Полный текст (345 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
القاعدة التاسعة: إجماع أهل المدينة لا يعتبر حجة
قال الشوكاني في إرشاد الفحول "١٢٤": إجماع أهل المدينة على انفرادهم ليس بحجة عند الجمهور لأنهم بعض الأمة، وقال مالك: إذا أجمعوا لم يعتد بخلاف غيرهم.. وقال الباجي: إنما أراد ذلك بحجية إجماع أهل المدينة فيما كان طريقه النقل المستفيض كالصاع والمد والأذان والإقامة وعدم وجوب الزكاة في الخضروات مما تقتضي العادة بأن يكون
стр. 72
في زمن النبي ﷺ فإنه لو تغير عما كان عليه لعلم فأما مسائل الاجتهاد فهم وغيرهم سواء. انتهى.
وقد قسم شيخ الإسلام ابن تيمية إجماع أهل المدينة إلى أربعة أقسام فقال كما في مجموع الفتاوى "٢٠/٣٠٣": والتحقيق في مسألة إجماع أهل المدينة أن منه ما هو متفق عليه المسلمون، ومنه ما هو قول جمهور أئمة المسلمين، ومنه ما لا يقول به إلا بعضهم، وذلك أن إجماع أهل المدينة على أربع مراتب: -
الأولى: ما يجري مجرى النقل عن النبي ﷺ مثل نقلهم لمقدار الصاع والمد وكترك صدقة الخضروات والأحباس، فهذا مما هو حجة باتفاق العلماء.
الثانية: العمل القديم بالمدينة قبل مقتل عثمان بن عفان فهذا حجة في مذهب مالك وهو المنصوص عن الشافعي، قال في رواية يونس بن عبد الأعلى: إذا رأيت قدماء أهل المدينة على شيء فلا تتوقف في قلبك ريبا أنه الحق، وكذا ظاهر مذهب أحمد أن ما سنه الخلفاء الراشدون فهو حجة يجب اتباعها..، وما يعلم لأهل المدينة عمل قديم على عهد الخلفاء الراشدين مخالف لسنة رسول الله ﷺ .
والمرتبة الثالثة: إذا تعارض في المسألة دليلان كحديثين وقياسين جهل أيهما أرجح، وأحدهما يعمل به أهل المدينة ففيه نزاع، فمذهب مالك والشافعي أنه يرجح بعمل أهل المدينة، ومذهب أبي حنيفة أنه
стр. 73
لا يرجح بعمل أهل المدينة، ولأصحاب أحمد وجهان: أحدهما: أنه لا يرجح، والثاني: أنه يرجح به، قيل هذا هو المنصوص عن أحمد ومن كلامه قال: إذا رأى أهل المدينة حديثاً وعملوا به فهو الغاية.. فهذه مذاهب جمهور الأئمة توافق مذهب مالك في الترجيح لأقوال أهل المدينة.
وأما المرتبة الرابعة: فهي العمل المتأخر بالمدينة، فهذا هل هو حجة شرعية يجب اتباعه أم لا؟ فالذي عليه أئمة المسلمين أنه ليس بحجة شرعية، هذا مذهب الشافعي وأحمد وأبي حنيفة وغيرهم، وهو قول المحققين من أصحاب مالك..، ولم أر في كلام مالك ما يوجب جعل هذا حجة وهو في الموطأ إنما يذكر الأصل المجمع عندهم، فهو يحكي مذهبهم، وتارة يقول: الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا يصير إلى الإجماع القديم وتارة لا يذكر، ولو كان مالك يعتقد أن العمل المتأخر حجة يجب على جميع الأمة اتباعها وإن خالفت النصوص لوجب عليه أن يلزم الناس بذلك الإمكان كما يجب عليه أن يلزمهم اتباع الحديث والسنة الثابتة. انتهى.
стр. 74
القاعدة العاشرة: قول جمهور العلماء في مسألة من المسائل لا يعتبر حجة
الحجة إنما هو في الكتاب والسنة والإجماع، وقول الجمهور ليس بإجماع فلا يعتبر حجة على القول الآخر، ولو كان القائل بالقول الآخر
стр. 75
أفراد من العلماء، وإنما يؤخذ بالقول الذي معه الحجة، وتؤيده القواعد الشرعية، ولا عبرة بالكثرة في مقابل الحجة، والسلف الصالح ما كانوا يقدمون قول الأكثر على الأقل، وإنما كانوا يأخذون بالقول الذي معه الحجة.
عن أبي هريرة أنه قال: إن إخواننا من المهاجرين كان يشغلهم الصفق بالأسواق، وإن إخواننا من الأنصار كان يشغلهم العمل في أموالهم، وإن أبا هريرة كان يلزم رسول الله ﷺ يشبع بطنه، ويحضر ما لا يحضرون ويحفظ مالا يحفظون. أخرجه البخاري "١١٨".
قال ابن حزم في الإحكام "١/٥٩٩": ففي هذا أن الواحد قد يكون عنده من السنن ما ليس عند الجماعة، وإذا كان عنده من السنة ما ليس عند غيره فهو المصيب في فتياه بهذا دون غيره.. وبينا قبل وبعد أن العرض إنما هو اتباع القرآن وما حكم به رسول الله ﷺ فإنه لا معنى لقول أحد دون ذلك، كثر القائلون به أو قلُّوا، وهذا باب ينبغي أن يتقى فقد عظم الضلال به، ونعوذ بالله العظيم من البلادة. انتهى.
стр. 76
القياس
القاعدة الأولى: القياس حجة من الحجج الشرعية
القياس حجة من الحجج الشرعية دلَّ على حجيته:
إقرار النبي ﷺ له وإجماع الصحابة عليه، أما دليل الإقرار فهو حديث عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا قام أحدكم يصلي فإنه يستره إذا كان بين يديه مثل آخرة الرحل، فإذا لم يكن بين يديه مثل آخرة الرحل، فإنه يقطع صلاته الحمار والمرأة والكلب الأسود" قلت: يا أبا ذر ما بال الكلب الأسود من الكلب الأحمر من الكلب الأصفر؟ قال: يا ابن أخي سألت رسول الله ﷺ كما سألتني فقال: "الكلب الأسود شيطان" أخرجه مسلم "٥١٠".
ووجه الدلالة من الحديث أن أبا ذر قاس الكلب الأحمر والأصفر على الكلب الأسود فلم ينكر عليه النبي ﷺ هذا القياس ولكن بين له أن العلة في الكلب الأسود غير موجودة في الكلاب الأخرى فافترق الحكم.
وفي كتاب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى.. ثم قس الأمور بعضها ببعض، وانظر أقربها إلى الله وأشبهها بالحق فاتبعه. أخرجه الإسماعيلي
стр. 77
"كما في مسند الفاروق ٢/٥٤٦" بإسناد صحيح.
قال ابن القيم في إعلام الموقعين "١/١٧٦، ١٧٧": وقد كان أصحاب النبي ﷺ يجتهدون في النوازل ويقيسون بعض الأحكام على بعض ويعتبرون النظير بنظيره..، ولما قاس مجزز المدلجي وقاف وحكم بقياسه وقيافته على أن أقدام زيد وأسامة ابنه بعضها من بعض سرَّ بذلك رسول الله ﷺ حتى برقت أسارير وجهه من صحة هذا القياس وموافقته للحق..، قال المزني: الفقهاء من عصر رسول الله ﷺ إلى يومنا هذا وهلم جرا استعملوا القياس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم. انتهى.
стр. 78
القاعدة الثانية: لا قياس في مقابل النص
إذا ثبت النص بطل القياس لأنه لا قول لأحد مع قول الله تعالى وقول رسوله ﷺ ، ولأن النص هو الأصل والقياس فرع، والأصل يبطل الفرع، ولا يُبطل الفرع الأصل، وفي الحقيقة أنه ليس هناك نص في الكتاب والسنة يخالف القياس أبداً، وإذا قيل بأن قياساً مخالف للنص فهذا يدل على بطلان ذلك القياس، قال ابن القيم في إعلام الموقعين "٤/٢٤" بعد أن ذكر مجموعة من النصوص وافق بينها وبين القياس قال: فهذه نبذة يسيرة تطلعك على ما وراءها من أنه ليس في الشريعة شيء يخالف القياس ولا في المنقول عن الصحابة الذي لا يعلم لهم مخالف، وأن القياس الصحيح دائر مع أوامرها ونواهيها وجوداً وعدماً
стр. 79
كما أن المعقول الصحيح دائر مع أخبارها وجوداً وعدماً فلم يخبر الله ولا رسوله بما يناقض صريح العقل، ولم يشرع ما يناقض الميزان والعدل. انتهى.
وقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "١٩/٢٨٨": ودلالة القياس الصحيح توافق دلالة النص، فكل قياس خالف دلالة النص فهو قياس فاسد ولا يوجد نص يخالف قياساً صحيحاً كما لا يوجد معقول صريح مخالف للمنقول الصحيح. انتهى.
стр. 80
القاعدة الثالثة: القياس لا يصار إليه إلا عند الضرورة
أهل الحديث لا يتوسعون في استعمال القياس، وإنما يستعملون القياس حين تضيق السبل بالأدلة الأخرى، قال الإمام أحمد "كما في كتاب أصول البدع والسنن/٨٧": سألت الشافعي عن القياس فقال: عند الضرورة.
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين "١/٣٠٤": وأما أصحاب الرأي والقياس فإنهم لم يعتنوا بالنصوص ولم يعتقدوها وافية بالأحكام ولا شاملة لها فوسعوا طرق الرأي والقياس وقالوا بقياس الشبه، وعلقوا الأحكام بأوصاف لا يعلم أن الشارع علقها بها، واستنبطوا عللاً لا يعلم أن الشارع شرع الأحكام لأجلها. انتهى.
стр. 81
القاعدة الرابعة: يصح القياس على ما ثبت خلافاً للأصل
قال السمعاني في قواطع الأدلة "١/١١٩": يجوز القياس على أصل مخالف في نفسه الأصول بعد أن يكون ذلك الأصل ورد به الشرع ودل عليه الدليل.. ثم قال "ص ١٢١": والمعتمد أن ما ورد به الخبر صار أصلا بنفسه فالقياس عليه يكون كالقياس على سائر الأصول.
وقال شيخ الإسلام كما في مجموع الفتاوى "٢٠/٥٥٥": فذهب طائفة من الفقهاء إلى أن ما ثبت على خلاف القياس لا يقاس عليه، ويحكى هذا عن أصحاب أبي حنيفة، والجمهور أنه يقاس عليه، وهذا هو الذي ذكره أصحاب الشافعي وأحمد وغيرهما، وقالوا: إنما ينظر إلى شروط القياس فما عُلمت علته ألحقنا به ما شاركه في العلة، سواء قيل: إنه على خلاف القياس أو لم يُقل، وكذلك ما علم انتفاء الفارق فيه بين الأصل والفرع، والجمع بدليل العلة كالجمع بالعلة، وأما إذا لم يقم دليل على أنه كالأصل فهذا لا يجوز فيه القياس، سواء قيل إنه على وفق القياس أو خلافه، ولهذا كان الصحيح أن العرايا يلحق بها ما كان في معانيها، وحقيقة الأمر أنه لم يُشرع شيء على خلاف القياس الصحيح، بل ما قيل: إنه على خلاف القياس: فلا بد من اتصافه بوصف امتاز به عن الأمور التي خالفها واقتضى مفارقته لها في الحكم، وإذا كان كذلك فذلك الوصف إن شاركه غيره فيه فحكمه كحكمه، وإلا كان من الأمور المفارقة له. انتهى.
стр. 82
القاعدة الخامسة: القياس الصحيح مقدم على الحديث الضعيف
الحديث الضعيف لا اعتبار به في الأحكام وإنما الأحكام مبنية على الكتاب والسنة الصحيحة والإجماع والقياس، فيقدم القياس على الحديث الضعيف، وفي البحر المحيط "٨/٤٦": وقال الشافعي: لا يجوز القياس مع نص القرآن أو خبر مسند صحيح وأما عند عدمهما فإن القياس واجب في كل حكم.. وحكى الشيخ شهاب أبو شامة أنه سمع أبا الوفاء بن عقيل في رحلته إلى العراق يقول: مذهب أحمد أن ضعيف الأثر خير من قوي النظر، قال ابن العربي: وهذه وهلة من أحمد، وقال بعض أئمة الحنابلة المتأخرين، هذا ما حكاه عن أحمد ابنه عبد الله، ذكره في مسائله، ومراده بالضعيف غير ما اصطلح عليه المتأخرون من قسم الصحيح والحسن، بل عنده الحديث قسمان صحيح وضعيف، والضعيف ما انحط عن درجة الصحيح وإن كان حسناً.
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين "١/٢٥": ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب ... انتهى.
стр. 83
القاعدة السادسة: قول الصحابي الذي لم يخالفه صحابي آخر مقدم على القياس
قول الصحابي مقدم على القياس وذلك لأن الصحابي أدرى ممن أتى بعده بمسالك العلة وطرق القياس وكيفية النظر والاعتبار، يقول شيخ
стр. 84
الإسلام في رسالته في القياس "٥٠": وقد تأملت من هذا الباب ما شاء الله فرأيت الصحابة أفقه الأمة وأعلمها، وأعتبر هذا بمسائل الأيمان والنذور والعتق والطلاق وغير ذلك، ومسائل تعليق الطلاق بالشروط ونحو ذلك، وقد بينت فيما كتبته أن المنقول فيها عن الصحابة هو أصح الأقوال قضاء وقياساً، وعليه يدل الكتاب والسنة وعليه دور القياس الجلي، وكل قول سوى ذلك تناقض في القياس مخالف للنصوص، وكذلك في مسائل غير هذه، مثل مسألة ابن الملاعنة، ومسألة ميراث المرتد، وما شاء الله من المسائل لم أجد أجود الأقوال فيها إلا الأقوال المنقولة عن الصحابة وإلى ساعتي هذه ما علمت قولاً قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا وكان القياس معه. انتهى.
стр. 85
القاعدة السابعة: الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً
فال ابن القيم في إعلام الموقعين "٤/٩٠": الحكم يدور مع علته وسببه وجوداً وعدماً، ولهذا إذا علق الشارع حكماً بسبب أو علة زال ذلك الحكم بزوالهما كالخمر علق بها حكم التنجيس ووجوب الحد لوصف الإسكار، فإذا زال عنها وصارت خلا زال الحكم، وكذلك وصف الفسق علق عليه المنع من قبول الشهادة والرواية فإذا زال الوصف زال الحكم الذي علق عليه، والشريعة مبنية على هذه القاعدة فهكذا الحالف إذا حلف على أمر لا يفعله لسبب فزال السبب لم يحنث بفعله
стр. 86
لأن يمينه تعلقت به لذلك الوصف فإذا زال الوصف زال تعلق اليمين. انتهى.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى "١٨/٢٧٤": العلة إذا عدمت عدم الحكم المتعلق بها بعينه، لكن يجوز وجود مثل ذلك الحكم بعلة أخرى، فإذا وجد ذلك الحكم بدون علة أخرى علم أنها عديمة التأثير وبطلت، وأما إذا وجد نظير ذلك الحكم بعلة أخرى كان نوع ذلك الحكم معللاً بعلتين وهذا جائز، كما إذا قيل في المرأة المرتدة: كفرت بعد إسلامها فتقتل قياساً على الرجل، لقول النبي ﷺ : "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث: رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفساً فقتل بها". فإذا قيل له: لا تأثير لقولك: كفر بعد إسلامه فإن الرجل يقتل بمجرد الكفر، وحينئذ فالمرأة لا تقتل بمجرد الكفر، فيقول: هذه علة ثابتة بالنص وبقوله: "من بدَّل دينه فاقتلوه" وأما الرجل فما قتلته لمجرد كفره بل لكفره وجراءته، ولهذا لا أقتل من كان عاجزاً عن القتال كالشيخ الهرم ونحوه، وأما الكفر بعد الإسلام فعلة أخرى مبيحة للدم، ولهذا قُتل بالردة من كان عاجزاً عن القتال كالشيخ الكبير. انتهى.
стр. 87
القاعدة الثامنة: العلة لا تثبت إلا بدليل
علة الأحكام لا تثبت بالظن والتخمين وإنما تثبت بالدليل، قال الخطيب في الفقيه والمتفقه "١/٢١٠، ٢١٤": اعلم أن العلة الشرعية
стр. 88
إمارة على الحكم ودلالة عليه، ولا بد في رد الفرع إلى الأصل من علة تجمع بينهما، ويلزم أن يدل دليل على صحتها لأن العلة شرعية كما أن الحكم شرعي، فكما لا بد من الدلالة على الحكم فكذلك لابد من الدلالة على العلة، والذي يدل على صحة العلة شيئان: أصل واستنباط، فأما الأصل فهو قول الله وقول رسوله ﷺ وأفعاله وإجماع الأمة، فأما قول الله وقول رسوله فدلالتهما من وجهين: أحدهما من جهة النطق، والثاني من جهة الفحوى والمفهوم، فأما دلالتهما من جهة النطق فمن وجوه بعضها أجلى من بعض، فأجلاها ما صرح فيه بلفظ التعليل،.. عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة أنه أهدى لرسول الله ﷺ وهو بودان أو بالأبواء حماراً وحشياً فرده رسول الله ﷺ قال: فلما رأى رسول الله ﷺ ما بوجهه قال: "إنا لم نرده عليك إلا أننا حرم" فبين النبي ﷺ بهذا القول المعنى الذي لأجله رده، ليعلم أن اصطياد المحرم وما صيد له وأهدي إليه بمنزلة واحدة..، ويليها في البيان أن يعلق الحكم على عين موصوفة بصفة وقد يكون هذا بلفظ الشرط كقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فالظاهر أن حمل المرأة على وجوب النفقة، وقد يكون بغير لفظ الشرط كقول الله تعالى: ﴿والسَّارقُ والسَّارِقةُ فاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨] ظاهر أن السرقة على وجوب القطع، وأما دلالتها من جهة الفحوى والمفهوم فمن وجوه بعضها أجلى من بعض أيضا، فأوضحها ما دل عليه بالتنبيه كقول
стр. 89
الله تعالى: ﴿فَلا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . لفظ الآية يدل بالتنبيه عند سماعه على أن الضرب أولى بالمنع من التأفيف..، ويلي ما ذكرناه في البيان أن يذكر صفة فيفهم من ذكرها المعنى الذي تتضمنه تلك الصفة من غير وجه التنبيه على غيرها،.. عن أبي بكرة عن النبي ﷺ قال: "لا ينبغي للقاضي يقضي بين اثنين وهو غضبان"..، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامداً فألقوها وما حولها". المفهوم بضرب من الفكر في هذين الحديثين أن النبي ﷺ إنما منع من الغضبان من القضاء لاشتغال قلبه في تلك الحال وأن حكم الجائع والعطشان مثله، وأنه إنما أمر بإلقاء ما حول الفأرة من السمن إن كان جامداً لينتفع بما سواه إذا لم تخالطه النجاسة، وأن الشبرج والزيت مثله في الحكم، وأما دلالة أفعال الرسول ﷺ فهو أن يفعل شيئا عند وقوع معنى من جهته أو من جهة غيره فيعلم أنه لم يفعل ذلك إلا لما ظهر من المعنى فيصير علة فيه، وهذا مثل ما روي أن رسول الله ﷺ سهى فسجد فيعلم أن السهو علة للسجود..، وأما الضرب الثاني من الدليل على صحة العلة فهو الاستنباط وذلك من وجهين أحدهما التأثير والثاني شهادة الأصول، فأما التأثير فهو أن يوجد الحكم لوجود معنى فيغلب على الظن أنه لأجله ثبت الحكم،.. وأما شهادة الأصول، فتختص بقياس الدلالة مثل أن يقول في أن القهقهة في الصلاة لا تنقض الوضوء، ما لا ينقض الطهر خارج الصلاة لا ينقضه داخل الصلاة كالكلام فيدل عليها بأن الأصول تشهد بالتسوية بين داخل الصلاة وخارجها في هذا المعنى. انتهى.
стр. 90
القاعدة التاسعة: لا يصح التعليل بمجرد الشبه في الصورة
قال السمعاني في قواطع الأدلة "١/١٦٦، ١٦٨": والصحيح أن مجرد الشبه في الصورة لا يجوز التعليل به، لأن التعليل ما كان له تأثير في الحكم بأن يفيد قوة الظن ليحكم بها، والشبه في الصورة لا تأثير له في الحكم، وليس هو مما يفيد قوة الظن حتى يوجب حكما، وقد استدل من قال إن قياس الشبه ليس بحجة بأن المشابهة في الأوصاف لا توجب المشابهة في الأحكام، فإن جميع المحرمات يشابه بعضها بعضا في الأوصاف، ويختلف في الأحكام، ولأن المشابهة فيما لا يتعلق بالحكم لا توجب المشابهة في الحكم..، إن الأصل في القياس هم الصحابة والمنقول عن الصحابة النظر إلى المصالح والعلل المعنوية فأما مجرد الشبه فلم ينقل عنهم بوجه ما. انتهى.
стр. 91
القاعدة العاشرة: لا قياس في العبادات
لا يشرع القياس في العبادات، لأن العبادات مبنية على نصوص الكتاب والسنة فلا يدخلها النظر والاعتبار، قال العلامة العدوي في كتابه أصول في البدع والسنن "٨٣": قول بعض المؤلفين يسُنُّ للمؤذن الصلاة والسلام على النبي ﷺ عقب الأذان قياساً على المستمع هو قول بعيد عن الأصول المقررة في المذاهب الأربعة لأن النبي ﷺ علم أبا محذورة وغيره من المؤذنين ألفاظ الأذان المعروفة، وعلَّم المستمعين أن يقولوا مثلما
стр. 92
يقول إذا سمعوه، ثم أمرهم بالصلاة عليه كما يفيده حديث مسلم: "إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثلما يقول: ثم صلوا علي" فتراه فرَّق بين المؤذن والمستمع، فبين لكل ما يطلب منه، فتعليمه الصلاة للمستمعين وسكوته عن تعليمها للمؤذن مع أنه بعث للتعليم دليل على أن المطلوب من المؤذن ترك ما عدا ألفاظ الأذان، فسنته في مثل الصلاة عقب الأذان سنة تركية وقد علمناها، فلا يعمل بالقياس فيها، لأن القياس يُصار إليه عند علم السنة كما هي قاعدة الباب. انتهى.
وقال ابن كثير في تفسيره "٤/٤٠١": وباب القربات يقتصر فيه على النصوص، ولا يتصرف فيه بأنواع الأقيسة والآراء. انتهى.
стр. 93
افعال الرسول ﷺ
القاعدة الأولى: الخصوصية لا تثبت إلا بديل
...
أفعال الرسول ﷺ
القاعدة الأولى: الخصوصية لا تثبت إلا بدليل
الأصل في أفعال النبي ﷺ أنها تشريع لجميع الأمة، وليست خاصة به، حتى يقوم الدليل الدال على أنها خاصة به، لا بمجرد الاحتمال، لقوله تعالى: ﴿لقَدْ كاَنَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ١٦] .
قال ابن القيم في زاد المعاد "٣٠٧": الأصل مشاركة أمته له في الأحكام إلا ما خصه الدليل.
وقال ابن حزم في الإحكام "١/٤٦٩": لا يحل لأحد أن يقول في شيء فعله ﵇ إنه خصوص له إلا بنص. انتهى.
стр. 94
القاعدة الثانية: لا يشرع المداومة على ما لم يداوم عليه النبي ﷺ من العبادات
الأصل في العبادات المنع، فما لم يداوم عليه النبي ﷺ من العبادات لا يشرع المداومة عليه، كعدم مداومته على فعل النوافل جماعة، وإنما فعل ذلك أحيانا كما في حديث أنس بن مالك أن جدته مليكة دعت النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 95
لطعام صنعته له، فأكل منه ثم قال: "قوموا فلأصل لكم" قال أنس: فقام رسول الله ﷺ وصففت واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا، فصلى رسول الله ﷺ ركعتين ثم انصرف.
أخرجه البخاري "٣٨٠" ومسلم "٦٥٨".
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مختصر الفتاوى المصرية "٨١": والإجماع على أن صلاة النفل أحياناً مما تستحب فيه الجماعة إذا لم يتخذ راتبة وكذا إذا كان لمصلحة مثل أن لا يحسن أن يصلي وحده، فالجماعة أفضل إذا لم تتخذ راتبة، وفعلها في البيت أفضل إلا لمصلحة راجحة. انتهى.
стр. 96
القاعدة الثالثة: إقرار النبي ﷺ حجة
ما فعل بحضرة النبي ﷺ وأقره يعتبر حجة، لأن النبي ﷺ لا يؤخر البيان عن وقته، قال البخاري في صحيحه "٧٣٥٥": باب من رأى ترك النكير من النبي ﷺ حجة لا من غير الرسول.. ثم أخرج بإسناده إلى محمد بن المنكدر قال: رأيت جابر بن عبد الله يحلف بالله أن ابن الصياد الرجال قلت: تحلف بالله؟ قال: إني سمعت عمر يحلف على ذلك عند النبي ﷺ فلم ينكره النبي ﷺ .
فهذا الحديث يدل على أن الصحابة كانوا يفهمون بأن إقرار النبي ﷺ لشيء صنع أمامه يعتبر حجة.
стр. 97
القاعدة الرابعة: ما وقع في زمن النبي ﷺ يعتبر حجة وإن لم يكن اطلع النبي ﷺ عليه
عن جابر بن عبد الله قال: كنا نعزل على عهد رسول الله ﷺ والقرآن ينزل. أخرجه البخاري "٥٢٠٩".
قال الحافظ في الفتح "٩/٢١٦": أراد بنزول القرآن أعم من المتعبد بتلاوته أو غيره مما يُوحى إلى النبي ﷺ ، فكأنه يقول: فعلناه في زمن التشريع ولو كان حراماً لم نقر عليه، وإلى ذلك يشير قول ابن عمر: كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا هيبة أن ينزل فينا شيء على عهد النبي ﷺ ، فلما مات النبي ﷺ تكلمنا وانبسطنا. أخرجه البخاري. انتهى.
стр. 98
القاعدة الخامسة: الفعل المجرد لا يدل على الوجوب
الأصل في أفعال النبي ﷺ أنها ليست على الوجوب، إلا إذا كانت بيانا لواجب من الواجبات، فتصير تلك الصفة للفعل الوارد واجبة لأنها جاءت مبينة لكيفية الواجب، قال ابن حزم في الإحكام "١/٤٥٨": ليس شيء من أفعاله ﵇ واجباً وإنما ندبنا إلى أن نتأسى به ﵇ فيها فقط، وألا نتركها على معنى الرغبة عنها، ولكن كما نترك سائر ما ندبنا إليه مما إن فعلناه أجرنا، وإن تركناه لم نأثم ولم نؤجر، إلا ما كان من أفعاله بيانا لأمر أو تنفيذاً لحكم فهي حينئذ فرض، لأن الأمر
стр. 99
قد تقدمها فهي تفسير الأمر، وهذا القول الصحيح الذي لا يجوز غيره.. ثم قال "ص: ٤٦٥": وإنما حضنا الله تعالى في أفعاله ﵇ على الاستنان به بقوله تعالى: ﴿لقَدْ كانَ لكُمْ فيِ رَسُولِ اللهِ أسْوَةٌ حَسَنةٌ﴾ [الأحزاب: ١٦] وما كان لنا فهو إباحة فقط، لأن لفظ الإيجاب إنما هو "علينا" لا "لنا" نقول: عليك أن تصلي الخمس وتصوم رمضان، ولك أن تصوم عاشوراء، هذا الذي لا يفهم سواه في اللغة التي بها خاطبنا الله تعالى بما ألزمنا من شرائعه.. ثم قال "ص: ٤٦٧": فأما ما كان من أفعاله ﵇ تنفيذاً لأمر فهو واجب فمن ذلك قوله ﵇: "صلوا كما رأيتموني أصلي" و "خذوا عني مناسككم". انتهى.
стр. 100
القاعدة السادسة: ما أصله مباح وتركه النبي ﷺ لا يدل تركه له على أنه واجب علينا تركه
الشيء الذي أصله مباح وتركه النبي ﷺ لا يدل على أن ذلك الشيء يجب علينا تركه لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من قبلكم بكثرة اختلافهم على أنبيائهم ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم". أخرجه البخاري "٧٢٨٨" ومسلم "١٣٣٧".
قال علي ابن حزم: فهذا خبر منقول نقل التواتر عن أبي هريرة،
стр. 101
فلم يوجب رسول الله ﷺ على أحد إلا ما استطاع مما أمر به، واجتناب ما نهى عنه فقط، ولا يجوز البتة في اللغة العربية أن يقال أمرتكم بما فعلت وأسقط ﵇ ما عدا ذلك في أمره، بتركه ما تركهم حاشى ما أمر به أو نهى عنه فقط.
وقال أبو شامة في المحقق "٩٧": وظاهر حديث أبي هريرة أنه لا واجب عليكم إلا من جهة الأمر والنهي، وأنه ما لم آمركم وأنهاكم فأنتم خارجون من عهدة الوجوب والحظر، "فذروني ما تركتكم". انتهى.
فإن قيل: إن الصحابة تركوا أكل الضب لما ترك النبي ﷺ أكله حتَّى بيَّن لهم أنه يعافه، فدل هذا على وجوب ترك ما تركه النبي ﷺ لأنهم تركوا ما تركه النبي ﷺ .
فالجواب: أن ذلك كان وقت تشريع، فظن الصحابة أن تركه ﷺ لأكل الضب هو من باب التشريع حتى بين لهم أن تركه لأكل الضب ليس من باب التشريع فأكلوه.
стр. 102
القاعدة السابعة: الأصل أن ما همَّ به النبي ﷺ ولم يفعله فإنه لا يكون حجة
قال الشوكاني في إرشاد الفحول "٦٥": ما همَّ به النبي ﷺ ولم يفعله كما وري عنه بأنه هم بمصالحة الأحزاب بثلث ثمار المدينة..،
стр. 103
والحق أنه ليس من أقسام السنة لأنه مجرد خطور شيء على البال من دون تنجيز له وليس ذلك مما آتانا الرسول ولا مما أمر الله سبحانه بالتأسي به فيه وقد يكون إخباره ﷺ بما هم به للزجر كما صح عنه أنه قال: "لقد هممت أن أخالف إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم". انتهى.
قلت: وإنما ينظر إلى الفعل الذي همَّ به النبي ﷺ على القرائن المحتف بذلك الفعل ثُمَّ يُحكم عليه بسبب تلك القرائن بالحكم المناسب له.
стр. 104
القاعدة الثامنة: الفعل الجبليِّ المحض الذي ورد عن النبي ﷺ لا يتقرب المكلَّف بفعله إلى الله
قال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى "١/٢٨٠": وكذلك ابن عمر كان يتحرى أن يسير مواضع سير النبي ﷺ وينزل مواضع منزله، ويتوضأ في السفر حيث رآه يتوضأ، ويصب فضل مائه على شجرة صب عليها، ونحو ذلك مما استحبه طائفة من العلماء ورأوه مستحباً، ولم يستحب ذلك جمهور العلماء، كما لم يستحبه ولم يفعله أكابر الصحابة كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود ومعاذ بن جبل وغيرهم، لم يفعلوا مثل ما فعل ابن عمر، ولو رأوه مستحباً لفعلوه كما كانوا يتحرون متابعته والاقتداء به، وذلك لأن المتابعة أن يفعل مثل ما فعل على الوجه الذي فعل، فإذا فعل فعلاً على وجه العبادة
стр. 105
شرع لنا أن نفعله على وجه العبادة، وإذا قصد تخصيص مكان أو زمان بالعبادة خصصناه بذلك، كما كان يقصد أن يطوف حول الكعبة، وأن يستلم الحجر الأسود، وأن يصلي خلف المقام، وكان يتحرى الصلاة عند اسطوانة مسجد المدينة، وقصد الصعود على الصفا والمروة والدعاء والذكر هناك، وكذلك عرفة والمزدلفة وغيرها، وما فعله بحكم الاتفاق ولم يقصده مثل أن ينزل بمكان ويصلي فيه لكونه نزله لا قصداً لتخصيصه بالصلاة والنزول فيه فإذا قصدنا تخصيص ذلك المكان بالصلاة أو النزول لم نكن متبعين بل هذا من البدع التي كان ينهى عنها عمر بن الخطاب كما ثبت بالإسناد الصحيح من حديث شعبة عن سليمان التميمي عن المعرور بن سويد قال: كان عمر بن الخطاب في سفر فصلى الغداة، ثم أتى على مكان فجعل الناس يأتونه ويقولون: صلى فيه النبي ﷺ ، فقال عمر: إنما هلك أهل الكتاب أنهم اتبعوا أبنياءهم فاتخذوها كنائس وبيعاً، فمن عرضت له الصلاة فليصل، وإلا فليمض..، وهذا هو الأصل فإن المتابعة، في السنة أبلغ من المتابعة في صورة العمل. انتهى.
وللعلامة أحمد العدوي في كتابه أصول في البدع والسنن "٥٦": كلام طويل في هذه المسألة أنقله بتمامه لأهميته قال: محض الفعل لا يدل على أن الفعل قربة، بل يدل على أنه ليس بمحرم فقط وأما كونه قربة على الخصوص فذلك شيء آخر، فإن الصحابة رضوان الله عليهم وهم أعلم الناس بالدين وأحرص الناس على اتباع الرسول في كل ما يقرب إلى الله تعالى كانوا يشاهدون من النبي ﷺ أفعالاً، ولما لم يظهر لهم فيها قصد
стр. 106
القربة لم يتخذوها ديناً يتعبدون به ويدعون الناس إليه ولذلك أمثلة كثيرة.
١ - أن النبي ﷺ حينما كان مهاجراً إلى المدينة أخذ طريق الساحل، لأنه أبعد عن العدو، ولو كان مجرد الفعل يدل على القربة لاقتضى أن كل مسافر من مكة إلى المدينة يستن له أن يسلك طريق الساحل وإن كان بعيداً، ولم يقل بذلك أحد من الصحابة، فدلَّ ذلك على أنه ليس بسنة من سنن الدين.
٢ - أن النبي ﷺ اختفى هو وصاحبه في الغار عن أعدائه المشركين ومكث به أياماً يعبد الله حتى تمكن من السفر، ولو كان محض الفعل يفيد الندب لذهبت الصحابة إلى ذلك الغار لتعبد الله تعالى فيه كما كان النبي ﷺ ، وحيث لم ينقل لنا أن أحداً من الصحابة كان يذهب إلى الغار ليتعبد فيه علم أن العبادة في خصوص الغار ليست مقصودة وأن الفعل بمجرده لا يفيد القربة.
٣ - روي عن أنس ﵁ قال: كان لِنَعْليْ رسول الله ﷺ قبالان. رواه الخمسة إلا مسلماً، فهذا الصنف هو حذاء رسول الله ﷺ ، فهل يكون لبس هذا الصنف سنة من سنن الدين، ومن لم يلبسه يكون تاركاً لسنة ويعاتب عليها؟ أم هذا لا يقوله أحد، ولو كان الفعل المجرد يدل على الندب لكان لبس هذا النوع من الأحذية سنة تبقى ببقاء الأيام.
٤ - ثبت في الصحيح: أن النبي ﷺ في يوم بدر جاء إلى أدنى ماء من بدر فنزل عنده، فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل،
стр. 107
أمنزلاً أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة" فقال: يا رسول الله ليس هذا بمنزل، فانهض بالناس نأتي أدنى ماء من القوم فننزله، ثم نُغوِّر ما وراءه إلخ ما قال، فقال له النبي ﷺ : "لقد أشرت بالرأي" وعمل برأيه، وهذا يدل على أن محض الفعل لا يفيد أنه قربة. ووجه الدلالة أن الصحابة لا يرون أن كل فعل للنبي ﷺ عن وحي من الله تعالى، بل منه ما هو مستند إلى وحي كالفعل الذي يظهر فيه قصد القربة، ومنه ما هو مبني على رأي واجتهاد، ولذلك سأل الحباب بن المنذر بجمع من الصحابة عن المنزل الذي نزل النبي ﷺ هل النزول فيه عن وحي حتى يذعنوا له، أو عن رأي واجتهاد حتى يشاركوه فيه، وأجاب النبي ﷺ بأنه عن رأي واجتهاد، وقد رأوا أن ينزلوا منزلاً آخر هو أنفع منه للحرب، وأقرب للنكاية بالعدو، ولو كان فعل الرسول لا يكون إلا عن وحي ما كان لذلك السؤال وجه، وما صحّ منه موافقتهم وترك الوحي.
٥ - إن النبي ﷺ كان يأكل من القوت التمر والشعير، ومن الفاكهة الرطب والبطيخ والقثاء، وكان يلبس وهو بالمدينة من نسيج اليمن، فهل إذا وُجِد الرجل ببلد آخر، ورأى قوتهم البر والذرة، وفاكهتهم الرمان والعنب، وملابسهم غير ملابس اليمنيين، أيندب له شرعاً أن يبحث عن قوت غير القوت، وفاكهة غير الفاكهة، وأن يطلب ملبساً من نسيج اليمن؟ وكيف يلتئم هذا، وقول الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ
стр. 108
الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .
فظهر مما سقناه من الأمثلة أن الفعل إذا لم يظهر فيه قصد القربة لا يدل على الندب كما لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على رفع الحرج، وهو ما اختاره الآمدي.
وأما قول الشوكاني: إن القول بإفادته الندب هو الحق، وتعلله ذلك بأن قوله ﷺ وإن لم يظهر فيه قصد القربة، فهو لا بد أن يكون قربة، فهو مجرد دعوى لم يقم عليها دليل، بل عمل الصحابة يدل على بطلانها، ولم يأخذ بفعل الرسول في كل شيء حتى في العاديات المحضة سوى عبد الله بن عمر، كان يتحرى المكان الذي كان النبي ﷺ يقضي فيه حاجته ليقضي هو فيه حاجته، ولم يوافقه جمهور الصحابة، بل كانوا يفرقون بين الفعل العادي وبين العبادة، وممن خالفه في ذلك أبوه عمر بن الخطاب، حتى لا يلتبس على الناس أمر العادات بالعبادات.
وأما قول الشوكاني: [لا يجوز القول بأنه يفيد الإباحة، فإن إباحة الشيء بمعنى استواء طرفيه موجودة قبل الشرع، فالقول به إهمال للفعل الصادر منه ﷺ فهو تفريط كما أن حمل الفعل المجرد على الوجوب إفراط] فيرده أن الأصوليين عدا المعتزلة اتفقوا على أن الإباحة حكم شرعي، فهي لم تثبت إلا بالشرع، فالقول بأن الفعل يدل على الإباحة ليس إهمالاً لفعل النبي ﷺ ، ولو سلم أنها موجودة قبل الشرع، فالفعل جاء مقرراً له فكيف يكون مهملاً؟ وماذا يقول الشوكاني في أدلة
стр. 109
الكتاب والسنة المفيدة للإباحة كقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [المرسلات: ٢٠] وماذا يقول في قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٤٢] وقوله: ﴿ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيبَاتِ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أيقول إنها مهملة لأن الإباحة موجودة قبل الشرع أو يقول إنها جاءت مقررة؟ وجوابه على الأدلة القولية هو جوابنا على الأدلة الفعلية. انتهى.
стр. 110
القاعدة التاسعة: ما استحب النبي ﷺ فعله من الأمور العادية فيستحب فعله لمحبة النبي ﷺ له
يستحب للإنسان أن يستحب ما استحبه النبي ﷺ من الأمور العادية الجبلية كاستحبابه الدباء واستحبابه الشراب الحلو البارد لما في ذلك من كمال الاتباع فعن أنس بن مالك قال: إن خياطاً دعا النبي ﷺ لطعام صنعه، قال أنس فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطعام، فقرّب إلى رسول الله ﷺ خبزاً من شعير ومرقاً فيه دباء وقديد، قال: فرأيت النبي ﷺ يتتبع الدباء من حوالي القصعة ويعجبه، قال: فلم أزل أحب الدباء من يومئذ، فما صنع لي طعام بعد أقدر على أن يصنع فيه دباء إلا صنع.
أخرجه البخاري "٢٠٩٢" ومسلم "٢٠٤١" وبوب عليه النووي: باب جواز أكل المرق واستحباب أكل اليقطين.
قلت: فانظر إلى هذا السيد استحب ما استحبه النبي ﷺ أفلا يُؤجر على محبة ما يحبه النبي ﷺ ؟!.
следующие страницы →