← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 12086

النفحة المسكية فى الرحلة المكية

السويدي

Полный текст (353 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أواه ما فعل البعاد بمغرم ... ألف التلاف وذاق كأسا حنضلا «١» أواه من حر النوى وحريقه ... فلقد أراني الموت أحلى منهلا (٤٨ ب) أواه من وصب الفراق وجوره ... فقد وجدت الصعب فيه أسهلا أواه قد جار الزمان بغدره ... فقضى ببعدي عن مناي وأسجلا أواه شوقي قد تلظت ناره ... أيلام صب أن ينوح «٢» ويعولا ويلي على جفن تقرح داميا ... فغدت دماه من السحايب أهطلا ويلي على عين تمكن سهدها ... فنفى الرقاد ورام جفني منزلا ويلي على قلب تقطع بالنوى ... أنى يرى من بعد ذاك توصلا ويلي على نفس تذوب صبابة ... أضحى تمنيها التلاق تعللا ويلي على جسم تضاعف ضعفه ... أضناه بعد للديار وأنحلا آه على ذاك الزمان وطيبه ... ما كان أحلاه عليّ وأجملا آه على عيش تصرّم وانقضى ... ما كان أهناه عليّ وأفضلا آه على تلك الأحبة سادة ... ما حال قلبي عنهم أو بدّلا (٤٩ أ) آه على سكن ألفت وداده ... (لم ينس قلبي وده ولا سلا) «٣» آه على دار السلام مغاني ... القوم الكرام ذوي السيادة والعلا فالله أسأل أن يمن بفضله ... ويردني نحو الديار تفضّلا وكان مدّة إقامتنا في الموصل اثني عشر يوما، وخرجنا منها يوم الاثنين، السابع والعشرين

стр. 107

من ربيع الثاني. «١» [بادوش] وكان مرحلتنا بادوش، بتحتية موحدة، فألف فدال مضمومة فواو ساكنة فشين معجمة آخر الحروف، وهو خان قديم على كتف دجلة حواليه بيوت قليلة، والمسافة نحو بريد. «٢» [الموصل القديمة أو أسكي موصل] وتليها مرحلة الموصل القديمة والترك يقولون أسكي موصل، وهو المشهور المتداول على ألسنة العامة. وهي بلدة كبيرة خراب، رسوم سورها وأسواقها وأبوابها ظاهرة، وهي أيضا على دجلة، والظاهر أن لها اسما غير هذا فنسي، «٣» إذ لم أظفر في شيء من كتب التواريخ بأن الموصل بلدتان قديمة وحديثة. والمسافة خمسة فراسخ. [تل موس] بفتح التاء وتشديد اللام وضم الميم وسكون الواو بعدها سين مهملة آخر الحروف. و (هو) «٤» تل عال مدور (٤٩ ب) وحوله عين ماء عذب صاف حار يخرج من تحت الجبل،

стр. 108

وحوله قرية صغيرة قديمة هي الآن خراب «١» والمسافة نحو بريد. [عين زال] وتليها مرحلة عين زال بزاي معجمة فألف فلام آخر الحروف «٢» ، وهي عيون كثيرة على وجه الأرض، وماؤها عذب إلّا أنه دون عين تل موس عذوبة وصفاء، وحولها قرية صغيرة خراب، والمسافة سبعة أميال. وفي هذه المرحلة أخذ جمالنا نوع من الجنون فنفرت وألقت أحمالها وأقتابها «٣» ، فبعد تعب شديد، ومشقة عظيمة، حتى ضبطت، ومات واحد منها في الحال وواحد نفر فلم يقدر على رده فضاع ولم يعلم خبره. والحاصل أن الجمال الباقية بقيت سكرى إلى آخر اليوم، فسألت عن سبب ذلك فقيل: إنها أكلت شجرة الغزوح «٤» ، وكل حيوان حتى بنو آدم إذا أكلوا منها اعتراهم شبه الجنون، حتى أن بعض الناس يضعها في التتن «٥» فإن شربها الإنسان أخذته خفة وطرب وجنون، يتخيل له أشياء لا وجود لها، فتارة يضحك، وتارة يبكي، وتارة يخيل له أنه في بحر مغرق، وتارة يخيل له أنه على ظهور الخيل، (وتارة يغني وغير ذلك من الأمور غير المنتظمة. وقد رأيت هذه الشجرة) «٦» فإذا هي قضبان (٥٠ أ) دقاق خضر لها ورد أصفر

стр. 109

صغير أشبه شيء بالشيح. [صفيّة] وتليها مرحلة صفيّة كسمية مصغرا، وهي عين ماؤها في غاية الصفاء، يجري أولا على أحجار كالصفي، سميت بذلك إما لصفاء مائها أو لكونها تجري على صفاة «١» ، وماؤها عذب يشبه ماء دجلة، والمسافة كالتي قبلها ستة فراسخ. [الرميلة] وتليها مرحلة الرميلة بالتصغير، وهي عين ماؤها عذب خفيف، قيل: إنه أخف المياه، سميت بذلك لأن مقرها ومجراها رمل، والمسافة ستة فراسخ «٢» . وعند هذه العين خرج علينا ونحن نزول قطّاع طريق من نحو جبل سنجار فاستاقوا من جمال القافلة، وهي في المرعى، سبعة وتسعين جملا فأدركهم الطلب فلم يردوا جملا منها. وأخذت عشر أفراس منا، وقتلت فرس، وجرح اثنان أحدهما مشرف على الهلاك. [المتفلتة] وتليها مرحلة المتفلتة، اسم فاعل من تفلت، في آخره هاء التأنيث، وهي عين ماء عذب، سميت بذلك لتفلت مائها وقت السيل، والمسافة أربعة فراسخ ونصف. [أزناوور] وتليها مرحلة أزناوور، بهمزة مفتوحة فزاي ساكنة فنون فألف فواو مضمومة فواو ساكنة فراء مهملة «٣» . وهو نهر يخرج من عين أو اسم العين، أو اسم لتل عظيم ثمة مشرف على النهر، (٥٠ ب) والمسافة نحو خمسة فراسخ ونصف.

стр. 110

[نصيبين] وتليها مرحلة نصيبين على صيغة جمع المذكر السالم لنصيب. وهي قرية وخمة، وهواؤها ردىء وخم، وماؤها أردأ، وجوه أهلها صفر من كثرة الحمى التي فيها، وهي مشرفة على الخراب «١» ، لا جمعة فيها ولا جماعة، وأهلها مجردون عارون من الفضائل والكمالات، بل وعن جميع الطبائع الإنسانية. واجتمعنا فيها مع صاحبنا محمد أفندي حاكم ماردين، وأعطانا بغلة شهباء. دخلناها يوم الأربعاء السادس من جمادى الأولى «٢» ، وأقمنا فيها ثلاثة أيام غير يومي الدخول والخروج. وخرجنا منها يوم الأحد العاشر من الشهر المذكور، فالحمد لله على أن نجانا منها، وفيها أقول: عرّج ركابك لا تنزل نصيبينا ... واربح جمالك بل دنياك والدنيا أرض تصيد بها الحمّى على عجل ... طير الفلاة وإن سامى السماكينا أرض بها الدين والإسلام مفتقد ... والخير عنها بعيد نازح حينا أرض بها الشر لم يبرح ببقعتها ... مستوطنا دهره حتما وتمكينا والمسافة خمسة فراسخ ونصف. ومنها كتبت للولد القلبي حسين كتابا ولم أودعه في الرحلة لضيق الوقت.

стр. 111

[قره دره] وتليها مرحلة قره دره، وهي لغة تركية معناها الوادي الأسود. نزلنا على ماء عذب جار، هي فوق دارا بنصف فرسخ، وسميت بذلك باسم قرية عند منبع هذا الماء، كذا قيل. والمسافة خمسة فراسخ. [دنيسر] وتليها مرحلة دنيسر بضم الدال فنون مفتوحة فياء للتصغير ساكنة فسين مهملة مفتوحة فراء مهملة آخر الحروف، والترك يسمونها بقوج حصار، معناه حصار واسع كبير «١» . وهي بلدة قديمة تدل آثارها أنها كانت عظيمة ولم يبق فيها الآن إلّا بيوت قليلة، وليس فيها جمعة ولا جماعة إلّا أن هواءها معتدل، وماؤها عذب خفيف، وتربتها طيبة، لها جامع كبير واسع قديم من محاسن الدنيا بناء وعمارة إلا أن نصف قبته ساقط والباقي متداع، فدخلته واعتكفت فيه نصف ساعة، وله محراب في غاية الجودة عليه كتابة عربية وكوفية، مكتوب عليه بعض آيات قرآنية «٢» ، وعليه اسم السلطان خالد بن أيوب «٣» . وللجامع صحن واسع تحيط به جدران عاليه (٥١ ب) شامخة، تكتنفه منارتان رفيعتان في غاية الجودة والحسن، تشبهان منارة الجامع الكبير في حلب، إلا أن هاتين أحسن وأحكم بناء، وللمصلى الداخلي باب، عن يمنيه محراب وعن شماله آخر، ويكتنفه أربعة شبابيك يمينا

стр. 112

وشمالا. وفي وسط البلدة منارة قديمة إلا أن جامعها مندرس وفي موضعه بيوت للسكنى، وفي خارجها في سفح التل العظيم المطل عليها منارة أرفع من تينك وأحسن، حواليها ضيعة نصارى. والمسافة تسعة فراسخ، وأقمنا فيها يومين غير يومي الدخول والخروج، وخرجنا منها يوم الخميس الخامس عشر من الشهر المذكور. [مشقوق] وتليها مرحلة مشقوق على صيغة مفعول، وهي جبال صغار، وذات جنادل سود، سمي بذلك لكون جبالها متشققة يحقن فيها ماء المطر ويبقى إلى العام القابل، والمواضع المجوفة التي يحقن فيها الماء تزيد على مائتي موضع، والمسافة أربعة فراسخ. [دده قرخين] وتليها مرحلة دده قرخين، بوزن غسلين، وهو مشهد ولي من أولياء الله تعالى، على قبره قبة صغيرة، وبجانبه واد كثير الأشجار طيب الهواء والماء، يكتنفه جبلان وهو بينهما، على حافتيه (٥٢ أ) أشجار السدر، وماؤه من الأمطار، وعليه قنطرة لها ثمانية طاقات وذلك لأن الوادي المذكور يمتلئ ماء أيام المطر فيمنع الناس، فبنى المرحوم المبرور الحاج عمر الموصلي هذه القنطرة، جزاه الله تعالى خيرا، والمسافة تقريبا أربعة فراسخ ونصف. [العطشان الطويل] وتليها مرحلة العطشان الطويل، وهو تل عظيم ذو جنادل سود «١» ، ولقد رقيت عليه فوجدت على ظهره قبورا ظاهرها أنها ليست قبور المسلمين. وعنده قليبان «٢» ماؤهما عذب ترد القوافل منهما، والمسافة نحو ما قبلها. [أصلان جايي] وتليها مرحلة أصلان جايي، وهو عبارة عن واد يحقن فيه ماء المطر، يكتنفه كهف

стр. 113

عظيم من حجر، والمسافة عشرة أميال تقريبا. [مرج ريحان] وتليها مرحلة مرج ريحان بفتح الميم وسكون الراء فجيم. وريحان هو النبت المعروف، وفيه عين ماؤها في غاية العذوبة. والمسافة اثنا عشر فرسخا ونصف وأقمنا في هذه المرحلة يوما لتستريح الدواب. [الرها] ويليها مرحلة الرها، بضم الراء. وهي بلدة «١» طيبة التربة معتدلة الهواء عذبة الماء، ذات بساتين وأشجار كثيرة الفواكه والثمار. أهلها ذوو أخلاق رضية، ومكارم سمية، بها (٥٢ ب) الدين ظاهر، والعلم زاهر، والصلاح ذائع، والخير شائع، عمر ها الله بالخيرات، وحفظها بأنواع المسرات. دخلناها يوم الأربعاء العشرين من جمادى الأولى «٢» ، وخيمنا في ميدان الجريد «٣» في ظاهرها، وكان فيها بقية طاعون فانقطعت ونحن هناك والحمد لله تعالى. دخلنا يوم الخميس داخل البلد، وتفرجنا على أسواقها وخاناتها وحماماتها وبيوتها، فإذا هي أحسن

стр. 114

بلاد الإسلام مساكن وساكنا، ودخلنا مدرسة الوزير واليها أحمد باشا حمّال أو غلي «١» ، وفيها جامع حسن البناء وبستان زاهية زاهرة، [و] ما في المدرسة عيب سوى مدرسها. وشاهدنا العين المسماة بعين خليل الرحمن، فإذا هي بحيرة ماء فيها سمك كثير، يزعم أهل تلك الناحية أن هذه العين نبعت حين ألقي سيدنا إبراهيم الخليل في النار «٢» . ورأيت تمثالين يزعمون أنهما على صورة المنجنيق الذي ألقي فيه (سيدنا) «٣» إبراهيم- على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام- والذي ذكره القاضي البيضاوي في التفسير «٤» وغيره: أن المكان الذي ألقي فيه سيدنا إبراهيم (٥٣ أ) كوثا بلدة في إقليم بابل والله تعالى أعلم. وصلينا الجمعة في جامع المدرسة المذكورة، واجتمعنا بخطيبه العالم الصالح الناسك محمد أفندي، فأكرمنا غاية الإكرام، واحترمنا نهاية الاحترام، وجلس معنا متأدبا أدب التلميذ مع شيخه، وسألنا الدعاء، وفّقه الله لصالح الأعمال، وسلك به أحسن الأحوال آمين. وجاء إلى زيارتنا ونحن في المخيم عالم الرها وفريدها وفاضلها ووحيدها، العلامة بالإجماع، والفهامة بلا دفاع، سيدي حسن أفندي المنصوري المعروف بحليم زاده، المدرس بمدرسة كاتب العربية، فجلس معنا متأدبا متواضعا، والتمس منا أن ننقل له مذاكراتنا مع علماء العجم فنقلناها، وهو مصغ متأدب غاية الأدب، وسألنا الدعاء، حفظه الله من كل بلاء. وثاني يوم زيارته لنا قصدنا زيارته في مدرسته فأكرمنا وأعزنا، وجرت بيننا عبارة

стр. 115

القاضي البيضاوي الواقعة على قوله تعالى وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ، فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ «١» حيث قال «٢» : والتغليب للإيجاز انتهى. وكنت أنا (٥٣ ب) السائل فأخرج حواشي شيخي «٣» زاده وغيرها فتكلموا عليها، فأوردت على ذلك إيرادات سلمها، وهذا الموضع تكلم عليه جميع محشّي البيضاوي، فمنهم من تمحل له جوابا، ومنهم من استشكله حتى إن سنان باشا في حواشيه «٤» وسعدي أفندي «٥» والشهاب الخفاجي «٦» قالوا: إن هذه العبارة من مشكل هذا الكتاب. قلت: وهذا هو الواقع، فقد رأيت لعلماء العجم نحو أربعة عشر جوابا كلها منظور فيها، ولعلماء الروم نحو سبعة أجوبة منظور فيها، والله تعالى أعلم وسيأتي الكلام عليه أيضا. ثم سألته عن عبارة الملا عصام «٧» في حواشي البيضاوي على قول البيضاوي في قوله تعالى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ «٨» حيث قال البيضاوي «٩» : أكد

стр. 116

تهديده من عدة وجوه «١» فقال عصام: قد عد المحقق التفتازاني وجوه المبالغة من عشرة أوجه، فعدها، إلى أن قال: ولو جعل كنت بمعنى صرت لكان أعلى كعبا، إلى آخر عبارته. فقلت له: ليس لفظ كنت في الآية ولا في عبارة البيضاوي، فتأمل كثيرا واستشكل الأمر فذكرت له الجواب، فطار به فرحا، واستحسنه كثيرا، (٥٤ أ) وكان في حجرته تلامذته وكلهم ذوو استعداد في المعقول والمنقول، فقبلوا يدي وسألوني الدعاء، لطف الله بنا وبهم آمين. وفي هذا اليوم دعانا، ومعنا حسن أفندي، النجيب السعيد عبد الله بك ابن أحمد باشا والي الرها، فأضافنا ضيافة عظيمة، وأكرمنا إكراما جزيلا، وكذا أضافنا مرة ثانية، وخدمني بنفسه، وفّقه الله للخير. وصار لهذا الفقير في الرها شهرة حسنة بحيث يشار لي بالأصابع، فما أحسنها من بلدة وما أحسن أهاليها، عمّرها الله تعالى وصانها عن الآفات آمين. وأقمنا فيها سبعة أيام غير يوم الدخول والخروج. وخرجنا منها يوم الخميس الثامن والعشرين من جمادى الأولى «٢» . [سروج] وكان مرحلتنا بر سروج «٣» في واد على بئر عذب، حولها ضيعة تركمان، والمسافة تقريبا ستة فراسخ. [الجبجيلي] وتليها مرحلة الجبجيلي، بالجيم التركية «٤» ، على بئر عذب، والمسافة كالتي قبلها.

стр. 117

[البيرة] وتليها البيرة، مؤنث بير، وتسمى بيرة الفرات «١» ، وهي بليدة على كتف الفرات لها سور قديم وعمارة جيدة، ولا سيما التي تلي شاطىء الفرات، وسميت [كذلك] «٢» لكونها في وهدة عميقة كالبئر. (٥٤ ب) وأهلها ليس لهم ملاءمة مع الغرباء، وهم من الوحشة التي يستوحشها الغريب على جانب عظيم، لا عقل ولا فكر ولا كرم ولا مروءة، قلّل الله في المسلمين أنسالهم. [الكرموش] وخرجنا منها ثاني يوم، وهو يوم الأحد الثاني من جمادى الآخر، ونزلنا على نهر يسمّى الكرموش، بكاف عجمية مفتوحة، ثم راء مهملة مفتوحة، فميم مضمومة، فواو ساكنة، فشين معجمة آخر الحروف. والمسافة خمسة فراسخ ونصف. [ساجور] وتليها مرحلة ساجور، بالسين المهملة، فألف فجيم مضمومة، فواو ساكنة، فراء مهملة آخر الحروف، وهو نهر ماؤه كثير شديد الجريان، عذب في جودة العذوبة، والمسافة تقريبا أربعة فراسخ. [الباب] وتليها مرحلة الباب، بموحدتين تحتيتين بينهما ألف، وهي قرية حسنة ذات أشجار كثيرة. ونزلنا في ظاهرها على نهر عذب يسمى عين الذهب لعذوبته وصفائه، وكثرة منافعه، وقد مدحه الأديب مصطفى أفندي البابي «٣» في موشح، وسأذكره عند ذكر ضيافة

стр. 118

الشيخ السيد (محمد) «١» الطرابلسي «٢» في بستان طه زاده، والمسافة ثمانية فراسخ. [حلب] (وتليها مرحلة حلب وهي جنة) «٣» الدنيا وخزائن الإسلام، (٥٥ أ) رفيعة البناء، حسنة الأسواق والخانات والحمامات، فيها العلم ظاهر نبراسه «٤» ، ومحكم أساسه، رفيعة أعلامه، منيعة حصونه وآكامه، فيها العمل الصالح مشهور، والخير عنها مأثور، أهلها «٥» في غاية الرقة واللطف، (ونهاية الشفقة والعطف) «٦» ، لهم جد في تحصيل العلوم، وكثرة اشتغال في معرفة المنطوق والمفهوم، ومواظبة على الجمعة والجماعات، ومداومة على تعاطي المبرات، ما دخل حلب (غريب) «٧» من العلماء إلّا ونال من إحسانهم، وتمنى أن يكون وطنه «٨» من جملة أوطانهم، فلله درهم فلهم أخلاق مسكية، وشمائل ذكية، ولين الجانب، وخفض الجناح للأجانب، لهم حسن ظن واعتقاد، مزايلون الإنكار «٩» والانتقاد فو الله إن أولادها الذين هم أطفال أينما رأوني يقبلون يدي، ويقولون: يا سيدي أدع لنا! فو الله إن عمر أحدهم ما يصل ست سنين وهذه حالتهم، فما بالك بشبانها وكهولها ومشايخها.

стр. 119

وفيها من العلماء أساطين، ومن الفضلاء سلاطين، وفيها حفاظ لكتاب الله ومجودوه، وفيها مدرسون (مقيمون لصرح العلم ومشيدوه) «١» (٥٥ ب) والغالب عليهم من الفنون فن الحديث والفقه الشافعي والتفسير والمعاني والبيان والنحو. ورغبتهم في العلوم العقلية قليلة إلّا أنهم يقرءونها «٢» تحصيلا للكمالات. ولأهلها قدرة على الكلام، وفطنة وقادة لا غباوة فيهم في معاملاتهم ومحاوراتهم، ﵃ وأرضاهم وحصن محلهم ومأواهم، فلقد رأيت منهم من الإكرام ما لا أستطيع ضبط بعضه فضلا عن كله. دخلت حلب المحروسة يوم الأربعاء السادس من جمادى الآخرة «٣» ، والمسافة كالتي قبلها، ودخلنا من باب الفرج «٤» تفاؤلا بالفرج، واستضفنا عند أخينا الحاج محمد بن الحاج هاشم البغدادي، فإنه كان جارا لنا في بغداد ثم ارتحل إلى حلب واستوطنها، فاستكرمنا وأحلّنا داره، وخدمنا هو وأولاده خليل ومصطفى وأبدال ومحمود، وفقهم الله تعالى بكل خلق ووصف محمود، ولم يزل كرمه يتضاعف ويتزايد، ونحن ضيفه، مدة إقامتنا في حلب، وصنع لي كسوة للشتاء وما أحتاج إليه في طريق الحج من لحاف وإبريق ومطارة وغير ذلك، ومع هذا كله أمدّني بنقود غير قليلة، جزاه الله عنا خير جزائه، وأسبل عليه ستره (الجميل، وصانه من بلائه، وأسبغ) «٥» عليه نعمه، ودفع عنه نقمه آمين (١٥٦ أ) . وثاني يوم الدخول دعاني الكرماء الأمجاد، والنجباء الأسياد، ذوو الشهامة السامية، والفخامة الشامخة النامية، نجوم فلك السيادة، وأقطار السعادة، حضرات علي آغا وخليل أفندي وصالح آغا وعمر آغا وسعيد آغا وإبراهيم آغا أولاد المرحوم المبرور الحاج حسين

стр. 120

عجيمي زاده «١» ، بلغه الله منازل السعادة آمين، فأكرموني غاية الإكرام، وعظموني نهاية الإعظام، فأضافوني في ديار هم المعمورة مرّات عديدة، وفي بستانهم الفريدة كرّات مديدة، وبتنا ليالي في بستانهم الذي زهت أشجاره، وترنمت أطياره، وتسلسلت أنهاره، ونضجت أثمارها، فنسيت الأهل والوطن، وكانت تلك الليالي من غرر الزمن: فلا عيب فيهم غير أن ضيوفهم ... تلام بنسيان الأحبّة والوطن فلعمري إنها ليال تعد من نفائس الأعمار، آمنة من شوائب الأنكاد والأكدار: ذكرت بها عهد الصبا فكأنما ... قدحت بنار الشوق بين الحيازم ليالي لا ألوي على رشد ناصح ... عناني ولا أثنيه عن غي لائمي (٥٦ ب) اللهم يا ذا الطول المديد، إمنحه مد الدهر بعيش رغيد. وقد وصلني منه كسوة تامة فاخرة في صحبتها، دراهم غير قليلة، جزاهم الله خيرا، ودفع عنهم مكروها وضيرا. وممن أكرمنا السيد السند الذي طاب نجاره، وشمخ فخاره، ذو الأخلاق دونها العطر المسكي، ولا يقاربها العنبر الذكي، صاحب العلم والعمل الصالح جامع الشريعة والحقيقة، فأكرم به من ناجح فالح، كم أعان عانيا من الخطب الفادح، وكم أنقذ هالكا من أنياب الدهر الكاشح، سلالة البضعة الهاشمية، وفرع الدوحة الفاطمية سيدي الأمجد الأكرم، والأنبل الأفخم، السيد يونس بن ولي الله السيد إبراهيم المعروف بابن أدهم «٢» ، فلقد

стр. 121

أكرمني هذا السيد الجليل، وأمدني بنقد كثير غير قليل، ووقف في أشغالي، وبلغني آمالي، وصار لي مداحا بين الناس، لا يفتر من مدحي عدد الأنفاس، وأضافني مرات، وأنعم عليّ غير ما تقدم كرات، وفّقه الله بطاعته، وأسبغ عليه مبراته وخيراته، آمين. وممن أكرمنا من أعيان حلب الأمجد الذي عز عن المثيل في عصره، وجل عن النظير في أوانه ودهره، الأكرم الجليل سيدي إسماعيل آغا المعروف بابن ميرو «١» ، فلقد أضافني في داره، وجمع لأجلي علماء البلد، كالشيخ (٥٧ أ) الطرابلسي، والشيخ طه الجبريني «٢» ، والشيخ قاسم البكرجي «٣» ، والشيخ علي الدباغ، والسيد عبد السلام الحريري «٤» وغيرهم، فما وجدت في حلب طعاما ألذ وأهنأ وامرأ وأنفس من طعامه، ووصلني بنفقة من الدراهم. وكتب لي كتابا لأمير الحج وغيره، جزاه الله عني كل خير. وممّن أكرمنا من أعيان حلب السيد الرفيع، ذي المجد المنيع، والفكر الثاقب، والرأي الصائب، فريدة عقد المكارم،

стр. 122

واسطة قلادة الأماثل الأفاخم الذي حصل الكمالات، فدعي بالمحصل، واصل المكرمات، فهو المؤسس والمؤصل، الأكرم الأفخم حمزة آغا محصل حلب ابن طعمة البغدادي، لا زالت من الله تهطل عليه الأيادي، وأضافني بكسوة من الفرق إلى القدم، وأمدّني بنفقة من النقود كثيرة. وممن زارنا وصاحبنا من علماء حلب، العالم الفريد في قطره، والفذ في عصره ودهره، ذو التحقيقات الباهرة، والتدقيقات الفاخرة، من محاسن حلب وافتخارها، بل هو فريد الدنيا في أرجائها وأقطارها، جامع المنقول والمعقول، وحائز الفروع والأصول، سيدي السيد محمد الطرابلسي نزيل حلب، لا زال أعلام إفادته منشورة على كراهل الطالبين، ولا برحت أظلة تقريراته وارفة، محيطة بالمستفيدين آمين، فقد رأيته بحرا لا ينزف، ووفاء لا يوصف، حوى ٥٧. ب) نهاية الرقة واللطافة، وغاية المحاسن والطرافة، وله كرم يزري بالبحر الزخار، والغيث الهاطل المدرار، وقد أضافني- حفظه الله- في بستان الوزير حسين باشا القازوقجي «١» ، ومعنا في الضيافة السيد الحسيب النسيب السيد يونس الأدهمي، والأكرم الأمجد خليل أفندي عجيمي زاده ومولانا الحاج محمد بن هاشم. وتكلف بأطعمة شتى مع الإكرام والإجلال، ولا سيما ما انضمّ من ذلك من حسن أدبه، بحيث يتلمذ لي. ومن عذوبة منادمته وسرعة بديهته، والله إنه لأذكى من إياس، وله مزاج حسن، ومداعبة لطيفة، بحيث تخلب الألباب، وتذهب بالعقول. [بستان حسين باشا القازوقجي] واما البستان المذكورة فهي جنة من جنان الدنيا، ماؤها رقراق، ونهرها دفاق، تصدح فيها الحمائم والبلابل، وتغرّد فيها الشحارير والعنادل، رق نسيمها حتى عاد كالعليل، وطاب

стр. 123

ظلها وهو ظل ظليل، ذات أشجار مختلفة الثمار، تطل على نهر قويق «١» ، وعلى بساتين مد البصر، رفيعة المباني والعمران، مزخرفة بسائر الألوان، فانبسطنا ودام لنا السرور، وحصلنا على الأفراح والحبور. وكان حفظه الله ما بين يوم ويوم يأتي لزيارتي وتحصل بيننا مذاكرات ومحاورات من سائر العلوم من منثور (٥٨ أ) ومنظوم، فالغالب يكون الصواب معي، وهو حفظه الله وافر الإنصاف، مجانب الاعتساف، حتى إنه اتفق لي معه مذاكرة في إنّ العام إذا خصص بغير إلّا هل تكون دلالته ظنية أم قطعية؟ وما الذي رجحه علماء الأصول؟ فامتد البحث بيننا ثلاثة أيام، ووافقه على دعواه الشيخ طه الجبريني مع إقامة الدلائل من الطرفين، والمعارضة من الجانبين، حتى كثر الصخب، وارتفعت الأصوات، مع مراعاة قوانين المناظرة، فاجتمعت به خلال اليوم الثالث، فأول ما وقع نظره عليّ قال لي: يا سيدي إن الصواب معك ونحن مخطئون! وما كفاه هذا إلّا أنه أينما جلس عند الأكابر والأعيان يقول: جرت بيننا وبين الشيخ البغدادي مباحثة والصواب معه ونحن كنا مخطئين، ولم يزل ينوه بذكري، ويقول إنه شيخنا ونحن تلامذته، فلله دره من عالم ما أكثر إنصافه وما أجزل ألطافه وإسعافه مع مداعبته وملاءمته وتفرده في حلب علما وجاها. وأضافني مرة ثانية في بيته ومعنا رفيقنا الشيخ عبد الوهّاب الموصلي الإمام بالحضرة الجرجيسية، والشيخ طه الجبريني، والشيخ عبد الكريم الشراباتي، والشيخ السيد حسين الديري «٢» ، وغيرهم. وجرت في ذلك المجلس (٥٨ ب) محاورات ومذاكرات أكثرها عبارات الشيخ ابن حجر «٣» في شرح المنهاج عارضني

стр. 124

فيها الشيخ طه الجبريني، وكان الحق معي آخرا. وكان معنا السيد محمد قزيزان «١» ، وهو رجل حسن الصوت، حسن النغمة، معرفته بالألحان الموسيقية تامة، وما سمعته يلحن في إنشاده ولو بحركة. ومن عادته أنه لا ينشد إلا الرقيق من الأشعار، فمما أنشدنا في ذلك المجلس ميمية الشريف الرضي «٢» : يا ليلة السفح هلا عدت ثانية ... سقى زمانك هطال من الديم ماض من العيش لو يفدى بذلت له ... كرائم المال من خيل ومن نعم لم أقض منك لبانات ظفرت بها ... فهل لي اليوم إلا زفرة الندم فليت عهدك إذ لم يبق لي أبدا ... لم يبق عندي عقابيلا من السقم «٣» تعجبوا من تمني القلب مؤلمه ... وما دروا أنه خلو من الألم (٥٩ أ) ردوا عليّ لياليّ التي سلفت ... لم أنسهن وما بالعهد من قدم أقول للائم المهدى ملامته ... ذق الهوى وإن اسطعت الملام لم وظبية من ظباء الأنس عاطلة ... تستوقف العين بين الخمص والهضم «٤» لو أنها بفناء البيت سانحة ... لصدتها وابتدعت الصيد في الحرم قدرت منها بلا رقبى ولا حذر ... على الذي نام عن ليلي ولم أنم بتنا ضجيعين في ثوبي تقى وهوى ... يلفنا الشوق من فرع إلى قدم وأمست الريح كالغيري «٥» تجاذبنا ... على الكثيب فضول الرّيط واللمم

стр. 125

يشي بنا الطيب أحيانا وآونة ... يضيئنا البرق مجتازا على إضم «١» وبات بارق ذاك الثغر يوضح لي ... مواقع اللثم في داج من الظلم وبيننا عفة بايعتها بيدي ... على الوفاء لها والرعي للذمم يولع الطل بردينا وقد «٢» نسمت ... رويحة الفجر بين الضال والسلم «٣» (٥٩ ب) وأكتم الصبح عنها وهي غافلة ... حتى ترنم «٤» عصفور على علم فقمت أنفض بردا ما تعبقه «٥» ... غير العفاف وراء الغيب والكرم وألمستني وقد جد الوداع بنا ... كفا تشير بقضبان من العنم «٦» وألثمتني ثغرا ما عدلت به ... أري الجنى ببنات الوابل الرزم دين عليك فإن تقضيه أحي به ... وإن أبيت تقاضينا إلى حكم عجبت من باخل عني بريقته ... وقد بذلت له دون الأنام دمي ما ساعفتني الليالي بعد بينهم ... إلا بكيت ليالينا بذي سلم «٧» لا تطلبن لي الأبدال بعدهم ... فإن قلبي لا يرضى بغيرهم ومما أنشدنا ثمة تائية ابن الفارض «٨» من قوله

стр. 126

متى أوعدت أولت وإن وعدت لوت «١» ... وإن أقسمت لا تبرىء السقم برت وسرد منها عشرين بيتا. [بستان آغا زاده] وأضافني ثالثة في بستان آغا زاده، ومعنا في الضيافة الشيخ طه الجبريني، والشيخ عبد الكريم الشراباتي، والشيخ عبد السلام الحريري، (٦٠ أ) والشيخ الناسك السيد علي العطار، والشيخ السيد حسين الديري، والشيخ محمود الكردي المدرس بالشعبانية «٢» ، والشيخ عبد الوهاب الموصلي الإمام بحضرة نبي الله جرجيس، والشيخ محمود الكردي الغريب، والسيد محمد «٣» نائب المحكمة الصلاحية «٤» ، وغيرهم ممّن كان يحضر تدريسه في البيضاوي «٥» ، فدخلنا البستان فإذا هي ملتفة بالأشجار، مزينة بالأوراد والأزهار، فيها البلابل تترنم طربا، والنسيم يشق له من خلالها سربا، يشقها النهر المسمى بقويق نصفين، وهو نهر صاف عذب لأهل تلك الديار فيه أشعار كثيرة، منها قول القائل: هو الماء أن يوصف بكنه صفاته ... فللماء إغضاء لديه وإطراق

стр. 127

ففي اللون بلور وفي اللمع لؤلؤ ... وفي الطيب قنديل وفي النفع درياق إذا عبثت أيدي النسيم بوجهه ... وقد لاح [منه] أبيض الوجه براق (٦٠ ب) فطورا عليه منه زرق «١» حقيقة ... وطورا عليه جوشن منه رقراق وهي طويلة، وفيما ذكرنا كفاية. ويمد هذا النهر قناة حلب، قيل: إن هذه القناة هي عين إبراهيم ﵇، وهي من حيلان قرية شمالي حلب «٢» . رجع «٣» ، فانبسطنا يومنا كله، وقضيناه ما بين مذاكرة ومداعبة وإنشاد شعر، وكان منشدنا السيد محمد قزيزان، فمما أنشدنا ذلك اليوم موشح الأديب مصطفى أفندي البابي في وصف نهر عين الذهب، وهو نهر ذو فوائد كثيرة، ومنافع غزيرة، ينبئك عما فيه من العجب تسميته بعين الذهب، وقد نزلنا عليه في مرحلة الباب، وأشرنا ثمة إلى بعض ذلك، والموشح هو هذا: بأبي وأيأبي وبي جرعة من ماء عين الذهب يا رعاه الله من واد وسيم ... رقّ فيه الماء واعتل النسيم تعرف النّضرة فيه والنعيم عيشنا فيه رخي اللبب ... غفلت عنه عيون النوب حيثما يممت روض وغدير ... وإلى جانبه ظبي غرير

стр. 128

(٦١ أ) وفراش متقن الوشي وثير كملت فيه دواعي الطرب ... يؤخذ الصيد به عن كثب في نديم شب في حجر الدلال لو عصرت الظرف من عطفيه سال ... وإذا ساجلته بالأدب قمر ينظر من عيني غزال ... يملأ الدلو لعقد الكرب قم بنا ننشق أرواح السحر قبل أن تصدى بأنفاس البشر ... هذه الورق تغنّت في الشجر وتناجت في رؤوس القضب ... كل من ضيع ذا الوقت غبي دأبنا شم ورود وخدود وعناق من غصون وقدود ... والهوى لف خصورا بزنود لذة ما شانها من أشب «١» ... خلصت من موبقات الريب نفح روح الراح في جسم الزجاج إنما يسمر عن غيظ المزاج ... أيها الساقي فبادر بالعلاج رصع الشمس لنا بالشهب ... واسكب الفضة فوق الذهب (٦١ ب) وممّن وصفه، كما في التاريخ، أبو نصر المنازي «٢» حين تفيأ في واديه وقال «٣» :

стр. 129

وقانا لفحة الرمضاء واد ... سقاه مضاعف الوبل «١» العميم نزلنا دوحة حنّت علينا ... حنوّ المرضعات على الفطيم وأرشفنا على ظمأ زلالا ... ألذّ من المدامة للنديم يصد «٢» الشمس أنّى قابلتنا «٣» ... فيحجبها ويأذن للنسيم تروع حصاه حالية العذارى ... فتلمس جانب العقد النظيم وهذا البيت الأخير مما يخلب بالألباب، ويذهب بالعقول. قال ابن الشحنة في تاريخه «٤» : يعني أن العذراء التي في عنقها عقد إذا وقفت عليه ونظرت خيال عقدها في مائة تظنّ أن عقدها قد انفصم ووقع فيه فتلمسه، وقد يكون المعنى أنها تشبه الحصى الذي في النهر بعقدها. قلت: وقد نزلنا على هذا النهر، ويحق للناظم ذلك، لأنه لم ير الفرات ولا دجلة، فإن أدنى نهر من أنهارها ألطف وأرق وأعذب وأسلس مما ذكر ولا أحد يذكره في بيت أو شعر أو مثل. ومما أنشدنا ذالية ظافر الحداد «٥» ، وهي: لو كان بالصبر الجميل ملاذه ... ما شح وابل دمعه ورذاذه ما زال جيش الحب يغزو قلبه ... حتى وهى وتقطعت أفلاذه لم يبق فيه من الغرام بقية ... إلا رسيس يحتويه جذاذه

стр. 130

من كان يرغب في السلامة فليكن ... أبدا من الحدق المراض عياذة لا تخدعنّك بالفتور فإنه ... نظر يضر بقلبك استلذاذه يا أيها الرشا الذي من طرفه ... سهم إلى حب القلوب نفاذه در يلوح بفيك من نظّامه ... خمر يجول عليه من نباذه وقناة ذاك القد كيف تقومت ... وسنان ذاك اللحظ ما فولاذه رفقا بجسمك لا يذوب فإنني ... أخشى بأن يجفو عليه لاذه هاروت يعجز عن مواقع سحره ... وهو الإمام فمن يرى «١» أستاذه تا لله ما علقت محاسنه «٢» امرءا ... إلا وعزّ على الورى استنقاذه مالي أتيت الحب «٣» من أبوابه ... جهدي فدام نفاره ولواذه إياك من طمع المنى فعزيزه ... كذليله وغنيه شحاذه (٦٢ ب) ومما أنشدته ثمة قول سيف الدولة ابن حمدان، وقيل لابن المعتز «٤» وساق صبيح للصبوح دعوته ... فقام وفي أجفانه سنة الغمض يطوف بكاسات العقار كأنجم ... فمن بين منفض علينا ومنقض وقد لبست أيدي الجنوب مطارفا ... على الجو ركبا والحواشي على الأرض يطرزها قوس السحاب بأحمر ... على أصفر من أخضر إثر مبيض كأذيال خود أقبلت في غلائل ... مصبغة والبعض أقصر من بعض ومما أنشدنا أيضا ثمة يائية ابن الفارض، من قوله:

стр. 131

يا أصيحابي تمادى بيننا ... ولبعد بيننا لم يقض طي «١» [إلى قوله] «٢» غير ما أوليت من عقدي ولا ... عترة المبعوث حقا من قصي «٣» وإنما لم أكتب الأبيات التي أنشدها من تائية ويائية سيدي عمر ابن الفارض لشهرتها بين الناس بشهرة ديوانه. وحضرنا مرّات عديدة درسه في البيضاوي، [فهو] يدرس في الأسبوع يوم الأحد في بيته، ويحضر في حلقة درسه غالب أجلاء حلب، منهم سيدنا الشيخ طه الجبريني، وسيدنا الشيخ (٦٣ أ) عبد الكريم الشراباتي، وسيدنا السيد علي العطار وهو المملي للتفسير، وسيدنا الشيخ فتيان، والسيد محمد نائب الصلاحية التفتنازي «٤» ، وسيدنا الشيخ محمود وغيرهم. وهؤلاء كلهم محققون فضلاء مدققون، لهم تآليف كثيرة، وتصانيف شهيرة، ويحضر في الدرس من الحواشي حاشية شيخي زاده، (وحاشية شيخ الإسلام زكريا الأنصاري) «٥» ، وحاشية سعدي أفندي «٦» ، وحاشية عصام، وحاشية سنان باشا و (حاشية) «٧» الشهاب الخفاجي «٨» . ويورد في الدرس كل ما في ذلك «٩» من إشكال وغموض غير ما تستنبطه الأذهان في ذلك الآن. وهو- حفظه الله- كالبحر إذا زخر،

стр. 132

والليث إذا زأر، والجمل إذا (هدر) «١» ، والسيل إذا انهمر. كيف لا! وقد مكث في الجامع الأزهر أربعة عشر عاما يطلب فيها العلم، وقرأ أيضا على علماء الحرمين وغيرهم، حتى حصل جميع الفنون. حدثني أنه أخذ التفسير عن الشيخ (أحمد) «٢» الملوي، وهو أخذه عن الشيخ عبد الله الكنكسي وثبته مشهور، وأخذ الحديث عن الشيخ أحمد النخلي وثبته المشهور، وعن محمد (٦٣ ب) بن عبد الله المغربي وثبته مشهور، وله إجازة بثبت الشيخ علي العقدي عنه، وبثبت الشيخ منصور المنوفي عنه، وبثبت الشيخ عبد الرؤوف البشبيشي عنه، وبثبت الشيخ عبدو الديوي عنه، وأخذ المعاني والبيان والنحو والصرف وسائر العربية والأصولين والمنطق عن الشيخين الشيخ منصور والشيخ أحمد الملوي. وأخذ الفقه الحنفي عن الشيخ علي العقدي «٣» ، وهو عن عمه عيسى عن الحمودي، شارح الأشباه «٤» . وأخذه عن الشيخ حسن الشرنبلالي «٥» ، وهو عن أبيه مؤلف الحاشية «٦» . وأخذ علم الكلام عن الشيخين الشيخ أحمد الملوي، والشيخ محمد بن عبد الله المغربي، وأخذ الحديث أيضا عن الشيخ محمد الميت ضد الحي «٧» .

стр. 133

والتمس مني أن أؤلف ثبتا باسم (ولده) «١» السيد مصطفى، وأذكر فيه سنداتي إذا وصلت إلى وطني بغداد، وأرسله إليه فأجبته والله الموفق. وقد طلب مني- حفظه الله- أن أجيزه، وولده النجيب السعيد السيد مصطفى، بجميع ما يجوز لي وعني روايته، فأجزته وولده بجميع ما لي فيه رواية البديري الدمياطي «٢» وطلبت منه الإجازة لي ولولدي (القلبي أبي المحاسن) «٣» حسين وأمه أم الفضل خديجة (٦٤ أ) وأخيه علي، ولأولادي الصلبيين أبي الخير عبد الرحمن، وأبي السعود محمد، وأبي الفتوح إبراهيم، وشهاب الملة أبي المحامد أحمد، وأم الخير رقية، وأم العفاف سارة، وأم السعد صفية، فأجازني وإياهم بجميع ما رواه عن مشايخه المتقدمين، وكانت الإجازتان، إجازتي وإجازته ضحى يوم السبت الثامن عشر من شعبان عام «٤» ١١٥٧ هـ. عودا على بدء. وإن عادة هذا الشيخ في تقريره على التفسير لا يستعجل بل يقرر بتوءدة وتأنّ، من غير همهمة ولا هذرمة والاعتراضات عليه كرشق النبال، فيجيب من غير إمهال. ومما منّ الله به عليّ أنه ما جرى بحث في التفسير أو الحواشي إلّا كنت المصيب، والحاضرون لهم إنصاف عظيم، وتسليم للحق القويم، لا عناد ولا خلاف، ولا خبط ولا اعتساف، ولا نزاع ولا شقاق، ولا خداع ولا نفاق، بل إنّهم- كثر الله في الإسلام أمثالهم- يتبعون الحق، ويأخذون العلم ولو عن أدنى منهم، فكان الشيخ الطرابلسي يجلسني في مكانه ويجلس هو مع سائر الطلبة، فالداخل يظن أني أنا المدرس، وكلما قرّر هذا الشيخ ينظر إلى كالمستفهم، ويقول: يا سيدي أليس كذا؟ وهذا كله من محاسن (٦٤ ب) أخلاقه حفظه الله تعالى. وكانت العادة عند تمام درسه يسرع السيد محمد قزيزان بإنشاد قصيدة، وبفراغه

стр. 134

من الإنشاد ينفض مجلس الدرس. فمما أنشد (عقب الدرس) «١» قول (ابن الخياط الدمشقي) «٢» : خذا من «٣» صبا نجد أمانا لقلبه ... فقد كاد رياها يطير بلبه وإياكما ذاك النسيم فإنه ... متى هبّ كان الوجد أيسر خطبه خليلي لو أحييتما لعلمتما ... محل الهوى من مغرم القلب صبه «٤» تذكر والذكرى تشوق وذو الهوى ... يتوق ومن يعلق به الحب يصبه غرام على يأس الهوى ورجائه ... وشوق على بعد المزار وقربه وفي الركب مطوي الضلوع على أسى ... متى يدعه داعي الغرام يلبّه إذا خطرت من جانب الرمل نفحة ... تضمن منها داؤه دون صحبه ومحتجب بين الأسنة معرض ... وفي القلب من إعراضه مثل حجبه أغار إذا أنّت وفي الحي أنة ... حذارا وخوفا أن تكون لجبه «٥» ومما أنشدنا عقب درس الطرابلسي من همزية البوصيري «٦» (٦٥ أ)

стр. 135

من قوله: فتنزّه في ذاته ومعانيه ... استماعا ما عزّ منها اجتلاء «١» إلى قوله: شق عن صدره.. البيت «٢» وكان من جملة ما أنشده من هذه، قوله «٣» : فإذا ما ضحا محا نوره الظل ... وقد أثبت الظلال الضحاء فكأن الغمامة استودعته ... من أظلت من ظله الدففاء «٤» فقلت في المجلس: كيف تفهمون هذا البيت؟، فإن الشيخ الجوجري «٥» قال: لم يظهر لي معناه، والشيخ ابن حجر شرحه» إلا أنه لم يظهر لي المراد منه، فما معنى عبارة ابن حجر؟ فتوقفوا في البيت، وفي شرح ابن حجر، وراجعوا، فوجدوا الشيخ حسن البوريني «٧» كتب عليه بعد ما ذكر (ما) «٨» للشارحين فيه من الكلام الذي حاصله يرجع إلى ان الدففاء بفائين،

стр. 136

وأظلت فيه بالظاء المشالة، إلى أن قال: والذي فيه عندي أنه تحرف عليهم أجمعين، وإنما هو كذا، فكأن الغمامة استودعته مذ أظلت من ظله الدقعاء «١» ، فاستودعته وأظلت «٢» مبنيان للمفعول، ومذ بميم مضمومة، وذال معجمة، والدقعاء «٣» بدال مفتوحة وقاف «٤» وعين مهملة، ثم مد، بمعنى الأرض، (٦٤ ب) والمعني أن الغمام إنما أظلّه لئلا يمس ظلّه الأرض، فلهذا أخذه «٥» وديعة عنده ليصونه عن مس التراب، وهذا معنى بديع يعرفه من ذاق حلاوة الشعر وعرف مغزاه. وفي قوله: مذ أظلت. انتهى. معنيان أحدهما مذ مس ظله التراب، والآخر مذ صارت الأرض كلها في حمايته لأنه ظل الله. وفي معناه رباعية لي: ما جر لذيل أحمد أذيال ... في الأرض كرامة كذا قالوا هذا عجب وكم له من عجب ... والناس بظله جميعا قالوا وفي التائية المنسوبة للإمام السبكي الذي نظم فيها معجزات النبي ﷺ «٦» ، وشرحها بعض المتأخرين: لقد نزه الرحمن ظلك أن يرى ... على الأرض ملقى فانطوى لمزية وأثر في الأحجار مشيك ثم لم ... يؤثر برمل فوق بطحاء مكة قال شارحها: قيل إنّه ﵊ كان لا يقع ظله على الأرض لأنه نور

стр. 137

روحاني: مالطه رأى البرية ظلا ... هو روح وليس للروح ظل (٦٦ أ) والنور لا ظل له، إلى آخر كلامه، وهو كلام حسن لو كانت الرواية مثلما ذكر، وأحسن ما رأيت في شرح هذا البيت ما ذكره بعض الشارحين حيث قال: ودفيف الطائر مدة فوق الأرض، والدفيف الدبيب وهو السير اللين، فدففاء على فعلاء جمع داف، كعالم وعلماء، وهو خبر كان. وجملة استودعته حال من الغمامة على إضمار قد، والهاء في استودعته تعود على الظل الممحو بنوره ﵊. والمعنى كأن الغمامة الدففاء، والحال أنها قد أودعت الظل (من النبي) «١» ﵊ التي أظلته من ظله: ما قال إلا ظلته غمامة ... هي في الحقيقة تحت ظل القائل (انتهى) «٢» . ومما أنشدنا في ضيافة الطرابلسي في بستان طه زاده قول الشيخ عبد الرحمن الموصلي «٣» : إلى علياك تعنو الأنبياء ... ومن نجواك يقتبس الضياء وكيف وأنت يا باهي المحيّا ... عليك أتى من الله الثناء وزادتك الشفاعة يوم حشر ... كذاك الحوض فخرا واللواء «٤» (٦٦ ب) براك الله من نور نبيا ... ولا أرض هناك ولا سماء فكنت وآدم في ظهر غيب ... ولا طين هناك وليس ماء

стр. 138

فبدء الكون أنت بغير شك ... وسر الكائنات ولا مراء وأحسن منك لم تر قط عيني ... وأجمل منك لم تلد النساء خلقت مبرءا من كل عيب ... كأنك قد خلقت كما تشاء وأنشدنا قصائد كثيرة بعد دروس البيضاوي، وفي بعض الضيافات ما كتبتها لضيق الوقت، وقد سألته- حفظه الله تعالى- عن قول عصام «١» : ولو جعل كنت، بمعنى صرت، لكان أعلى كعبا الواقعة على قول البيضاوي في تفسير قوله تعالى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ «٢» أكد تهديده، وبالغ فيه من عدة وجوه، انتهى. وهذه العبارة ما رأيت أحدا أجاب عنها، بل غالبهم يقول: إنها سهو، ولما فتح الله لي بحلها سجدت لله شكرا وأنا في بغداد. وأما هذا الشيخ فثاني يوم [بعد] السؤال قال: المراد من كنت في قول (٦٧ أ) عصام هي: كنت التي تقدمت في آيات كثيرة في قوله تعالى وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ «٣» الآية، وهو عين الجواب الذي أجبت (به) «٤» . وقد كتبت على كونه أعلى كعبا كلاما حسنا على هوامش الحاشية العصامية، والله «٥» الموفق. ومما وقع السؤال عنه عبارة القهستاني في شرحه لصدر الشريعة «٦» عند قول الماتن:

стр. 139

ويغسل يديه إلى رسغيه ثلاثا للمستيقظ، حيث قال بفتح القاف، وإن اشتهر كسره، لموافقه الحديث، ولأن هذا التصريح بعد الكتابة لا يخلو عن شيء، انتهى. فلم يجب أحد منهم سوى الشيخ الطرابلسي فإنه كتب عليه، وهو غير ما كنت أفهمه «١» أولا. وصورة ما كتب: المراد من الحديث الموافق: إذا استيقظ أحدكم من منامه، الحديث. ووجه موافقة المستيقظ بفتح القاف (له) «٢» أنه يكون حينئذ مصدرا ميميا واللام فيه للوقت، فيفيدان سنية غسل اليدين وقت الاستيقاظ من النوم كإفادة الحديث لذلك. وقوله: ولأن الخبر علة ثانية لمخالفة المشهور. ووجه التعليل إن التصريح أي الإتيان (٦٧ ب) بالاسم الصريح الظاهر بعد الضمير المسمى بالكناية «٣» ، الواقع في يديه ورسغيه لا يخلو عن شيء، أي عن نكتة حاملة له على العدول عن الإضمار إلى الإظهار، وتلك النكتة هي إفادة الموافقة، وإنها لا تكون على زعمه إلّا بفتح القاف المخالف للمشهور، هذا ما وصل إليه الفهم الموصوف بالفتور. وفي كل من الوجهين نظر، إذ الموافقة للحديث حاصلة مع الموافقة للمشهور، أما بجعل اللام في المستيقظ للعهد، والمعهود هو الأحد المذكور في الحديث، وأما بأن المراد أول أزمان الاتصاف بهذه الصفة، وما ذكره علة للعدول يجري فيما ذكرناه من غير نكول، انتهى. ومما وقع مني السؤال أيضا في التفسير المذكور، في قوله تعالى لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا «٤» فقد ذكر في [تفسير سورة] «٥» هود أن الفعل تعلق [بخلق] «٦» ، وفي سورة الملك نفى التعليق «٧» ، والآية في الموضعين واحدة، وهو تبع صاحب الكشاف في

стр. 140

الموضعين «١» ، فجرى البحث فيها كثيرا من جواب ورد، ثم انتقل الكلام إلى ما ذكر المحشون، فذكر سعدي أفندي، وشيخه شيخ الاسلام زكريا الأنصاري، تلفيقا وتوفيقا بين المحلين، إلا أنه (٦٨ أ) تلفيق وتوفيق إقناعي لا يجدي نفعا فليراجع. ثم وذكر سنان باشا في حواشيه كلاما طويلا، ثم قال: وبالجملة إن هذا من مشكل هذا الكتاب، ولقد أنصف. ثم نشأ من عبارة الكشاف التي هي صريحة في أنّ المعلق لا يكون إلّا قبل الجزءين، فلو تقدم على المفعول الثاني فقط دون الأول لا يكون تعليقا «٢» ، وتبعه البيضاوي في جميع ذلك. سؤال، وهو أنه هل أحد قال بتعليق المفعول الثاني فقط؟ فقلت: نعم، كما في قولنا علمت زيدا (أبو من) هو «٣» ، ونقله الجلال السيوطي في شرح الألفية عن الناظم في الكافية. ثم رأيت شيخ الإسلام قال في هذا الحل أنه مذهب الأكثر. ومما وقع مني أيضا السؤال عن عبارة البيضاوي، عند قوله (تعالى) «٤» في سورة (ص) : مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفادِ «٥» وسمّي به العطاء، إلى أن قال: وفرقوا بين الفعلين، فقالوا: صفده إذا قيده وأصفده إذا أعطاه عكس وعدو، أو عدو، (وهي) «٦» في ذلك نكتة، فوقع البحث في تعيين النكتة، فأتوا بالحواشي كحاشية سعدي «٧» أفندي، وحاشية شيخ الإسلام زكريا الأنصاري، وحاشية شيخي زاده، فاختلفت الحواشي (٦٨ ب) في تعيين النكتة، ولم يقرب إلى الصواب إلا شيخ الإسلام وجوابه في الحواشي مسطور، ولكن للنظر فيه مجال لا يخفى على فحول الرجال.

стр. 141

ومما وقع السؤال عنه في التفسير المذكور: كثير، لكنه ليس من البحث المشهور، وذلك كمعلق جار ومجرور، وإرجاع ضمير، ووصل وفصل وإعراب. ومما وقع السؤال عنه عبارة الملّا عصام عن قوله تعالى وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً «١» الآية. فإنه هناك نقل كلام المحقق التفتازاني معترضا، ويفهم من عبارته الجواب عن الاعتراض المذكور وهو غير ما اعترض به التفتازاني فلينظر هناك، وقد أجبت عنه بجواب استحسنه الجميع، ولم تحضرني عبارة عصام هذا الوقت، وإلا لكنت ذكرت الجواب بعد تشخيص الإشكال. وممن زارنا وصاحبنا وامتزج معنا امتزاج الروح بالجسد سيدنا ومولانا العالم الذي لا يجارى، والفاضل الذي لا يمارى، ذو التحقيقات التي تشهد بأنه البحر الزخار، والتدقيقات التي تخبر بأنه الشمس، الشيخ طه الجبريني بن مهنا، نسبة (٦٩ أ) إلى جبرين، قرية من قرى حلب، فجرت بيننا وبينه أنهار المذاكرة، ودارت علينا كؤوس المباحثة والمناظرة، وهو- حفظه الله- أول من زارنا من علماء حلب، فلم يزل يوقع المسائل في غضون كلامه، ومطاوي صحبته، يوردها بالمناسبة، فطال ما بيني وبينه من المذاكرات في سائر الفنون، فإذا هو عالم علامة، وفاضل فهامة، مع ما اشتمل عليه من النسك والعبادة والصلاح- وفقه الله لطاعته آمين- فقد حصلت لي معه مباحثات شتى، حتى إنه كل يوم يعرض عليّ عبارات (الشرح) «٢» المطول «٣» وسواداته، وسبب ذلك أنه كان يقرأ المطول إذ ذاك ويعرض عليّ عبارات البيضاوي، لأنه من جملة من يحضر درس الطرابلسي في التفسير، ويعرض عليّ أحاديث البخاري وعبارات شروحه، لأنه كان يقرأ البخاري في الجامع الكبير عند المحراب

стр. 142

الأصفر «١» في مصلّى الشافعية. وأما المسائل المتعلقة بتحفة ابن حجر وبالنحو والصرف وسائر الفنون فهي أكثر من أن تحصى، وكان- حفظه الله- بحاثا بحيث كان يتعبني في المباحثة إلّا أن الغالب عليه عدم إظهار التسليم (٦٩ ب) إلّا أن يلزم إلزاما لا مناص له منه. وممّا منّ الله عليّ أني ما بحثت مع أحد منهم إلّا وكان الصواب معي، فعظمت في أعينهم بحيث يعاملونني معاملتهم لمشايخهم. وكنت كل يوم أجتمع معه في الجامع الكبير، ويضيفني فيها، وتأدب معي غاية التأدب، والأبحاث بيننا غير منقطعه. ومما وقع البحث فيه، قول الشاعر: منينني بالوصل حتى ... إن مللت من التمني عرضن لي بالوصل حتى ... قلت قد أعرضن عني فقلت: فيكف يكون إعراضهن غاية لتعريضهن بالوصل، فتكلف في الجواب، ولم يقع على الصواب. والجواب إن (قد) هنا اسم فعل بمعنى كفى [و] ليست قد الحرفية. ومما وقع البحث عنه قوله- ﷺ إذا مات المؤمن أعطي نصف الجنة. فسألته: ما معنى هذا الحديث؟ فتوقّف. والجواب، كما نقله الشيخ أحمد المقري «٢» في تاريخ المغرب «٣» عن أبي مدين، أن معناه أعطي نصف جنة. قال: عوض عن الإضافة، كما هو مذهب الكوفيين، أو إنها للعهد كما هو مذهب البصريين، فلم يسلم لهذا الجواب ظاهرا. فاتفق أني صليت العصر في الجامع الكبير، وهو في درس البخاري، فسمعته، وهو لم يرني، يقرر هذا الحديث ويفسره بعين ما ذكرته له.

стр. 143

ومما وقع السؤال عنه قوله ﷺ : ما أسلم من عواصي قريش إلا المطيع بن سالم «١» ، فتحير في الجواب، وجوابه كما ذكره ابن الأثير في النهاية «٢» : إن المعنى ما أسلم ممن تسمّى بالعاص إلّا مطيع، ومطيع هذا كان اسمه أولا العاصي فغيّر النبي ﷺ اسمه، فسمّاه المطيع، فالعواصي جمع العاصي علما لا صفة. ومما وقع السؤال عنه، على طريقة المداعبة، أني قلت له: إن بعض الناس يقول: إن أبا هريرة قال لرسول الله ﷺ ، وفي هذه الجملة تمّ الحديث، وأفاد معنى حكما شرعيا، فأين مقول القول الذي يتوقف عليه المعنى؟ فتوقف. والجواب: إن قال الثاني من القيلولة لا من القول. ومما جرى بيني وبينه أنّا حضرنا عقد نكاح، فرأيتهم يحرصون على حضور العدول، فقلت: ولم هذا؟ فقال: حتى يصبح العقد على مذهب الإمام الشافعي. فقلت: لا يصح في هذا المجلس، لأن الولي وأكثر (٩٢ ب) الحاضرين لابسون حريرا، ولبس الحرير من الكبائر التي يفسق بها الولي والشهود، بل يفسق من كان جالسا معهم وله قدرة على دفع المنكر، أو يقدر على مفارقتهم، فأنكر أن يكون لبس الحرير من الكبائر، فأخرجت له الزواجر لأبن حجر «٣» ، فذكر أن لبس الحرير من الكبائر. وذكر في موضع آخر: أن الاجتماع معهم، مع القدرة على جفاوتهم كبيرة، فلما رأى ذلك قال: لا أسلم ذلك! إنما أريد كتابا في الفقه ذكر ذلك، فنظرنا عبارة التحفة «٤» ، فأحال الكبائر ومعرفتها على الزواجر. وعرضت عليه عبارة الذهبي فإنه صرح بأن ذلك كبيرة، وعبارة الشبراملسي فإنه قال: وهو من الكبائر، فتوقف حتى إني غضبت عليه، فقلت: لم هذا العناد مع تصريح الشيخ ابن حجر وأنت أولا

стр. 144

تفتي الناس بصحة نكاحاتهم ووقوع طلاقهم وتستند إلى قول ابن حجر فلم لم تقبله إذا كان عليك؟ فسكت ولم يردّ علي. ومما وقع السؤال عنه، عبارة الشيخ ابن حجر عند قول النووي في المنهاج، وقد أكثر أصحابنا- ﵏ من التصنيف من المبسوطات والمختصرات، حيث قال: قيل والإيجاز لكونه (٧١ أ) حذف طول الكلام، وهو الإطناب، غير الاختصار، لأنه حذف تكريره مع اتحاد المعنى ويشهد له فذو دعاء عريض وفيه تحكم واستدلال بما لا يدل، إذ ليس في الآية حذف ذلك العرض فضلا عن تسميته، فالحق ترادفهما كما في الصحاح، فسألته عن معنى هذه العبارة، فقرر خلاف المراد، ثم ذكرت له المعنى المراد من العبارة، فمنع منعا مجردا وأصرّ على ذلك. فاتفق ثاني يوم البحث، فرأيت بين أوراقه ورقة كتب فيها المعنى الذي ذكرته له ولم يخبرني بأنه رجع عما قال فيه إلى ما قلته، وأنا كذلك ما ذكرت له أني اطلعت على ورقتك، وإن فيها كذا وكذا. ولنرجع إلى عبارة الشيخ ابن حجر فنقول: معناها إجمالا إن صاحب هذا القيل ادعى أن الإيجاز غير الاختصار، لأن الإيجاز حذف طول الكلام، والمسمى بالإطناب، والاختصار حذف تكريره الذي هو عرضه «١» ، واستشهد على الفرق بقوله: فذو دعاء عريض، فرده الشيخ بأن في هذا الفرق تحكّما أي دعوى بلا دليل، وإن فيه أيضا استدلالا بما لا يدل، فإنه استدل بالآية وليس فيها حذف ذلك العرض المسمى بالتكرير فضلا عن تسميته اختصارا، بل الذي في الآية لفظ دال على التكرير، (٧١ ب) لا أنه تكرير وحذف، فانظر يا أخي إلى أحوال الشيخ طه! فإنه- والله- عالم فاضل، محقق مدقق، له نظر في العبارة وقوة حافظة في ضبط القواعد من سائر العلوم، مع أدبه وتواضعه، فلا عيب فيه سوى أنه لا يسلم ظاهرا في غالب أحواله، ويستفيد من الخصم مع إنكاره ظاهرا، فسبحان من لا عيب فيه، غفر الله لنا وله.

стр. 145

وممّا وقع فيه السؤال، عبارة الشيخ ابن حجر في قول النووي: وكذا الباب المردود والشباك في الأصح حيث قال ثمة: وبما تقرر علم صحة صلاة الواقف على أبي قبيس بمن في المسجد، وهو ما نص عليه، ونصه على عدم الصحة محمول على العبد، وعلى إذا ما حدثت أبنية بحيث لا يصل إلى بناء الإمام لو توجه إليه من جهة إمامه إلا بازورار وانعطاف، بأن يكون بحيث لو ذهب إلى الإمام من مصلاه فلا يلتفت إلى جهة القبلة، بحيث يبقى ظهره إليها. فقلت: إن لا في قوله لا يلتفت زائدة من قلم الناسخ لأنه في صدد بيان الازورار والانعطاف، وهما يقتضيان الالتفات عن جهة القبلة لا عدمه، فكابر وعاند، وادعى أن قوله بأن يكون بحيث انتهى بيان لعدم الازورار. فقلت: عدم الازورار غير مذكور (٧٢ أ) حتى يكون هذا بيانا، فقال هو مفهوم بطريق المخالفة وأصر على ذلك. ومما وقع السؤال عنه، عبارة الشيخ ابن حجر، ونصها: وبحث الأسنوي «١» أن هذا في غير شباك بجدار مسجد، وإلّا كالمدارس التي بجدر المساجد الثلاثة صحة صلاة الواقف فيها لأن جدار المسجد منه، والحيلولة فيه لا تضر، ورده جمع وإن انتصر له آخرون بأن شرط الأبنية في المساجد تنافذ أبوابها على ما مر، فغاية جدار المسجد أن يكون كبناء فيه، فالصواب أنه لابد من وجود باب أو خوخة «٢» فيه يستطرق منه إليه من غير أن يزور كما مر في غير المسجد، فقلت: صريح عبارة ابن حجر أن الازورار في المسجد يضر، وإن ذهب غيره إلى خلافه، كالحلبي وغيره. فقال الشيخ طه: لا تقتضي العبارة ذلك، وتمحل لها تمحلات بعيدة وتكلفات واهية غير سديدة تماما. ثم إنّا توافقنا أن نجعل الشيخ الطرابلسي حكما في المسألتين، وقلنا: إنه رجل حنفي ولا يعرف حكم المسألة عند الشافعية إلا من مدلول اللفظ، فنعرض عليه العبارتين ونسأله تقريرهما، فإن وافق تقرير أحدنا ينبغي للآخر أن يسلم.
следующие страницы →