Полный текст (353 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
وهل على الجسر تسعى ساعة قدمي ... وماء دجلة من تحتي له سرب
وهل أسرح طرفي في النخيل ضحى ... وإن فاكهتي من حملها الرطب
فالله أسأله قرب الديار فما ... من غيره تطلب الآمال والأرب
ثم فصلت له جميع الحوادث والوقائع، وتركت كتابتها لأنها ليست بلازمة في الواقع.
وأرسلت إليه أيضا كتابا صورته: ما أنة مهجور تعوّد الوصال، وما حسرة مأسور، ضاقت عليه الأغلال، وما حزن مقلاة «١» فقد وحيدها، وما ضيعة أطفال عدم كافلها ورشيدها بأعظم من أشواق زفرة في الجوانح، وتسعرت في أحشاء (٩٢ أ) الصب الغريب النازح، لم تزل في الأفئدة شاعلة، وللأفكار والأذهان شاغلة، لم تطفها الدموع الهواطل، ولو مدت بكل هتان وابل، يحن حنين من فارق أليفه، وزايل مربعه ومشتاه ومصيفه، قد أنحل جسمه البعاد، حتى خفي على الزوار والعواد، لا يستطيع أن يبث ما لقي من النحول، ولا حول ولا قوة له على الوصول.
كيف الوصول إلى سعاد ودونها ... قلل الجبال ودونهن حتوف
لم يزل ديدنه الحنين إلى الديار، وهجيراه ادكار ما سلف فيها من الأوطار:
ولنا بهاتيك الديار مواسم ... كانت تقام لطيبها الأسواق
فأباننا عنها الزمان بسرعة ... وغدت تعللنا بها الأشواق
يتشوق إلى العراق تشوق الصادي إلى الزلال، ويرتاح لذكره ارتياح من أنعم بالوصال، كلما هب النسيم تنفس الصعداء، وكلما أومض برق ناح (٩٢ ب) كما الخنساء شوقا إلى ذي الجناب الذي سمت مكانته، وشيدت بالمفاخر رصانته، ألا وهو الذي شب على الأخلاق الرفيعة، وتربى بحصون الكمالات المنيعة، ولدي الذي سما فخره على النيرين، وناف سموه على الفرقدين، الأنجب الأسعد الأمد أبي المحاسن حسين لا زال في سعادة أبدية، وسيادة دائمة سرمدية. أيها الولد! إني- والحمد لله- بنعمة وافية، وصحة وعافية، غير عافية. الله نسأل أن يمنّ باللقاء، ويدفع عنا بلطفه خطوب اللأواء آمين.
стр. 177
وممن زارنا الشيخ العالم المتضلع من سائر العلوم، البليغ في سبك المنثور وسكب المنظوم، سيدي الشيخ قاسم البكره جي «١» ، له بديعية بديعة شرحها بشرح نحو خمس عشرة كراسة، وذكر في آخر كل شرح سبع بديعيات، الأولى بديعية الصفي الحلي «٢» ، والثانية للعز الموصلي، والثالثة لابن حجة الحموي، والرابعة لعائشة الباعونية «٣» ، والخامسة لأبي الوفا العرضي الحلبي «٤» ، والسادسة والسابعة للشيخ عبد الغني النابلسي فإن له بديعيتين، بديعية ذكر فيها ألقاب البديع لكنه «٥» لم يشرحها. وللشيخ قاسم شرح الخزرجية «٦» في العروض لكنه شرح مختصر، وله نظم العلل وألقاب العروض (٩٤ أ) وشرحها، وله نظم كثير من تغزّل ومديح وألغاز وأحاجي. ثم إنه- رحمه الله تعالى- التمس مني أن أقرّض على شرح بديعيته، فأجببته إلى ذلك، وصورة ما كتبته: نحمدك اللهم على ما أطلعتنا من بديع هذه الفرائد التي عزّ لها مراعاة النظير، وأوقفتنا على افتنان تفريع هذه الفوائد التي حسن فيها نوادر تدبيج للتصريف «٧» والتصدير، ونصلي ونسلم على من اتسم بالاشتقاق من مصدر أشرف العرب، ووسم بأنه المبعوث إلى كافة الخلق بالقول الموجب، وطلع من حسن مطلع فكانت البراعة فيه حين الاستهلال، وسبق الفصحاء في المذهب الكلامي وإن جدوا في الاستطراد والإيغال، سيدنا محمد الذي نزاهته أحرى
стр. 178
بإرسال المثل، وذاته أجدر بالتأديب والتهذيب في القول والعمل، وعلى آله وأصحابه الذين قوّى للتشريع بهم الاحتباك «١» ، وانتظموا في سلك حسن الاتباع بلا استثناء ولا استدراك. أما بعد، فإني وقفت على هذه البديعية وشرحها وقوف ذي انتقاد، ثم التفتّ إليها التفات مستدر نقّاد، وكررت إليها المراجعة وثنّيت عنان التوجيه بلا موادعة، وطابقتها مع أمثالها مطابقة (٩٤ ب) القذة بالقذّة «٢» على الترتيب، وقايستها مع نظائرها، مقايسة تحديد لا تقريب، فألفيتها في حسن الانسجام جلّت عن المقابلة، وفي سلامة الاختراع عظمت عن المزاوجة والمشاكلة، قد جانس مبناها المعنى فكان الجناس التام، وأعجزت من بعدها فكانت لعقد رسائل البلاغة ختام. ولعمري- ولا مبالغة في ذلك ولا غلو ولا إغراق- أنها في تلخيص البيان وإيضاح المعاني من بنات الحقاق «٣» ، أقامت مبانيها دلائل الإعجاز، وفضّت معانيها بأسرار البلاغة من غير مجاز، فإذا كان الواجب على ما تقرر، أن أنشد فيها من الارتجال ما حضر «٤» :
عقود من لجين أم نضار ... ودر ما رأينا أم دراري
نعم! ذي درة الغواص باهت ... على كيوان تسمو بالفخار
قضت أن لا يدانيها نظام ... وأن لا يزدهيها «٥» من مبار
أرتني من بديع النظم وشيا ... فأنّى للبديع بأن يجارى
شذاها يخلب الألباب طيبا ... فأزرى بالحميا والعقار
(٩٥ أ)
لقد رقّت مبانيها وراقت ... معانيها وجلّت عن عوار
تنادي من يناديها بنصح ... حذار اليوم من فتكي حذار
стр. 179
كيف وهي نسيج من هو نسج وحده، فريد عصره وفريد عقده، البليغ الذي سحب ذيله على سحبان بن وائل، وألحق بإبداع بديعته البديعة الأواخر بالأوائل، فصحّ قول الأديب الشاعر:
كم ترك الأول للأواخر
نعم! لو رآها جرير لجر ذيول الخجل، أو سمعها بليغ تغلب «١» لغلب وصمت أذناه ودعي بالأخطل، أو قرعت أذن الحلي «٢» لحل بنود حلّته وحل في زوايا حلّته، وصرّح بأن الرفض مذهبه، وأن التقية منهله ومشربه، أو شهدها ابن حجة «٣» لسجل على نفسه بالعجز عن الحجة، وقال: وهت ودحضت حججي بأبي المعالي القاسم البكرة جي، لا زال فمه ينثر الدرر، ولا برح قلمه يوشي الحبر، آمين. أيّها الناظر في هذا التقريض لا يذهب عليك أني جمعت فيه غالب أنواع البديع، فتأمل وتدبر!.
ثم إنه- حفظه الله تعالى- أرسل لي ورقة صورتها: سيدي ومولاي، علم التحقيق والتدقيق، وإنسان عين أهل التحرير والتوفيق، من جمع كل العلوم والتقوى (٩٥ ب) وله القول الراجح وعليه الفتوى، فارس المنثور والمنظوم، ومالك أزمة المنطوق والمعلوم:
فلا تعجبوا من فضله وذكائه ... فكم في ضمير الغيب سر يحجب
من إذا نظم فلا ينكر النظام «٤» أنه الجوهر الفرد، وإذا نثر قضى له القاضي «٥» أنه مالك
стр. 180
الحل والعقد، لا زالت أغصان روضة فضائله يانعة، وكواكب سماء كمالاته نيرة طالعة، إلى الله أبسط أكف الابتهال بأن يمن عليكم بانشراح البال، ولا يزال أهل الفضل والأدب تطفل على موائدك، وتلتقط درر المعاني من فرائدك، ولا برح لسان المجد ينطق ببراعتك ورياض الفضل تغدق ببراعتك وصلت الفقير الفريدة والعقود النضيدة فجنيت بأنامل الفكر جني ثمراتها، واجتليت بإنسان التأمل محاسن مخدراتها، فإذا هي روضة فارقة وريحانة عبقة، ويتيمة مجد، ومطالع بدور كمال، ومشارق شموس إقبال من نثر مفتّق الفكر «١» ، ونظم متسق الدرر، فلم أدر أقطع جمان أم وشي حبر أم قلائد غوان، أم حدائق زهر (٩٦ أ) ، كلا! بل هو سحر حلال يؤثر، بروق يمان أم بيان تألقت «٢» شوق صدور، أم سطور تألفت، فحنوت على فرائد جواهرها لكونها يتامى، وترشفت من كؤوس ألفاظها مداما، ومذ ملأت محاجر مسامعي درّا قلت:
سبحان الله! إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرا، فأقول:
بدور أسفرت تلك القوافي ... بليل الوصل أم خل موافي
أهاتيك الفواصل وصل حب ... أتانا زائرا والليل صافي
أتت تختال من تيه وعجب ... أرتنا كيف تنتظم القوافي
فحيّت ثم أحيتنا وقالت ... حذار حذار من قول منافي
وكيف وقد أتت من عند ندب ... همام بالفضائل غير خافي
أبي البركات عبد الله من جا ... لداء النظم بالإتقان شافي
فريد العصر مولانا السويدي ... كريم الخيم ذي ود مصافي
زكي ألمعي لو ذعي ... طويل الباع من غير اختلاف
стр. 181
(٩٦ ب)
إليك أبا الفضائل بنت فكر ... شتيت ذي عبارات ضعاف
وعذرا أيها المولى وصفحا ... عن العبد المقصر ذي اعتساف
لأني قد تركت النظم شغلا ... بما أبغيه من أمر العفاف
إذا أنا كنت «١» في سري وجهري ... أقول الله حسبي وهو كافي
وأرسل لي بعض أبيات من نظمه أحب أن أودعها في الرحلة، فمنها قوله متغزلا:
قف بالمعاهد يا معنّى ... وانشد هناك فؤاد مضني
قلب به حرق الأسى ... لمّا رأى كمدا وحزنا
تلك المعاهد جادها ... صوب الدموع حيا ومزنا
وغدوت أنشد عندها ... من كل مغنى رق معنى
(٩٧ أ)
يا ظبية سفكت دمي ... بالبيض من سود فتنا
ورمت حبال سوالف ... شركا تصيد القلب منا
رفقا بمن سلب الهوى ... منه القوى وكساه وهنا
أضناه حب شويدن ... ملأ الورى هيفا وحسنا
لا زال أسمر قده ... العسال يعمل فيّ طعنا
وعيونه النجل المراض ... بفعلها الماضي فتكنا
أمعذّبي كم ذا الدلال ... بنار خديك احترقنا
يا مالكا رقي أما ... يكفيك تعذيب المعنّى
أضرمت نار الحب في ... كبدي إذا ما الليل جنا
стр. 182
وله مشطرا:
هاك عهدي فلا أخونك عهدا ... يا حبيبا لديه أمسيت عبدا
لا- وحق الهوى- سلوتك يوما ... وكفى بالهوى ذماما وعقدا
(٩٧ ب)
إن قلبي يضيق إن يسع الصبر ... لأني فنيت عظما وجلدا
وفؤادي لا يعتريه هوى الغير ... لأني ملأته فيك وجدا
يا مهاة الصريم عينا وجيدا «١» ... وأخا الورد في الطراوة خدا
وشقيق الخنساء في الناس قلبا ... وقضيب الأراك لينا وقدا
كيفما كنت ليس لي عنك بد ... فأبحني ودا وإن شئت صدا
قد ملكت الفؤاد منّي كلا ... فافعلن ما أردت هزلا وجدا
يا ليالي الوصال كم لك عندي ... خلوات مع الغزال المفدّى
كم جنينا ثمارك وهي عندي ... من يد كان شكرها لا يؤدّى
(٩٨ أ)
فسقتك الدموع من وابل ... الغيث المديد البحار جزرا ومدا
وبكتك دما عيوني من دمعي ... بديلا فهن أغزر وردا
هل لماضيك عودة فلقد آن ... جمال الحبيب أن يتبدا
كنت قدما أعرتك اللهو وقد حق ... لذاك المعار أن يستردا «٢»
وقال مضمنا:
وشادن من بني الأتراك ذي هيف ... في ضيق مقلته النجلاء تخييل
يختال تيها على عشاقه وغدا ... من عجبه كثرت فيه الأقاويل
له محيا كبدر لاح في غسق ... وخط عارضه للحسن تكميل
стр. 183
فيروزج الخال في ياقوت وجنته ... كأنه أثر أبقاه تقبيل
وله مخمسا: (٩٨ ب)
كوامن داء الحب حل بقلبنا ... وإن الذي نهواه ضن بطبنا
فعدنا نداوي ما بنا مع أننا ... بكل تداوينا فلم يشف ما بنا
على أن قرب الدار خير من البعد
تدانيت منها كي أفوز بشافع ... إلى وصلها من كل ضد ومانع
فنادى منادي الحي في كل شارع ... ألا إن قرب الدار ليس بنافع
إذا كان من تهواه ليس بذي ودّ
وله معمّى في كامل:
قال من كان في المحبة مثلي ... مذ رآني في ذي المحاسن مغرم
أيّ بدر تهواه؟ قلت مجيبا ... كلّ بدر قد حاز قدّا ومبسم
وله معمى في اسم محمد:
يا عاذلي دع الملام واتئد ... واتبع طريقتي ولازم معها
فوجه محبوبي وجيده النقي ... قد أجريا من مقلتي مدمعها
(٩٩ أ) وله معمى في اسم صادق:
وصاحب كان عديل مهجتي ... ومنحه الوداد كان دأبي
صار بلا عاقبة فالجة «١» ... إذ رام قطع وده عن قلبي
وله معنى في اسم طالب:
وذي دلال «٢» وعجب ... يجرّ أذيال فخر
стр. 184
قوامه غصن بان ... وقلبه قلب صخر
وله معمى في اسم علي:
أيا جيرة قد صيّروا القلب والها ... أما للفتى من هجركم سبب يدرى
فرقّوا لحال المستهام ترحما ... فمن هجركم قد صار في تعب شهرا
وله محاجيا باسم سلامة:
أيا من غدا مغرم ... بكشف خفاء ذي الأحرف
أفدني مثل ما قال ... المحاجي اطلبا أكفف
وله محاجيا باسم مريم:
يا فاضلا من ذكاه ... بين الملا حاز فخرا
ما مثل قول المحاجي ... لذي الحجا جاز بحرا
(٩٩ ب) وبقي من الأبيات التي أرسلها شيء كثير تركته خوف الإطالة.
ولما جاءت ورقته، وفي صدرها نثر، ونظم يتضمن الثناء عليّ شطرت النظم وأرجعت مدح الكل إليه، وذكرت نثرا يضاهي نثره وإن لم يفضل عليه:
سيدي ومولاي العالم الذي بلغ في العلم أطوريه، ومارس المعضلات فانقادت إليه، جرّ على مجرى المجرة أذيال فضله، ونصب على هام السماكين فساطيط نبله، ذو التحقيقات التي هي أعز من بيض الأنوق، والتدقيقات التي دونها مناط العيوق، علامة العلماء، واللج الذي لا ينهى، ولكل لج ساحل، كيف وهو النحرير الذي إذا باحث أفحم، وإذا ناظر ألز، وإذا قرر أفهم، وإذا ألف أحكم، والبليغ الذي نثره يزري بالدر المنثور، وشعره يسمو على الشعرى العبور، أقرت له بذلك أقرانه، وأذعنت له أخدانه، وأترابه، وشهدت بتفرده أضداده، وحكمت بأنه العلم المفرد (١٠٠ أ) أنداده، والفضل ما شهدت به الأعداء، ولا بدع في مزيته على أبناء نوعه، ولا غرابة في إذعان كل بطوعه، فإن المسك بعض دم الغزال،
стр. 185
وليلة القدر من جملة الليال:
لا غرو إن فاق الأنام بفضله ... ومن الحجارة أثمد في الأعين
فالمطري «١» وإن أطنب وأطال وأسهب لم يبلغ عشر عشر العشر من ذاك، فالعجز عن إدراك الإدراك إدراك.
من كان فوق محل الشمس موضعه ... فليس يرفعه شيء ولا يضع
سيدي جاءت إليّ الخريدة، واليتيمة الفريدة، التي لم ينسج ناسج على منوالها ولم تستطع البلغاء أن تأتي بمثلها، جلّت عن أن تجارى، وكبرت عن أن تمارى، بعبارات هي السحر الحلال، حرية بأن تضرب لها نواقيس الأمثال، جمعت فتناثرت فرائده، وحوت نغما يود العقيان أن تحلى به قلائده، فكيف بالمعارضة ومبانيها، وأني بالمقابلة ومعانيها سدت ثغور المجاز، فاستوت سفينة (١٠٠ ب) هذا الغبي الباقل «٢» في اليم، ورأى أن التسليم لسحبان البلاغة أسلم، وترك المعارضة أجدى وأحرى بعد أن كان يقدم رجلا ويؤخر أخرى، لما أن العاقل يستر بالسكون جهله، حين لم يكن للفضل محله وأهله، لكن الذي جرأه على ما هناك، وسلكه مضايق هاتيك المسالك، علمه بأن مولاه يغضي عن ترهاته، ويبدل بسيئاته حسنات، فاختار التعجيز والتشطير ليكون دخيلا في نظم الشيخ الكبير، مستجيرا به من وصمة الإنكار، مستغيثا به من صولة الأخطار، فرد مدح الأصل والفرع إلى أستاذ النثر والنظام، لأن مدح أمثالي بما هو فوق ما فيه حرام، فالمؤمل أن تبردوا لوعته، وتؤمنوا روعته، فالمنسوب- كما قيل- محسوب، والمستجير يجب عنه دفع الخطوب، فقال:
بدور أسفرت تلك القوافي ... بأفق النظم أم زهر قوافي
أم البرق اللموع له وميض ... بليل الوصل أم خلّ موافي
أهاتيك الفواصل وصل حب ... تمادى بالقطيعة والتجافي
стр. 186
فأحيا ميت الأحياء لما ... أتانا زائرا والليل صافي
(١٠١ أ)
أتت تختال في تيه وعجب ... فألفينا التلاف من التلافي
وإذ في النظم تقفوها اللآلي ... أرتنا كيف ننظم للقوافي
فحيتنا وأحيت ثم قالت ... أما نظمي حوى رشف السلاف
فلا تحسوا عقارا غير هذا ... حذار حذار من قول منافي
وكيف وقد أتت من عند ندب ... فأني تحتوي عيب الزحاف
ففاقت حيث جاءت من إمام ... همام بالفضائل غير خافي
سليل الأكرمين أبي المعالي ... أثيل المجد حقا غير عافي
أخص البكرجي لقد أتانا ... لداء النظم والإتقان شافي
فريد العصر للتقوى جناح ... به تقوى القدامى والخوافي
غزير الفضل في علم وحلم ... كريم الجود ذو ود مصافي
عريض «١» باتفاق ... طويل الباع من غير اختلاف
إليك أبا الفضائل بنت فكر ... تعثر بالخجالة في المطاف
وقد جاءت تلفع في نظام ... شتيت ذي عبارات ضعاف
(١٠١ ب)
وعذرا أيها المولى وصفحا ... فاسبل ستر عفوك فهو ضافي
فعفوا أيها المصقاع عفوا ... عن العبد المقصر باعتساف
لأني قد تركت النظم شغلا ... بما قد دكّه عصف السوافي
وإني قد ولعت وذاك حق ... بما أبغيه من أمر العفاف
إذا ما كنت في سري وجهري ... مقرا صرت مأمون الخلاف
стр. 187
فإن تعذر فذا لطف وإلا ... أقول الله حسبي وهو كافي
ومما وقع السؤال عنه عبارة سعدي أفندي «١» الواقعة على عبارة البيضاوي في قوله تعالى الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ
«٢» حيث قال البيضاوي «٣» : خلقه موفرا عليه ما يستعده ويليق به على وفق الحكمة والمصلحة، وخلقه بدل (من كل بدل) «٤» الاشتمال، وقيل علم كيف قيمة المرء ما يحسنه أي يحسن معرفته وخلقه مفعول ثان، وقرأ نافع والكوفيون بفتح اللام على الوصف، فالشيء على الأول مخصوص بمنفصل، وعلى الثاني بمتصل، انتهى.
قال سعدي أفندي: قوله فالشيء على الأول مخصوص بمنفصل، يعني العقل، وفيه (١٠٢ أ) بحث فإنه صرح في أوائل [سورة] البقرة أن الشيء في أمثاله بمعنى المفعول فلا يحتاج إلى التخصيص، فإن قيل: لو سلّم [ب] ذلك فالله هو موجد الصفات الجليلة في ذاته المقدسة، بل هو موجود ذاته أيضا على ما زعم أكثر المتكلمين فما وجه الاحتياج إلى التخصيص؟ وما المانع عن الإبقاء على عمومه؟ قلنا: لفظ الخلق، فإنه الإخراج من العدم إلى الوجود لا الإيجاد مطلقا، ولهذا كفّروا من قال بخلق القرآن، وكذا صيغة أحسن تدل على الاختيار على ما حققه الإمام الغزالي في تهافت الفلاسفة، انتهى. قال العبد الفقير: لما وقفت على هذه العبارة وقف شعري، واقشعر بشري، حيث سلم أن الله موجد لذاته ولا يقول هذا من له أدنى مسكة في الإسلام- عافانا الله من ذلك، وسلك بنا أحسن المسالك- فإنه لا فرق بين الخلق والإيجاد كا هو معلوم من كتب (اللغة) «٥» المعتبرة. ثم
стр. 188
وقفت على عبارة الشيخ الكواكبي «١» فلقد أحسن- ﵀ كل الإحسان، ونصها:
أقول الشيء في الأصل وإن كان مصدرا أو يكون بمعنى المشيء «٢» لكن إطلاقه لغة على ما يصح أن يخبر عنه فيعم الواجب والممكن والممتنع، فالتخصيص بناء. ثم قال سعدي أفندي (١٠٢ ب) هنا ما نصه: ولو سلم ذلك إلى قوله موجد ذاته، أقول لا يخفى ما فيه من البشاعة والشناعة فالإيجاد إحداث الوجود كما أن الإعدام إحداث العدم، ولذا قالوا: إنه لا يتعلق بالوجود الممكن لما فيه من تحصيل حاصل فضلا عن أن يتعلق بالواجب القديم الذي لا ينفك الوجود عنه. والذي عليه المتكلمون أن وجوده سبحانه مقتضى ذاته من غير احتياج إلى الغير، وأن صفاته واجبة به تعالى، وهذا لا يقتضي صحة أن يقال في حقه- أنه موجود ذاته أو صفاته، كيف والإيجاد إخراج الشيء من العدم إلى الوجود. وأما الخلق فهو الإيجاد على قدر وتسوية كما ذكره القاضي «٣» وغيره، فهو أخص من هذا الوجه لا من الوجه الذي ذكره المحشي ويشتركان في إحداث الوجود، فلو عبر في الآية الكريمة بالإيجاد بدل الخلق لاحتيج إلى التخصيص أيضا، فالإيجاد جعل الشيء موجودا «٤» بعد أن لم يكن، أي لا يتعلق بالقديم «٥» أيضا، انتهى. وهو كلام حسن بل هو الصواب والله أعلم.
стр. 189
وكتبت منها إلى الموصل، لقريبنا عثمان آغا ابن درباس الدوري ثم الموصلي «١» كتابا (١٠٣ أ) صورته: إن أبهى ما حاكته اليراعة من الوشي المحبر، وأشهى من مواصلة الحبيب بعد ما صد وهجر، تحيات صدرت من صدر عرى عن داء الملق، وسلم من عضال النفاق وبحسن الوفاق تخلق، واتخذ المودة ديدنه وشنشنته، وغرس المحبة في فؤاده فصارت خلقه وسجيته، تزف إلى من جر على مجرى المجرة ذيل مجده، وسما على كيوان فلك إقباله وسعده، تضوعت شمائله وأخلاقه، وزكت أصوله وأعراقه، وتخلص من الدنس محتده ونجاره، وعلا الجوزاء شرفه وفخاره، ذي الأخلاق التي يحاكيها المسك لولا فارته «٢» ، والسمات التي يشبهها الورد لولا مرارته، والجهم «٣» الذي لا تقرع صفاته، والندس «٤» الذي لا تناط صفاته، عزت نظائر أمثاله، وضن الدهر بأن يأتي بمثاله، ولدنا الأكرم المطهر من وصمة الأدناس، السالم نسبه من قذر الأرجاس، عثمان آغا بن درباس، لا زالت ألوية سعده تخفق على كواهل الدوام، ولا برحت أعلام مجده منشورات على أعواد السمو بين الأنام.
وبعد، فإن منّ مولانا بالسؤال عن حال ودوده (١٠٣ ب) ، فهو مقيم على ما تعهد من عهود، إلا أن شوقه الشديد نغّص عليه عيشه الرغيد، يتذكر تلك الشمائل التي أزرت بالعنبر الأشهب، والأخلاق التي بزّت المسك فكيف الرند «٥» والزرنب «٦» ، لم يزل يذكر تلك الليالي التي كلها أعياد، والأوقات التي تجردت عن الأكدار والأنكاد:
أحن إذا خلوت إلى زمان ... تقضّى لي بأفنية الربوع
стр. 190
وأذكر طيب أيام تولت ... لنا فتفيض من أسف دموعي
نسأل الله أن يمنحنا رؤية محياكم، ويمنّ علينا بفضله بلقياكم، آمين.
وكتبت إليه أيضا: تسليمات زهت أزهارها، وتفتحت أنوارها، وترنمت عنادلها وأطيارها، وتسلسلت جداولها وأنهارها، على من ارتقى أفلاك السيادة، وامتطى متون السعادة، وربح في تجارة المفاخر، ونجح في بضاعة المآثر، فريد العصر والأوان، قرة عين الزمان، ووحيد الأتراب والأقران، ولدنا الأكرم الأمجد عثمان، لا زال سعده ثابتا بثبوت ثهلان، ولا برح إقباله باقيا ما بقي الفرقدان، أما بعد، فإن هذا (١٠٤ أ) الداعي مغمور بنعم الله الوفية، معمور الجوانب في آلائه الهنية، إلا أن الشوق تأججت زفراته، وتضرمت لوعاته، لم أنس أخلاقكم الحميدة، ولم أسل مكارمكم العديدة، عسى الله أن يمن باجتماعنا بعد البعاد، لنقضي «١» بالتملي بمحياكم غاية المراد، آمين.
وكتبت منها إلى الموصل، لسيدي الفقيه العالم الصالح الشيخ عبد العزيز كتابا صورته:
من العبد المفتقر إلى عفو مولاه الغني أبي البركات عبد الله بن الحسين المعروف بالسويدي «٢» إلى العالم الذي عمل بما علم، وتجرد من علائق الدنيا، فسلم وسلم، الناسك الذي شد حبازيم الهمة لطاعة مولاه، وشمّر عن ساق الخدمة في عبادته ورضاه، ورأى حطام هذه الفانية عرضا غير دائم، فطوى دونه كشحا ولم يرعو لعذل عاذل ولوم لائم، اتخذ الليل جملا، وقطع عن هواه أملا، فأصلح لله عملا، ولم يبغ «٣» عن امتثاله حولا، سيدي الشيخ عبد العزيز، طرز الله أحواله أنفس تطريز، ونفعنا بدعواته الصالحة، وجعل أحوالنا ببركة أنفاسه مستقيمة راجحة ناجحة. (أما) «٤» بعد، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو
стр. 191
وأصلي وأسلم على نبيه وحبيبه وصفيه سيدنا (١٠٤ ب) محمد المبعوث من أشرف جرثومة، وأكرم أرومة، فهدى الأمة، وكشف الغمة، فكان كما أخبر الله للعالمين رحمة «١» ، اللهم فصلّ عليه صلاة تحيط بجنابه الأعظم العالي صلاة دائمة ما دامت الأيام والليالي، وعلى آله وأصحابه نجوم الاقتداء، وشموس الاهتداء. السلام عليك ورحمة الله وبركاته، وأني إلى ذلك المحيا «٢» الزاهر لشائق، وإلى ذلك الجناب الرفيع لتائق، نرجو الإمداد بدعائكم وهو إن شاء الله لا يرد، ونأمل أن تدخلونا في حصن نظركم، وهو نعم المعقل والمستند «٣» . ثم فصلت له أحوالي، وما وقع لي في حلب الشهباء، صانها الله عن كل (خطب) «٤» وبلاء، آمين.
وممن خدمنا وأكرمنا الشاب الصالح طه ابن الحاج عبد الله الزنيني «٥» ، فلقد حوى ذكاء ولطفا ورفة وظرفا وكرما وسخاء ومعرفة وحياء، وقد طلب دعاء يدعو به فأجزته بالدعاء المأثور عنه، ﷺ ، وهو أكثر دعائه: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. بسم الله على نفسي ومالي وديني، اللهم رضني بقضائك، وبارك فيما قدر لي حتى لا أحب تعجيل (١٠٥ أ) ما أخرت ولا تأخير ما عجلت، وأذنت له بأن يقرأه بعد كل فريضة ثلاث مرات.
واستجاز مني أيضا الشيخ الصالح المعمّر سيدي الشيخ بكري بن محرم الحلبي الأمشاطي دعاء يجعله وردا له، فأجزته بما هو مأثور عنه، ﷺ ، وهو: اللهم إني أسألك رحمة من عندك تهدي بها قلبي، وتجمع بها أمرى، وتلم بها شعثي وتصلح بها غائبي، وترفع بها شاهدي، وتزكي بها عملي، وتلهمني بها رشدي، وترد بها ألفتي
стр. 192
وتعصمني بها من كل سوء. فأجزته بقراءة ذلك بعد صلاة الصبح مرّة وبعد العصر مرة وبعد العشاء مرة.
وطلب مني الشيخ الصالح محمد أمين الخطيب ابن الشيخ خليل الإمام أن أجيزه بورد يتلوه، فأجزته بحزب سيدي السيد عبد الله بن علوي باحداد «١» ، بأن يتلوه خلف المكتوبات مرة وهو: يا الله، يا لطيف، يا رزاق يا قوي، يا عزيز! أسألك تألها إليك، واستغراقا فيك، وفناء عمن سواك، ولطفا شاملا جليا وخفيا، ورزقا طيبا هنيا ومريا، وقوة في الإيمان واليقين، وصلابة في الحق والدين، وعفوا بك (١٠٥ ب) يدوم ويخلد، وشرفا يبقى ويتأبد، لا يخالطه تكبر ولا عتو، ولا إرادة «٢» فساد (ولا علو) «٣» ، إنك سميع قريب، وسندي فيه عن شيخنا (السيد) «٤» أبي الطيب المغربي، عن الشيخ أحمد النخلي، عن السيد عبد الرحمن باعلوي، تلميذ سيدنا السيد عبد الله الحداد، وزوج بنته عبد الله بن علوي الحداد باعلوي، مؤلف الحزب المذكور.
وطلب مني الشيخان الشيخ محمد ابن الشيخ عبد الكريم الشراباتي والشيخ سليم مولى الحاج نعسان الحلبي أن أجيزهما بالدور الأعلى لسيدي شيخ المحققين وأستاذ العارفين الشيخ محيي الدين ابن العربي نفعنا الله تعالى به آمين، فأجزتها، وصورة ما كتبته في الإجازة:
الحمد لله الذي نصر حزبه الأنبياء في جميع أدوار القرون، وختمهم بسيدنا محمد المبعوث في الدور الأعلى من أشرف البطون، وعلى آله وأصحابه وجنده وأحزابه.
وبعد، فقد التمس مني الشيخان العالمان الفاضلان الصالحان الناسكان سيدي الشيخ أبو
стр. 193
الخير محمد ابن الشيخ عبد الكريم الشراباتي، وسيدي أبو الفضل الشيخ سليم مولى الحاج نعسان الحلبي، أن أجيزهما بالحزب المسمى بالدور (١٠٦ أ) الأعلى المنسوب إلى الشيخ الأكبر سيدي محيي الدين بن العربي، فأجزتهما بذلك بشرط التأمل والفهم لكلام الشيخ- قدس سره- وبشرط الخشوع واستقبال القبلة، وأن يكونا على طهارة كاملة، وبشرط أن يدعوا لي ولمشايخي وأصولي وفروعي، وقد أجزتهما بقراءته أي وقت أرادا، لكن إذا اشتدت أزمة، أو قدحت نائبة، فليلازما قراءته ملازمة أكيدة، والله خليفتي عليهما، وفقني الله وإياهما لصالح الأعمال، وأحسن إلي وإليهما في جميع الأحوال آمين، وسندي فيه في عموم تآليف الشيخ محي الدين بن العربي عن الشيخين العالمين الشيخ محمد والشيخ حسين عن الشيخ عبد الله بن سالم البصري ثم المكي، وعن الإمام زين العابدين الطبري «١» ، عن والده الإمام عبد القادر الطبري «٢» ، عن جده يحيى بن مكرم الطبري، عن الحافظ عبد العزيز بن الحافظ عمر بن فهد المكي «٣» ، عن والده النجم عمر بن فهد المكي «٤» ، عن
стр. 194
الجمال محمد بن إبراهيم المرشدي المكي، عن الشيخ أبي محمد عبد الله بن محمد بن محمد بن (سليمان) «١» النشاوري المكي، عن الإمام أبي أحمد رضي الدين إبراهيم بن محمد بن إبراهيم الطبري المكي «٢» عن الشيخ الإمام محي الدين محمد بن علي بن العربي الحاتمي (١٠٦ ب) الطائي الأندلسي ثم المكي ثم الدمشقي.
стр. 195
فصل
ومن محاسن حلب ومزاراتها جامعها الكبير «١» ، وفيه مرقد سيدنا زكريا «٢» - على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام- وقد زرته واستشفعت به لي ولسائر محبي.
وعلى ضريحه جلالة ومهابة، قال أبو ذر في تأريخه «٣» : سيدنا زكريا نبي الله- ﷺ نشر بالمناشير، وبعض أهل حلب يقول: إن نشره كان مكان العامود الأسود في صحن الجامع الكبير، ولا أعرف صحته. وقطعة من رأسه الشريف بجانبها في الحائط القبلي بالقرب من المحراب الكبير، وعليه ستر وعليه جلالة، وقد شوهد النور عدة مرات يخرج من ذلك المحراب. أخبرني من شاهد ذلك، وفي بعض السنين ختم صحيح البخاري في الجامع، فخرج النور فشاهده الحاضرون، وضج الناس بالتسبيح والتهليل. وقد أخبرنا صاحبنا الشيخ طه الجبريني قال: كنت أقرأ البخاري عند المحراب الأصفر في مصلى الشافعية عن يسار المستقبل، فخرج نور من جهة قبره- ﷺ ولا زال يرى حتى وقف على المحراب المذكور ربع ساعة، والمستمعون يشاهدونه (١٠٧ أ) عيانا. قال الشيخ طه: إلّا أني لم أشاهده لكوني مستدبر القبلة ومستقبل الجماعة، وذلك عام خمس
стр. 196
وخمسين ومائة وألف «١» ، انتهى.
وفي تاريخ ابن الشحنة «٢» إنّه قال: ولأبي بكر الصنوبري قصيدة مدح فيها حلب «٣» ، وذكر فيها المسجد:
حلب بدر دجى ... أنجمها الزهر تراها
حبذا المسجد الجا «٤» ... مع للنفس تقاها
موطن يرسي ذوو ... البر بمرساه جباها
قبلة كرمها الله ... بنور وحباها
ورآها ذهبا في ... لازورد من رآها
ومراقي منبر أعظم ... شيء مرتقاها
شرفات أنقا ... ت مدّ للطّرف مداها «٥»
وذرى مئذنة طا ... لت ذرى النجم ذراها
ولفوارته «٦» ما لم ... تراه لسواها
أبدا تستقبل السحب ... بحب من غشاها «٧»
فهي تسقى الغيث إن لم ... يسقها أو إن سقاها
стр. 197
كنفتها قبة ... يضحك منها «١» كفناها
قبة أبدع بانيها ... بناء «٢» مذ بناها
ضاهت الوشي نقوشا ... فحكته وحكاها
لو رآها مبتني قبة ... كسرى ما ابتناها
فبذا الجامع سور ... يتناهى من تناهى «٣»
حييا السارية الخضراء ... منه حيياها
قبلة المستشرف «٤» ... الأعلى إذا قابلتماها
حيث يأتي حلقة إلا ... داب منا من أتاها
من رجالات حبى لم ... يحلل الجهل حباها
من رآهم من سفيه ... باع بالجهل «٥» السفاها
وهي طويلة: ثم قال: وهذه السارية الخضراء كان يجتمع إليها المشتغلون بالأدب ومن قراء النحو واللغة، وقد ذهبت في الحريق. انتهى.
سميت البلدة بحلب باسم بانيها، وهو حلب من بني عمليق. وقيل إنما سميت حلب بفعل سيدنا إبراهيم الخليل، ﵇ وعلى سائر الأنبياء الصلاة والسلام، وذلك لما كان يرعى غنما له حول تل كان بها وهو الآن قلعتها، وكان له وقت يحلب فيه الغنم وتأتي الناس إليه في ذلك الوقت فيقولون حلب إبراهيم، وسميت لذلك. وتلقب قلعتها والبلدة بالشهباء والبيضاء وذلك لبياض أرضها وأحجارها، لأن غالب أبنيتها كانت من الحجارة
стр. 198
الحوارة «١» ، وفي ثمارها ومائها وسائر أقواتها من البركة مما لا يخفى على الفطن. قلت:
فو الله إني رأيت نهرها وهو صغير جدا بحيث لو أراد أدنى الناس قطعة لقطعه، وهو يزيد على كفاية حلب مع ما فيها من كثرة البساتين والقساطل والخانات والبرك والأحواض، بحيث لو شاهد أحد ذلك لاعتقد أن دجلة تعجز عنه. ورأيت كرومها وأشجار التين والزيتون والفستق واللوز تعيش بلا ماء، كذلك البطيخ الأخضر والأصفر. ورأيتهم يبذرون في ترابها وهو جاف غاية الجفاف فينبت، وما ذلك إلّا لطيب تربتها، الناشىء جميع ذلك من دعوة سيدنا إبراهيم الخليل- ﵊ قال ابن العديم «٢» في تاريخ حلب:
كان فيها مقام إبراهيم الخليل واستوطنها، وكانت له، ثم أمر بالمهاجرة إلى الأرض المقدسة، فخرج عنها، فلما بعد عنها ميلا نزل وصلى هناك، وهو إلى الآن يعرف ذلك المكان بمقام (١٠٨ ب) إبراهيم الخليل، قبل حلب، فلما أراد الرحيل التفت إلى مكان استيطانه كالحزين الباكي لفراقها، ثم رفع يديه وقال: اللهم طيب ثراها وهواءها وحببها لأبنائها، فاستجاب الله دعاءه فيها، فصار كل من أقام في بقعة حلب ولو مدة يسيرة أحبها، وإذا فارقها التفت وبكى، انتهى. قلت: ومن نعم الله تعالي أني أحببتها حبا يوازي حب وطني، ولما فارقتها تأسفت عليها وحزنت، ولما بعدت عنها نحو ميل التفت إليها متباكيا اقتداء بالسيد إبراهيم الخليل. أما قلعتها فهي على تل عال، وهو الذي (كان) «٣» يسكن فيه إبراهيم الخليل، وله فيها مقامان، أعلى بالمسجد الجامع، وهو الموضع الذي كان يحلب فيه الغنم، وموضع أسفل. وفي الجامع أيضا رأس يحيى بن زكريا موضوع في جرن. وقد زرت جميع ذلك
стр. 199
وتبركت به، ودعوت لي ولأحبابي، وأخذني عند ذلك خشوع من قشعريرة، وذلك يوم الجمعة، السابع والعشرين من رجب الأصب.
وفي هذا اليوم زرت قبر سيدي غوث، وهو في مسجد. ذكر ابن الشحنة أن الدعاء يستجاب فيه. ونقل عن ابن العديم (١٠٩ أ) أن به حجرا عليها كتابة «١» ، زعموا أنه خط علي بن أبي طالب، ﵁. وقيل إن غوثا هذا منسوب إلى غوث بن سليمان بن زياد قاضي مصر، وكان قد قدم مع صالح بن علي بن عبد الله بن العباس «٢» إلى حلب.
انتهى «٣» . قال الفقير: شاهدت الحجر والكتابة عليها، وتبركت بها، ودعوت لي ولسائر محبي وأخذني خشوع مع قشعريرة.
[مسجد الخضر]
ومما منّ الله بن علي، أني زرت مسجدا يقال له مسجد الخضر، وهو في داخل القلعة عند بابها. قال ابن الشحنة في تاريخه «٤» : ومن المساجد التي بالقلعة مسجد الخضر ﵇ «٥» . ذكر جماعة من سكان القلعة أنهم رأوا الخضر يصلي فيه. انتهى.
стр. 200
[جامع القلعة]
ومما منّ الله به علي أني صليت الجمعة في جامع القلعة، وجامع القلعة- كما قال المؤرخ- كان في الأصل كنيسة «١» ، وقبلها كان مذبحا للخليل إبراهيم ﵊، وكان به صخرة يجلس عليها لحلب المواشي، ثم صار مسجدا جامعا في أيام ابن مرداس «٢» ، وكان يعرف بمقام إبراهيم الأعلى «٣» وبه تقام الخبة، وهو موضع مبارك يزار «٤» .
стр. 201
وذكر ابن العظيمي «١» في تاريخه: سنة «٢» ٤٣٥ ظهر ببعلبك في حجر (١٠٩ ب) منقور رأس يحيى بن زكريا- عليهما الصلاة والسلام- فنقل إلى حمص، ثم منها إلى مدينة حلب في هذه السنة. وفي هذا المقام المذكور، في جرن من الرخام مدفون رأسه، ووضع في خزانة إلى جانب المحراب وأغلقت ووضع عليها ستر يصونها «٣» . ووقع في سنة «٤» ٦٠٩ نار في أيام الملك غازي «٥» فاحترق جميع ما في ذلك المكان من الخيم والسلاح وآلات الحرب
стр. 202
شيء كبير، ودفع الله- النار، انتهى «١» . قلت: وقد زرت جميع ما ذكر المؤرخ.
وصلينا الجمعة في الجامع المذكور، وكان خطيبنا السيد حسين الديري، الذي هو الخطيب الراتب «٢» .
[مقام إبراهيم الأسفل]
ومما هو ظاهر في المقام الأسفل حجر يقال إن إبراهيم الخليل كان يحلب غنمه عليها «٣» ، وإن لها رائحة أزكى من المسك بحيث يخشى الإنسان على نفسه من شدة الرائحة، وقد تبركت بها، وأخذت من ترابها ومسحت به وجهي ولحيتي وسائر بدني، والحمد لله على ذلك.
[جبانة الصالحين]
ومما منّ الله تعالى به عليّ، أني خرجت مع الشيخ طه (١١٠ أ) الجبريني، والشيخ السيد عبد الكافي، في يوم السبت الثامن والعشرين من رجب الأصب «٤» إلى زيارة مقام سيدي إبراهيم الخليل- ﵊ في الجبانة المسماة بجبانة الصالحين «٥» ، فزرناه وصلينا ركعتين ودعونا لنا ولإخوتنا ومن أحبنا وأوصانا بالدعاء. وقد ذكر ابن الشحنة في
стр. 203
تاريخه هذا المزار فقال ناقلا عن ابن الخطيب: وفي محراب هذا المقام حجر قيل إن الخليل كان يجلس عليه، وفي الرواق القبلي الذي بباب الصحن حجر يقال إنه كان يحلب غنمه فيها. وقيل مقبرة فيها جماعة من العلماء الصالحين، انتهى قلت: وقد مرغت وجهي بالحجرين المذكورين مع التضرّع والخشوع والابتهال.
وزرت المقبرة المذكورة فوجدت من الأنس ما يزيد على البساتين الزاهرة، بحيث لا يشك من له أدنى فهم أن أهل القبور مغفور لهم، ﵏ رحمة واسعة، آمين. وفي تلك المقبرة قبرا أبي الوفا «١» ، والشيخ عمر «٢» العرضيين. وفي طريقنا هذا مررنا (١١٠ ب) على قبر سيدي الشيخ محمد السفيري الحلبي «٣» شارح البخاري.
[قرنبيا]
وشاهدنا عن شمالنا ونحن ذاهبون إلى المقام قرية قرنبيا. قال في التاريخ المذكور «٤» :
أصلها قرية الأنبياء إلا أن العامة حرفتها «٥» . وحدثني الشيخ طه: أن المشهور عند أهالي هذه
стр. 204
الديار أن هذه اللفظة معناها: يا أسود أقبل، باللغة الفارسية، وهي من قول سيدنا إبراهيم الخليل حين دعا الطيور التي قال الله تعالى ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً
«١» والله أعلم.
[باب الأربعين]
وكان خروجنا إلى زيارة هذا المقام من باب الأربعين المسمى بباب المقام لأنه يخرج إلى مقام سيدنا إبراهيم، وقد عد ابن الشحنة باب الأربعين «٢» من أبواب حلب، وقال إنه خرج منه أربعون ألفا فلم يعودوا فسمي بذلك. ونقل عن ابن الخطيب أنه لم يعد إليه سوى رجل واحد، فرأته امرأته من طاق وهو داخل، فقالت له: دبيران جئت؟ فقال: دبيران من «٣» لم يجيء. وقيل: إنه كان في المسجد الذي هو داخله «٤» أربعون من العباد، وقيل: أربعون محدثا، وقيل: كان به أربعون شريفا، وإلى جانب أعلى المسجد (١١١ أ) للأشراف مقبرة، انتهى. قلت: وقد وقفت على هذا المسجد ناويا للاعتكاف زمنا قليلا.
واعلم- أيها الواقف على هذه الرحلة- أني كتبت وقائع حلب وأنا بدمشق الشام ولا لي نية بالعود إلى حلب، فكل ما سطرته في مدح أهاليها فهو والله الذي ظهر لي منهم ببادي الرأي، والغريب- كما قيل- أعمى ولو كان بصيرا، ثم لما من الله بالعود إليها رأيت الأمر انعكس عكسا كليا، ولولا الخشية مما قيل: من مدح أو ذم كذب مرتين لأطلقت عنان القلم في ما ظهر لي. وقد أخبرني بعض من أختبرهم من أهالي حلب حيث قال يا شيخ لا تغتر «٥» بأهل حلب! فإن هذه لهم عادة قديمة، إنهم «٦» يكرمون الغريب ويوقرونه ما دام جديدا، فإذا استمر عندهم مدة ولو قليلة قلوه وملوه لغير سبب، وقد صح عندي هذا بعد
стр. 205
رجعتي إلى حلب، فيا ليت أني لم أعد إليها لأبقى سالم الصدر، فإنا لله وإنا إليه راجعون- من ذا الذي ما ساء قط، من ذا الذي ترضى سجاياه كلها- على أني اختبرت أهل حلب بأن العالم متى ما تكبر عليهم ولم يسلم لهم استمروا على توقيره وتعظيمه (١١١ ب) .
ومتى ما سلك معهم المسالك المحمودة، وسلم لهم، أو استعمل لين الجانب ومكارم الأخلاق، وأخذ معهم بهدي السلف العلماء قلوه وملوه وقاطعوه وهجروه، فهم عكس أهل دمشق الشام، نعوذ بالله من ردي الأحوال في الأخلاق والأعمال، آمين. وخرجنا من حلب يوم السبت الثالث عشر من شعبان «١» بين الصلاتين.
وممن خرج لوداعنا من أهل حلب سيدي الشيخ محمد الطرابلسي، وسيدي الشيخ طه الجبريني، وسيدي حسين الديري، وسيدي الشيخ عبد القادر الديري، وسيدي عبد الكافي، والشيخ محمد العقاد، والسيد محمد الخاص السرميني، والشيخ حسن، والشيخ سليم.
وأما الشيخ عبد الكريم الشراباتي والشيخ عبد الغني المقدسي فقد وادعانا في دار الحاج محمد. واستجاز الشيخ عبد الغني رواية الحديث فأجزته. وممن وادعنا من أكابرها الحاج إسماعيل آغا ميرو زاده «٢» وابن أخيه عبد الله آغا، وسيدي الحاج محمد وأولاده، وسيدي الكبير السيد طالب البصري الرفاعي «٣» ، والسيد محمد الطرابلسي خرجوا لوداعنا مقدار فرسخ ونصف على ظهور الخيل. ولما فارقنا حلب المحروسة أذّن خلفنا السيد عبد الكافي.
стр. 206
[خان تومان]
وكانت مرحلتنا خان تومان، على ثلاثة فراسخ من حلب. وهو خان محكم رفيع. قيل:
إن امرأة اسمها تومان بنته، وحوله ضيعة عامرة، وهو على كتف نهر حلب المسمى بقويق، نزلنا قبل المغرب. ومن رفقائنا الشيخ عبد الوهاب بن الشيخ حسين الموصلي الإمام بالجامع الجرجيسي. وكان إسماعيل آغا «١» - حفظه الله- أوصى بتعهدنا وإكرامنا في الطريق سيدي الحاج مصطفى ابن المرحوم بكداش الحلبي ثم الدمشقي.
[سرمين]
وتليها مرحلة سرمين، بوزن غسلين، وهي قرية كبيرة غير مسورة «٢» ، يحيط بجوانبها أشجار الزيتون، وهو كثير في الغابة. وفيها يعمل الصابون، وفيها جامعان، دخلت أحد هما واعتكفت فيه نحو ساعة، وجمعت فيه بين الظهر والعصر جمع تقديم. وفيها منارة أخرى خارج القرية قدر غلوة سهم تدل على أن هناك جامعا لكنه خرب واندرس. وأهلها يشربون ماء المطر يحفظونه «٣» (١١٢ ب) في الآبار، وآبارهم لا ينبع منها ماء لبعد غوره جدا، حتى إني سمعت من يقول إنهم حفروا وأمعنوا في التعميق فلم يجدوا ماء. ومن مبالغتهم أن أهل سرمين أمعنوا في التعميق إلى قرن ثور الأرض، فنودوا: ما في هذه ماء فاتركوا الحفر! «٤» .
وهي قرية ليست «٥» مأنوسة ولا أهلها أهل أنس، والمسافة تسعة فراسخ. ورحلنا منها بعيد
стр. 207
الفجر، ولم نزل نمشي بين أشجار الزيتون نتفيأ ظلاله، ونحن ذاهبون خلاله مقدار خمس ساعات. ثم مشينا بين أشجار السنديان والبطم أربع ساعات فكأننا في بستان إلا أنا منذ فارقنا شجر الزيتون وقعنا في طريق وعر ضيق كثير الجنادل، لكنا لم نجد نصبا لاشتغالنا برؤية الأشجار والتفرج فيها.
[معرّة النعمان]
فدخلنا يوم الخامس عشر من الشهر معرّة النعمان «١» ، وهي بلدة غير مسوّرة، فيها أسواق، وحمّام، وجامع كبير في أحسن ما يكون من العمارة، وله منارة رفيعة عجيبة حسنة البناء مربعة، أضيفت إلى النعمان بن بشير الأنصاري «٢» - رضي الله تعالى عنه «٣» - فإنه تديرها فنسبت إليه صليت «٤» فيه العصر، واعتكفت «١١٣ أ» فيه نحو ساعة.
ويتّصل بالبلد المذكور خان من أحسن الخانات «٥» رفيع البناء، محكمة سطوحه، مغشيّة بصفائح الرصاص، وفي وسطه قسطل ماء لأبناء السبيل، وفي وسطه مسجد ذو قبّة شاهقة مطلّية أيضا بالرصاص، وله طاقات ورواقات في جميع دوره لأبناء السبيل، وله باب رفيعة «٦» ملبّسة بالحديد، مكتوب على طاقها في الحجر:
стр. 208
هذا ما بنى حامي الدفاتر الديوانية «١» السلطانية مراد جلبي وهذه «٢» البلدة وحشة كأهلها، وكان نزولنا عند قبر أبي العلاء المعرّي الشاعر المشهور.
[كتف العاصي]
وتليها مرحلة كتف العاصي، وهو نهر عذب الماء في غاية الصّفاء، نزلنا شرقيه في مكان يسمّى بالمحروقة، لأنه يحرق الجص ثمّة. وقربنا رحى تدور على العاصي وناعورة خربة، وسمّي بالعاصي لأنه يجري على عكس الأنهار ولأنها «٣» كلها تجري من الغرب نحو الشرق، وهو بالعكس، فكأنه عصاها ولم يوافقها، هذا هو المشهور في وجه التسمية، وأحسن من ذلك ما ذكره لي صاحبنا الحاج مصطفى بكداش أنه سمّي بالعاصي لأنه لا يفيض على وجه الأرض «١١٣ ب» وإنما يخرج ماؤه بالتكلف ونصب آلة كالنواعير مثلا، فكأنه عصى فلم يخرج على وجه الأرض، قلت: ويؤيد ذلك قوله ﷺ : نهران مؤمنان، ونهران كافران، أما المؤمنان فالنيل والفرات، وأما الكافران فدجلة وجيحون «٤» . قال الشّراح:
شبّه النهران الأولان بالمؤمن لنفعهما كالمؤمن، والأخيران «٥» بالكافر لعدم نفعهما، وإنما يخرج ماؤهما «٦» بآلة كدالية وناعورة «٧» ، ثم رأيت العاصي في مرحلة الرستن يجري من الغرب إلى الشرق، فتحقق أن منبعه نحو الغرب، وإنما يرى في بعض الأماكن جريانه من الشرق نحو الغرب لتعوّج مجاريه في بعض الأراضي، فيظن الرائي له أنه كذلك من منبعه
стр. 209
يجري على خلاف جريان الأنهار.
[خان شيخون]
وفي وسط هذه المرحلة مررنا على خان شيخون، بشين معجمة مكسورة، فمثنّاه تحتية ساكنة، فخاء معجمة مضمومة، فواو ساكنة، فنون آخر الحروف، فدخلناه بعد طلوع الشمس بساعة ونصف.
وحول الخان قرية صغيرة «١» فأكرمنا كبيرها السيد يوسف ابن السيد علي، وصنع لنا مقلاة بيض «١١٤ أ» ومعها بطيخ أخضر وأصفر وعنب، فأكلنا، وبعد أن شربنا قهوة البن رحلنا منه إلى المحروقة المذكورة، والمسافة من المعرّة إليها تسعة فراسخ.
وتليها مرحلة حماه، ففي مسيرنا إليها كان العاصي وعليه النواعير، لها رغاء [ك] رغاء النوق المطافيل «٢» يثير صوتها الأشجان ويحرك الأحزان ويذكّر الأهل والأوطان، تغرف من ماء العاصي فتمتلىء العلب المربوطة في قوس الناعورة، وتصب في السّواقي، لكن يخر من العلب ماء يقع في العاصي شبيهة بالدموع، ولقد أحسن من قال موريا في المقال:
وإني على نفسي لأجدر بالبكا
وقلت مضمّنا موريا:
ناحت على العاصي نواعير عدت ... تبكي عليه لحزنه وبلائه
سحّت عليه بدمعها أسفا ولا ... منّا عليه لأنه من مائه
فدخلنا حماة اليوم السادس عشر من الشهر المذكور «٣» ، فإذا «١١٤ ب» هي من أعدل
стр. 210
بلاد الإسلام وألطفها، كأنها جنة مزخرفة، يشقّها العاصي نصفين، ولها عليه أربع قناطر، كل قنطرة على سبعة أواوين «١» .
ونزلنا في الجانب الغربي، ودرت في أسواقه، وله سوق طويل جدا نحو ميل، وفيها أربعة عشر جامعا يخطب فيها، دخلت خمسة منها بنية الاعتكاف، وفي الجانب الغربي خان كبير وقفه الوزير أسعد باشا ابن إسماعيل باشا «٢» والي دمشق الشام «٣» المعروف بابن العظم لأبناء «٤» السبيل مكتوب في بابه:
نور هذا الخان قد أشرق من ... نور ربي ليس تطفيه العدا
دام وجه الحق من إنشائه ... للورى مأوى فوفّى المقصدا
وبشرى سعده قد أرخوا ... أسعد خان بمجد شيدا «٥»
وفي هذا الخان ماء للسبيل مكتوب على طاقه:
خليلي قف جنب السبيل فقد ندا ... واشرب بماء السلسبيل مبرّدا
وادع لمن أنشأه دعوة صالح ... بدوام ملك لا يزال مؤبدا
стр. 211
«١١٥ أ»
بالسعد والأفراح قد أرّخته ... فالأجر يبقى والثواب الأسعدا «١»
ولها قلعة كبيرة لم يبق منها إلا تلّها «٢» ، وهو عال يقرب من تل قلعة حلب، والمسافة خمسة فراسخ.
[الرّستن]
وتليها مرحلة الرّستن، بوزن جعفر، ونزلنا في خان قريب منها، على كتف العاصي، وهو خان قديم في وسط جامع له قبة. وهذه المرحلة ستة فراسخ. وفي هذه المرحلة شرعت في كتابة أسماء أهل بدر، فقد اشتهر في حلب والشام، وكذا الحرمين، أن حمل أسمائهم موجب للحفظ من العدو، وألّف بعض العصريين، وهو السيد خليل «٣» الشيخ عبد اللطيف المكتبي الشامي ثم المكي، رسالة فيهم «٤» ، وإن منّ الله عليّ بالعود إلى الوطن «٥» ، أؤلف فيهم رسالة أبين فيها المهاجري والأنصاري والأوسي من الخزرجي «٦» ، ومن استشهد ممن لم يستشهد ... ولحمل أسمائهم فائدة جليلة للحفظ من الأعداء، ذكر بعضهم أن من الأولياء من قد أعطوا الولاية ببركة أسمائهم، وأن كثيرا من المرضى سألوا «١١٥ ب» الله بهم في شفاء أسقامهم فشفوا من ذلك، وقال بعض العارفين: ما جعلت يدي على رأس مريض وتلوت أسماءهم بنية خالصة إلا شفاه الله تعالى، وإن يكن قد حضر أجله خفّف الله عنه،
стр. 212
وقال بعضهم: جرّبت أسماءهم في الأمور المهمة، تلاوة وكتابة، فما رأيت أسرع منها إجابة.
وروي عن جعفر بن عبد الله «١» أنه قال: أوصاني والدي بحب أصحاب رسول ﷺ ، والتوسل بأهل بدر في جميع المهمات، وقال: إن الدعاء عند ذكرهم يستجاب، وإن الرحمة والبركة والغفران والرضى والرضوان «٢» تحيط بالعبد إذا ذكرهم، وقال عند الدعاء بأسمائهم، وإن ذكرهم كل يوم وسأل الله تعالى حاجة قضيت له، لكن ينبغي في قضاء مهم أن يترضى على كل واحد عند ذكر اسمه، ويقول: محمد رسول الله ﷺ ، أبو بكر الصديق ﵁، عمر بن الخطاب ﵁، وهكذا إلى آخرهم، فإنه أنجح للإجابة.
وذكر عن «١١٦ أ» زيد بن عقيل- ﵀ قال: قد انقطعت طريق في أرض المغرب في بعض السنين من سباع ضارية، وانقطعت طريق أخرى من لصوص، فما كان أحد يخطر من تلك الطرق إلا هلك ولو كان في عدد عديد، وقد ضاعت في تلك الطرق أموال وأنفس كثيرة. وإذا ورد علينا أحد من تلك الطرق ومعه تجارة عظيمة وليس معه أحد غير عبده، وهو يحرك شفتيه كالذي يتلو بعض الأسماء، فاستغربنا ذلك وتلقيناه، وقلنا: إن لهذا الرجل شأنا عظيما، ونظرنا خلفه فلم نر معه سوى عبده، فقال له والدي: سبحان الله! كيف سلمت بتجارتك وأنت وحدك وهذه الطريق مقطوعة منذ سنين من اللصوص والسباع؟ فقال: أما يكفيك أني دخلت هذه الطريق بجيش دخل به رسول الله- ﷺ ولقي به أعداءه ونصره الله، وقال له والدي: وأي جيش أدركته من أصحاب
стр. 213
رسول الله تعالى فقال: أدركت أصحاب بدر، وأدخلتهم معي في هذه الطريق المخوفة «١» فما أخاف لصا ولا سبعا «١١٦ ب» ، فقال له والدي: سألتك بالله أن تكشف لي عن قضيتك، فقال: اعلم- يرحمك الله- أني كنت أمير قوم لصوص نقطع الطرق ولا تمر بنا قافلة إلا نهبناها، ولا تجارة إلا أخذناها، فبينما نحن في ليلة من الليالي إذ جاءت إلينا جواسيسنا وأخبرونا أن فلانا التاجر خرج بتجارة عظيمة وليس معه إلا خمسة عشر رجلا، فلما سمعنا ذلك حملنا عليهم، فقتلنا من أتباعه عشرة رجال، ثم أقبل علينا التاجر وقال:
يا هؤلاء! ما حاجتكم، وما تريدون؟ فقلنا: نريد أن نأخذ هذه التجارة فانج بمن بقي من أصحابك قبل أن يحل بكم ما حل بأصحابكم، فقال: وكيف تقدرون على ذلك ومعي أهل بدر؟ فقلنا: إنا لا نعرف بدرا ولا أصحابه، فقال: الله أكبر! ثم أخذ يتلو في أسماء لا نعرفها، فأخذنا الرعب عند تلاوتها، وانهزمنا، وخرجت علينا ريح شديدة، وسمعنا دكدكة وقعقعة سلاح واشتباك رماح، وقائلا يقول: استقبلوا أهل بدر بصبر جميل، فنظرت رجالا وأي رجال، كالعقبان على خيول تسبق الريح فأحاطوا «١١٧ أ» بنا، فحين عاينت ذلك بادرت إلى صاحب التجارة وقلت: أنا مستجير بالله وبك، فقال: تب إلى الله من هذه الفعال، فتبت على يديه، وقد قتل من أصحابي بعدة ما قتل من أصحابه، ثم أني لما أردت الانصراف سألته، فعلمني أسماء أهل بدر، ومنذ عرفتها لم أحتج إلى غفارة «٢» أحد من الخلق، لا في البر ولا في البحر، وبها جئت من هذه الطريق كما رأيتني، فكل من رآني من لص أو سبع حاد عن طريقي ولله الحمد، فهذا سبب خروجي وحدي، وحكى بعضهم أنه خرج يريد الحج إلى بيت الله الحرام فكتب أسماء أهل بدر في قرطاس وجعلها
стр. 214
في أسكف «١» الباب، وكان صاحب مال، فلما سافر جاءت اللصوص إلى داره ليأخذوا ما فيها، فلما صعدوا السطح سمعوا حديثا وقعقعة سلاح فرجعوا، ثم أتوا الليلة الثانية فسمعوا مثل ذلك، ثم مرة أخرى فسمعوا كذلك، فتعجبوا وانكفأوا حتى جاء الرجل من الحج فجاءه رأس اللصوص وقال له: سألتك بالله أن تخبرني ما صنعت في بيتك من التحفظات؟ قال: ما صنعت شيئا غير أني كتبت قوله تعالى وَلا يَؤُدُهُ حِفْظُهُما وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
«٢» . وكتبت أسماء أهل «١١٧ ب» بدر بأسرهم، فهذا ما جعلت في داري، فقال ذلك اللص: كفاني ذلك فائدة.
وأخبر بعض من ركب البحر مسافرا إلى مدينة سبتة في سفينة كبيرة وكان فيها خلق كثير، قال: هاج بنا البحر، واشتدت الريح، وعظمت الأمواج، حتى أشرفنا على الغرق، فكنا بين داع وباك ومتضرع، فقال بعض أصحابي: إن في السفينة رجلا مجذوبا فهل لك أن تذهب إليه وتسأله الدعاء؟ فذهبت إليه فاذا هو نائم، فقلت في نفسي: إلى هذا أرسلوني! لو كان لهذا المسكين عقل ما نام ونحن في هذه الحالة، فوكزته برجلي فأفاق وهو يدعو ويقول: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، فقلت له: يا عبد الله أما ترى ما نحن فيه! فسكت ولم يجبني، فكلمته ثانية، فقال: هاك خذ القرطاس فاجعله في مقدم السفينة وشوّفه إلى الريح من حيث تأتي، فأخذته وجعلته كما أمرني، فكشف عن بصري، فإذا برجال قد أخذوا بطرف السفينة وجروها إلى البر وركزوها في الرمل، وقد انكسر في تلك الليلة سفن كثيرة، فلما كان من الغد جاءتنا «١١٨ أ» ريح طيبة فأخرجنا السفينة من الرمل وسرنا، والذي كان مكتوبا في تلك الورقة اسماء أهل بدر، فصرنا نتلو في أسمائهم (حتى وصلنا مقصدنا) «٣» سالمين
стр. 215
رضوان الله عليهم أجمعين، وذكر لي بعضهم قال: كان لي ولد من أحب الخلق إلي، وكان ذا ديانة وتفقه، فقتله ابن الوزير ظلما وعدوانا، فلم يأخذ أحد بيدي، فجعلت أسأل الله تعالى بأسماء أهل بدر صباحا ومساء، وأستنجد بهم في أخذ ثأره حتى ضاق صدري وآيست من أخذ الثأر. فبينما أنا نائم ليلة من الليالي رأيت في النوم رجالا في هيئة سنية وحالة مرضية، وقائل يقول: هلّوا أهل بدر! فقدموا يتلو بعضهم إثر بعض، فقلت في نفسي: سبحان الله! هؤلاء أهل بدر الذين استنجدتهم في أخذ ثأر ولدي، والله لأتبعنهم، فجعلت أسير خلفهم إلى أن انتهوا إلى مكان مرتفع وجلس كل واحد منهم على كرسي من نور، ورأيت أقواما يدخلون عليهم ويشكون إليهم أحوالهم، فقلت في نفسي: مالي لا أشكو إليهم من قتل ولدي؟ فقدمت إليهم وأخبرتهم بقصتي «١» وأنه لم يأخذ أحد بيدي في ثأر ولدي، فقال واحد منهم: لا حول «١١٨ ب» ولا قوة إلا بالله! ثم التفت إلى من كان معه وقال: أيكم يأتيني بخصم هذا المسكين؟ فذهب واحد منهم فلم يكن غير هنيهة وإذا به قد أقبل والغريم معه، فقال له: أنت الذي قتلت ابن هذا الرجل؟ قال: نعم! فقال له:
وما حملك على قتله؟ قال: ظلما وعدوانا! فقال: اجلس إلى الارض، فجلس، ثم أعطاني خنجرا وقال: هذا غريمك اقتله كما قتل ولدك، فأخذته وذبحته، ثم انتبهت من نومي، فلما أصبح النهار سمعت صيحة عظيمة والناس يقولون: قد أصبح ابن الوزير ذبيحا في فراشه ولم يعرف قاتله، وذكر العسقلاني قال: أسر ابن عم لي في بلاد المشركين، فطلب الروم في فدائه مالا عظيما، فلم يطق إعطاءه، فأرسلت إليه بأسماء أهل بدر في قرطاس، وأوصيته بحفظهم والتوسل بهم، قال: فأطلقه الله تعالى من غير فداء فلما قدم إلينا سألناه عن ذلك، قال: لما وصلت إليّ تلك الورقة التي فيها الأسماء ففعلت كما أمرتني، فاستشأموني فجعلوا يتبايعونني، وكان كل من يشتريني تصيبه مصيبة، فنقصت في الثمن حتى باعوني بسبعة دنانير، فما مضى على من اشتراني غير ثلاثة أيام حتى أصيب بأعظم مصيبة، فأخذ يعذبني
следующие страницы →