← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12088

من هدي السلف في طلب العلم

محمد بن مطر الزهراني

Полный текст (72 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

من هدي السلف في طلب العلم جمع وترتيب: د. محمد بن مطر الزهراني بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ال مقدمة الحمد لله البرّ الرحيم، الواسع العليم ذي الفضل العظيم، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد النبي الكريم، أما بعد: فإن من أهم ما يبادر به اللبيب شرَخَ شبابه، ويدئب نفسه في تحصيله واكتسابه حسن الأدب الذي شهد الشرع والعقل بفضله، واتفقت الآراء والألسنة على شكر أهله، وإن أحق الناس بهذه الخصلة الجميلة، وأولاهم بحيازة هذه المرتبة الجليلة أهل العلم الذين حلوا به ذرا المجد والسناء، وأحرزوا به قصب السبق إلى وراثة الأنبياء، لعملهم بمكارم أخلاق النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وآدابه، وحسن سيرة الأئمة الأطهار من أهل بيته وأصحابه، وبما كان عليه أئمة علماء السلف، واقتدى بهديهم فيه مشايخ الخلف ١. وبعد، فهذه وُريقات جمعت فيها بعض ما وقفت عليه من هدي السلف الصالح ﵏ ورضي عنهم - في طلب العلم، وقد اقتصرت فيها على ما يتعلق بهدي الطالب وبرنامجه في أثناء طلبه للعلم، وقد اكتفيت فيها بجمع المتفرق وترتيب المختلط، محاولاً الانتقاء من النصوص أجمعها وعلى المعنى المراد أدلها مع بعض التعليقات اليسيرة، وهذا أحد أقسام التأليف كما ذكرها صاحب "كشف الظنون" في مقدمته ٢. وكان السبب الحامل على هذا العمل ثلاثة أمور: الأول: إلحاح كثير من إخواننا الطلبة، ورغبتهم في معرفة منهج السلف في طلب العلم وهديهم وسمْتهم في ذلك، مع تقاصر همم هؤلاء الطلبة عن تحصيل ذلك من منبعه الأصل؛ كتب السلف أنفسهم، وهي كثيرة ومتوفرة. الثاني: ما لاحظته من الفوضى في طلب العلم المنتشرة بين كثير من الطلبة

стр. 2

اليوم الذين افتقدوا أول ما افتقدوا من هدي السلف: آداب الطلب، وأخلاق طالب العلم، ثم هدي وسمت العلماء في العلم والعمل فتزبّبوا قبل أن يتحصرموا، لأنهم لم يسلكوا طريق السلف في التدرج في طلب العلم وفق منهج علمي صحيح واضح، كما ابتلوا أيضاً بالعجلة والتسرع وقلة الفهم، فنتج عن ذلك سرعة الملل والضجر. الثالث: أنني رأيت المصنفات في هذا الموضوع حديثاً، اقتصرتْ على الآداب العامة لطلب العلم، وخلت من ذكر برنامج عملي للطالب في أثناء تعلمه، هذا فيما وقفت عليه منها. وقد سميته "من هدي السلف في طلب العلم" وذلك أن منهجهم وهديهم في ذلك أكبر وأوسع مما جمعت، وهذا بعضه، لأنني قصرتُ ما جمعت على ما رأيت الحاجة ماسّة إليه الآن لإخواني من طلبة العلم، وجعلته في ثلاثة فصول: الأول: في أُسس هديهم ومنهجهم في طلب العلم. والثاني: في العلم المراد تعلّمه. والثالث: برنامج عملي لطالب العلم أثناء طلبه العلم. وقدمت بين يدي تلك الفصول بتمهيد حول اهتمام السلف بآداب الطلب ووسائل تثبيت العلم والتثبّت فيه، وختمته بمُلحقين: الأول: حول طريقة تعليم المتعلم وإرشاد المعلّم في تعليمه كما يراها ابن خلدون، وعبد القادر بن بدران، وابن باديس. والثاني: أرجوزة في آداب التعلّم والتفقّه. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيد الأولين والآخرين محمد بن عبد الله الصادق الآمين. وكتبه: د. محمد بن مطر الزهراني في تاسع ذي الحجة من عام سبعة عشر بعد الأربعمائة وألف بالمدينة النبوية حرسها الله

стр. 3

تمهيد هذه تنبيهات أقدمها بين يدي هذا البحث تتمة للفائدة: الأول: أن السلف ﵏ قد اهتموا بموضوع أدب الطلب وآداب الطالب وبرنامج التعلُّم والتعليم من وقت مبكر كما اهتموا بغيرها من الفنون والموضوعات، ويدل على ذلك أمران: ١ - تلك النصوص الكثيرة التي رُويت عنهم في توجيه الطلاب، وبيان المنهج والهدي الذي ينبغي أن يسلكه المعلم والمتعلم، وقد رُوي الكثير من هذه النصوص عن الصحابة والتابعين وأتباعهم ١. ٢ - تلك المؤلفات في هذا الفن، التي ظهرت من وقت مبكر، ككتاب العلم ٢ لأبي خيثمة زهير بن حرب المتوفى (٢٣٤هـ.) ، وكتاب آداب المعلمين والمتعلمين ٣ لمحمد بن سحنون المتوفى سنة (٢٥٦هـ.) ، ثم تتابع التأليف في ذلك إلى أن جاء حافظا المشرق والمغرب، أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي، وأبو عمر يوسف بن عبد البر القرطبي - توفي كلاهما سنة (٤٦٣هـ.) - ألف الأول كتاب الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، وألف الثاني كتاب جامع بيان العلم وفضله، وقد طُبعا مراراً، وهما من أجمع وأوسع وأشمل ما أُلف في موضوعهما.

стр. 4

وسلم إذا جلسوا مجلساً كان حديثهم الفقه إلا أن يقرأ رجل سورة أو يأمروا رجلاً أن يقرأ سورة" ١. وقال ابن القيم (ت ٧٥١هـ.) : "صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم على عبده، ما أُعطي عبد عطاءً بعد الإسلام أفضل ولا أجلّ منهما. بل هما ساقا الإسلام وقيامه عليهما، وبهما يأمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد مقصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذي أُمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة. وصحة الفهم نور يقذفه الله في قلب العبد يميز به بين الصحيح والفاسد والحق والباطل ... " ٢. ٤- الحرص على تثبيت العلم والتثبت فيه: ووسائل التثبت فيه عندهم من أهمها: أ - التلقي على الشيوخ مع انتقاء الذين يُتلقى عليهم العلم، فلا يتلقون على مبتدع، ولا صاحب هوى، ولا من غير الثقة. قال الإمام محمد بن سيرين (ت ١١٠هـ.) : "لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم". وقال أيضاً: "إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم" ٣. وقال الإمام مالك (ت ١٧٩هـ.) : "لا يؤخذ العلم من أربعة: معلن السفه،

стр. 5

وصاحب هوىً يدعو الناس إليه، ورجل معروف بالكذب في أحاديث الناس وإن كان لا يكذب على رسول الله ﵌، ولا رجل له فضل وصلاح لا يعرف ما يحدث به" ١. ب - تمييز الصحيح من السقيم وحديث الثقة من غير الثقة، والحافظ من سيئ الحفظ. قال الإمام عبد الرحمن بن مهدي (ت ١٩٨هـ.) : "لا يجوز أن يكون الرجل إماماً حتى يتعلم ما يصح مما لا يصح، وحتى لا يحتج بكل شيء، وحتى يعلم مخارج العلم" ٢. وقال الإمام مسلم في مقدمة صحيحه ٣: "واعلم وفقك الله تعالى، أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها، وثقات الناقلين لها من المتهمين أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه، والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان منها عن أهل التهمة والمعاندين من أهل البدع". وأما وسائل تثبيت العلم فمن أهما: أ - حسن الفهم: وقد سبقت الإشارة إلى اهتمام السلف به. ب - حفظه والعمل به: قال عامر بن شراحيل الشعبي (ت ١٠٣هـ.) : "كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل، ونستعين على طلبه بالصوم" ٤. وقد أُثِر عن غير واحد من السلف واشتهر عن إمام أهل السنة أحمد بن حنبل قوله: "ما بلغني حديث إلا عملت به، وما عملت به إلا حفظته". وقال وكيع بن

стр. 6

الجراح (ت ١٩٧هـ.) : "إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به" ١. ج - مذاكرته مع الشيوخ والأقران: لم يكتف السلف ﵏ بالحث على المذاكرة وبيان أهميتها وأوقاتها المناسبة، بل تجاوزوا ذلك إلى التطبيق العملي، فمارسوا مذاكرة العلم بشتى الصور مع الشيوخ والأقران. قال أنس بن مالك ﵁: "كنا نكون عند النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فنسمع منه الحديث، فإذا قمنا تذاكرناه فيما بيننا حتى نحفظه" ٢. وقال الخطيب: "وأفضل المذاكرة مذاكرة الليل، وكان جماعة من السلف يبدؤون في المذاكرة من العشاء، فربما لم يقوموا حتى يسمعوا أذان الصبح" ٣. د - الصبر والمثابرة والدأب في التحصيل: ولا أدَلّ على ذلك من تلك الرحلات إلى البلدان المختلفة وتحمّل المشاق في سبيل تحصيل العلم، وقد بدأها الصحابة الكرام ﵃ حيث كان أحدهم يرحل في الحديث الواحد مسيرة شهر ٤. قال سعيد بن المسيب (ت ٩٤هـ.) : "إن كنت لأَسيرُ في طلب الحديث الواحد مسيرة الليالي والأيام" ٥.

стр. 7

التنبيه الثاني: أن الحافظ بدر الدين بن جماعة المتوفى سنة (٧٣٣هـ.) لما وَقف على تلك المصنفات الكثيرة في هذا الفن، وما كتب من ذلك في أبواب أو فصول ضمن كتب أخرى ككتب المصطلح وغيرها، جمع كل ذلك وأعاد تصنيفه وترتيبه في أبواب وفصول وأنواع، مختصراً مطوله ومسدداً خلل مختصره، وذلك في كتابه تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم ١. فجاء كتابه في هذا الموضوع جامعاً وبالفوائد والفرائد حافلاً. وقد وقع كتابه في خمسة أبواب فيها ثمانية فصول اشتملت على ستة وتسعين نوعاً، خصص الباب الثاني لآداب العالم، والباب الثالث لآداب المتعلم. فرسم في هذين البابين برنامجاً علمياً للمُعلم مع نفسه، ثم مع درسه، ثم مع طلبته، وبرنامجاً عملياً للمتعلم في نفسه، ومع شيخه، وفي درسه. ومن أهم مصادره فيما ظهر لي ما كتبه كل من: محمد بن سحنون، ثم الخطيب البغدادي، والحافظ أبو عمر ابن عبد البر، وكذلك ابن الصلاح والنووي ٢ وغيرهم ﵏ جميعاً. وقد تميّز عمن سبقه بذكر هذا البرنامج العملي للعالم والمتعلم بصورة واضحة ودقيقة، ويمكن أن يستفيد منها - غالباً - كل عالم ومتعلم في كل عصر، ولذلك اعتمدتُُ على كتابه كثيراً في بحثي هذا وبخاصة في فصل البرنامج العملي للطالب في أثناء تعلُّمه.

стр. 8

التنبيه الثالث: من خلال مطالعتي وبحثي فيما كتبه السلف ﵏ وخاصة المتقدم منها، ألفيتُ أن للسلف منهجاً علمياً وهدياً وسمتاً عملياً في طلب العلم، ولعل من أهم معالمه ما يأتي: ١- إخلاص النية في طلب العلم لوجه الله ، فلا يبتغون بذلك منصباً ولا جاهاً عند أحد كائناً من كان، ولا تكثّراً من الأموال، ورائدهم في ذلك قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "من تعلَّم علماً مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب عَرَضاً من الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة" ١. ٢- التدرج في طلب العلم وفق برنامج علمي وعملي، فكانوا يبدؤون بالتأدب والتعبد أولاً - ويحفظ الطالب أثناء ذلك كتاب الله العزيز - ثم يشرع بعد ذلك في طلب العلم على أهله المعروفين. قال سفيان بن سعيد الثوري (ت ١٦١هـ.) : "ليس عمل بعد الفرائض أفضل من طلب العلم، وكان الرجل لا يطلب العلم حتى يتأدب ويتعبد قبل ذلك عشرين سنة" ٢. وقال عبد الله بن المبارك (ت ١٨١هـ.) : "كانوا يطلبون الأدب ثم العلم" ٣. وأول ما يبدأ به الطالب تعلم فروض الأعيان حتى يعرف العلم والعمل بها ثم يتدرج بعد ذلك في فروض الكفاية وجزئيات العلم. وليكن ابتداؤه بعلوم الغاية، وهي العقيدة والفقه المبنيان على الأدلة من

стр. 9

الكتاب والسنة وفهم السلف الصالح، ثم علوم الوسائل ثانياً، كأصول التفسير، وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، وأصول الفقه ونحو ذلك، ولا يجوز تقديم علوم الوسائل على علوم الغاية. قال ابن خلدون (ت ٨٠٨هـ.) : اعلم أن العلوم المتعارفة بين أهل العمران على صنفين: علوم مقصودة بالذات كالشرعيات، من التفسير، والحديث، والفقه ... ، وعلوم هي وسيلة آليّة لهذه العلوم، كالعربية، والحساب وغيرهما ... فأما العلوم التي هي مقاصد فلا حرج في توسعة الكلام فيها وتفريع المسائل واستكشاف الأدلة والأنظار ... وأما العلوم التي هي آلة لغيرها، فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة لذلك الغير فقط، ولا يوسع فيها الكلام، ولا تفرع المسائل، لأن ذلك مخرج لها عن المقصود، إذ المقصود منها ما هي آلة له لا غير. اه. ملخصاً ١. ٣- الحرص على الفهم الصحيح، فقد نصّ كثير من السلف على أن أُسس طلب العلم حسن الفهم. قال الخطيب البغدادي: "العلم هو الفهم والدراية، وليس الإكثار والتوسع في الرواية" ٢. وقال ابن عبد البر: "والذي عليه جماعة فقهاء المسلمين وعلمائهم ذم الإكثار دون تفقه ولا تدبر" ٣. وقال أبو سعيد الخدري: "كان أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله

стр. 10

وكان كثير من السلف يوصي تلاميذه بالصبر والتحمل وعدم التعجل. قال يونس بن يزيد: "قال لي الزهري: لا تأخذ العلم جملة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الأيام والليالي" ١. وفي رواية معمر عن الزهري: "من طلب العلم جملة فاته جملة، وإنما يدرك العلم حديث وحديثان" ٢. ٥ - الورع مع الحرص على نشر العلم وإخفاء العمل: عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "أدركت عشرين ومائة من أصحاب رسول الله ﵌ من الأنصار ما فيهم من أحد يسأل عن شيء إلا ودّ أن أخاه كفاه، ولا يحدث حديثاً إلا ودّ أن أخاه كفاه" ٣. وعن مطرّف بن عبد الله بن الشخير قال: "فضل العلم أحب إليّ من فضل العبادة، وخير دينكم الورع" ٤. وفي باب (كيف يُقبض العلم) من كتاب العلم من صحيح البخاري: "كتب عمر بن عبد العزيز إلى أبي بكر بن حزم: انظر ما كان من حديث رسول الله ﵌ فاكتبه، فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء، ولتُفشوا العلم، ولتجلسوا حتى يُعلَّم من لا يعلم فإن العلم لا يهلك حتى يكون سراً".

стр. 11

وقال بشر بن الحارث: "إنما يراد من العلم العمل، اسمع وتعلم واعلم وعلّم واهرب، ألم تر إلى سفيان الثوري كيف طلب العلم، فعلِم وعلّم وهرب، وهكذا العلم إنما يدل على الهرب عن الدنيا ليس على طلبها" ١. ٦ - ومن تلك المعالم أيضاً ترك الجدل والمماراة في العلم والبعد عن مجادلة ومجالسة أهل الأهواء، وقد أكثر السلف رحمة الله عليهم من ذم أصحاب الأهواء والتحذير من مجالستهم، أو مجادلتهم، أو الاشتغال بالرد عليهم. وقد أورد أبو عبد الله بن بطة العُكبرى (ت ٣٨٧هـ.) في كتاب "الإبانة الكبرى" عن ذلك أكثر من ثلاثمائة وأربعين نصاً ثم عقب على ذلك بقوله: "فاعلم يا أخي أني لم أر الجدال والمناقضة والخلاف والمماحلة والأهواء المختلفة والآراء المخترعة من شرائع النبلاء، ولا من أخلاق العقلاء، ولا من مذاهب أهل المروءة، ولا مما حُكي لنا عن صالحي هذه الأمة، ولا من سير السلف، ولا من شيمة المرضيين من الخلف، وإنما هو لهوٌ يُتعلم ودراية يُتفكه بها، ولذة يُستراح إليها، ومهارشة العقول وتذريب اللسان بمحق الأديان، وضراوة على التغالب واستمتاع بظهور حجة المخاصم، وقصد إلى قهر المناظر، ومغالطة في القياس، وبُهت في المقالة، وتكذيب الآثار، ومكابرة لنص التنزيل، وتهاون بما قال الرسول، ونقض لعقدة الإجماع، وتشتيت الألفة وتفريق لأهل الملة، وشكوك تدخل على الأمة وضرواة السلاطة وتوغير للقلب، وتوليد للشحناء في النفوس عصمنا الله وإياكم وأعاذنا من مجالسة أهله" ٢.

стр. 12

الفصل الأول: أُسس منهج طلب العلم عند السلف ... أسس منهج طلب العلم عند السلف أولاً: أول العلم النية قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ١. وقال : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ ٢. وقال : ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ العَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً﴾ ٣. وروى الإمام محمد بن إسماعيل البخاري (ت ٢٥٦هـ.) عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئٍٍ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" ٤. وروى الإمام مسلم بن الحجاج (ت ٢٦١هـ.) عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "إن أول من تُسَعَّرُ بهم النار يوم القيامة ثلاثة، فذكرهم وذكر منهم رجلاً تعلّم العلم وعلّمه وقرأ القرآن، فأُتي به فعرَّفه نعمه فعَرَفها، قال: فما عملتَ فيها؟ قال: تعلّمتُ العلمَ وعلَّمتُه وقرأتُ فيك القرآن. قال: كذبتَ، ولكنك تعلمتَ العلمَ ليقال: عالم، وقرأتَ القرآنَ ليقال: هو قارئ، فقد قيل. ثم أُمر به فسُحِب على وجهه حتى أُلقي في النار ... " الحديث ٥.

стр. 13

وروى الحافظ أبو عبد الله بن ماجه في مقدمة سننه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "من تعلّم العلم مما يُبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب عَرَضاً من الدنيا، لم يجد عَرف الجنة يوم القيامة" يعني ريحها ١. وأخرج بإسناده عن جابر بن عبد الله ﵄ أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "لا تتعلّموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيّروا به المجالس، فمن فعل ذلك فالنار النار" ٢. وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن علي الخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ.) : "يجب على طالب الحديث أن يخلص نيته في طلبه، ويكون قصده بذلك وجه الله ". وقال أيضاً: "وليحذر أن يجعله سبيلاً إلى نيل الأعراض وطريقاً إلى أخذ الأعواض، فقد جاء الوعيد لمن ابتغى ذلك بعلمه، ... ". ثم قال: "وليتق المفاخرة والمباهاة به، وأن يكون قصده نيل الرئاسة واتخاذ الأتباع وعقد المجالس، فإن الآفة الداخلة على العلماء أكثرها من هذا الوجه". وقال أيضاً: "وليجعل حفظه للحديث حفظ رعاية لا حفظ رواية، فإن رواة العلوم كثير، ورعاتها قليل، ورب حاضر كالغائب وعالم كالجاهل وحامل

стр. 14

للحديث ليس معه منه شيء ... "، ثم ذكر عن الحسن البصري (ت ١١٠هـ.) قوله: "همة العلماء الرعاية وهمة السفهاء الرواية" ١. قال بدر الدين بن جماعة (ت ٧٣٣هـ.) : "يجب أن يقصد المعلم بتعليم طلبته وتهذيبهم وجه الله تعالى، ونشر العلم وإحياء الشرع ودوام ظهور الحق وخمول الباطل، واغتنام ثوابهم وثواب من ينتهي إليه علمه، وبركة دعائهم له وترحمهم عليه، ودخوله في سلسلة العلم بين رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وبينهم، وعداده في جملة مبلَّغي وحي الله وأحكامه، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إن الله تعالى وملائكته وأهل السموات والأرض حتى النملة في جُحرها يصلون على معلم الناس الخير" ٢. وقال ﵀: "كان علماء السلف الناصحون لله ودينه يلقون شبك الاجتهاد لصيد طالب ينتفع الناس به في حياتهم ومن بعدهم، ولو لم يكن للعالم إلا طالب واحد ينفع الناس بعلمه وعمله وهديه وإرشاده لكفاه ذلك الطالب عند الله تعالى؛ فإنه لا يتصل شيء من عمله إلى أحد فينتفع به إلا كان له نصيب من الأجر، كما جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "إذا مات العبد انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له" وإذا نظرت وجدت معاني الثلاثة موجودة في معلم العلم" اه. ملخصاً ٣.

стр. 15

وقال أبو عمرو عثمان بن عبد الرحمن الشهرزوري المعروف بابن الصلاح (ت ٦٤٣هـ.) : "علم الحديث علم شريف يناسب مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم، وينافر مساوئ الأخلاق ومشاني الشيم، وهو من علوم الآخرة لا من علوم الدنيا، فمن أراد التصدي لإسماع الحديث أو لإفادة شيء من علومه، فليقدم تصحيح النية وإخلاصها، وليطهر قلبه من الأغراض الدنيوية وأدناسها، وليحذر بلية حب الرئاسة ورعوناتها" ١. وقال الشيخ عبد الحميد بن باديس: "غاية العالم المسلم أن يهتدي في نفسه وأن يهدي غيره، أما أكثر الطلاب فمنهم من تكون غايتهم الوظيفة، فهم غفلة من أنفسهم وعن غيرهم، ومنهم من تكون غايته أن ينال الشهادة بالعلم، فهو مثل الأول، فأما الغاية الحقيقية التي ذكرنا فما أقل أهلها لأنها لا ذكر لها في برامج التعليم، ولا اهتمام بها من المعلمين. وحق على كل طالب أن تكون هي غايته، وهو مع ذلك نائل العلم ونائل ما يؤهله للوظيفة إن أبى إلا أن تكون الوظيفة من قصده، ولكنه بالقصد إلى تلك الغاية يكون عاملاً في أثناء تعلمه على تهذيب نفسه، ويكون مصدر هداية الناس في المستقبل، لكن هذا إنما يتم للطالب إذا كان شيوخه يهتمون بهذه الغاية، ويعملون لها، ويوجهون تلامذتهم لها. وما أعز هذا الصنف من الشيوخ" ٢.

стр. 16

ثانياً: منازل العلم (*) أخرج أبو عمر بن عبد البر النمري القرطبي (ت ٤٦٣هـ.) بسنده إلى علي بن الحسن بن شقيق قال: سمعت عبد الله بن المبارك (ت ١٨١هـ.) يقول: "أول العلم النية، ثم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر" ١. وبسنده إلى عبد الرحمن بن مهدي عن محمد بن النضر الحارثي قال: "أول العلم الاستماع، قيل ثم ماذا؟ قال: الحفظ، قيل ثم ماذا؟ قال: العمل، قيل ثم ماذا؟ قال: النشر" ٢. وبسنده أيضاً إلى سفيان بن سعيد الثوري (ت ١٦١هـ.) قال: "كان يُقال: أول العلم الصمت، ثم الاستماع له، ثم حفظه، ثم العمل به، ثم نشره وتعليمه" ٣. وأخرج أبو نعيم الأصبهاني (ت ٤٣٠هـ.) بسنده إلى سفيان الثوري قال: "ليس عمل بعد الفرائض أفضل من طلب العلم" ٤. وعن عبد الملك بن قريب الأصمعي (ت ٢١٦هـ. أو بعدها) قال: "أول العلم الصمت، والثاني: حسن الاستماع، والثالث: جودة الحفظ، والرابع: احتواء العلم، والخامس: إذاعته ونشره". وعن الضحاك بن مزاحم (ت ١٠٦هـ.) قال: "أول باب من العلم: الصمت، والثاني استماعه، والثالث: العمل به، والرابع: نشره وتعليمه" ٥.

стр. 17

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب (ت ١٢٠٦هـ.) ﵀ في مطلع رسالة الأصول الثلاثة: "اعلم - رحمك الله - أنه يجب علينا تعلم أربع مسائل: الأولى: العلم، وهو معرفة الله ومعرفة نبيه ومعرفة دين الإسلام بالأدلة. الثانية: العمل به. الثالثة: الدعوة إليه. الرابعة: الصبر على الأذى فيه. والدليل قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الإنسانَ لَفِي خُسرٍ إِلاَّ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَواَصَواْ بِالْحَقِّ وَتَوَاصَواْ بِالصَّبْرِ﴾ " ١. قال ابن القيم ﵀ (ت ٧٥١هـ.) : " ... والعلم ست مراتب: أولها: حسن السؤال. الثانية: حسن الإنصات والاستماع. الثالثة: حسن الفهم. الرابعة: الحفظ. الخامسة: التعليم. السادسة: وهي ثمرته، وهي العمل به، ومراعاة حدوده. فمن الناس من يحرمه لعدم سؤاله، إما لأنه لا يسأل بحال، أو يسأل عن شيء وغيره أهم إليه منه، كمن يسأل عن فضوله التي لا يضر جهله بها، ويدع ما لا غنى له عن معرفته، وهذا حال كثير من الجهال المتعلمين. ومن الناس من يحرمه لسوء إنصاته، فيكون الكلام والمماراة آثر عنده وأحب إليه من الإنصات، وهذه آفة كامنة في أكثر النفوس الطالبة للعلم، وهي تمنعه علماً كثيراً، ولو كان حَسَنَ الفهم. ذكر ابن عبد البر عن بعض السلف أنه قال: من كان حَسَنَ الفهم، رديئَ الاستماع لم يقم خيره بشره. وذكر عبد الله بن أحمد في كتاب العلل له قال: كان عروة بن الزبير يحب مماراة ابن عباس، فكان يخزن علمه عنه، وكان عبيد الله بن عبد الله بن عتبة يلطف له في السؤال فيعزه بالعلم عزاً" اه. ٢.

стр. 18

ثالثاً: الأدب قبل الطلب اشتهر عند السلف إرسال الصبيان عند بلوغهم سنّ التمييز إلى مؤدب، يُحفّظهم القرآن ويُعلّمهم مبادئ القراءة والكتابة ويشرف على تأديبهم وتربيتهم وتعليمهم السمت والهدي والخلق الحسن، فإذا بلغوا سنَّ التكليف أحضرهم مجالس بعض العلماء ليقتدوا بهم في السمت والهدي والعبادة والعمل، ثم بعد ذلك يخرجهم إلى حلقات العلم. وقد أُطلق لقب "مؤدب" على جماعة ممن تفرغ لتأديب الصبيان، وعُرف بذلك. قال أبو عبد الله سفيان بن سعيد الثوري (ت ١٦١هـ.) : "كانوا لا يخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا ويتعبدوا عشرين سنة" ١. وقال عبد الله بن المبارك (ت ١٨١هـ.) : "طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة، وكانوا يطلبون الأدب ثم العلم" ٢. وقال أيضاً: "كاد الأدب يكون ثلثي العلم" ٣. وأخرج الخطيب في الجامع بسنده إلى مالك بن أنس قال: قال محمد بن سيرين (ت ١١٠هـ.) : "كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم" ٤. وبسنده إلى إبراهيم بن حبيب الشهيد (ت ٢٠٣هـ.) قال: قال لي أبي: "يا بُني إيت الفقهاء والعلماء، وتعلّم منهم وخُذ من أدبهم وأخلاقهم وهديهم، فإن

стр. 19

ذاك أحب إليَّ لك من كثير من الحديث" ١. وبسنده أيضاً إلى عبد الله بن المبارك قال: قال لي مخلد بن الحسين (ت ١٩١هـ.) : "نحن إلى كثير من الأدب أحوج منا إلى كثير من الحديث" ٢. وعن أبي زكريا يحيى بن محمد العنبري (ت ٣٤٤هـ.) قال: "علم بلا أدب كنار بلا حطب، وأدب بلا علم كجسم بلا روح" ٣. وعن عيسى بن حماد زغبة (ت ٢٤٨هـ.) قال: سمعت الليث بن سعد (ت ١٧٥هـ.) يقول - وقد أشرف على أصحاب الحديث فرأى منهم شيئاً -: "ما هذا؟ أنتم إلى يسير من الأدب أحوج منكم إلى كثير من العلم" ٤. وقال سفيان بن عيينة (ت ١٩٨هـ.) : نظر عبيد الله بن عمر (ت ١٤٧هـ.) إلى أصحاب الحديث وزحامهم فقال: "شنتم العلم وذهبتم بنوره، لو أَدْركَنا وإياكم عمرُ بن الخطاب لأوْجَعَنا ضرباً" ٥. وعن محمد بن عيسى الزجاج قال: "سمعت أبا عاصم يقول: من طلب هذا الحديث فقد طلب أعلى أمور الدنيا، فيجب أن يكون خير الناس" ٦. قال الخطيب البغدادي: "وقد رأيت خلقاً من أهل هذا الزمان ينتسبون إلى الحديث، ويَعُدُّون أنفسهم من أهله المختصين بسماعه ونقله، وهم أبعد الناس مما يَدّعون، وأقلُّهم معرفة بما إليه ينتسبون. يرى الواحد منهم إذا كتب عدداً قليلاً من

стр. 20

الأجزاء، واشتغل بالسماع برهة يسيرة من الدهر، أنه صاحب حديث على الإطلاق، ولمّا يجهد نفسه ويتعبها في طلابه، ولا لحقتْهُ مشقة الحفظ لصنوفه وأبوابه". وقال: "وهم مع قلة كَتْبِهم له وعدم معرفتهم به، أعظم الناس كبراً وأشد الخلق تيهاً وعُجْباً، ولا يراعون لشيخ حرمة، ولا يوجبون لطالب ذمة، يخْرقون - يجهلون - بالراوين ويعنّفون على المتعلمين، خلاف ما يقتضيه العلم الذي سمعوه، وضد الواجب مما يلزمهم أن يفعلوه ... " اه. ملخصاً ١. هذا كلام الخطيب البغدادي الذي عاش ما بين عامي ٣٩٢هـ. و٤٦٣هـ. في بعض محدثي أهل زمانه فماذا سيقول لو أدرك زماننا اليوم مطلع القرن الخامس عشر الهجري، كم من منتسب للعلم اليوم وليس من أهله ومتصدر للتدريس والفتوى وهو ليس من أهل ذلك الشأن، وكم من سالٍّ لسانه وقلمه ولمّا يحط علمه ببعض مسائل العلم فضلاً عن كثير منها، فادعى علم ما لم يعلم وإحسان ما لم يحسن، ورمى غيره بما هو أولى به منه، فإلى الله المشتكى وعند الله تجتمع الخصوم. رابعاً: اقتران العلم بالعمل قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾ ٢. وفي صحيح الإمام مسلم ٣ عن أسامة بن زيد ﵄ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "يُؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق

стр. 21

أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرَّحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان، ما لك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى قد كنتُ آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه". وأخرج الخطيب البغدادي بسنده عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يُسألَ عن أربعٍ: عن عُمُره فيمَ أفناه، وعن علمه ماذا عمل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن جسمه فيمَ أبلاه" ١. وأخرج أبو محمد الدارمي (ت ٢٥٥هـ.) عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "كيف أنتم إذا لبستكم فتنةٌ يهرم فيها الكبير، ويربوا فيها الصغير، ويتخذها الناس سنة فإذا غيرت قالوا: غيرت السنة؟ قالوا: ومتى ذلك يا أبا عبد الرحمن؟ قال: إذا كثُر قرَّاؤُكم وقلّت فقهاؤُكم، كثُرت أُمراؤكم وقلّت أُمناؤُكم، والتُمست الدنيا بعمل الآخرة" ٢. وقال الإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري (ت ١٢٥هـ.) : "إن للعلم غوائل، فمن غوائله أن يترك العمل به حتى يذهب، ومن غوائله النسيان، ومن غوائله الكذب فيه، وهو شر غوائله" ٣. وقال الإمام عامر بن شراحيل الشعبي (ت ١٠٣هـ.) : "كنا نستعين على حفظ

стр. 22

الحديث بالعمل به، وكنا نستعين على طلبه بالصوم" ١. وعن أبي قِلابَة عبد الله بن زيد الجَرْمي (ت ١٠٤هـ.) قال: "يا أيوب - يعني ابن أبي تميمة السختياني (ت ١٣١هـ.) - إذا أحدث الله لك علماً فأَحْدِث له عبادة، ولا يكن همك أن تحدّث به" ٢. وعن الحسن البصري (ت ١١٠هـ.) قال: "كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يُرى ذلك في تخشّعه وهديه ولسانه ويده" ٣. وقال سفيان الثوري (ت ١٦١هـ.) : "يهتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل" ٤. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن ابن المبارك: سُئل سفيان الثوري: طلب العلم أحب إليه أو العمل؟ فقال: "إنما يراد العلم للعمل، فلا تدع طلب العلم للعمل، ولا تدع العمل لطلب العلم" ٥. وعن المرُّوذي، قال: قال لي أحمد: "ما كتبت حديثاً عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا وقد عملت به، حتى مرّ بي الحديث: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم احتجم وأعطى أبا طيبة الحجّام ديناراً، فاحتجمتُ وأعطيتُ الحجّام ديناراً" ٦.

стр. 23

قال الحافظ ابن الصلاح (ت ٦٤٣هـ.) : ورُوينا عن وكيع قال: "إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به" ١. وأخرج ابن عبد البر بسنده إلى سفيان الثوري قال: "العلماء إذا علموا عملوا، فإذا عملوا شُغِلو، فإذا شُغِلوا فُقِدوا، فإذا فُقِدوا طُلبوا، فإذا طُلبوا هربوا" ٢. وعن حبيب بن حجر القيسي قال: "كان يُقال: ما أحسن الإيمان ويزينه العلم، وما أحسن العلم ويزينه العمل، وما أحسن العمل ويزينه الرفق، وما أضيف شيء إلى شيء مثل حلم إلى علم" ٣. وأخرج ابن عبد البر بسنده إلى علقمة عن ابن مسعود قال: "ما استغنى أحد بالله إلا احتاج إليه الناس، وما عمل أحد بما علّمه الله إلا احتاج الناس إلى ما عنده" ٤. وقال عمرو بن قيس الملائي (ت بعد ١٤٠هـ.) : "إذا بلغك شيء من الخير فاعمل به ولو مرة تكن من أهله" ٥. وعن أبي عصمة عاصم بن عصام البيهقي قال: "بتُّ ليلة عند الإمام أحمد،

стр. 24

فجاء بالماء فوضعه، فلما أصبح نظر إلى الماء فإذا هو كما كان، فقال: سبحان الله رجل يطلب العلم لا يكون له وِرد بالليل" ١. وقال الخطيب البغدادي: "ينبغي لطالب العلم والحديث أن يتميز في عامة أموره عن طرائق العوام باستعمال آثار الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم ما أمكنه، وتوظيف السنة على نفسه، فإن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ٢" ٣. هكذا كان هدي السلف الصالح ومنهجهم في طلب العلم: إنما هو لبلوغ رضوان الله بامتثال أمره واجتناب نهيه. لذلك كان لا يلبث الرجل منهم إذا طلب العلم أن يُرى أثر ذلك في هديه وسمته وتخشعه وعبادته. وكانوا سريعي الاستجابة، حريصين على الامتثال. فعندما يبلغ أحدهم سنةٌ عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يُبادر إلى العمل والالتزام بها؛ كما كانوا حريصين على الفقه في الدين والاستزادة من العلم النافع والعمل الصالح في كل يوم وكل لحظة. وقدوتهم في ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي كان من دعائه في جوف الليل: "اللهم انفعني بما علّمتَني وعلِّمني ما ينفعني وزدني علماً" ٤. قال إبراهيم الحربي: "لقد صحِبتُ أحمد بن حنبل عشرين سنة: صيفاً وشتاءً، حراًّ وبرداً، ليلاً ونهاراً فما لقيته لَقَاةً في يوم إلا هو زائد عليه بالأمس" ٥.

стр. 25

ولم يكن من هديهم طلب العلم للتصدر والتحدث به في المجالس، بل كان همهم العبادة لله، والدعوة إلى دين الله على هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه. وهذا بخلاف ما عليه كثير ممن ينتسب إلى طلب العلم اليوم، إذ همُّ أكثرهم التصدر والتحدث في المجالس، لجذب الأنظار إلى شخصه، نسأل الله العافية!!

стр. 26

الفصل الثاني: ما هو العلم المراد تعلمه ... ما هو العلم المراد تعلمه؟ أولاً: أنوع العلوم: قال الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد البر (ت ٤٦٣هـ.) : " ... وحدُّ العلم عند العلماء هو ما استيقنته وتبينته، وكل من استيقن شيئاً وتبينه فقد علمه". ثم قال: "والعلوم تنقسم إلى قسمين: ١ - ضروري، ٢ - ومكتسب. فحد الضروري ما لا يمكن العالم أن يشكك فيه نفسه، ولا يدخل فيه على نفسه شبهة، ويقع له العلم بذلك قبل الفكرة والنظر، ويدرك ذلك من جهة الحس والعقل. وأما العلم المكتسب فهو ما كان طريقه الاستدلال والنظر، وفيه الخفي والجلي، فما قرب من العلوم الضرورية كان أجلى، وما بعُد منها كان أخفى. والعلوم عند جميع أهل الديانات ثلاثة: ـ ١ - علم أعلى٢ - علم أوسط ٣- علم أسفل. فالعلم الأعلى عندهم علم الدين الذي لا يجوز لأحد الكلام فيه بغير ما أنزله الله في كتابه وعلى ألسنة أنبيائه صلوات الله وسلامه عليهم. والعلم الأوسط هو معرفة علوم الدنيا التي تكون معرفة الشيء منها بمعرفة نظيره، ويستدل عليه بنظيره وبجنسه ونوعه، كعلم الطب والهندسة.

стр. 27

والعلم الأسفل إحكام الصناعات ودروب الأعمال مثل السباحة، والفروسية، والرمي وما أشبه ذلك من الأعمال التي هي أكثر من أن يجمعها كتاب أو يأتي عليها وصف، وإنما تحصل بتدريب الجوارح فيها ١. فالعلم الأول: علم الأديان، والثاني: علم الأبدان، والثالث: ما دربت على عمله الجوارح. واتفق أهل الأديان أن الأعلى هو علم الدين ٢. وقال أبو إسحاق الحربي ٣: "العلوم ثلاثة: علم دنياوي، وعلم دنياوي وأخراوي، وعلم لا للدنيا ولا للآخرة. العلم الذي للدنيا علم الطب والنجوم وما أشبه ذلك، والعلم الذي للدنيا والآخرة علم القرآن والسنن والفقه فيهما، والعلم الذي ليس للدنيا ولا للآخرة علم الشعر والشغل به" ٤. وقال الحافظ ابن رجب (ت ٧٩٥هـ.) : "قد ذكر الله تعالى في كتابه العلم تارة في مقام الحمد، وهو العلم النافع، وتارة في مقام الذم، وهو العلم الذي لا ينفع ... "، ثم قال: "ولهذا جاءت السنة بتقسيم العلم إلى نافع وإلى غير نافع، والاستعاذة من العلم الذي لا ينفع، وسؤال الله العلم النافع. "ففي صحيح مسلم عن زيد بن أرقم أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع، ومن قلب لا يخشع، ومن نفس لا تشبع، ومن دعوة لا يستجاب لها" ٥.

стр. 28

وفي سنن ابن ماجه عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "سلوا الله علماً نافعاً، وتعوّذوا بالله من علم لا ينفع" ١" ٢. وقال ﵀: "فالعلم - كما قال الحسن البصري - علمان: علم اللسان، فذاك حجة على ابن آدم، وعلم في القلب، فذاك العلم النافع، ثم قال: فالعلم النافع هو ما باشر القلب، فأوقر فيه معرفة الله، وعظمته، وخشيته، وإجلاله، وتعظيمه، ومحبته، ومتى سكنت هذه الأشياء في القلب خشع فخشعت الجوارح تبعاً له" ٣. ثانياً: معرفة الدين على أقسام ورتب قال أبو عمر بن عبد البر ٤: "واتفق أهل الإسلام على أن الدين تكون معرفته على ثلاثة أقسام: أولها: معرفة خاصة الإيمان والإسلام، وذلك معرفة التوحيد والإخلاص، ولا يُوصل إلى علم ذلك إلا بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فهو المؤدي عن الله، والمُبَيِّنُ لمراده، وبما في القرآن من الأمر بالاعتبار في خلق الله بالدلائل من آثار صبغته في بريته على توحيده وأزليته سبحانه والإقرار والتصديق بكل ما في القرآن بملائكة الله وكتبه ورسله". وقال الحافظ ابن رجب في شرح حديث أبي الدرداء في طلب العلم: "فأفضل العلم العلم بالله، وهو العلم بأسمائه، وصفاته، وأفعاله التي توجب لصاحبها معرفة الله وخشيته ومحبته وهيبته وإجلاله وعظمته والتبتل إليه

стр. 29

والتوكل عليه ... ويتبع ذلك العلم بملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر وتفاصيل ذلك، والعلم بأوامر الله، ونواهيه، وشرائعه، وأحكامه، وما يحبه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة، وما يكرهه من عباده من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. "ومن جمع هذه العلوم من العلماء الربانيين، العلماء بالله العلماء بأمره، وهم أكمل ممن قصر علمه على العلم بالله دون العلم بأمره وبالعكس. وشاهد هذا النظر في حال الحسن، وابن المسيب، والثوري، وأحمد وغيرهم من العلماء الربانيين، وحال مالك بن دينار، والفضيل بن عياض، ومعروف الكرخي، وبشر الحافي وغيرهم من العارفين، فمن قايس الحالين عرف فضل العلماء بالله بأمره على العلماء بالله فقط، فما الظن بتفضيل العلماء بالله وبأمره على العلماء بأمره فقط، فإن هذا واضح لا خفاء فيه" ١. والقسم الثاني:٢ معرفة مخرج خبر الدين وشرائعه، وذلك معرفة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الذي شرح الله الدين على لسانه ويده، ومعرفة أصحابه الذين أدّوا ذلك عنه، ومعرفة الرجال الذين حملوا ذلك عنهم، وطبقاتهم، ومعرفة الخبر الذي يقطع العذر لتواتره وظهوره. والثالث: معرفة السنن وواجبها وأدبها وعلم الأحكام، وفي ذلك يدخل خبر الخاصة والعدول، ومعرفته، ومعرفة الفريضة من النافلة، ومخارج الحقوق، والتداعي، ومعرفة الإجماع والشذوذ. قالوا: ولا يوصل إلى الفقه إلا بمعرفة ذلك، وبالله تعالى التوفيق" اه. ملخصاً.

стр. 30

وقال الخطيب البغدادي: "فواجب على كل أحد طلب ما تلزمه معرفته مما فرض الله عليه على حسب ما يقدر عليه من الاجتهاد لنفسه، وكل مسلم بالغ عاقل من ذكر وأنثى حر وعبد تلزمه الطهارة، والصلاة، والصيام فرضاً. فيجب على كل مسلم تعرّف علم ذلك. وهكذا يجب على كل مسلم أن يعرف ما يحل له وما يحرم عليه من المآكل والمشارب والملابس، والفروج، والأموال، والدماء، فجميع هذا لا يسع أحداً جهلُه، وفرضٌ عليهم أن يأخذوا في تعلّم ذلك حتى يبلغوا الحلم وهم مسلمون، أو حين يسلمون بعد بلوغ الحلم. ويجبر الإمام أزواج النساء وسادات الإماء على تعليمهن ما ذكرنا، وفرض على الإمام أن يأخذ الناس بذلك ويرتب أقواماً لتعليم الجهّال، ويفرض لهم الرزق في بيت المال، ويجب على العلماء تعليم الجاهل ليتميز له الحق من الباطل" ١. أخرج الخطيب البغدادي في الجامع عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي (ت ٢٢٧هـ.) قال: "بينا أنا عند شعبة ذات يوم إذ جاءه رجل غريب، فقال: يا أبا بسطام حدثني بحديث حماد عن إبراهيم أنه قال: لأن يلبس الرجل في طلب العلم النعلين زمامهما من حديد، فلم يحدثه شعبة به. فقال: يا أبا بسطام أنا رجل من أهل المغرب، أتيتك لهذا الحديث من مسيرة ستة أشهر. فقال: ألا تعجبون من هذا جاء من مسيرة ستة أشهر يسألني عن حديث لا يُحل حراماً ولا يُحرِّم حلالاً!! اكتبوا: حدثني قتادة، عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" ثم قال له: إذا سألت يا أخا أهل المغرب فَسَلْ عن مثل هذا، وإلا فقد ذهبت رحلتك باطلاً" ٢.

стр. 31

وأخرج أيضاً في تاريخه ١ عن ابن جريج قال: "أتيت عطاءً وأنا أريد هذا الشأن، وعنده عبد الله بن عبيد بن عمير. فقال لي عبد الله بن عبيد: قرأت القرآن؟ قلت: لا. قال: فاذهب فاقرأِ القرآن ثم اطلب العلم. قال: فذهبت فغبرت زماناً حتى قرأت القرآن، ثم جئت إلى عطاء، وعنده عبيد الله بن عبيد فقال: تعلمت القرآن - أو قرأت القرآن -؟ قلت: نعم. قال تعلمت الفريضة؟ قلت: لا. قال: تعلم الفريضة ثم اطلب العلم. قال: فطلبت الفريضة ثم جئت فقال: تعلمت الفريضة؟ قلت: نعم. قال: الآن اطلب العلم. قال فلزمت عطاءً سبع عشرة سنة". وعن أحمد بن حبان المعروف بشامط قال: دخلت على أبي عبد الله أحمد بن حنبل فقلت: أتوضأ بماء النورة؟ فقال: ما أحب ذلك. قلت: أتوضأ بماء الباقلاء؟ قال: ما أحب ذلك. قلت: أتوضأ بماء الورد؟ قل ما أحب ذلك. فقمتُ فتعلّق بثوبي ثم قال: أَيْشٍ تقول إذا دخلت المسجد؟ فسكتُّ. فقال: أَيْشٍ تقول إذا خرجت من المسجد؟ فسكتُّ. فقال: اذهب فتعلّمْ هذا" ٢. ثم قال ابن عبد البر - في باب رتب طلب العلم ٣: "طلب العلم درجات ورتب لا ينبغي تعدّيها، ومن تعدّاها جملة فقد تعدّى سبيل السلف ﵏، ومن تعدّى سبيلهم عامداً ضلّ، ومن تعدّاه مجتهداً زلّ. فأول العلم حفظ كتاب الله وتفهُّمه، وكل ما يعين على فهمه فواجب طلبه معه. ولا أقول إن حفظه كله فرض، لكن أقول إن ذلك واجب لازم على من أحب أن يكون عالماً، وليس من باب الفرض".

стр. 32

وذكر بإسناده إلى الضحاك بن مزاحم في قوله تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ﴾ ١ قال: "حق على كل من تعلّم القرآن أن يكون فقيهاً" ٢. وقال ابن جرير الطبري ﵀ (ت ٣١٠هـ.) بعد ذكره لأقوال السلف في تفسير هذه الآية: "فالربانيون إذاً هم عماد الناس في الفقه والعلم وأمور الدين والدنيا، ولذلك قال مجاهد: هم فوق الأحبار، لأن الأحبار هم العلماء، والرباني الجامع إلى العلم والفقه والبصر بالسياسة والتدبير، والقيام بأمور الرعية، وما يصلحهم في دينهم ودنياهم" ٣. وقال ابن عبد البر: "فمن حفظه قبل بلوغه ثم فرغ إلى ما يستعين به على فهمه من لسان العرب كان له ذلك عوناً كبيراً على مراده منه ومن سنن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم ينظر في ناسخ القرآن ومنسوخه وأحكامه، ويقف على اختلاف العلماء في ذلك، وهو أمر قريب على من قرّبه الله عليه. ثم ينظر في السنن المأثورة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فبها يصل الطالب إلى مراد الله في كتابه وهي تفتح له أحكام القرآن فتحاً، وفي سيرة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تنبيه على كثير من الناسخ والمنسوخ في السنن. "ومن طلب السنن فليكن معوله على حديث الأئمة الثقات الحفاظ الذين جعلهم الله خزائن العلم وأمناء سنن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كمالك بن أنس ومن جرى مجراه من ثقات علماء الحجاز، والعراق، والشام كشعبة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، ومعمر وسائر الأئمة ﵏ جميعاً".

стр. 33

وقال ﵀: "ويلزم صاحب الحديث أن يعرف الصحابة الذين نقلوا الدين عن نبيهم صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ويُعنى بسيرهم وفضائلهم، ويعرف أحوال الناقلين عنهم وأخبارهم حتى يقف على معرفة العدول منهم من غير العدول، وهو أمر قريب كله على من اجتهد" ١. وقال أيضاً: "فعليك يا أخي بحفظ الأصول والعناية بها، واعلم أن من عُنِيَ بحفظ السنن والأحكام المنصوصة في القرآن ونظر في أقاويل الفقهاء فجعلها عوناً له على اجتهاده ومفتاحاً لطرائق النظر، وتفسيراً لجمل السنن المحتمل للمعاني، ولم يقلد أحداً منهم تقليد السنن التي يجب الانقياد إليها على كل حال دون نظر، ولم يرح نفسه مما أخذ العلماء به أنفسهم من حفظ السنن وتدبرها واقتدى بهم في البحث والتفهم والنظر، فهذا هو الطالب المتمسك بما عليه السلف الصالح، وهو المصيب لحظه والمعاين لرشده والمتبع لسنة نبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهدي صحابته ﵃، ومن أعفى نفسه من النظر وأضرب عما ذكرنا وعارض السنن برأيه ورام أن يردها إلى مبلغ نظره فهو ضال مضلّ، ومن جهل ذلك كله أيضاً وتقحم في الفتوى بلا علم فهو أشر عمى وأضل سبيلاً" ٢. وقال الحافظ ابن رجب (ت ٧٩٥هـ.) ﵀: "واعلم أن علم الحلال والحرام علم شريف ومنه ما تعلُّمه فرض عين، ومنه ما هو فرض كفاية. وقد نصّ العلماء على أن تعلّم - يعني فرض الكفاية - أفضل من نوافل الطاعات، منهم أحمد، وإسحاق بن راهويه. وكان أئمة السلف يتوقَّون الكلام فيه تورعاً، لأن المتكلم فيه مخبر عن الله بأمره ونهيه، ومبلّغ عنه شرعه ودينه. كان ابن سيرين إذا سُئل عن شيء من الحلال والحرام تغير لونه وتبدل حتى كأنه ليس بالذي كان.

стр. 34

قال عطاء بن السائب: أدركت أقواماً إن كان أحدهم ليُسأل عن الشيء فيتكلم وإنه ليرعد. كان الإمام أحمد شديد التورع في إطلاق الحلال والحرام ودعوى النسخ ونحو ذلك مما يجسر عليه غيره كثيراً" ١.

стр. 35

الفصل الثالث: البرنامج العملي للطالب أثناء تعلمه ... البرنامج العملي للطالب أثناء تعلمه هذا البرنامج ذكره الحافظ بدر الدين بن جماعة (ت ٧٣٣هـ.) في الباب الثالث من كتابه القيّم تذكرة السامع والمتكلم في آداب العالم والمتعلم ١، وذلك جمعاً وتلخيصاً من أقوال وكتب الأئمة السابقين له، كالخطيب البغدادي (ت ٤٦٣هـ.) ٢، والحافظ أبي عمر بن عبد البر (ت ٤٦٣هـ.) ٣، والإمام النووي (ت ٦٧٦هـ.) ٤ وغيرهم، مضيفاً إلى ذلك ما توصل إليه اجتهاده وخبراته في طلب العلم والتعليم. وقد خصص ﵀ هذا الباب لآداب الطالب: أولاً: في نفسه، ثانياً: مع شيخه، ثالثاً: في درسه. واقتصرت هنا على أهم تلك الآداب التي نقلها عن السلف، مما له تعلق بالبرنامج العملي لطالب العلم، ومما يحتاجه طالب العلم اليوم، مضيفاً إليه ما وجدته في هذا الباب عند غيره مما له تعلق به.

стр. 36

أولاً: آداب الطالب في نفسه ١ - تطهير القلب من كل غش وغل وحسد وسوء معتقد أو خلق، ليصلح بذلك لقبول العلم وحفظه. ٢ - حسن النية في طلب العلم بأن يقصد به وجه الله تعالى، والعمل به، وإحياء السنة، وتنوير قلبه، وتحلية باطنه. قال سفيان الثوري ﵀: "ما عالجت شيئاً أشد عليّ من نيتي" ١. وقال أبو يوسف القاضي ﵀: "يا قوم أريدوا بعلمكم الله تعالى، فإني لم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أتواضع إلاّ لم أقم حتى أعلوهم، ولم أجلس مجلساً قط أنوي فيه أن أعلوهم إلا لم أقم حتى أفتضح. والعلم عبادة من العبادات وقربة من القرب" ٢. ٣ - المبادرة إلى تحصيل العلم في وقت الشباب، ولا يغتر بخدع التسويف والتأميل، فإن كل ساعة تمضي من عمره لا بدل لها ولا عوض. ويقطع ما يقدر على قطعه من العلائق الشاغلة والمانعة من تمام الطلب، وبذلك الاجتهاد والجد في التحصيل، ولذلك استحب السلف التغرب عن الأهل والبعد عن الوطن أثناء الطلب. وما أكثر الذين غرتهم خدع التسويف والتأميل من الطلبة اليوم، فتجد الطالب منهم في مرحلة الدارسة يؤجل كثيراً من الأمور المهمة كحفظ كتاب الله، وحفظ المتون، والتدرج في أساسيات العلم وغير ذلك، وذلك بحجة أنه بعد التخرج سيتفرغ لكل هذه الأمور وغيرها، ثم يفاجأ بعد التخرج من الدراسة

стр. 37

بكثير من الأعمال والمشاغل التي ما كانت تلزمه وهو طالب، إذ بعد تخرجه يصبح مدرساً، أو موظفاً ورب أسرة، وكل ذلك له مسؤولياته. ومن المقطوع به أن الشاب في مرحلة الطلب أفرغ ما يكون حيث لا علائق ولا مشكلات - في الغالب - لكن كثيراً من الطلبة يهدرون أوقاتهم في الأكل والنوم والجدل والخصومات، والاشتغال بما لا يلزمهم الاشتغال به في هذه المرحلة، عكس ما كان عليه السلف ﵏، من الجد والمثابرة والحرص على التحصيل، واغتنام الفرص والأوقات في مرحلة الطلب لحفظ العلم والتفقه فيه والعمل به. وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: "اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك" ١. ٤ - أن يقنع من القوت بما تيَسَّر ومن اللباس بما يستر مثله، وإن كان خَلِقاً، فبالصبر على ضيق العيش ينال سعة العلم ويجمع شمل القلب من مفترقات الآمال. وقال الإمام الشافعي ﵀: "لا ينال أحد هذا العلم بالمال وعز النفس فيفلح، ولكن من طلبه بذل النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح" ٢. ٥ - أن يقسّم أوقات ليله ونهاره، ويغتنم ما بقي من عمره، فإن بقية العمر لا قيمة له، وأجود الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الإبكار، وللكتابة وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل. قال الخطيب البغدادي ﵀: "أجود أوقات الحفظ الأسحار ثم وسط

стр. 38

النهار ثم الغداة، وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع، وأجود أماكن الحفظ الغرف، وكل موضع بعيد عن الملهيات. وليس بمحمود الحفظ بحضرة النبات، والخضرة، والأنهار، وقوارع الطرق، وضجيج الأصوات، لأنها تمنع من خلو القلب غالباً" ١. ٦ - أن يقلل من نومه ما لم يلحقه ضرر في بدنه وذهنه، ولا يزيد في نومه في اليوم والليلة عن ثمان ساعات، وهي ثلث الزمان، فإن احتمل حاله أقل منها فعل. ولا بأس أن يريح نفسه، وقلبه، وبصره إذا كلّ شيء من ذلك، أو ضعف بتنزه في المتنزهات، بحيث يعود إلى حاله ولا يضيع عليه زمانه، ولا بأس بمعاناة المشي ورياضة البدن به، فقد قيل إنه ينعش الحرارة ويذيب فضول الأخلاط وينشط البدن. ٧ - من أعظم الأسباب المعينة على الاشتغال بالعلم والفهم وعدم الملال أكل القدر اليسير من الحلال. وسبب ذلك أن كثرة الأكل جالبة لكثرة الشرب، وكثرته جالبة للنوم والبلادة وقصور الذهن والفتور الحواس، وكسل الجسم، هذا مع ما فيه من الكراهية الشرعية والتعرض لخطر الأسقام البدنية، ولم يوصف أحد من الأولياء والأئمة العلماء بكثرة الأكل، ولا حُمِدَ به، وإنما يُحمد كثرة الأكل من الدواب التي لا تعقل.

стр. 39

قال أبو محمد عبد الله بن محمد الأندلسي القحطاني في نونيته: لا تحشُ بطنَك بالطعام تَسَمُّناً ... فَجُسُومُ أهلِ العلمِ غيرُ سِمانِ أقلِلْ طعامَك ما استطعتَ فإنهُ ... نَفعُ الجُسومِ وصحَّةُ الأَبْدانِ واملِكْ هواك بضبطِ بَطنِكَ ... إنهُ شرُّ الرِّجالِ العاجزُ البَطنَانِ والأولى أن أكثر ما يأخذ من الطعام ما ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "ما ملأ ابن آدم وِعاءً شراً من بطنه، بحسب ابن آدم لُقيمات يُقِمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلثٌ لطعامِه، وثلثٌ لشرابه، وثلث لنفَسِهِ" ١. ٨ - أن يقلل استعمال المطاعم التي هي من أسباب البلادة وضعف الحواس كالتفاح الحامض، والباقلاء، وشرب الخل وكذلك استعمال ما يسبب البلغم المبلد للذهن، المثقل للبدن، ككثرة الألبان، والسمك وأشباه ذلك. وينبغي أن يستعمل ما جعله الله تعالى سبباً لجودة الذهن كمضغ اللبان، والمصطكى حسب العادة، وأكل الزبيب بكرة، ولعق العسل ونحو ذلك. كان الإمام الزهري (ت ١٢٤هـ.) يحث تلاميذه على حفظ الحديث، ويقول: "من أحب أن يحفظ الحديث فليأكل الزبيب"، وكان ﵀ يتصبح بلعق العسل ٢. ٩ - أن يأخذ نفسه بالورع في جميع شأنه ويتحرى الحلال في طعامه، وشرابه، ولباسه، ومسكنه، وفي جميع ما يحتاج إليه هو وعياله ليستنير قلبه

стр. 40

ويصلح لقبول العلم ونوره، والنفع به، ولا يقنع لنفسه بظاهر الحل شرعاً مهما أمكنه التورع، ولم تلجئه حاجة، أو يجعل حظه الجواز بل يطلب الرتبة العالية، ويقتدي بمن سلف من العلماء الصالحين في التورع عن كثير مما كانوا يفتون بجوازه. قال أبو الدرداء: "تمام التقوى أن يتقي الله العبدُ حتى يتقيَه من مثقال ذرة، وحتى يترك بعض ما يُرى أنه حلال خشية أن يكون حراماً، حجاباً بينه وبين الحرام". وعن ابن عمر قال: "إني لأحب أن أدع بيني وبين الحرام سترة من الحلال لا أخرقها" ١. وعن ميمون بن مهران: "لا يسلم للرجل الحلال حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزاً من الحلال" ٢. وعن سفيان بن عيينة: "لا يصيب عبدٌ حقيقة الإيمان حتى يجعل بينه وبين الحرام حاجزاً من الحلال" ٣. وأحق من يقتدى به في ذلك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن نظم عبد الله بن المبارك ٤: يا طالبَ العلمِ بادِرِ الورعاَ ... وهاجرِ النومَ واهجُرِ الشبعا ١٠ - ينبغي لطالب العلم أن لا يخالط إلا من يفيده أو يستفيد منه، فإن تسرع أو تعرض لصحبة من يضيع عمره معه ولا يفيده ولا يستفيد منه، ولا يعينه على
следующие страницы →