث قال في الاعتصام "٢/٤٩": إذا تقرر أن البدع ليست في الذم ولا في النهي على رتبة واحدة وأن منها ما هو مكروه كما أن منها ما هو محرم، فوصف الضلالة لازم لها، وشامل لأنواعها، لما ثبت من قوله ﷺ : "كل بدعة ضلالة". انتهى.
стр. 300
القاعدة الرابعة: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة
عن عبد الله بن مسعود أنه قال: اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة.
أخرجه الدارمي "٢٢٣" واللالكائي "١/٥٥، ٨٨" وغيرهما وهو أثر صحيح.
وعن سعيد بن المسيب: أنه رأى رجلاً يصلي بعد طلوع الفجر أكثر من ركعتين يكثر فيهما الركوع والسجود، فنهاه، فقال: يا أبا محمد يعذبني الله على الصلاة؟! قال: لا ولكن يعذبك على خلاف السنة.
أخرجه الخطيب في الفقه والمتفقه "١/١٤٧".
وعن سفيان بن عيينة قال: سمعت مالك بن أنس وأتاه رجل فقال:
стр. 301
يا أبا عبد الله من أين أحرم؟ قال: من ذي الحليفة، من حيث أحرم رسول الله ﷺ فقال: إني أريد أن أحرم من المسجد من عند القبر، قال: لا تفعل، فإني أخشى عليك الفتنة، فقال: وأي فتنة في هذه؟! إنما هي أميال أزيدها! قال: وأي فتنة أعظم من أن ترى أنك سبقت إلى فضيلة قصر عنها رسول الله ﷺ ؟ إني سمعت الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] .
أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه "١/١٤٦" وأبو نعيم في الحلية "٦/٣٢٦" وغيرهما.
وقال أبو شامة في الباعث على إنكار البدع والحوادث "٢١٤": فقد بان ووضح بتوفيق الله تعالى صحة من إنكار من أنكر شيئا من هذه البدع وإن كان صلاة ومسجداً، ولا مبالاة بشناعة جاهل يقول: كيف يؤمر بتبطيل صلاة وتخريب مسجد، فما وازنه إلا وزان من يقول: كيف يؤمر بتخريب مسجد، إذا سمع أن النبي ﷺ خرب مسجد الضرار، ومن يقول: كيف يُنهى عن قراءة القرآن في الركوع والسجود إذا سمع حديث علي ﵁ المخرج في الصحيح: نهاني رسول الله ﷺ أن أقرأ القرآن في الركوع والسجود فاتباع السنة أولى من اقتحام البدعة، وإن كانت صلاة في الصورة، فبركة اتباع السنة أكثر فائدة، وأعظم أجراً، وإن سلمنا أن لتلك الصلاة أجراً. انتهى.
стр. 302
القاعدة الخامسة: النية الحسنة لا تخرج الشيء المحدث عن كونه بدعة بتلك النية الحسنة
قوله ﵊: "إنما الأعمال بالنيات".
ليس المراد به أي عمل من الأعمال، وإنما المراد به العمل الوارد في الكتاب والسنة، فإذا كان وارداً في الكتاب والسنة فإنه يكون صواباً، قال محمد بن عجلان كما في جامع العلوم والحكم "١٠": لا يصلح العمل إلا بثلاث: التقوى لله، والنية الحسنة والإصابة.
وقد جاء في قصة عبد الله بن مسعود مع أصحاب الحِلق الذين كان معهم حصى يذكرون الله به أن ابن مسعود قال لهم: "والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة أهدى من ملة محمد أو مفتتحوا باب ضلالة" قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن ما أردنا إلا الخير، قال: "وكم من مريد للخير لن يصيبه".
أخرجه الدارمي "١/٦٨" وهو صحيح.
فقد أنكر عبد الله بن مسعود على أولئك القوم مع أن نيتهم حسنة ولكن ذلك لم يكن سبباً في التغاضي عن عملهم المخالف للسنة، لأن النية الحسنة لا تجعل البدعة سنة.
стр. 303
القاعدة السادسة: الاختلاف في فعل ما هل هو بدعة أم لا يسوغ العمل به بسبب ذلك الاختلاف
إذا اختلف العلماء في فعل ما من الأفعال فقال بعضهم إنه بدعة، وقال بعضهم إنه ليس ببدعة، فإن ذلك لا يسوغ العمل بذلك الفعل بسبب الاختلاف فيه، بل يؤخذ بقول من معه الحجة والدليل، لأن العبادة لا تثبت إلا بدليل، قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢٦/٢٠٢": وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، وإنما الحجة النص والإجماع، والدليل مستنبط من ذلك، تقرر مقدماته بالأدلة الشرعية، لا بأقوال بعض العلماء، فإن أقوال العلماء ويحتج لها بالأدلة الشرعية. انتهى.
стр. 304
القاعدة السابعة: شيوع عبادة ما وانتشارها بين الناس لا يدل ذلك على مشروعيتها إلا بدليل
كثرة فعل الناس لعبادة ما لا يدل ذلك على شرعية تلك العبادة، لأن العبادة لا تؤخذ من كثرة عمل الناس لها وتتابعهم عليها، وإنما تؤخذ من دليل الكتاب والسنة، قال الطرطوشي في كتاب الحوادث والبدع "٧٣٠٧١": فصل: شيوعة الفعل لا تدل على جوازه: في الكلام على فريق من العامة وأهل التقليد قالوا: إن هذا الأمر شائع ذائع في أقاليم أهل الإسلام وأقطار أهل الأرض، فالجواب: أن نقول: شيوعة
стр. 305
الفعل وانتشاره لا يدل على جوازه، كما أن كتمه لا يدل على منعه.. إلى أن قال: وأكثر أفعال أهل زمانك على غير السنة، وكيف لا وقد روينا قول أبي الدرداء إذ دخل على أم الدرداء مغضبا، فقالت له: مالك؟ فقال: والله ما أعرف فيهم شيئاً من أمر محمد ﷺ إلا أنهم يصلون جميعا. فإنه لم يبق فيهم من السنة إلا الصلاة في جماعة، كيف لا تكون معظم أمورهم محدثات؟ . انتهى.
стр. 306
القاعدة الثامنة: الأصل أن إحداث زيادة ما في عبادة من العبادات لا يُفسد العبادة كلها وإنما ذلك الأمر المحدث الزائد يكون هو الفاسد فقط إلا إذا كان الزائد مخلاً بأصل العبادة
ليس في الأدلة الشرعية أن العبادة الثابتة في الشرع إذا حصل فيها أمر مبتدع زائد على الثابت، كانت تلك العبادة فاسدة بكاملها، وإنما الذي يكون فاسداً مردوداً هو ذلك الأمر المبتدع الزائد، فقد قال ﵊: "من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردٌ" أخرجه مسلم "١٧١٨" من حديث أم المؤمنين عائشة.
قال ابن رجب في جامع العلوم والحكم "٥٧": إن كان قد زاد في العمل المشروع ما ليس بمشروع فزيادته مردودة عليه، بمعنى أنها لا تكون قربة ولا ثبات عليها، ولكن تارة يبطل بها العمل من أصله فيكون مردوداً كمن زاد ركعة عمداً في صلاته مثلاً، وتارة لا يبطله ولا يرده
стр. 307
من أصله كمن توضأ أربعاً أربعاً، أو صام الليل مع النهار وواصل في صيامه. انتهى.
стр. 308
القاعدة التاسعة: العبادة التي أطلقها الشارع لا يشرع تقييدها بزمان أو مكان أو صفة أو عدد
قال أبو شامة في الباعث على إنكار البدع والحوادث "١٦٥": ولا ينبغي تخصيص العبادات بأوقات لم يخصصها بها الشرع، بل تكون جميع أفعال البر مرسلة في جميع الأزمان، ليس لبعضها على بعض فصل إلا ما فضله الشرع، وخصه بنوع العبادة، فإن كان ذلك اختص بتلك الفضيلة تلك العبادة دون غيرها، كصوم يوم عرفة، وعاشوراء، والصلاة في جوف الليل، والعمرة في رمضان، ومن الأزمان ما جعله الشرع فضلاً فيه جميع أعمال البر، كعشرة ذي الحجة، وليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
والحاصل أن المكلف ليس له منصب التخصيص، بل ذلك إلى الشارع، وهذه كانت صفة عبادة رسول الله ﷺ . انتهى.
وقال الألباني في أحكام الجنائز "٣٠٦" في ذكر أنواع البدع: كل عبادة أطلقها الشارع وقيدها الناس ببعض القيود مثل المكان أو الزمان أو صفة أو عدد. انتهى.
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين "١/٣٤٤": ومعلوم أنه لا حرام
стр. 309
إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا تأثيم إلا ما أثم الله ورسوله به فاعله، كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله، ولا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله، فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر، والفرق بينهما أن الله سبحانه لا يعبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله، فإن العبادة حقه على عباده. انتهى.
стр. 310
القاعدة العاشرة: ما ثبت على صفة معينة من العبادات فان الاقتصار على جزء معين من تلك العبادة دون الإتيان بها بكاملها يعتبر بدعة
العبادة الواردة على صفة معينة في الشرع ينبغي لمن أراد أن يفعلها أن يأتي بها كما وردت في الشرع وصفتها فإن لم يأت بها بكمالها وإنما أتى بجزء منها فقد ابتدع في الدين، لأنه يعتبر خلاف ما شرع الله ، قال أبو شامة في كتاب الباعث في إنكار البدع والحوادث "١٩١": لم ترد الشريعة بالتقرب إلى الله تعالى بسجدة منفردة ولا سبب لها، فإن القرب لها أسباب وشرائط وأوقات وأركان لا تصح بدونها فكلما لا يقترب إلى الله تعالى بالوقوف بعرفة، ومزدلفة، ورمكي الجمار، والسعي بين الصفا والمروة من غير نسك واقع في وقته بأسبابه وشرائطه، فكذلك لا يقترب إلى الله تعالى بسجدة منفردة، وإن كانت قربة إذا لم يكن لها سبب صحيح. انتهى.
стр. 311
وقال ابن رجب في جامع العلوم والحكم "٥٧": وليس ما كان قربة في عبادة يكون قربة مطلقاً، فقد رأى النبي ﷺ رجلاً قائما في الشمس، فسأل عنه، فقيل: إنه نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل وأن يصوم، فأمره النبي ﷺ أن يقعد ويستظل وأن يتم صومه فلم يجعل قيامه وبروزه في الشمس قربة يوفى بنذرها..، ومع أن القيام عبادة في مواضع أخرى كالصلاة والأذان والدعاء بعرفة، والبروز للشمس قربة للمحرم، فدل على أنه ليس كل ما كان قربة في موطن يكون قربة في كل المواطن، وإنما يتبع في ذلك ما وردت به الشريعة في مواضعها. انتهى.
стр. 312
القاعدة الحادية عشر: لا يشرع استعمال طريقة جديد لدعوة الناس إلى عبادة ربهم
لا شك عند أحد من المسلمين أن هذا الدين كامل، فقد قال تعالى في كتابه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] .
وكمال الدين يلزم منه أنه كل طريقه لدعوة الناس إلى عبادة ربهم لم يستعملها النبي ﷺ مع إمكان استعماله لها، يكون استعمالها بعد النبي ﷺ بدعة في الدين، وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى "١١/٦٢٠، ٦٢٥": عن جماعة يجتمعون على قصد الكبائر من القتل، وقطع الطريق، والسرقة، وشرب خمر، وغير ذلك، ثم إن
стр. 313
شيخا من المشائخ المعروفين بالخير واتباع السنة قصد منع المذكورين من ذلك، فلم يمكنه إلا أن يقيم لهم سماعاً يجتمعون فيه بهذه النية، وهو بدف بلا صلاصل، وغناء المغني بشعر مباح بغير شبابه، فلما فعل هذا تاب منهم جماعة، وأصبح من لا يصلي ويسرف ولا يزكي يتورع عن الشبهات، ويؤدي المفروضات، ويجتنب المحرمات، فهل يباح فعل هذا السماع لهذا الشيخ على هذا الوجه، لما يترتب عليه من المصالح، مع أنه لا يمكنه دعوتهم إلا بهذا.
فأجاب شيخ الإسلام:
الحمد لله رب العالمين.
أصل جواب هذه المسألة وما أشبهها: أن يعلم أن الله بعث محمداً ﷺ بالهدى ودين الحق، ليظهره على الدين كله، وكفى باله شهيدا، وأنه أكمل له ولأمته الدين، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] . وأمر الخلق أن يردوا ما تنازعوا فيه من دينهم إلى ما بعثه به كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ [النساء: ٥٩] ،.. إلى أن قال: إذا عرف هذا المعلوم إنما يهدي الله به الضالين ويرشد به الغاوين ويتوب به العاصين، لابد أن يكون فيما بعثه الله به ورسوله من الكتاب والسنة،
стр. 314
وإلا فإنه لو كان ما بعث الله به الرسول الله ﷺ لا يكفيني في ذلك، لكان دين الرسول ناقصاً، محتاجاً تتمة، وينبغي أن يعلم أن الأعمال الصالحة أمر الله بها أمر إيجاب أو استحباب، والأعمال الفاسدة نهى الله عنها، والعمل إذا اشتمل على مصلحة ومفسدة، فإن الشارع حكيم، فإن غلبت مصلحته على مفسدته شرعه، وإن غلبت مفسدته على مصلحته لم يشرعه، بل نهى عنه، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢١٦] وقال تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ [البقرة: ٢١٩] ولهذا حرمهما الله تعالى بعد ذلك، وهكذا ما يراه الناس من الأعمال مقربا إلى الله، ولم يشرعه الله ورسوله، فإنه لا بد أن يكون ضرره أعظم من نفعه، وإلا فلو كان نفعه أعظم غالباً على ضرره لم يهمله الشارع، فإنه ﷺ حكيم، لا يهمل مصالح الدين، ولا يفوت المؤمنين ما يقربهم إلى رب العالمين، إذا تبين هذا فنقول للسائل: إن الشيخ المذكور قصد أن يتوب المجتمعين على الكبائر، فلم يمكنه ذلك إلا بما ذكره من الطريق البدعي، يدل على أن الشيخ جاهل بالطرق الشريعة التي بها تتوب العصاة، أو عاجز عنها، فإن الرسول ﷺ والصحابة والتابعين كانوا يدعون من هو شر من هؤلاء من أهل الكفر والفسوق والعصيان بالطرق الشرعية التي أغناهم الله بها
стр. 315
عن الطرق البدعية، فلا يجوز أن يقال إنه ليس في الطرق الشرعية التي بعث الله بها نبيه ما يتوب به العصاة، فإنه قد علم بالاضطرار والنقل المتواتر أنه قد تاب من الكفر والفسوق والعصيان ما لا يحصيه إلا اله تعالى من الأمم بالطرق الشرعية، التي ليس فيها ما ذكر من الاجتماع البدعي.، فلا يمكن أن يقال: إن العصاة لا يمكن توبتهم إلا بهذه الطرق البدعية، بل يقال: إن في الشيوخ من يكون جاهلاً بالطرق الشرعية عاجزاً عنها، ليس عنده علم بالكتاب والسنة، وما يخاطب به الناس، ويسمعهم إياه، مما يتوب الله عليهم، فيعدل هذا الشيخ عن الطرق الشرعية إلى الطرق البدعية، إما مع حسن القصد إن كان له دين، وإما أن يكون غرضه الترؤس عليهم، وأخذ أموالهم بالباطل. انتهى.
قلت: ويشكل على بعض الناس عند ذكر هذه القاعدة أن هناك أمور استجدت تستخدم في دعوة الناس لم تكن في زمن النبي ﷺ ، واتفق العلماء على استحباب استعمالها في دعوة الناس إلى عبادة ربهم "كالشريط" وما إلى ذلك.
والجواب عن هذا الإشكال: أن المراد بهذه القاعدة هو أن يكون المقتضي موجوداً في زمن النبي ﷺ وليس هناك مانع يمنع منه، ومع ذلك لم يفعله النبي ﷺ فيكون استعماله بعد زمن النبي ﷺ بدعة، "فالشريط" مثلاً كان هناك مانع يمنع منه، وهو عدم استطاعة إيجاده، وعليه فلا يدخل في هذه القاعدة، كما سيأتي بيانه من كلام شيخ الإسلام في قاعدة المصلحة المرسلة
стр. 316
القاعدة الثانية عشر: ما جاء عن أحد من الصحابة فعل عبادة ما فإن تلك العبادة يُشرع فعلها ولا تعتبر بدعة
الصحابة حريصون على إتباع السنة واجتناب البدعة فإذا ورد عن أحد من الصحابة فعل عبادة ما لم تأت في الكتاب أو السنة فإن تلك العبادة تعتبر مشروعة ولا تعتبر بدعة، لأن الصحابي لا يأت بعبادة إلا وله فيها مستند ولا يجتهد في ذلك من عنده، لكن يشترط لاعتبار تلك العبادة مشروعة شرطان ذكرهما الألباني في أحكام الجنائز فقال "٣٠٦": كل أمر لا يمكن أن يشرع إلا بنص أو توقيف، ولا نص عليه عليه، فهو بدعة إلا ما كان عن صحابي تكرر ذلك العمل منه دون نكير. انتهى.
وقد ذكر الحاكم في المستدرك "١/٣٧٠" حديث النهي عن الكتابة على القبور وقال: وليس العمل عليه: فإن أئمة المسلمين من الشرق إلى الغرب مكتوب على قبورهم وهو عمل أخذ به الخلف عن السلف.
فتعقبه الذهبي قائلاً: ما قلت طائلاً، ولا نعلم صحابيا فعلى ذلك، وإنما هو شيء أحدثه بعض التابعين فمن بعدهم، ولم يبلغهم النهي. انتهى.
стр. 317
القاعدة الثالثة عشر: فعل العبادة على غير الصفة التي وردت بها أوغير السبب التي وردت من أجله تعتبر بدعة
إذا وردت عبادة بصفة معينة فيجب فعلها على تلك الصفة، ولا يجوز فعلها على غير الصفة التي وردت بها، كالأذان فإنه ورد بصفة
стр. 318
معينة فلا يشرع التلحين والتطريب فيه، لأن ذلك مخالف للصفة التي ورد بها الأذان، وقد كان السلف ينكرون ذلك، فعن يحيى البكاء أن رجلا قال لإبن عمر: إني لأحبك في الله، فقال له ابن عمر: لكني أبغضك في الله، فكأن أصحاب ابن عمر لاموه، فقال: إنه يبغي في أذانه. أخرجه عبد الرزاق "١/٤٨١" بإسناد حسن.
قال ابن الأثير في الناهية "١/١٠٦": أراد بالبغي في الأذان التطريب والتمديد. أهـ.
وكذلك أيضا فإن العبادة التي وردت لسبب ما لايشرع فعلها إذا لم يوجد ذلك السبب، كصلاة الاستخارة فإن سببها الأمور التي آثار عواقبها غير ظاهرة وواضحة كالنكاح، فلاتشرع صلاة الاستخارة لأمور آثار عواقبها ظاهرة وواضحة.
стр. 319
القاعدة الرابعة عشر: لا يشرع التقرب إلى الله بالمباحات
قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "١١/٤٥٠ - ٤٥١": فهذا أصل عظيم تجب معرفته والاعتناء به وهو أن المباحات إنما هي تكون مباحة إذا جعلت مباحات، فأما إذا اتخذت واجبات أو مستحبات كان ذلك ديناً لم يشرعه الله، وجعل ما ليس من الواجبات والمستحبات منها بمنزلة جعل ما ليس من المحرمات منها، فلا حرام إلا ما حرمه الله، ولا دين إلا ما شرعه الله، ولهذا عظم ذم الله في القرآن لمن شرع ديناً لم
стр. 320
يأذن الله به، ولمن حرم يأذن الله بتحريمه، فإذا كان هذا في المباحات فكيف بالمكروهات أو المحرمات؟!..، ثم قال: وبإهمال هذا الأصل غلط خلق كثير من العلماء والعباد يرون الشيء إذا لم يكن محرما لا ينهى عنه، بل يقال إنه جائز، ولا يفرقون بين اتخاذه ديناً وطاعة وبراً، ودبين استعماله كما تستعمل المباحات المحضة، ومعلوم أن اتخاذه ديناً بالاعتقاد أو الاقتصاد أو بهما أو بالقول أو بالعمل أو بهما من أعظم المحرمات وأكبر السيئات. انتهى.
следующие страницы →