Полный текст (353 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.
стр. 281
السيد عيسى.
وكان أمير الحاج الوزير أسعد باشا «١» ابن إسماعيل باشا «٢» عظم زاده وهذا الوزير شافعي المذهب كأبيه وعمه سليمان باشا «٣» لين العريكة، مبارك، لانفس ولا أنانية، ولا يثبت لنفسه شيئا وإنما يفوض الأمور إلى الله تعالى، إلا أن بطانته وأرباب دولته بطانة سوء وأرباب ظلم وغشم.
ولله الحمد، ذهب الحاج ورجع سالما آمنا، لا تعب ولا نصب ولا عطش ولا سغب «٤» ، كأن ركب الحج في أيام أعراس وليالي أعياد، حتى إني سمعت من غير واحد ممن سافر في طريق الحج نحو خمسين عاما يقول ما اتفق لركب الحج رفاهية وراحة مثل هذه السنة، والحمد لله على ذلك.
[خان دله]
وتليها مرحلة دله بكسر الدال والإمالة، وحولها خان والمسافة اثنا عشر فرسخا.
[المزيريب]
стр. 282
وتليها مرحلة المزيريب «١» ، بفتح الميم، جمع مزراب، اسم مكان للزرب، وهو في لغة الشام السّيل يقولون: زرب الماء إذا سال، وفي القاموس زرب كسمع سال «٢» سميت بذلك لأن قلعتها حول عين منخفض واديها تجري فيه السيول، وتلك العين اسمها بجّة، بفتح الباء وتشديد الجيم وبعضهم يميل الجيم. وماؤها عذب إلا أن فيه نوع ثخانة، (١٦٦ أ) وبعض الناس يقول مزيريب تصغير مزراب، ولعل جميع ذلك محرف ميزاب أو ميازيب.
وأقمنا فيها ستة أيام غير يومي الدخول والخروج، لأن عادة أمير الحاج [أن] يعطي الموظف لعنزة «٣» في هذه المرحلة، ويسمونه بالصر «٤» لما أنه يأتي مصرورا بصرة في الأصل، ولأن عادة الجمالة يباشرون أكثر حوائجهم منها من شراء جمال وعلف وغير ذلك. وفي هذه المرحلة أخذ السارق من على ظهري اللحاف وأنا نائم، فأحسست به فانهزم، وفيها ضاع مشطي، وفي هذه المرحلة تكثر السراق بزيادة على غيرها، إذ لا تخلو مرحلة منهم، قاتلهم الله تعالى.
стр. 283
ومن هذه المرحلة أخذت ترابا وضعته في خرقة لأجل التيمم في المواضع التي لا تراب فيها وإن كان معنا ماء، لأن الوضوء حرام إذا كان في القافلة من يظن، أو يتوهم، أنه محتاج إلى شرب الماء لعطش، ولو كان دابة أو كلبا محرما «١» حالا أو مالا إلى الوصول إلى عين أو غيرها، ومما من الله به عليّ أني كنت أتيمم مع وجود الماء عندي، لأن القافلة لا تخلو عن عطشان مع كثرة المشاة الذين لا زاد لهم ولا ماء. وممن تابعني على ذلك سيدي (١٦٦ ب) السيد طالب البصري فكان- حفظه الله- يتيمم ويأمر به، وأكثر الفقهاء الجهلة يتوضؤون بالماء مع الإسباغ، والتثليث مراعاة السنن ظنا منهم أن ذلك عبادة مع كثرة العطشى، وقد قال الإمام النووي في (الإيضاح) «٢» : إن هذا الوضوء حرام، ثم قال: وينبغي إشاعة ذلك في ركب الحاج، وتبعه على ذلك الشيخ ابن حجر في مختصر الإيضاح، وشنع «٣» أيضا الإمام النووي على من يفعل ذلك، ونسبه إلى الجهل، أعاذنا الله من ذلك. فلم أزل على هذه الحالة وآمر بها الشافعية فأنكر عليّ مفتي الموصل، وقال: كيف تتيمم ومعك ماء؟ فأجبته بأن الإمام النووي حرّم الوضوء في مثل هذه الحالة وأخرجت له الإيضاح، وهو مصر على إنكاره، فقلت له: يا شيخ أنت حنفي إنما تعرف مذهبك ونحن أعرف منك بمذهبنا، وهذا مجدد مذهب الشافعي الإمام النووي صرح بذلك وتبعه العلامة المحقق الشهاب ابن حجر، فلم يلتفت إلى ما قلت، فأغضبني، فقلت: يا شيخ! في ذكري أن الحصكفي «٤» شارح (التنوير) «٥» في فقه الحنفية [فإنه] صرح بعين ما ذكره النووي فالمسألة وفاقية، فأصرّ على
стр. 284
عناده لجهله، فالتمست في ركب الحج (١٦٧ أ) شرح التنوير وأخرجت المحل وأرسلته إليه.
والذي ذكره أنه يجوز التيمم لعطش ولو من كلبة، إلى أن قال: أو رفيق القافلة، وذكر أيضا أنه يجوز للعطشان مقاتلة صاحب الماء إذا امتنع، فإن قتل ربّ الماء فدمه هدر، أو العطشان فيقتص من رب الماء. ولم يزل هذا الرجل يغتابني إلى أن دخلنا حلب فذكر لي بعض الناس أنه ينقم عليّ من خصوص التيمم، وكنا في مجلس عقد نكاح، وفيه غالب أجلة علماء حلب حنفية وشافعية، فناديت بأعلى صوتي: أنشدكم معاشر الفقهاء كيف حكم التيمم مع وجود عطش رفيق القافلة؟ فقال الحنفيون: يجوز، وقال الشافعيون: يجب.
ومما وقع السؤال عنه في الطريق حكم المنطقة من فضة، فأجبت بالجواز والحل، وخالفني بعض الفقهاء، واحتجنا إلى مراجعة كتب الفقه فظهر الحكم كما ذكرت، فسلموا إلا الشيخ الجبريني بقي على إصراره كما هو عادته.
ومما وقع السؤال عنه قوله- ﷺ في دعاء الاستخارة: اللهم إن كنت تعلم. وصورة السؤال أن إن للشك، والله تعالى عالم جزما، فكيف صح التعبير بإن؟
وجوابه (١٦٧ ب) [إن الشك] «١» راجع إلى المستخير لأنه لا يقين عنده في أن علمه تعالى هل تعلق بكذا أو كذا، والمشكوك فيه إنما هو تعلق علم الله لا علمه، فالله تعالى عالم بلا ريب ولا شك، وإنما الشك في التعلق وهو مغيب عنا، والله اعلم.
ومما وقع السؤال عنه في الطريق أيضا قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ
«٢» الآية.
وصورة السؤال كيف يعقل اشتراء الله الأنفس وهو مالكها؟ وجوابه: إن ذلك من باب المجاز المرسل من أطلاق المقيد على المطلق، والمعنى إن الله طلب من المؤمنين بأن يبذلوا أنفسهم في قتال أعدائه فأطلق الاشتراء على مطلق الطلب مجازا لا أنه اشتراء حقيقي أو إن
стр. 285
ذلك استعارة تبعية بأن شبه الطلب بالاشتراء لعلاقة أن كلا منهما بعوض وبدل، ثم اشتق من الاشتراء اشترى، والله اعلم.
ومما وقع السؤال عنه في الطريق، قوله تعالى وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
«١» وصورة السؤال أن من لا تطلق إلا على العقلاء، وهي هنا شاملة لجميع الحيوانات عاقلة وغيرها. وجوابه: أن ذلك إما خاص بالعقلاء، وغيرهم مقيس عليهم، أو أنه غلب العاقل على غيره، أو نزل غير العاقل «٢» منزلة العاقل (١٦٨ أ) ، كما في قول الشاعر:
أسراب القطا هل من يعير جناحه ... لعلي إلى من قد هويت أطير
ثم استطرد في الكلام إلى أن وقع السؤال عن ما وإنها لغير العاقل، فكيف أطلقت على النساء في قوله تعالى فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ
»
الآية؟ فما الجواب عن من يقول بأن ما مختصة بغير العاقل؟ وجوابه: إن النساء لما كنّ تحت طاعة الأزواج أشبهن الملك فأطلق عليهن ما تنزيلهن منزلة ما لا يعقل.
ومما وقع السؤال عنه في الطريق، كيف التوفيق بين قول ملك الرحم الموكل به: يا رب ذكر أم أنثى، شقي أم سعيد؟ فما الرزق وما الأجل، وبين قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ
«٤» الآية، فظاهر حديث الملك إنه يعلم كونه ذكرا أو أنثى، والآية تدل على أن هذه الخمس لا يعلمهن إلا الله كما صرح في الحديث، فإن قلتم: إنّ الملك يعلم ذلك بتعليم الله تعالى، قلنا:
إذا لا فرق بين هذه الخمس وبين غيرها. والجواب: نعم لا فرق بين هذه الخمس وبين غيرها من المغيبات [في] أنها تعلم بتعليم الله تعالى، لكن إنما خصت ردا على الملوك السالفة فإنهم كانوا يكثرون من السؤال عن هذه الخمس (١٦٨ ب) زاعمين أن أحبارهم يعلمون ذلك فردّ الله عليهم، بأن هذه الخمس لا يعلمها إلا الله، ومن علمها فإنما هو بتعليمه.
стр. 286
ومما وقع السؤال عنه في حديث الرحمة: هل جزم يَرْحَمَكُمْ
من حيث المعنى أو لا أم رفعه كما هو في رواية «١» ؟ والجواب: إنه من حيث الترغيب الجزم أو لا، لأن من علم أنه إذا رحم رحم حثه ذلك على الإحسان والشفقة، ومن حيث الملاحظة إلى رحمة الله الرفع أولى لأنه حينئذ تكون رحمة الله تعالى مطلقة غير مرتبة على شيء، وهو الفاعل المختار، ويرحم البر والفاجر والطائع والعاصي، مالك أزمة الأمور، يعطي ويمنع لا لغرض.
ثم وقع السؤال على رواية الرفع، هل الجملة مستأنفة استئنافا نحويا أو بيانيا؟ والجواب: إنها مستأنفة استئنافا نحويا لأنها ليست جوابا عن سؤال مقدر وإنما أتي بها للدعاء ابتداء، فالكلام انقطع عند قوله «ارحموا من في الأرض» ثم استأنف ودعا لهم بالرحمة، أي يا من أمره وسلطانه في السماء رحمهم. وبعض الحاضرين تصدى لأن يجعل ذلك استئنافا بيانيا ولم يأت بطائل، وسيأتي الكلام على مسائل الإحرام إن شاء الله تعالى. وهذه المرحلة مسافتها ستة فراسخ.
[المفرق]
وتليها مرحلة المفرق، بفتح الميم (١٦٩ أ) وسكون الفاء وفتح الراء وآخر الحروف قاف، وهو بر لا عمارة فيه ولا ماء «٢» ، سمي بذلك لما قيل أنه فارق بين العمارات وغيرها، ويحتمل أنه اسم مكان للفرق بفتحتين، وهو الخوف، وذلك لانقطاع العمارات عنده، فيتوهم الخوف من عدو وقلة زاد وماء وعطب دابة «٣» ، والمسافة ثلاثة [عشر] «٤» فرسخا.
стр. 287
[الزرقاء]
وتليها مرحلة الزرقاء، قال في القاموس: اسم موضع في الشام «١» والآن يطلقونها على عين هناك، وهذه العين جارية عذبة، على حافة مجراها قصب كثير الالتفاف فينعكس لونه في الماء فيرى أزرق لصفائه فلذلك سميت بالزرقاء «٢» . وحول هذه العين من جهة الفوق قلعة صغيرة تسمى بقصر شبيب «٣» ، وفيها حراس يتعاقبون كل عام.
وعلى شرقي النهر الجاري منها بركة قديمة خراب، وحولها عمارة، وأثر بناء قديم، والكل خراب، وقبيل هذه العين وبعيدها أراض وعرة وعقبات ذوات انحراف واعوجاج وصعود وهبوط ووديان منخفضة، والمسافة تسعة فراسخ، وأقام الركب بها يوما.
[البلقاء]
وتليها مرحلة البلقاء، مؤنث أبلق، وهي اسم بلد بالشام «٤» والآن هي خراب، لا ماء فيها، سميت بذلك لما أن حجارتها (١٦٩ ب) متلونة بالسواد والبياض، أو لأن أرضها خالية عن النبت والشجر «٥» .
стр. 288
[خان الزبيب]
ومررنا في طريقنا على خان الزبيب «١» ، ولعله كان يوضع فيه الزبيب.
[زيزي]
وعلى زيزي، كضيزي، موضع بالشام كما في القاموس «٢» . والمسافة اربعة عشر فرسخا.
[القطراني]
وتليها مرحلة القطراني نسبة إلى القطران عصارة الأبهل «٣» سميت بذلك لكون حجارتها سوداء، وفيها قلعة صغيرة، فيها حراس «٤» ، وعادة الحجاج يضعون أمتعتهم من زاد وغيره فيها ليأخذوها إذا رجعوا، وحول القلعة بركة عظيمة مشرفة على الخراب تمتلىء من ماء المطر، والمسافة أربعة عشر فرسخا.
[الأحسا]
وتليها مرحلة الأحسا «٥» ، وهي في الأصل جمع حسى بفتح الحاء وكسرها، أو حسى
стр. 289
كما قال في القاموس «١» . سهل من الأرض يستجمع فيه الماء، أو غلظ «٢» فوقه رمل يجمع ماء المطر، كلما نزحت دلو جمعت أخرى، نزلنا عنها بنحو نصف فرسخ في عين عمارة وماء «٣» إلا أن في رجوعنا نزلنا فيها والماء فيها كثير، في واد بين جبلين، وفي طريقها عقبات وأوعار واعوجاج وصعود وهبوط، والمسافة أحد عشر فرسخا، لكنا قطعناها بثماني عشرة ساعة لصعوبة الطريق.
[معّان]
وتليها مرحلة معّان، وظاهر صنيع القاموس (١٧٠ ب) إنه بفتح الميم، وقال: هو موضع بطريق حاج الشام «٤» . وقبل الوصول إليه ثغر «٥» فيه وعر وعقبة صعبة المسلك لما فيها من الجنادل والانحدار والارتفاع، مع ضيق المسلك.
[عنزه]
ومررنا في طريقنا على عنزه بفتح العين والنون والزاي المعجمة وآخر الحروف هاء تأنيث «٦» . وهي أيضا قلعة ينزلها الحاج الشامي، وفيها حراس وبركة تمتلىء من المطر «٧»
стр. 290
وعادة الحجاج [أنهم] يودعون بعض أمتعتهم فيها ليأخذوها إذا رجعوا. والظاهر أنها سميت بعنزه بن أسد بن ربيعة، وبه سميت القبيلة المشهورة، لأن تلك الأرض مسكنهم قديما.
[معّان أيضا]
ومعّان هذه طيبة الهواء، عذبة الماء، يودعون «١» (الحجاج) فيها أمتعتهم ليأخذوها إذا رجعوا «٢» ويتزود الحجاج منها ما يحتاجون من قوت وعلف دواب. أقمنا فيها يوما في أكل نفيس مع انشراح وانبساط، والمسافة عشرون فرسخا قطعناها بأربع وعشرين ساعة. وعادة الحاج كان ينزل في عنزه ثم معّان لكنا جعلنا المرحلتين مرحلة واحدة لضيق الوقت.
[العقبة]
وتليها مرحلة العقبة «٣» ، نزلنا في واد تحيط به الجبال من جوانبه الأربعة، ولا ماء ثم، والمسافة ثمانية عشر فرسخا لكنا قطعناها (١٧٠ ب) بعشرين ساعة.
[جغيمان]
وتليها مرحلة جغيمان بضم الجيم وفتح الغين المعجمة فياء ساكنة فميم مفتوحة فألف وآخر الحروف نون. سميت- كما قيل- باسم شيخ من شيوخ الأعراب، كان يأخذ الصر عندها، وبعضهم يقول جغينمان، يزيد نونا بين الياء والميم.
[المدورة]
وتسمى هذه المرحلة أيضا بالمدورة لأن قربها جبل صغير مدور، وفي تلك الأرض قلعة
стр. 291
بناها في عصرنا المرحوم عبد الله باشا الآيديني يوم كان أمير الحاج «١» . ويكتنفا «٢» القلعة بركتان، كبيرة، وفيها العين، وصغيرة تستمد من الكبيرة، ووسط القلعة بئر معين، وعادة الحجاج أيضا [أنهم] يودعون أمتعتهم فيها، جزى الله عبد الله باشا [ف] هو الذي باشر عمارة القلعة والبرك. وكان قبل ذلك- كما أخبرت- فيها ماء قليل جدا بحيث يتقاتل الحجاج على الماء «٣» ، حتى قيل كل قربة ماء بقربة دم والمسافة اثنا عشر فرسخا، ونحمد الله أنه لم يقع علينا مطر منذ خرجنا من دمشق إلى مكة المكرمة، ولم نجد بردا، مع أنهم كانوا يحذروننا من برد المزيريب وعنزه ومعان، ولا مسنا نصب ولا تعب، مع أن الفصل إذ ذاك كانون الأول.
[ذات حج]
وتليها مرحلة ذات حج، بكسر الحاء المهملة، كذا سمعتهم ينطقون (١٧١ أ) به، ولم أدر ما وجه التسمية. وفيها قلعة صغيرة حواليها أشجار ونخيل قليلة، وفي داخل القلعة عين ماء عذب، وحولها بركتان كبيرة وصغيرة «٤» ، والمسافة اثنا عشر فرسخا.
стр. 292
[تبوك]
وتليها مرحلة تبوك، وهي التي كانت الغزوة المشهورة واقعة فيها، المعروفة بين أهل السير بغزوة تبوك. وفيها الآن قلعة صغيرة «١» حواليها أشجار التين والنخل إلا أن النخل صغار.
وفي القلعة حراس، وعادة الحجاج [أنهم] يضعون أمتعتهم فيها أيضا، ولا سيما ما يتعلق بالأكل، والمسافة عشرون فرسخا إلا أنا قطعناها بأربع وعشرين ساعة. وعادة الحجاج يجعلون هذه المسافة مرحلتين، الأولى مرحلة القاع «٢» وهي عبارة عن بر أفيج»
لا ماء فيه، وأقمنا في تبوك يوما، وزارنا يوم النزول محدّث الأقطار الشامية الشيخ إسماعيل العجلوني فلم يجدني في الخيمة، فجاءنا ثانيا يوم الإقامة هو والشيخ سليمان شيخ المحيا، فتحادثنا معهما مقدار ساعة، واعتذر الشيخ من تقصيره في دمشق حيث لم يكرر الزيارة.
[المغر]
وتليها مرحلة المغر جمع مغرة، بفتح الميم وسكون الغين وتحرّك أيضا. [و] هي في الأصل طين أحمر والممغر كمعظم: المصبوغ بها، وبسر «٤» ممغر كمحدث: لونه كلونها، والأمغر جمل على لونها والمغر محركة، والمغرة بالضم (١٧١ ب) لون ليس بناصع الحمرة، أو شقرة بكدرة، والأمغر الأحمر الشعر والجلد، والذي في وجهه حمرة في بياض صاف، ولبن مغير
стр. 293
كأمير أحمر يخالطه دم، وأمغرت احمرّ لبنها وهي ممغر، فإن كان معتادها فممغار ونخلة ممغار حمراء التمر، انتهى كلام القاموس، وهي منزلة بين جبلين حجارتهما حمراء كالمغرة، ولعل هذا وجه التسمية، ويحتمل أن يكون الأصل المغرة فجمعها العوام. والمغرة- كما في القاموس- موضع بالشام، لبنى كلب، وأوس بن مغراء السعدي من شعراء مضر «١» . ومن عادة جهال الحجاج أنهم يتلقطون منها أحجارا بقدر الأنملة، يزعمون أنه من دود سيدنا أيوب النبي- على نبينا وعليه وعلى سائر الأنبياء الصلوات والسلام- ويزعمون أنه إذا دق ينفع للجراحات ذرورا. والمسافة اثنا عشر فرسخا.
[الأخيضر]
وتليها مرحلة الأخيضر بالتصغير، ويقال الأخضر أيضا، سميت بذلك لأن في القلعة التي هناك مقام سيدنا الخضر ﵇، والناس يتبركون بذلك المقام، وقد زرته والحمد لله، ويحتمل أنه الوادي الذي بين المدينة والشام كما في القاموس «٢» ، ويحتمل أنه الخضير والعامة تصرفت فيه والخضير «٣» - كما في القاموس- مجسد بين تبوك والمدينة، ولعله (١٧٢ أ) الذي يقال فيه إن مقام الخضر. وهذه القلعة في عقبة «٤» تحيط بها الجبال، وفي طرفها مما يلي الشام، عقبة ضيقة وعرة ذات جنادل كبار. وحول القلعة خمس برك مملوءة ماء، أنشأ واحدة منها المرحوم عبد الله باشا الآيديني، وواحدة المرحوم سليمان باشا ابن العظم، والبواقي قديمات من آثار سلاطين آل عثمان «٥» . وحول البرك بناء عال فيه أربعة «٦» حراس يحرسون الماء من الأعراب الأشقياء والمسافة أربعة فراسخ.
стр. 294
[المعظم]
وتليها مرحلة المعظم «١» على صيغة اسم المفعول من التعظيم، سميت بذلك- والله أعلم- لعظم بركتها فإنها «٢» تزيد «٣» على ثلاثين ذراعا في ثلاثين، وعمقها نحو خمسة عشر ذراعا، يجتمع فيها ماء المطر، وله مسيلات ينحدر فيها إلى البركة. ومنذ رحلنا من الأخيضر إلى نحو أربعة فراسخ نسير بين جبلين، والرمل كثير بتراكم «٤» تسوخ فيه الأقدام، وثار منه غبار كثير بحيث لا يكاد يبصر الإنسان رفيقه، والمسافة ثمانية عشر فرسخا.
[الدار الحمرا]
وتليها مرحلة الدار الحمراء «٥» ، سميت بذلك لكون رملها أحمر وكذا جبالها، والبدو يسمونها الهضب لأن حواليها هضاب كثيرة، أهل الشام يسمونها مفارش الأرز، لأن فيها حصى أبيض صغارا (١٧١ ب) يشبه الأرز الأبيض، فالذي يراه يتخيله أرزا مفروشا على الأرض الحمراء، وتسمى أيضا خدود الأرز لذلك. وهذه المرحلة لا عمارة فيها ولا ماء.
والمسافة ثمانية عشر فرسخا ونصف لكنا قطعناها في إحدى وعشرين ساعة. وفي مسيرنا منها نظمت بيتين للسيد الحسيب النسيب السيد عيسى الدمشقي ابن السيد أحمد الجاني
стр. 295
وقف سنان باشا «١» ، وذلك أنه أهدى لي علبة حلوى سكرية، والبيتان «٢» :
أهدى لنا حلوى حلاوتها زكت ... فكأنما عجن الدقيق بريقه
وهذا السيد عيسى من طلبة العلم له حسن باهر، ومحيا زاهر، لتسلسل عذاره المسكي، وقيد القلوب بسلاسله وقال: هذا فتكي!.
[العلى]
وتليها مرحلة العلى بضم العين مقصورا، وهو بلد بناحية وادي القرى «٣» سميت بذلك لكون الجبلين اللذين يكتنفانها عاليين مرتفعين «٤» ، والآن هي قرية صغيرة وقلعة «٥» ، وفيها حدائق من النخيل نحو عشرة الاف نخلة، وتمرها جيد، وفيها الليمون الحلو الكبار. وفيها عينا ماء تسقى منها (١٧٣ أ) الحدائق وسائر الأشجار، إلا أن ماءها وهواءها رديّان. وفيها أيضا آبار يخرج ماؤها بالسواقي فيسقي الزروع، والمسافة ثمانية عشر فرسخا ونصف إلا أنا قطعناها بنحو عشرين ساعة.
[الحجر: ديار ثمود]
ومررنا بطريقنا ليلا على الحجر ديار ثمود «٦» وتسميها العامة ديار صالح، لكن في الإياب مررنا عليها نهارا، وهي أرض موحشة غضب الله ظاهر عليها، وفيها بيوت ذوات
стр. 296
أبواب، على سطح كل باب هيئة الدرجين المعكوسين، تظن العامة أنها مقلوبة، وليس كذلك كما هو ظاهر لمن تأمل البناء «١» وعقد الأبواب والأواوين وأكثر البيوت علا عليها الرمل، نعوذ بالله من غضبه وعقابه. ومررنا على الجبل الذي غاب فيه سيدنا صالح النبي، وتسميه العامة مبرك الناقة، تزعم بأن الجمال إذا سمعت رغاء الفصيل تبرك فلا تثور، وهذا إذا وصلوا إلى ثغر الجبل أكثروا من الصياح ورفع الأصوات وضرب البنادق لكي لا تسمع الجمال رغاء الفصيل فتبرك، وهذا أمر مشهود فيما بينهم، والظاهر أنه لا أصل له، وإنما أصله القديم أنه لما كان رمل ذلك الموضع كثيرا متراكما، والغالب يكون الفيء والظل عليه، فإذا وطئت (١٧٣ ب) الجمال ذلك الرمل تبرك كما هو عادتها في غيره، احتالوا لها بذلك والله أعلم.
وأقمنا في هذه المرحلة يوما، ودعانا يوم الإقامة الحاج عبود كبير جمالة حلب، وقدم لنا أطعمة فاخرة من أنواع الحلويات السكرية والكاهي «٢» والخروف المحشو والمصارين المحشوة والأكارع والرءوس المطبوخة أحسن طبخ وعليها ماء الليمون، والبلاو «٣» المزعفر وعليه قطع اللحم السمينة، والحريرة المطبوخة مع ماء الليمون، والمخلل المعمول من الزيتون والقرع وغير ذلك، ثم شربنا قهوة البن التي كأنها جناح الطاووس، ورش علينا ماء الورد الذي تفوق رائحته «٤» المسك وتبخّرنا بالعود الطيب، جزاه الله عنا خيرا، وكان معنا في هذه الدعوة
стр. 297
السيد العالم الناسك جلبي أفندي المفتي بحلب على مذهب الحنفية سابقا «١» ، والسيد أبو المواهب مفتي الشافعية بحلب، والسيد طالب الرفاعي البصري، والسيد يونس الأدهمي، والحاج محمد بن هاشم البغدادي، والحاج محمد بن قاسم البصري، فانبسطنا وحمدنا الله الذي أطعمنا مثل هذه الأطعمة التي هي عزيزة في الحضر. وأهل العلى صورهم قبيحة لا دمّ في وجوههم، أكثرهم عور، وقد شاع عند الحجاج انهم يتجرأون على قتل الإنسان ونهب أمواله، وليس بصحيح، بل الذي يفعل ذلك عرب عنزة «٢» ، يستخفون (١٧٤ أ) بين النخيل والأشجار، فإذا مر بهم الحاج المنفرد قتلوه وسلبوه، وأما أهل العلى فلا يخرجون من بيوتهم إلى خارج القرية إلا القليل، خوفا على أنفسهم من عسكر الحاج، فتبقى الحدائق خالية من الناس، فتأتي الأعراب فيكمنون فيها ويفعلون القبائح، فيظنهم الذي لا علم له ولا خبرة أنهم أهل العلى، حاشا لله، فهم قوم مسلمون يقيمون الجمعة والجماعات، ويؤوون من انقطع من الحجاج، ويقومون بأودهم كما شاهدته عيانا.
[آبار الغنم]
وخرجنا بعيد الظهر، ونزلنا آبار الغنم، وهي أرض إلا أن فيها آبارا كثيرة، ماؤها عذب إلا أنه ردىء، سميت بذلك لكثرة ما حول الآبار من بعر الغنم لأن الأعراب ينزلون فيها، ويوردون أغنامهم منها، فتبعر الأغنام حوالي الآبار، ولقد شاهدت البعر حواليها كثيرا جدا، وبعضهم يقول آبار غنم بدون ال، ولعل ذلك منسوب إلى غنم بفتحتين، بن تغلب بن وائل «٣» أبو حي، والله أعلم. وفيها قلعة عمّرها في عصرنا المرحوم سليمان باشا ابن العظم، وفيها حراس من الجند كل سنة يبدلون ويأتي غيرهم كسائر القلاع والمسافة خمسة [فراسخ] ونصف فرسخ «٤» .
стр. 298
[البئر الجديد]
وتليها مرحلة البئر الجديد، وهي بئر واحدة يستقي منها الحاج، وماؤها أعذب مما قبلها، وليس فيها عمارة، والمسافة ثمانية عشر فرسخا «١» ، لكنا قطعناها (١٩٧ ب) بنحو عشرين ساعة، سميت بذلك إما لأن البئر حفرها ليس قديما، أو أنه مغيّر عن جدّة، وهو البئر الكثيرة الماء أو قليلة ضد.
[هديّة]
وتليها مرحلة هدية بفتح الهاء فكسر الدال فتشديد المثناة التحتية وآخر الحروف هاء تأنيث، وفيها قلعة بناها في عصرنا المرحوم سليمان باشا ابن العظم «٢» ، وهذه الأرض إذا حفر فيها نحو ذراع خرج الماء لأنه كامن تحت الرمل، إلا أنه رديء مسهل لما فيه من ملوحة ما.
ويشرف على القلعة جبل أسود، وأرضها كثيرة الرمل. ويحيط بالمنزلة التي خيمنا فيها جبال سود، والمسافة سبعة عشر فرسخا، وعن شمالها خيبر غير بعيدة، وصادفنا في هذه المنزلة حر شديد يزيد على حر تموز في العراق، حتى تجردنا عن غالب الثياب ونحن نسبح بالعرق، وكان قد مضى من كانون الأول اثنا عشر يوما.
ويوم نزولنا دعانا للضيافة أمير الحاج الوزير أسعد باشا، فأضافنا ضيافة حسنة مشتملة على أنواع شتى من الطعام، من جملته الباذنجان المحشو والقرع المحشو في غير أوانه، وحين حضرت صلاة المغرب صليت إماما بالقوم، وكان معنا في تلك الدعوة العالم الفاضل السيد جلبي أفندي المفتي السابق بحلب على المذهب الحنفي، والشيخ أبو المواهب مفتي الشافعية بحلب (١٧٤ أ) المحمية، والسيد الجليل السيد طالب البصري من أولاد سيدي
стр. 299
الشيخ أحمد الرفاعي- قدّس سرّه- والسيد السند السيد يونس الأدهمي، ومفتي الموصل يحيى أفندي.
وأقمنا في هدية يوما، وسبب تسميتها بذلك أن العوام يعتقدون أنه- ﷺ لما رجع من خيبر قلّ عليهم الماء، فأهدى الله له الماء في ذلك الموضع، فسمي الموضع هدية تسمية للمحل باسم الحال، ولا يصح شيء من ذلك، نعم، لو قيل إنّها هدية من الله أي نعمة أنعمها الله على الحاج لما كان بعيدا.
[الفحلتين]
وتليها مرحلة الفحلتين، بفتح الفاء فسكون الحاء ففتح اللام فتاء مفتوحة فمثناة تحتية ساكنة وآخر الحروف نون على صيغة التثنية. قال في القاموس: والفحلتان موضع «١» ، ولعل وجه التسمية انفرادها عن العمارات، واعتزالها عنها كالفحل، فإنه إذا قرع الإبل اعتزلها، وفيها آبار عذبة حلوة غير مطوية ولا محفورة، وإنما يحفرها الحجاج قدر قامة فيخرج الماء من تحت الرمل، ولعله ماء مطر كامن تحت الرمل «٢» .
والبدو تسميها شجوى من الشجو، هو الحزن، ويحق لها ذلك حيث إنها لم تكن موطئ أقدامه- ﷺ ولا دار سكناه مع قربها من طابة.
ومما وقع لي أني لما وصلت إلى تبوك أخذني الحزن والقلق والخوف والرعب والاضطراب.
مع كثرة البكاء والنحيب والعويل، ولم يزل هذا الحال يعتريني كل ساعة، لا تهدأ عيني من البكاء ولا يبرد قلبي من حر الفراق والخوف، إلى أن خرجت من طابة الطيبة، وما كان ذلك إلا خوفا من أن «٣» أكون مردودا مطرودا محروما خائبا مأيوسا، غير مقبول ولا مرضي، وخوفا
стр. 300
من أن»
أكون مقصرا في تعظيمه وتوقيره والتأدب معه ﷺ ، ومع ذلك كل ساعة ألوم وأقول: بأي وجه أواجه رسول الله ﷺ ، وأنا ذو جرم كبير كثير التقصير، منهمك في اللذات، غارق في بحار الغفلات، غير مكترث بالطاعات، ولا مجد على العبادات، ولم يزل هذا الوارد معي لا يفارقني، فالله أسأل أن يجعلني من المقبولين المرضيين غير المطرودين المحرومين، وأن ينفعني بزيارته ﷺ ، ويحشرني تحت لوائه، آمين.
[العقبة السوداء، الشربة، العلم السعدي]
ومررنا في طريقنا على العقبة السوداء، وعلى الشربة، والعلم السعدي، ديار بني عبس، هكذا قيل والظاهر أنه لا يصح. وهذه المرحلة لا قلعة فيها، وماؤها من أعذب المياه، والمسافة ثمانية عشر فرسخا لكنا قطعناها بعشرين ساعة.
[وادي القرى]
وتليها مرحلة وادي القرى «٢» ، وهي بين جبلين، ذات رمل، وفيها بئر ماء عذب، والجملة (١٧٦ أ) تقول بئر القرى، والأعراب تسميها بئر جبر، والمسافة خمسة عشر فرسخا بقي منها إلى المدينة المنورة مرحلة واحدة، ولما سمعتهم يقولون غدا ننزل المدينة زاد خوفي وقلقي واضطرابي وعويلي، حتى كأني مطالب بثأر، أو مقدم لقصاص، فتمثلت بقول القائل:
قالوا غدا نأتي ديار الحمى ... وينزل الركب بمغناهم
وكلّ من كان مطيعا لهم ... أصبح مسرورا بلقياهم
قلت فلي ذنب فما حيلتي ... بأي وجه اتلقاهم
قالوا أليس العفو من شأنهم ... لا سيما ممن ترجّاهم
وقد خمست هذه الأبيات منذ مدة والوجل الأول ازداد وتضاعف حياء من رسول الله ﷺ ، وخوفا من أن أطرد وأرد، أعوذ بالله من ذلك، ولا حول ولا قوة إلا
стр. 301
بالله، حسبي الله ونعم الوكيل، على الله توكلت.
[المدينة المنورة]
وتليها مرحلة طابة الطيبة المنورة، دخلتها يوم الأربعاء الخامس والعشرين من ذي القعدة الحرام «١» ، وقبل رؤيتي معالمها ازداد اضطرابي، وتضاعف خوفي ورعبي، وعيناي (١٧٦ ب) تهملان بالدموع، وفؤادي محترق بالولوع. ولما وقع نظري على معالمها نزلت عن الجمل ومشيت راجلا إلى أن دخلتها فتمثلت بقول القائل:
ولمّا رأينا رسم من لم يدع لنا ... فؤادا لعرفان الدّيار ولا لبّا
نزلنا عن الأكوار «٢» نمشي كرامة ... لمن بان عنه أن نلمّ به ركبا
وكيف التذاذي بالأصائل والضحى ... إذا لم يعد ذاك النسيم الذي هبّا
فيا شوق ما أبقى ويا لي من النوى ... ويا دمع ما أجرى ويا قلب ما اصبى
وحين دخلتها اغتسلت، وقصدت المسجد النبوي، (اتخلل الطرف) «٣» ، منكس الرأس، هامل العين، خائفا وجلا، فدخلت من باب سيدنا جبرائيل لأنه- ﷺ كان يدخل منه، فازداد خوفي وبكائي وتضاعف خجلي وحيائي خشية أني قصرت في إقامة شريعته وإحياء سننه، فلا سنة أحييتها ولا بدعة أمتها، لا نشرت أحكامه بين أمته، ولا أتعبت نفسي في تشييد ملته، وأكثر خوفي ورعبي أني إذا قلت: السلام عليك يا رسول الله، (١٧٧ أ) أخشى أن يكون جوابي منه: لا سلام عليك ولا حياك ولا بياك! فوقفت تجاه وجهه الشريف في غمرات الناس، وأنا خائف وجل، كأني سارق أطالب بحد، أو قاتل أقيد لقود، أو فاعل فعلة شنيعة، أو مرتكب جريرة قبيحة فظيعة، خافض الطرف، منكس الرأس، ذاهل عن جميع الحواس، ناظر إلى أسفل الجدار، ودموعي كالوبل المدرار، وأعضائي ترعد
стр. 302
فرقا مما رأيت من الجلالة والمهابة، فكدت أتمزق ذعرا، واعترتني الحيرة والدهشة حتى أني ذهلت عن نفسي، فلم أشعر أني في أرض أو سماء، فتلوت الزيارة المشهورة سرا، والعين يتحادر «١» دمعها قطرا. فبينما أنا في تلك الحالة الصعبة فإذا وارد الغيب يقول: يا مسكين! أتدري ما هذه الرائحة الزكية التي عطر الكون شذاها وأعبق الوجود رياها؟ يا مسكين، أتعرف هذه الأنوار التي أشرق بها الخافقان، وممن هذا الأنس الذي دونه فراديس الجنان؟ يا مسكين، أتدري عظم موقفك الذي وقفت فيه، أو شعرت «٢» - ولا أظنك- بظواهره وخوافيه؟. يا مسكين، هذا ستار حسرت دونه السماوات، وخفضت، بالإضافة إليه، جميع المقامات. (١٧٧ ب) يا مسكين، لو اشتري هذا المقام بالأرواح لكان المشتري رابحا أجل الأرباح، وهيهات يناله من بذل روحه في الوصول إليه، وكم من نفوس قطعت أسى وحزنا عليه، يا مسكين، أتدري ما أمامك، وجلالة ما قدامك، يا مسكين، تجاهك بقعة لا يعدل طيب ترابها المسك الزكي، ولا يداني شرفها السماوات والأرض، بل والعرش والكرسي! يا مسكين، هذا المقام تود أن تطوف فيه الأنبياء، وتتمنى أن تخدمه ملائكة السماء. يا مسكين، أتدري من حل هذه الروضة النضرة والبقعة الطيبة العطرة التي دونها الفراديس والنعيم، وتتقاعس دونها جنة الخلد والتكريم. يا مسكين هذا حبيب الله، هذا خليل الله، هذا صفي الله، هذا رحمة الله، هذا حجة الله، هذا صفوة الله، هذا نعمة الله، هذا خيرة الله، هذا اشرف خلق الله واكرمهم على الله، هذا سيد المرسلين، هذا خاتم النبيين، هذا رحمة للعالمين، هذا قائد الغر المحجلين، هذا نبي الأنبياء، هذا سند الأصفياء، هذا صاحب الحوض المورود، هذا صاحب المقام المحمود، هذا صاحب الشفاعة، (١٧٨ أ) هذا صاحب الضراعة، هذا شفيع الأنام، هنا المظلل من حر الهجير بالغمام، هذا البشير النذير، هذا السراج المنير، هذا هو العروة الوثقى، هذا ذو الرتبة التي لا ترقى، هذا نور الأنوار، هذا المصطفى المختار، هذا الفجر الساطع، هذا المشفع الشافع، هذا الذي لولاه لما برز العالم إلى
стр. 303
الوجود، هذا أكرم الناس من الآباء والجدود، هذا الذي تتشفع به الأنبياء الكرام، هذا صاحب الشفاعة العظمى إذا اشتد الزحام، هذا صاحب الوسيلة، هذا صاحب الفضيلة، هذا صاحب الدرجة الرفيعة، هذا صاحب الرتبة المنيعة، يا مسكين حسبك ما سردته وأنهيته إليك، وإلّا فلو صرفت الأعمار وفنيت الأعصار لما استقصي العشر من صفاته، ولا البعض من شمائله وكمالاته، ويلك يا مسكين! إن طردت وأبعدت فقد خسرت وخبت، فتبا لك تبا، وبعدا لك وسحقا وسبا. ما نالك يا مسكين من هذه الأسفار إلا تكلف المشاق، وركوب الأخطار، وخسرت تجارتك، وكسدت بضاعتك، فربحك الكد والتعب، ومحصولك المشقة والنصب «١٧٨ ب» ، وإن كنت مقبولا مرضيا فقد رقيت مقاما عليّا، فلك الهناء والسعادة، وبلوغ المنى والسيادة، وعلوت أوج المعالي، وزهرت أيامك والليالي، ورجعت بحظ وافر وسعد دائم ضافي. هذا ما أملاه وارد الغيب على خاطري، وانتقش في صحيفة سرائري، وعيناي بالدموع تهملان، وأنا باهت ذاهل حيران، أذهبت نسمات اللطف من حضرة العطف فسعد جدي بعد تعكيسه، ورفعت رأسي بعد تنكيسه، وقلت بلسان قؤول، وقلب عقول، وجنان قوي، ويقين سوي: يا رسول الله، صلى الله عليك وسلم، والله الذي أرسلك بالحق نبيا لتشفعن لي ولتشفعن بي يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، قد حدثني الثقات عنك إنك قلت: ربّ أشعث «١» (مدفوع بالأبواب) «٢» لو أقسم على الله لأبّره «٣» ، وها أنا ذلك الأشعث الأغبر، يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، قد بلغني عنك أنك قلت، وأنت الصادق المصدوق لا تنطق عن الهوى، وإنما أنت وحي يوحى: من زار قبري وجبت له شفاعتي «٤» . وها أنا قد زرت الكرم، وأنت أجل من يرعى
стр. 304
الذمم، يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، إني قرأت فيما أنزله الله عليك (١٧٩ أ) :
وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً
«١» فها أنا من ظلم نفسه وجاءك تائبا مستغفرا من ذنبه مستشفعا بك وأنت أجل شافع إلى ربه فلا بد أن تستشفع بمقتضى وعدك الصادق حيث قلت: من زار قبري، الحديث السابق، وقد علق الله توبته ورحمته على مجيئنا إليك واستغفارنا واستغفارك لنا، فها نحن قد جئنا واستغفرنا واستغفرت لنا، فقد وجد المعلق عليه فلا بد أن يقع المعلق، والله لا يخلف الميعاد يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، حاشاك أن تطرد من وقف ببابك ومرغ محياه بأعتابك واستجار بك من ذنوبه، ورجاك لدفع ملماته وخطوبه، وأنت ملاذ العاصين، ومعقل الخائفين، وملاذ المستصرخين، وكهف المستغيثين، وثمال «٢» السائلين، ورحمة للعالمين، أيضيق بي جاهك العريض أم يعجز قلبك، وأنت طبيب القلوب، عن داء هذا المريض، يا رسول الله صلى الله عليك وسلم إن آحاد الأعراب إذا التجأ بهم الخائف أمنوه، أو استنجد بهم الصريخ (١٧٩ ب) أغاثوه ونصروه، وأنت أجل الورى جاها وقدرا، وأعظمهم غيرة ومروءة وفخرا. يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، قد رويت عنك أن الله ﵎ قال لك: اشفع تشفع، وسل تعط، والله لا يخلف الميعاد، يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، إني أرجو أن صفات القيامة وأحوالها وعقباتها، ولا سيما الموقف والصراط والميزان، يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، مالي وسيلة من الأعمال أقدمها بين يدي إلا حبك، وقد بلغني عنك أنك قلت: المرء مع من أحب، يا رسول الله صلى الله عليك وسلم، قد هجرت لزيارتك الأهل والوطن والولد والسكن، وتحملت المشاق و (تجرعت غصص) «٣» الفراق، وقطعت الروابي والوهاد والأغوار والأنجاد من الأماكن الشاسعة
стр. 305
القاصية والأقطار البعيدة النائية، كل هذا لمحبتي فيك. أيليق وحاشاك أن تردني محروما مطرودا مأيوسا مبعودا، ثم أنشدت وأنا واقف:
حثثنا إليك العيس والأينق النجبا ... فأسرعن يطوين الحزونة والهضبا
قصدنا حماك الرّحب نستعذب السّرى ... وثفنا «١» إلى مغناك نستسهل الصّعبا
هجرنا الكرى كيما نرى طابة التي ... بسكناك طابت أو نلمّ بها ركبا
وإن نفحت من نحو حيّك نفحة ... تعطّرت من ذاك النّسيم الذي هبا
وعمرك إني نحو مغناك شائق ... وما زلت ذا وجد بكم مغرما صبا «٢»
ولو لاك ما سار الحجيج ولا سعى ... ولا طاف في البيت الحرام ولا [لبى]
(١٨٠ ب)
وإن لم تجدّ السّير غير كليلة ... وأنت لها قصد فتبّا لها [تبا]
فيا حجّة الله الكريم على الورى ... وخيرة من ساد الأعاجم والعربا
رجوناك والرّاجيك غير مخيّب ... بأن يقبل الرحمن من عبده توبا
إليك رسول الله وجّهت وجهتي ... وما خاف من يأوي إليك إذن خطبا
وليس لعبد الله غيرك ملجأ ... إذا خاف من هول الزحام ذوو القربى
نبيّ الهدى غوثا لمن جاء ضارعا ... لبابك ملهوفا قد اقترف الذّنبا
لقد قيدته عن مناه ذنوبه ... فضاق بها ذرعا وزاد بها كربا
أطاع هواه عامدا غير جاهل ... وجر ذيول اللهو في غيّه عجبا
(١٨١ أ)
تمادى على العصيان مذ زمن الصبا ... إلى أن غدا فوداه مشتعلا شيبا
ولم يكترث يوما بإيعاد آية ... ولا خاف تهديدا ولكن قسا قلبا
стр. 306
ينادي أبا الزهراء مالي موئل ... سواك ولا لي من ألوذ به ندبا
فجئت إليكم مستجيرا بظلكم ... وحاشاك أن تقصي الدخيل ولو كلبا
فكن لي شفيعا يوم لا ثم شافع ... بمغن عن الجاني إذا استيقن الرعبا
تعطف وجد وامنح شفاعتك التي ... تعم شيوخي والأقارب والصحبا
سلام من الرحمن ما هبت الصبا «١» ... وما حركت في سيرها الغصن والقصبا
وأثنى إلى روح الضجيعين رحمة ... تصب على قبريهما مزنها صبا
فزال عني ما كنت أجده من الرعب، وحصلت على الطمأنينة، وصرت معه- ﷺ صلى (١٨١ ب) الله عليك وسلم- أرجو شفاعتك فلان.
ولم يزل هذا دأبي إلى أن عددت خلقا كثيرا، وأكثر ما دعوت لرجلين وامرأة لأنهم كما بلغني من كتاب ولدي أحسنوا إلى عيالي ووفوا معي، وأردت أن أشكو إلى رسول الله- ﷺ رجلين اقرأتهما العلم وتعبت في تعليمهما بحيث كنت أحرص عليهما أكثر من أولادي، وأفرغ لهما النصيحة في قالب الرفق والشفقة حتى مهرا في غالب الفنون، فاتخذاني عدوا، ولم أسلم من لسانهما إلى أن أخذا يتكلمان بالزور والبهتان، وينسباني إلى أمور مفتراة، وسعيا في تنقيصي وإضراري، فامتعضت من ذلك وفوضت أمرهما إلى الله تعالى، عاملهما الله بما يليق بهما.
ومما من الله به عليّ أنه ثلج في صدري، وقر في قلبي أني ما أسأل رسول الله- ﷺ شيئا إلا أجابني ومنحني، وهو- ﷺ أكرم الخلق على الإطلاق، فلا بد أن يتفضل على هذا العبد الجاني الواقف ببابه، المتشبث بجنابه، ولم يزل شعاري، مدة مكثي في طابة، البكاء والنحيب، لكنه لا لخوف (١٨٢ أ) وإنما كان تأسفا على مفارقتي له- ﷺ ولهذا كان ديدني التمثل بما قاله سيدي
стр. 307
الشبلي «١» رحمه الله تعالى «٢» :
فردت لوعتي، وأمنت روعتي، ورجوت القبول وبلوغ المنى والسّول، إلا أن تخيل فراقي أضرم أشواقي، وأسال عبراتي وأجّج زفراتي.
وفيما منّ الله به عليّ زيارة ضجيعي رسول الله- ﷺ أبي بكر الصديق- ﵁ وعمر الفاروق- ﵁ وكلما زرتهما سألتهما الشفاعة لي عند رسول الله- ﷺ وأن يكونا لي واسطة ووسيلة عنده، ﵊.
ومما منّ الله به علي أني أقرئت أوائل صحيح البخاري في الروضة المطهرة، عند نبيه- ﷺ من غير قصد مني، وذلك أنه طلب مني الشيخ الشاب سليمان بن عبد الهادي العجلوني ابن أخي الشيخ إسماعيل العجلوني أن أجيزه بما يجوز لي وعنى روايته، فأجزته، فالتمس، ونحن جلوس وقت العشاء الأخيرة ليلة الجمعة السابعة (١٨٢ ب) والعشرين من ذي القعدة الحرام أن يقرأ أوائل الصحيح وأقرر له ما تيسر، ففعلت، والحمد لله على ذلك، ومما اتفق أن الشيخ إسماعيل العجلوني شارح البخاري التمس مني مرارا أن أحضر في درسه في البخاري في الروضة تلك الليلة المتقدمة، فحضرت، فشرع في القراءة بعد أن صليت العشاء الأخيرة، وقرأ حديث (إنّما الأعمال بالنيات) ، فأخذنا معه في المحاورات، ولم يزل يسألني وأجيبه، لكن الشيخ مع جلالته ارتج عليه، وسد عليه طريق التقرير بما يتعلق بالحديث المذكور، فأخذ يتكلم على الأمور الخارجية وأنا أمهد له طرق التقرير (الذي يقتضيه علمه) «٣» وإنما قرر أشياء تعتني بها صغار
стр. 308
الطلبة، كالكلام على البسملة وتقديم الرحمن على الرحيم وما أشبه ذلك، فلم أعرف أن الشيخ دهش، أو أن نيته غير سليمة.
ولما شاهد الدمشقيون أن شيخهم يشاورني ويستفهم مني في ذلك الدرس، عظمت في أعينهم، فمنذ ذلك شرعوا في توقيري وتعظيمي، واعتذروا مني حيث لم يوفوا بحقي من الإكرام في بلادهم، والحمد لله على ذلك. (١٨٣ أ) ومما وقع أني استجزته لي ولأولادي الصلبيين والقلبيين فأبى إلا أن أجيزه فأجاز كل منا الآخر، وأجاز أولادي صلبا وقلبا، وطلب مني أن أكتب لهم الإجازة فلم تتهيأ في المدينة المنورة.
واجتمعنا بالشيخ محمد حياة السندي، وطلبنا منه إسماع حديث الرحمة فأسمعنيه، وهو أول حديث سمعته منه، واستجزته لي ولأولادي المذكورين، فاجازنا، لكني ندمت على ذلك لأني كنت أسمع من بعض من حج مدحه والثناء عليه علما وعملا، فلما اجتمعت به رأيته رجلا يحب الدنيا كثيرا، يأكل بدينه ولا يسأل من أين أتاه المال، فلا يتورع في شيء ولو من مال المكس كما شاهدت ذلك. وله طريقة يصيد بها الدنيا فإنه يتزيا بزي الزاهدين ويلين الكلام، والحجاج يأتونه بالهدايا وأكثرها نقود، فيأخذ ولو من مال المكس، ويكرم الناس قدر ما يهدونه إليه، ويجلس في أخريات المسجد في مكان خال من الازدحام، حتى إنه يعرف ويهدى له، وله جماعة يثنون عليه ويقبلون يديه إذا رأوا أحدا عنده، ولهم حصة فيما يأخذه. والحاصل ما أعجبني طريقه، ولا سمته، عافانا الله من سوء الأخلاق «١٨٣ ب» ومن النفاق والرياء. وكذلك رأيت علماء مكة فإنهم يحبون الدنيا كثيرا ولا يبالون من أي كان، حتى الزمزمي والشيبي فلقد رأيتهم يقصدون زيارة أهل الثروة والغنى ولا يسألون عن عالم ولا صالح، وكذلك أكثر أهل دمشق الشام، عافانا الله من ذلك بفضله وإحسانه. وزرنا المشاهد «١» التي في البقيع: مشهد سيدنا عثمان، وسيدنا إبراهيم ابن النبي- ﷺ وعثمان ابن مظعون، وفاطمة الزهراء، وأزواج
стр. 309
النبي، وسيدنا الحسن، وجعفر الصادق، وزين العابدين، وعمات النبي- ﷺ ومرضعة النبي ﷺ .
وأقمنا في المدينة المنورة غير يومي الدخول والخروج: الخميس والجمعة، وخرجنا منها طلوع شمس يوم السبت الثامن والعشرين من ذي القعدة الحرام «١» . ولما ركبت المحمل بقيت متلفتا إلى قبة المصطفى- ﷺ باكيا محوقلا إلى أن غابت عن ناظري، وإذا وارد الغيب يقول: يا مسكين! هذا النبي- ﷺ اعتذرت منه، وقد وكل أمرك إلى الله تعالى فما اعتذارك عند عالم الخفيات والسرائر والنيات؟ كيف بك إذا قلت: لبيك، فقال لك: (١٨٤ أ) لا لبيك ولا سعديك! ولم يزل هذا الوارد في الإلحاح وأنا أبكي، وتكدر عيشي، وتضاعف خوفي، وكثر قلقي ورعبي، حتى كدت أتمزق، وتتفطر مرارتي، فأتاني بشير الإلهام، وقال: يا مسكين! هب أنك أتيت بقراب الأرض ذنوبا، أيضيق جاه رسول الله بك وقد وعدك بالشفاعة، وهو الصادق المصدوق، ووعده الله تعالى بقبول شفاعته كما قررت أولا، فما أعجل ما نسيت وما بالعهد من قدم، فسرى عني ما كنت أجده وطفيت لوعتي وقوي حسن ظني ورجائي، ثم أني ودعته بهذه الهمزية، وهي:
الوداع الوداع خير رسول ... وشفيع العصاة يوم الجزاء
الوداع الوداع يا صاحب الجا ... هـ العريض وسيد الشفعاء
الوداع الوداع يا رحمة عمت ... لأهل الأرض وأهل السماء
الوداع الوداع يا خيرة الله ... من المرسلين والأنبياء
الوداع الوداع يا حجة الله ... ويا صاحب الهدى واللواء
الوداع الوداع يا صفوة الله ... ويا ذا الشريعة الغراء
الوداع الوداع إن فؤادي ... يوم فارقت حيكم في عناء
стр. 310
«١٨٤ ب»
كيف أسلو ومهجتي باشتعال ... ودموعي شيبت بلون الدماء
ما وفى لي تصبري قط ... بل وفت زفرتي وفرط بكائي
ما أمر الفراق بعد تدان ... واحيلا التلاق بعد تناء
فنواحي يعيد تلك النواحي ... فاق نوح الحزينة الخنساء
هل يعود الزمان في جمع شمل ... وأرى العيش في ظلال الهناء
أو أر في عيني تلثم ترابا ... من مغان حوت جميل الثناء
أو أراني اشم «١» طيب ثراها ... وأقول يا بشراى هذا منائي
اسأل الله لا يكن ذا آخر الع ... هد ولي بالاله حسن رجائي
فعلى قبرك النيّر صلاة ... وسلام ما لاح نجم السماء
وعلى آله والصحاب جميعا ... ما أنار البدور حندس «٢» الظلماء
[ذو الحليفة]
وتليها ذو الحليفة، بضم الحاء فلام مفتوحة فياء ساكنة ففاء مفتوحة وآخر الحروف هاء تأنيث، تصغير حلفاء، وهو لبني جشم «٣» وتسميها الناس بآبار علي، ويزعمون أنه قاتل الجن فيها.
وأحرمنا معاشر الشافعية منها، ونويت الحج مفردا لأنه الأفضل عندنا، وأحرم معنا بعض الصالحين من الحنفية خروجا من الخلاف، وبتنا بها، وصادفنا برد شديد تلك «٤» الليلة ما عهدنا مثله، ومن فضل الله أني بقيت محرما إلى يوم النحر، وهو الثالث عشر من إحرامي، وبفضل الله ما نالني برد ولا ألم ولا سقم مع أن الوقت وسط الشتاء لأنه قد مضى من كانون
стр. 311
الأول تسعة عشر يوما، ومن عادتي قديما أني إذا نزعت عمامتي وكشفت رأسي أقل من ساعة تعتريني آلام وأسقام. ومن فضل الله أن خيمتي، وكذا في الطريق شق المحمل، محيطة بهما الناس لكثرة ما يسألوني «١» من أحكام الإحرام، حتى أهل الشام، مع كثرة الفقهاء في الركب، فحمدت الله على هذه النعمة الجليلة حيث إني كنت المشار إليه في تلك المسائل، حتى مفتي الشافعية في حلب كان يسألني عن جزئيات الإحرام والتمس مني (١٨٥ أ) أن أكتب له محظورات الإحرام ومنهياته وواجباته ومندوباته وكذا جميع ما يتعلق بالمناسك كالوقوف والطواف والسعي وغير ذلك، فاعتذرت بضيق الوقت، والتمس مني السيد يونس أن أكتب له جميع الأدعية المتعلقة بسفر الحج من الخروج إلى آخر الرجوع، فكتبت له رسالة صغيرة مشتملة على الأدعية المأثورة وغيرها. والحاصل كان غالب الحاج يسألني عن دقائق المحظورات والواجبات وغيرها، ومما وقع السؤال عنه أن الإنسان المحرم لو لبس ثيابا كثيرة فهل يلزمه دم واحد أم أكثر؟ (والجواب: يلزمه) «٢» دم واحد إذا اتحد المكان والزمان، سواء كان اللبس قطعة واحدة أم لا، ووقع أيضا السؤال عن اللابس المذكور إذا نزع بعض ثيابه ثم لبسها، هل يلزمه دم أم لا؟ والجواب: إذا كان المنزوع لم يستر شيئا لم يستره الأول فلا دم عليه وإلا فعليه دم، صرح بذلك الشيخ ابن حجر في حاشية الإيضاح، وحمل عبارة الإيضاح على ما ذكرنا. ومما وقع السؤال عنه أن المحرم لو نزع عمامته لمسح رأسه أو خفيه لانقضاء مدة المسح أو ثيابه هل يلزمه دم إذا لبس أم لا؟ (١٨٦ أ) وجوابه: لا يلزمه دم لأن الإكراه الشرعي كالحسي كما صرح الشيخ ابن حجر وذلك في الحاشية المذكورة، ومما وقع السؤال عنه: أن الإنسان المحرم لو آلمه رأسه من الكشف فهل يحرم عليه لبس جميع ثيابه أو يقتصر على ستر رأسه؟ وجوابه: يحرم عليه لبس الجميع لأن الضرورة تتقدر بقدرها، فلو لبس شيئا في غير الرأس لزمته الفدية والحرمة، وفي الرأس تلزمه الفدية ولا حرمة، وأكثر هذه المسائل أنكرها الفقهاء فأخرجت لهم عبارة الشيخ في الحاشية، وصار ذلك رخصة عم نفعها حتى إنّ المحرمين دعوا إلى كثيرا.
стр. 312
وذو الحليفة عن المدينة ستة أميال على ما قال النووي في الإيضاح، وثلاثة على ما قال ابن حجر في مختصره، و (هذا الخلاف) «١» مبني على مسافة الميل ما هي، والله تعالى أعلم.
[بين جبلين]
وتليها مرحلة بين جبلين، وهي ما بين الشهداء وبئر ذات العلم، وسألت عن الشهداء من هم: فقيل: هكذا نسمعهم يقولون، وهي قبور وسط الطريق الذي بين الجبلين، وأما بئر ذات العلم فهي عميقة جدا، والمسافة ثمانية عشر فرسخا ولا ماء.
[الجديدة]
ثم تليها مرحلة الجديدة تصغير جديدة، وهي (١٨٨ ب) قرية في حضيض الجبل «٢» ذات نخل كثير، وفيها تمر جيد يشبه تمر كربلاء المسمى بالمفتعل، وفيها البطيخ الأخضر، والفصل- كما علمت- كانون الأول، ومنها تجلب الحناء إلى المدينة، وفيها قبر سيدي الشيخ عبد الرحيم البرعي «٣» ، وعليه قبة، يزار ويتبرك بها، نفعنا الله تعالى به، آمين.
والمسافة ستة فراسخ، وفيها عين ماء عذبة.
[بدر]
وتليها مرحلة بدر، وبها كانت الغزوة المشهورة التي أعز الله الإسلام فيها، والمسافة اثنا عشر فرسخا.
[الحمراء]
ومررنا في طريقنا على الحمراء سميت بذلك لأن حجارة الجبل المطل حمراء «٤» .
[الصفراء]
وعلى الصفراء، وهي التي قتل فيها الإمام علي بن أبي طالب ﵁ دريد بن
стр. 313
الصمة بأمر من النبي- ﷺ في منصرفه من بدر»
، سميت بذلك لأن حجارة جبلها المطل عليها صفراء «٢» ، وعلى الخرما والعالية والفارعة، وهذه كلها متصلة، وفي كل منها نخل كثير، وبدر إما اسم العين، أو الجبل على الخلاف المشهور، وأهلها الآن شيعة.
وكان عادة الركب الارتحال منها ثلث الليل الأخير، فأخذ الطلق زوجة السيد طالب الرفاعي نسبا وطريقة، فالتمس من أمير (١٨٩ أ) الحاج أن يتمهل إلى طلوع الفجر، فأجابه لذلك، ففرج الله عنها قبل الفجر وأتت بذكر فسمي ببدر الدين، وهذه الامرأة من الأنصار من بني النجار. وهبت علينا وقت الارتحال ريح شديدة عاصفة باردة، فلبس أكثر المحرمين.
[القاع]
وبينهما مرحلة القاع، وهي عبارة عن بر أفيح واسع لا باب فيه والمسافة عشرة فراسخ.
[رابغ]
وتليها مرحلة رابغ بألف فباء موحدة مكسورة وآخر الحروف غين معجمة، وهو واد بين الحرمين قرب البحر، ويرى منه ماء البحر كما شاهدته، وفيه قرية صغيرة ذات نخيل «٣» ، وأكلنا فيها البطيخ الأخضر والفصل كانون الأول. ورابغ هذه هي الآن ميقات أهل الشام عند الحنفية سواء مروا على المدينة أم لا، بخلاف الشافعية فإنها ميقات للشامي إذا لم يمر بالمدينة وإلا فميقاته ذو الحليفة.
وليس رابغ هو الميقات الأصلي بل الميقات الأصلي الجحفة بضم الجيم، وهي قرية كانت
стр. 314
جامعة على اثنين وثمانين ميلا من مكة، وكانت تسمى مهيعة فنزل بها بنو عبيد وهم إخوة عاد، وكان أخرجهم العماليق من يثرب، فجاءهم سيل جحاف «١» فاحتّفّهم فسميت الجحفة (١٨٩ ب) ، انتهى كلام الفيروزآبادي «٢» . وخربت أيضا من الحمي، حتى قيل: إن الطير إذا مر عليها يحم فارتحل أهلها، وليست الحمى فيها أصلية وإنما كانت في المدينة أولا فخرجت منها بصورة جارية سوداء وسكنت الجحفة بسبب دعاء النبي ﷺ برفعها «٣» ، فسميت المدينة من حينئذ طابة على بعض الأقوال في وجه تسميتها، ولما كانت الجحفة خرابا اتخذوا رابغا ميقاتا لأنه محاذ لها، والمسافة أربعة وعشرون فرسخا، وصادفنا فيها وقت الصبح ريح باردة، ومن فضل الله ما ضرني.
[المستورة]
ومررنا في طريقنا، قبيل طلوع الشمس على قبة تسميها الجمالة المستورة «٤» يزعمون أن فيها قبر بنت عنترة بن شداد العبسي، والصحيح ما أخبرني بعض الثقات أنه قبر ولي من أولياء الله تعالى يقال له المهدلي.
[خليص]
وتليها مرحلة خليص، كزبير. وهو حصن بين قديد وعسفان «٥» فيه عين ماء «٦» وعليها
стр. 315
قبة كبيرة وبجنبها قبة أصغر منها فيها قبر المرحوم علي باشا ابن المقتول، كان أمير الحج في عصرنا، فمات هناك حين قفوله من مكة، ودفن وأخفي موته عن الأعراب الأشقياء.
[الأميال السبعة]
ومررنا في طريقنا على سبعة أميال مبنية بالحجر والجص، كل واحد (١٩٠ أ) قدر قامة ونصف [و] بين كل ميل مسافة ميل، بناها إسماعيل بك ابن عيواز أحد أمراء الحاج المصري، وذلك لأن تلك الأرض رملها كثير فيحصل من تراكمه تلال عظام فيتيه ركب الحاج فبناها لتكون علامة ونصبا على الطريق. ومررنا أيضا وقت السحر على عقبة على كل طرف منها علم، والعلمان متقابلان، تزعم الجمالة أن في أحدهما مكتوبا: خرا ابن خرا من يحج بمره وعلى الآخر: خرا ابن خرا من لم يحج بمره! والظاهر لا أصل لذلك.
[قديد]
ومررنا أيضا- وقد مضى نصف الليل- على قديد، وأنخنا بها نحو ساعة ونصف، والمسافة وأحد وعشرون فرسخا.
[عسفان]
وتليها مرحلة بين عسفان «١» ووادي فاطمة، نزلنا في بر أفيح لا ماء فيه. ومررنا على عسفان، وفيه ثغر وعرذ وجنادل كبار وشعوب من السيل ولذلك سمي الموضع بعسفان لعسف السيول، وفيه صلى النبي- ﷺ صلاة الخوف، والمسافة خمسة عشر فرسخا.
[مكة المكرمة]
وتليها مرحلة مكة المكرمة، دخلناها ضحى يوم الاثنين السابع من ذي الحجة الحرام «٢» ومنذ جاوزنا التنعيم وهو أدنى الحل، ومحل العمرة الآن، مشينا إليها حفاة من طريق كداء،
стр. 316
بفتح الكاف والمد، (١٩٠ ب) وبقيت بقية ذلك اليوم حافيا، وطفت طواف القدوم، ودخلت البيت من باب بني شيبة، فلما شاهدت البيت أخذتني دهشة وحيرة، حتى إني نسيت أن أرمل، وبعد الطواف أتيت الملتزم، وألصقت صدري به، وألححت بالدعاء لي ولأصولي وفروعي وحواشي ومحبي حتى إني دعوت لأناس كثيرة بخصوص أسمائهم، لكن خصصت من أحسن إلي بزيادة.
وأتيت المقام وصليت فيه ركعتي الطواف، ودعوت كالأول وتضلعت ماء زمزم، وسألت الله عدة أشياء، منها المغفرة ودفع عطش يوم القيامة، ومهما خطر ببالي من الناس أحد شربت من ماء زمزم لمغفرته وإصلاح حاله ولو كان عدوا، وكذا عند الملتزم ومقام سيدنا إبراهيم والحجر وعرفة والمشعر الحرام (والمدّعى، حتى) «١» أني أضع كوز ماء زمزم بين يدي وأتذكر الناس، وكل من خطر ببالي أخذت الكوز وشربت منه على نية مغفرة ولو كان عدوا أو حسودا سوى (رجلين فلم ادع لهما ولا عليهما، حتى ترجّاهما) «٢» السيد يونس الأدهمي في طواف الوداع، فدعوت الله أن يصلحهما، أكثر دعائي لرجلين وامرأة لأنهم أحنوا (١٩١ أ) بعدي على أهل بيتي، وأكثر الكل كان دعائي لتلك الامرأة فإني والله ما نسيتها من الدعاء كل وقت لأنها غمرتني بإحسانها، فإنها جهزتني من داري إلى مكة، فكلما كان عندي فهو من إحسانها، ودعوت لها، وكلما رأيت أثرا من إحسانها دعوت لها، حتى إني كلما صادفت صالحا أو عالما سألته الدعاء لها ولأولادها وزوجها وأقاربها، فو الله لكنت أدعو لأقاربها كرامة لها مع أنه لم يصلني من إحسانهم شيء ولا لي معرفة بهم، وأخذت لها من العلماء الأساطين، والصوفية السلاطين، دعائم الإسلام، ورحمة الأنام إجازات في جميع العلوم وطرق الصوفية، أحياها الله وولديها وزوجها ومن تحبه الحياة الطيبة الهنية، ورزقها وإياهم السعادة الأبدية السنية. ومما وقع لي في الحرم أن قلت: إلهي
стр. 317
وسيدي! قد قلت في كتابك- وأنت أصدق القائلين- إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ، فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
«١» فقد وتيت «٢» إلهي إلا من دخوله ولم تذكر متعلق الأمن، فدل ذلك بمقتضى بلاغة كلامك أنه (١٩١ ب) عام فيشمل الأمن من كل شيء، ومن أفراد الشيء الذنوب، فها أنا عبدك الجاني الآبق دخلت بيتك خائفا من ذنوبي مستجيرا بك من النار وإنك لا تخلف الميعاد، إلهي! أنت أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، مقيل العثرات، وكاشف البليات، سبقت رحمتك عذابك فحاشا لك أن تطرد من لازم بابك. إلهي حلمك جرّأني على معاصيك، وأوقعني في ذلك حسن الظن فيك، وقد بلغني عن رسولك المصطفى فيما يرويه عنك أنك قلت (أنا عند ظن عبدي بي) إلهي! هذا البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار، الهي لا تضرك معصيتي، ولا تنقصك إساءتي، فأسألك العفو عما لا يضرك ولا ينفعك، إلهي! أدنى عبد إذا استجير به أجار، فها أنا عبدك الآبق، أستجير بك من النار، وأنت الأكرم، وأنت الأرحم. إلهي! واسطتي إليك ووسيلتي حبيبك الأعظم، وخليلك المقرب المقدم الذي اصطفيته على جميع خلقك واخترته رحمة لعبادك، ورفعت ذكره، ونثرت فخره، وأقسمت بعمره عبدك ورسولك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب (١٩٢ أ) فأتوسّل به إليك أن تجيرني من عذابك وغضبك وعقابك. وأردت أن أنظم استغاثة أول كل بيت [فيها] إلهي، فلم يتهيأ ذلك.
ويوم الثلاثاء، الثامن من الشهر المذكور، رحلنا من مخيمنا وكان في وادي المنحنى «٣» ، بعيد الظهر، وسار الحجيج إلى عرفات، وبتنا فيها ليلة التاسع من الشهر، كما هو عادة الحجاج قديما وإن كان المشروع خلافه، ووقفنا بعيد ظهر عرفة على الصخرات التي وقف
стр. 318
عليها النبي ﷺ ، وشرعت بالدعاء مستقبل القبلة، واجتمع خلفي خلق كثير وجمع غفير، يؤمنون ويبكون بشهيق وعويل، وأنا أدعو جهرا، فلما رأى السيد طالب الرفاعي كثرة الخلق وازدحامهم عليّ أشار إلى بأن أختم الدعاء، ولو بقيت على تلك الحالة لما بقي مع الخطيب أحد لأني رأيت الناس ينثالون من كل فج وواد نحوي، والحمد لله تعالى. ودخلنا من عرفة بعيد مغرب ذلك اليوم، وبتنا مزدلفة، ولم يدعني الناس تلك الليلة أن أستريح من كثرة ما يلتقطون حصى الجمار ويعرضونه علي، وذلك أنهم سمعوا مني أنه لا يجوز الرمي بالمدر، فكل من لقط حصى عرضه عليّ، فأنقي له منه ما يجوز فيه الرمى (١٩٢ ب) وما يسن، حتى إن السيد طالب قال: والله إني لأعجب من حلمك وصبرك على الناس!. ورحلنا من الفجر، وأصبحنا بمنى، وبقينا فيها إلى ثاني أيام التشريق، ونفر الحاج النفر الأول بعد ظهر ذلك اليوم والحمد لله على أن تم حجنا من وقوف وطواف وسعي ورمي وغير ذلك. واعتمرت من التنعيم يوم الاثنين الرابع عشر من الشهر المذكور «١» ، وصليت ركعتي الإحرام في مسجد عائشة ﵂ واعتكفت مقدار ما صليت ودعوت لي ولأحبائي، واجتمعت بالحرم الشريف بسيدنا السيد الحسيب الشيخ عبد الله المزهر اليماني وسألته الدعاء، وهو رجل صالح معتقد أهل الحرمين. وزارنا مرارا صاحبنا العالم العامل المتفرد في الأقطار الحرمية السيد عمر ابن السيد السقاف باعلوي «٢» حفيد شيخ مشايخنا عبد الله بن سالم البصري «٣» .
وزارنا أيضا الشيخ سالم ابن الشيخ عبد الله المزبور، وهو رجل مقعد يحمل على أكتاف
стр. 319
الرجال. وكان منزلنا في الشبيكة «١» مع السيد يونس الأدهمي. وسمعت على السيد عمر المذكور أوائل الكتب الستة، وسألته الإجازة لي ولأولادي الصلبيين والقلبيين فأجازنا، وكتب لنا ما صورته: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول (١٩٣ أ) الله، وبعد، فقد سمع مني العالم العلامة، والفاضل الفهامة، ذو التحقيقات الدائمة والتدقيقات الفائقة، الأخ الأعز الأمجد، والأفضل الامثل الأوحد، الملا عبد الله السويدي- حفظه الله المعيد المبدي، سمع مني أوائل الكتب الستة التي هي دواوين الإسلام: صحيحي البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي المجتبى وابن ماجة، وقد أجزته بذلك وبجميع الكتب المذكورة وغيرها من كتب الحديث وغيره، كما هو مذكور في سند جدنا الآتي ذكره، وأن يجيز من شاء بذلك بشرطه المعتبر عند أهل الأثر، سائلا منه أن لا ينساني من دعواته في خلواته. وقد رويت ذلك عن جملة من الشيوخ، من أجلّهم شيخنا وأستاذنا وجدنا من طرف الأم، المرحوم المبرور شيخ المحققين، ورئيس المحدثين ببلد الله الأمين، بل وسائر بلاد المسلمين، مولانا الشيخ عبد الله بن سالم البصري، وهو يروي ذلك عن جملة من الشيوخ ذوي الأقدام الثابتة الرسوخ مذكورين في ثبته، وأجزته أيضا بالصلاة المشهورة التي هي مفتاح كل خير لمن واظب عليها، خصوصا بين المغرب والعشاء، (١٩٣ ب) الواصلة إلينا من طريق العلامة الشيخ عليّ الشبر املسي، وهي:
اللهم صلّ (على سيدنا محمد وآله كما لا نهاية لكمالك ويقرأ الأربعة السور) «٢» المذكورة، وهي اقْرَأْ
«٣» وإِنَّا أَنْزَلْناهُ
«٤» وإِذا زُلْزِلَتِ
«٥» ولِإِيلافِ قُرَيْشٍ
«٦»
стр. 320
بعد صلاة المغرب وبعد صلاة الصبح، وقد أجزت «١» بجميع ذلك كلا من عبد الرحمن ومحمد وإبراهيم وأحمد ورقية وسارة وصفية أبناء الملا عبد الله السويدي جعل الله تعالى (الجميع) «٢» قرة عين، ورزقه الله تعالى خيرهم وبرهم. وقد أجزت أيضا بجميع ذلك الشاب النجيب اللوذعي، الولد الأعز قرة العين، حسين الأكرم بن كتخدا محمد باشا «٣» ، ووالدته الخيرة «٤» الطاهرة والدرة الفاخرة، من لها في العلم أوفر نصيب، المصونة خديجة، بلغها الله تعالى وابنها حج بيت الله الحرام، وزيارة قبر الحبيب ﵊. قاله بفمه، فقير ربّه وأسير ذنبه، عمر بن أحمد بن عقيل السقاف باعلوي المدرس بالحرم الشريف، والمسجد المعظم المنيف، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. وخرج الحاج الشامي ظهر يوم (١٩٤ أ) الأحد العشرين من ذي الحجة «٥» ، وخيّم قرب الشيخ محمود ونيته [أن] «٦» يرحل [في] نصف الليلة الآتية، فأرسل يطلبني الشريف مسعود ابن الشريف سعيد «٧» والي مكة، فامتنعت من الذهاب إليه وقلت لرسوله: إن الحاج ذهب.
فقال: إن الشريف يريد الاجتماع بك هذه الليلة بعد العشاء وإلا فضحى ثاني يوم قلت: لا أستطيع ذلك والحاج يبعد عني، فقال: يرسلك الشريف مع ركب إلى عسفان فيما «٨» بعد،
следующие страницы →