← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 12086

النفحة المسكية فى الرحلة المكية

السويدي

Полный текст (353 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

عبد الله بن حسين السويدي البغدادي عبد الله بن حسين السويدي البغدادي، ولد في بغداد سنة ١١٠٤ هـ / ١٦٩٢ م. حيث تلقوا -وعبد الله بينهم- مبادئ العلوم الدينية على يد الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ محمود من أهل ما وراء النهر، فختموا عنده القرآن الكريم، وتلقوا عليه رسالة في التجويد، وتعلموا الكتابة. وبعد الفراغ من تلقي مبادئ المعرفة، انتقلوا- وعبد الله بينهم- إلى المرحلة التالية، فشرعوا بتعلم الخط، على قواعده، وأصوله وفنونه، وثابر عبد الله على إتقان ضروبه، والتمهر فيه، على الرغم من ضيق وأحوال أسرته المادية آنذاك. فما فيها من شيخ وعالم إلّا والتقى به وأخذ عنه، فضلا عن أن ثمة علوما لم يجد بين البغداديين في أيامه، من تخصص بها أصلا، وهكذا فقد استجمع أمره على الرحلة إلى الموصل لمواصلة دراسته على علمائها، كان عمره إذ ذاك قد تجاوز الثالثة والعشرين. وفي سنة ١١٢٧ هـ / ١٧١٦ م سافر عبد الله إلى مدينة الموصل بهدف «تحصيل علم الحكمة والهيئة» ، ولكنه، ما إن وصلها، والتقى بشيوخها، حتى أخذ بإكمال سائر ما درسه من علوم أخرى وهو في بغداد، مثل النحو وعلوم العربية، والعلوم الشرعية والعقلية، كما درس الهيئة (الفلك) وتلقى الحديث الشريف على المشايخ، وقراءة القرآن وتجويده. عودته إلى بغداد بين عامي ١١٢٨ و ١١٢٩ هـ / ١٧١٨- ١٧١٧ م. استقراره الاجتماعي عاد عبد الله إلى بغداد وقد حصل من العلم ما لم ينله غيره من معاصريه، فطار صيته، واشتهر أمره، ونال في هذه المرحلة من حياته لقبه الشهير (السويدي) إذ تولى التدريس في مدرسة جامع الإمام أبي حنيفة النعمان، فكان ثاني من درّس فيها بعد إعادة افتتاحها في منتصف القرن الثاني عشر الهجري (١٨ م) ، كما تولى التدريس أيضا في المدرسة المرجانية التي سبق أن تلقى العلم فيها أيام الطلب وغادر بغداد في رحلة طويلة- بحسب مراحل طرق ذلك العصر- إلى مكة المكرمة زار خلالها العديد من المدن والقرى، والتقى في أثناء ذلك بالكثير من العلماء والأدباء والمشايخ، وهي التي جمع أخبارها في كتابه الذي عنونه (النفحة المسكية في الرحلة المكية) . طارت شهرة السويدي وانتشر صيته بما حققه من مجد علمي، وما صنفه من مؤلفات تلقفتها أيدي الطلبة، وما رنّت بصوته المنابر وحلقات الدرس، فضلا عما حصل عليه من إجازات العلماء خارج العراق واقترن باسمه من توفيق في المهمة التي كلفه بها والي بغداد سنة ١١٥٦ هـ / ١٧٤٣ م، فقصده الطلاب من كل حدب وصوب، آخذين عنه العلم، وبعد عمر ناهز السبعين سنة قمرية، توفي الشيخ عبد الله السويدي في ضحوة يوم السبت الحادي عشر من شوال سنة ١١٧٤ هـ. آثاره وضع السويدي عددا من الكتب والرسائل في المجالات العلمية منها: شرح صحيح البخاري، أنفع الوسائل في شرح الدلائل، رسائل تتناول عدداً من المسائل العقائدية والفقهية، رسائل أخرى في الردود، رشف الضرب في شرح لامية العرب، إتحاف الحبيب على شرح مغني اللبيب، مقامة الأمثال السائرة، الجمانات في الاستعارات، فضال أهل بدر، النفحة المسكية في الرحلة المكية وغيرها.

стр. 2

المؤلف وكتابه الفصل الأول سيرته أسرته: منذ عهود غابرة لا يعلم مبتدأها، نشأت على كهف ذي صخور وحجارة في ضفة دجلة اليسرى، قرية صغيرة عرفت بالدور، وسرعان ما زهت هذه القرية وازدهرت بمن سكنها من قبائل العرب، حتى عرفت بدور عربايي، أو دور العرب، تمييزا لها عن قرى أخرى كانت تحمل اسم الدور أيضا. «١» وشهدت البلدة ذروة عزها في الحقبة التي انتقلت فيها الخلافة العباسية إلى سرّ من رأى، حيث لم تبعد هذه الحاضرة الفخمة عنها غير ثلاثين كيلومترا أو أقل، وبنمو سرّ من رأى واتساعها الهائل، أضحت (الدور) معدودة ضمن ضواحيها، وكثيرا ما ورد اسمها، في أخبار القرن الثالث الهجري (٩ م) بوصفها جزءا من معالم الحاضرة نفسها «٢» وعرفت يومذاك ب (دور سرّ من رأى) . ونبغ فيها، في القرون التالية، عدد من أهل العلم والحديث، الذين لقوا من أهلها العناية والرعاية، واسترعى وجود هذه الحركة العلمية فيها اهتمام بعض أمراء الدولة، فأنشأ أحدهم مدرسة علمية فخمة ومسجدا عند ضريح الإمام محمد الدوري، الذي يظن أنه محمد بن موسى بن جعفر «وكان شيخا ظريفا يتعاهد الصوفية وأصحاب الحديث» وتوفي بعد سنة ٣٠٠ بقليل. «٣» وما تزال بقايا هذه المدرسة العلمية موجودة حتى اليوم، تذكّر الناس بما كان

стр. 3

للبلدة من شأن علمي خطير في تلك العهود. «١» ولم تعدم البلدة، حتى في عهود التأخر التي رانت على البلاد، تميزها برعاية الحركة العلمية، فوردت إشارات مهمة إلى وجود «جوامع قديمة» و «معاهد علمية» «٢» فيها، حتى عرفها بعضهم «بقرية العلماء» . «٣» إلّا أن ظروفا متنوعة قاسية أدّت إلى أن تفقد البلدة رونقها وعزّها، فأخذ بعض أسرها بالنزوح عنها إلى بغداد. ويذكر عبد الرحمن حلمي، وهو مؤرخ بغدادي دوري الأصل، إن من تلك الظروف «تحول النهر عنها، وبقاء أراضيهم لا يصعدها الماء غير صالحة للزرع والحراثة» . كما يذكر أنّ ما دعا أهلها إلى هجرها «ما لحقها أيضا من مظالم الحكام» فضلا عن غارات العشائر عليها وعلى ما يليها، إلى حد أنه «لم تبق حرفة لمحترف» «٤» ، ولا يحدّد هذا المؤرخ، الذي وضع تاريخه في أواخر القرن الثالث عشر الهجري (١٩ م) زمن حدوث تلك الهجرة، ومن الراجح عندنا أنها بدأت بالحدوث منذ أوائل القرن التاسع الهجري (١٥ م) واستمرت حتى القرن الثاني عشر (١٨ م) . ويفهم مما ذكره الرحّالة الفرنسي تافرنييه الذي مرّ بالبلدة في منتصف القرن السابع عشر الميلادي، أنها لم تكن في أيامه إلا «مزارا» يؤمه الناس لزيارة ضريح دفينها الإمام محمد الدوري من أجل الدعاء والنذور» . «٥»

стр. 4

وفي بغداد اختار الدوريون النازحون إليها الإقامة في أقصى جانبها الغربي، بين علاوي الحلة وسوق العجمي «١» مؤلفين هناك محلة صغيرة نسبت إليهم «٢» وتدريجيا، أمست هذه المحلة موئلا لكلّ أسرة دورية آثرت أن تقيم في بغداد على مدى القرون الثلاثة الأخيرة. وكانت من الأسر العريقة في بلدة الدور، أسرة نبيلة تنتمي إلى السلالة العباسية، ولذا فقد اشتهرت بآل الخليفة «٣» ثم عرفت بآل مدلل، نسبة إلى جد لها يدعى محمد بن الحسين، ويعرف بالمدلل، وهو لقب يدل على ما كانت عليه الأسرة في أيامه من عزّ وتقدير. وعلى الرغم من عدم معرفتنا بتاريخ الأسرة في هذه الحقبة إلا أنّنا نرجح أن يكون محمد المدلّل هذا قد عاش في أواخر القرن الثامن الهجري (١٤ م) ، ولا نعلم ما إذا كان هو أول من أقام في (الدور) أم أن أسرته كانت موجودة فيها منذ عهد سابق وأن تلقب الأسرة كلها- فيما بعد- بلقبه (المدلّل) وربما رجح الرأي الأول، والله أعلم. وعلى أية حال، فقد أنجب محمد ولدا سماه أحمد أو حمد. وأنجب الأخير ولدا دعاه علي، على اسم أبي جده، وكان لعلي ولد سماه حسينا، على اسم أبي جده أيضا، ويظهر أنه عاش في النصف الأول من القرن العاشر الهجري (٦ م) ، وولد لحسين ولد دعاه بناصر الدين، «٤» ولأمر ما، ربما اتصل بما ذكرناه من تدني الأحوال المعيشية والزمنية في (الدور) ، غادر ناصر الدين هذا موطن آبائه وأجداده في أواخر القرن المذكور، ميمما شطر مدينة

стр. 5

السلام بغداد. وكان أول ما فعله فيها، أن وثّق لدى نقيب أشرافها نسب أسرته، فكان على النحو الآتي: ناصر الدين بن الحسين بن علي بن حمد بن محمد المدلل بن الحسين بن علي بن عبد الله ابن الحسين بن علي أبي بكر بن الفضل بن أحمد بن محمد بن عبد الله بن أحمد بن اسحاق ابن جعفر بن أحمد بن الموفق طلحة بن جعفر بن محمد بن الرشيد بن محمد بن عبد الله المنصور بن محمد بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي القرشي. «١» وقد صادق النقيب والقاضي والمفتي وسائر العلماء على صحة هذا النسب ووضعوا تواقيعهم عليه، وبذلك أيضا وضعوا بداية مرحلة جديدة لتاريخ هذه الأسرة. أقام ناصر الدين هذا في الكرخ ببغداد، مما دل على وجود محلة الدوريين في هذا الجانب منذ ذلك الحين على الأقل، وولد له فيها ولد ذكر سماه مرعي، فولد لهذا بدوره حسين، وقد عرف الأخير ب (الملا) مما دل على أنه كان يعمل بمهنة تعليمية دينية، ويظهر أنه حاز، وراثة أو اكتسابا، ثروة لا بأس بها، لكنه أنفقها كلها على مستلزمات مركزه الاجتماعي بوصفه رئيس عشيرته ومقدمها. يقول عبد الله السويدي «أما أبي حسين فكان من الأخيار الأجواد، ذا عقل رصين وشجاعة وبراعة، كبير قومه وعشيرته، يرجع أمرهم إليه.. وكان ذا مال غزير صرفه كله على الفقراء والضيوف والضعاف حتى افتقر آخر عمره، فكان يبيع من متاع البيت ويصرفه على الفقراء والضعاف حتى مات مدينا» . «٢»

стр. 6

وتزوج حسين من امرأة من أسرة علمية أيضا، كانت تتولى المشيخة والخدمة في جامع الشيخ معروف الكرخي، القريب من محلة الدوريين، وقد اشتهر منهم الملّا أحمد بن سويد أخو زوجته المذكورة، الذي كان يتولى أوقاف جامع الشيخ معروف الكرخي. طفولته وصباه: وفي إحدى ليالي سنة ١١٠٤ هـ/ ١٦٩٢ م، ولد للملّا حسين طفل ذكر سموه مرتضى، وكانت تسميته هذه بسبب وفاة وليد سابق عليه، وما لبث شبح الموت أن داهم مرتضى أيضا، فمرض وهو ما زال رضيعا بعد، واشتد مرضه حتى بات «عظاما في جراب» ، «١» وصادف أن رأته إحدى نساء الجيران وهو على تلك الحال، فشبهته ببعض من تعرفه من مجاوريهم، وكان نحيفا في غاية النحافة، يدعى (عبد الله) فلم يكن إلا أن ذاع هذا التشبيه، ولأمر اختاره الله، عرف الطفل بهذا الاسم، ونسي اسمه السابق مرتضى، وسرعان ما اقتنعت الأسرة بمزايا الاسم الجديد «وذلك لأن الله تعالى خاطب نبيه ﷺ في أشرف المقامات بالعبد فقال في مقام الوحي، فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ... . «٢» ولم يلبث الطفل أن رزيء- وهو ما يزال في الخامسة من عمره- بوفاة أبيه، تاركا وراءه أطفاله الصغار، عبد الله ومرعي وموسى، وحليمة، وديونا لم يكن قد وفّاها لأصحابها، فاضطرت الأم إلى أن تعيل أسرتها وحدها، متحملة من المشاق أشدها، وكانت تنفق عليهم من بيع ما تقوم بغزله من قطن، ولم يكن ما تحصل عليه بكاف لسد حاجات الصغار الذي باتوا- على ما يذكر السويدي- «لحما على وضم، لا حال ولا مال» . وشاء سوء حظ الأسرة، أن يكون الخال أحمد بن سويد الصوفي، غائبا آنذاك في رحلة له إلى

стр. 7

القسطنطنية، فقضت- من ثم- أياما عصيبة- وربما شهورا- حتى عاد الخال من رحلته، ليجد أولاد أخته وهم «على آخر رمق» «١» فكفلهم وربّاهم وتعهدهم برعايته. ولأنه كان مثقفا بحسب ثقافة ذلك العصر، ويعمل في إدارة أحد المرافق الدينية المهمة في المدينة، ويكسب رزقه من أوقافه، فإنّه أدرك ألا سبيل لأن يفوز من يرعاهم بتقدير المجتمع، وأن يضمنوا- بذلك- مستقبلهم، إلا بالاتجاه إلى طلب العلم، ومن هنا فقد أرسلهم إلى الكتّاب، حيث تلقوا- وعبد الله بينهم- مبادئ العلوم الدينية على يد الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ محمود من أهل ما وراء النهر، فختموا عنده القرآن الكريم، وتلقوا عليه رسالة في التجويد، وتعلموا الكتابة. ويتضح لنا مدى الأثر الذي تركه هذا الشيخ على الطفل عبد الله، مما أغدقه عليه من صفات، وما استنزله عليه من رحمات، إذ قال «شيخنا الصالح الناسك الورع التقي العالم.. ﵀ رحمة واسعة في الدين والدنيا» . وبعد الفراغ من تلقي مبادئ المعرفة، انتقلوا- وعبد الله بينهم- إلى المرحلة التالية، فشرعوا بتعلم الخط، على قواعده، وأصوله وفنونه، وثابر عبد الله على إتقان ضروبه، والتمهر فيه، على الرغم من ضيق وأحوال أسرته المادية آنذاك، يقول «إلى أن بقيت أسوّد مشقي على ضوء القمر» وما ذاك إلا لأنه عدم ضوء المصباح، ولعدم قدرته على دفع ثمن وقوده، ويظهر أن الظروف المعيشية للأسرة، هي التي دفعتها، في هذه المرحلة، إلى الاكتفاء بما نهله أبناؤها من أسباب المعرفة، فاشتغلوا بأعمال تزيد من دخل الأسرة وتخفف عن كاهل الأم وأخيها مؤونة الحياة وأعباءها. متاعب الدرس: بيد أن رغبة عبد الله في مواضلة التعليم لم تكن اعتيادية، فقد ذاق حلاوة المعرفة،

стр. 8

وأعجب بما تضفيه على رجالها من هيبة وسكينة، وتاقت نفسه إلى الاستزادة من علومهم، ولكن رغبته هذه لم تكن تلقى آذانا صاغية من أمه، التي كانت ترجو أن يتولى- بوصفه أكبر أبنائها- دوره في إعالة الأسرة. ويظهر أن أكثر من مشادة قد حدثت بين الابن الطموح والأم المحدودة الأفق حول جدوى العلم والتعلم، وقد سجل هو لنا بعض ما كان يدور بينهما فقال «وكانت والدتي- رحمها الله تعالى- بلهاء، وكان نساء المحلة يضحكن عليها، يقلن لها: ايش ينفعك العلم وأنت امرأة أرملة وابنك الكبير لا يساعدك في شيء فكانت رحمها الله تقول: يا ولدي نحن فقراء وأنتم أيتام، هب أن عمّك يطعمك فمن يكسوك؟ وأنا لا أصغي لها حتى ألّحت عليّ في ذلك وقطعت كسوتها عني، كل هذا نشأ عن بلهها، وإغواء نساء الجيران إياها، وإلا فهي في حد ذاتها مباركة رحمة الله عليها» . «١» وهكذا تحولت أيام الطلب إلى أيام معاناة وألم وصبر، بحيث لم يجد ما يشتري به شمعا أو شيرجا لمطالعة دروسه، فكان يطالعها على ضوء القمر، أو على سرج السوق، وبقي- كما يقول- مدة مديدة ما أكل فيها لحما، وكان يلبس الثوب فلا يخلعه حتى يتمزق لعدم حصوله على الصابون، ويطول شعر رأسه فلا يجد ما يحلقه به، يقول ملخّصا تلك المدة العصيبة من حياته «والحاصل أني وجدت أيام الطلب من المشاق والجوع والسهر والعري والإفلاس ما لا طاقة به لولا إسعاف الله ولطفه، وكنت مع هذه المشاق أجد للطلب لذة عظيمة» . ووجد عبد الله في خاله ما يعوضه عن موقف أمه غير المتفهم، فقد شجعه هذا على المضي في سبيل العلم، ومواصلة الأخذ عن الشيوخ، فبعد أن أنهى دراسته في كتّاب الشيخ عبد الرحمن، وأتقن الخط، أرسله خاله إلى عالم الكرخ يومذاك «الشيخ العالم النحرير والجهبذ الشهير، تذكرة السلف، وعمدة الخلف، زين الملة والدين، الشيخ حسين نوح الحديثي الحنفي «٢» » وكان هذا العالم يتولى التدريس في المدرسة العمرية التي أنشأها له

стр. 9

خصيصا والي بغداد عمر باشا ١٠٩٠ هـ/ ١٦٧٩ م، وتقع على كتف دجلة في الجانب الغربي شرقي جامع القمرية ملاصقة له، «١» فانتظم الشاب عبد الله في سلك طلبة المدرسة، وربما استعان ببعض مخصصاتها على مواصلة التفرغ للعلم، وساعده ذلك التفرغ، مع ما أوتي من مواهب، على النبوغ في دراسته والتفوق على الأقران، وامتثالا لتعليمات شيخه، فقد حفظ الأجر ومية متنا مع إعراب أمثلتها وأتقنها غاية الإتقان، وبات موضع اعتزاز شيخه وثنائه، وشجّعه ما حصل عليه من تقدير على الانتقال إلى شيوخ آخرين، يأخذ عنهم ويستفيد منهم، فتنقل بين مدارس بغداد الشهيرة يومذاك، ويبدو أنه ترك، في هذه المرحلة من حياته، الإقامة في بيت أمه نهائيا، وأمسى يبيت في المدرسة المرجانية في الجانب الشرقي من بغداد، وهي أكبر مدارس بغداد وأكثرها أهمية، ثم ما لبث أن انتقل للإقامة والدرس في المدرسة الأحسائية على شاطىء دجلة في الجانب الشرقي أيضا، وكانت هذه المدرسة تحتوي على غرف بعضها مطل على النهر، وبعضها في الجهة الشمالية، وهي تعد مجمع الزّهاد والمتقشفين. «٢» تاقت نفس عبد الله الكبيرة إلى الاستزادة من علوم عصره، ومواصلة رحلة الدرس والبحث، ويبدو أنه أدرك أن لا مزيد هناك إن هو أقام في بغداد وحدها، فما فيها من شيخ

стр. 10

وعالم إلّا والتقى به وأخذ عنه، فضلا عن أن ثمة علوما لم يجد بين البغداديين في أيامه، من تخصص بها أصلا، وهكذا فقد استجمع أمره على الرحلة إلى الموصل لمواصلة دراسته على علمائها، كان عمره إذ ذاك قد تجاوز الثالثة والعشرين. وفي سنة ١١٢٧ هـ/ ١٧١٦ م سافر عبد الله إلى مدينة الموصل بهدف «تحصيل علم الحكمة والهيئة» ، ولكنه، ما إن وصلها، والتقى بشيوخها، حتى أخذ بإكمال سائر ما درسه من علوم أخرى وهو في بغداد، مثل النحو وعلوم العربية، والعلوم الشرعية والعقلية، كما درس الهيئة (الفلك) وتلقى الحديث الشريف على المشايخ، وقراءة القرآن وتجويده. ولم تكن أحوال الشيخ في الموصل بأفضل مما كانت عليه في بغداد، فقد داهمه الجوع والبرد، وألفه الفقر، ولم يكن له في الموصل من معين، والظاهر لنا أنه كان يتقوت من مخصصات بعض المدارس هناك، وربما أقام فيها، يقول واصفا تلك المرحلة من حياته «والحاصل أني نلت في طلب العلم نهاية التعب وغاية النصب مع عدم المساعدة والمعين والناصر والظهير حتى حصلت على أكثر الفنون من سائر العلوم» «١» وقد استغرقت إقامته في الموصل ثلاثة عشر شهرا، فتكون عودته إلى بغداد بين عامي ١١٢٨ و ١١٢٩ هـ/ ١٧١٧- ١٧١٨ م. استقراره الاجتماعي: عاد عبد الله إلى بغداد وقد حصل من العلم ما لم ينله غيره من معاصريه، فطار صيته، واشتهر أمره، ونال في هذه المرحلة من حياته لقبه الشهير (السويدي) الذي سيعرف به، وأولاده من بعده، أجيالا عديدة. وسبب تلقبه به، هو أن زميلا له في الدرس، يدعى الشيخ حسين بن عمر الراوي سافر ذات مرة إلى (راوة) بقصد زيارة أهله، فأخذ يراسل عبد الله من هناك على العنوان الآتي «يصل الكتاب إلى الملا عبد الله ابن أخت الملا أحمد بن سويد» ، ثم اختصر ذلك، في ما بعد، إلى (السويدي) فعرف به. وكانت أسرته تعرف قبلها بأولاد

стр. 11

مرعي نسبة إلى جده، كما عرف هو- في أثناء إقامته في الموصل- بالبغدادي، على أن هذه الألقاب لم تشتهر شهرته بالسويدي. ويبدو أن شيئا من التحسن أصاب أحواله المادية، فقد استطاع أن يتزوج من امرأة صالحة، تدعى فاطمة، شجعته على المضي في طلب العلم. ومنّ الله عليه منها بأولاد نابهين، ولد أولهم عبد الرحمن سنة ١١٣٤ هـ/ ١٧٢١ م، وولد ثانيهم محمد سعيد سنة ١١٤١ هـ/ ١٧٢٨ م، وولد ثالثهم إبراهيم سنة ١١٤٦ هـ/ ١٧٣٣ م، وولد رابعهم أحمد في سنة ١١٥٣ هـ/ ١٧٤٠ م وبابنتين هما سارة، ولدت سنة ١١٥٠ هـ/ ١٧٣٧ م، وصفية، وقد ولدت سنة ١١٥٥ هـ/ ١٧٤٢ م. وانتقل عبد الله من مسكنه القديم في محلة الدوريين، إلى دار أخرى- يظهر أنها كانت أحسن حالا من سابقتها- في محلة خضر إلياس من محال الكرخ القديمة من بغداد، وكانت الدار قريبة من دجلة، مطلّة عليه، ومشرفة على الفضاء الواسع الذي يحيط بالكرخ آنذاك، والذي كان محط القبائل العربية النازلة للاكتيال، وكان هذا الحي يمتاز- على نحو واضح- بصبغته العربية الخاصة، حيث كان موطنا للأسر العربية الكبيرة النازحة إلى المدينة من البادية، أو من أطرافها، مثل آل الشاوي زعماء قبيلة العبيد القحطانية وكانت دورهم مجاورة تقريبا لدار أسرته، والآلوسيين الحسينيين الذين كانوا قد نزحوا من بلدتهم آلوس على الفرات منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر، «١» والعشاريين القحطانيين القادمين من نواحي الفرات الأعلى قبل ذلك، «٢» وغير هؤلاء. وكانت إقامة تلك الأسر النازحة في حي واحد، وتعرضها إلى ظروف متشابهة، يساعد على خلق روح جماعية

стр. 12

مترابطة، «١» وهي روح أثرت إلى حد عميق في شخصية السويدي، وابنه المؤرخ الأديب عبد الرحمن، إلى الحد الذي رشح الأول إلى تمثيل أهل بغداد في مؤتمر النجف سنة ١١٥٦ هـ/ ١٧٤٣ م ودفع الثاني إلى تزعم أهل حيّه في عدد من المناسبات والظروف، وخاصة ما اتصل منها بفتنة عجم محمد سنة ١١٩٠ هـ/ ١٧٧٦. «٢» دوره في الحياة العامة: وتزامن ذيوع شهرة عبد الله السويدي في بغداد، مع تولي أحمد باشا بن حسن باشا (١١٣٦- ١١٦٠ هـ/ ١٧٢٣- ١٧٤٧ م) الحكم. وسرعان ما اتصل نجمه بنجم أحمد باشا الصاعد، وكان الأخير يرغب في تقريب العلماء والأدباء إليه، رغبة منه في خلق مجتمع بغدادي مثقف، يسانده في مشاريعه وخططه، كما رأى فيه هؤلاء نموذجا جديدا لحاكم عراقي طموح لم تشهد البلاد مثله منذ أمد بعيد، فنشأت بين الباشا والشيخ صداقة وثيقة، كان من آثارها عدد من القصائد الطوال التي مدح بها الأخير واليه، وأرّخ فيها الأحداث العامة المهمة التي جرت في عهده «٣» وجاء اندلاع الحرب العثمانية- الإيرانية سنة ١١٣٥ هـ/ ١٧٣٢ م لتؤجج مشاعر العراقيين وتذكيها، فقد اندفعت قوات عراقية كبيرة، بقيادة والي بغداد حسن باشا، إلى داخل إيران مفتتحة كرمنشاه ومدنا إيرانية أخرى، منهية بذلك عهدا كاملا مليئا بأنواع الاعتداءات الإيرانية على أرض العراق، وكان تولي أحمد

стр. 13

باشا، ولده، قيادة القوات المحاربة سنة ١١٣٦ هـ/ ١٧٢٣ م ونجاحه في فتح همذان عاصمة الصفويين آنذاك، مدعاة لفخر العراقيين الذين أسهموا، بصيغ مختلفة، في تحقيق هذا النصر الباهر. وقد أبدى السويدي إعجابه بقابليات الوالي الشاب القيادية وتابع أخباره باهتمام شديد، وكانت له آراؤه فيما جرى يومذاك من أحداث، وقد نقل ابنه عبد الرحمن عنه آراء سديدة في تفسير ما تعرّض له الجيش العثماني من نكسات. «١» وحينما حاصر نادر شاه بغداد صيف سنة ١١٤٥ هـ/ ١٧٣٢ م لم يتخل السويدي وأسرته، عن دوره في الدفاع عنها، فقد كانت خطة المهاجمين تعتمد على إحداث حركة تطويق على الجانب الغربي من بغداد، وهو أمر أدى إلى قيام أهل هذا الجانب بتحصين جانبهم على عجل. ولما كانت دار السويدي تطل على الفضاء القريب، خارج السور، فقد خرج هو ورجال عشيرته لصد المهاجمين وإفشال تعرضهم على تلك الناحية، وشارك الجميع، بحماسة منقطعة النظير، في معركة دفاع باسلة، وصفها ابنه عبد الرحمن- فيما بعد- وكان شاهد عيان لها بقوله «كنت على علية في دارنا مشرفة على محل الوقعة، فانظر إلى الخيل تعثر في الرجال وإلى السيوف تخطف رؤوس الأبطال حتى صار العدو أضعافهم، وكثر فناؤهم فأبصرت خيل عسكرنا (يريد: العسكر العثماني النظامي) ولت على أدبارها، وجدّت في جريها لفرارها، وأبصرت رجالنا ثبتوا ثبات الرجال، وقارعت الأبطال منهم الأبطال، وقاتلوا قتال من لا يريد الحياة، وكثر الرهج من جميع الجهات» «٢» فكانت تلك الملحمة مبعث ذكريات وطنية مشتركة ظلت تتردد في أفواه الناس أجيالا متعاقبة. ومن ناحية أخرى فإن فشل نادر شاه في اقتحام المدينة الصامدة، واضطراره إلى الانسحاب منها، كان بشير تحسن في أحوال السويدي نفسه، وإيذانا بتبدل أوضاعه المعيشية والاجتماعية، فقد لفتت شهرة الشيخ العلمية، وكفاءته الشخصية، انتباه أحمد

стр. 14

باشا، صحيح أن السويدي سبق له أن اتصل به مهديا إياه بعض قصائده، إلا أن الأمر لم يزد يومذاك عما يدخل في نطاق صلات الأدباء بولاتهم، أما الآن، فإن نظرة الوالي إليه أخذت طابعا أكثر تقديرا وجدية. وما أن مضت مدة قصيرة، حتى أمر بتعيينه مفتيا في قصبتي النجف وكربلا، وهو منصب رفيع، ومهم، يومذاك، فغادر الشيخ وأسرته بغداد ليستقر- فيما ظهر- في قصبة كربلا، وليمضي هناك مدة ثلاثة شهور هانئة «مسرورين بقرب أولئك الأكابر، مغبوطين بأولي الشرف الظاهر» . «١» على أن الأيام لم تمض هانئة سعيدة، إذ سرعان ما تواردت الأنباء بتعرض إيراني جديد على العراق، واضطر السويدي إلى مغادرة كربلا، مع متوليها، على عجل، صحبة القوات الخاصة بمدينة الحلة، وسلك طريق شفاثة الصحراوي، ليصل، بعد حين، إلى الموصل التي كانت تتمتع بظرف أكثر أمنا، بعد أن استطاعت قواها العسكرية المحلية سنة ١١٤٥ هـ/ ١٧٣٢ م أن تلحق هزيمة منكرة بقوة إيرانية أرادت احتلالها. «٢» وبانتهاء الحركات العسكرية، وتقهقر الجيوش الإيرانية، عاد عبد الله السويدي إلى كربلاء ليتولى وظيفة فيها، ولكنه لم يلبث أن انتقل بأسرته إلى بغداد، ليستقر فيها بصفة نهائية. وشهدت المدة التالية من حياته نشاطا كبيرا في مجال العلم والتعليم، بل في توجيه الحركة الفكرية في بغداد يومذاك، فقد تقلّد أرفع المناصب العلمية، إذ تولى التدريس في مدرسة جامع الإمام أبي حنيفة النعمان، «٣» فكان ثاني من درّس فيها بعد إعادة افتتاحها في منتصف القرن الثاني عشر الهجري (١٨ م) ، «٤» كما تولى التدريس أيضا في المدرسة

стр. 15

المرجانية، «١» التي سبق أن تلقى العلم فيها أيام الطلب، وكان التدريس فيها معقودا «لأعلم أهل بغداد» . «٢» ثم أنه تولى سنة ١١٥٥ هـ/ ١٧٤٢ م التدريس في مدرسة جامع الشيخ عبد القادر الكيلاني، بعد تجديدها، في المدة نفسها «٣» «فانتفعت به الطلبة علما وعملا» . «٤» وجاء عدوان نادر شاه الجديد على العراق سنة ١١٥٦ هـ/ ١٧٤٣ م ليلقي على كاهل السويدي، وقد بلغ الخمسين من العمر، مسئولية كبرى ومهمة صعبة، ففي ذلك العام قدم نادر شاه إلى العراق «بجحافل متواترة وجنود متوافرة عدد الرمل والحصى، وبث سراياه وعساكره في تلك الأراضي، فأبقى لحصار بغداد نحو سبعين ألفا «٥» . وفي ظل ظروف حصار قاس طويل، وتحركات معادية مستمرة، انتدب السويدي للسفر- في مهمة شاقة وخطيرة- إلى معسكر نادر شاه، ممثلا للجانب العثماني، في المؤتمر المعقود هناك تحت ذريعة التوفيق بين المذاهب الإسلامية. وقد سجّل لنا السويدي نفسه، يوميات ذلك المؤتمر وما جرى فيه من جدال وحوار، وما انتهى إليه هو من نجاح في المهمة التي انتدب من أجلها. «٦» ولا نشك في أن اختيار أحمد باشا للسويدي دون غيره من علماء بغداد المعاصرين كان دليلا على الشهرة العريضة التي حققها الأخير، والإجماع الذي انعقد عليه بوصفه أعلم أهل بغداد وأكثرهم كفاءة ومقدرة على رد الخصوم.

стр. 16

ويبدو أن شعورا غامرا من الرضا عمّ نفس السويدي- بعد فراغه من مهمته الخطيرة- ممتزجا بالحمد والامتنان لله الذي وفقه فيما فعل، فعزم على حج بيت الله الحرام. وما إن رفع الحصار عن بغداد في أواخر سنة ١١٥٦ هـ/ ١٧٤٣ م حتى كتب- وفق التقليد السائد- طلبا إلى والي بغداد يستأذن فيه للسفر «لأن العادة في بغداد إذا كان لأحد جهة تدريس أو خطابة أو إمامه لا بد له أن يستأذن من والي بغداد» وقد افتتح طلبه بقصيدة دالية وصف فيها شوقه إلى بيت الله الحرام وإلى «تلك الأماكن الشريفة، والبقاع السامية المنيفة» . «١» وبعد صدور الموافقة المرجوة، أوكل الشيخ عبد الله في تدريس مدرسة الشيخ عبد القادر الكيلاني ابنه الشاب النابه عبد الرحمن. وغادر بغداد في رحلة طويلة- بحسب مراحل طرق ذلك العصر- إلى مكة المكرمة زار خلالها العديد من المدن والقرى، والتقى في أثناء ذلك بالكثير من العلماء والأدباء والمشايخ، وهي التي جمع أخبارها في كتابه الذي عنونه (النفحة المسكية في الرحلة المكية) وهو الذي بين يدي القارئ الكريم. عاد السويدي إلى مدينته بغداد، ليقضي فيها ما تبقى له من العمر، دون أن يغادرها إلى أي بلد فيما نعلم. ولسنا نعلم طبيعة المناصب العلمية التي تولاها بعد استقراره نهائيا في بغداد، وأغلب الظن أنه انصرف، خلال هذه السنين، إلى التدريس وكتابة بعض الرسائل وربما نظم الشعر أيضا. شهرته العلمية: طارت شهرة السويدي وانتشر صيته بما حققه من مجد علمي، وما صنفه من مؤلفات تلقفتها أيدي الطلبة، وما رنّت بصوته المنابر وحلقات الدرس، فضلا عما حصل عليه من إجازات العلماء خارج العراق، واقترن باسمه من توفيق في المهمة التي كلفه بها والي بغداد سنة ١١٥٦ هـ/ ١٧٤٣ م، فقصده الطلاب من كل حدب وصوب، آخذين عنه العلم،

стр. 17

مستجيزين منه الإجازة، على وفق تقاليد ذلك العصر وأعرافه، ولم يكن مجلسه يخلو من أمثال أولئك الطالبين في كل حين. وفي هذا يقول واصفا منزلته الاجتماعية «وصرت- والحمد لله- بحيث يشار إلىّ بالبنان، ويوقّرني العامة والأعيان، وترفع محلي الولاة، وتتمنى رؤيتي القضاة، مسموع الكلمة، نافذ الأمر ... وكل هذا، أيها الواقف على هذه الرحلة- من بركات العلم» . «١» نال السويدي تقدير معاصريه، فوصفه الأديب عصام الدين عثمان بن علي العمري الموصلي (ت ١١٨٤ هـ/ ١٧٧٠ م) بأنه «ممن يجلّه الدهر، ويعظّمه العصر، ويقدمه الفخر.. صاحب الأمثال السائرة، والبديهة الغريبة النادرة، وهو النبيه النبيل، الذي ما للوصول إلى كماله سبيل. رجل العراق، وواحد الأدب على الإطلاق، شمس سماء ذلك البلد، الذي لا يدانيه في فضله أحد ... فهو من حسنات الزمان، وثمار الأمن والأمان.. الخ» «٢» وتساءل الأديب محمد بن مصطفى الغلامي (ت ١١٨٦ هـ/ ١٧٧٢ م) : «ماذا أقول في حقه وقد طارت أجنحة الأخبار بفضله في البلاد كما ملأت الدروب؟» «٣» ووصفه المؤرخ محمد خليل المرادي الدمشقي (ت ١٢٠٦ هـ/ ١٧٩١ م) بأنه «الشيخ الإمام العالم العلامة، الحبر المدقق الأديب الشاعر المفنن» . «٤» ومنهم من قصد بغداد خصيصا للأخذ عنه، والاستفادة من علمه، ذكر الشيخ عبد الرحمن بن عبد الكريم الأنصاري المدني (ت ١١٩٥ هـ/ ١٧٨١ م) في مقامة أدبية أنشأها على غرار مقامة الأمثال السائرة للسويدي، «٥» أنه طرق سمعه- وهو في بلده- من يشدو

стр. 18

«قصائد رائقة، ومدائح فائقة، دلائل الإعجاز تلوح من تراكيبها، ومخايل الإيجاز تضوع من أساليبها، أسرار البلاغة في تلخيص مبانيها، ومفتاح الفصاحة في إيضاح معانيها ... » فاعتقد أن صاحبها «من الفضلاء المتقدمين» . ولما حدثه بعض الثقات «ممن جاب البلاد» أن بغداد «مشحونة بالجهابذة النحارير، والفضلاء المشاهير» استنكر هذا القول، لأنه سبق أن أقام بها، وكان العلم فيها «اسما بلا مسمى» فقيل له إنّه «نبغ فيها جناب العالم النحرير، عديم المثيل والنظير، إن ذكر العلماء فله القدح المعلّى، أو عد الفضلاء كان التاج المحلّى، عضد الملة المحمدية، وناصر الشريعة الأحمدية، آراؤه صائبة، وأفكاره ثاقبة» يعني بذلك عبد الله السويدي، وقال إنه فرح حين تحقق صحة رواية من أخبره، وانطلق «قاصدا بذلك كعبة الآمال، يقطع الروابي والوهاد، والأغوار والأنجاد» حتى وصل مدينة السلام، ليأخذ على عالمها وليدرس على يديه، فإذا به «فوق ما يصفه الواصفون بكثير» . وبعد عمر ناهز السبعين سنة قمرية، توفي الشيخ الجليل عبد الله السويدي في ضحوة يوم السبت الحادي عشر من شوال سنة ١١٧٤ هـ (١٧ مايس- مايو ١٧٦٠ م) ، فدفن بإجلال يليق بحياته الثرة، وعطائه الجم، ومنزلته الرفيعة، في جوار مسجد الشيخ الزاهد، العارف بالله، معروف الكرخي، في مقبرته الكائنة بالجانب الغربي من بغداد. وقد ترك وراءه أربعة من كرام البنين، أحسن تربيتهم وتعليمهم، فضلا عما أورثهم من ذكاء فطري ونباهة، فبرز جميعهم في مجالات العلم والمعرفة، ولم تكن شهرة بعضهم بأقل من شهرة أبيهم، فعبد الرحمن، أبو الخير (المتوفّى سنة ١٢٠٠ هـ/ ١٧٨٦ م) كان مؤرخا فذا وفقيها وأديبا وشاعرا بارزا، بلغت مؤلفاته نحو اثنين وعشرين كتابا ورسالة، «١» ومحمد سعيد، أبو السعود (المتوفّى سنة ١٢٢٣ هـ/ ١٨٠٨ م) كان فقيها شاعرا أديبا، له مؤلفات ومحاورات شعرية، ونال إحدى إجازاته من العالم اللغوي البارع، الشيخ محمد مرتضى بن محمد

стр. 19

الحسيني الواسطي الزبيدي مؤلف معجم (تاج العروس في شرح جواهر القاموس) ، «١» وإبراهيم، أبو الفتوح (المتوفّى في الهند، ولم يعرف تاريخ وفاته) . وكان محدثا أديبا له تصانيف، وأحمد أبو المحامد (المتوفّى سنة ١٢١٠ هـ/ ١٧٩٥ م) وهو الشاعر المؤلف في الأدب والتصوف وغير هما، «٢» فكلهم كان مشهودا له بالفضل والأدب، معروفا بسعة العلم، وإليهم انتهت إجازات العديد من علماء العراق التالين، وعلى أيديهم تتلمذ كثير من الطلبة والدارسين، ووصفت أسرته بأنها «واحدة من تلك الأسر العربية الفاضلة التي حفظت لنا تقاليد العلوم الإسلامية القديمة في هذه العصور المظلمة بالنسبة للأدب العربي ومهّدت الطريق لنهضة ذلك الأدب في القرن التاسع عشر» . «٣»

стр. 20

الفصل الثاني دوره في الحياة الفكرية شيوخه وإجازاته العلمية: أخذ السويدي العلم عن عدد كبير من العلماء والشيوخ من الذين التقى بهم في بغداد والموصل ومدن بلاد الشام والحرمين الشريفين، ونال منهم إجازات عديدة بمروياتهم ومعارفهم، كما أجاز- هو- عددا كبيرا آخر من تلامذته. فأعاد بذلك الحياة إلى كثير من العلوم والمعارف التي كادت أن تندرس في العراق نتيجة ما توالى عليه من كوارث ومحن. ووصل تلامذته في العراق بأهم أسانيد الرواية المتسلسلة لدى العلماء الآخرين من المعاصرين في خارجه، بعد أن كانت هذه الأسانيد تنقطع عند بلوغها حدا معينا من الرواة فلا تتجاوزه لقلة العلماء في العراق في القرون التي سبقت القرن الحادي عشر للهجرة (١٧ م) وتبعثر جهودهم العلمية. ومن ناحية أخرى، فإنه أسهم- إسهاما جادا- في تجديد الحياة الثقافية في العراق وفي توجيهها عن طريق إثارة اهتمام طلبته- وهم كثر- بالمصنفات المهمة، التي وضعها علماء الأمة في عصور خلت، ثم عزّت نسخها، أو فقدت في عصور الفوضى التالية. ولا نشك في أن لرحلته الطويلة وإقامته، خلالها، في مدن عربية عديدة، وأخذه من علمائها، وروايته عنهم الكتب والرسائل، أثرا كبيرا في نقله مصنفات مهمة، ما كانت لتعرف في بغداد لولا جهوده تلك، ولا أدل على ذلك من أنه كان أول بغدادي في عصره أحيا علمين كانا قد أوشكا على الاندثار بين علماء مدينته، وهما الحكمة، ويعني بها الكيمياء غالبا، والهيئة، أي الفلك. وقد درسهما في الموصل على بعض من تبقى هناك من

стр. 21

علمائها. وفي هذا يقول العزاوي بأنه «من أفاضل علماء بغداد، ومن أكبر الموجهين للحركة الثقافية» . «١» وتكشف قائمة شيوخه وأساتيذه ومن أخذ عنهم، عن سعة معارفه وتنوع مآخذه، وغزارة ما نقله عن شيوخ زمانه إلى تلامذته من علوم وقد نوّه بأسماء العديد من هؤلاء الشيوخ والأساتيذ في ثنايا هذه الرحلة التي نقوم بتحقيقها، كما أشار إلى عنوانات الكتب والرسائل التي قرأها عليهم وأسانيد هم، فلم تبق ضرورة لإدراج هذه المعلومات في هذه الدراسة. مؤلفاته: وضع السويدي عددا من الكتب والرسائل في المجالات العلمية التي عني بها، وتشمل علم القراءات والتفسير والحديث واللغة والنحو والأدب والشعر وغيرها. ولقد أشار مترجموه إلى «إن له مؤلفات عديدة» «٢» ولكن أحدا منهم لم يحط بكل عنواناتها، لأننا وقفنا على آثار له لم تشر إليها مصادر ترجمته، وبالمقابل، فإن تلك المصادر نوهت بمؤلفات له فقدت، ولم نعلم ما آل إليه مصيرها، على أهمية موضوعاتها. وفيما يأتي بيان بآثاره العلمية: أولا- في علوم القرآن: ١- تعليقات على شرح المقدمة الجزرية في علم تجويد القرآن الكريم للشيخ محمد بن محمد الجزري المتوفّى سنة ٨٣٣ هـ. أولها «قوله افتتح فيه براعة استهلال كما لا يخفى، قوله أجزل أي كثّر وعظّم» . علق فيها على الشرح المذكور تعليقات نافعة أبانت عن علمه بدقائق هذا الفن، وهو

стр. 22

متوسط في التفصيل، ناقش فيه المؤلف وردّه أحيانا، وانتقد (أرباب التصريف) في بعض أقوالهم، وربما ردّهم أيضا. وتتسم التعليقات- بوجه عام- بالتركيز، والوضوح، والبعد عن الإطناب. منها نسخة خطية ضمن مجموع في مكتبة الأوقاف المركزية ببغداد برقم (٢٢٨١١) كتبها محمد أمين بن عبد الرحمن بن محمد محسن الدوري [السهروردي] سنة ١٢٧٥ هـ/ ١٨٥٨ م. «١» ثانيا: في الحديث الشريف: ٢- شرح صحيح البخاري، نوّه به محمود شكري الآلوسي ووصفه بأنه «شرح جليل» . «٢» ثالثا: في علم الكلام (العقائد) : ٣- شروح أو حواش في علم الكلام، أشار إليها الآلوسي. رابعا: في الأذكار والأخلاق الدينية: ٤- أنفع الوسائل في شرح الدلائل. شرح فيه كتاب «دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار «للشيخ محمد بن سليمان الجزولي المتوفّى سنة ٨٥٤ هـ/ ١٤٥٠ م. أوله «الحمد لله الذي جعل الصلاة على نبيه رحمة للعالمين» نوّه به المرادي «٣» والبغدادي، «٤» ووقفنا على نقول منه في مجموعة خطية في مكتبة الأوقاف المركزية ببغداد برقم ٣٧٩٧ وموضوعها التشبيه الوارد في الصلاة عليه- ﵊ الوارد في التشهد» .

стр. 23

خامسا: في الردود: ٦- رسائل تتناول عددا من المسائل العقائدية والفقهية، استند فيها على الكتب المردودة وناقشها، وقد رتبها على مباحث، أفرد كلا منها لموضوع محدد. وفي مكتبة الأوقاف المركزية ببغداد نسخة منها، ضمن مجموع رقمه (١٣٧٨٥) ، وقد سقط شيء من أولها، وبدأ الموجود بقوله «ومن هفواتهم العظيمة، وزلاتهم الجسيمة قولهم» . ٧- رسالة أخرى في الردود، ناقش فيها أحد المؤلفين، على طريقة (قال) و (أقول) ، واعتمد، في ذلك، على مصادر عديدة، وفي مكتبة الأوقاف المركزية ببغداد نسخة منها، في المجموع المذكور آنفا، وهي ناقصة من أولها، وليس عليها اسم المؤلف، سوى تعليقات على الهامش تشير إلى أن الرسالة من تأليفه، ويظهر أن الناسخ قد اختصر بعض مباحثه، بينما أبقى البعض الآخر بحروفه. سادسا: في اللغة: ٨- رشف الضرب «١» في شرح لامية العرب، شرح فيه القصيدة اللامية للشنفرى شرحا دقيقا ذكيا، تناول فيه ما تتضمنه القصيدة من غريب اللفظ، وأعرب أبياتها، وبين المفنن. أوله «الحمد لله الذي فتق بالفصاحة ألسنة العرب» . وقد أوضح المؤلف، في خطبة كتابه، منهجه في الشرح، وطريقته في التأليف، فقال «لما كانت اللامية الموسومة بلامية العرب للشنفرى ثابت بن جابر الأزدي من غرر القصائد.. وكانت مبانيها مرتجة الأبواب، ومعانيها لا يهتدى فيها إلى الصواب، محتاجة إلى شرح يرفع عن وجوه مخدراتها نقابها، ويكشف عن خرائدها جلبابها. التمس مني من تضلع في اللغة العربية وتدرب.. أن أضع عليها شرحا يبين الغامض المشكل، ويوضّح الخافي المعضل، فأجبته إلى طلبه، مبادرا في إنجاز بغيته، فشرحتها شرحا، الاختصار إهابه، والاقتصار

стр. 24

جلبابه، مجردا عن الإطناب والتطويل والإسهاب، وجعلته مشتملا على ثلاث تراجم، الأولى في تفسير اللغة الخفية، والثانية في إعرابه على أصح الأعاريب النحوية، والثالثة في حل معناه وكشف مغزاه، وذيلت هذه التراجم في الغالب، برابعة رائعة المطالب. ونفعها غير قليل، ولذا وسمتها بالتكميل، أتكلم فيها على دفع انتقاد، وتوضيح مراد، وفك مبنى، وسبك معنى، وغير ذلك من المطالب المفيدة، والمقاصد السديدة، فصارت كالشرح الثاني لما أعاني» . ووصف المرحوم عباس العزاوي هذا الكتاب بأنه «يعد من الشروح المعتبرة» وإنه من الكتب المهمة في شرح اللغة وغريبها، ومراجعة بعض ألفاظها، وهو على اختصاره مفيد» . «١» منه نسخة في كتب العزاوي أشار إليها، وذكر أنها بخط المؤلف، مع أنه ورد في آخرها «تم على يد الملّا علي بن عبد الله في آخر شهر المحرم ليلة الأربعاء عام ١١٦٤ للهجرة» فهي قد كتبت في حياة المؤلف لا بقلمه. ونسخة أخرى ذكر العزاوي أنها في مكتبة المرحوم ناجي القشطيني مقابلة من المؤلف على أصل مسوّدته، وذكر أيضا أن منه نسخة ثالثة في مكتبة المتحف العراقي، وليس في فهارس المكتبة المنشورة إشارة إليها» . «٢» وفي مكتبة الأوقاف المركزية ببغداد نسخة أخرى، بخط جيد، لكن ليس عليها اسم ناسخها، وهي برقم (٨٥) وتقع في ٦٦ ورقة. سابعا- في النحو: ٩- إتحاف الحبيب على شرح مغني اللبيب: وهو حاشية ناقش فيها «شراح مغني اللبيب عن كتب الأعاريب» تأليف جمال الدين عبد الله بن هشام الأنصاري المتوفّى سنة

стр. 25

٧٦١ هـ/ ١٣٥٩ م، وهم: أ- بدر الدين الدماميني (توفاه الله سنة ٨٢٧ هـ/ ١٤٢٤ م) في كتابه «تحف الغريب بشرح مغني اللبيب» . ب- أحمد بن محمد الشمنّي (المتوفّى سنة ٨٧٢ هـ/ ١٤٦٧ م) في كتابه «المنصف من الكلام على مغني ابن هشام» . ج- أحمد بن محمد المعروف بابن الملّا (المتوفّى سنة ١٠٠٢ هـ/ ١٥٩٤ م) في كتابه «منتهى أمل الأديب من الكلام على مغني اللبيب» . د- ابن هشام نفسه، في شرحه المتن. أوله «الحمد لله الذي أمر بالعدل والإنصاف ونهى عن الزيغ والانحراف» «١» ولم نقف على أثر لهذا الكتاب فيما راجعناه من خزائن المخطوطات وفهارسها، وكان الأستاذ عز الدين علم الدين سبقنا في البحث عن نسخة منه، وانتهى إلى القول بأنه «لا يعرف اليوم مستقر هذه الحاشية المخطوطة التي تصبو- ولا ريب- إليها قلوب النحاة لما تنطوي عليه المحاكمة من النقد والتمحيص» . «٢» ١٠- كتاب في إعراب آي الذكر الحكيم، لم يشر إليه مترجموه، لكن توجد منه فائدة منقولة، مذيلة باسمه، ضمن مجموعة فيها فوائد في إعراب القرآن وتفسيره، محفوظة في مكتبة الأوقاف المركزية ببغداد برقم (٣٧٩٧) . ١١- فوائد متنوعة وأجوبة لمسائل في إعراب أحاديث شريفة وأبيات مختلفة، سأله الإجابة عنها علماء معاصرون له، موجودة في المجموعة المذكورة آنفا.

стр. 26

ثامنا- في الأدب: ١٢- مقامة الأمثال السائرة المتضمنة للأحوال الموصلة للمقامات الآخرة. وهي مقامة في (٩٠) صفحة، ضمنّها مجموعة من الأمثال العربية، استخرج معظمها من الكتب الأدبية التي اطّلع عليها، وأورد فيها بعض الأمثال المتداولة على ألسنة معاصريه. أولها «الحمد لله الذي رفع منار الأدب، وأعلى مقاماته، ونصب موائد فضائل العرب لمن رام ذلك في أسفاره ومقاماته.. وبعد، فيقول العبد الفقير إلى ألطاف مولاه الغني عبد الله ابن حسين بن مرعي بن ناصر الدين العباسي الشافعي الشهير بالسويدي: هذه مقامة الأمثال الناصعة السائرة في غابر الأزمان والمولدة المشهورة الدائرة بين أبناء هذا العصر والأوان» . وقد جعل المقامة تدور على لسان شخصية ابتدعها، هي الحسن بن سهل، يروي فيها أخبار من يدعى السري العذري وضمنها شيئا من شعره. منها نسخة في المكتبة العباسية في البصرة، وأخرى في مكتبة الدكتور محمود الجليلي في الموصل، وثالثة في مجموعة عيسى صفاء الدين البندنيجي وبخطه، وقد أشار إليها العزاوي، بوصفها من كتب خزانته.» طبعت في مطبعة النيل بمصر، مصدّرة بترجمة المؤلف، ومذيلة بمقامة قصيرة للشيخ عبد الرحمن الأنصاري في مدح السويدي والثناء عليه. مقامة أدبية . ١٣- أنشأها على لسان من سماه (قيس الشجون) يروي فيها أخبار (أبي الوله الغرام) . أولها «حدثنا قيس الشجون، ونحن بثغر المجون، قال أنبأنا أبو الوله الغرام» . أدرجها في آخر كتابه (النفحة المسكية) وبيّن أسباب إنشائه إياها. ومنها نسخة مستقلة في مكتبة الأوقاف المركزية ببغداد برقم (٤/١٣٧٨٥) وتقع في خمس أوراق.

стр. 27

تاسعا- في البلاغة: ١٤- الجمانات في الاستعارات، نوّه به المرادي «١» وقال «ألّف متنا في الاستعارات جمع فيه فأوعى» . ١٥- شرح الجمانات في الاستعارات. قال المرادي «وشرحه شرحا حافلا» والواقع أنّه لم يشرح منه غير المقصد الأول، ثم كلف ابنه عبد الرحمن سنة ١١٦٨ هـ/ ١٧٥٤ م بإتمام ما بدأ به، فأتمه الأخير وسماه (التبيان بشرح الجمان) . «٢» عاشرا- في التاريخ: ١٥- فضائل أهل بدر رضوان الله عليهم. أوله «الحمد لله الذي أمدّ أهل بدر بجنود الفتح» . منه نسخة في مكتبة الأوقاف المركزية ببغداد، كتبت سنة ١١٦٢ هـ/ ١٧٤٨ م، تحت العدد (٣/٤٨٣٤) . «٣» وأخرى في مكتبة أوقاف الموصل، كتبها عبد الهادي رؤوف بعدد (١٩) . «٤» نشرها إسماعيل الجيلاني البغدادي وطبعت في مطبعة بولاق سنة ١٢٧٨ هـ/ ١٢٩٨ م وصححها عبد الباقي الآلوسي. «٥» حادي عشر- في الرحلات: ١٤- النفحة المسكية في الرحلة المكية. وهي هذا الكتاب.

стр. 28

ثاني عشر- في الشعر: ١٥- ديوان، نوّه به مترجموه، وكان يظن أنه من كتبه الضائعة ثم عثرنا على نسخة منه لدى بعض الفضلاء السويديين، أحفاد المؤلف. وفي خزانتنا نسخة مصورة منه. أوله «الحمد لله الذي نصب مآدب الأدب، وشرّف بالبلاغة من الصنف الإنساني صنف العرب، فخصهم بمزايا البيان، وفضلهم بفصاحة اللسان ... وبعد فيقول العبد الفقير إلى الله الغني عبد الله بن الحسين بن مرعي بن ناصر الدين الدوري الشافعي المعروف بالسويدي البغدادي: كنت في إبان عصر الشبية. وعنفوان الأوقات المستعذبة الرطيبة أتولع بالنظام، وآتي منه على حسب المرام ... وكان من شنشنتي المستمرة، وهجيراي المستقرة، أني لا أقيده بمجموع أو ديوان.. فذهب أدراج الرياح.. وذلك لاشتغالي بفنون العلم وأنواعها، وشغفي بالتقاط فرائد الفوائد واستجماعها، وهذا هو الأحرى والأولى، والأفخر الأنفس الأغلى لكن ناداني لسان الحال، وأفصح وقال: ما لا يدرك كله لا يترك كله، وإن الإتيان بالمستطاع أمر ترتاح له الطباع، فشرعت في التقاط ما تبدد، وقيد أوابد ما [ت] شرد، وهو بالنسبة إلى ما ضاع كقطرة في بحر..» . والنسخة بخط الشيخ أحمد أبي المحامد، وهو ابن الناظم، وقد أضاف إليها قصائد عدة لأبيه لم ترد في أصل الديوان. ثالث عشر- في موضوعات أخرى: ١٦- رسالة فكاهية، جمع فيها بين كتابين زعم أنهما من الجن ألقى الواحد تلو الآخر في دار السيدة صفية بنت حسن باشا وجوابه عنها، ومدار ذلك النيل من القاضي والمفتي، وتاريخ الكتابة سنة ١١٦٣ هـ/ ١٧٤٩ م، وتقع في ١١ صفحة. «١» شخصيته العلمية: لا تكمن أهمية ما قام به السويدي من شروح وحواش في أنه يسّر متونا تعليمية أساسية

стр. 29

لطلبته، أو للطلبة في عهده عامة، فأعمال كهذه لم تكن بعيدة عن أيدي الدارسين يومذاك، وإنما تكمن أهميتها في أنها احتوت، فيما احتوت، على روح نقدية جديدة لم نكن نلحظها لدى سابقيه، من مواطنيه في الأقل، وبشّرت بولادة اتجاه قوي له (موقف) مما في الكتب الموروثة التي اكتسبت قدسية خاصة لكثرة ما اعتمدها الشيوخ أولا، ثم مما كان يبرز في واقعهم نفسه من ظواهر اجتماعية مختلفة. ولنبدأ هنا بتوضيح المسألة الأولى، فعلى رغم أن السويدي قرّض شرح صحيح البخاري للشيخ إسماعيل العجلوني، وكان عالم دمشق ومحدثها، بناء على طلب مؤلفه، فإنه انتقده بقوة مستهدفا منهجه، إذ وصفه بأنه «مجرد نقول لا محاكمة فيه ولا تحرير معنى ولا ضبط مبنى، بل إنه ينقل عبارة بعض الشروح ثم يعقبها بعبارة شرح آخر، ويكون بين العبارتين مخالفة فما يرجّح أحد القولين على الآخر ولا يجمع بينهما، وتارة تكون العبارتان متفقتين فينقلهما فتؤول إلى التطويل من غير فائدة» وانتقد منهجه في تدريس الشرح بأنه يجري «من غير تقرير ولا تحرير ولا حل إشكال ولا فك تركيب» «١» فما انتقده هنا لم يكن كتابا بقدر ما كان منهجا بأكمله، ولم يكن العجلوني وحده الذي اختصّ بالتأليف وفق هذا المنهج، وإنما كان نهج العديد من المؤلفين قبله أيضا، فعبارة السويدي إذن كانت تحدد موقفا جديدا من مناهج معاصريه ومتقدميه من علماء القرون المتأخرة التي سبقته، وهم الذين عمدوا إلى شرح المتون والتحشية عليها دون أن يكون لهم (موقف) مما يكتبون. ولا شك في أن السويدي تلافى ما رآه نقصا منهجيا حين وضع شرحه على صحيح البخاري، ولكن من المؤسف أن هذا الشرح ضاع فيما ضاع من آثاره، وعلى أية حال فإن في وسعنا تتبع موقفه الفكري هذا في جميع أعماله المتبقية الأخرى، وها هو في شرحه للامية العرب للشنفرى يصرح بأنه تكلم فيها «على دفع انتقاد، وتوضيح مراد، وفك مبنى، وسبك معنى» وإن هذا العمل جاء مهما

стр. 30

في نظره لأنه صار «كالشرح الثاني» بعد أن قام بشرح مفردات القصيدة وإعرابها، وهو ما يقوم به الشارحون عادة. ونحن نلمح في هذا الشرح روحا نقدية عالية، أتى فيها بكلام السابقين، وعقد موازنات بين آرائهم، وانتقد بعضها، وأوضح أسباب ذلك، وأيد البعض الآخر، وبين بواعث تأييده لها، ولم يتردد في الرد على مشاهير العلماء إذا ما ظهر له بطلان ما يستندون إليه من أدلة، وضعف ما توصلوا إليه من نتائج. وهو في حاشيته على مغني اللبيب، لم يجعل النقد جزءا من منهجه، وإنما منهجه كله، فقد ناقش فيه، مرّة واحدة، أربعة من شارحيه السابقين، بضمنهم مؤلف المتن نفسه، فجعله- كما وصفه المرادي- «محاكمة بين شارحيه» وهذا اللفظ، أعني «المحاكمة» وهو ما نقد كتاب العجلوني عليه لخلوه منه كما رأينا قبل قليل، وهو ما دفعه أيضا إلى تأليف عدة رسائل في الردود، ناقش في بعضها كتبا محددة على طريقة (قال) و (أقول) وهي طريقة تمنح المؤلف قدرا واسعا من الحرية في مناقشة النصوص. إن هذه الروح الجديدة في تناول النص ومناقشة صاحبه مهما كانت منزلته، هي- في تقديرنا- أهم ما أورثه السويدي لتلامذته العديدين، وهو بهذا يمكن أن يكون رائدا لمدرسة نقدية حقيقية في وسع الباحث أن يتتبع مسارها إبان أواخر القرن الثاني عشر والقرن الثالث عشر للهجرة (١٨ و ١٩ للميلاد) . وهذا بدوره يجرنا للكلام عن المسألة الثانية وهي أثر الاتجاه الذي بشّر به، وبدأه السويدي من خلال كتبه وتلامذته، على الفكر الاجتماعي في ذلك العهد والعهد الذي تلا، فإن ما بدأه السويدي من صياغة (موقف حر) في نقد العلماء (والأدباء من ضمنهم) من خلال نصوصهم، جرّ إلى موقف مشابه من نقد المجتمع من خلال واقعه نفسه. ورغم أن كتابا للسويدي لم يصلنا بهذا المعنى، إلا أن لنا أن نلمح ذلك في ثنايا مقامة أدبية وضعها لينتقد بها شخصيتين اجتماعيتين بارزتين، هما القاضي والمفتي، وربما نجد شيئا أكثر أهمية في نقده الجاد للحياة العلمية والمستوى الفكري في عهده، من خلال هجومه على ما

стр. 31

وصلت إليه المدارس التقليدية من ترد فادح، ومن خلال تعريضه بفئات واسعة النفوذ من العلماء والمشايخ والصوفية ومتولي الأوقاف، بل إنه مضى في ذلك ليشمل في نقده فئات اجتماعية لا صلة لها بالعلم، كالانكشارية ومن يدور في فلكهم، كما أنه انتقد أيضا ما سماه (قانون الأتراك) ويعني به ما كان متّبعا، في عهده، من شراء للمناصب العلمية والتدريسية في المدارس ذات الأوقاف الكثيرة. إن هذا الموقف من المجتمع، والذي لمحنا بعض بداياته لدى السويدي، استمر، بوضوح أكثر، لدى تلامذته، وبخاصة لدى أبنائه من العلماء، من ذلك أن حفيدا له، هو علي بن محمد سعيد (المتوفّى سنة ١٢١٤ هـ/ ١٧٩٩ م) ألف، بعد نصف قرن من وفاة السويدي، كتابا مهما سماه «العقد الثمين في بيان مسائل الدين» حمل فيه بجرأة مشهودة على مظاهر وعادات وتقاليد اجتماعية سكت العلماء المعاصرون عن معالجتها، ودعا فيه صراحة إلى العودة إلى المنابع الأولى للدين، وهجر كثير مما كان سائدا، أو مألوفا، في عهده، من مزاولة للسحر بضروبه، وسكنى المقابر وتقديسها، والاغتسال بالآبار المباركة، وغير ذلك من أمور، كان التعرض إلى أيّ منها كافيا، لإثارة حفيظة فئات اجتماعية واسعة، وليس صعبا أن نلمح أوجه شبه عديدة، وأساسية، بين أفكار كهذه، وما تضمنته كتب السويدي الجد من طروحات وملاحظات. وعلى أية حال، فإن تيارا نقديا كهذا لم يكن ليتوقف، فقد وجد كتاب (العقد الثمين) انتشارا واسعا بين معاصريه، وجاء محمد أمين ابن مؤلفه علي السويدي ليبلور أفكاره، وينضج مواقفه، في شرحه له، الذي عنونه (التوضيح والتبيين لمسائل العقد الثمين) والذي عد نموذجا لفكر إصلاحي أخذت رياحه تعصف بكثير من التقاليد الموروثة في مجال الحياة الفكرية- الاجتماعية في القرن الثالث عشر الهجري (١٩ م) حتى وصف بأنه كتاب «تشد إليه الرواحل وتقطع دونه المنازل» . «١»

стр. 32

وفي وسع الباحث أن يتتبع هذا الفكر، وهو يقوى ويشتد، في مؤلفات علماء عراقيين آخرين، أمثال أبي الثناء محمود الآلوسي (المتوفّى سنة ١٢٧٠ هـ/ ١٨٥٤ م) ونعمان خير الدين الآلوسي (المتوفّى سنة ١٣١٧ هـ/ ١٨٩٩ م) ومحمود شكري الآلوسي (المتوفّى سنة ١٣٤٣ هـ/ ١٩٢٤ م) وفي مواقفهم الاجتماعية والسياسية أيضا. شعره: للسويدي شعر كثير ضاع معظمه كما صرح هو في مقدمة ديوانه، وقد أشاد مترجموه بجزالة هذا الشعر وجودته، فقال عثمان العمري الموصلي (توفي سن ١١٨٤ هـ/ ١٧٧٠ م) «له نظم أحلى من الضرب، ونثر يريك في اتساقه العجب، ولكن لم يحضرني منه إلّا القليل، وهو على كل حال على الكثير دليل» «١» وأورد له منه نماذج جيدة. وأشاد محمد الغلامي (توفي سنة ١١٨٦ هـ. ١٧٧٢ م) بشعره وأدبه، وساق نماذج أخرى منه. «٢» وقال الشيخ كاظم الدجيلي «قلّ من العلماء من يبرع في العلم والشعر فيكون عالما فاضلا وشاعرا ماهرا، وشيخنا المترجم قد حاز قصب السبق في كليهما، فقد بلغ في الأدب شأوا بعيدا ونال فيه منزلة ترفعه بين الأدباء، وله نظم يزري بالمنظوم.. وله في الغزل والنسيب شعر يدخل الأذن بغير إذن» . «٣» وفضلا عما احتجنه ديوانه من شعره الذي نظمه في مناسبات شتى، فقد أورد مترجموه نماذج عدة من شعره تدليلا على شاعريته، مثلما فعل العمري والغلامي، وشيء منه انتشر في مقاماته (الأمثال السائرة) وأثبت ابنه المؤرّخ عبد الرحمن في كتابه (حديقة الزوراء) قصائد مهمة له قالها في مناسبات وطنية وعامة مختلفة.

стр. 33

فمن شعره الذي ضمنه مقامته، وهو في الوعظ الرقيق، قوله: إلى م تطلب الجد ... وتبغي الحظ والجد وتعني الكبر والجد ... بذكر الأب والجد تجنب جانب الزهو ... وخل عنك ذا السهو إلام أنت في لهو ... ولا كسب ولا كد غدا تكون كالأمس ... إذا حللت في الرمس ولا جهر ولا همس ... ولا جزر ولا مد توقّ الخطب والهول ... وراع الصدق في القول إذا مت فلا عول ... ولا فرض ولا رد إلى كم أنت تعمل ... وكل الشر تفعل فعن ذا الفعل تسأل ... فما الجواب والرد تجنب قول من ذم ... وإن خص وإن عم ولا تصغ لمن نم ... ولو جاءك بالحمد إذا حل بك الموت ... أجبت داعي الفوت ولا حس ولا صوت ... وهذا آخر العهد غداة تظهر الحال ... ولا قيل ولا قال فأين العم والخال ... وأين الأب والولد أتعهد قول يا ليت ... ولا كيت ولا ذيت ولا دار ولا بيت ... سوى أن ضمك اللحد هناك تخشى الأهوال ... وليس تجدي الآمال ولا أهل ولا مال ... ولا عرض ولا نقد

стр. 34

وقوله شابا، وهو في الموصل، متغزلا: «١» جزم الحبيب بأن قلبي قد سلا ... ودّا تحكم في الحشاشة أولا لا والذي جعل الفؤاد أسيره ... ما حال قلبي عن هواك وبدلا أأحول يا سكني وحبك ساكن ... قلبا من الهجران ظل مبلبلا وأحيد عمدا عن هواك وأنثني ... عن سالف العهد القديم محولا فوحق صدق مودتي وتولهي ... لم يخطر السلوان في قلبي ولا أتظن أني في هواك معذب ... وأبين حبك للأنام تعللا ما كل ما جمع المحامد صالحا ... للحب أو أضحى لحب مولها فو حق طيب رضاك وهو اليتي ... إن لم تدع هجري هجرت الموصلا فاعطف على صب تصب دموعه ... حتى غدت من ودق سحب أهطلا وارحم فديتك مغرما عبثت به ... أيدي الصبابة فاستبيد مجدلا وانعم بوصل فالوصال زكاة من ... قد كان في فن المحاسن أجملا واسأل نجوم الليل عن سهري وعن ... عين تراعي النجم أول أولا بل لا تسل عما حوته جوانحي ... من زفرة فيها الجوانح تصطلى أيليق في دين الغرام وشرعه ... أني من الهجران أبقى مهملا فإلام أبقى في هواك مبلبلا ... وإلام أبقى من قلاك محوقلا إن كان في تلفي تروم عبادة ... بادر به يا ذا الصباح معجلا حتى يكون على الدوام مجاهدا ... جازاك ربي بعد ذاك تقبلا أو كان يرضيك التذلل خاضعا ... وافيت دارك في الظلام مهرولا مستغفرا من سوء ذنب جئته ... مستعفيا مستصفحا متنصلا فكأن حظي في النحوس وطالعي ... إن لم أجد بدري تخير منزلا

стр. 35

وقوله في مطلع قصيدة يمدح بها أحمد باشا والي بغداد: «١» دهتني خطوب والزمان معاندي ... ودهر طوى كشحا بقدري والع ترامت بي الأقطار من كل جانب ... فما أنا عن مغنى الأماجد شاسع وكم أزمة مرت عليّ ولم يكن ... لها كاشف بين البرية رافع

стр. 36

الفصل الثالث رحلته زمن تأليف النفحة المسكية سجّل السويدي وقائع رحلته إلى الحج سنة ١١٥٧ هـ/ ١٧٤٤ م في كتاب عنونه «النفحة المسكية في الرحلة المكية» ، يحتوي على وصف عدد كبير من المدن والقرى والمحطات التي كانت تقع على الطريق العام المؤدي من بغداد إلى الموصل فحلب ودمشق وصولا إلى الحرمين الشريفين، وهي على التوالي: بغداد، تل كوش، نهر الحسيني، نهر مزارع حمارات، الفرحاتية، المحادر، مهيجر، العاشق، مدينة المنصور، تكريت، وادي الفرس، قزل خان، الغرابي، البلاليق، الخانوقة، القيارة، المصايد، حمام علي، الموصل، بادوش، أسكي الموصل، تل موس، عين زال، صفية، الرميلة المتفلتة، ازناوور، نصيبين، قرده دره، دنيسر، مشقوق، دده قرخين، تل العطشان، أصلام جايي، مرج ريحان، الرها، سروج، الجيجلي، الببرة، الكرموش، ساجور، الباب، حلب، خان تومان، سرمين، معرة النعمان، كتف العاصي، المحروقة، حماة، حمص، شمسين، النبك، بريج، قارة، دمشق، دلة، المزيريب، الزرقاء، خان الزبيب، البلقاء، القطراني، الأحساء، معان، عنزه، العقبة، جغيمان، ذات حج، تبوك، المغرة، الأخيضر، الدار الحمراء، ديار ثمود، العلى، آبار غنم، البئر الجديدة، هدية، الفحلتين، العقبة السوداء، وادي القرى، المدينة المنورة، ذو الحليفة، الجديدة، بدر، الحمراء، القاع، رابغ، خليص، قديد، عسفان، مكة المكرمة.

стр. 37

وذكر المرادي «١» أن السويدي وضع مؤلفاته بعد عودته إلى بغداد، من رحلته الشهيرة التي دوّن أخبارها في «النفحة المسكية» وعليه يكون تدوينه هذه الرحلة هو أول كتبه، أي أنه بدأ بالتأليف وقد تجاوز الخمسين من عمره، ولا ندري مصدر المرادي في هذه الرواية، لأننا لاحظنا أن السويدي قد صرح في إجازته العلمية إلى الشيخ عبد الرحمن الصناديقي المؤرخة في ٨ رمضان سنة ١١٥٧، والتي دوّن نصها في رحلته نفسها، أنه أجازه بجميع مؤلفاته «وهي الآن أكثر من عشرة» فتكون (النفحة المسكية) من أواخر أعماله لا أولها، وهو ما يفسر ما تبدو عليه من قوة الأسلوب، وجزالة في اللفظ، وبعد عن التكلف، ودقة في الوصف، ونضج في الاستنتاج والتعليل. «٢» ولقد نالت هذه الرحلة اهتمام معاصري السويدي، كما عني بها العلماء التالون، فتعددت نسخها الخطية، واختصرها بعضهم، واجتزأ منها آخرون قطعا لتبدو رسائل مستقلة بذاتها. منهجه: ١- ضبطه لأسماء الأعلام الجغرافية: أولى السويدي اهتماما واسعا لتسميات الأعلام الجغرافية، من مواضع، وجبال، وأنهار، وعيون، مما مر به في أثناء رحلته، فجاءت هذه الرحلة أكثر فائدة- من هذا الجانب في الأقل- من كثير من كتب الرحلات الأجنبية إلى المنطقة في الحقبة نفسها، ففي حين كان الرحالة

стр. 38

الوافد، وهو أوروبي غالبا، يسجل الأسماء كما تلتقطها أذنه من أفواه معاصريه، وربما سمعها بشكل مشوه أو محرف فسجلها على ذلك الشكل أيضا، وجدنا السويدي، بما أوتي من باع طويل في اللغة والبحث، يضبط كل اسم ضبطا محكما دقيقا، فهو حينما يمر بمهيجير يذكر أنها «بضم الميم وفتح الهاء وسكون المثناة التحتية وجيم مكسورة بعدها ياء مثناة تحتية ساكنة وآخر الحروف راء مهملة» وكذا حين يمر بالخانوقة، يقول: إنها «بالخاء المعجمة، فألف، فنون مضمومة، فواو ساكنة، فقاف مفتوحة، آخرها هاء التأنيث» وفي ضبطه لخان شيخون، بأنها «بشين معجمة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فخاء معجمة مضمومة فواو ساكنة فنون آخر الحروف» وهكذا نجده يفعل في المئات من أسماء الأعلام الجغرافية التي مر بها، ولذا فقد جاءت هذه الأسماء بمنجى عن أي تحريف أو تصحيف قد تتعرض له عند النقل أو النسخ. ولم يكتف السويدي بهذا فحسب، بل عمد إلى تثبيت طريقة التلفظ بالاسم نفسه، كلما دعت الضرورة إلى ذلك، فقال عن نصيبين أنها «على صيغة جمع المذكر السالم لنصيب» وعن العاشق أنه «بوزن اسم الفاعل» وقال عن موضع اسمه صفيّة أنه «كسمية مصغرا» وعن موضع آخر يدعى المعظم أنه «على صيغة اسم المفعول من التعظيم،» وعن المتفلتة أنه «اسم فاعل من تفلت، في آخره هاء التأنيث» وعن زيزى أنها «كضيزى» فضبطت بذلك طريقة تلفظ الاسم فضلا عن ضبطه حروفه. وفرّق السويدي في هذا المجال بين التسمية الجارية على ألسن معاصريه من العامة، والتسمية الفصيحة التي أوردتها الكتب والمعاجم، فقال عن البلاليق إن «العامة تبدّل القاف كافا» وعن مرحلة تدعى ذات حج: إنها «بكسر الحاء المهملة، كذا سمعتهم ينطقون به» وقال في تعليل تسمية مرحلة الأخيضر: إنه «يحتمل أنه الوادي الذي بين المدينة والشام كما في القاموس ويحتمل أنه الحضير والعامة تصرفت فيه» . ٢- بحثه في أسباب تسمية الأعلام الجغرافية: بحث السويدي في سبب اكتساب كل موضع مر به تقريبا للتسمية التي عرف بها، وقد

стр. 39

استفاد في ذلك من روايات مرافقيه من أهل تلك الديار والنواحي، أو من النصوص التي أوردتها المعاجم اللغوية والبلدانية وكتب التاريخ، والتي أظهر أنه كان مطلعا عليها بشكل واسع، أو من ملاحظاته الشخصية حول علاقة الموضع بما يكتنفه من مظاهر بيئية مختلفة. وعند تحليل النصوص التي أوردها حول هذا الموضوع، يظهر للباحث أن السويدي يعزو هذه التسميات إلى عاملين رئيسيين لا ثالث لهما، أولهما عامل تاريخي يتصل بما مر على المكان من أحداث أو ما مر به من أشخاص، وثانيهما عامل جغرافي يتعلق بما يحيط بالمكان من تضاريس مختلفة، أو ظواهر جيولوجية أو مناخية أو غير ذلك. ويتجلّى العامل الأول في بحثه عن الأعلام التاريخية التي نسبت إليها المدن والقصبات والمواضع التي مر بها، فقال عن تل كوش «لعل نسبته إلى كوش بن كنعان» وعن تكريت أنها «سميت بتكريت بنت وائل» وأن خان تومان منسوب إلى امرأة اسمها تومان بنته» ، وأن معرّة النعمان منسوبة إلى النعمان بن بشير الأنصاري، وقوله في موضع اسمه عنزة» الظاهر أنها سميت بعنزة بن أسد بن ربيعة، وبه سميت القبيلة المشهورة لأن تلك الأرض مسكنهم قديما وتفسيره لاسم مرحلة تدعى جخيمان أنها «سميت كما قيل باسم شيخ من شيوخ الأعراب كان يأخذ الصرّ عندها» وقوله عن بئر تسمى بالبئر الجديدة: إنها «سميت بذلك لأن البئر حفرها ليس قديما، أو أنه مغير عن جدّ وهو البئر الكثيرة الماء أو قليله ضد» . هذا بينما يتجلى العامل الثاني، أعني الجغرافي، في ملاحظات السويدي الذكية للصلات التي تربط المكان ببيئته الجغرافية، وتفسير إطلاق تسمية الموضع بحسب معطيات تلك البيئة وظواهرها المختلفة، فهو يذكر أن موضعا سمي المحادر لما فيه «من الانحدار والهبوط» ، وأن عينا تسمى الغرابي «لكون الماء في مقره أسود يشبه الغراب» ، وأن البلاليق «سميت بذلك لأن الأماكن التي حواليها بلق بيض، وجبلها لا شجر فيه فهو أبلق» ، وأن المصايد، وهو موضع على دجلة، أنها سميت بذلك «لأن ماء دجلة يتعوج فيها لما فيها من الانحراف، فكأنها تصيد الكلك» ، وأن عينا تسمّى صفية» سميت بذلك أما لصفاء مائها، أو لكونها تجري على صفاة» ، وأن البلقاء «سميت بذلك لأنّ حجارتها متلونة بالسواد

стр. 40

والبياض أو لأن أرضها خالية عن النبت والشجر» وأن موضعا سمي القطراني «نسبة إلى القطران عصارة الأبهل، سميت بذلك لكون حجارتها سوداء» وأن المنزلة المسماة المغر هي جمع مغرة، وتعني الطين الأحمر، والممغر: المصبوغ بها. ومثل ذلك الموضع المعروف بالدار الحمراء «سميت بذلك لكون رملها أحمر وكذا جبالها، والبدو يسمونها الهضب لأن حواليها هضابا كثيرة وأهل الشام يسمونها مفارز الأرز لأن فيها حصى بيضا صغارا يشبه الأرز الأبيض» ، وأن مرحلة العلى «سميت بذلك لكون الجبلين اللذين يكتنفانها عاليين مرتفعين» . وغير ذلك من الملاحظات الجغرافية التي توزعت الرحلة، وحاول من خلالها التوصل إلى حقيقة كثير من المسميات التي شاهدها بنفسه. ٣- عنايته بالجغرافية الطبيعية: قدم السويدي وصفا مفصلا وبالغ الدقة لكثير من الأماكن التي مر بها، مما يدخل ضمن ما نسميه بالجغرافية الطبيعية، فقد تكلم على: أ- الجبال والتلال: أهتم السويدي بوصف الأوضاع الطبيعية لتلك الأماكن ذات التكوين الطبيعي المعقد، من جبال وتلال ووديان، وقد جاءت عباراته، في هذا المجال، معبرة عن الصورة التضاريسية للمكان، شاملة لأبعاده، فحين نزل تلّ كوش، وهو تل أثري قديم، وصفه بأنه «تل صغير مستطيل الشكل» ووصف تل مهيجر، قرب سامراء بأنه «تل صغير مدوّر قريب دجلة» وتل موس بأنه «تل عال مدور» . ووصف الطبيعة المعقدة عند عين الزرقاء، في طريقه من دمشق إلى المدينة المنورة، وصفا شاملا إذ قال إنها «أراض وعرة وعقبات ذوات انحراف واعوجاج وصعود وهبوط ووديان منخفضة» ومثل ذلك كلامه على منطقة الأحساء بأنها «واد بين جبلين وفي طريقها عقبات وأوعار واعوجاج وصعود وهبوط» ، ووصفه لأرض معان بأنها «ثغر فيه وعر وعقبة صعبة المسلك لما فيها من الجنادل والانحدار والارتفاع مع ضيق المسلك» . ولم يكتف بذكر الجبال، وإنما تكلم عن وديانها، فوصف مرحلة العقبة بأنها تقع «في واد تحيط به الجبال من جوانبه الأربع (كذا) » ، ووصف مرحلة المغرة بأنها «منزلة بين
следующие страницы →