← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 12085

من أصول الفقه على منهج أهل الحديث

زكريا بن غلام قادر الباكستاني

Полный текст (345 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

القاعدة السابعة: لا يسقط الاستدلال بالدليل بمجرد تطرق الاحتمال إليه الدليل لا يسقط بمجرد تطرق الاحتمال إليه، وقول العلماء: الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال، مرادهم بذلك الاحتمال

стр. 37

القوي الذي احتفت به القرائن واعتضد بالاعتبارات لا بأي احتمال، لأنه ما من دليل إلا ويتطرق إليه الاحتمال، ولو فتح باب الاحتمال لم يبق شيء من الأدلة إلا وسقط الاستدلال به بدعوى تطرق الاحتمال إليه، ثم إن المراد بسقوط الاستدلال به، أي على تعيين ذلك الوجه المراد الاستدلال به من الدليل، لا أن الاستدلال بالدليل يسقط جملة وتفصيلا. أخرج البخاري "الفتح ١/٤١٣" ومسلم "١/١٤٥" عن عائشة قالت: كنت أنام بين يدي رسول الله ﷺ ورجلاي في قبلته، فإذا سجد غمزني فقبضت رجلي وإذا قام بسطتها. فهذا الحديث يدل على أن لمس المرأة لا ينقض الوضوء، واعترض عليه باحتمال الخصوصية أو أن المس كان بحائل. وقد تعقب هذا الكلام العلامة أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي "١/١٤٢" فقال: ومن البين الواضح أن هذا التعقيب لا قيمة له، بل هو باطل، لأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل صريح، واحتمال الحائل لا يفكر فيه إلا متعصب! انتهى.

стр. 38

القاعدة الثامنة: لا فرق بين الدليل المتواتر والآحاد في جميع القواعد والأحكام الحديث الآحاد كالتواتر في جميع القواعد والأحكام الشرعية فكما أن المتواتر ينسخ المتواتر فكذلك الآحاد ينسخ المتواتر وكما أن المتواتر

стр. 39

يخصص العام، فكذلك الآحاد يخصص العام، وكما أن المتواتر مقدم على القياس، فكذلك الآحاد مقدم على القياس، وعلى هذا جرى عمل السلف الصالح فإنهم كانوا لا يفرقون في شيء من القواعد والأحكام بين المتواتر والآحاد، بل التفريق بين المتواتر والآحاد بدعة حدثت بعدهم، فقد أخذ الصحابة بقول الواحد في النسخ وذلك لما كانوا في الصلاة تجاه بيت المقدس وأخبرهم شخص واحد بأن القبلة تحولت إلى الكعبة فتحولوا وهم في الصلاة. قال الشوكاني في إرشاد الفحول "٢٣٦" بعد أن ذكر أن الآحاد يخصص عموم المتواتر: واحتج ابن المسمعاني على الجواز بإجماع الصحابة فإنهم خصوا قوله تعالى: ﴿يُوصَيكُمُ الله فِي أوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] بقوله ﷺ : "إنا معشر الأنبياء لا نورث" وخصوا قوله "فاقْتُلُوا المشْرِكِينَ" بخبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس وغير ذلك كثير، وأيضا يدل على جواز التخصيص دلالة بينة واضحة ما وقع من أوامر الله باتباع نبيه ﷺ من غير تقييد فإذا جاء عنه الدليل كان اتباعه واجبا وإذا عارضه عموم قرآني كان سلوك طريقة الجمع ببناء العام على الخاص متحتما ودلالة العام على أفراده ظنية لا قطعية فلا وجه لمنع تخصيصه بالأخبار الصحيحة الآحادية، وقد استدل المانعون مطلقا بما ثبت عن عمر ﵁ في قصة فاطمة بنت قيس حيث لم يجعل لها سكنى ولا نفقة كما في حديثها الصحيح، فقال عمر: كيف نترك

стр. 40

كتاب ربنا لقول امرأة؟ يعني قوله: ﴿أسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] وأجيب عن ذلك بأنه إنما قال هذه المقالة لتردده في صحة الحديث لا لرده تخصيص عموم الكتاب بالسنة الآحادية فإنه لم يقل كيف نخصص عموم كتاب ربنا بخبر آحادي بل قال: كيف نترك كتاب ربنا لقول امرأة؟ ويؤيد ذلك ما في صحيح مسلم وغيره بلفظ قال عمر: لا نترك كتاب الله وسنة نبينا لقول امرأة لعلها حفظت أو نسيت فأفاد هذا أن عمر إنما تردد في كونها حفظت أو نسيت ولو علم بأنها حفظت ذلك وأدته كما سمعته لم يتردد في العمل بما روته. انتهى. وبيَّن الشنقيطي في كتابه مذكرة في أصول الفقه "٨٦" خطأ من قال إن الآحاد لا ينسخ المتواتر.

стр. 41

القاعدة التاسعة: يجب العمل بالدليل وإن لم يعرف أن أحداً عمل به الحديث حجة بنفسه لا يحتاج إلى الاحتجاج به أن يكون أحد من الأئمة عمل به، قال الشافعي في الرسالة "٤٢٢": أخبرنا سفيان وعبد الوهاب عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قضى في الإبهام بخمس عشرة، وفي التي تليها بعشر، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تلي الخنصر بتسع، وفي الخنصر بست قال الشافعي: لما كان معروفا - والله أعلم - عندنا أن النبي ﷺ قضى في اليد بخمس، وكانت

стр. 42

اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع نزلها منازلها فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف، فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم فيه أن رسول الله ﷺ قال: "وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل" صاروا إليه، وفي الحديث دلالتان: أحدهما: قبول الخبر. والآخر: أن يقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه، وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر الذي قبلوا. ودلالة على أنه لو مضى عمل من أحد من الأئمة ثم وجد خبراً عن النبي ﷺ يخالف عمله لترك عمله لخبر رسول الله ﷺ ، ودلالة على أن حديث رسول الله ﷺ يثبت بنفسه لا بعمل غيره. وقال ابن القيم في إعلام الموقعين "٤/٢٠٤": إذا كان عند الرجل الصحيحان أو أحدهما أو كتاب من سنن رسول الله ﷺ موثوق بما فيه فهل له أن يفتي بما يجده؟ ، فقالت طائفة من المتأخرين: ليس له ذلك لأنه قد يكون منسوخاً أو له معارض أو يفهم من دلالته خلاف ما دل عليه فلا يجوز له العمل ولا الفتيا به حتى يسأل أهل الفقه والفتيا. وقال طائفة بل له أن يعمل به ويفتي به بل يتعين عليه كما كان الصحابة يفعلون إذا بلغهم الحديث عن رسول الله ﷺ وحدث به بعضهم بعضاً بادروا إلى العمل به من غير توقف ولا بحث عن معارض ولا يقول أحد منهم قط: هل عمل بهذا فلان وفلان، ولو رأوا من يقول ذلك لأنكروا عليه

стр. 43

أشد الإنكار وكذلك التابعون وهذا معلوم بالضرورة لمن له أدنى خبرة بحال القول وسيرتهم وطول العهد بالنسبة، وبعد الزمان وعتقها لا يسوغ ترك الأخذ بها والعمل بغيرها ولو كانت سنن رسول الله ﷺ لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان أو فلان لكان قول فلان أو فلان عياراً على السنن، ومزكيا لها، وشرطاً في العمل بها، وهذا من أبطل الباطل وقد أقام الله الحجة برسوله دون آحاد الأمة وقد أمر النبي ﷺ بتبليغ سنته ودعا لمن بلَّغها، فلو كان من بلغته لا يعمل بها حتى يعمل بها الإمام فلان والإمام فلان لم يكن في تبليغها فائدة وحصل الاكتفاء بقول فلان وفلان. وقال أيضا في إعلام الموقعين "٤/٢١٢": فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم ثبت عن النبي ﷺ أنه قال كذا وكذا، يقول من قال بهذا؟ ويجعل هذا دفعاً في صدر الحديث أو يجعل جهله بالقائل حجة له في مخالفته وترك العمل به، ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل وأنه لا يحل دفع سنن رسول الله ﷺ بمثل هذا الجهل، وأقبح من ذلك عذره في جهله إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة، هذا سوء ظن بجماعة المسلمين إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله ﷺ ، وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع وهو جهله ودعم عمله بمن قال بالحديث، فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة والله المستعان. ولا يعرف إمام من أئمة الإسلام البتة قال: لا نعمل بحديث رسول الله ﷺ حتى نعرف من عمل به.

стр. 44

وقال في كتاب الروح "٢٦٤": فلا تجعل جهلك بالقائل به حجة على الله ورسوله، بل اذهب إلى النص، ولا تضعف واعلم أنه قد قال به قائل قطعاً ولكن لم يصل إليك. انتهى. وقال الألباني في السلسلة الصحيحة "حديث رقم: ١٦٣": لا يضر الحديث ولا يمنع العمل به عدم العلم بمن قال به من الفقهاء، لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. انتهى. وقال ابن حزم في الإحكام "٥/٦٦٢": فكل من أداه البرهان من النص أو الإجماع المتيقن إلى قول ما، ولم يعرف أن أحد قبله قال بذلك القول ففرض عليه القول بما أدى إليه البرهان، ومن خالفه فقد خالف الحق ومن خالف الحق فقد عصى الله تعالى، ولم يشترط تعالى في ذلك أن يقول به قائل قبل القائل به، بل أنكر على من قاله إذ يقول حاكيا عن الكفار منكراً عليهم أنهم قالوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧] ومن خالف هذا فقد أنكر على جميع التابعين وجميع الفقهاء بعدهم، لأن المسائل التي تكلم فيها الصحابة ﵃ من الاعتقاد والفتيا، فكلها محصور مضبوط، معروف عند أهل النقل من ثقات المحدثين وعلمائهم، فكل مسألة لم يرد فيها قول عن صاحب لكن عن تابع فمن بعده، فإن ذلك التابع قال في تلك المسألة بقول لم يقله أحد قبله بلا شك، وكذلك كل مسألة لم يحفظ فيها قول عن صاحب ولا تابع وتكلم فيها الفقهاء بعدهم فإن ذلك الفقيه قد قال في تلك المسألة بقول لم يقله أحد قبله. انتهى.

стр. 45

القاعدة العاشرة: يجب العمل بالدليل ولو خالفه من خالفه من السلف الصالح رضوان الله عليهم يجب ردُّ كل قول خالف الدليل على قائله كائناً من كان حتى ولو كان من الخلفاء الراشدين فضلاً عمن دونهم في العلم لأن الله أمرنا باتباع السنة، قال ابن القيم في الصواعق المرسلة "٣/١٠٦٣": كان عبد الله بن عباس يحتج في مسألة متعة الحج بسنة رسول الله ﷺ وأمره لأصحابه بها فيقولون له: إن أبا بكر وعمر أفردا الحج ولم يتمتعا، فلما أكثروا عليه قال: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول لكم: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر..، ولقد مثل عبد الله بن عمر عن متعة الحج فأمر بها فقيل له إن أباك نهى عنها! فقال: إن أبي لم يرد ما تقولون فلما أكثروا عليه قال: أَقَوْلُ رسول الله أحق أن تتبعوا أم عمر؟ . وقال في إعلام الموقعين "١/٢٣": فإذا وجد النص "أي الإمام أحمد" أفتى بموجبه ولم يلتفت إلا ما خالفه ولا من خالفه كائنا من كان ولهذا لم يلتفت إلى خلاف عمر في المبتوتة لحديث فاطمة بنت قيس، ولا إلى خلافه في التميم للجنب لحديث عمار بن ياسر ولا خلافه في استدامة المحرم الطيب الذي تطيب به قبل إحرامه لصحة حديث عائشة..، ولم يلتفت إلى قول معاذ ومعاوية في توريث المسلم من الكفار لصحة الحديث المانع من التوارث بينهما، ولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصرف لصحة الحديث

стр. 46

المناع من التوارث, ولم يلتفت إلى قول ابن عباس في الصرف لصحة الحديث بخلافه ولا إلى قوله بإباحة لحوم الحمر كذلك، وهذا كثير جداً. انتهى.

стр. 47

القاعدة الحادية عشر: لا يشرع ترك الدليل وإن عمل الناس بخلافه قال ابن القيم في إعلام الموقعين "٢/٣٩٥": لو تركت السنن للعمل لتعطلت سنن رسول الله ﷺ ، ودرست رسومها، وعفت آثارها، وكم من عمل قد اطرد بخلاف السنة الصريحة على تقادم الزمان وإلى الآن، وكل وقت تترك سنة ويعمل بخلافها، ويستمر عليها العمل، فتجد يسيراً من السنة معمولاً به على نوع تقصير، وخذ بلا حساب ما شاء الله من سنن قد أهملت وتعطل العمل بها جملة، فلو عمل بها من يعرفها لقال الناس: تركت السنة. فقد تقرر أن كل عمل خالف السنة الصحيحة لم يقع من طريق النقل البتة، وإنما يقع من طريق الاجتهاد، والاجتهاد إذا خالف السنة كان مردوداً. انتهى. وقال ابن حزم في المحلى "٥/٦٦١": إن حد الشذوذ هو مخالفة الحق فكل من خالف الصواب في مسألة ما فهو فيها شاذ، وسواء كانوا أهل الأرض كلهم بأسرهم أو بعضهم، والجماعة والجملة هم أهل الحق، ولو لم يكن في الأرض منهم إلا واحد، فهو الجماعة، وهو الجملة،

стр. 48

وقد أسلم أبو بكر وخديجة ﵄ فقط، فكانا هما الجماعة، وكان سائر أهل الأرض غيرهما وغير الرسول ﷺ أهل شذوذ وفرقة. انتهى.

стр. 49

القاعدة الثانية عشر: الأدلة لا تعارض بالعقل، بل يسلم للدليل تسليما من غير اعتراض عليه عن علي بن أبي طالب قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله ﷺ يمسح على ظاهر خفيه. أخرجه أبو داود "١٦٢" وهو صحيح. قال السمعاني كما في صون المنطق "١٦٦": وأما أهل الحق فجعلوا الكتاب والسنة أمامهم، وطلبوا الدين من قبلهما وما وقع من معقولهم وخواطرهم عرضوه على الكتاب والسنة، فإن وجدوه موافقاً لهما قبلوه، وشكروا الله ، حيث أراهم ذلك ووفقهم عليه، وإن وجدوه مخالفاً لهما تركوا ما وقع لهم وأقبلوا على الكتاب والسنة، ورجعوا بالتهمة على أنفسهم، فإن الكتاب والسنة لا يهديان إلا إلى الحق، ورأي الإنسان قد يرى الحق وقد يرى الباطل. وقال أيضا "ص: ١٧٥": وأما أهل السنة سلمهم الله فإنهم يتمسكون بما نطق به الكتاب والسنة ويحتجون له بالحجج الواضحة والدلائل الصحيحة على حسب ما أذن فيه الشرع، وورد به السمع،

стр. 50

ولا يدخلون بآرائهم في صفات الله ولا في غيرها من أمور الدين، وعلى هذا وجدوا سلفهم وأئمتهم. انتهى.

стр. 51

القاعدة الثالثة عشر: الأحكام التي وردت في الأدلة مطلقة لا يجوز تحديدها قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "١٩/٢٣٦": فما أطلقه الله من الأسماء وعلق به الأحكام من الأمر والنهي والتحليل والتحريم لم يكن لأحد أن يقيده إلا بدلالة من الله ورسوله، فمن ذلك اسم الماء مطلق في الكتاب والسنة ولم يقسمه النبي ﷺ إلى قسمين: طهور وغير طهور، فهذا التقسيم مخالف للكتاب والسنة..، ومن ذلك اسم الحيض علق الله به أحكاماً متعددة في الكتاب والسنة ولم يقدر لا أقله ولا أكثره، ولا الطهر بين الحيضين مع عموم بلوى الأمة بذلك، واحتياجهم إليه.. ثم قال "ص: ٢٤٣": والله ورسوله علقا القصر والفطر بمسمى السفر ولم يحده بمسافة ولا فرق بين طويل وقصير، ولو كان للسفر مسافة محدودة لبينه الله ورسوله، ولا له في اللغة مسافة محدودة، فكل ما يسميه أهل اللغة سفراً فإنه يجوز فيه القصر والفطر كما دلَّ عليه الكتاب والسنة. انتهى.

стр. 52

القاعدة الرابعة عشرة: الأعيان المذكورة في الدليل لا يلحق بها ما لم يذكر في الدليل الأصل في الأعيان المذكورة في دليل ما أنها مرادة ومقصودة لذاتها فلا يلحق بها غيرها، ولا يقال أنها خرجت مخرج الغالب ولا الحصر إلا بدليل يدل على أنها خرجت مخرج الغالب، وكذلك لا يقال: أن تعيينها إنما هو للتنبيه على غيرها إلا إذا جاء دليل يدل على ذلك، مثاله: حديث أبي موسى ومعاذ بن جبل أن النبي ﷺ قال لهما حين أرسلهما إلى اليمن: "لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والزبيب، والتمر". أخرجه البيهقي "٤/١٢٥" وصححه الألباني في الإرواء "٨٠١". ففي هذا الحديث تخصيص الزكاة بأربعة أشياء مما يخرج من الأرض، فلا يلحق بها غيرها، قال أبو عبيد في كتاب الأموال "٥٧٥": إلا أن الذي اختار من ذلك الاتباع لسنة رسول الله ﷺ : أنه لا صدقة إلا في الأصناف الأربعة التي سماها، وسنها مع قول من قاله من الصحابة والتابعين، ثم اختيار ابن أبي ليلى، وسفيان إياه. وذلك أن النبي ﷺ حين خص هذه بالصدقة وأعرض عما سواها، قد كان يعلم أن للناس أموالاً مما تخرج الأرض، فكان تركه ذلك عندنا، عفواً منه، كعفوه عن صدقة الخيل والرقيق وإنما يحتاج إلى النظر والتشبيه والتمثيل إذا لم توجد سنة قائمة، فإذا وجدت السنة لزم الناس اتباعها. انتهى.

стр. 53

القاعدة الخامسة عشر: لا احتياط فيما ورد به الدليل قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى "٢٦/٥٤": فبين أحمد أن الأحاديث متواترة بأمر النبي ﷺ بالتمتع لجميع أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي حتى من كان منهم مفرداً أو قارناً والنبي ﷺ لا ينقلهم من الفاضل إلى المفضول بل إنما يأمرهم بما هو أفضل لهم ولهذا كان فسخ الحج إلى التمتع مستحبا عند أحمد ولم يجعل اختلاف العلماء في جواز الفسخ موجبا للاحتياط بترك الفسخ، فإن الاحتياط إنما يشرع إذا لم تتبين سنة رسول الله ﷺ ، فإذا تبين فاتباعها أولى. انتهى. وقال ابن القيم في تهذيب السنن "١/٧٢": الاحتياط يكون في الأعمال التي يترك المكلف منها عملاً لآخر احتياطاً، وأما الأحكام الشرعية والأخبار عن الله ورسوله فطريق الاحتياط فيها أن لا يخبر عنه إلا بما أخبر به، ولا يثبت إلا ما أثبته ثم إن الاحتياط هو في ترك هذا الإحتياط، فإن الرجل تحضره الصلاة وعنده قُلَّة ماء قد وقعت فيها شعرة ميتة، فتركه الوضوء منها مناف للاحتياط، فهلاَّ أخذتم بهذا الأصل هنا، وقلتم، ما ثبت تنجيسه بالدليل الشرعي نجسناه، وما شككنا فيه رددناه إلى أصل الطهارة. انتهى.

стр. 54

القاعدة السادسة عشر: يجب تفسير الدليل وفهمه باعتدال من غير إفراط ولا تفريط قال ابن القيم في كتاب الروح "٦٢": ينبغي أن يفهم عن الرسول ﷺ مراده من غير غلوٍّ ولا تقصير فلا يحمل كلامه ما لا يحتمله، ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدي والبيان، وقد حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله، بل سوء الفهم عن الله ورسوله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام بل هو أصل كل خطأ في الأصول والفروع، ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد. انتهى.

стр. 55

القاعدة السابعة عشر: الحكم الوارد في قصة ما لا يكون خاصاً بصاحب القصة بل يكون الاستدلال بذلك الحكم الوارد في تلك القصة داخلاً فيه غير صاحب القصة أيضاً: هناك بعض الصحابة وقعت لهم واقعة من الواقعات وفي تلك الواقعة ورد فيها حكم ما، فإن ذلك الحكم لا يكون خاصاً بمن وقعت له تلك الواقعة وحدثت له تلك القصة، بل يكون الحكم عاماً وشاملاً لكل أحد، كقصة المجامع في نهار رمضان، فإن تلك القصة دليل على أن من كان مثل ذلك الرجل لا يجد ما يتصدق به كفارة لإتيانه لأهله في نهار رمضان أن تلك الكفارة ساقطة عنه، ولا يكون هذا الحكم خاصاً بذلك الرجل، إلا إذا أتى ما يدلُ على أن ذلك الحكم خاص بصاحب

стр. 56

القصة مثل حديث أبي بردة بن نيار أن سأل النبي ﷺ هل يجزئه ذبح جذعة في الأضحية، فقال: "نعم ولن تجزئ عن أحد بعدك". أخرجه البخاري "٩٥٥"

стр. 57

الإجماع القاعدة الأولى: الإجماع حجة من الحجج الشرعية الإجماع: هو اتفاق مجتهدي أمة محمد ﷺ بعد وفاته في عصر من الأعصار على أمر من الأمور. وهو حجة بدليل الكتاب والسنة، أما دليل الكتاب فهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [النساء: ١١٥] . قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى "١٩/١٩٣":.. كلاًّ من الوصفين يقتضي الوعيد لأنه مستلزم للآخر، كما يقال مثل ذلك في معصية الله والرسول، ومخالفة الإسلام والقرآن فيقال: من خالف القرآن والإسلام أو من خرج عن القرآن والإسلام فهو من أهل النار..، فهكذا مشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين، ومن شاقه فقد اتبع غير سبيلهم وهذا ظاهر، ومن اتبع غير سبيلهم فقد شاقه أيضا، فإنه قد جعل له مدخلاً في الوعيد، فدل على أنه وصف مؤثر في الذم، فمن خرج عن إجماعهم فقد اتبع غير سبيلهم قطعاً، والآية توجب ذم

стр. 58

ذلك، وإذا قيل: هي إنما ذمته مع مشاقة الرسول؟ قلنا: لأنهما متلازمان، وذلك لأن كل ما أجمع عليه المسلمون فإنه يكون منصوصاً عن الرسول فالمخالف لهم مخالف للرسول، كما أن المخالف للرسول مخالف لله، ولكن هذا يقتضي أن كل ما أجمع عليه قد بينه الرسول، وهذا هو الصواب. انتهى. والدليل من السنة قوله ﷺ : "إن أمتي لا تجتمع على ضلالة". وهو حديث صحيح أخرجه أبو داود "٤٢٥٣" والترمذي "٢١٦٧" وابن ماجة "٣٥٩٠". قال الشافعي في الرسالة "٤٧٥": ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم، ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر بلزومها، وإنما تكون الغفلة في الفرقة، فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس، إن شاء الله. انتهى.

стр. 59

القاعدة الثانية: الإجماع لا بد أن يكون له مستند من الكتاب أو السنة قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "١٩/١٩٥": فلا يوجد قط مسألة مجمع عليها إلا وفيها بيان من الرسول، ولكن قد يخفى ذلك على بعض الناس ويعلم الإجماع فيستدل به، كما أنه يستدل بالنص من

стр. 60

لم يعرف دلالة النص، وهو دليل ثان مع النص، كالأمثال المضروبة في القرآن وكذلك الإجماع دليل آخر كما يقال: قد دل على ذلك الكتاب والسنة والإجماع، وكل من هذه الأصول يدل على الحق مع تلازمها، فإن ما دل عليه الإجماع فقد دل عليه الكتاب والسنة، وما دل عليه القرآن فعن الرسول أخذ، فالكتاب والسنة كلاهما مأخوذ عنه، ولا يوجد مسألة يتفق الإجماع عليها إلا وفيها نص.. ثم قال: وعلى هذا فالمسائل المجمع عليها قد تكون طائفة من المجتهدين لم يعرفوا فيها نصاً فقالوا فيها باجتهاد الرأي الموافق للنص، لكن كان النص عند غيرهم، وابن جرير وطائفة يقولون: لا ينعقد الإجماع إلا عن نص نقلوه عن الرسول، مع قولهم بصحة القياس، ونحن لا نشترط أن يكونوا كلهم علموا النص فنقلوه بالمعنى كما تنقل الأخبار، لكن استقرأنا موارد الإجماع فوجدناها كلها منصوصة، وكثير من العلماء لم يعلم النص، وقد وافق الجماعة، وكما أنه قد يحتج بقياس وفيها إجماع لم يعلمه فيوافق الإجماع. انتهى.

стр. 61

القاعدة الثالثة: الإجماع لا يقدم على الكتاب أو السنة قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "١٩/٢٠٠": ومن قال من المتأخرين: إن الإجماع مستند معظم الشريعة فقد أخبر عن حاله فإنه لنقص معرفته بالكتاب والسنة احتاج إلى ذلك، وهذا كقولهم: إن أكثر

стр. 62

الحوادث يحتاج فيها إلى القياس لعدم دلالة النصوص عليها فإنما هذا قول من لا معرفة له بالكتاب والسنة ودلالتها على الأحكام..، والإجماع لم يكن يحتج به عامتهم "أي الصحابة" ولا يحتاجون إليه، إذ هم أهل الإجماع فلا إجماع قبلهم، لكن لما جاء التابعون كتب عمر إلى شريح " اقض بما في كتاب الله، فإن لم تجد فبما في سنة رسول الله، فإن لم تجد فبما قضى به الصالحون قبلك، وفي رواية: فبما أجمع عليه الناس ". وعمر قدم الكتاب ثم السنة، وكذلك ابن مسعود قال مثل ما قال عمر: قدم الكتاب ثم السنة ثم الإجماع، وكذلك ابن عباس كان يفتي بما في الكتاب ثم بما في السنة ثم بسنة أبي بكر وعمر، وهذه الآثار ثابتة عن عمر وابن مسعود وابن عباس وهم من أشهر الصحابة بالفتيا والقضاء وهو الصواب، ولكن طائفة من المتأخرين قالوا: يبدأ المجتهد بأن ينظر أولاً في الإجماع فإن وجده لم يلتفت إلى غيره، وإن وجد نصا خالفه اعتقد أنه منسوخ بنص لم يبلغه، وقال بعضهم الإجماع نسخه! والصواب طريقة السلف. انتهى.

стр. 63

القاعدة الرابعة: الإجماع لا ينسخ النص قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٣٣/٩٤": وقد نقل عن طائفة: كعيسى بن أبان وغيره من أهل الكلام والرأي من المعتزلة وأصحاب أبي حنيفة ومالك: أن الإجماع ينسخ به نصوص الكتاب

стр. 64

والسنة، وكنا نتأول كلام هؤلاء على أن مرادهم الإجماع يدل على نص ناسخ، فوجدنا من ذكر عنهم أنهم يجعلون الإجماع نفسه ناسخاً، فإن كانوا أرادوا ذلك فهذا قول يجوِّز تبديل المسلمين دينهم بعد نبيهم كما تقول النصارى من أن المسيح سوغ لعلمائهم. أن يحرموا ما رأوا تحريمه مصلحة، ويحلوا ما رأوا تحليله مصلحة، وليس هذا دين المسلمين، ولو كان الصحابة يسوغون ذلك لأنفسهم ومن اعتقد في الصحابة أنهم كانوا يستحلون ذلك فإنه يستتاب كما يستتاب أمثاله. انتهى. وقال أيضا في "١٩/٢٠١": وذلك لأن الإجماع إذا خالفه نص فلا بد أن يكون مع الإجماع نص معروف به أن ذلك منسوخ، فأما أن يكون النص المحكم قد ضيعته الأمة وحفظت النص المنسوخ فهذا لا يوجد قط وهو نسبة الأمة إلى حفظ ما نهيت عن اتباعه وإضاعة ما أمرت باتباعه وهي معصومة عن ذلك. انتهى.

стр. 65

القاعدة الخامسة: الإجماع الذي يغلب على الظن وقوعه هو الإجماع على ما هو معلوم من الدين بالضرورة قال الشافعي في الرسالة "٥٣٤": لست أقول ولا أحد من أهل العلم "هذا مجتمع عليه" إلا لما لا تلقى عالماً أبداً إلا قاله لك وحكاه عن من قاله كالظهر أربع، وكتحريم الخمر وما أشبه هذا. قال الشيخ أحمد شاكر معلقا على كلام الشافعي: يعني أن الإجماع لا

стр. 66

يكون إجماعاً إلا في الأمر المعلوم من الدين بالضرورة كما أوضحنا ذلك وأقمنا الحجة عليه مراراً في كثير من حواشينا على الكتب المختلفة. انتهى. وقال الشافعي أيضا لمن سأله عن وجود الإجماع "كما في جماع العلم ٧/٢٥٧": نعم بحمد الله، كثير في جملة من الفرائض التي لا يسع أحداً جهلها فذلك الإجماع هو الذي لو قلت فيه أجمع الناس لم تجد حولك أحداً يقول لك ليس هذا بإجماع فهذه الطريق التي يصدق بها من ادعى الإجماع فيها، وفي أشياء من أصول العلم دون فروعه. وقال الشوكاني في إرشاد الفحول "١١١" ومن أنصف من نفسه علم أنه لا علم عند علماء الشرق بجملة علماء الغرب والعكس فضلا عن العلم بكل واحد منهم على التفصيل وبكيفية مذهبه وبما يقوله في تلك المسألة بعينها وأيضا قد يحمل بعض من يعتبر في الإجماع على الموافقة وعدم الظهور بالخلاف التقية والخوف على نفسه.. ثم قال: ومن ادعى أنه يتمكن الناقل للإجماع من معرفة كل من يعتبر فيه من علماء الدنيا فقد أسرف في الدعوى وجازف في القول ورحم الله الإمام أحمد بن حنبل فإنه قال: من ادعى الإجماع فهو كاذب. انتهى.

стр. 67

القاعدة السادسة: إجماع الصحابة ممكن وقوعه وأما إجماع من بعدهم فمتعذر غالباً قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "١١/٣٤١": الإجماع متفق عليه بين عامة المسلمين من الفقهاء والصوفية وأهل الحديث والكلام

стр. 68

وغيرهم في الجملة، وأنكره بعض أهل البدع من المعتزلة والشيعة، لكن المعلوم منه هو ما كان عليه الصحابة، وأما بعد ذلك فتعذر العلم به غالباً، ولهذا اختلف أهل العلم فيما يذكر من الإجماعات الحادثة بعد الصحابة واختلف في مسائل منه كإجماع التابعين على أحد قولي الصحابة والإجماع الذي لم ينقرض عصر أهله حتى خالفهم بعضهم، والإجماع السكوتي وغير ذلك. انتهى.

стр. 69

القاعدة السابعة: إذا اختلف عالمان في الإجماع على مسألة ما فإنه يقدم قول من نقل الخلاف في تلك المسألة لأنه مثبت قال شيخ الإسلام كما في المجموع "١٩/٢٧١": وإذا نقل عالم الإجماع ونقل آخر النزاع: إما نقلا سمى قائله وإما نقلا بخلاف مطلقاً ولم يسم قائله، فليس لقائل أن يقول: نقل لخلاف لم يثبت، فإنه مقابل بأن يقال: ولا يثبت نقل الإجماع، بل ناقل الإجماع ناف للخلاف، وهذا مثبت، والمثبت مقدم على النافي، وإذا قيل: يجوز في ناقل النزاع أن يكون قد غلط فيما أثبته من الخلاف: إما لضعف الإسناد، أو لعدم الدلالة، قيل له: ونافي النزاع غلطه أجوز فإنه قد يكون في المسألة أقوال لم تبلغه، أو بلغته وظن ضعف إسنادها وكانت صحيحة عند غيره، أو ظن عدم الدلالة وكانت دالة، فكل ما يجوز على المثبت من الغلط يجوز على النافي مع زيادة عدم العلم بالخلاف. انتهى.

стр. 70

القاعدة الثامنة: عدم العلم بالمخالف لا يصح به دعوى الإجماع قال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "١٩/٢٧١": فإن عدم العلم ليس علما بالعدم لاسيما في أقوال علماء أمة محمد ﷺ التي لا يحصيها إلا رب العالمين، ولهذا قال أحمد وغيره من العلماء: من ادعى الإجماع فقد كذب، وهذه دعوى المريسي والأصم، ولكن يقول: لا أعلم نزاعاً، والذين كانوا يذكرون الإجماع كالشافعي وأبي ثور وغيرهما يفسرون مرادهم: بأنا لا نعلم نزاعاً، ويقولون هذا هو الإجماع الذي ندعيه. وقال شيخ الإسلام أيضا "٢٠/١٠": وإذا ثبت إجماع الأمة على حكم من الأحكام لم يكن لأحد أن يخرج عن الإجماع، فإن الأمة لا تجتمع على ضلالة، ولكن كثير من المسائل يظن بعض الناس فيها إجماعاً ولا يكون الأمر كلك. انتهى.

стр. 71

القاعدة التاسعة: إجماع أهل المدينة لا يعتبر حجة قال الشوكاني في إرشاد الفحول "١٢٤": إجماع أهل المدينة على انفرادهم ليس بحجة عند الجمهور لأنهم بعض الأمة، وقال مالك: إذا أجمعوا لم يعتد بخلاف غيرهم.. وقال الباجي: إنما أراد ذلك بحجية إجماع أهل المدينة فيما كان طريقه النقل المستفيض كالصاع والمد والأذان والإقامة وعدم وجوب الزكاة في الخضروات مما تقتضي العادة بأن يكون

стр. 72

في زمن النبي ﷺ فإنه لو تغير عما كان عليه لعلم فأما مسائل الاجتهاد فهم وغيرهم سواء. انتهى. وقد قسم شيخ الإسلام ابن تيمية إجماع أهل المدينة إلى أربعة أقسام فقال كما في مجموع الفتاوى "٢٠/٣٠٣": والتحقيق في مسألة إجماع أهل المدينة أن منه ما هو متفق عليه المسلمون، ومنه ما هو قول جمهور أئمة المسلمين، ومنه ما لا يقول به إلا بعضهم، وذلك أن إجماع أهل المدينة على أربع مراتب: - الأولى: ما يجري مجرى النقل عن النبي ﷺ مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد وكترك صدقة الخضروات والأحباس، فهذا مما هو حجة باتفاق العلماء. الثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان بن عفان فهذا حجة في مذهب مالك وهو المنصوص عن الشافعي، قال في رواية يونس بن عبد الأعلى: إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء فلا تتوقف في قلبك ريبا أنه الحق، وكذا ظاهر مذهب أحمد أن ما سنه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتباعها..، وما يعلم لأهل المدينة عمل قديم على عهد الخلفاء الراشدين مخالف لسنة رسول الله ﷺ . والمرتبة الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين وقياسين جهل أيهما أرجح، وأحدهما يعمل به أهل المدينة ففيه نزاع، فمذهب مالك والشافعي أنه يرجح بعمل أهل المدينة، ومذهب أبي حنيفة أنه

стр. 73

لا يرجح بعمل أهل المدينة، ولأصحاب أحمد وجهان: أحدهما: أنه لا يرجح، والثاني: أنه يرجح به، قيل هذا هو المنصوص عن أحمد ومن كلامه قال: إذا رأى أهل المدينة حديثاً وعملوا به فهو الغاية.. فهذه مذاهب جمهور الأئمة توافق مذهب مالك في الترجيح لأقوال أهل المدينة. وأما المرتبة الرابعة: فهي العمل المتأخر بالمدينة، فهذا هل هو حجة شرعية يجب اتباعه أم لا؟ فالذي عليه أئمة المسلمين أنه ليس بحجة شرعية، هذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، وهو قول المحققين من أصحاب مالك..، ولم أر في كلام مالك ما يوجب جعل هذا حجة وهو في الموطأ إنما يذكر الأصل المجمع عندهم، فهو يحكي مذهبهم، وتارة يقول: الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا يصير إلى الإجماع القديم وتارة لا يذكر، ولو كان مالك يعتقد أن العمل المتأخر حجة يجب على جميع الأمة اتباعها وإن خالفت النصوص لوجب عليه أن يلزم الناس بذلك الإمكان كما يجب عليه أن يلزمهم اتباع الحديث والسنة الثابتة. انتهى.

стр. 74

القاعدة العاشرة: قول جمهور العلماء في مسألة من المسائل لا يعتبر حجة الحجة إنما هو في الكتاب والسنة والإجماع، وقول الجمهور ليس بإجماع فلا يعتبر حجة على القول الآخر، ولو كان القائل بالقول الآخر

стр. 75

أفراد من العلماء، وإنما يؤخذ بالقول الذي معه الحجة، وتؤيده القواعد الشرعية، ولا عبرة بالكثرة في مقابل الحجة، والسلف الصالح ما كانوا يقدمون قول الأكثر على الأقل، وإنما كانوا يأخذون بالقول الذي معه الحجة. عن أبي هريرة أنه قال: إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ يشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ مالا يحفظون. أخرجه البخاري "١١٨". قال ابن حزم في الإحكام "١/٥٩٩": ففي هذا أن الواحد قد يكون عنده من السنن ما ليس عند الجماعة، وإذا كان عنده من السنة ما ليس عند غيره فهو المصيب في فتياه بهذا دون غيره.. وبينا قبل وبعد أن العرض إنما هو اتباع القرآن وما حكم به رسول الله ﷺ فإنه لا معنى لقول أحد دون ذلك، كثر القائلون به أو قلُّوا، وهذا باب ينبغي أن يتقى فقد عظم الضلال به، ونعوذ بالله العظيم من البلادة. انتهى.
следующие страницы →