← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 12086

النفحة المسكية فى الرحلة المكية

السويدي

Полный текст (353 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

الفصل الثالث رحلته زمن تأليف النفحة المسكية سجّل السويدي وقائع رحلته إلى الحج سنة ١١٥٧ هـ/ ١٧٤٤ م في كتاب عنونه «النفحة المسكية في الرحلة المكية» ، يحتوي على وصف عدد كبير من المدن والقرى والمحطات التي كانت تقع على الطريق العام المؤدي من بغداد إلى الموصل فحلب ودمشق وصولا إلى الحرمين الشريفين، وهي على التوالي: بغداد، تل كوش، نهر الحسيني، نهر مزارع حمارات، الفرحاتية، المحادر، مهيجر، العاشق، مدينة المنصور، تكريت، وادي الفرس، قزل خان، الغرابي، البلاليق، الخانوقة، القيارة، المصايد، حمام علي، الموصل، بادوش، أسكي الموصل، تل موس، عين زال، صفية، الرميلة المتفلتة، ازناوور، نصيبين، قرده دره، دنيسر، مشقوق، دده قرخين، تل العطشان، أصلام جايي، مرج ريحان، الرها، سروج، الجيجلي، الببرة، الكرموش، ساجور، الباب، حلب، خان تومان، سرمين، معرة النعمان، كتف العاصي، المحروقة، حماة، حمص، شمسين، النبك، بريج، قارة، دمشق، دلة، المزيريب، الزرقاء، خان الزبيب، البلقاء، القطراني، الأحساء، معان، عنزه، العقبة، جغيمان، ذات حج، تبوك، المغرة، الأخيضر، الدار الحمراء، ديار ثمود، العلى، آبار غنم، البئر الجديدة، هدية، الفحلتين، العقبة السوداء، وادي القرى، المدينة المنورة، ذو الحليفة، الجديدة، بدر، الحمراء، القاع، رابغ، خليص، قديد، عسفان، مكة المكرمة.

стр. 37

وذكر المرادي «١» أن السويدي وضع مؤلفاته بعد عودته إلى بغداد، من رحلته الشهيرة التي دوّن أخبارها في «النفحة المسكية» وعليه يكون تدوينه هذه الرحلة هو أول كتبه، أي أنه بدأ بالتأليف وقد تجاوز الخمسين من عمره، ولا ندري مصدر المرادي في هذه الرواية، لأننا لاحظنا أن السويدي قد صرح في إجازته العلمية إلى الشيخ عبد الرحمن الصناديقي المؤرخة في ٨ رمضان سنة ١١٥٧، والتي دوّن نصها في رحلته نفسها، أنه أجازه بجميع مؤلفاته «وهي الآن أكثر من عشرة» فتكون (النفحة المسكية) من أواخر أعماله لا أولها، وهو ما يفسر ما تبدو عليه من قوة الأسلوب، وجزالة في اللفظ، وبعد عن التكلف، ودقة في الوصف، ونضج في الاستنتاج والتعليل. «٢» ولقد نالت هذه الرحلة اهتمام معاصري السويدي، كما عني بها العلماء التالون، فتعددت نسخها الخطية، واختصرها بعضهم، واجتزأ منها آخرون قطعا لتبدو رسائل مستقلة بذاتها. منهجه: ١- ضبطه لأسماء الأعلام الجغرافية: أولى السويدي اهتماما واسعا لتسميات الأعلام الجغرافية، من مواضع، وجبال، وأنهار، وعيون، مما مر به في أثناء رحلته، فجاءت هذه الرحلة أكثر فائدة- من هذا الجانب في الأقل- من كثير من كتب الرحلات الأجنبية إلى المنطقة في الحقبة نفسها، ففي حين كان الرحالة

стр. 38

الوافد، وهو أوروبي غالبا، يسجل الأسماء كما تلتقطها أذنه من أفواه معاصريه، وربما سمعها بشكل مشوه أو محرف فسجلها على ذلك الشكل أيضا، وجدنا السويدي، بما أوتي من باع طويل في اللغة والبحث، يضبط كل اسم ضبطا محكما دقيقا، فهو حينما يمر بمهيجير يذكر أنها «بضم الميم وفتح الهاء وسكون المثناة التحتية وجيم مكسورة بعدها ياء مثناة تحتية ساكنة وآخر الحروف راء مهملة» وكذا حين يمر بالخانوقة، يقول: إنها «بالخاء المعجمة، فألف، فنون مضمومة، فواو ساكنة، فقاف مفتوحة، آخرها هاء التأنيث» وفي ضبطه لخان شيخون، بأنها «بشين معجمة مكسورة فمثناة تحتية ساكنة فخاء معجمة مضمومة فواو ساكنة فنون آخر الحروف» وهكذا نجده يفعل في المئات من أسماء الأعلام الجغرافية التي مر بها، ولذا فقد جاءت هذه الأسماء بمنجى عن أي تحريف أو تصحيف قد تتعرض له عند النقل أو النسخ. ولم يكتف السويدي بهذا فحسب، بل عمد إلى تثبيت طريقة التلفظ بالاسم نفسه، كلما دعت الضرورة إلى ذلك، فقال عن نصيبين أنها «على صيغة جمع المذكر السالم لنصيب» وعن العاشق أنه «بوزن اسم الفاعل» وقال عن موضع اسمه صفيّة أنه «كسمية مصغرا» وعن موضع آخر يدعى المعظم أنه «على صيغة اسم المفعول من التعظيم،» وعن المتفلتة أنه «اسم فاعل من تفلت، في آخره هاء التأنيث» وعن زيزى أنها «كضيزى» فضبطت بذلك طريقة تلفظ الاسم فضلا عن ضبطه حروفه. وفرّق السويدي في هذا المجال بين التسمية الجارية على ألسن معاصريه من العامة، والتسمية الفصيحة التي أوردتها الكتب والمعاجم، فقال عن البلاليق إن «العامة تبدّل القاف كافا» وعن مرحلة تدعى ذات حج: إنها «بكسر الحاء المهملة، كذا سمعتهم ينطقون به» وقال في تعليل تسمية مرحلة الأخيضر: إنه «يحتمل أنه الوادي الذي بين المدينة والشام كما في القاموس ويحتمل أنه الحضير والعامة تصرفت فيه» . ٢- بحثه في أسباب تسمية الأعلام الجغرافية: بحث السويدي في سبب اكتساب كل موضع مر به تقريبا للتسمية التي عرف بها، وقد

стр. 39

استفاد في ذلك من روايات مرافقيه من أهل تلك الديار والنواحي، أو من النصوص التي أوردتها المعاجم اللغوية والبلدانية وكتب التاريخ، والتي أظهر أنه كان مطلعا عليها بشكل واسع، أو من ملاحظاته الشخصية حول علاقة الموضع بما يكتنفه من مظاهر بيئية مختلفة. وعند تحليل النصوص التي أوردها حول هذا الموضوع، يظهر للباحث أن السويدي يعزو هذه التسميات إلى عاملين رئيسيين لا ثالث لهما، أولهما عامل تاريخي يتصل بما مر على المكان من أحداث أو ما مر به من أشخاص، وثانيهما عامل جغرافي يتعلق بما يحيط بالمكان من تضاريس مختلفة، أو ظواهر جيولوجية أو مناخية أو غير ذلك. ويتجلّى العامل الأول في بحثه عن الأعلام التاريخية التي نسبت إليها المدن والقصبات والمواضع التي مر بها، فقال عن تل كوش «لعل نسبته إلى كوش بن كنعان» وعن تكريت أنها «سميت بتكريت بنت وائل» وأن خان تومان منسوب إلى امرأة اسمها تومان بنته» ، وأن معرّة النعمان منسوبة إلى النعمان بن بشير الأنصاري، وقوله في موضع اسمه عنزة» الظاهر أنها سميت بعنزة بن أسد بن ربيعة، وبه سميت القبيلة المشهورة لأن تلك الأرض مسكنهم قديما وتفسيره لاسم مرحلة تدعى جخيمان أنها «سميت كما قيل باسم شيخ من شيوخ الأعراب كان يأخذ الصرّ عندها» وقوله عن بئر تسمى بالبئر الجديدة: إنها «سميت بذلك لأن البئر حفرها ليس قديما، أو أنه مغير عن جدّ وهو البئر الكثيرة الماء أو قليله ضد» . هذا بينما يتجلى العامل الثاني، أعني الجغرافي، في ملاحظات السويدي الذكية للصلات التي تربط المكان ببيئته الجغرافية، وتفسير إطلاق تسمية الموضع بحسب معطيات تلك البيئة وظواهرها المختلفة، فهو يذكر أن موضعا سمي المحادر لما فيه «من الانحدار والهبوط» ، وأن عينا تسمى الغرابي «لكون الماء في مقره أسود يشبه الغراب» ، وأن البلاليق «سميت بذلك لأن الأماكن التي حواليها بلق بيض، وجبلها لا شجر فيه فهو أبلق» ، وأن المصايد، وهو موضع على دجلة، أنها سميت بذلك «لأن ماء دجلة يتعوج فيها لما فيها من الانحراف، فكأنها تصيد الكلك» ، وأن عينا تسمّى صفية» سميت بذلك أما لصفاء مائها، أو لكونها تجري على صفاة» ، وأن البلقاء «سميت بذلك لأنّ حجارتها متلونة بالسواد

стр. 40

والبياض أو لأن أرضها خالية عن النبت والشجر» وأن موضعا سمي القطراني «نسبة إلى القطران عصارة الأبهل، سميت بذلك لكون حجارتها سوداء» وأن المنزلة المسماة المغر هي جمع مغرة، وتعني الطين الأحمر، والممغر: المصبوغ بها. ومثل ذلك الموضع المعروف بالدار الحمراء «سميت بذلك لكون رملها أحمر وكذا جبالها، والبدو يسمونها الهضب لأن حواليها هضابا كثيرة وأهل الشام يسمونها مفارز الأرز لأن فيها حصى بيضا صغارا يشبه الأرز الأبيض» ، وأن مرحلة العلى «سميت بذلك لكون الجبلين اللذين يكتنفانها عاليين مرتفعين» . وغير ذلك من الملاحظات الجغرافية التي توزعت الرحلة، وحاول من خلالها التوصل إلى حقيقة كثير من المسميات التي شاهدها بنفسه. ٣- عنايته بالجغرافية الطبيعية: قدم السويدي وصفا مفصلا وبالغ الدقة لكثير من الأماكن التي مر بها، مما يدخل ضمن ما نسميه بالجغرافية الطبيعية، فقد تكلم على: أ- الجبال والتلال: أهتم السويدي بوصف الأوضاع الطبيعية لتلك الأماكن ذات التكوين الطبيعي المعقد، من جبال وتلال ووديان، وقد جاءت عباراته، في هذا المجال، معبرة عن الصورة التضاريسية للمكان، شاملة لأبعاده، فحين نزل تلّ كوش، وهو تل أثري قديم، وصفه بأنه «تل صغير مستطيل الشكل» ووصف تل مهيجر، قرب سامراء بأنه «تل صغير مدوّر قريب دجلة» وتل موس بأنه «تل عال مدور» . ووصف الطبيعة المعقدة عند عين الزرقاء، في طريقه من دمشق إلى المدينة المنورة، وصفا شاملا إذ قال إنها «أراض وعرة وعقبات ذوات انحراف واعوجاج وصعود وهبوط ووديان منخفضة» ومثل ذلك كلامه على منطقة الأحساء بأنها «واد بين جبلين وفي طريقها عقبات وأوعار واعوجاج وصعود وهبوط» ، ووصفه لأرض معان بأنها «ثغر فيه وعر وعقبة صعبة المسلك لما فيها من الجنادل والانحدار والارتفاع مع ضيق المسلك» . ولم يكتف بذكر الجبال، وإنما تكلم عن وديانها، فوصف مرحلة العقبة بأنها تقع «في واد تحيط به الجبال من جوانبه الأربع (كذا) » ، ووصف مرحلة المغرة بأنها «منزلة بين

стр. 41

جبلين حجارتها حمراء كالمغرة» . كما وصف قلعة الأخيضر، على طريق تبوك، بأنها «في عقبة تحيط بها الجبال، وفي طرفها مما يلي الشام عقبة ضيقة وعرة ذات جنادل كبار» ، وتكلم على ما يحيط ببلدة المعلى من جبال «عالية» مرتفعة» . ب- السهول: ومثلما اهتم السويدي بوصف ظواهر السطح المعقدة، فإنه اهتم أيضا بوصف الأراضي المنبسطة، سعتها، وشكلها، وطبوغرافيتها، من ذلك وصفه منطقة الفرحاتية، من أعمال دجيل، بأنها بر أفيح (أي واسع) ذو حصى دقاق، ووصفه للمناطق التي تحيط بالبلاليق بأنها «بلق بيض» ، والبلقاء بأنها «أرضها خاليه عن النبت والشجر» وأن «حجارتها متلونة بالسواد والبياض» وإشاراته إلى «الجنادل السود» في أرض «مشقوق» وفي «تل عطشان» من نواحي الجزيرة. ووصفه لمجاري الانحسار إن كانت صخرية أو رملية، وقوله عن الكثبان الرملية في جنوبي الأردن إن «الرمل كثير متراكم تسوخ فيه الأقدام، وهذا الرمل يبدو بلون أحمر، ولذا فإن منظر الحصى الأبيض الصغار على الأرض الحمراء يشبه الأرز الأبيض» وملاحظته أن أرض هدية على طريق الحجاز «كثيرة الرمل» ومثل هذه الإشارات يدل على قوة ملاحظة، واهتمام يجعله أقرب إلى اهتمامات عالم الصخور Petrologist منه إلى مجرد عالم ذي ثقافة دينية تقليدية ماض في طريقه إلى الحج. ج- الأنهار ومصادر المياه: وجه السويدي عنايته إلى وصف مصادر المياه المختلفة في المدن والقرى والنواحي التي مر بها، حتى إنه يندر أن دخل مدينة أو قرية إلا وتطرق إلى مصادر مياهها، من أنهار وبرك وعيون، ولم ينزل موضعا على الطريق إلا وأتى على ذكر ما يتوفر فيه من ماء وكميته ومذاقه أيضا، وربما أراد من تفصيله في هذا الأمر أن يكون كتاب رحلته دليل سفر للذين سيسلكون الطريق نفسه من بعد، فضلا عن اتساق ذلك مع اهتماماته العامة في رصد الظواهر الطبيعية والطبوغرافية فيما يمر به من بلاد، من ذلك إشارته إلى نهر الحسيني «وهو جدول يخرج من دجيل» ، وإلى نهر الفرحاتية» من أعمال دجيل أيضا، ووصف نهر قويق

стр. 42

بأنه «نهر صاف عذب لأهل تلك الديار» وأنه «يمد قناة حلب» وأن منبعه من عين إبراهيم ﵇ «وهي من جيلان قرية شمالي حلب» وأنه «نهر ذو فوائد كثيرة ومنافع غزيرة» . ونوه بما يسقيه من بساتين، وقد أثارت دهشته سعة ما يرويه منها مع صغر مجراه «بحيث لو أراد أدنى الناس قطعه لقطعه، وهو يزيد على كفاية حلب مع [ما] فيها من كثرة البساتين والقساطل والحمامات والخانات والبرك والأحواض، بحيث لو شاهد أحد ذلك لاعتقد أن دجلة تعجز عنه» . واسترعت انتباهه تسمية نهر العاصي، وبعد أن عرض أقوال بعض متقدميه حول هذا الأمر، أعلن أنه لا يرى سببا لتلك التسمية إلا لأن «منبعه نحو الغرب إنما يرى في بعض الأماكن جريانه من الشرق إلى الغرب لتعرج مجاريه في بعض الأراضي فيظن الرائي أنه كذلك من منبعه يجري على خلاف جريان الأنهار» . كما اهتم أيضا بالمياه الجوفية، من عيون وآبار، وذكرها في مناسبات كثيرة، ونوه بمذاق بعضها، بل عمد إلى المقارنة أحيانا بين عين وأخرى، فقال عن عين زال (عين زالة) مثلا إنها «عيون كثيرة على وجه الأرض، وماؤها عذب إلا أنه دون عين موسى عذوبة وصفاء» ، وقال واصفا عين صفية بعدها» هي عين ماؤها في غاية الصفاء، يجري أولا على أحجار كالصفا.. وماؤها عذب يشبه ماء دجلة» ووصف ماء عين الرميلة بأنه «عذب خفيف، قيل إنه أخف المياه» ، وماء عين حسية بأنه عذب صاف، ولكن ماء عين النبك «أعذب من الأولى» . وبالمقابل فإنه وصف ماء نصيبين بالرداءة، ومثله ماء قرية العلى. ولاحظ وفرة المياه تحت الكثبان الرملية في جنوب الأردن، فقال «وهذه الأرض إذا حفر فيها نحو ذراع خرج الماء لأنه كامن تحت الرمل، إلّا أنه رديء مسهل لما فيه من ملوحة» ، وحين أخبر بأن ثمّة موضعا يعرف بالغرابي نسبة إلى لون مائه الأسود، لاحظ أن هذا الماء يأخذ لونه من لون مجراه، وإلّا فلا لون له. وتطرق إلي الآبار الارتوازية، ونوه بالمشاق التي كان يكابدها بعض أهل تلك النواحي في الوصول إلى مياه الشرب، بسبب انخفاضها عن مستوى سطح الأرض. قال مثلا واصفا مورد

стр. 43

قرية سرمين إن «أهلها يشربون ماء المطر، يحفظونه في الآبار وآبارهم لا ينبع منها ماء لبعد غوره جدا» . ووصف أيضا البرك والصهاريج، فعند الأبهل بركة عظيمة مشرفة على الخراب، تمتلىء من ماء المطر، «وعند الأحساء سهل من الأرض يجتمع فيه الماء أو غلظ فوقه رمل يجمع ماء المطر كلما نزحت دلوا جمعت أخرى» . ونوه بسعة بركة المعظم فإنها «تزيد على ثلاثين ذراعا في ثلاثين، وعمقها نحو خمسة عشر ذراعا يجتمع فيها ماء المطر، وله مسيلات ينحدر فيها» . د- المناخ: أورد السويدي إشارات عديدة، ودقيقة، عن الأحوال المناخية للمناطق التي مر بها، ولم يفته، حين يصف مدينة أو صقعا ما، أن يتطرق إلى ما تختص به من مناخ، فنصيبين مثلا «وخمة، هواؤها رديء» يشير بذلك إلى ارتفاع نسبة الرطوبة في جوها، ودنيسر «هواؤها معتدل» ، ومعان «طيبة الهواء» بينما تعد العلى «رديئة» . ولاحظ أن ثمة مناطق شديدة الحرارة، رغم أن الفصل كان شتاء، قال واصفا مناخ خيبر «وصدفنا في هذه المنزلة حر شديد يزيد على حر تموز في العراق حتى تجردنا عن غالب الثياب، ونحن نسبح بالعرق وكان قد مضى من كانون الأول اثنا عشر يوما» . ٤- عنايته بالجغرافية الاقتصادية: ا- وصفه للنبات: ولم يغفل السويدي عن أن يسجل لنا وصفا دقيقا لبعض ما لفت نظره من غرائب بيئته من نبات، فكانت تلك الكتابات قريبة إلى ما كتبه بعض الرحالين الأوربيين الذين جابوا المنطقة في عصره، «١» وفي الحقيقة فإننا لسنا نعلم رحّالة محليا، في ذلك العصر، قد سجّل أوصاف النبات بتلك الدقة العلمية التي تميز بها السويدي في رحلته، انظر إلى قوله يصف

стр. 44

نوعا من الشجيرات رآه عند نزوله بعض قرى دجيل إلى الشمال من بغداد» وكان نزولنا عند شجيرات جذوعها كجذوع السّدر وأوراقها وأغصانها كالرمان، ولها ورد أصفر كصورة الجلنار، «١» إلّا أنه يخالفه في اللون، وفي أسفل كل وردة نقطة تشبه العسل لونا وطعما، ولها دبق كدبق العسل، ولقد ذقتها فوجدت طعم العسل فيها، إلا أن النقطة إذا قرب جفافها يصير فيها شائبة مرارة، وأهل تلك الأرض يسمونها بشجيرات العسل على صيغة التصغير» . ووصفه شجرة الغزوح وما تتركه من أثر مخدر لدى آكليها، وهي «قضبان دقاق خضر لها ورد أصفر صغير أشبه شيء بالشيح» . ونحن نجد السويدي شديد الاهتمام بما مر من نبات وزرع لا يفتأ أن يسجّل لقرائه أخبار ذلك، فسرمين، وهي قرية قريبة من حلب «يحيط بجوانبها أشجار الزيتون» والطريق إليها مزدان بأشجار السنديان والبطم، بل يصل به اهتمامه إلى حد إحصاء عدد النخيل فيما يمر به من نواح، فيذكر أن ناحية العلى، من نواحي وادي القرى «فيها حدائق من النخيل نحو عشرة آلاف نخلة، وتمرها جيد، وفيها الليمون الحلو الكبار» ، وتثير اهتمامه العلمي كثرة المزروعات في بساتين حلب مع قلة مصادر المياه فيها، فيقول «ورأيت كرومها وأشجار التين والزيتون والفستق واللوز تعيش بلا ماء، وكذلك البطيخ الأخضر والأصفر، ورأيتهم يبذرون في ترابها وهو جاف غاية الجفاف فينبت وما ذاك إلا لطيب تربتها» . وبالمقابل، فإنه لم يفته أن يسجل ما كان عليه كثير من المناطق التي مر بها من جدب أو قلة زرع، فالبلاليق «جبلها لا شجر فيه» ، والبلقاء «أرضها خالية عن النبت والشجر» ، والقاع «عبارة عن بر أفيح لا ماء فيه» ، وهكذا فإنه قدّم من الملاحظات الكثير مما يفيد الباحث في دراسة جانب من الحياة الاقتصادية للمدن والقرى العربية في القرن الثاني عشر الهجري (١٨ م) .

стр. 45

ب- وصفه لطرق المواصلات: تعد طرق المواصلات من مقومات الجغرافية الاقتصادية، وقد أولاها السويدي جانبا من عنايته، فسمى، على نحو دقيق، جميع مراحل الطريق المؤدي من بغداد إلى الموصل فحلب ثم دمشق فالحرمين الشريفين، وضبط المسافة، بالفراسخ، بين كل مرحلة وأخرى، وقد ظل هذا الطريق مسلوكا، ومفضلا بوجه عام، عند الحجاج العراقيين على الطريق القصير المباشر الذي يجتاز بوادي نجد وقفارها. وطريق الحج هذا، كما وصفه السويدي، يتألف من ٧٥ مرحلة ويمر بأكثر من ثمانين مدينة وقرية ومحطة، ويتراوح طول المرحلة الواحدة بين ثلاثة فراسخ وعشرين فرسخا، أي بين تسعة كيلومترات وستين كيلومترا تقريبا (الفرسخ- ٦ كم) ويستغرق قطع الفرسخ الواحد نحو ساعة أو أكثر بحسب استواء الطريق أو وعورته. وعلى الرغم من استخدام السويدي الفرسخ وحدة رئيسة لقياس المسافات، فإنه استخدم أيضا الميل، ويبلغ ثلث الفرسخ، أي زهاء الكيلومترين، والبريد، ويساوي أربعة فراسخ، أي نحو ٢٤ كيلو مترا. أشار السويدي إلى أهم ما يعنى به المسافر في طرق ذلك العهد، فقد ثبّت مواضع الخانات ووصفها تفصيلا، وحدّد أماكن برك المياه وسعتها ونوع مياهها، كما لم يغفل عن الإشارة إلى الآبار الارتوازية والعيون المتدفقة، ومن ناحية أخرى فإنه سجّل ملاحظاته حول الحالة الأمنية للطرق يومذاك، وأشار إلى النواحي التي يكثر فيها خروج قطاع الطرق ومداهمتهم قوافل التجار والمسافرين، كما أشار أيضا إلى القلاع المنشأة لغرض حماية الطرق، ومن يقيم فيها من الجند، والمدد التي يقضونها في تلك القلاع قبل إبدالهم بغيرهم، وما يتصل بذلك من شؤون تهم المسافر في ذلك العهد، لأغراض عملية مباشرة، وتهم الباحث في يومنا هذا، بوصفها تلقي ضوءا على مرفق مهم من المرافق الاقتصادية يومذاك.

стр. 46

٥- عنايته بجغرافية المدن: ا- معاييره في تصنيف المدن: قدّم السويدي، من خلال رحلته، معلومات قيمة عن أحوال المدن والقرى العربية في عصره، وقد كان دقيقا في تصنيفه المستوطنات البشرية التي مرّ بها، إذ نراه يفرّق بين المدينة والبلدة الكبيرة، والبلدة الكبيرة والقرية والقلعة ومحطة الطريق، أو المرحلة، ففي حين عدّ الموصل وحلب وحمص وحماة ودمشق والمدينة المنورة مدنا، وصف كلا من تكريت وأسكي موصل بأنها بلدة كبيرة، وعد كلا من الخانوقة ودنيسر والرّها ومعرّة النعمان والبلقاء بأنها بلد أو بلدة، والبيرة بأنها بليدة، هذا بينما وصف الباب والنبك وسرمين بأنها قرى كبيرة، في حين وصف قرى أخرى مثل تل موس وعين زال ونصيبين وقره دره وخان شيخون وقاره والعلى بأنها مجرد قرى، وعد نواحي أخرى مثل: بريج، الزرقاء، المزيريب، القطران، عنزة، المدورة، ذات حج، تبوك، الأخيضر، المعظم، آبار غنم، هدية، قلاعا، وإن وجد حول بعضها عدد من البيوت. وليس من العسير تحديد معاييره في هذا التصنيف، إذا ما حللنا طبيعة المعلومات التي أوردها عن كل صنف من أصناف المستوطنات هذه، فالمدينة هي التي تتميز بوجود دار للحكم (سلطة سياسية وإدارية) وأسواق متنوعة، وخانات للتجار والمسافرين (نشاطات اقتصادية) وجوامع كبيرة، ومدارس، ووفرة في العلماء (نشاطات ثقافية وروحية) فضلا عن الأسوار والحصون وبعض المظاهر الأخرى. أما البلدة، فالأوصاف التي أوردها عن بلدة كمعرة النعمان، تشير إلى أنها تلك التي تتميز بوجود أسواق، وجامع كبير، وحمام، وليست البلدان الكبيرة- على ما نفهم من وصفه لتكريت وأسكى موصل- إلا مدنا قديمة، أدى خرابها إلى فقدانها صفتها (كمدن) ولكنها لم تبلغ حد أن تتساوى مع (بلدات) ناشئة ليس لها تراثها أو شهرتها. وعلى هذا الأساس نفسه عد مدنا لها مكانتها السالفة كنصيبين مجرد قرى لأنها «مشرفة على الخراب لا جمعة فيها ولا جماعة» . وتتميز القرى، بحسب وصف السويدي، بوجود بساتين قريبة، مما يدل على غلبة النشاط الزراعي على أهلها، ومع ذلك فإنه وصف قرية حسية الصغيرة بأنها «لها خان كبير

стр. 47

لأبناء السبيل فيه جامع يخطب فيه، وفيه بركة ماء كبيرة، وخارج القرية بركة أكثر من عشر في عشر» ، ووصف قرية النبك بأن في «ظاهرها خانا لأبناء السبيل، وفي داخله خانات للشتاء وفيه جامع خطبة» ، وذكر أن لقرية قارة «جامع خطبة» وأنّ لقرية قطيفة خانا كبيرا واسعا» مما دل على النمو الذي أصابته بعض القرى في ذلك العصر، بسبب موقعها من الطرق التجارية، بل إن كثيرا من القلاع التي رآها، ووصفها، كانت مهمتها حماية تلك الطرق والإشراف على حركة النقل، فيها، وقد بدأت بالتحول إلى قرى يسكنها المعنيون بتقديم الخدمات إلى القوافل في عهده نفسه، فقد لاحظ هو أن بعض القلاع قد نمت بقربها بيوت. ب- وصفه للمدن القديمة: اهتم السويدي، فيما اهتم به في رحلته، بوصف الآثار الشاخصة أو الدارسة من العصور التالدة، من تلال أثرية، وبقايا قصور وقلاع ومدن دائرة. وفي الواقع فإن مجرد أن تسترعي هذه الآثار اهتمامه يدل على تحسسه البارع لتاريخية المواضع التي كان يجوس خلالها في أثناء رحلته تلك، وهو ما يجعله يقف ضمن أوائل المثقفين العراقيين الذين نالت آثار بلادهم المادية جانبا من اهتماماتهم العلمية، في عصر انحصرت فيه معظم تلك الاهتمامات، لدى علماء آخرين، بالترجمة للأحياء وتسجيل ما أخذوه عنهم من إجازات، وما رووه عنهم من روايات وأخبار. قال واصفا تل كوش الأثري، إلى الشمال من بغداد بأنه «تل صغير مستطيل أحمر على كتف دجلة الغربي» وحاول، في أثناء مروره ببقايا قصر العاشق الأثري، في ضواحي سامراء القديمة، أن يقدّم تفسيرا لوجود تسميتين مختلفتين لهذا القصر في عهده، إحداهما العاشق والأخرى المعشوق، وكان الناس، في أيامه، قد نسجوا قصصا متنوعة حول هاتين التسميتين، فقال هو ناقلا من القاموس المحيط: إن المعشوق قصر بسر من رأى، ولكنه استدرك بقوله: فلعله غيره، لأن العاشق في الجانب الغربي من دجلة، وسر من رأى في الجانب الشرقي، فلعل هذا البناء يسمى بالعاشق، والقصر الذي يسمى بالمعشوق.. والعاشق هذا بناء قديم لم يبق منه إلا أثر الجدران مبني

стр. 48

بالآجر والجص. ولاحظ، وهو يمر بالخانوقة، في طريقه إلى الموصل، أن هذا الموضع يتألف من «تلال عظام من تراب مستديرة، بعضها إلى جانب بعض كهيئة القلعة والسور» . ووصف آثار مدينة ثمود الأثرية، في طريقه إلى وادي القرى، ولاحظ عدم صحة ما كان يتداوله الناس حول كونها قد قلبت بسبب غضب الله عليها، فقال «ديار ثمود وتسميها العامة ديار صالح.. وهي أرض موحشة.. وفيها بيوت ذوات أبواب، على سطح كل باب هيئة الدرجين المعكوسين، تظن العامة أنها مقلوبة وليس كذلك كما هو ظاهر لمن تأمل البناء وعقد الأبواب والأواوين، وأكثر البيوت علا عليها الرمل» . وإشارته إلى «تأمل البناء وعقد الأبواب والأواوين» لافتة للنظر حقا، لأنها تدل على أن مروره بتلك الآثار الشاخصة، لم يكن مرور عابر سبيل اعتيادي، وإنما كان مشاهدة، ودرسا، واهتماما. ج- وصفه المدن القائمة: شغف السويدي بوصف عمارة المنشآت المهمة في المدن التي أقام بها أو زارها، ولم يكن وصفه لها مجرد إشارات عابر سبيل، أو تنويه بوجودها فحسب، وإنما وصف تأمل وتدبر، فيه من دقة الملاحظة وحسن التصوير ما هو جدير بالالتفات، ولذا فقد حفلت رحلته بفقرات مسهبة عن عدد من تلك المنشآت، كالمساجد والمدارس والخانات والقلاع. ونحن نراه حين يعمد إلى وصف عمارة منشأة ما، يحيط بالعناصر الرئيسية المكونة لها، على نحو متوازن لا خلل فيه؛ ففي حديثه عن المساجد لا يغفل عن وصف عناصر المسجد الرئيسية: القبة والمحراب والمصلى والصحن والمئذنة، وربما قارن بعض هذه العناصر بغيره مما سبق أن شاهده في مساجد أخرى، واستفاد من النصوص والكتابات الأثرية على المسجد نفسه في التعرّف على تاريخ إنشائه أو تجديده. قال في وصفه لجامع دنيسر «لها جامع كبير واسع قديم من محاسن الدنيا بناء وعمارة، إلا أن نصف قبته ساقطة والباقي متداع.. وله محراب في غاية الجودة عليه كتابة عربية وكوفية مكتوب عليها بعض آيات قرآنية، وعليه اسم من

стр. 49

عمّره وهو السلطان خالد تحيط به جدران عالية شامخة، تكتنفها منارتان رفيعتان في غاية الجودة والحسن تشبهان منارة الجامع الكبير في حلب، إلّا أن هاتين أحسن وأحكم بناء، وللمصلى الداخل باب عن يمينها وعن شمالها آخر، ويكتنفها أربعة شبابيك يمينا وشمالا» . وكلامه عن جامع حمص يكشف عن دقة ملحوظة في تتبع تاريخ البناء وما مر عليه من تطورات، وفي تسجيل الكتابات الأثرية التي فيه، وفي إحصائه لأساطين الجامع وأحجامها، وما إلى ذلك من أمور، يقول «جامع كبير في صحنه بركة وعواميد سمّاقية ملقاة ومطروحة على الأرض، وأعلى المصلى مسقف بالخشب وظاهر البناء يدل على أنه كان عقدا، فأخبرت أن تيمور الخبيث هدمه. وعلى باب الجامع المذكور من خارج كتابة فيها اسم الباني وهو السلطان المالك الملك المجاهد المرابط المؤيد المنصور أسد الدنيا والدين ملك المسلمين أبو الفتح شير كوه بن محمد بن شير كوه ناصر أمير المؤمنين في شهر رجب سنة ثمان وتسعين وخمسمائة.. وفي داخل المصلى عواميد من الرخام في غاية الغلظ والطول، وهي سبعة عشر عمودا طول الواحد نحو أربعين شبرا، ودوره قدر ما يحضن الإنسان مادا يديه بمرة ونصف» . ووصف جامع معرة النعمان ومئذنته بأنه «جامع كبير في أحسن ما يكون من العمارة، وله منارة رفيعة حسنة البناء مربعة» كما وصف الجامع الأموي في دمشق مجملا فقال «وهذا الجامع كبير واسع في غاية الحسن من العمارة والنقش والاسطوانات والرواقات بحيث يعلق في كل ليلة من رمضان نحو اثني عشر ألف قنديل كما قيل» ، وجاء وصفه لعمارة جامع السليمانية بدمشق ومدرسته دقيقا، تطرق فيه إلى ما كان يحفل به من برك وفوارات وحجر ومآذن، قال «هو جامع جليل تحيط به البساتين من جوانبه الأربعة، في وسط صحنه بركة ماء واسعة فيها خمس فوارات، وفيه مطبخ يطبخ فيه الطعام، وله حجر متعددة، سقوفها قباب مطلية بالرصاص، وكذا قبة الجامع، وله منارتان حسنتان، والحاصل أنه جامع من عجائب الدنيا إلّا أن مصلاه صغير.. ويتصل به مدرسة السليمانية، وهي ذات حجر كثيرة في صحنها بركة ماء عشر في عشر ذات فوّرارات خمس، وموضع التدريس قبة واسعة

стр. 50

عظيمة تفتح شبابيكها على البساتين من الجوانب الأربع، وجميع قباب الحجر وسطوحها مصفحة بصفائح الرصاص» . واستأثرت الخانات (فنادق المسافرين) بجانب من عناية السويدي، فخصّ عددا منها بوصف شامل لمرافقها في ذلك العصر، ويظهر مما ذكره أن هذه المنشآت كانت تمر بمرحلة من الازدهار نتيجة لتطور أحوال التجارة ونموها وبخاصة تجارة النقل في المشرق العربي في أواسط القرن الثامن عشر، وازدياد اهتمام السلطات المحلية بها بوصفها مراكز لحماية التجار، مصدر تمويل تلك السلطات آنذاك. قال واصفا أحد الخانات عند مدخل مدينة حمص «هو خان كبير مشتمل على خانات، فإذا دخلت بابه رأيت صحنا كبيرا واسعا في أطرافه حجر لأبناء السبيل وعن يمين الصحن باب كبير فيه خان فيه أواوين وحجر واصطبل، ومقابل الوجه باب كبير أيضا فيه أواوين وحجر أيضا وجدول ماء صغير متشعب من العاصي، وعن يساره صحن طويل يشقه جدول من العاصي وعليه ناعورة صغيرة» . كما أشار إلى خانات أخرى في المدن والطرق التي مر بها، منها قزل خان وخان الأغوات (في الموصل) ، وخان تومان، وخان حماة وخان القطيفة وخان الزبيب، وغيرها. ومن ناحية أخرى فإن رحلته حافلة بإشارات مهمة إلى عدد من قلاع المدن، والقلاع التي على الطريق، مثل قلاع شمسين، وبريج، والقطيفة، والمزيريب، والزرقاء، والقطران، وعنزة، والمدورة، وذات حج، وتبوك، والأخيضر، والمعظم وغيرها. ولم يغفل أن ينوه أحيانا بالقرى الكبيرة التي ليس لها سور يحميها. ونظرا لاهتماماته الدينية والتاريخية فقد سجّل لنا ما كانت تحفل به مدن تلك العهود من قبور الصحابة، والأولياء، فضلا عن المقامات المنسوبة للأنبياء، وما هو مشيد عليها- أحيانا- من قباب ومبان. ٦- عنايته بالجغرافية البشرية: عني السويدي بتقديم ملاحظات علمية ذكية عن المجتمعات البشرية التي مر بها، مما يدخل ضمن نطاق ما يعرف بالجغرافية البشرية، فقد تكلم عن الصفات الموروثة لبعض

стр. 51

الجماعات. قال واصفا أهل ناحية قزل خان «ولهم نسل في بغداد في مشهد الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه يقال لهم القزلخانية، والغالب عليهم الشقرة» ، وتطرّق أحيانا إلى تحديد العروق التي ينتمي إليها سكان بعض النواحي، فقال عن سروج إن «حولها ضيعة تركمان» ، وأفاض في مواضع عديدة في وصف الأخلاق العامة لبعض المجتمعات، فوصف سكان بعض القرى بأن «أهلها ليس لهم ملاءمة مع الغرباء، وهم من الوحشة التي يستوحشها الغريب على جانب عظيم» . وقال عن سكان مدينة حلب «أهلها في غاية الرقة واللطف ونهاية الشفقة والعطف» ، وعن قرية سرمين إن «أهلها ليسوا من أهل الأنس» ومثل هذه الأوصاف، على إيجازها، تدل على إحساس قوي لدى رحالتنا ب (مجتمعات) تلك المدن والقرى التي صادفها، وليس بأفراد منها، يأخذ عنهم الإجازات العلمية أو ينقل عنهم أخبارهم الأدبية، كما كانت تنحصر مهمة الرحالين المحليين السابقين. ولم يقف السويدي عند تسجيل السمات الظاهرة لبعض ما صادفه من مجتمعات زمانه، وإنما حاول سبر مكنونات هذه المجتمعات، بالنظر إلى ما تضمنه من فئات وشرائح مختلفة، والملاحظات التي ساقها بشأن مجتمع دمشق تقف دليلا على عمق نظرته العامة، ووعي ظاهر بالقوى الاجتماعية السائدة يومذاك، فلقد لاحظ أن هذا المجتمع يتألف من ثلاث «مراتب» أو «طبقات» اجتماعية، أعلاها ما يسميه ب «الطبقة العليا من أكابر وعلماء ومشايخ طريق» وأدناها «المرتبة السفلى من الينكجرية (الأنكشارية) ومن كان على طريقتهم من الأرذال الأنذال» أما المرتبة الوسطى فهم «أهل الحرف كالعطارين والبزازين والبقالين وبعض العلماء ومن ينحو نحوهم» وهو حينما يوجّه إلى الطبقة العليا انتقاداته القاسية «فراعنة كذابون مراؤون لا علم ولا عمل» فإنه يعلم أنه إنما ينتقد الطبقة التي طالما وقفت على قمة الهرم الاجتماعي للمدينة العربية، والتي تتألف غالبا من القوى الإقطاعية التقليدية (أكابر) وحلفائها من العلماء الكبار وزعماء الطرق الصوفية (علماء، مشايخ) ، ولكنه يحس الآن بأن هذه الطبقة أخذت تفقد مبررات احتفاظها بتلك المرتبة، نتيجة للتطورات الاقتصادية والاجتماعية الآخذة بالظهور في عهده (القرن ١٢ هـ/ ١٨ م)

стр. 52

والمتمثلة بصعود الطبقة الوسطى المنتجة بالدرجة الأساس، وبما أن الطبقة العليا لا تعمل، إذ إنّها تستمد ثرواتها من ملكياتها الواسعة للأرض الزراعية خارج المدن ذاتها، فإنها تفرز قيما وممارسات سلبية (التسلط، الكذب، المراءاة) . أما المرتبة أو الطبقة الوسطى، وإليهم ينتمي السويدي فعلا، فواضح أنها تضم جميع الفئات المنتجة في المجتمع (أهل الحرف) ومن هنا فإنها تفرز قيما إيجابية تحفظ للمجتمع تماسكه «فلهم رقة وديانة وصلاح وأمانة وإكرام للغرباء وحسن ظن بالصلحاء، يوادّون الغريب، ويكرمونه ويبجلونه» . ولنا أن نلاحظ هنا أن موقف السويدي من فئة العلماء- وهو نفسه معدود منهم- كان موقفا مركبا، فهو لم ينظر لهم (ككتلة اجتماعية) واحدة، ومن ثمّ فإنه لم يلحقهم، بهذه الصفة، بإحدى الطبقتين العليا، والوسطى، وإنما نظر إليهم من داخلهم، فرأى أن بعضهم قد تحالف مع الطبقة الأولى حفاظا على مصالح مادية بحتة إذ كان «لهم طريق إلى جلب الدنيا» وهم يحاولون تعزيز مواقعهم بتأكيد دورهم الروحي والثقافي لدى الفئات الأخرى «يودون أن كل أحد يقبّل أيديهم ويأخذ عنهم الطريق ولا يبالون بأحد، يظهرون للعوام أنهم الهداة المرشدون.. لهم حالة يجلبون بها قلوب العوام ويموّهون عليه ويراؤونهم» ، وليس لهؤلاء من همّ سوى جمع الثروات ولو بوسائل غير شرعية، إذ «لهم مظالم، ويتعاطون الربويات، ولهم بيوت صرفوا عليها ما لا يعد ولا يحصى، شاهقة نحو السماء بحيث لو تباهى فرعون لأنكر عليه» . أما الطبقة الأخيرة، وهي التي يسميها «المرتبة السفلى» فلا يمكن فهم موقف السويدي منها إلا عند دراسة مكوناتها، إذ من الملاحظ أنه عد «الينكجرية» على رأس هذه الطبقة، بينما نعلم أن هؤلاء هم ضباط وجنود فرق الانكشارية العسكرية المكلفة رسميا بحماية النظام والمدينة، وليس ذلك بغريب إذا ما علمنا بتحول هؤلاء- منذ قرن سابق- إلى مجرد مرادف دقيق لكلمة (رعاع) فقد انقطعت صلاتهم بالدولة المركزية، إلّا نادرا، ومن ثم تلاشت مظاهر ضبطهم العسكري، بل انخرطت في سلكهم فئات عديدة، طلبا للحماية أو

стр. 53

- في الأكثر- دفعا لضررهم، وتمثلت فرقهم جميع ما هو قائم بين تلك الفئات من علاقات وخصومات، فكثر رهجهم وزادت مشاكلهم «فهم أجلاف جفاة لا دين ولا مروءة» ، ومن الطبيعي أن يلحق بالطبقة الوسطى، (وجلّها من أهل الأسواق والحرف) ، أكبر نصيب من آثار الفوضى التي يلحقها الانكشاريون وأتباعهم بأمن المدينة وسكانها. ويبقى لنا أخيرا أن نقول: إنّ السويدي هو أول مثقف عربي- فيما نعلم- حلّل مجتمع المدينة العربية في القرون الأخيرة إلى (طبقات) اجتماعية، متميزة، لكل منها أخلاقها المستمدة من طبيعة ما تقوم به من دور، وهو بالتأكيد أول من أعطى تعبير (الطبقة) بعدا اجتماعيا اقتصاديا ثقافيا واضحا على النحو الذي شرحناه. وفي الرحلة، بعد هذا، فوائد جمّة عن بعض مظاهر الحياة الاجتماعية، فقد تطرق- مثلا- عند حديثه عن عادات أهل دمشق، إلى الكلام على زي العلماء الفاخر من «الفرى السمورية والسنجابية والقاقمية وغيرها بحيث يساوي مالا جزيلا» . ووصف عمائمهم، وعمائم من يقلدهم من الناس، ونوّه، وهو في بعض قرى جنوبي الأردن، بأكلات فاخرة، ووصف مكوناتها» من أنواع الحلويات السكرية والكاهي والخروف المحشو والمصارين المحشوة والأكارع والرءوس المطبوخة أحسن طبخ وعليها ماء الليمون والبلاو المزعفر وعليه قطع اللحم السمينة والحريرة المطبوخة مع ماء الليمون، والمخلل المعمول من الزيتون والقرع وغير ذلك» . كما أشار أيضا إلى عادات اجتماعية، وتقاليد مرعية، وأعراف شائعة، انتقد بعضها، وأقر البعض الآخر، وهي- على أية حال- تفيد الباحث في رصد الحياة الاجتماعية في المدينة العربية إبان ذلك العهد. ٧- اهتمامه بالجوانب الثقافية: يمكننا أن نعد رحلة السويدي إحدى الوثائق النادرة، عالية القيمة، التي رصدت الحياة الثقافية في المشرق العربي إبان القرن الثامن عشر، وأوضحت عمق الصلات الثقافية بين العلماء والأدباء في المدن العربية آنذاك، فقد سجّل فيها أسماء العلماء الذين التقى بهم،

стр. 54

وترجم لبعضهم، ونوه بعلومهم ومعارفهم، ودوّن عنوانات مؤلفاتهم، وثبّت شيئا مما جرى بينه وبينهم من محاورات ومناقشات علمية، وما أخذه عنهم من إجازات، وما أخذوه هم عنه، وتبرز أهمية تلك الإجازات في أنها احتوت قوائم دقيقة بالعلماء الذين أخذ عنهم صاحب الإجازة، فبيّنت من ثمّ طرق تسلسل العلم، وأخذ الرواية. كما أنه سجل نماذج من نصوص بعض الرسائل الأدبية المتبادلة بينه وبين معاصريه من العلماء والأدباء، وفيها فوائد جمّة تعبّر عن روح العصر وذوقه السائد. ولم يقصر رحالتنا اهتمامه على العلماء الذين التقى بهم، وإنما تطرق أيضا إلى وصف حالة المدارس الكبيرة التي زارها، بيد أنه انتقد تدنّي المستوى العلمي فيها، وتدهور أحوال التدريس في بعضها، فالمدرسة السليمانية بدمشق «لا عيب فيها سوى أن أصوات العلم فيها خامدة، ولا يصرف عشر العشر من أوقافها وإنما يأكله الجهلة» ، ومدرسة سليمان باشا بدمشق أيضا «العلم فيها معدوم» ، أما المدرسة العمرية فهي «عامرة ذات أوقاف كثيرة لا عيب فيها إلّا أن العلم والتدريس مفقود بها» ، ويقول «أخبرني غير واحد أن في الصالحية مدارس عدد أيام السنة إلّا أن أكثرها اندرس وأوقافها يأكلها ذوو الرتب من أهل الجهل» ، والمدرسة العادلية من أحسن المدارس إلا أنها خربة» ، بل شمل نقده جانبا، من النظام التعليمي كله، إذ ذكر أنه سمع أن في دمشق «نحو ألف مدرسة أكثرها اندرس والباقي صار منازل للناس وأوقافها يأكلها هؤلاء الجهلة. ومما اعتادوه أنهم يذهبون إلى الدولة العلية ويشتري له مرتبة تدريس على قانون علماء الأتراك فيكتسب بذلك الكبر والظلم..» . وهكذا فإنه أدرك أن جزءا من الخلل في العلمية التعليمية يكمن في قيام بعض من لا يستحق بدفع الرشاوى كي يتولى مناصب علمية، لا بسبب رغبته في ممارسة التعليم فعلا، وإنما للاستفادة مما هو موقوف على المؤسسات التعليمية من أموال. وصف النسخ المعتمدة . خلت فهارس المكتبات العامة والخاصة التي راجعناها من إشارة إلى النسخة الأصل التي كتبها السويدي بخطه، ولذا فقد اعتمدنا في تحقيقنا للنفحة على نسختين منقولتين عن

стр. 55

نسخة المؤلف مباشرة، هما: ١- نسخة بخط علي بن ملّا طالب البغدادي، فرغ منها في ٨ صفر سنة ١١٥٩ هـ/ ١ آذار ١٧٤٦، أي بعد الفراغ من الرحلة نفسها بنحو سنة واحدة، وتقع في ٢٢١ ورقة، في كل منها ١٧ سطرا، وهي بخط النسخ الجيد، مشكولة، واضحة، إلّا أن رطوبة أصابتها فطمست معالم كلمات، وفقرات، ومواضع عديدة منها. وهي محفوظة في مكتبة المتحف البريطاني تحت العدد.Add.٢٣٣٨٥ وفي خزانتنا نسخة مصورة عنها. ٢- نسخة كتبها محمد سعيد لأستاذه ملّا عبد الرحمن أفندي درّي زاده [العباسي الدوري السّهروردي] على نسخة المؤلف، في الحجرة الفوقية التي على المصلى من الجانب الشمال في المدرسة المرجانية ببغداد بتاريخ ٥ ش (شوال) سنة ١٢٤٥ هـ/ ٢٩ آذار ١٨٣٠ م. وفي أوله تمليك باسم محمد عبد المحسن [السهروردي] وآخر باسم السيد محمد سعيد مدرس [مدرسة جامع] المرادية، وتقع في ١١٤ ورقة، في كل منها ٢٢ سطرا، وهي بخط نسخ عادي، واضح. وهي محفوظة في مكتبة المتحف العراقي تحت العدد ٦٣٣٥ وفي خزانتنا نسخة مصورة عنها. ولما كانت هاتان النسختان قد نقلتا من أصل المؤلف مباشرة، وهما واضحتان تماما، باستثناء ما أصاب النسخة الأولى من رطوبة، ومتطابقتان إلّا نادرا، فإنّنا لم نجد ثمة ضرورة إلى اعتماد نسخ أخرى وردت إشارات إليها في بعض خزائن المخطوطات، لأن ذلك لن يعود على الكتاب بنفع، بل يؤدي إلى أن تتضخم الحاشية بالإشارة إلى الأخطاء التي لا بد أن يقع فيه النساخ حين ينسخون الكتاب. وهذه النسخ هي: ١- نسخة بخط حديث، في مكتبة المتحف العراقي برقم ١٢٤٩٦. ٢- نسخة بخط المرحوم إبراهيم الدروبي انتقلت إلى مكتبة مدرسة يحيى باشا الجليلي في الموصل. ٣- نسخة في مكتبة المتحف البريطاني أيضا برقم.Add.٧٣٣٧ ٤- نسخة في المكتبة الظاهرية بدمشق برقم ٥٥٨٠.

стр. 56

٥- نسخة في مكتبة كتبخانه ملي ملك في طهران منقولة عن نسخة محمد سعيد ابن المؤلف. ٦- نسخة في المدينة المنورة، برقم ٢٥٩. وثمة مختصرات للرحلة، وقطع منها، في مكتبات عدة، منها: ١- قطعة من الرحلة ضمن مجموعة في مكتبة الدراسات العليا بكلية الآداب ببغداد برقم ٤٤. ٢- رسالة منتخبة من النفحة المسكية في الرحلة المكية، في مكتبة جامعة برنستن في الولايات المتحدة، ضمن مجموعة رقمها ٢١٠/١٣. ٣- قطعة مختصرة من الأصل. في مكتبة الأوقاف المركزية ببغداد برقم ١/١٣٧٩٧. ٤- مختصر في مكتبة المتحف العراقي برقم ١١٥٠٦. ٥- مختصر في المكتبة نفسها برقم ١١٦٦٩. منهجنا في التحقيق: ١- اعتمدنا نسخة المتحف البريطاني، التي رمزنا لها بنسخة أأصلا، وقابلناها على نسخة المتحف العراقي، التي رمزنا إليها بنسخة ب، فأكملنا، أو استوضحنا ما طمس منها، وأثبتنا ذلك وسائر الاختلافات في الحواشي. ٢- تابعنا المؤلف في خط سير رحلته، فعرّفنا بالمعالم الجغرافية التي مر بها، من مدن وقرى ومحطات وأنهار وغيرها، كما عرفنا بمعظم العلماء والأدباء الذين التقى بهم، وبالمتون والشروح والحواشي التي وردت الإشارة إليها في الرحلة. وضبطنا أسماء الأعلام ونسبتهم بالرجوع إلى مصادر ترجمتهم. ٣- شرحنا الغامض من اللفظ، وبخاصة المصطلحات الحضارية التي كانت شائعة في عهده، بما يوضح مبهمه. ٤- خرّجنا الآي الكريم والأحاديث الشريفة وأثبتنا ذلك في مواضعه. ٥- قابلنا مقتبساته من الأصول المختلفة على تلك الأصول ما استطعنا إلى ذلك سبيلا،

стр. 57

وأثبتنا ذلك في مواضعه أيضا. ٦- لم نشأ أن نثقل الحواشي بإثبات اختلافات النساخ المألوفة، والأخطاء الإملائية الشائعة كجعل الممدود مقصورا أحيانا، أو جعل المقصور ممدودا، فأصلحنا ذلك كله دون إشارة في الحاشية. ٧- حولنا التواريخ الهجرية إلى ما يقابلها بالتقويم الميلادي وأثبتنا ذلك في الحواشي. ٨- وضعنا عنوانات جانبية لكل مرحلة من مراحل الرحلة، وحصرناها بين عضادتين. وبعد، فهذا هو كتاب النفحة المسكية في الرحلة المكية نقدمه للمهتمين بأدب الرحلات، والمعنيين بتاريخنا الثقافي والاجتماعي والجغرافي إبان القرون الإسلامية المتأخرة، والله تعالى نسأل أن ينفع به، إنه نعم المولى ونعم النصير. الدكتور عماد عبد السلام رؤوف بغداد ١٤٢١ هـ/ ٢٠٠٠ م

стр. 58

النفحة المسكية في الرحلة المكّيّة النص- التحقيق

стр. 59

[المقدمه] بسم الله الرحمن الرحيم أحمدك اللهم يا من سهّلت لمن أمّ بيتك صعوبة المسالك، «١» ومنحته- فضلا منك- بأن وفقته لمعاطاة جميع المناسك، والصلاة والسلام على سيدنا محمد أفضل من لبّى بالعمرة والحج، وأمثل من أتى بنسك العج والثج، «٢» وأنبل من سلك لعبادتك كل فج، وأشرف الساعين لما هنالك، وعلى آله وأصحابه الكرام البررة الخيرة العظام، الذين رووا عنه شعائر الإسلام، حتى انتشرت معالم النّسك في جميع الممالك ما طاف بالبيت طائف، وما التجأ إلى الحرم خائف، وما قصدته الرواحل في المشاتي والمصائف، في الليال البيض، والدياجبر الحوالك. [أما بعد] فيقول العبد المفتقر إلى لطف مولاه الأبدي، الراجي سبب عفوه المديد السرمدي، أبو البركات خادم الحديث الشريف عبد الله (اب) المعروف بالسويدي: إنه لما تعلقت الإرادة الأزلية بأن يعفّر هذا الجاني محيّاه، بصعيد مهابط الوحي في تيك البقاع العلية، حركت سلاسل عزمه، وشدّت حيازيم «٣» حزمه، فجزمت نيته، وصفت طويته، فبادر بالإجابة حين حيعل «٤» داعي الغيب، واستسهل المهالك بلا شك ولا ريب. ولما كانت شنشنة «٥» السلف، وهجيرى «٦» الخلف، أن يحرّروا ما وقع لهم في أسفارهم، ويودعوه بطون أسفارهم، اقتفيت آثارهم الحميدة. واقتديت بآدابهم السديدة، فجمعت مما وقع لي في السفر، وذكرت منازل مرتبة على الأثر، وسميته (بالنفحة المسكية في الرحلة المكية) ، وأحببت أن أقدّم قبل الشروع في المقصود فصلين، وإن لم يكونا عن ذلك

стр. 60

أجنبيين، أحدهما في ترجمتي اقتداء بعلماء الحديث، كالجلال الحافظ عبد الرحمن السيوطي ﵀، ولما سمعته من لفظ شيخنا العالم النحرير، والجهبذ الشهير تذكرة السلف، وعمدة الخلف، زين الملة والدين، الشيخ حسين نوح الحديثي الحنفي «١» تغمّده الله برحمته، وأسكنه فسيح جنته. ونوح هذا عمّه فنسب إليه، وكفله ورباه فعرف به. وكان نوح المذكور من العلماء العاملين، والنساك الصالحين، (٢ أ) إنه قال ما معناه: إن الحج وأعماله كناية عن الموت وما بعده، فتأهّبه وإيصاؤه كناية عن احتضاره، وخروجه من بيته كناية عن موته، وخروج أحبابه لوداعه كناية عن تشييع جنازته، وغسله للإحرام كناية عن تغسيله بعد موته، ولبسه الإزار كناية عن تكفينه، ووقوفه بعرفة كناية عن موقفه للحساب، ونفره من عرفة كناية عن انقضاء حسابه، إلى آخر ما ذكره، تغمده الله تعالى برحمته. «٢» وثانيهما في السبب الظاهري الذي أوجب هذه الرحلة، ودعا إلى هذه النقلة. في الترجمة وذلك لأن الحج- كما تقدم- كناية عن الموت، وهو الرحلة الحقيقية، فناسب ذكر ترجمتنا وما وقع لنا في هذه الدار الفانية مما يليق أن يذكر على وجه مختصر قريب من المجمل، لأنه يتعذر الإحاطة بالمفصل. فأقول وأنا الفقير الجاني، أبو البركات عبد الله بن حسين بن مرعي بن ناصر الدين السويدي: عرفت بالسويدي، أما تسميتي بعبد الله فهي وقعت ثانيا في الغرض، لما حدثتني به أمي- رحمها الله تعالى- أنها قالت: سمّاك أبوك يحيى باسم عمّ لك توفّي قبيل ولادتك، وكنت أكره أن تسمّى بذلك تطيرا وتشاؤما، حيث إن صاحب هذا الاسم، وهو عمك، لم يعش مدة طويلة، (٢ ب) فسميت بمرتضى، ثم عرض لك مرض شديد بحيث ضعفت وصرت عظاما في جراب، وأنت طفل رضيع،

стр. 61

فدخلت بعض نساء الجيران فرأتك على ذلك الضعف، فقالت: كأنه عبد الله، تريد بعض مجاورينا، وكان نحيفا في غاية النحافة، فغلب عليك هذا الاسم ولزمك، قلت: والحمد لله على ذلك لأن عبد الله أشرف الأسماء على الإطلاق، وذلك لأن الله تعالى خاطب نبيه- ﷺ في أشرف المقامات بالعبد، فقال في مقام الوحي فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى ، «١» وقال في مقام الدعوة لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ ، «٢» وقال في مقام إنزال الكتاب الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ ، وقال في مقام الاسراء «٣» سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ «٤» الآية، فلو كان له- ﷺ اسم أشرف من هذا الاسم لخاطبه به في هذه المقامات الجلية. قال الشاعر: لا تدعني إلا بيا عبد ... فإنه أشرف أسمائي ويلي عبد الله في الشرف عبد الرحمن، فمحمد فأحمد فإبراهيم. وأما كنيتي بأبي البركات فقد كناني بها أخي الشيخ الفاضل الشيخ محمد بن الصالح الناسك الشيخ حسين المعروف بابن الغلامي الموصلي، «٥» وذلك (عندما) كنا نقرأ شرح هداية الحكمة للقاضي حسين على حاشية اللاري، «٦» فجاء (٣ أ) في تلك الحاشية:

стр. 62

واعترض عليهم الشيخ أبو البركات البغدادي، (وكنت أدعى في الموصل بالبغدادي) «١» فكناني الشيخ محمد المذكور بذلك. وأما نسبتي إلى السويدي فهي نسبة إلى سويد أبي عمي من الأم، وسببها أن صاحبنا العالم الفاضل، والمحقق الكامل، الشيخ حسين بن عمر الراوي، «٢» نسبة إلى راوة «٣» قرية من أعمال عانة، «٤» لما سافر إلى عانة بقصد زيارة أهله، كان يراسلني، فيكتب في عنوان الكتاب: عبد الله بن أخي أحمد بن سويد، «٥» فاستطال ذلك فكتب مرة بدل ذلك كله: عبد الله السويدي، فغلبت هذه النسبة عليّ، وإلا فنحن ندعى بأولاد مرعي جدنا. وأما أبي حسين فكان من الأخيار الأجواد، ذا عقل رصين وشجاعة وبراعة، كبير قومه وعشيرته، يرجع أمرهم إليه، يستنيرون برأيه، ويهتدون بعقله. وكان ذا مال غزير صرفه كله على الفقراء والضيوف حتى افتقر آخر عمره، فكان يبيع من متاع البيت ويصرفه على

стр. 63

الفقراء والضيفان حتى مات مدينا. وكان له معرفة تامة بأحوال الخيل العتاق، فكان إذا شهد بفرس أنه عتيق، أو أنه هجين، أمضيت شهادته لدى أرباب الخيل، فلم يستطع أحد أن يقول بخلافه. وأما الدوري (٣ ب) ، فهي نسبة إلى الدور (قرية) «١» شرقي دجلة، على شاطئها، فوق سر من رأى، وبها مشهد عظيم يزار ويتبرك به، وله أوقاف وجامع خطبة يقال: إنه مشهد الشيخ محمد الدوري، وقد خرج من هذه القرية علماء وصلحاء لا يحصون، وهي عن مدينة السلام بغداد أربع مراحل، لكن مسقط رأسي بغداد في الجانب الغربي في محلة الكرخ. وولدت ليلا قبيل الفجر عام أربع ومائة وألف، يجمعه حروف غدق. «٢» ومات أبي وأنا ابن خمس سنين تخمينا، وخلّف من الأولاد غيري، شقيقي مرعي وموسى، «٣» وشقيقتي حليمة، وأخي لأبي محمد، وشقيقته آمنة. (و) مات موسى عام اثنين وثلاثين ومائة وألف «٤» في طاعون بغداد، «٥» وكذا أمي ماتت بهذا التاريخ بعلة الطاعون رحمهم الله تعالى. وماتت شقيقته آمنة بعد موت أبيها بقليل. والحاصل أنه بعد وفاة أبينا بقينا لحما على وضم، «٦» لا حال ولا مال، ولا لبد «٧» ولا سند، ولا تالد ولا طريف، ولا ناطق ولا صامت، أيتاما لا كافل لنا ولا مربي، ولا ينظر إلينا أحد ممن كان مغمورا بإحسان أبينا، (٤ أ) فبقينا بعد ذلك برهة من الزمن تغزل أمنّا القطن وتنفق علينا منه. وكان عمنا أخو

стр. 64

أبينا لأمه الشيخ العارف العامل، والعالم الكامل، المتلقي سائر الفنون، ولا سيما التصوف، عن مشايخ عظام وعلماء، سيدي الشيخ أحمد ابن سويد الصوفي، «١» غائبا عن البلد في القسطنطنية، فلما سمع بموت أبينا أخيه، شدّ الرحل على الفور، وتوجه إلى مدينة السلام بغداد، فجاءنا ونحن على آخر رمق، فكفلنا وربانا وأحسن تربيتنا، إلّا أن كسوتنا غالبها على أمّنا على طريقتها السابقة، فبعد مجيئه بثلاثة، «٢» أرسلنا إلى الكتاب، والشيخ فيه إذ ذاك شيخنا الصالح الناسك الورع التقي العالم العامل الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ محمود، من أهل ما وراء النهر، «٣» فختمنا عنده القرآن، وأقرأنا رسالة في التجويد، وتعلمنا عنده الكتابة، ﵀ رحمة واسعة في الدين والدنيا «٤» والآخرة. ثم أن عمّنا ضمنا إليه ليعلمنا حسن الخط، وكان له خط في غاية الجودة ثلثا ونسخا على قواعده المعلومة عند الكتّاب، فأخذ يعلمنا قواعد الكتابة إلى أن مهرنا بها غاية المهارة، لأنه- رحمه الله تعالى- كان (٤ ب) يحرضنا عليها ويحثنا على تعلمها إلى أن بقيت أسود مشقي على ضوء القمر. ثم إنه- ﵀ أرسلنا إلى الشيخ حسين نوح المتقدم ذكره لتعلم العلم. وكان شيخنا هذا يدرس بالمدرسة العمرية، نسبة إلى والي بغداد إذ ذاك عمر باشا «٥» - رحمه الله تعالى- وهو قد بناها لأجل شيخنا المذكور، فهو أول من درّس بها

стр. 65

التدريس العام. وهذه المدرسة على كتف دجلة في الجانب الغربي، «١» شرقي جامع القمرية، بفتح القاف والميم ملاصقة له، فأمرني الشيخ- ﵀ بحفظ الأجرومية متنا وإعراب أمثلتها، فحفظتها وأتقنتها غاية الإتقان، فكان إذا وقف أحد من الطلبة في إعراب بيت أو مثال، يقول: سلوا الأسد، يعنيني، ﵀. هذا وفي أوان اشتغالي كان إخوتي يتعاطون أمور الدنيا، وكانت والدتي- رحمها الله- بلهاء، وكان نساء المحلة يضحكن عليها، يقلن لها: أيش ينفعك العلم، وأنت امرأة أرملة، وابنك الكبير لا يساعدك في شيء؟ فكانت- رحمها الله- تقول: يا ولدي! نحن فقراء، وأنتم أيتام. هب أن عمّك يطعمك فمن يكسوك، وأنا لا أصغي لها، حتى ألحت (٥ أ) علي في ذلك وقطعت كسوتها عني، كل هذا نشأ من بلهها وإغراء نساء الجيران إيّاها، وإلّا فهي في حد ذاتها مباركة، رحمة الله عليها. فبقيت أيام الطلب في غاية الاحتياج بحيث إني لا أجد ما أشتري به شمعا أو شيرجا لمطالعة دروسي، وكنت أطالع على ضوء القمر وعلى سرج السوق أيام مبيتي في المدرسة المرجانية «٢» وبقيت مدة مديدة ما أكلت لحما، لأني وقت العصر آخذ من بيت

стр. 66

عمي رغيفا من الخبز وأذهب إلى المرجانية إلى ثاني يوم أفعل مثل الأوّل، وكان العشاء «١» عادة يؤكل بعد المغرب، فلذلك ما أكلت لحما هذه المدة. وكان [في] هذا الرغيف بركة كثيرة، فكنت أنا والشيخ حسين الراوي والشيخ محمد العاني «٢» والشيخ أحمد الآلوسي «٣» نأكل منه وتبقى منه لقيمات. وكذلك أيام كنت بالمدرسة الأصفهانية المسماة اليوم بالمدرسة الأحسائية، «٤» وهي على شاطىء دجلة الشرقي، على يسار محكمة القاضي، «٥»

стр. 67

[و] وكنت أنا، والشيخ محمد بن عبد الرحمن الأحسائي، والحاج إبراهيم الصديقي، «١» نأكل من هذا الرغيف وتبقى منه لقيمات حتى تجمع عندي لقم كثيرة في الأسبوع. وكنت إذا لبست (٥ ب) الثوب لا أخلعه حتى يتمزق لعدم الصابون. وكان يطول شعري كثيرا فلا أجد ما أحلقه به، وكان إذا أصابني الاحتلام أغتسل بالماء البارد أيام الشتاء البارد بالماء البارد البائت، وكنت إذا نمت أيام الشتاء أنام بلا غطاء خشية أن أستغرق في النوم فتفوتني المطالعة. والحاصل وجدت أيام الطلب من المشاق والجوع والسهر والعري والإفلاس ما لا طاقة [لي] به لولا إسعاف الله ولطفه. وكنت مع هذه المشاق أجد للطلب لذة عظيمة، «٢» حتى إني- والله- إذا رأيت أبناء الملوك وأهل الرفاهية أقول في نفسي: هؤلاء لا لذة لهم في حياتهم. وبقيت على هذا الجد والاجتهاد حتى فقت أقراني، ومن كان في الطلب قبلي بسنين، بل ولقد فقت «٣» أكثر مشايخي حتى إن بعضهم شرع في القراءة عليّ. ثم إني سافرت إلى الموصل عام سبع وعشرين ومائة وألف، «٤» لتحصيل علم الحكمة والهيئة، فبقيت في الموصل ثلاثة عشر شهرا حتى أكملت جميع الفنون. ومن منن الله تعالى عليّ أيام كنت بالموصل أنّه لما جاء الخريف، وكان الوقت باردا، ولم يكن عندي ما أتغطى به سوى عباءة، وكان لي عادة (٦ أ) أني (ما) «٥» أنام في ثيابي بل أخلعها وألبس غيرها، ولم يكن عندي غيرها إلا قباء «٦» عتيق، فكنت ألبسه وأتغطى بالعباءة، فخطر في بالي ليلة من الليالي كيف يكون حالي إذا دخل كانون وشباط؟ ثم إنّ الله ألهمني أن قلت:

стр. 68

يا عبد الله! أما قرأت العقائد حيث ذكروا أن الشبع والدفء يخلقهما الله عند الأكل واللبس لأنهما يدفعان الجوع والبرد، يمكن أن يشبع الإنسان بلا أكل، ويدفأ بلا لبس، لأن الله هو الفاعل لذلك. فنمت على هذه العقيدة، فرأيت كأن قائلا يقول لي: اقرأ ما على طوقك، فنظرت إلى طوقي فلم أستطع ذلك، فقلت: إني لم أستطع ذلك، فاقرأ أنت ذلك، فقال: مكتوب على طوقك هذه براءة من العزيز الجبار لعبد الله من البرد والحر والنار! فانتبهت وأنا غرقان من شدة الحر. ومن فضله تعالى ما وجدت بردا ولا حرّا مع شدة البرد والحر في تلك السنة، وأنا أرجو من الله أن لا أجد ألما يوم القيامة. ومما وقع لي أيام الطلب في الابتداء أني ما حفظت الأوجه الخمسة في «لا حول ولا قوة» ، فنمت فرأيت رجلا يلقنني إياها، (٦ ب) فانتبهت وأنا أحفظها على الإتقان، وكنت إذ ذاك أقرأ الأجرومية «١» وشرحها. ومما وقع لي أيام حفظي لألفية ابن مالك المسماة بالخلاصة، «٢» أني وظفت على نفسي كل يوم «٣» حفظ خمسة أبيات، فكنت قبيل المغرب أنظر في الكتاب مرّة واحدة وأطبقه وما في حفظي من وظيفتي شطر بيت، فإذا أصبحت وجدتني أحفظ الأبيات الخمسة. والحاصل أني نلت في الطلب نهاية التعب، وغاية النصب، مع عدم المساعد والمعين والناصر والظهير، حتى حصلت على أكثر الفنون من سائر العلوم، شرعية وعقلية، أصولية وفقهية، ولا سيما العلوم العربية. وبرحلتي إلى الموصل كمّلت جميع الفنون سوى الرّمل والزيج «٤» والسحر.

стр. 69

ثم أنه تعالى منّ عليّ بزوجة صالحة موافقة، فصبرت على فقري، وكانت تحرضني على الاشتغال بالعلم، فجاءني- والحمد لله- منها أولاد نجباء صلحاء علماء، يبرون بي، فلا يصدر عنهم عقوق، ولا يقصرون معي في حق من الحقوق، أجلهم وأسنهم أبو الخير عبد الرحمن الشعراني نسبة يكون «١» ، وذلك أني كنت أطالع المنن «٢» لسيدي الشيخ عبد الوهاب الشعراني، وذلك بعد أن بنيت بزوجتي (٧ أ) بأسبوع أو أقل من ذلك أو أكثر، فرأيت فيها قول الشيخ: وممّا منّ الله به عليّ أن ولدي عبد الرحمن من زوجتي فاطمة لا يخالفني ولا يعقني. هذا معنى ما ذكره الشيخ، واتفق أن اسم زوجتي فاطمة أيضا، فقلت لها: يا فاطمة! انظري إلى ما قال الشيخ، فإن منّ الله علينا بابن لأسمينّه عبد الرحمن، تبركا باسم ابن الشيخ، لأنه عبد الرحمن بن فاطمة، وهذا عبد الرحمن ابن فاطمة، ولأجعلن نسبته الشعراني، نسبة إلى الشيخ الشعراني. ولد عبد الرحمن هذا في ليلة عشر ذي القعدة، بعد نصف الأربعاء بقليل، عام أربع وثلاثين «٣» ومائة وألف، «٤» وهو- ولله الحمد- «٥» في هذا العصر من أهل الفضل في أكثر الفنون، شرعية وعقلية وعربية، وله مؤلفات في بعض الفنون وحواش متفرقة، وله ديوان شعر، ونظمه في غاية الجودة، وفّقه الله لطاعاته، وأدرّ عليه غيوث مبراته، ورضي عنه رضاء لا ينقطع عدده، ولا ينتهي مدده. ثم يليه في السّن البنت العفيفة المصونة الساكنة الصالحة العالمة العالمة أم الخير رقية،

стр. 70

والحاصل على تسميتي لها برقية أنّي لما وصلت في شرحي (٧ ب) لدلائل الخيرات «١» إلى عدّ أولاده- ﷺ فنمت فرأيت كأني جالس، مع النبي- ﷺ وبضعته الطاهرة سيدتي رقية مضطجعة كأنها نائمة، والنبي- ﷺ يداعبها [و] يقول: من فات مات، مراده- ﷺ بذلك إيقاظها كي تجلس، فانتبهت وحمدت الله على أن جعلني محرما مع أهل بيته- ﷺ فنذرت إن جاءتني أنثى لأسمّينّها برقية تبركا باسم بضعة المصطفى- ﷺ وكانت بنتي رقية إذ ذاك حملا، والحمد لله أن بركة السيدة رقية ظاهرة عليها فإنها قرأت القرآن أربعين «٢» وحفظت رسائل التجويد كالمقدمة الجزرية. «٣» وقرأت شمائل الترمذي «٤» والبخاري والشفاء للقاضي عياض «٥» ولها إجازات في سائر كتب الحديث، وحفظت الأوراد والأحزاب، وقرأت شرح بانت سعاد، وقرأت الفقه الشافعي، والفقه الحنفي، وحفظت طرفا من الأجرومية. وهي إلى الآن في جد في طلب العلم، وفقها الله لطاعاته، ورضي عنها رضاء يستدر جميع خيراته، وقد أجزتها جميع ما يجوز لي وعني روايته، (٨ أ) ونساء عصرها ممّن هن من أهل الفضل يستجزن منها الحديث. ولدت رابع عشر شوال، ضحى يوم الاثنين من سنة سبع وثلاثين ومائة وألف. «٦» ويليها في السن أبو السعود محمد، وكان سبب تسميته بذلك أني كنت وقت حمله أطالع فضل التسمية بمحمد، فنذرت إن جاء هذا الحمل ذكرا لأسمّينّه محمدا، فجاء- والحمد لله- فسميته محمدا، وكنيته بأبي السعود. والحمد لله- هو اليوم من أهل

стр. 71

الفضل في قراءة القرآن مع تجويده، وفي قراءة النحو والتصريف والفقه والمنطق والاستعارات والعروض ماهر محقّق. وله شعر رائق، ونثر فائق، وصلاح تام، واشتغال عام، وهو إلى الآن في طلب العلوم، وفقه الله لصالح الأعمال، ورضي عنه على مرّ الليالي والأيام، آمين، ولد ضحى رابع عشر محرم الحرام يوم الجمعة من سنة إحدى وأربعين ومائة وألف. «١» ويليه في السن أبو الفتوح إبراهيم، كنّي بذلك لأنه عام ولادته دفع الله نادر شاه عن بغداد، «٢» وإبراهيم هذا صغير الآن، لم يبلغ الحلم، لكنه قرأ القرآن، وشرع بحفظ متن الأجرومية. ولد في ذي القعدة عام ١١٤٦. «٣» ويليه في السن سارة، وهي الآن صغيرة، ولدت ضحى يوم (٨ ب) الخميس العاشر من محرم سنة. «٤» ١١٥٠. ويليها شهاب الدين أحمد، وهو الآن صغير ابن أربع سنين، ولد يوم الأحد، السابع والعشرين من جمادى الآخر سنة «٥» ١١٥٣ وصفية، وهي الآن رضيعة، ولدت ليلة الجمعة ٢٨ من رجب سنة «٦» ١١٥٥ ومات لي ابنان عبد الوهاب وحسين، وبنتان زينب وحفصة. والحمد لله: إنه صار لي جهات «٧» ووجه معيشة، ونصبت مدرسا في آستانة «٨» قطب العارفين سيدي أبي صالح محيي الدين عبد القادر الجيلي، قدّس سرّه، وصرت- والحمد لله- بحيث يشار إلىّ بالبنان، يوقّرني العامة والأعيان، ويرفع محلي الولاة، وتتمنى رؤيتي القضاة، مسموع الكلمة، نافذ الأمر. سبحانك! لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت

стр. 72

على نفسك. وكل هذا أيها الواقف على هذه الرحلة من بركات العلم وخدمته، فالحمد لله الذي جعلنا «١» بمنه وأكرمنا بإكرامه. وقد عنّ لي أن أذكر مشايخي وما رويت عنهم وقرأته عليهم، نفعنا الله بهم، فأقول: أخذت متن الحديث من جماعات أعلام، وأئمة كرام، منهم المحدث الكبير، والعالم الشهير، رحلة «٢» المحدثين، وعمدة المحققين، ذو (٩ أ) النسب الأعلى، والحسب الأبهى، الزاهد الورع، سيدي أبو الطيب أحمد بن أبي القاسم بن محمد المحمدي المغربي ثم المدني، «٣» المنسوب إلى حمزة بن إدريس الأصغر بن إدريس الأكبر بن إبراهيم «٤» بن محمد [ذي] النفس الزكية بن عبد الله المحض «٥» بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃. ومنهم سيدي وعمي بركة العباد، وعلم الرشاد، مشكاة المعارف الربانية، ومهبط التنزلات الرحمانية، الجامع بين الحقيقة والشريعة، والحائز من الكمالات كل روضة ريعة، «٦» سيدي ووالدي الشيخ أحمد بن سويد الصوفي، تغمده الله برحمته، وأسكنه فسيح جنته، آمين. ومنهم سيدي خاتمة المحققين، وسلطان المدققين، الجامع بين المعقول والمنقول، ومخرج الفروع والأصول، البارع في الفنون العربية المقصود في حل الغوامض الأبية، سيدي جمال

стр. 73

الملة والدين الشيخ سلطان بن ناصر الخابوري الجبوري الشافعي، «١» ﵀ رحمة تدفقت حياضها، وتأنقت رياضها. ومنهم سيدي السالك مسالك الرشاد، والمتمسك بجميع أحواله بعروة السداد، المتبحر في المعارف الإلهية، والمشار إليه بأنه ذو الرتبة العلية، الصالح الناسك الورع (٩ ب) الصوفي، الشيخ محمد بن عقيلة المكي الحنفي. «٢» ومنهم سيدنا الفقيه الصالح، والعالم الناجح، ذو الأخلاق الرضية، والأحوال السنية، سيدي الشيخ علي الأنصاري من بني النجار الأحسائي الشافعي. «٣» وممن أجازنا السيد السند عبد القادر المكي الحارثي. «٤» وممّن أجازنا بالأثبات والسندات، صاحباي العلمان المتبحران الصالحان الناسكان اللذان أخذا من التحقيق أوفر نصيب، وحازا جميع الفنون بالفرض والتعصيب، سيدي ذو التصانيف العديدة، والتحارير المفيدة، الملقب بالسيوطي الصغير، الشيخ أبو بكر جمال الشريعة ابن شيخنا محمد بن عبد الرحمن المفتي ببغداد «٥» على المذهب الشافعي، رحمهم

стр. 74

الله. وأبو بكر هذا أخذ عن الفقير، فصار حديثنا مديحا. وسيدي ذو التحقيق الباهر، والفهم الذي يتوقد توقد النيران في الدياجر، والمحدث الأصولي، أبو محمد الشيخ حسين بن عمر الراوي، الملتجئ إلى الحرم المكي، ﵀ رحمة واسعة في الدنيا والآخرة، آمين. وهذا الشيخ حسين قد قرأ عليّ فصرنا معه كالشيخ أبي بكر المتقدم. وممن أجازنا بالأثبات والسندات جماعة كثيرون من أهل العصر، غفر الله لنا ولهم آمين. ولبست الخرقة، وكانت عرقية، «١» عن شيخنا (١٠ أ) الشيخ محمد بن عقيلة، أيام إقامته في بغداد عام ١١٤٥، وأخذت عنه تلقين الذكر وجميع مسلسلاته التي جمعها في تآليف له، وهي خمسة وأربعون مسلسلا. وأخذت حديث المصافحة عن العارف بالله، والدّال عليه، الشيخ المرشد، المسلك، مربي المريدين، ومرشد السالكين، سيدي السيد مصطفى البكري الصديقي، «٢» سبط الحسنين الأحسنين. وحديث المصافحة هذا هو قوله، ﷺ : من صافحني أو صافح من صافحني بست أو سبع دخل الجنة. وفي رواية: من صافحني أو صافح من صافحني إلى يوم القيامة دخل الجنة. لا حديث المصافحة المشهور المروي عن أنس، ﵁، حيث قال: صافحت بكفي هذه كفّ رسول الله ﷺ ، فما مسّت خزّا ولا حريرا ألين من كفه ﷺ ، إلى آخره. «٣» والحاصل أني أروي جميع ما تضمنه ثبت

стр. 75

الشيخ أحمد النخلي «١» المتصل إليّ عنه بواسطة الشيخ حسين الراوي، وبواسطة الشيخ عبد الكريم الشراباتي الحلبي. «٢» وبواسطة الشيخ محمد بن رفة، «٣» وبواسطة الشيخ العالم الكبير، والفاضل (١٠ ب) الشهير، سيدي السيد محمد الطرابلسي، «٤» وبواسطة سيدي الشيخ علي الدباغ. الحلبي. «٥» وجميع ما تضمنه ثبت الشيخ عبد الله بن سالم المكي المشهور بالبصري، «٦» المتصل إليّ عنه بواسطة هؤلاء المذكورين. وجميع ما تضمنه ثبت الشيخ محمد بن سليمان
следующие страницы →