Полный текст (353 стр.). Показаны 316–353 · переход к 321.
стр. 316
بفتح الكاف والمد، (١٩٠ ب) وبقيت بقية ذلك اليوم حافيا، وطفت طواف القدوم، ودخلت البيت من باب بني شيبة، فلما شاهدت البيت أخذتني دهشة وحيرة، حتى إني نسيت أن أرمل، وبعد الطواف أتيت الملتزم، وألصقت صدري به، وألححت بالدعاء لي ولأصولي وفروعي وحواشي ومحبي حتى إني دعوت لأناس كثيرة بخصوص أسمائهم، لكن خصصت من أحسن إلي بزيادة.
وأتيت المقام وصليت فيه ركعتي الطواف، ودعوت كالأول وتضلعت ماء زمزم، وسألت الله عدة أشياء، منها المغفرة ودفع عطش يوم القيامة، ومهما خطر ببالي من الناس أحد شربت من ماء زمزم لمغفرته وإصلاح حاله ولو كان عدوا، وكذا عند الملتزم ومقام سيدنا إبراهيم والحجر وعرفة والمشعر الحرام (والمدّعى، حتى) «١» أني أضع كوز ماء زمزم بين يدي وأتذكر الناس، وكل من خطر ببالي أخذت الكوز وشربت منه على نية مغفرة ولو كان عدوا أو حسودا سوى (رجلين فلم ادع لهما ولا عليهما، حتى ترجّاهما) «٢» السيد يونس الأدهمي في طواف الوداع، فدعوت الله أن يصلحهما، أكثر دعائي لرجلين وامرأة لأنهم أحنوا (١٩١ أ) بعدي على أهل بيتي، وأكثر الكل كان دعائي لتلك الامرأة فإني والله ما نسيتها من الدعاء كل وقت لأنها غمرتني بإحسانها، فإنها جهزتني من داري إلى مكة، فكلما كان عندي فهو من إحسانها، ودعوت لها، وكلما رأيت أثرا من إحسانها دعوت لها، حتى إني كلما صادفت صالحا أو عالما سألته الدعاء لها ولأولادها وزوجها وأقاربها، فو الله لكنت أدعو لأقاربها كرامة لها مع أنه لم يصلني من إحسانهم شيء ولا لي معرفة بهم، وأخذت لها من العلماء الأساطين، والصوفية السلاطين، دعائم الإسلام، ورحمة الأنام إجازات في جميع العلوم وطرق الصوفية، أحياها الله وولديها وزوجها ومن تحبه الحياة الطيبة الهنية، ورزقها وإياهم السعادة الأبدية السنية. ومما وقع لي في الحرم أن قلت: إلهي
стр. 317
وسيدي! قد قلت في كتابك- وأنت أصدق القائلين- إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ، فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
«١» فقد وتيت «٢» إلهي إلا من دخوله ولم تذكر متعلق الأمن، فدل ذلك بمقتضى بلاغة كلامك أنه (١٩١ ب) عام فيشمل الأمن من كل شيء، ومن أفراد الشيء الذنوب، فها أنا عبدك الجاني الآبق دخلت بيتك خائفا من ذنوبي مستجيرا بك من النار وإنك لا تخلف الميعاد، إلهي! أنت أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، مقيل العثرات، وكاشف البليات، سبقت رحمتك عذابك فحاشا لك أن تطرد من لازم بابك. إلهي حلمك جرّأني على معاصيك، وأوقعني في ذلك حسن الظن فيك، وقد بلغني عن رسولك المصطفى فيما يرويه عنك أنك قلت (أنا عند ظن عبدي بي) إلهي! هذا البيت بيتك، والحرم حرمك، والأمن أمنك، وهذا مقام العائذ بك من النار، الهي لا تضرك معصيتي، ولا تنقصك إساءتي، فأسألك العفو عما لا يضرك ولا ينفعك، إلهي! أدنى عبد إذا استجير به أجار، فها أنا عبدك الآبق، أستجير بك من النار، وأنت الأكرم، وأنت الأرحم. إلهي! واسطتي إليك ووسيلتي حبيبك الأعظم، وخليلك المقرب المقدم الذي اصطفيته على جميع خلقك واخترته رحمة لعبادك، ورفعت ذكره، ونثرت فخره، وأقسمت بعمره عبدك ورسولك محمد بن عبد الله بن عبد المطلب (١٩٢ أ) فأتوسّل به إليك أن تجيرني من عذابك وغضبك وعقابك. وأردت أن أنظم استغاثة أول كل بيت [فيها] إلهي، فلم يتهيأ ذلك.
ويوم الثلاثاء، الثامن من الشهر المذكور، رحلنا من مخيمنا وكان في وادي المنحنى «٣» ، بعيد الظهر، وسار الحجيج إلى عرفات، وبتنا فيها ليلة التاسع من الشهر، كما هو عادة الحجاج قديما وإن كان المشروع خلافه، ووقفنا بعيد ظهر عرفة على الصخرات التي وقف
стр. 318
عليها النبي ﷺ ، وشرعت بالدعاء مستقبل القبلة، واجتمع خلفي خلق كثير وجمع غفير، يؤمنون ويبكون بشهيق وعويل، وأنا أدعو جهرا، فلما رأى السيد طالب الرفاعي كثرة الخلق وازدحامهم عليّ أشار إلى بأن أختم الدعاء، ولو بقيت على تلك الحالة لما بقي مع الخطيب أحد لأني رأيت الناس ينثالون من كل فج وواد نحوي، والحمد لله تعالى. ودخلنا من عرفة بعيد مغرب ذلك اليوم، وبتنا مزدلفة، ولم يدعني الناس تلك الليلة أن أستريح من كثرة ما يلتقطون حصى الجمار ويعرضونه علي، وذلك أنهم سمعوا مني أنه لا يجوز الرمي بالمدر، فكل من لقط حصى عرضه عليّ، فأنقي له منه ما يجوز فيه الرمى (١٩٢ ب) وما يسن، حتى إن السيد طالب قال: والله إني لأعجب من حلمك وصبرك على الناس!. ورحلنا من الفجر، وأصبحنا بمنى، وبقينا فيها إلى ثاني أيام التشريق، ونفر الحاج النفر الأول بعد ظهر ذلك اليوم والحمد لله على أن تم حجنا من وقوف وطواف وسعي ورمي وغير ذلك. واعتمرت من التنعيم يوم الاثنين الرابع عشر من الشهر المذكور «١» ، وصليت ركعتي الإحرام في مسجد عائشة ﵂ واعتكفت مقدار ما صليت ودعوت لي ولأحبائي، واجتمعت بالحرم الشريف بسيدنا السيد الحسيب الشيخ عبد الله المزهر اليماني وسألته الدعاء، وهو رجل صالح معتقد أهل الحرمين. وزارنا مرارا صاحبنا العالم العامل المتفرد في الأقطار الحرمية السيد عمر ابن السيد السقاف باعلوي «٢» حفيد شيخ مشايخنا عبد الله بن سالم البصري «٣» .
وزارنا أيضا الشيخ سالم ابن الشيخ عبد الله المزبور، وهو رجل مقعد يحمل على أكتاف
стр. 319
الرجال. وكان منزلنا في الشبيكة «١» مع السيد يونس الأدهمي. وسمعت على السيد عمر المذكور أوائل الكتب الستة، وسألته الإجازة لي ولأولادي الصلبيين والقلبيين فأجازنا، وكتب لنا ما صورته: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول (١٩٣ أ) الله، وبعد، فقد سمع مني العالم العلامة، والفاضل الفهامة، ذو التحقيقات الدائمة والتدقيقات الفائقة، الأخ الأعز الأمجد، والأفضل الامثل الأوحد، الملا عبد الله السويدي- حفظه الله المعيد المبدي، سمع مني أوائل الكتب الستة التي هي دواوين الإسلام: صحيحي البخاري ومسلم، وسنن أبي داود والترمذي والنسائي المجتبى وابن ماجة، وقد أجزته بذلك وبجميع الكتب المذكورة وغيرها من كتب الحديث وغيره، كما هو مذكور في سند جدنا الآتي ذكره، وأن يجيز من شاء بذلك بشرطه المعتبر عند أهل الأثر، سائلا منه أن لا ينساني من دعواته في خلواته. وقد رويت ذلك عن جملة من الشيوخ، من أجلّهم شيخنا وأستاذنا وجدنا من طرف الأم، المرحوم المبرور شيخ المحققين، ورئيس المحدثين ببلد الله الأمين، بل وسائر بلاد المسلمين، مولانا الشيخ عبد الله بن سالم البصري، وهو يروي ذلك عن جملة من الشيوخ ذوي الأقدام الثابتة الرسوخ مذكورين في ثبته، وأجزته أيضا بالصلاة المشهورة التي هي مفتاح كل خير لمن واظب عليها، خصوصا بين المغرب والعشاء، (١٩٣ ب) الواصلة إلينا من طريق العلامة الشيخ عليّ الشبر املسي، وهي:
اللهم صلّ (على سيدنا محمد وآله كما لا نهاية لكمالك ويقرأ الأربعة السور) «٢» المذكورة، وهي اقْرَأْ
«٣» وإِنَّا أَنْزَلْناهُ
«٤» وإِذا زُلْزِلَتِ
«٥» ولِإِيلافِ قُرَيْشٍ
«٦»
стр. 320
بعد صلاة المغرب وبعد صلاة الصبح، وقد أجزت «١» بجميع ذلك كلا من عبد الرحمن ومحمد وإبراهيم وأحمد ورقية وسارة وصفية أبناء الملا عبد الله السويدي جعل الله تعالى (الجميع) «٢» قرة عين، ورزقه الله تعالى خيرهم وبرهم. وقد أجزت أيضا بجميع ذلك الشاب النجيب اللوذعي، الولد الأعز قرة العين، حسين الأكرم بن كتخدا محمد باشا «٣» ، ووالدته الخيرة «٤» الطاهرة والدرة الفاخرة، من لها في العلم أوفر نصيب، المصونة خديجة، بلغها الله تعالى وابنها حج بيت الله الحرام، وزيارة قبر الحبيب ﵊. قاله بفمه، فقير ربّه وأسير ذنبه، عمر بن أحمد بن عقيل السقاف باعلوي المدرس بالحرم الشريف، والمسجد المعظم المنيف، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. وخرج الحاج الشامي ظهر يوم (١٩٤ أ) الأحد العشرين من ذي الحجة «٥» ، وخيّم قرب الشيخ محمود ونيته [أن] «٦» يرحل [في] نصف الليلة الآتية، فأرسل يطلبني الشريف مسعود ابن الشريف سعيد «٧» والي مكة، فامتنعت من الذهاب إليه وقلت لرسوله: إن الحاج ذهب.
فقال: إن الشريف يريد الاجتماع بك هذه الليلة بعد العشاء وإلا فضحى ثاني يوم قلت: لا أستطيع ذلك والحاج يبعد عني، فقال: يرسلك الشريف مع ركب إلى عسفان فيما «٨» بعد،
стр. 321
فامتنعت واعتذرت بأني لا أستطيع التخلف، وكان السيد يونس الأدهمي حاضرا فقال:
امتثل أمر الشريف وأنا أبقى معك ولو إلى عشرة أيام، فأجبت. ولم يتهيأ الاجتماع معه تلك الليلة فبتنا في مكة إلى ضحى يوم الاثنين، فأرسل خلفي واجتمعت به وأكرمني غاية الإكرام، فرأيته رجلا عاقلا صالحا لا دعوى ولا أنانية، وهو حنفي المذهب متعصب على الشيعة. ثم إنه أمر خدامه ومن كان حاضرا بالانصراف وإخلاء المكان، فبقيت أنا وهو لا غير، فقال: ألك علم بقضية الخبيث السيد نصر الله الكربلائي؟ «١» فقلت: لا. قال: جاءنا هذا الرجل ومعه كتب من نادر شاه، واحد لي، وواحد لقاضي مكة، وواحد لمفتيها، وواحد لعلماء مكة، وواحد لشيخ (١٩٤ ب) الحرم المدني، مضمونها [أن] السيد نصر الله يصلي بالشيعة إماما في مقام إبراهيم. (ومذ دخل هذا السيد [وهو] يرغب ويرهب، فناديته وقلت له: ما) «٢» الذي جرأك على أن تأتي ديارنا وتدعو الناس إلى مبايعة شاه العجم؟
كأنك ظننت أن الشرفاء روافض وأنك إذا أرغبتهم مالوا إلى مقابلتك، والله الذي لا إله إلا هو لو جاء سلطان آل عثمان الذي أنا تحت طاعته وبيعته وقاتلني من الشبيكة فلا أطيعه في ذلك ولا أجيبه، وأقاتله إلى أن أقتل أو أفر إلى أحد أقطار ثلاثة [هي] قطر اليمن أو قطر
стр. 322
الهند أو قطر الحبشة، وما دمت هنا فلا أمكن أحدا من ذلك، كيف وهذا أمر من لدن سيدنا رسول الله- ﷺ ما صدر ولا جرى، أيجري في زماني؟ كلا والله لا يكون ذلك أبدا، فأما أن أقاتل حتى أقتل، وان لم اجد لي ناصرا أهاجر إلى أحد «١» الأقطار المذكورة، وللبيت رب يحميه، أو ظننت أن الشرفاء ملقون يحبون الدنيا فأردت أن ترغبهم بالأموال؟
والله لو جرى من نحو العجم نهر من الذهب لأمرت العرب أن تسده بالأحجار وقتل «٢» من يصل إلى الحجاز أيها (١٩٥ أ) الرجل، إنما كان طاعتنا لآل عثمان لكونهم غزاة مجاهدين، يمدون الحرمين ومذهبهم مذهبنا فلأجل هذه الأمور دخلنا تحت طاعتهم، فكيف أطيع العجم ولا سبق لأحد من أسلافي الإطاعة والانقياد لهم، فقل لي ما الذي جرأك وحملك على هذا وبأي وسيلة توسلت بها وأي مستند استندت إليه حتى تجرأت على ما ذكرت؟ فذكر لي أعذارا باردة واهية مفتراة محض كذب، فكذبته وأقمت الدليل على كذبه، ثم إني عرضت جميع أحواله على الدولة العثمانية، فجاء المرسوم الشريف بالقبض عليه وعلى المنلا حمزة الأفغاني وعلى ميرزا «٣» أبي الفضل، أما الملا حمزة فقد حج العام الأول وذهب ولم ينطق بشيء، وأما ميرزا أبو الفضل فقد تمرض في بعض قرى نجد وهو في هذه المدة محبوس عندي وحملته لأمير الحاج أسعد باشا، لأن في المرسوم أنه يحبس في قلعة دمشق.
ثم إن الشريف خلع علي خلعة فاخرة من الأصواف الأنقروية، وأنا أيضا كذبت نصر الله فيما اعتذر به، وقلت: يا ابن رسول الله! ورب هذا البيت إن هذا لكاذب فيما قال «٤»
وإنما مراده ذلك ليخلص نفسه. ثم إن الشريف اثنى على الوزير (١٩٥ ب) أحمد باشا ودعا له كثيرا، وكتب له كتابا أثنى به عليه، وقال: والله إني أحبه لما أسمع من مكارم أخلاقه
стр. 323
وجعله الله منصورا على أعدائه، ثم إنا وادعنا الشريف وطفنا طواف الوداع ولحقنا بالحاج في وادي فاطمة. وهذا السيد نصر الله أتى به إلى دمشق وحبس بالقلعة، ثم طلب من الدولة، فأرسله أسعد باشا ولم أدر ما يفعل به، عامله الله بما يليق به.
وقد طلب مني الشيخ سليمان ابن أخي الشيخ إسماعيل العجلوني كتابة صورة الإجازة له ولعمه، فكتبت لهما ذلك الليلة الثامنة عشرة من ذي الحجة في مكة المكرمة، وتكاسلت عن نقلها هنا لأني مللت من طول الأسفار وبعد الشقة.
وقد جاءني يوم عرفة بعرفة كتاب من الأكرم والأمجد كتخدا باشا محمد أرسله من مدينة السلام بغداد، وصورته: سلام لا تحصيه الأرقام، ولا تحويه ألسنة الأنام، سلام لا تضاهيه الحميا إذا أدار أكوابها جميل المحيا، سلام محفوف الأشواق الباهرة مزفوف بالوجوه المتكاثرة، وتحيات صافيات وتسليمات ضافيات تبلغ بلوغ الهدي الواجب (١٩٦ أ) إلى أهله، وترد ورود المفارق إلى أهله، إلى العالم الفاضل، والجهبذ الفاصل بين الحق والباطل، أحد العلماء الأعلام، وسند النحارير العظام
علامة العلماء، واللج الذي لا ينتهي، ولكل لج ساحل
وبعد، فلك السؤدد والافتخار بوفودك على هاتيك الديار، فتهنّ بزيارة قبر «١» ، ومجاورة سيد ساد الأنبياء بالتشريف القدسي:
فاق النبيين في خلق وفي خلق ... ولم يدانوه في علم ولا كرم «٢»
ولك البشارة أيضا بزيارتك بيتا عتقت عنده الرقاب من النار، ورؤيتك مقاما غلقت لدى بابه أموال الأخيار، والحمد لله على وصولكم بالسلامة بلا نصب ولا سآمة، وقد أتتنا منكم كتب عديدة وأسانيد مفيدة، فاسترينا غاية السرور، وحصل عندنا جملة الحبور، كيف وقد تضمنت من سلامتك ما يدهش الخاطر، ويؤنس الحاضر، والحمد لله نحن في
стр. 324
عافية غير عافية «١» ونعمة من الله صافية، نسألك الدعاء في تلك الأماكن، وتبليغ السلام إلى سيد القاطن، وأشرف الظاعن، مولانا الشفيع، (١٩٦ ب) ومحرزنا المنيع- ﵊، وعلى آله وصبحه الأعلام- إلى آخر كتابه.
وجاءني من بغداد، من ولدي القلبي حسين بك ابن كتخدا محمد باشا، وصورته:
والشوق أعظم أن يحيط بوصفه ... قلم وأن يطوى عليه كتاب
والله ما أنا منصف إن كان لي ... عيش يطيب وجيرتي غياب
كتابي هذا أطال الله بقاء سيدي الكبير، والفاضل النحرير، محرر أصول الدين، ومبين الفروع للمسلمين، الجامع بين المعقول والمنقول، والمؤلف بين الفروع والأصول، من اكتسب منه ابن مالك تلك الملكة العربية، وأقر له ابن عصفور على أن ليست له حوصلة على جمع أبرز الفنون الأدبية، الداعي ابن الأثير دونه في الأثر، والممارس الخبير فمسلم مسلّم له صحة الخبر، المعترف له ابن كثير «٢» بقلة الجمع، والفخر حينئذ قال لمعقوله:
ما أنت وأدلة الجمع؟ فصح لو رآه المتنبي لترك سفاسف قرآنه، وعدل عن مدعاه واعتد بشأنه، ولو رآه سحبان «٣» لسحب أذيال الخجل ومال عن دعواه الفصاحة وعدل. (١٩٧ أ) أما بعد، فالأشواق إليكم تتزايد، والزفرات مد الأوقات تتصاعد، على أن الشيء يذكر بمثله، والفضل لا يخشى عند ذكر فضله، وكلما رأيت المتسمين بالعلم وإن لم يكونوا قطرة في بحرك، ولو يأتوا بسبجة «٤» فضلا عن درة من درك هاجت أشجاني، وزادت أحزاني، نسأل الله أن يطوي شقة البين، ويكحل بأثمد الاجتماع منا العين، إنه بذلك قمين، وعليه
стр. 325
معين. وقد وردت علينا مكاتيبكم السديدة ورقاعكم المفيدة، فحصل لنا السرور، وزال عنا ما نلقاه إذ في المثل المشهور: الكتب ثلثا الملاقاة، فضممتها إلى صدري، وجعلتها أمانا من خطوب دهري، فكلما تشوقت نظرت منظومها ومنثورها، وإذا زاد بي الوجد تصفحت سطورها «١» إلى آخر كتابه، حفظه الله تعالى.
وجاءني من ولدي الصّلبي أبو الخير الشيخ عبد الرحمن كتاب صورته: أطال الله بقاء والدي الذي سطعت به أماكن الشام، وأمدنا بحياة سيدي الذي به عرف الحلال والحرام، ركن الأعلام، بل علم الأعلام، كل مجيد إليه استناده، (١٩٧ ب) ذي الذهن الوقاد، والفكر النقاد، صاحب الرأي الصائب، النجم الثاقب قطب تدور عليه رحى العلم، وقمر يستضيء به أولو الفهم، صاحب الفصاحة العربية وشمس الشريعة المضيئة، زين الدين، صاحب الخيرات، إمام المسلمين، سيدي أبي البركات، لا زال في نعمة تغبطه عليها الأقارب، رفعة يدرك بها الشهب الثواقب، أدامه الله لنا ظلا مد الزمان، وحفظه من بوائق الحدثان آمين. وبعد، فالمملوك يقبل أرضا ترافعت على السماك، وتقاعست دونها الأفلاك، أرضا تؤمها الأفاضل، ويحل بسوحها كل ماجد وفاضل، أرضا تساق إليها يعملات الرجاء، وتناخ بها مطي من قصد وجاء، نسأل الله بحرمة مولانا أن يرزقنا رؤيتها عيانا آمين. ثم المملوك يبث شوقا شق الأحشاء، وتمزقت لبرحائه الأمعاء شوقا أنشدنا: قفا نبك من ذكرى حبيب. وبه جرى دمعنا الغزير الصبيب شوقا لم نزل نتلظى بنيرانه، حيث لم نعدم تراكم أشجانه شوقا عم الأهل والولد، فأعدم من الكل القوى والجلد، وأضنى من الجميع الجسد، ولا سيما الفقير العاني، (١٩٨ أ) الذي أضحى لهذه الخطوب يعاني، والله شاهد على ما في القلوب وما هو مسطور مكتوب.. إلى آخر كتابه فإنه طويل اختصرته لما فيه من الملل.
وكتبت من مكة كتابا للأكرام الأمجد كتخدا باشا محمد، وكتابا لأهلي، تركت كتابتهما هنا من الملل الذي اعتراني من الغربة والكربة.
стр. 326
ورجعنا على تلك المراحل عودا على بدء، ودخلنا المدينة المنورة ضحى يوم الجمعة الثاني من محرم الحرام عام ثمانية وخمسين ومائة «١» وألف فجددنا العهود بالنبي ﷺ ، وأقمنا بها غير يومي الدخول يومين، فوادعنا المصطفى وفي القلوب زفرات ولوعات، وللعيون انسجام وعبرات. وخرجنا ضحى يوم الاثنين الخامس من الشهر المذكور.
ومما دفع الله عنا بفضله أن عيدا شيخ بني حرب السابق جمع لقتالنا جميع عشيرة حرب وحلفائها، ووقف في بدر ينتظرنا، وذلك أنه يطلب أن يكون شيخا على العشيرة منذ ثلاث سنوات، وكل سنة يوعده «٢» أمير الحج ويخلف لعدم رضا شريف مكة على عيد، ولا يريد المشيخة إلا لمنصور، وهذا منصور أكثر العرب لا تطيعه ولا تهابه. فقبل وصولنا إلى بدر حصلت بين عيد وهزاع أحد مفسدي حرب منافرة (١٩٨ ب) ومشاجرة فأمال الأعراب عنه إلى منصور وبقي عيد وحده فهرب إلى الفرع وسلمنا الله (من كيده وكفى الله المؤمنين شر القتال) «٣» .
[الفحلتين]
ولما وصلنا إلى مرحلة الفحلتين جاء الخبر إلى أمير الحاج بأن عشيرة بني صخر والشارة وغيرهم حاصروا الجردة في تبوك ومنعوها من المسير، فحصل غمّ عظيم واضطراب، وتيقنوا الهلاك، واضطربت الآراء والأفكار، فسلموا أمرهم إلى الله وفوضوه إليه إلى أن جئنا إلى بيار الغنم، فجاء البشير بأن الجردة صباح غد توافي الحاج في العلى، فحصل السرور والأفراح، وزالت الهموم والأتراح، وسبب خلاص الجردة أن أولئك الأشقياء حاصروها عشرة أيام، فدفع أمير الجردة الوزير كوسي علي باشا والي صيدا دراهم كثيرة ليخلوا لهم الطريق، فلم يقبلوا، فنفد زادهم وقلت ذخيرتهم، فطلبوا من الأمير ما دفعه أولا فلم يقبل، وتفرقوا.
стр. 327
[العلى]
وسار أمير الجردة إلى أن وافانا في العلي، وعادة أهل الشام يرسلون مع الجردة هدايا لأصدقائهم وأهاليهم، فأهدى لنا- ممن جاءت له هدية- الشيخ إسماعيل العجلوني علبتي حلوى سكرية، وأهدى لنا (١٩٩ أ) الشيخ سليمان شيخ المحيا ثلاث علب من الحلوى السكرية، وأهدى السيد إبراهيم علبتي حلوى، وأهدى لنا السيد علي مراد زاده علبتين، وأهدى لنا الشاب الجميل السيد عيسى علبة، وكلها في مرحلة تبوك إلا علبتي السيد إبراهيم فإنها كانت بعنزه.
[دمشق]
ودخلنا دمشق الشام ضحى يوم الثلاثاء الخامس من صفر الخير «١» ، واستأجرنا دارا في آخر سوق العطارين، ومعي في البيت عديلي في المحمل الحاج يوسف مولى نعسان الحلبي. وكان صاحبنا السيد يونس ذكر، من غير علمي، لحضرة الباشا أمير الحاج أن الشيخ عبد الله كثيرا ما يثني عليكم ولا سيما من جهة محافظتكم لركب الحج، وأنه نوى أن ينظم قصيدة يثني عليكم بها. فجاءني السيد يونس وقال: جرت بيني وبين الباشا مذاكرتكم، وذكرت عنك كيت وكيت، فينبغي أن تنظم قصيدة وتمدح بها الباشا لئلا أكون كاذبا عنده، فقلت: وما الذي حملك على ذلك ونحن على إثر طاعة الله تعالى ولا يحسن منا مدح الولاة لأن غالبه كذب أو مبالغة، فقال: هكذا الأمر! وقع. ولي في ذلك غرض فالتزمت بذلك، وذكرت ما وقع في طريق الحج. والقصيدة هذه وفيها تاريخ، وقد حذفت بعضا منها لأمر ما «٢» .
تسامت بنو العظم العظام إلى العلى «٣» ... فأحكمت ما شادوا وما كان شيدوا
وقد ظن قوم أن عسر مسيرهم «٤» ... إلى الحج بعد الماجدين مؤبد
стр. 328
فذلك إسماعيل والدك الذي ... بأعلي فراديس الجنان مخلد
وعمك ذو الحسنى سليمان عصره ... نما فيه تدبير ورأي مسدد
وما علم الأقوام أنك فذهم ... رفيع المعالي بالسعود مؤيد
فسيرت ركب الحج غير مروع ... وأنت له الحصن الحصين المشيد
سلكت بنا أصل الطريقين جانحا ... عن الفرع يحمينا الحسام المهند
وكنا كأنا والمشبه صادق ... على فرش الأوطان في الأمن نرقد
«١٩٩ ب»
وأرغمت أنف البدو والكل صاغر «١» ... إذا سمعوا ذكراك بالذعر ترعد
وقد جنحت للسلم حرب وأذعنت ... ولانت بنو صخر وبان التجلد
وأرهبهم منك الوعيد وعيدهم ... وبال عليهم وهو ذو النحس أنكد
وما كان منصورا على فرط ضعفه ... بغيرك منصورا يرجى ويقصد
وقيدت بالأغلال منهم رهائنا ... وما علمت حرب بقيد تقيد
وألبست جلباب الصغار عنيزة ... فصارت كعنز وهي جرباء تبرد
وجردت سيف العزم تنصر جردة ... على أجرد كالبرق لا يتبلد
وواصلت ما بين النهار وليله ... وخالفت ما قال الجبان المفنّد
وسرت بنا حتى بلغت إلى العلى ... أتاك بشير بالسلامة يشهد
«٢٠٠ أ»
(وأطفأت في عام مضى نار فتية ... بطيبة قد شبّت وزاد التوقد
فجئت «٢» إليها وهي محصورة وقد ... عتا في نواحيها البغاة وأفسدوا) «٣»
стр. 329
بلاد رسول الله صنت حريمها ... فطاب لها بعد المرارة مورد
وقامت بها الأفراح من كل جانب ... ومن لذة الفتح اعتراها تأود
لك المفخر الأعلى على كل فاخر ... وعند رسول الله صارت لكم يد
يباهى «١» بك القطر الحجازي إيليا «٢» ... فأين إذا شام ومصر وثهمد
فذي طاعة ترضي الإله لأجلها ... ملائكة الرحمن للشكر تسجد
وترتاح في كل التواريخ مكّة ... وحجك مبرور وإنك أسعد
سنة ١١٥٧ «٣»
(٢٠١ أ) وبقي بعض الأبيات تركتها لأمر ما. وحرب وبنو صخر وعنزة أعراب في طريق الحاج، وعيد شيخ حرب السابق ومنصور شيخها الآن، وقد كان منذ سنين يذهب ركب الحج من طريق الفرع، وهو طريق وعر صعب، ماؤه قليل ومسافته بعيدة، ويحصل في سلوكه للحجاج مشقة عظيمة، وذلك لأن الأعراب الأشقياء قطعوا الطريق الأصلي المسمى بالطريق السلطاني، فيخشى أمير الحج إن ذهب منه ينتهب الحجاج لكثرة ما فيه من الأشقياء، فبالضرورة يذهب من طريق الفرع.
وأما الركب في هذا العام قد ذهب من الطريق السلطاني وهو طريق سهل فيه قرى كثيرة كبدر والصفراء والحمراء وغيرها، وماؤه كثير، وفيه القلاع المهيأة لذخيرة الحاج وحراسة الماء.
وكان مراد الأمير أن يذهب من طريق الفرع فأشار إليه شيوخ حرب بالسلوك من
стр. 330
[الطريق] «١» السلطاني، فقال: لا آمنكم على الركب، فاتفقوا أن تجعلوا منه أناسا رهائن في المدينة المنصورة، فإن ذهب الحاج سالما أطلقهم، وإلا قتلهم، فذهب (٢٠١ ب) الركب آمنا سالما والحمد لله على ذلك.
ولما دخلنا الشام أحب أسعد باشا أن يسمع القصيدة من لفظي، فقرأتها عليه، وألبسني خلعة وأمدني بدراهم هي بالنسبة إليه قليلة، وكتب القصيدة أهل دمشق وغيرهم. ودعانا ليلة دخولنا «٢» صاحبنا الحاج مصطفى بكداش، ودعانا صاحبنا الحاج أفندي اليوسفي، ودعانا الشيخ المحقق عبد الرحمن الصناديقي، ودعانا صاحبنا عالم الأقطار الشامية الشيخ الكبير إسماعيل «٣» شارح البخاري، وأمر ولدي أخويه الشيخ موسى بن عبد الهادي والشيخ أحمد بن يحيى أن يستجيزا مني فأجزتهما. وأضافنا العالم الفاضل السيد سعيد بن السيد محمد في المدرسة الأشرفية المسماة بدار الحديث «٤» التي كان النووي يدرس بها ثم درس ابن السبكي، وأول ما جلس أنشد:
لمدرسة الحديث لطيف معنى ... أطوف في جوانبها وآوي
لعلّي إن أنال بحر وجهي ... مكانا مسّه قدم النواوي
وبعضهم نقله إلى غار حراء فقال:
لغار حراء لطف ومعنى ... تحنّ إلى هوائه عظامي
(٢٠٢ أ)
لعلّي أن أنال بحر وجهي ... مكانا مسّه قدم التهامي
стр. 331
والآن هذه المدرسة مسكن يسكنها الناس، لا علم فيها ولا قراءة، وكم مثلها مدارس صارت مساكن، واللواتي بقيت على حالها لا تدريس ولا قراءة ولا مذاكرة بل مجرّد الاسم.
وقد أضافنا السيدان الجليلان الشيخ سليمان وأخوه الشيخ عبد الوهاب ولدا السيد شيخ الأحياء في المحيّا، وبتنا تلك الليلة عندهما- جزاهما الله عني خيرا- واستجازا مني الحديث وغيره فأجزتهما، وطلب كتابة الإجازة في ورقات فلم يتهيأ لما بي من الملل، وعسى أن يكون خيرا، وطلب مني الإجازة السيد أحمد بن نقطة فأجزته، وكتبت له صورة الإجازة في ورقات، وتركت كتابتها هنا للملل. واستجاز مني الشاب الصالح، والزند القادح، ذو الحسن الباهر والمحيا الزاهر، المنلا علي كرجي الأصل، فكتبت له ما صورته:
الحمد لله الذي خص أهل الحديث بنضارة الوجوه وطول الأعمار، وجعل السند من خصائص هذه الأمة فزادت فضلا على المقدار، والصلاة والسلام على المشهور فضله، المتواتر المرفوع قدره، المسند فخره سيدنا محمد المرسل من أشرف الجراثيم، وعلى آله وصحبه ومحدثي سائر الإقليم، طلب الشاب الصالح الناسك الناجح المجد في طلب العلوم، من منثور ومظلوم، المنلا علي أن أجيزه بما لي من الرواية، وما عندي من الدراية، علما منه انه لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، وأن السند، كما اشتهر عند الأفاضل، كالسيف القاتل، وأن شيوخ الإنسان آباؤه في الدين، وأن السند وصلة بينه وبين سيد المرسلين، فأجزت المنوه بذكره بما يجوز لي وعني روايته مما سمعته أو قرأته. واستجزته عن مشايخي العظام، وأساتذتي الفخام، وكتبت له البخاري ومسلم والفقه الحنفي، وللمثال مثال نعل المصطفى ﷺ ، لكني تركت كتابة ذلك لما تقدم. وأجزت الشيخ عبد القادر الدمشقي دلائل الخيرات.
وممن دعانا إلى بيته الشيخ الصالح الشيخ محمد ابن الشيخ إبراهيم ابن شيخ شيخنا عبد الله العمري العجلوني. وممن دعانا إلى بيته السيد الحسيب النسيب السيد إبراهيم، دعانا مرتين وأهدى لنا بطريق الحج علبتين (٢٠٣ أ) هذا والمنلا علي المذكور آنفا صارت له
стр. 332
معي علاقة تامة وخدمني كثيرا، وبت عنده ليالي، ولما أحس بسفري أخذته الدهشة والحيرة والبكاء، جعله الله سعيدا ووفقه لما يحبه ويرضاه آمين، فهو أوفى من الشيخ أبي الحسن العجلوني المذكور سابقا.
وأضافنا في بيته الشيخ العالم النحرير الحبر البحر الغزير، الشيخ الجنيني، وهو أفقه الحنفية في دمشق، وبتنا في بيته، وأعزنا كثيرا، وانبسطنا وانشرحنا- جزاه الله خيرا- وأجزت ولديه النجيبين الشيخ عبد العزيز والشيخ سليمان ووعدتهما بكتابة صورة لإجازة، هذا وقد حصل لي إكرام كثير وتوقير عظيم في دمشق حتى ليشار إليّ بالبنان، وأسمع بعضهم يحدث الآخر، يقول: هذا أعلم علماء الدنيا! فتأنست بهم وطاب لي المقام، ومن عادتهم حسن الظن، ومهما تكلم الإنسان أو أدعى «١» فضلا أو كرامة صدقوه ولا يعرفون الإنكار ولا يخطر في بالهم، فغالب من يؤلمه رأسه أو عضو من أعضائه يقول: يا شيخ كبسني، أي ضع يدك على المحل المؤلم.
وقد انفردت دمشق الشام بأشياء، منها الجامع الأموي، ومنه (٢٠٣ ب) كثرة المياه، ومنها كثرة البساتين، ومنها كثرة الملاح [ف] ألوانهم صافية، ووجوههم حسنة، وطباعهم لينة، وقلوبهم صافية، يمدحون علماءهم ويوقرونهم، وقد تمنى كثير من طلبة العلم بقائي، وأكثروا التأسف علي لما رأوا من تقريري وحلي لما أشكل عليهم، يقولون: يا ليت تبقى هنا ولو شهرا حتى نستفيد. وهذه هي الطبقة الوسطى التي ذكرتها أولا، كثر الله في المسلمين أمثالهم.
وقد صار لهذا الفقير شهرة في دمشق الشام عند الصغير والكبير، والعالم والجاهل، أكثر من شهرتي في بلادي، يعتقدون أني أعلم علمائهم وأصلح صلحائهم، وهذا من حسن ظنهم، وإلا فلست بذاك «٢» .
стр. 333
ولما خرجت من دمشق صعب علي مفارقتها، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت لاتخذتها دار سكناي:
ولست براجع ما فات مني ... بليت ولا لعلّ ولا لو انّي
حسبي الله ونعم الوكيل، كان ذلك في الكتاب مسطورا، وغالب ما يقع عندهم من المسائل من علم النحو، فممّا وقع السؤال عنه قول الشاعر:
(٢٠٤ أ)
قد سالم الحيّات منه القدما ... (فالأفعوان والشجاع) «١» الشجعا انسجما
وصورة السؤال: أنه روي بنصب
الحيات فأين فاعل سالم، وروي برفعها، فأفعوان كيف يصح أن يبدل من الحيات المرفوع المنصوب، وجوابه: أما على رواية النصب فالفاعل القدما إذ أصله القدمان حذفت نونه للضرورة، وأما على لغة من ينصب الفاعل المفعول، ذكر ذلك ابن هشام في مغنيه وغيره، وأما على رواية الرفع فالأفعوان يدل على الحيات باعتبار أنه مفعول لأنه «٢» فاعل يقتضي اسمين، أحدهما فاعل صريح معقول ضمنا، وثانيهما مفعول صريح فاعل ضمنا، فالحيات وإن كان فاعلا صريحا فهو مفعول ضمنا، فالأفعوان بدل منه على هذا الاعتبار الضمني.
ومما وقع منه قول الشاعر:
أكلت ديكا وديكا ... وليس لي غير ديك
والجواب: إن وديكا الثاني صفة ديكا «٣» الأول، بمعنى سمينا. قالوا: أصلية من الكلمة لا عاطفة.
ومما وقع السؤال عنه قولهم: أكل زيد ضرب عمرو، والضرب هو (٢٠٤ ب) العسل
стр. 334
الأبيض الغليظ، والمعنى أكل زيد عسل عمرو.
ومما وقع السؤال عنه: زيد كريم بالجر، وجوابه: إن الكاف للتشبيه [وهي] ليست من أصل الكلمة، والريم هو الغزال الذي فيه بياض.
ومما وقع السؤال عنه: إن ابن مالك قال: واسم وفعل ثم حرف الكلم فيقتضي أن الكلم عبارة عن هذه الثلاثة، وهو مناف لقول شراح الألفية: عبارة عن تركب من ثلاث كلمات سواء كان من نوع واحد أو نوعين أو ثلاثة، فكيف التوفيق؟
وجوابه: إن الكلم له إطلاقان «١» أحدهما بمعنى الكلمات التي يتركب منها الكلام، وهو مراد ابن مالك، وثانيهما ما ذكره الشراح فلا ينافي.
ومما وقع السؤال عنه غلام زيد، فليس بكلمة لكونه كلمتين، ولا كلام لعدم الفائدة، ولا كلم لعدم الثلاث، فيقتضي أن يكون واسطة، وابن مالك لا يقول بها فما الجواب على مذهبه؟ الجواب: أنه كلم لأن المضاف إليه عنده مجرور بالحرف المقدر، فأصله غلام لزيد.
ومما وقع السؤال عنه أن ابن هشام حد الكلمة بالقول المفرد، فالكلمة لغة ما هي؟
والجواب: هي اللفظ المفرد، واللفظ يشمل المهمل والمستعمل بخلاف القول (٢٠٥ أ) فانه مختص بالثاني، فالمعنى اللغوي أعم مطلقا من الاصطلاحي.
(ومما وقع السؤال عنه عباره ابن هشام في متن القطر، عند كلامه على علامات الاسم، حيث قال: ويعرف بالحديث عنه، وصورة السؤال أن الضمير منه راجع إلى الاسم) «٢» ، فيؤول الكلام إلى أن الاسم يعرف بالحديث عن الاسم، وفيه دور ظاهر، وجوابه: أن الضمير المجرور عائد على الاسم بمعنى الكلمة أو اللفظ فلا إشكال.
стр. 335
ومما وقع السؤال عنه قول الشاعر
إن عليّ والله أن نبايعا ... (تؤخذ كرها أو تجيىء طائعا) «١»
وصورة السؤال: أن نصب الاسم الكريم على ماذا، وما محل أن تبايعا، والجواب: نصب الاسم الكريم بنزع الخافض وهو حرف القسم وإن تبايعا في مصدر منصوب على أنه اسم أنّ وخبرها الجار والمجرور المتقدم، والتقدير إن علي والله مبايعتك.
ومما وقع السؤال عنه ما تشابه من بعض الحكايات، وهي أن بعض العلماء وكان من عادته أن أحدا إذا طلب منه الإجازة يقول: إن عرفت ما وزن الإجازة وما إعلالها أجزتك والا فلا، والسؤال: فما وزن إجازة؟ والجواب إنما له «٢» إذا أصل إجازة (٢٠٥ ب) إجوازا من باب الأفعال، نقلت حركة الواو إلى جيم قبلها قلبت ألفا لتحركها في الأصل وانفتاح ما قبلها فالتقى ساكنان، فحذفت عين الفعل لأنها بعض كلمة ولا تدل على معنى بخلاف ألف الأفعال فإنها كلمة تدل معنى، وحذف البعض غير الدال أولى من حذف الكل الدال، ثم أتى بالتاء عوضا عن العين، وقد تقرر في كتب الصرف أنه إذا حذف في الموزون شيىء حذف من الميزان ما يقابله في الميزان.
ومما وقع السؤال عنه إنهم قالوا: إذا كانت التاء والفاء في جمع المؤنث السالم زائدتين جر بالكسرة نيابة عن الفتحة، وإذا كانت التاء أصلية جر بالفتحة على الأصل، ومثلوا ذلك بأبيات، ولما ورد عليهم بنات، إذ هو جمع بنت، فالتاء موجودة في المفرد مع أنهم نصبوا جمعه بالكسرة، أجابوا بأن التاء التي في المفرد حذفت وهذه التي في الجمع الذي هو بنات أتي بها للدلالة على الجمعية، فلم لم يقولوا في بيت وأبيات مثل ما قالوه في بنت وبنات، والجواب أن تاء بيت أصلية من نفس الكلام فلا يحسن (٢٠٦ أ) حذفها بخلاف تاء بنت زائدة للتأنيث، وللعوض عن فاء الكلمة.
стр. 336
ومما وقع السؤال عنه قول الشيخ خالد في الأزهرية، حيث فرق بين اللفظ بمعنى الملفوظ، والخلق بمعنى المخلوق، بأن الأول حقيقة عرفية، والثاني مجاز لغوي، وصورة السؤال: ما علاقة هذا المجاز؟ والجواب: التعلق.
وما وقع السؤال عنه إعراب قوله تعالى ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ
«١» ، وإن بنعمة بم يتعلق، والجواب يتعلق بما لما فيها من الفعل، والمعنى لتنفي بنعمة ربك عنك الجنون.
ومما وقع السؤال عنه قول الشاعر:
دنا نيرنا من قرن ثور ولم تكن ... من الذهب المضروب عند القساطل
فما إعرابه وما معناه؟ فالجواب: دنا فعل ماض، بمعنى قرب، ونيرنا فاعل، والنير ما يوضع على رقبة الثور عند الحرث، والمعني قرب نيرنا من قرن الثور.
[حلب]
وخرجنا من دمشق يوم السبت الثاني والعشرين من صفر الخير «٢» ، ودخلنا حلب ضحى يوم الثلاثاء الخامس من شهر ربيع الأول «٣» ، ونزلنا أول قدومنا عند أولاد الحاج نعسان، فأكرمونا كثيرا وبتنا عندهم تلك الليلة. ثم نزلنا في المدرسة الحلوائية «٤» (٢٠٦ ب) في الحجرة التي عن يمين الداخل للصحن يقال إنه نزل في تلك الحجرة محيي الدين ابن العربي الصوفي، والكمال ابن العديم، وملا جامي. وفرش الحجرة مع الوسائد واللحاف من سيدنا السيد محمد الطرابلسي، جزاه الله عني خيرا، وأضافني في بيته يوم أن جلست في الحجرة. وأما بيتي وعشائي كل ليلة فهو عند الأكرم الأمجد النجيب السعيد علي أغا
стр. 337
عجيمي زاده، منحه الله الخير والسعادة، فقد ألح علي أن أكون ضيفه مدة إقامتي في حلب، ومع ذلك تشفع بالسيد محمد الطرابلسي بأن أكون كل ليلة عنده وأتعشى عنده فرضيت، لكن كل يوم وقت العصر يرسل خلفي خادمه، وكل وقت يوصي خدامه بإكرامي حتى إنهم ليضعون تحتي فرشا فاخرة كثيرة، وفوقي لحافين يخدمني أتباعه أكثر من خدمة أولادي. واحتجت إلى قرض نقود فأقرضني بطيب نفس من غير أن أذكر له، بل إنه سمع مني الاحتياج فألح عليّ بالإقراض جزاه الله عني خيرا.
[معان]
ولما وصلنا إلى معان انخزل «١» عنا جماعة من الحاج لزيارة بيت المقدس، ومنهم ولدنا القلبي الشيخ عبد الوهاب الموصلي، فأوصيته بأن يستجيز لي ولأولاي الصلبيين والقلبيين (٢٠٧ أ) طريقة التصوف من شيخنا الولي المرشد المسلك السيد مصطفى الصديقي، فجاء الشيخ عبد الوهاب إلى دمشق ليلة خروجنا منها ومعه كتاب من الشيخ، نفعنا الله به، وصورته:
سبحان الله الأوّلي الأبدي ... مانح الأوّاه كل سر سرمدي
عواطف إحسان بها القلب يهتدي ... خواطب عرفان لها اللب قد هدي
فواتح تقريب فوائح جذبة ... لواعج تهذيب سوائح مبتدي
تحقق عبد الله لا عبد درهم ... بأسرار أهل الله إذ سار يقتدي
وترشقه الأقدار كأسا مروّقا ... عتيقا عبيقا منعشا كل مسعد
وتطرقه الأنوار كأسا مطوقا ... قلائد عز في منار تجرد «٢»
ويكشف عن أطوار أخبار خبرة ... فيعرف بالأخبار أخبار سؤدد
ويدرك سر السير بالبر للهدى ... وسقيا لبان الخير بيت ام معبد
стр. 338
وأسرار غار الاختلاء عن الملا ... وأوطار آثار اختلاء التفرد
ويلحظ ما نال المصدق بالوفا ... ويلمح ما قد طال إلى التودد
«٢٠٨ أ»
بواسطة الأصلين لمع معية ... وهمع جنى التبريك في عقب ندي
هنا بالعطا من بعد ما كشف الغطا ... يهنى من يريد الصيد في اليوم والغد
وفي مربع يبدى مريع تفضل ... يحط مراسيه بحب مؤبد
ويرتع في روض الأماني مهيما ... بحوض ارتواء من شراب محمدي
ومن بعد ذا يعطى المرامات كلها ... ومنشور إذن للمقر المخلد
ويمنح فتح الباب في قاب قربه ... وينفح ألقاب قاب التقلد
ومنذ قام عبد الله في خان مخدع ... تضاءلت الأفهام عن درك مقصد
وأذعن للقدر الرفيع غوالي ... وعاد عمود الصبح للحكم يبتدي
(فخر أمة) «١» حاز المنى حالة اللقا ... و (جافى) «٢» الهنا إن أم دوح الممهد
«٢٠٨ أ»
فقل للذي يرجو عياذا من الردى ... بأبوابه لم ترق أرفع مشهد
هنيئا مريئا يا محب أحبة ... تملوا بأبصار الجمال الممجد
ويا ربنا صلّ وسلم على الذي ... لقد ساد فيه كل هاد ومهتد
وآل واصحاب كرام أئمة ... وأتباعهم ما فاح عرق تشهّد
وما مصطفي البكري يشدو ضحية ... عواطف إحسان بها القلب يهتدي
حمدا لمن جاد بجليل جمال أو حدي ... وشكرا لمن أفاد جميل مالي أسعدي
وصلاة وسلاما على سيدنا محمد، ما اقتفى آثاره عبده ليهتدي، وعلى آله وأصحابه
стр. 339
وأتباعه وأحزابه والراوين أحاديثه ليقتدي بهم كل مقتدي، وعلى التابعين لهم بإحسان ما فاح عبير تقرير منجدي، وبعد، فهذه تحيات شذاها ندى، وتسليمات سليمات (هداها كم قيّد، كل صب معبد) «١» مشاهد مشهدي، للأخ في الله، والمحب في ذات نعتها صمدي، أعني به العالم العامل، (٢٠٨ ب) المنتهى في علوم تسكن حركة الزائغين ويهدي، الصديق الرفيق جناب الشيخ عبد الله الشهير بالسويدي أمده بمدده الباقي السرمدي، المعيد المبدي، آمين.
هذا قد وصل إلينا الأخ مرتديا برداء الحب «٢» ، المقتدي بالبان القرب المقدسي المسجدي، السيد عبد الوهاب حاوي آداب قد بها بهندي «٣» ، فذكر الجناب وذكرنا بعهد قديم لم ينس لتمكنه في خلدي، وأطرب الأسماع بأخبار يشتاقها الملتاع لأنها للنفع تجدي، فسرنا هذا الارتقاء والاستقاء من المدد الأحمدي، أنا وحدي، وطلبنا بكم الزيادة لتعم بكم الإفادة، ولأبلغ بكم أملي ومقصدي، وعرفنا أن الجناب المحبّي الأشرفي الأرشدي كلفه بأن يطلب من الحقير إجازة له ولأولاده ومن بهديه يقتدي، فأعلمناه أن هذا الطلب منشؤه التواضع وكمال الأدب الذي مصاحبه بالروح فدي، ولما رأينا الإجابة محتمة لسابق ود ولاحق إنابة نشرها ندي «٤» ، أجبنا الطلبة مع اعتراف بالرتبة، وألحقنا بهم من ينتمي لجنابكم من أجلها عزة محتد ونسأل منكم ومنهم الدعوات في الخلوات والجلوات، سيما عند الوصول لأعتاب أهل الحصول من كل مرشد أصفه بسندي وسيدي، وجميع من عندنا من أولاد وعيال وأحباب وأنساب في الأطلال يرجون الدعوات العوال كما أعلى حالكم منا ولكم هدي، ويهدي سائر أولادكم وأحبابكم ومن يلوذ برفيع أبوابكم أزكى سلام تام عام أبدي سرمدي، كتبه الفقير إليه تعالى سبط الحسنين مصطفى الصديقي الحنفي.
стр. 340
وجاءني وأنا في حلب من دمشق كتاب من سيدي العالم النحرير، والفاضل الشهير، سيدي الأخ الحميم والخل الصافي المستقيم الشيخ صالح الجنيني بن الشيخ إبراهيم، وهو:
الحمد لله، غب سلام ونت بروقه، وهطلت عذوقه، وأزهرت كمائه، وأنورت حانه، (٢٠٩ ب) تخص بذلك حضرة من اختصه الله بأحسن الخصائص، وصانه من الزلل والنقائص، أعني به المشار إليه، أسبغ الله جزيل إنعامه عليه إلى آخر كتابه، وفقه الله لصالح الأعمال، وأحسن منه جميع الأحوال.
وجاءني كتاب من دمشق من السيد أحمد بن نقطة تركت كتابته لما تقدم. وأيام كنا في دمشق التمس مني أن أعمل مقامة مضمونها أن السيد محمد بن شيخ الحرم ينبغي أن تجعله سلطانا على جميع ملاح دمشق، وذلك لأنه يتعشقه، وله مداعبات مع من يتعشق غيره، فهو يقول: إنه سلطان وغيره يقول: فلان هو السلطان لمن يتعشقه ذلك الغير، ولم تزل المخاصمة والمنازعة بين العشاق، فكل منهم يقول: معشوقي هو السلطان، ولا يخفى عليك أن أهالي دمشق مشهورون بالخلاعة والتعشق، حتى علماؤهم الكبار، وهذا النزاع ما شاع وذاع. ولم يزل هذا السيد أحمد يزيد في الإلحاح، ويجد في الاقتراح، وأنا أدافعه بالاعتذار، وإن هذا لا يليق مني فيجيبني بأن الحافظ السيوطي له في مثل ذلك مقامات كثيرة، وكذلك أمير المؤمنين في الحديث الحافظ ابن حجر العسقلاني له نظم رائق، (٢١٠ أ) ونثر فائق أكثره يتعلق بمثل ما نحن فيه، وغيرهما من علماء وأساطين «١» وفضلاء وسلاطين، لهم مقامات مشهورة، وحكايات منثورة مذكورة، ولم تزل المدافعة مني والإلحاح منه إلى أن خرجت من دمشق، فراسلني بكتاب، وفيه: أقسم عليك بعيني رسول الله ﷺ إلا ما عملت المقامة وأرسلتها، والله إنها عندي تساوي جميع أمور الدنيا، فكتبت ما حضرني، وأسندت رواية المقامة إليه، وقصرت أحكامها عليه، إلا أني ما صرحت باسمه، وإنما لوحت برسمه، لأنه كان يقول: إذا عملتها لا تصرح بأنه السبب فيها، ولا بأس
стр. 341
في التلويح المغني عن التصريح، هذا والسيد محمد خدمني كثيرا، وقرأ ما تيسر من علم النحو علي، له آداب حسنة، وأخلاق مستحسنة، وعذوبة منطق، وحلاوة منادمة، فسبحان (٢١٠ ب) الذي فطره وصوره فأحسن صوره. وكان السيد ذكر لي أن يكون البدر الأتم سلطانا على ملاح دمشق، وهم السيد الذي بحسنه الفائق كل عارف يفتي، السيد حسن الحرستي، والظبي النافر، الذي يقول القمر شقيقي، وجمالي لدى التدقيق تحقيقي، محمد بن علي بك البكري الصديقي، والقمر الذي عن القبح عري، ومن النقائص بري شاكر بن سعدي أفندي العمري، والبدر الذي قال: يغني عن السرج جبيني، عبد الرحمن بن الشيخ أحمد المنيني، والغصن الذي قال جميع المحاسن عندي إن كنت لا أصرح ولا أبدي، السيد يوسف بن السيد محمد آغا الجندي، والكواكب الذي أشرق من تحت السحاب، والمقصود لدواء كل مصاب، مراد بن ركاب، والعلم المفرد في الملاحة، والمجمع عليه في الرجاحة ذو العيون التي يقول كل عاشق: إنما قسيمي البدر المنير، عبد الرحمن بن العلمي، والبدر الذي قام عليه الإجماع، السيد مصطفى بن أحمد الطباع، والمليح الذي قال الملاحة مقصورة عليّ دون غيري، قضيب البان عبد الرحمن الديري وغيرهم ممن اتسم بالجمال، ووسم بالكمال (٢١١ أ) فكتبت للسيد أحمد المذكور كتابا وفيه المقامة: سلام أشهى من منادمة الحبيب بعد نفوره وصدوده، وألذ من معانقته وشم ورد خفر خدوده، وأحلى من عتابه بعد تماديه في الإعراض، وأخلب للألباب من غمز ألحاظه المراض، على المغرم الذي تلظى بنيران الصبابة، وغرق في بحار الأشجان والكآبة، وعرض قلبه لنبال «١» المقل عرضا، وعرض جسمه لأن يجري عللا مرضا، الصب الذي توله بحب الامرد الجميل، واستعذب مقاساة الليل الطويل، حتى رأى العذاب عذبا، والموت سهلا وإن كان صعبا، فصار طعين قدود، وقتيل صدود، لا تألف جنوبه المضاجع، ولا تزايل جفونه المدامع، لا
стр. 342
يرعوي لعنف ولا لائم، ولا يلوي إلى ناصح مسالم، بل إنه لم يزل يناوح «١» الحمائم، وهو حيران ذاهل هائم، حالف السهاد على الملازمة، وخالف الرقاد في الملاءمة، فتأججت زفراته، وتضرّمت لوعاته، السيد الذي دعي سيد الطائفتين، والشيخ الذي رسم بأنه (٢١١ ب) شيخ الطريقتين، السيد أحمد، وبابن نقطة عرف، وبالعطار اشتهر ووصف، لا زال قلبه غرضا لسهام المحبة، ولا زالت أشواقه محرقة قلبه، أما بعد، فأشواقنا إليكم غير خفية، وذكرانا لك وافية وفية، وقد أجبتك إلى ما طلبت، ومنحتك بما به كتبت، فعملت مقامة صدرت من غير فكر ولا روية ودثرت في ملابس الاستعجال فكانت غير مرضية، وجعلت نسبتها لمن هو خفي عليك، وفي الحقيقة جميع أسانيدها تنتهي إليك، وهي:
حدثني قيس الشجون، ونحن بثغر المجون، قال: أنبأنا أبو الوله الغرام، ونحن على شاطىء الانسجام. وحدثنا كثير الأشواق، على مصطبة العشاق، قال: أخبرنا أبو الفناء باهر الهيام، ونحن في مدرسة الغرام، حديثا يخلب القلوب والألباب ويزري بطنين العود والرباب، إنه قال: كان من عادتي المعتادة وشنشنتي «٢» المستجادة، التوله بأرباب الجمال، والتيه والدلال حتى دعيت في هذا الفن بأبي عذرته «٣» ، (٢١١ أ) وبجديله المحكك «٤» وابن بجدته «٥» ، فكنت أقضي الرواحل (والمطيّ، والمتملي بالمحيا البهي، فحدثني رواة القوافل، وثقات الركبان في الرواحل، من جاب البلاد) «٦» والقفار، وراد الأنجاد والأغوار، وتوله بحب الملاح، واستهون في الوصال بذل الأرواح، بأن دمشق لأولئك الأقمار مطالع، ولتلك الجآذر مرابع
стр. 343
ومراتع، فجزمت بالنية، وامتطيت المطية، فقطعت الروابي والوهاد، وسلكت كل فج وواد، حتى لقيت من الغربة عرق القربة «١» فتنورت معالم تيك الأقطار، ودخلت المدينة والشمس في رابعة النهار، فرأيت الناس ينشالون وهم من كل حدب ينسلون، فقفوت أثرهم، لأتحقق أمرهم، فدخلوا حديقة نهرها مسلسل، ونسيمها معلعل، طيرها صادح غريد، وشحرورها يترنم بأنواع التغاريد، واكتست بالسندس أشجارها، وتنورت من أردان «٢» الأكمام أزهارها، وإذا فيها جم غفير، وجمع كثير، من المرد الملاح، ذوي الوجوه الصباح، من سبى بحسنه القمر، وفتك (٢١٢ ب) بلحظه وأسر، وأحرق بلظى خده، وطعن بسمهري قده، (وقتل بسيوف أجفانه المراض، وقال له الحسن: الأمر لك فاقض ما أنت قاض، وهم محدقون بخطيب يصدع القلوب بوعظه، ويسلب الألباب بسحر لفظه، له طلعة زهراء، وعليه) «٣» عمة «٤» خضراء، فقلت: ما الخبر! وما هذا الخطيب على المنبر؟ فقال: هذا فرع بني هاشم ذوي المفاخر والمكارم، يصل نسبه النفيس إلى السيد إدريس، وجده الأدنى نقطة دائرة الحسن. قد شبّ هذا السيد في القبابة «٥» ، وترعرع في سوح الغرام والكآبة، صريع حسان، وقتيل أجفان، كم تلظّى فؤاده بهجير الهجر، وكم غاص ذهنه في بحار الفكر، يعشق المليح المائس الأعطاف، ويهوى الجميل المعروف بالعفاف، إلا أن هذا السيد هجيراه العفة والصيانة، وديدنه الديانة والأمانة، لا مطمع له إلا في النظر، ولا تعدي له سوى الحسن بالبصر، فصار مرجعا في هذا الفن، (٢١٣ أ) ومعتقدا يجب فيه تحسين الظن. فقلت: ما اسمه وما نعته ورسمه؟ فقال: لا أستطيع التصريح، وإنما أفيدك بالتلويح، فهو مركب في
стр. 344
الظاهر من أربعة عناصر، أولها زمام الأدب، ومفتاح الأرب، وثانيها رأس الحلال والحرام، وخاتمة الفلاح على الدوام، أول منازل الحوت منزلته، وأقوى درجات الصلاح درجته، وثالثها إليه ينتهي العلم وبه يكمل الحلم، ويتم بالإسلام ويختم به الكلام، عين الحمد، وفاتحة المجد، وقلب العمل، وعين الأمل، ورابعها ينتهي إليه العباد، ويتم به السداد، فافهم ما عنيت، وتأمل ما كنيت، فعرفت ما أراد وما قصد، وفهمت الذي عليه استند، وكان من جملة ما طن على مسامعي من وعظه، وقرع أذنيّ من كلامه ولفظه، أن قال: أيها المغرمون بالجمال، المتولهون بأرباب الدلال، والعاشقون للملاح، المستهدفون بسهام العيون الصحاح، أوصيكم وصية من عرف الأمور (٢١٣ ب) وجربها، وأنصحكم نصيحة من اختبر الأحوال الغرامية وهذبها، عليكم بمحبة المليح الفائق، والوداد القويم الصادق، وتمسكوا من كملت محاسنه، وعفته، وصحّت بين أهل الهوى مودته وأخوته، يعرف مواقع الهجر والوصال، ويعطي كلا منهما على طبق ما يقتضيه الحال، وأحذركم من الغلظة والجفاء، ومن الغدر ومزايلة الوفاء، وتحملوا من الحبيب مشاق إعراضه وهجره، وامتثلوا مناهيه واتباع أمره، وعليكم بالعفة والديانة، والكمال والأمانة، وتجنبوا الخيانة فبئست البطانة.
ثم التفت الخطيب إلى يمينه، وحملق بعينه، وقال: معاشر الحسان، وطائفة المردان! عليكم بمن عفّ وكتم، فلا يخالطنكم في مخالطته لوم وندم، وتجنبوا من غدر وفسق وهجر واخال «١» فكر، وإتباع فقر، فقر، وتمسكوا بمن انطوت على العفاف طويّته، وتنزهت عن الخلاف عزيمته ونيته، وطابت سريرته، وازدانت سيرته، إن قرب تقرب، وإن أبعد (٢١٤ أ) تهذب وإن منح بوصال عف، وإن قدر على فجور كف، وأعطوا كل عاشق ما يستحق من الإسعاف، وامنحوه على قدر حاله من الألطاف، وقربوه حسب ديانته وعفافه وأمانته، وإياكم من التمادي في الهجران والإسراف في الوصال والإحسان، بل اسلكوا طريقة بين طريقتين، وحقيقة بين حقيقتين. وإني أراكم أيها الملاح قد تعودتم العادات القباح، تصلون
стр. 345
من فجر وفسق، وتقطعون من بالعفاف تخلق، تضعون الوصل في غير مواضعه، وتوقعون الهجر في غير مواقعه، وليست هذه طريقة السلف، ولا هجيري الخلف، وإنما هي بدعة حدثت وضلالة ليست عمّن قبلكم ورثت، فهل تجدون في أساطير الغرام، أو تروون عن أحاديث الهيام، مثل هذه الحالة التي أنتم عليها، والخصلة التي تخلقتم بها، ور كنتم إليها، فالذي أنهيه إليكم من الواجب المحتم عليكم أن تختاروا أحسنكم جمالا، وأصرفكم «١» وأظرفكم دلالا، فتولوه (٢١٤ ب) سلطانا، وتكونوا له أعوانا، إن أمركم امتثلتم ما أمر، وإن زجركم جانبتم ما عنه زجر، هذا والمردان مطرقون، ولا هم ينطقون، وإنما كان إدارة ألحاظهم تنوب مناب ألفاظهم، فقال: إيه فما هذا السكوت والوقت ضاق، وما هذا التواني عن عقد النطاق، فتقدم أحدهم، وهو يميس دلالا، تقول أعطافه هكذا هكذا، وإلا فلا لا! بقد يزري بغصون البان، وجيد جيّد يفضح ريم الغزلان، قد تقوّست حاجباه، ورشقت من أهدابهما عيناه، وتضرجت خداه، واسودّت «٢» عيناه، وشزرهم بألحاظه وأسكرهم بحميا ألفاظه، فقال: أنا الأحق بالخلافة، لما حويت من الرقة واللطافة، وقوامي شاهد عدل، ولحظي قاض بيده الفضل، كم سبى جيدي من جآذر، وكم تعد جفني من عضب باتر، إن مست بأعطافي فمن يتجاسر على خلافي، فلي الخلافة على التحقيق، ولا بدع لأني ابن أبي بكر الصديق، فمن جهل نسبي وفخري فأنا محمد بن علي البكري. ثم تلاه آخر بجبين وضاح، ومبسم كالأقاح، ومحيا كالبدر الأتم، (٢١٥ أ) وجيد يخجل الريم الأرثم «٣» ، بقد يعبث بالرماح الردينية «٤» ، ولحاظ أمضى من الصوارم السريجية، وقال: أنا ذو المحيا الزاهي الزاهر، والجبين الأبلج الباهي الباهر، والقد المياس، والحكم على جميع الناس، فرع الدوحة
стр. 346
الهاشمية، وغصن الشجرة العلوية الفاطمية، فأي عالم بخلافتي لا يفتي، وأنا أبو الجمال، حسن الحرستي ثم اقتفاه آخر بعيون مراض تشق القلوب أهدابها، ويصدع الأفئدة وعيدها وإرهابها، وحواجب مقوسة مقرونة بها جميع الناس، حزمة «١» مفتونة. وقال: أنا ذو الجفن الكاسر، والناهي الآمر، إذا غضبت سلبت الألباب، وإن لحظت أذهلت الحازم عن الصواب، تصيب حاجباي بلا وتر، وتقتل عيناي بلا وزر، فأنا الملقب بسلطان الهند، وليّ الأمر من قبل ومن بعد، فأنا الأحق بالخلافة على الصواب، كيف وجدّي أنا عمر بن الخطاب، فأنا الحامد الشاكر، وتم بأبي سعدي فأكرم بذي المفاخر، ثم عقبه يميس بقدر طيب، وردف ثقيل قضيب، بعيون نعسانة، (٢١٥ ب) وجفون فتانة، وأعطاف تكاد تنفصل من اللين، وثغر حوى الدر الثمين، وقال: أنا سلطان الملاح، وأنا الحاكم عليهم ولا جناح، فمن في هذا الميدان يجاريني، وأنا الغصن الميّال عبد الرحمن المنيني، فبينما هم في ميادين المجادلة وعكاظ المساجلة والمناضلة، إذ أبصرتهم يتطلعون، وأبصرتهم يستريحون، فأفرجوا فرجة في البين، واصطفوا في الحال صفين، [و] لزموا الأدب مطرقين، ونكسوا أعناقهم خاضعين، وإذا بقائل يقول: يا جميل الستر سترك، تعس من كفر بالله وأشرك، والخطيب ختم خطبته الفاخرة بقوله: لبيك، إن العيش عيش الآخرة، سبحانك ما خلقت هذا عبثا باطلا، ما هذا بشر، إن هذا إلا ملك كريم ليس عن حكمة عاطلا، والتفتّ فإذا بظبي غرير، وبدر منير، وغصن ميال يهتز اهتزاز العسال «٢» ، يصيد بلحظه الأسود، ويحرق العشاق بجمرات الخدود، بوجنة تدميها خطرات النسيم، وجفن بموسى لحظه كل قلب كليم، وجبين (٢١٦ أ) أبلج، وثغر أفلج، ومبسم حوى الدرر، وخدّ زهر فيه ورد الخفر، وهو يتمايل تمايل القضيب، ويترنح ترنح البان فوق كثيب. وقال: الحمد لله الذي زين الثغور، بالدرر، وحسّن الخدود بجلنار الخفر، وجمّل العين بالكحل، وأصمى القلوب بسهام المقل، وأطلع
стр. 347
شمس الحسن في آفاق المحيا، وأودع في الرضاب قوة الإسكار فلا يحاكيه الحميا، ونصب القلوب أغراضا لأهداف العيون «١» ، وأغمد البيض البواتر في لحاظ الجفون، والصلاة والسلام على أحسن الخلق وأجملهم «٢» وأفضلهم وأكملهم، ذي المحاسن التي ما حواها مخلوق، والشمائل التي ما اتصف بها سابق ولا مسبوق، سيد الملاح على الإطلاق، وجامع أنواع الجمال بالاتفاق، جدّي الأكبر بالمعنيين، محمد المصطفى من خير الفريقين، وعلى آله وأصحابه وجنده وأحزابه، أما بعد. فيا أيها المفتئتون على ادعاء الخلافة، والزاعمون أنكم جمعتم أصناف الرقة واللطافة، أتظنون أن أمر الخلافة سدى، وأن (٢١٦ ب) الضلالة تقهر الهدى كلا! فإن للخلافة شروطا مشروطة، وأركانا بها منوطة مربوطة، فأي منكم ترشح لها وتأهل، وأي عليه مدار أعبائها إذا الأمر أعضل، فأنا «٣» المعين دون أحد، وأنا السلطان والعلم المفرد، طالما فتكت بألحاظي، وأثملت بألفاظي، فكم أسد قبضت، وكم بطل أسرت، وكم لي من قتيل وصريع وجديل، إن تبخترت كان البان في خجل، وإن لحظت كان الغزال في وجل، وإن أسفرت أزريت بالنيرين، وإن أسبلت غديرتي كان الليل في تيك (التقدرين) «٤» يهتدي، يجليني إذا أشرق، ويضل بطرفي كالليل، إذا غسق، يفوق ابتسامي البرق بالشنب، ويقضي تعبيسي بالهلاك والعطب، إذا أمرت امتثلت أوامري، وإن نهيت اجتنبت زواجري، وحسبي في تعييني الخلافة، أن شاكرا أو عبد الرحمن، سلما لي بالظرافة: فكانا من أتباعي وأنصاري وأشياعي، كيف وقد حكم لي بها العالم الذي سار فضله في كل نادي، (٢١٧ أ) وترنم بتحقيقه الحق كل حادي، وشاعت فضائله في كل سهل ووادي، الشيخ الجليل أبو البركات البغدادي، حيث قال:
стр. 348
حسان دمشق الشام فاق جمالهم ... سناهم ينير البدر وسط سمائه
وسلطان أرباب الجمال محمد ... جميع ملاح الشّام تحت لوائه
فأنا ذو المجد المفرد، والحسن الأوحد، ذو الأخلاق والشيم، أبو الأنوار الشيخ محمد بن شيخ الحرم، وقد نسبني إلى ذلك الشيخ المذكور في نظم يزري بالدر المنثور، فقال: قلبي غدا ذا ألم، ومهجتي في ضرم، والعين تجري بدم، علي بن شيخ الحرم سلطان أرباب النهى، يسبي الجآذر والمها، كم تاه أرباب النّهى، على ابن شيخ الحرم كم من طعين قده، ومصطلى بصده، وميت في لحده، على ابن شيخ الحرم بثغره المفلج، وخده المضرج، يهيم مفتون شج، على ابن شيخ الحرم بلحظه الفتاك، وجفنه السفاك، (٢١٧ ب) جميع صب شاكي، (على ابن شيخ الحرم جبينه الوضاح، وثغره الأقاح «١» ، تعتمد الملاح، على ابن شيخ الحرم حوى جميع المفخر، بجده المنيري، والله لست مفتري، على ابن شيخ الحرم خليفة المحاسن، ودمية المساكن، فكل وجد ساكن، على ابن شيخ الحرم) «٢» .
(فلما وعى الخطيب مقالته، قرر سلطنته، وقال: الحق أحق بالاتباع فهو الحري بالاتفاق والاجتماع، فبايعه من في) «٣» ذلك المحفل المنيف حتى الخطيب السيد الشريف، لكنهم قالوا: هو سلطان علينا ما دام النجاشي لم يتسلط على مملكته، وإلا فهو معزول بحكم شرع الهوى وملته، استغفر الله من التجوز في المقال، واستعيذ به من سيىء الأحوال، آمين، كتب هذه المقامة سيدنا الشيخ مصطفى اللقيمي ثم الدمياطي، وهذا الشيخ عالم فاضل بحر كامل (٢١٨ أ) اسمه مصطفى ولقبه أسعد بن الشيخ العالم أحمد، واللقيمي (نسبة إلى لقيم بلدة في الطائف، ويتصل نسبه من أمه إلى خاتمة العصر علي غانم المقدسي المتصل نسبه إلى سعد بن عبادة الصحابي ﵁. أخذ الشيخ المنوّه باسمه الحديث عن
стр. 349
الشيخ عبد الله بن سالم البصري، وعن الشيخ محمد بن الشيخ عبد الله المغربي، وعن الشيخ تاج الدين القلعي) «١» مفتي مكة، وعن الشيخ عبد القادر المفتي بها أيضا، وأخذ الفقه الشافعي عن الشيخ عبد الرؤوف البشبشي «٢» ، وعن الشيخ أحمد الملوي، وأخذ العربية والأصول عن الشيخ محمد الديري صاحب الحاشية على ابن عقيل، وعن الشيخ عبد الوهاب الملوي، وعن الشيخ علي السروجي، وله نظم رائق ونثر فائق، فمن نظمه قوله:
ولمّا التقينا والحبيب بحاجر ... وقد عبقت بالطيب منه نسائمه
تبسم عجبا من حديث مدامعي ... فما برقه الساري به وغمائمه
وحين تثنّى وانثنيت مرغّما ... تعلّم منّا بانه وحمائمه
(٢١٨ ب) غيره:
يا حسن قرط فوق صفحة خدّه ... يحكيه في الإبداع والإشراق
أبدا تراه بالحقوق مولعا ... يروي حديث فؤادي الخفّاق
وله مضمنا البيت الأخير:
في طي منشور الزمّان حوادث ... من نشرها عمر النّسور قد انطوى
أضنى فؤاد الصّب شقّ سهامها ... وبوقعها سلب التّجلّد والقوى
ولكم يصابر والتّصبر خانه ... واللبّ في لجج التّحير قد هوى
قسما بحرّ مصابها في مهجتي ... حرّ يرى من دونه نار الهوى
لا عيش يصفو لي ولا دار اللّوى ... تدنو ولا قلبي يقرّ من الجوى
وله نظم كله غرر اجتمعت به مرارا كثيرة في حلب الشهباء، منحه الله النّعم والآلاء.
стр. 350
وكتبت من حلب إلى دمشق الشّام «١» (٢١٩ أ) ستّة كتب، إحداها للشيخ شارح البخاري، إسماعيل العجلوني، وثانيها للشيخ أفقه زمانه، وأعلم أوانه، الشيخ صالح الجنيني، وثالثها للسيد أحمد بن نقطة، وفيه المقامة المذكورة، ورابعها للأكرم صالح أفندي، وخامسها لسيدنا مصطفى بن بكداش، وسادسها للملا علي، تركت كتابة الكل هنا للملل، لكني صدرت كتاب المنلا علي بهذه القصيدة:
غادرت قلبا في مرابع حلق ... يا ليت جسمي في مرابعها بقي
غادرته حيران عنّي نازحا ... عجبا لجسمي كيف لم يتمزق
ويلاه قد أودى البعاد بمهجتي ... تبت يداه فقد قضى بتفرق
أخفى غرامي والدموع تبينه ... للعاذلين وإنني لم أنطق
ما كان في ذهني يقينا بعدهم ... بل كنت بين مكذب ومصدق
«٢١٩ ب»
قد خانني عند الوداع تصبري ... بالله يا صبري الخؤون ترفق
والله ما أربى دمشق وإنما ... شغفى بكل ممنطق ومقرطق
من سادة يرعى الفؤاد وليدهم ... مع رقة لطفت وحسن مفرق
تالله ما أنسى ليالي وصلهم ... والعيش غض والهنا في فيلق
ما حلت عن مسكني على لحظة ... ما عشت لم يبرح إليه تشوقي
فعليه ما عاش السلام مضوّعا ... بشذا عبيره في هواي معبق
وممن أضافنا رفيقنا في المحمل الحاج يوسف النعساني صنع لنا طعاما فاخرا، وأكرمنا إكراما باهرا، وممن أضافنا الحاج عبد الرحيم بن الشيخ خليل، جزاه الثواب الجزيل. وممن أضافنا الحاج حسن التكريتي، جزاه الله خيرا.
وممن أضافنا مرارا عديدة، وبت في بيته، (٢٢٠ أ) ولدي القلبي الشيخ الفاضل النّحرير
стр. 351
المتضلع من كل فن شهير، تاج الدين بلا انتقاد، الشيخ محمد بن الشيخ طه العقاد، أذاقه الله حلاوة التحقيق وسلكه أقوم طريق، [ف] لقد خدمني خدمة حسنة، بشفقة، ورأفة، ما دمت في حلب، بلغه الله ما أراد وما طلب. وقرأ على هذا العبد الغريب شرح رسالة الوضع لعصام الدين، وكان قبل ذهابي إلى مكة قد قرأ علي شرحها للمنلا علي السمرقندي، وقرأ شرح الآداب للمنلا حنفي، فلله درّه ما أغزر علمه وما أدق فهمه، ما أقرأت أحدا أذكى وأضبط وأجمع منه، وفقه الله للعلم والعمل، وصانه عن الخطأ والخطل، آمين.
وممن أضافنا مرات، ولدنا معروف بن الحاج فهد العبدلي ولم يكن من سكان حلب وإنما كان على طريق المسافرة، وكذا ولدنا «١» حمزة بن الحاج شاهين، وولدنا درويش بن رمضان، وولدنا طويسان بن غيث العبدليون، وكلهم كانوا على طريقة المسافرة، وممن أضافنا مرات، وبتنا في بيته كرات، ولدنا النجيب بن الحاج محمد الأطرش، في باب النيرب. (٢٢٠ ب) .
وممن أضافنا الضيافة الحسنة، ودعانا الدعوة المستحسنة، السيد الحسيب النسيب السيد أحمد الشراباتي، فلقد أضافنا في بستان الكتّاب التي هي اليوم ملك الوزير حسين باشا القازوقجي، فانبسطنا ذلك اليوم، لا كدر ولا لوم، وكان معنا عمّه الشيخ عبد الكريم الشراباتي، وسيدنا الشيخ محمد الطرابلسي، والشيخ طه الجبريني، والشيخ محمد الكتبي، والشيخ عبد الغني المقدسي، وكان منشدنا الشيخ علي الحلبي ف [له] نغمة تخلب الألباب، وتزري بالعود والرباب، مع صحة الالفاظ واستقامة الإعراب، [ف] تركت [ب] ما أنشده في ذلك المكان الملل الذي اعتراني في هذا الزمان.
وممن أضافنا في بستان الريماوي، النجيب السعيد الحاج سليمان مولى الحاج إبراهيم بن هيكل، فبقينا ذلك اليوم بانشراح وأفراح.
وممن أضافنا الصالح الناسك الحاج محمد الصباغ الموصلي، أضافنا في بيته، ودعانا مرة أخرى
стр. 352
في بستان الريماوي، إلا أن هذه الدعوة الثانية (٢٢١ أ) ليست مختصة بي، وإنما هي لغيري.
واستجاز مني السيد الحسيب السيد أحمد الشراباتي بعض صلوات يقرأها كل يوم، فأجزته بهذه الصلاة: اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد صلاة تكون لك رضاء، ولحقّه أداء، وأعطه الوسيلة والمقام الذي وعدته، وأجزه عنا ما هو أهله، واجزه عنّا أفضل ما جازيت نبيا عن أمته، وصلّ على إخوانه من النبيين والصالحين، يا أرحم الراحمين، أجزت بهذه الصلاة السيد الحسيب النسيب الأمجد السيد أحمد الشراباتي، وفقنا الله وإياه لما يحبه ويرضاه، وأمرته أن يديم قراءتها كل يوم وليلة على حسب الإمكان، لكنه يخص ليلة الجمعة ويومها بمزيد، كتبه، الفقير أبو البركات عبد الله السويدي عفي عنه آمين.
وإلى هنا أحببنا ختم الرحلة، إذ لم يبق إلى بغداد إلا طريق البر، ولا فيه قرية (٢٢١ ب) ولا أرض مشهورة موصوفة، نسأل الله أن يختم بالطاعات أعمالنا، ويبلغنا آمالنا، ويحسن بفضله أحوالنا، ويعفو عن سيئاتنا، ويؤمن روعاتنا، ويستر عوراتنا بفضله وأمنه ومنّه، آمين، وصلى الله أشرف صلاته، وأنمى، تحياته، وأزكى بركاته على خيرته من خلقه وصفوته من عباده، سيدنا وحبيبنا أبي القاسم محمد المختار من أشرف قبيل إلى أكرم جيل، وعلى آله وأصحابه البررة الأنجاب الخيرة، وعلى من اقتفى بآثارهم وتزيّا بشعارهم، والحمد لله أولا وآخرا، وباطنا وظاهرا «١» . «٢»
стр. 353
المحتويات