← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 12086

النفحة المسكية فى الرحلة المكية

السويدي

Полный текст (353 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الفضل في قراءة القرآن مع تجويده، وفي قراءة النحو والتصريف والفقه والمنطق والاستعارات والعروض ماهر محقّق. وله شعر رائق، ونثر فائق، وصلاح تام، واشتغال عام، وهو إلى الآن في طلب العلوم، وفقه الله لصالح الأعمال، ورضي عنه على مرّ الليالي والأيام، آمين، ولد ضحى رابع عشر محرم الحرام يوم الجمعة من سنة إحدى وأربعين ومائة وألف. «١» ويليه في السن أبو الفتوح إبراهيم، كنّي بذلك لأنه عام ولادته دفع الله نادر شاه عن بغداد، «٢» وإبراهيم هذا صغير الآن، لم يبلغ الحلم، لكنه قرأ القرآن، وشرع بحفظ متن الأجرومية. ولد في ذي القعدة عام ١١٤٦. «٣» ويليه في السن سارة، وهي الآن صغيرة، ولدت ضحى يوم (٨ ب) الخميس العاشر من محرم سنة. «٤» ١١٥٠. ويليها شهاب الدين أحمد، وهو الآن صغير ابن أربع سنين، ولد يوم الأحد، السابع والعشرين من جمادى الآخر سنة «٥» ١١٥٣ وصفية، وهي الآن رضيعة، ولدت ليلة الجمعة ٢٨ من رجب سنة «٦» ١١٥٥ ومات لي ابنان عبد الوهاب وحسين، وبنتان زينب وحفصة. والحمد لله: إنه صار لي جهات «٧» ووجه معيشة، ونصبت مدرسا في آستانة «٨» قطب العارفين سيدي أبي صالح محيي الدين عبد القادر الجيلي، قدّس سرّه، وصرت- والحمد لله- بحيث يشار إلىّ بالبنان، يوقّرني العامة والأعيان، ويرفع محلي الولاة، وتتمنى رؤيتي القضاة، مسموع الكلمة، نافذ الأمر. سبحانك! لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت

стр. 72

على نفسك. وكل هذا أيها الواقف على هذه الرحلة من بركات العلم وخدمته، فالحمد لله الذي جعلنا «١» بمنه وأكرمنا بإكرامه. وقد عنّ لي أن أذكر مشايخي وما رويت عنهم وقرأته عليهم، نفعنا الله بهم، فأقول: أخذت متن الحديث من جماعات أعلام، وأئمة كرام، منهم المحدث الكبير، والعالم الشهير، رحلة «٢» المحدثين، وعمدة المحققين، ذو (٩ أ) النسب الأعلى، والحسب الأبهى، الزاهد الورع، سيدي أبو الطيب أحمد بن أبي القاسم بن محمد المحمدي المغربي ثم المدني، «٣» المنسوب إلى حمزة بن إدريس الأصغر بن إدريس الأكبر بن إبراهيم «٤» بن محمد [ذي] النفس الزكية بن عبد الله المحض «٥» بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب ﵃. ومنهم سيدي وعمي بركة العباد، وعلم الرشاد، مشكاة المعارف الربانية، ومهبط التنزلات الرحمانية، الجامع بين الحقيقة والشريعة، والحائز من الكمالات كل روضة ريعة، «٦» سيدي ووالدي الشيخ أحمد بن سويد الصوفي، تغمده الله برحمته، وأسكنه فسيح جنته، آمين. ومنهم سيدي خاتمة المحققين، وسلطان المدققين، الجامع بين المعقول والمنقول، ومخرج الفروع والأصول، البارع في الفنون العربية المقصود في حل الغوامض الأبية، سيدي جمال

стр. 73

الملة والدين الشيخ سلطان بن ناصر الخابوري الجبوري الشافعي، «١» ﵀ رحمة تدفقت حياضها، وتأنقت رياضها. ومنهم سيدي السالك مسالك الرشاد، والمتمسك بجميع أحواله بعروة السداد، المتبحر في المعارف الإلهية، والمشار إليه بأنه ذو الرتبة العلية، الصالح الناسك الورع (٩ ب) الصوفي، الشيخ محمد بن عقيلة المكي الحنفي. «٢» ومنهم سيدنا الفقيه الصالح، والعالم الناجح، ذو الأخلاق الرضية، والأحوال السنية، سيدي الشيخ علي الأنصاري من بني النجار الأحسائي الشافعي. «٣» وممن أجازنا السيد السند عبد القادر المكي الحارثي. «٤» وممّن أجازنا بالأثبات والسندات، صاحباي العلمان المتبحران الصالحان الناسكان اللذان أخذا من التحقيق أوفر نصيب، وحازا جميع الفنون بالفرض والتعصيب، سيدي ذو التصانيف العديدة، والتحارير المفيدة، الملقب بالسيوطي الصغير، الشيخ أبو بكر جمال الشريعة ابن شيخنا محمد بن عبد الرحمن المفتي ببغداد «٥» على المذهب الشافعي، رحمهم

стр. 74

الله. وأبو بكر هذا أخذ عن الفقير، فصار حديثنا مديحا. وسيدي ذو التحقيق الباهر، والفهم الذي يتوقد توقد النيران في الدياجر، والمحدث الأصولي، أبو محمد الشيخ حسين بن عمر الراوي، الملتجئ إلى الحرم المكي، ﵀ رحمة واسعة في الدنيا والآخرة، آمين. وهذا الشيخ حسين قد قرأ عليّ فصرنا معه كالشيخ أبي بكر المتقدم. وممن أجازنا بالأثبات والسندات جماعة كثيرون من أهل العصر، غفر الله لنا ولهم آمين. ولبست الخرقة، وكانت عرقية، «١» عن شيخنا (١٠ أ) الشيخ محمد بن عقيلة، أيام إقامته في بغداد عام ١١٤٥، وأخذت عنه تلقين الذكر وجميع مسلسلاته التي جمعها في تآليف له، وهي خمسة وأربعون مسلسلا. وأخذت حديث المصافحة عن العارف بالله، والدّال عليه، الشيخ المرشد، المسلك، مربي المريدين، ومرشد السالكين، سيدي السيد مصطفى البكري الصديقي، «٢» سبط الحسنين الأحسنين. وحديث المصافحة هذا هو قوله، ﷺ : من صافحني أو صافح من صافحني بست أو سبع دخل الجنة. وفي رواية: من صافحني أو صافح من صافحني إلى يوم القيامة دخل الجنة. لا حديث المصافحة المشهور المروي عن أنس، ﵁، حيث قال: صافحت بكفي هذه كفّ رسول الله ﷺ ، فما مسّت خزّا ولا حريرا ألين من كفه ﷺ ، إلى آخره. «٣» والحاصل أني أروي جميع ما تضمنه ثبت

стр. 75

الشيخ أحمد النخلي «١» المتصل إليّ عنه بواسطة الشيخ حسين الراوي، وبواسطة الشيخ عبد الكريم الشراباتي الحلبي. «٢» وبواسطة الشيخ محمد بن رفة، «٣» وبواسطة الشيخ العالم الكبير، والفاضل (١٠ ب) الشهير، سيدي السيد محمد الطرابلسي، «٤» وبواسطة سيدي الشيخ علي الدباغ. الحلبي. «٥» وجميع ما تضمنه ثبت الشيخ عبد الله بن سالم المكي المشهور بالبصري، «٦» المتصل إليّ عنه بواسطة هؤلاء المذكورين. وجميع ما تضمنه ثبت الشيخ محمد بن سليمان

стр. 76

المغربي «١» المشتمل على كتب كثيرة وطرق ومسلسلات، المتصل إليّ عنه بواسطة الشيخ البصير الشيخ عبد الكريم الشراباتي، عن والده الشيخ أحمد الشراباتي. وجميع ما تضمنه ثبت الشيخ محمد بن عبد الله المغربي «٢» المتصل إليّ عنه بواسطة الشيخ حسين الراوي، والشيخ محمد الطرابلسي، والشيخ عبد الكريم الشراباتي. وجميع ما تضمنه ثبت الشيخ إبراهيم بن حسن الكوراني «٣» بواسطة الشيخ عبد الكريم عن أبيه عن الشيخ إبراهيم المذكور. وبواسطة الشيخ مصطفى «٤» عن شيخ العراق على الإطلاق، شيخنا الشيخ خليل الخطيب البغدادي «٥» عن الشيخ إبراهيم. وجميع ما تضمنه ثبت الشيخ أبي بكر أفندي رئيس الكتاب في الدولة العثمانية «٦» المرسل إليه من المدينة المنورة، المتصل إليّ بواسطة الشيخ أحمد بن سويد. وجميع ما تضمنه ثبت الشيخ عبد الغني النابلسي «٧» المتصل إليّ بواسطة

стр. 77

الشيخ عبد الكريم الشراباتي. وجميع «١» (١٣ أ) ما تضمنه ثبت الشيخ عبد الله الكنكسي «٢» المتصل إليّ بواسطة السيد محمد الطرابلسي عن الشيخ أحمد الملوي. وجميع ما تضمنه ثبت الشيخ علي العقدي، «٣» وثبت الشيخ منصور المنوفي «٤» وثبت الشيخ عبد الرزاق البشيشي «٥» المتصلات إليّ بواسطة الشيخ محمد الطرابلسي عن مؤلفيها، وجميع ما تضمنه كتاب مسلسلات الشيخ محمد بن عقيلة عنه. واعلم أن السيد محمد الطرابلسي، والشيخ عبد الكريم الشراباتي، والشيخ علي الدباغ، والشيخ محمد الزمار، «٦» وهؤلاء كلهم استجازوا مني، واستجزت منهم، فأحاديثنا ورواية بعضنا عن بعض من قبيل حديث المديح. وقرأت مصطلح الحديث شرح ألفية العراقي له «٧» على شيخنا نادرة الدهر، وغرّة جبهة العصر، ذي التآليف التي دلّت على طول الباع، وأنه الذي انعقد عليه الإجماع، سيدي حسين أفندي نظمي زاده. «٨» ومن شرح النخبة «٩» وبعض شرح ألفية المصطلح للشيخ زكريا

стр. 78

الأنصاري، «١» بقراءة أخينا الشيخ سليمان بن الشيخ أحمد الواعظ ابن تاج العارفين، على شيخنا الشيخ سلطان «٢» ﵀. وأخذت الفقه (١٣ ب) وأصوله والفرائض عن شيخنا الذي عقمت النساء أن يلدن مثله، وانعقد الإجماع على أنه لا أحد يداني فضله، الملقب بالشافعي الصغير، وابن حجر الكبير، سيدنا شيخ الإسلام والمسلمين، وزين الملّة والدين، الشيخ محمد بن عبد الرحمن الرحبي «٣» المفتي على المذهب الشافعي ببغداد، ﵀ رحمه واسعة انتشر عطرها وفاح، وأينعت رياضها في الغدو والرواح، آمين. قرأت عليه شرح المنهج لشيخ الإسلام. «٤» وشرح جمع الجوامع للجلال المحلي، «٥» مع مراجعة حاشية شيخ الإسلام «٦» وحاشية الشيخ ابن قاسم العبادي «٧» المسماة بالآيات البينات. وقرأت عليه شرح المنظومة الرحبية للخطيب الشنشوري. «٨» وسمعت عليه طرفا من ابن حجر.

стр. 79

وأخذت علم التفسير عن شيخنا الشيخ حسين أفندي نظمي زاده، قرأت عليه تفسير جزء عم للقاضي البيضاوي. «١» وقرأت على ذلك درسا حاشية المولى عصام الدين «٢» مع ما كتب عليها. وحضرت بعض دروس شيخنا الشيخ سلطان في تفسير البيضاوي مع حواشي عصام. وأخذت علم التجويد والقراءات على عمّي الشيخ أحمد بن سويد، وعلى الإمامين الهمامين، تذكرة الكسائي وأبي عمرو، «٣» الحائزين الفنون الجمة، والموجودين رحمة لطلاب الأمة، سيدي السيد درويش (١١ أ) العشاقي، «٤» وسيدي الشيخ محمد بن محمد المصري، رحمهم الله تعالى رحمة الأبرار، وأسكنهم فسيح جنته دار القرار، أمين. وقرأت علم الكلام على شيخنا ذي الفنون العديدة، والتصانيف المفيدة، الفتح الموصلي «٥» . وقرأت عليه شرح مختصر المنتهى للقاضي عضد الملة والدين «٦» . وقرأت عليه أيضا حواشي السيد الشريف «٧» على الشرح المذكور. وسمعت طرفا من علم الكلام على شيخنا الشيخ سلطان، وقرأت عليه شرح الورقات «٨» ، وقرأت عليه حاشية القليوبي «٩»

стр. 80

عليه «١» ، وحواشيه هو على الحاشية. وأخذت النحو عن شيخنا الشيخ حسين نوح. قرأت عليه الأجرومية، ثم شرحها للشيخ خالد الأزهري «٢» ، وبعضا من شرح الأزهرية «٣» . وقرأت عليه بعد مدة شرح ألفية ابن مالك للجلال السيوطي بالنهجة المرضية، مع مراجعة حواشيها لشيخ مشايخنا أحمد محمد الأحسائي «٤» . وقرأت عليه مغني اللبيب لابن هشام «٥» ، وحواشيه للشمني «٦» . وعن شيخنا، سيبويه زمانه، الشيخ سلطان، أتممت عليه شرح الازهرية. وقرأت عليه شرح القطر للمصنف «٧» ، وسمعت عليه شرح قواعد ابن هشام للشيخ خالد «٨» بقراءة بعض الإخوان. وأخذت علم الصرف عن شيخنا الشيخ حسين «٩» المذكور، وعن شيخنا الشيخ سلطان سمع (١١ ب) عليه شافية ابن الحاجب «١٠» وشرحها للنيسابوري «١١» بقراءة أخينا الشيخ احمد العاني. وأخذت المعاني والبيان والبديع على شيخنا حسين أفندي نظمي زاده، قرأت عليه الشرح

стр. 81

المختصر على التلخيص مع مراجعة الشرح المطول «١» وسمعت حصّة منه على شيخنا الشيخ سلطان بقراءة أخينا الشيخ عبد الله الشطيحي «٢» . وعلى الشيخ سلطان ألفية المعاني والبيان نظم الجلال السيوطي «٣» ، بقراءة أخينا الشيخ محمد بن عبد الرحمن الأحسائي الحنبلي. وسمعت عليه حصة كبيرة من شرح مقدمة الاستعارات للملا عصام «٤» مع قراءة حواشيها للزيباري «٥» ، ومراجعة حواشي حفيده «٦» بقراءة بعض الإخوان، وقراءة رسائل المنطق، كشروح إيساغوجي «٧» لحسام كاتي «٨» ، وللفناري «٩» مع حاشية قول أحمد «١٠» ، وشرح الشمسية «١١» مع حاشية السيد، وشرح التهذيب للجلال الدواني. «١٢»

стр. 82

مع حاشية مير أبي الفتح «١» بعضها، على الشيخ العلامة، والحبر الفهامة، جامع المعقول والمنقول، حائز الفروع والأصول، سيدي الشيخ مصطفى أفندي الغلامي «٢» ، وبعضها على الشيخ الفتح الموصلي، وبعضها على المحقق المدقق سيدي يوسف أفندي الموصلي «٣» . وأخذت علم الوضع على الشيخ سلطان، وعلى يوسف أفندي وعلى غيرهما. وأخذت علم آداب البحث عن الشيخ (١٢ أ) يوسف وغيره. وأخذت علم الهيئة ورسائل الاسطرلاب وربع المجيّب وذات الكرسي عن البحر الجامع، والغيث الهامع، سيدي سليم أفندي الموصلي «٤» . وأخذت الحساب عن أخينا الشيخ حسين، قرأت عليه بعض شرح الزمزمية، وعن الشيخ سلطان، قرأت عليه وعلى غيره خلاصة الحساب للبهائي «٥» . وأخذت الهندسة عن بعض العصريين. وأخذت أصول الفقه الحنفي عن يوسف أفندي،

стр. 83

سمعت عليه التلويح «١» . وبهذا نختم لما قرأناه ليكون الختام مسكا مع الترجيح. وقد قدّمنا أن تاريخ الولادة (غدق) ، والتاريخ في هذا الوقت سبع وخمسون ومئة وألف، فقد بلغت الآن من العمر ثلاثة وخمسين عاما، وعلى الله إتمام باقي العمر بالخير. نسأل حسن الخاتمة والعفو والعافية في الدين والآخرة، آمين. وقد بلغت مؤلفاتي الآن عشرة مؤلفات، وإن منّ الله عليّ بطول العمر خدمت صحيح البخاري بتعليق شرح عليه، وأكملت محاكمتي بين الدماميني والشّمّني «٢» الواقعين على مغني اللبيب «٣» .

стр. 84

[الرحلة] (٣٤ أ) وأشرع في المقصود فأقول: كان استئذاننا لأجل الحج من الوزير المحترم، والدستور المكرّم، حضرة أحمد باشا «١» - أدام الله نصره- يوم السبت الثامن عشر من ربيع الأول عام سبع وخمسين ومئة وألف من الهجرة «٢» . وإنما احتجت إلى الاستئذان لأن العادة في بغداد إذا كان لأحد جهة تدريس أو خطابة أو إمامة لا بد من أن يستأذن من والي بغداد، وقدّمت في صدر الاستئذان قصيدة داليّة «٣» : كم للهوى من رياق فوق أجياد ... شوقا إلى ساكني أكناف أجياد وللجفون انهمال لا يشابهه «٤» ... من السواري هتون رائح غادي صب يبيت على فرش الضنّا وله ... قلب ثوى بين أعواد وعوّاد يهيم وجدا إذا سار الحجيج ضحى ... وتستحث قواه نغمة الحادي تزيده شجنا «٥» ورقاء إن صدحت ... وذكرت «٦» نغمات الشادن الشادي إذا تذكرت والذكرى تهيج جوى ... مهابط الوحي شبّت نار إنكادي (٣٤ ب) من لي بكو ماء مرسال تبلّغني ... أرض الحجاز لتطفي نار أكبادي

стр. 85

موافيا مكة الغراء ذا جذل ... بشراي إذ ذاك في عرس وأعياد متى أراني للأكوار ممتطيا ... أفري فيافي أغوار وأنجاد وكلما نهضت آمال مكتئب ... فالعجز يقعدها قهرا بأقياد وكيف يبرد قلبا بات مضطرما ... وجذوة في حشاه ذات إيقاد وكيف يهدأ طرف ظلّ منسجما ... والقلب ظمآن وجد شيّق صادي (٣٥ أ) يئست لولا رجائي بالذي سطعت ... به مآثر آباء وأجداد هو الوزير الذي عمّت مواهبه ... داني الحواضر والقاصي من البادي هو الغياث إذا ما أزمة فدحت ... وهو المرام لقصاد ووراد كهف العفاة ملاذ المستجير به ... غوث الصريخ به غيث لمرتاد مجندل الشّوس والهيجاء في سعر ... مردي الكماة ببتّار ومدّاد يدبّر «١» الأمر والأخطار معضلة ... جدّا فيلبسها أثواب إرشاد بحر ولكنما عذب مذاقته ... يولي الورى عرفه من قبل ميعاد ذلّت لسطوته صمّ العتاة وقد ... كان الجميع أبيا غير منقاد له التدابير أغنت عن مضاعفة ... من العساكر قد مدّت بأجناد «٢» (٣٥ ب) لا سيما ثالث الوقعات حين أتى ... ديارنا الشاه يبغي ضبط بغداد «٣» في محفل كالحصى والرمل عدّته ... تكلّ عن جمعه أرقام أعداد توهّم الشاه أن الجند كثرتها ... تروّع أحمد أو تقضي بأنكاد

стр. 86

ظن القنابر والأطواب تفزعه ... أو من صواعقها يخشى وإرعاد فمال للسلم إذعانا وذا نادر «١» ... لما رآه ثبوتا طود أطواد واختار من بعد رفض رفض مذهبهم ... فصار في الحال سنيّا بأشهاد وشدد النهى عن سبّ الصّحابة بل ... قد شاب هذا بتهديد وإبعاد ورتّب الخلفاء الراشدين على ... عقائد السنّة الأولى بإرشاد فكم خلاف «٢» وكم كفر وكم بدع ... أزال وهو على كل بمرصاد (٣٦ أ) وحتّم الأمر أن يدعو خطيبهم ... على المنابر للخنكار «٣» في النادي وقد علمنا يقينا إنما فعل ... الذي ذكرنا حذار الضيغم العادي والله والله أيمانا مغلظة ... لولا أبو عدلة والمفخر البادي «٤» لكان أطفالنا أسرى الأعاجم بل ... كنا رهائن أجداث وألحاد فالله يكلؤه والسعد يخدمه ... والنصر يقدمه فوزا بإسعاد فيا أبا عدلة لا زلت ذا ظفر ... إذنا ومنا بإحسان وإرفاد والاستئذان الذي كانت هذه القصيدة في صدره هو هذا: اللهم يا ذا المن الذي لا ينفذ إمكانه، والإحسان الذي لا يحد إحسانه، إنا نتوسل إليك بجلال ذاتك، وكمال صفاتك، أن تديم على الأنام، ولا سيما سكان مدينة السلام، ظل الوزير

стр. 87

الذي ألبسته الهيبة والجلالة، (٣٦ ب) ومنطقته السؤود والعدالة، وقصمت بسطوته ظهور القساة المتمردين، وأحييت برأفته العفاة المقلين، ونشرت بأوامره أعلام العدل والأمان، وطويت بزواجره كل بغي وعدوان، آمين. فالمعروض على السدة التي سمت على السماكين «١» قدرا ونمت على النيرين رفعة وفخرا، لا زالت لجباه الأمراء الأفاخم مساجد، ولا برحت مقبلة بشفاه الأعاظم الأماجد. بقيت بقاء الدهر يأكهف أهله ... وهذا دعاء للبرية شامل هو أنه من الأمور المقررة، والأحكام المحررة، مما هو معلوم لديكم، وغير خفي عليكم، أن النطف أجابت من كل فج سيدنا إبراهيم حين أذن بالحج، فصممت نفس هذا الداعي على أن تتبع القول بالعمل، وتجمع بين جوابي الأرواح والأشباح، ليطابق الحال في الأزل، فنزعت نزوع الطفل بعد فطامه إلى الرضاع، إلى أن تعفر محياها مهابط الوحي من تيك البقاع، لترمي من أشواقها جمرات، وترضع من ثدي زمزم رضعات، وتقف على عرفات الغفران، وتسعى بحط الأوزار (٣٧ أ) باستلام الأركان، وتطوف حول حمى الملك الغفار، قائلة: هذا مقام العائذ بك من النار، ولما تيقنت أن العمر قد ذهب أطيبه، وغبر أعذبه، وأن الجسم قد وهى ورقّ، والعظم قد وهن ودق، والبدن كشن «٢» بالية وعما يصلحها عارية خالية، وتذكرت حديثا سمعته من الثقات الجهابذة الأثبات، أنه ﷺ قال، أو كما قال: (اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك) الحديث سارعت بالاستئذان مستدرة عوائد الإحسان: وفي النفس حاجات وفيك فطانة ... سكوتي بيان عندها وخطاب ولله عليّ إذا شاهدت تلك المشاهد، وتعهدت هاتيك المعاهد، أن تكون هجيراي المستمرة، وشنشنتي الدائمة المستقرة، خير الدعاء لكم في تلك الأماكن الشريفة، والبقاع السامية المنيفة، فلا زلت مغمورا بالنعم، مدفوعا عنك النقم، آمين.

стр. 88

فخرج الإذن ذلك اليوم، ووكلت على تدريسي في آستانة قطب العارفين، وسلطان الموحدين، سيدي أبي صالح محيي الدين عبد القادر الجيلي- قدس سره العزيز- ولدي النجيب (٣٧ ب) العالم الفاضل، أبا الخير عبد الرحمن، لا زال سعيدا ما كرّ الجديدان، آمين. ثم خرجنا من بغداد دار السلام قبيل الظهر، الاثنين، الثامن والعشرين من ربيع الأول من العام المذكور «١» ، فخرج الأولاد والمحبّون لوداعنا، فجرت منّا العبرات، وتلظت منا الزفرات، وفاضت دموع العيون، وتراكمت على الفؤاد الشجون. وبما جرى في موقف التوديع من ... ألم النوى شاهدت هول الموقف [تل كوش] ونزلنا تل كوش، على أربعة فراسخ من بغداد، وهو تلّ صغير مستطيل أحمر، على كتف دجلة الغربي. ولعلّ نسبته إلى كوش بن كنعان. وأقمنا فيه يوم الثلاثاء، ومنه كتبت للولد القلبي النجيب الأمجد، حسين بك ابن الأكرم كتخدا «٢» محمد باشا. «٣» وصورة الكتاب: سلام كروض حين باكره الحيا ... فأضحى نضيرا ذا رواء وذا نشر سلام كأنفاس النسيم تعله ... يمشط قضبان الرياحين والزهر سلام كريا الرّند جادت به الصبا ... على مستهام عام في لجّة الفكر

стр. 89

(٣٨ أ) سلام كأمثال العبير تضوعت ... به بقع الأكوان في كل ما قطر سلام يفوق الدر حسنا وبهجة ... فلله ما أبهاه في النظم والنثر سلام كوصل من حبيب مهاجر ... تمادى على الإعراض والصد والهجر على الكامل الأسنى الحسين الذي سما ... على تربه في المجد والفضل والفخر فشوقي إليه لا يزال مجددا ... ولست بساليه ولو صرت في قبري كيف أقول الشوق ينقضي وهو في كل لحظة بازدياد، وإني أقول الصبر يسعفني وهو قد فرّ قبل البعاد: فهذا ولما يمض للبين ليلة ... فكيف إذا جد المطي بنا عشرا قد وهى جلدي حين خانني صبري، واشتغل لدى كمدي ذهني وفكري، شوقا إلى طلعة المحيّا الزاهر، ذي الحسب الأسمى والكمال الباهر، جامع المحاسن الوافرة، حائز المفاخر (٣٨ ب) الباهرة الزاهرة، صاحب الشمائل التي ما حواها إلّا النزر من أفذاذ الدهر، والمناقب التي ماحواها إلّا القليل من أفراد العصر، فاق أقرانه منذ هو يافع، وسما على أترابه بما تشنف به المسامع، النجيب الذي هجيراه اقتناص شوارد العلوم وقصاراه افتضاض أبكار المنطوق والمفهوم، قرّة عيني، وحشاشة مهجتي، وهو دون ما سواه مرامي، وبغيتي، عين الإنسان، وإنسان العين، فرع دوحة الأكارم والأعلين، ولدي الأعز أبي المحاسن حسين بك، لا زال راقيا أوج المعارف إلى نهاية لا تجارى، ولا برح ممتطيا صهوات الكمالات إلى غاية لا تمارى، آمين. ثم الدعاء الذي رفع على أجنحة القبول، وبسطت له راحات المنى والسول، للنجيب الذي تربي بمهود السعود، وترعرع في المجد الذي تسلسل إليه من أكارم الجدود، ولدي العزيز ذي الفخر الجلي، والقدر الرفيع العلي، أبي المفاخر سيدي علا- إن شاء الله- على مراتب الإجلال، وقارن به السعد والإقبال، آمين.

стр. 90

[نهر الحسيني] وتلي المرحلة الأولى مرحلة نهر الحسيني، وهو جدول يخرج من دجيل، والمسافة أربعة فراسخ. [حمارات] وتليها مرحلة (٣٩ أ) نزلنا فيها على نهر من مزارع حمارات «١» ، وهي قرية من قرى دجيل، وكان نزولنا عند شجرات جذوعها كجذوع السدر، وأوراقها وأغصانها كالرمان، ولها ورد أصفر كصورة الجلنار إلّا أنه يخالفه في اللون، [و] في أسفل كل وردة نقطة تشبه العسل لونا وطعما، ولها دبق كدبق العسل، ولقد ذقتها فوجدت طعم العسل فيها إلّا أن النقطة إذا قرب جفافها يصير فيها شائبة مرارة، وأهل تلك الأرض يسمونها بشجيرات العسل على صيغة التصغير، ويزعمون أن الإمام عليّ بن أبي طالب دقّ وتدا وربط فيه دابّته فتفرّع منه تلك الشجرات، والمسافة أربعة فراسخ أو أكثر بقليل. [الفرحاتية] وتليها مرحلة نزلنا فيها على نهر يسمى بالفرحاتية، بفتح اللام وسكون الرّاء وبحاء مهملة بعدها ألف وبتاء وياء مشددة للنسبة، في آخرها هاء تأنيث. وهي من أعمال دجيل أيضا، وكان نزولنا في برّ أفيح ذي «٢» حصى دقاق، والمسافة ستة أميال ونصف تقريبا. [المحادر] وتليها مرحلة تسمى بالمحادر، لا عمارة فيها، وسميت بالمحادر لما فيها من الانحدار والهبوط، وهو قبالة سرّ من رأى، وقرأنا الفاتحة ودعونا لنا ولأحبابنا متوسلين (٣٩ ب) بالسّيّدين الطّاهرين، والكوكبين الزاهرين، سلالتي النبي الهادي سيدينا الحسن العسكري

стр. 91

وعلي الهادي ﵄، والمسافة ستة فراسخ. [مهيجير] وتليها مرحلة مهيجير، بضم الميم وفتح الهاء وسكون المثناة التحتية وجيم مكسورة بعدها ياء مثناة تحتية ساكنة وآخر الحروف راء مهملة. وهو تل صغير مدور قريب دجلة. «١» [العاشق] ومررنا في هذه المرحلة على العاشق بوزن اسم الفاعل، كذا هو المشهور، ورأيته في مسامرة ابن العربي «٢» بهذه الصيغة، لكن قال في القاموس: والمعشوق قصر بسرّمن رأى. «٣» فلعلّه غيره لأن العاشق بالجانب الغربي من دجلة وسرّ من رأى في الجانب الشرقي، فلعل هذا البناء يسمى بالعاشق، والقصر الذي يسمى بالمعشوق. «٤» (وللعوام قصة مشهورة ينقلونها عن) «٥» العاشق والمعشوق تقتضي أنهما بناءان متقابلان يسمى أحدهما باسم العاشق والآخر بالمعشوق. والعاشق هذا بناء قديم ولم يبق منه إلا أثر الجدران، مبني بالآجر والجص.

стр. 92

[مدينة المنصور] وحاذينا في طريقنا مدينة المنصور «١» في الجانب الشرقي، قرب سر من رأى والمسافة ستة فراسخ. [تكريت] وتليها مرحلة تكريت بفتح التاء، سميت بتكريت بنت وائل، وهي بلدة قديمة كبيرة لم يبق منها الآن إلا القليل، وأكثرها خراب، رسومه «٢» ظاهرة، (٤٠ أ) والمسافة ستة فراسخ، ومنها كتبت للولد القلبي حسين بك كتابا صورته: من محب سالمه سهاده، وحاربه رقاده، وخانه جلده، ووفى له كمده. ترامت به البلدان والأقطار، وتقاذفت به الفلوات فأقصته عن الديار: يوما بحزوى ويوما بالعقيق ... وبالعذيب يوما ويوما بالخليصاء تأجّجت زفراته، واضطرمت لوعاته، وهاضت «٣» أشواقه حين أساء عليه فراقه، جل عن أن تصفه الأقلام، وعظم أن تحيط به الأرقام: والشوق أعظم أن يحيط بوصفه ... قلم وأن يطوى عليه كتاب والله ما أنا منصف إن كان لي ... عيش يطيب وجيرتي غياب وأيم الله لا يرد على سروري، ولا يعيد عليّ حبوري، ولا يرد جيش همومي، ولا يزيح تراكم غمومي، إلا التملي بمحيا الأمجد الذي علا حسبه وسما نسبه وشرفت أخلاقه، وزكت أصوله وأعراقه، وعذبت موارده ومصادره، وسمت مكارمه ومفاخره، ذي المعارف التي جلّت عن التعريف، والعوارف التي لا يحيط بها التوصيف، فالواصف وإن أطرى

стр. 93

وأطنب، (٤٠ ب) وأطال وأسهب، لا يدرك معشار المعشار من أوصافه، ولا يجمع بعض البعض من سنيّ ألطافه، صاحب التحصيل للكمالات السنية، والحائز للمفاخر السنية السمية، نور عيني وجلاها، وحياة روحي ومناها، كريم الأصلين، ولدي أبي المحاسن حسين، لا زال السعد يقدمه، والإقبال يخدمه، آمين. أيّها الولد! علم الله وكفى به عليما: إني على الدعاء لم أزل مقيما، لم أنس تلك الطلعة الزاهرة، ولم أسل هاتيك الأوقات الناضرة، قد قرّح الدمع أجفاني، وأحرق القلب أشجاني، أتذكر تلك الليالي فتهيج زفراتي، وتضطرم لوعاتي، وكلما خيّلت ربعكم المعمور بالمسرات، وبادرتني العبرات والحسرات: لم أنس معهدنا والأنس مجتمع ... والعيش غض وربع الأنس معطار فها أنا بعد بعد عنه في قلق ... وقد نبت بي أرجاء وأقطار تمضي الليالي وأشواقي مجددة ... وما انقضت لي من الأحباب أوطار (١٤١ أ) - أسأل الله- وعليه المعوّل- أن يجمعنا قبل انخرام الأجل، أيها الولد! دخلنا تكريت يوم الاثنين السادس من شهر ربيع الثاني، ولما وقع مني عليها النظر، زادت وساوسي والفكر، وقلت بديها، وأنا فيها «١» : قد أضرم الوجد في الاحشاء كبريتا ... لما حللت مغاني القوم تكريتا وكلّما شاهدت عيناي مرتعا ... توهمته من الأكدار سبريتا «٢» بعدت عن أهل ودي والجوى جلل ... أدير شوقا إلى مغناهم ليتا جمعت جمع فنون الوجد في كبر ... حتى دعيت خبيرا فيه خريتا «٣» كوى فؤادي النوى والعين ساجمة ... حكيت في لوعتي الحرّى مقاليتا «٤»

стр. 94

والهم أنحلني والصبر فارقني ... أضحت همومي «١» على ضعفي عفاريتا [وادي الفرس] وتليها مرحلة وادي الفرس بفتح الفاء والرّاء، ولعلّه الموضع الذي كان لهذيل، «٢» والمسافة ستة فراسخ. [قزل خان] وتليها (٤١ ب) مرحلة قزل خان بكسر القاف والزاي وسكون اللام، لغة تركية معناها الخان الأحمر. وهو خان قديم متسع سمي بالأحمر لأن آجره كله أحمر، رحل منه أهله لفساد الأعراب وعتوّهم، ولهم نسل في بغداد في مشهد الإمام أبي حنيفة- ﵁ يقال له القزلخانية والغالب عليهم الشقرة، والمسافة سبعة أميال تقريبا. [الغرابي] وتليها مرحلة الغرابي بضم الغين المعجمة نسبة إلى غراب، وهو عين ماؤها عذب، والظاهر أنه موضع كما في القاموس «٣» سمي بذلك لأن الماء في مقره أسود يشبه الغراب فإذا أخرج منه صار لونه كسائر المياه يتلوّن بلون إنائه، ولعل المقر أسود فيتلون بلونه، بل هو الظاهر. والمسافة ستة فراسخ ونصف تقريبا. [البلاليق] وتليها مرحلة البلاليق، والعامة تبدل القاف كافا، «٤» وهي عيون كثيرة عذبة المياه في

стр. 95

وسط جبل صغير سميت بذلك لأن الأماكن التي حواليها بلق بيض، وجبلها لا شجر فيه فهو أبلق، والمسافة ستة فراسخ تقريبا. [الخانوقة] وتليها مرحلة الخانوقة، بالخاء المعجمة فألف فنون مضمومة فواو ساكنة فقاف مفتوحة آخرها هاء التأنيث، وهي على شاطىء دجلة. قال في القاموس: والخانوقة بلد (٤٢ أ) على الفرات. فتبين أن هذه غيرها، وهي فويق قلعة التراب، وهذه القلعة تلال عظام من تراب مستديرة بعضها إلى جانب بعض كهيئة القلعة والسور «١» ، والمسافة تقريبا ستة فراسخ ونصف. [القيّارة] وتليها مرحلة القيارة «٢» بفتح القاف وتشديد المثناة التحتية فألف فراء مهملة وآخر الحروف هاء تأنيث. وهي عيون من قير على حافة دجلة، والمسافة تقريبا ستة فراسخ ونصف. [المصايد] وتليها المصايد بوزن مقاعد، فسألت عن سبب تسميتها بذلك فقيل إن ماء دجلة

стр. 96

يتعوج فيها لما فيها من الانحراف فكأنها تصيد الكلك بفتحتين، وهو الطوف، والمسافة سبعة أميال. [حمّام علي] وتليها مرحلة عين حمّام علي، وهي على شاطىء دجلة، ماؤها حار جدا إذا كان علا القير على وجه الماء، فإذا رفع طاب بحيث يتحمله بدن الإنسان، يزعم أهل الموصل أنها تنفع من الجذام «١» ، وقد اتفق لي أني اغتسلت فيها ذلك اليوم مرتين، والمسافة ثمانية فراسخ. [الموصل] وتليها مرحلة الموصل بوزن موئل، والمسافة تقريبا أربعة «٢» فراسخ، فدخلنا الموصل يوم الأربعاء الخامس عشر من شهر ربيع الثاني «٣» فكان عدة مراحلنا من بغداد إليها غير يوم الإقامة بتل كوش ستة عشرة مرحلة. فنزلت الخان المعروف (٤٢ ب) بخان الأغوات «٤» فما مكثت فيه ساعة حتى جاء الأمجد

стр. 97

بلا التباس عثمان آغا بن درباس وهو من ذوي أرحامنا فأخذني إلى بيته فجعلت أبات في داره المعمورة، وفي النهار أخلى لي حجرة من حجر الخان الذي هو تحت إجارته، وفرشها وعين لي من يخدمني فيها. وهذا الخان على يسار الجسر «١» مشرف عليه، والحجرة فوقانية لها شباك يطل على الجسر وعلى نينوى قرية سيدنا يونس رسول الله ﷺ ، وترى قبته الشريفة «٢» وكذا البر الشرقي، فبقيت ضيفا عنده مدة إقامتي يزيد في إكرامي كل يوم جزاه الله عني خيرا. واجتمعت بواليها الوزير المكرم، والدستور المفخم، مولانا حسين باشا عبد الجليل زاده «٣» - وفقه الله بالحسنى وزاده- فأكرمني وأعزني وبقيت معه من العصر إلى المغرب، ونقلت له قصة مباحثتي مع العجم، ونقل لي هو قصة حصار نادر شاه للمحروسة الموصل. «٤» ورأيت

стр. 98

في دار الحكم تلا عظيما كله قلل «١» القنابر والأطواب التي رماهم بها، «٢» فالحمد لله الذي ردّ كيده في نحره، ومنح الإسلام منحة نصره. واجتمعت في مجلسه بعلي أفندي «٣» مفتي الشافعية- قلّل الله في المسلمين (٤٣ أ) أمثالهم- ما أجهله وما أسخفه! ظنّ المسكين أن العلم والرياسة في التجنب عن أهل الفضل، ولكنه معذور يخشى على نفسه الفضيحة، فربما تعرض عويصة فيظهر جهله. فبقيت، مدة إقامتي في دار عثمان آغا، وهو وجاره بيت بيت «٤» فلم يأت لزيارتي، ولا راعى قولهم القادم يزار. ومثله في الجهل مفتي الحنفية، «٥» عصمنا الله تعالى عن الخصال الدنية، واجتمعت بمجلسه أيضا بمفتي الحنفية السابق محمد أفندي، وهو ليس ببعيد منهما. وممن زارني من علمائها الكرام، وفضلائها الفخام، شيخنا المحقق الجليل، والمدقق الذي

стр. 99

ليس له مثيل، ذو الخلق السليم، مولانا سليم أفندي، «١» زارني مرتين، لا زال سعيد الدارين. والشيخ النحوي، والعلامة الشهير ذو الفضل الجليّ والقدر العلي، الحاج محمد العبدلي، «٢» أمدّ الله في حياته وأفاض عليه بحور هباته. والشيخ الفاضل الكامل، والعالم والنحرير الفاضل، ذو الإفادة والاستفادة، سيدي الحاج محمد بن الشيخ حسين غلامي زاده «٣» ، زارني مرّات عديدة، والشيخ العالم الفقيه الصالح الناسك سيدي زين الملة والدين، الشيخ عبد العزيز، فقد خدمني مدة إقامتي ثمة، نفعني الله بصالح دعواته، ومنّ عليّ بإمداد بركاته. والشيخ (٤٣ ب) الفقيه المحبوب، سيدي الشيخ يعقوب، حفظ الله الجميع آمين. ومما منّ الله تعالى به عليّ أن عفرت خدّي بصعيد الدر المكنون والسرّ المصون سيدي نبيّ الله ذي النون، صلى الله على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، فدعوت واستشفعت به لي ولأحبابي، وأنا واقف قبالة وجهه المكرم، صلى الله على نبينا وعليه وسائر الأنبياء والمرسلين. ومما منّ الله تعالى عليّ، زيارة الجوهر النفيس، سيدي نبيّ الله جرجيس «٤» ، على نبينا

стр. 100

وعليه وعلى سائر الأنبياء صلوات الله وسلامه، فدعونا لنا ولأحبائنا، وسألنا الشفاعة لنا ولهم. وكتبت منها كتابا للعالم النحرير عبد الرحيم أفندي المارديني «١» ، وقد راسلني بكتاب وأنا ببغداد، وصورة الكتاب الذي أرسلته إليه، وكان على سبيل العجلة: سلام مثلما فاحت رياض ... وقد مرت بها ريح الشمال سلام كالصبا هبت سحيرا ... على مضنى أسيف ذي اعتلال سلام نظمه يسمو افتخارا ... على نظم الجمانة واللآلي (٤٤ أ) سلام عطّر الأكوان طيبا ... سلام مثل لذات الوصال على عبد الرحيم أبي المعالي ... سليل المجد، مفقود المثال أني بضبط القلم أوصافه، وقد عجزت عنه أقلام الكتاب، وأن تجمع الألفاظ نعوته وقد قصرت دونه أرقام الحساب: وإن قميصا حيك من نسج تسعة ... وعشرين حرفا في علاه قصير كيف وهو العالم المتفرد بين أفذاذ الدهر وأفراده، الجهبذ المتوحد الذي أذعن له نحارير أقرانه وأنداده، وأقرّت بفضله أعاديه، وسلمت بأن التحقيق مقصور على ناديه، وإنه لا نظير له تحت أديم الخضراء، ولا شبيه له فوق بساط الغبراء، والفضل ما شهدت به الأعداء. ذو التحقيقات التي لا تجاري، والتدقيقات التي لا تمارى، إن عدّت الفنون كان له منها القدح المعلى، وإن ذكرت الفضائل كان ذا التاج المحلّى، علامة العلماء، واللج الذي لا ينتهي، ولكل لج ساحل، سيدي الذي به افتخرت ماردين على سائر الأقاليم، (٤٤ ب) الحبر البحر أبو المعالي عبد الرحيم، لا زالت قضايا قياسات تحقيقاته منتجة الإفادة، ولا برحت كليات تدقيقاته موجبة خاصة الحسنى وزيادة

стр. 101

آمين آمين لا أرضى بثالثة ... حتى أضيف ألف آمينا أما بعد، فإن نفحت العطف من ذلك الخاطر العاطر، أو تموج بالسؤال عباب ذلك البحر الزاخر، عن أحوال داعيه، وحافظ وده ومراعيه، فهو- والحمد لله- في نعم وافرة، وآلاء جمة متكاثرة، غير أن الاشتياق أجج الزفرات، وأضرم اللوعات، ولا يخفى أن من الأمور المقررة، والقضايا المحررة، الصادرة عن صدق خاتم فص الرسالة وينبوع السيادة والجلالة والبسالة، أن النفوس إذا تعارفت في عالم الأرواح لا بدّ وأن تتآلف في عالم الأجساد والأشباح، فلهذه الحكم الربانية، والمصالح الصمدانية، تحركت نفس مولانا الزكية، وقصدت تطابق العالمين في هذه (القضية، فشرّف) «١» أدنى خدمة بكتاب تسطع الفصاحة من خلال مبانيه، وتشرق البلاغة في مجاري أفلاك معانيه، لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها (٤٥ أ) كاد يبلغ حدّ الإعجاز حيث اشتمل من البلاغة على أقصاها، فكان الحري بأن أنشد فيه وأتمثل بقول السلف الأول: أتاني كتاب لو يمر نسيمه ... بقبر لأحيا نشره صاحب القبر وأذكرني شوقا وما كنت ناسيا ... ولكنه تجديد ذكر على ذكر وهذا الداعي لما تحقق أنه لا يستطاع الإتيان بمثله، ولا يدخل تحت قواه مقابلة بعضه، فضلا عن كله، أضرب عن المقابلة صفحا، ورأى السكوت فائدة وربحا، واستوت سفينة عجزه في اليم، وجنح إلى السّلم، والسّلم أسلم، لعلمه أنّ هذه مضائق لا يسلك فيها إلّا خريت، وأن هذه الطرق وعرة سبريت «٢» ، لكن لما اعتقد أن شيم المولى الإغضاء عن العوراء، والصفح عن الزلة الشنعاء، تجرأ هذا الداعي على المكاتبة، وأقدم بعد أن كان يقدم رجلا ويؤخر أخرى، في ولوج عباب هذا اليم، فالمأمول من شيم مولانا الرضية، ومكارمه الشاملة السنية، مسامحته عن مثل هذه الترهات، وأن يدفع السيئات بالحسنات، فإن الجالب قليل

стр. 102

البضاعة، (٤٥ ب) وهذا الكتاب ابن ربع ساعة. ومن منن الله العميمة، وألطافه القويمة، أن أوقع في قلب هذا الداعي حج البيت الحرام، فعسى أن يكون ذلك ذريعة للتملّي بمحيّا الحبر الإمام. نسأل الله القريب الودود أن يبرز ذلك للوجود، آمين. ومنها أيضا كتبت كتابا للأكرم ذي الفضل المبين، محمد أمين ويودة «١» ماردين، (وصورته) «٢» : دعاء بسطت له راحات الآمال، ورفعت لأجله أكف التضرع والابتهال، راجية عوائد القبول، مؤملة فرائد بلوغ المنى والسول، لجناب من سما على السماكين فخره، وعلا على النيرين قدره: من كان فوق محل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيء ولا يضع ذي المجد الراسخ، والحسب الشامخ، والنسب الباذخ، والآراء الصائبة، والأفكار الثاقبة، والشجاعة التي بهرت كل شجاع، والبراعة التي أفحمت كل مصقاع، والكرم الذي عمّ وطم، وطوى ذكر حاتم طي وغم، فما هو في سخائه، وغثرة «٣» ، وما ابن مامة في شمائله، وما ابن سعدى في فضائله، إلا غيض من فيض، وإلا قلّ «٤» (٤٦ أ) من كل الأكرم، الأنبل الأمثل، والأمجد الأحمد، الأفضل جامع المكارم على اليقين، سيدي محمد أفندي أمير ماردين، لا زال السعد ثاويا ببابه، ولا برح مقيما على أعتابه. والمعروض إلى الحضرة العلية، لا زالت مصونة عن كل بلية، هو إن هذا المخلص في وداده، الصادق في تصافيه واتحاده، لم

стр. 103

يزل مقيما على الدعاء، ولم يبرح مديما للثناء، متذكرا تلك الأوقات التي أزرت «١» بالأعياد المجردة العارية عن الأكدار والأنكاد، ملتاحا إلى التملي بطلعتكم البهية، مشتاقا إلى التلذذ بمسامرتكم الشهية، فلم أزل إذا هاج وجدي وغرامي، أنشد قول الحائك اللّامي: لم أنس أياما مضت ولياليا ... سلفت وعيشا بالصريم تصرما «٢» إذ نحن لا نخشى الرقيب ولم نخف ... صرف الزمان ولا نطيع اللوّما والعيش غض والحواسد نوّم ... عنا وعين البين قد كحلت عمى فالله أسأل؟؟؟، وعليه المعول، أن يمنّ بعد ويجمع «٣» أشتات شتاته، ويعيد علينا السرور في أسعد أوقاته، (٤٦ ب) فنقتص من النوى والبعاد، ونفوز بنيل المنى وبلوغ المراد، آمين. (ومنها) «٤» أيضا كتبت للولد القلبي حسين بك «٥» (كتابا صورته) «٦» : أن أبهى ما تقلدته «٧» الحور في النحور، وأشهى من مسامرة الغواني في ليالي السرور، وألذّ من الوصال بعد الهجران، وأحلى من التلاقي بعد نبو الأوطان، تحيّات أشعرت بخلوص الوداد، ودلت على صدق الاتحاد، وتسليمات بهرت القمرين، ونافت على درر البحرين، على من شب في الكمالات الفائقة، وترعرع في المعارف الرائقة، ربيب المجد العالي، سليل الحسب المتلالي، قرة عين الزمان، وواسطة عقد العصر والأوان، ذي الأدب الباهر، والعقل الآمر الناهر، أبي المحاسن حسين ذي العرق الطاهر، لا زال راقيا في أوج السعادة، ممتطيا صهوات المجد والسيادة، آمين. غب الدعاء وعقيب الثناء، إني إليك أشوق من الصادّي إلى الزلال، وأتوق

стр. 104

من المهجور إلى لذيذ الوصال، فهل يعود جمع الشمل بديار الأنس والأفراح، وهل نفوز بالتلاقي فتزول عنا الأكدار والأتراح، وأيم الله لا أنسى تلك المغاني، ولا أسلو ديارا (٤٧ أ) هي المنى والأماني، ولم أزل أتمثل بقول السلف الأول: يا ديار السرور لا زال يبكي ... فيك إذ تضحك الرياض غمام رب عيش صحبته فيك غض ... وعيون الفراق عنا نيام وفي ليال كأنهن أمان ... في زمان كأنه أحلام وكأن الأوقات فيه كؤوس ... دائرات وأنسهن مدام زمن مسعد وإلف وصول ... ومنى تستلذها الأوهام فعسى المولى الرحمن ينعم بالجمع في تيك الأوطان، فنبدد شمل الفراق، إذ طالما طل دمي وأراق. وكتبت أيضا منها إليه كتابا صورته: ما مسامرة الغواني ربات الحجال، وما منادمة الكواعب ذوات الغنج والدلال، بألذّ من تسليمات نوافجها تزري بالعبهر «١» والجادي «٢» ، ويضوع رياها في كل واد وكل نادي، نشأت من ودود سلم من داء الملق وده، وتخلّص من عضال الهزل جده، ذي أشواق تتلظى زفراتها، وتتوقد في الأحشاء جمراتها، وتجري بها من الجفون عبراتها، وتتصاعد من الأفئدة (٤٧ ب ٩ حسراتها، شوقا إلى ذي الطلعة الميمونة، والحضرة المأنوسة المصونة، البارع في آدابه، السامي على أترابه، جدّ في تحصيل الكمالات فانقادت إليه، ودأب في اقتناص الشاردات فانحازت لديه، سما مجده على السمّاك، وهو الحري بذلك، فرع شجرة المفاخر، ينبوع عيون المآثر، يعجز عن وصفه كل واصف، ويقف دون ساحل معارفه كل عارف، الولد الأنجب الأسعد الأكمل أبي المحاسن حسين الأنبل الأمثل، لا زالت شموس سعده في أفلاك الدوام جارية، وأقمار مجده في بروج السيادة

стр. 105

سارية، آمين. أيها الولد! وأيم الله، قد نفد صبري، وتحيرت في أمري، فأنا أسير بعد وأشواق، وطريح وجد وفراق، تبت يدا البعاد «١» كأنه أبو لهب، فلقد لقيت منه ما يقضي على العجب: تبت يدا من عن الأحباب ألوانا «٢» ... أضحى يجر عنا للحتف ألوانا (تبت يداه لقد أضحى أبا لهب) «٣» ... يذيب أفئدة منا وأبدانا أما الدموع فهي دماء، وأما نوحي فنواح «٤» الخنساء، وأما (٤٨ أ) شوقي فالسعير بالنسبة إليه زمهرير، وأما نومي فمشرد ليس له إلى الأجفان عود ومصير، لا تألف جنوبي المضاجع، ولا يغسل دم أجفاني سح المدامع، بل الدمع أنفدته ساعة الوداع، وخلفه الدم فصار الدمع دمّاع «٥» ، فإيم الله إن امتدّ البعاد فلا الدم يفي ولو كان البحر له مداد «٦» . ولما هاض شوقي، وضاق عنه طوقي، نظمت هذه الأبيات، وإن كانت غير جيدات، لكنها نفثة مصدور، وأنة مهجور، وحسرة مأسور، وتعلة مقهور، فقلت «٧» : دمع يفيض على الخدود مسلسلا ... وجوى تضرم في الجوانح مشعلا وإذا تهب من الأحبة شمأل ... زادت بي البلوى فبت مبلبلا غادرت قلبا بالعراق مضيعا ... والجسم في ذا الوقت «٨» حل الموصلا

стр. 106

أواه ما فعل البعاد بمغرم ... ألف التلاف وذاق كأسا حنضلا «١» أواه من حر النوى وحريقه ... فلقد أراني الموت أحلى منهلا (٤٨ ب) أواه من وصب الفراق وجوره ... فقد وجدت الصعب فيه أسهلا أواه قد جار الزمان بغدره ... فقضى ببعدي عن مناي وأسجلا أواه شوقي قد تلظت ناره ... أيلام صب أن ينوح «٢» ويعولا ويلي على جفن تقرح داميا ... فغدت دماه من السحايب أهطلا ويلي على عين تمكن سهدها ... فنفى الرقاد ورام جفني منزلا ويلي على قلب تقطع بالنوى ... أنى يرى من بعد ذاك توصلا ويلي على نفس تذوب صبابة ... أضحى تمنيها التلاق تعللا ويلي على جسم تضاعف ضعفه ... أضناه بعد للديار وأنحلا آه على ذاك الزمان وطيبه ... ما كان أحلاه عليّ وأجملا آه على عيش تصرّم وانقضى ... ما كان أهناه عليّ وأفضلا آه على تلك الأحبة سادة ... ما حال قلبي عنهم أو بدّلا (٤٩ أ) آه على سكن ألفت وداده ... (لم ينس قلبي وده ولا سلا) «٣» آه على دار السلام مغاني ... القوم الكرام ذوي السيادة والعلا فالله أسأل أن يمن بفضله ... ويردني نحو الديار تفضّلا وكان مدّة إقامتنا في الموصل اثني عشر يوما، وخرجنا منها يوم الاثنين، السابع والعشرين

стр. 107

من ربيع الثاني. «١» [بادوش] وكان مرحلتنا بادوش، بتحتية موحدة، فألف فدال مضمومة فواو ساكنة فشين معجمة آخر الحروف، وهو خان قديم على كتف دجلة حواليه بيوت قليلة، والمسافة نحو بريد. «٢» [الموصل القديمة أو أسكي موصل] وتليها مرحلة الموصل القديمة والترك يقولون أسكي موصل، وهو المشهور المتداول على ألسنة العامة. وهي بلدة كبيرة خراب، رسوم سورها وأسواقها وأبوابها ظاهرة، وهي أيضا على دجلة، والظاهر أن لها اسما غير هذا فنسي، «٣» إذ لم أظفر في شيء من كتب التواريخ بأن الموصل بلدتان قديمة وحديثة. والمسافة خمسة فراسخ. [تل موس] بفتح التاء وتشديد اللام وضم الميم وسكون الواو بعدها سين مهملة آخر الحروف. و (هو) «٤» تل عال مدور (٤٩ ب) وحوله عين ماء عذب صاف حار يخرج من تحت الجبل،

стр. 108

وحوله قرية صغيرة قديمة هي الآن خراب «١» والمسافة نحو بريد. [عين زال] وتليها مرحلة عين زال بزاي معجمة فألف فلام آخر الحروف «٢» ، وهي عيون كثيرة على وجه الأرض، وماؤها عذب إلّا أنه دون عين تل موس عذوبة وصفاء، وحولها قرية صغيرة خراب، والمسافة سبعة أميال. وفي هذه المرحلة أخذ جمالنا نوع من الجنون فنفرت وألقت أحمالها وأقتابها «٣» ، فبعد تعب شديد، ومشقة عظيمة، حتى ضبطت، ومات واحد منها في الحال وواحد نفر فلم يقدر على رده فضاع ولم يعلم خبره. والحاصل أن الجمال الباقية بقيت سكرى إلى آخر اليوم، فسألت عن سبب ذلك فقيل: إنها أكلت شجرة الغزوح «٤» ، وكل حيوان حتى بنو آدم إذا أكلوا منها اعتراهم شبه الجنون، حتى أن بعض الناس يضعها في التتن «٥» فإن شربها الإنسان أخذته خفة وطرب وجنون، يتخيل له أشياء لا وجود لها، فتارة يضحك، وتارة يبكي، وتارة يخيل له أنه في بحر مغرق، وتارة يخيل له أنه على ظهور الخيل، (وتارة يغني وغير ذلك من الأمور غير المنتظمة. وقد رأيت هذه الشجرة) «٦» فإذا هي قضبان (٥٠ أ) دقاق خضر لها ورد أصفر

стр. 109

صغير أشبه شيء بالشيح. [صفيّة] وتليها مرحلة صفيّة كسمية مصغرا، وهي عين ماؤها في غاية الصفاء، يجري أولا على أحجار كالصفي، سميت بذلك إما لصفاء مائها أو لكونها تجري على صفاة «١» ، وماؤها عذب يشبه ماء دجلة، والمسافة كالتي قبلها ستة فراسخ. [الرميلة] وتليها مرحلة الرميلة بالتصغير، وهي عين ماؤها عذب خفيف، قيل: إنه أخف المياه، سميت بذلك لأن مقرها ومجراها رمل، والمسافة ستة فراسخ «٢» . وعند هذه العين خرج علينا ونحن نزول قطّاع طريق من نحو جبل سنجار فاستاقوا من جمال القافلة، وهي في المرعى، سبعة وتسعين جملا فأدركهم الطلب فلم يردوا جملا منها. وأخذت عشر أفراس منا، وقتلت فرس، وجرح اثنان أحدهما مشرف على الهلاك. [المتفلتة] وتليها مرحلة المتفلتة، اسم فاعل من تفلت، في آخره هاء التأنيث، وهي عين ماء عذب، سميت بذلك لتفلت مائها وقت السيل، والمسافة أربعة فراسخ ونصف. [أزناوور] وتليها مرحلة أزناوور، بهمزة مفتوحة فزاي ساكنة فنون فألف فواو مضمومة فواو ساكنة فراء مهملة «٣» . وهو نهر يخرج من عين أو اسم العين، أو اسم لتل عظيم ثمة مشرف على النهر، (٥٠ ب) والمسافة نحو خمسة فراسخ ونصف.

стр. 110

[نصيبين] وتليها مرحلة نصيبين على صيغة جمع المذكر السالم لنصيب. وهي قرية وخمة، وهواؤها ردىء وخم، وماؤها أردأ، وجوه أهلها صفر من كثرة الحمى التي فيها، وهي مشرفة على الخراب «١» ، لا جمعة فيها ولا جماعة، وأهلها مجردون عارون من الفضائل والكمالات، بل وعن جميع الطبائع الإنسانية. واجتمعنا فيها مع صاحبنا محمد أفندي حاكم ماردين، وأعطانا بغلة شهباء. دخلناها يوم الأربعاء السادس من جمادى الأولى «٢» ، وأقمنا فيها ثلاثة أيام غير يومي الدخول والخروج. وخرجنا منها يوم الأحد العاشر من الشهر المذكور، فالحمد لله على أن نجانا منها، وفيها أقول: عرّج ركابك لا تنزل نصيبينا ... واربح جمالك بل دنياك والدنيا أرض تصيد بها الحمّى على عجل ... طير الفلاة وإن سامى السماكينا أرض بها الدين والإسلام مفتقد ... والخير عنها بعيد نازح حينا أرض بها الشر لم يبرح ببقعتها ... مستوطنا دهره حتما وتمكينا والمسافة خمسة فراسخ ونصف. ومنها كتبت للولد القلبي حسين كتابا ولم أودعه في الرحلة لضيق الوقت.
следующие страницы →