وأما قولهم: ويسلمون على المسافرين: فنقول: اعلم يا أخي أنّا قد بينا فيما تقدم براءة المشايخ مما نسبه عنهم هؤلاء المفترون من إباحة السفر إلى بلاد المشركين.
وأما السلام على المسافرين فقد بينا في مسألة الهجر, أن ذلك من باب التأديب والتعزير لأهل الذنوب والمعاصي, وأن ذلك مشروع إذا كان فيه مصلحة راجحة على مفسدته, وأما إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته فليس بمشروع. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية _قدس الله روحه_:
"وهذا الهجر يختلف باختلاف المهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم, فإن المقصود زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله, فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته (١) (كان مشروعا) (٢) , وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر, والهاجر ضعيف بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر, بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع (من الهجر) , والهجر لبعض الناس انفع من التأليف, ولهذا كان النبي ﷺ يتألف أقواما ويهجر آخرين. وقد يكون المؤلفة قلوبهم أشر حالا في الدين من المهجورين, كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيرا من أكثر المؤلفة قلوبهم, لكن أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم,
стр. 107
فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم, وهؤلاء كانوا مؤمنين, والمؤمنون سواهم كثيرون. فكان في هجرهم عز الدين وتطهيرهم من ذنوبهم ... إلى آخر كلامه.
فإذا تحققت هذا فقد هجر المشايخ المسافرين إلى بلاد المشركين مدة طويلة, فلما لم ينجع فيهم الهجر, ولم ينزجروا عن السفر, رأوا أن درأ المفسدة التي تفضي إلى المقاطعة والمدابرة والتباغض والتحاسد والشحناء أرجح من مصلحة الهجر, كما في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: " لا تقاطعوا, ولا تدابروا, ولا تباغضوا, ولا تحاسدوا, وكونوا عباد الله إخوانا " (١) .
وقال ﷺ في الحديث الذي في "السنن": " ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ " قالوا: بلى يا رسول الله. قال:" إصلاح ذات البين, فإن فساد ذات البين هي الحالقة, لا أقول: تحلق الشعر, ولكن تحلق الدين " (٢) .
стр. 108
وقال في الحديث الصحيح:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" (١) . انتهى.
فإذا فهمت هذا فاعلم أن للمسلم على المسلم حقوقا في الإسلام, يجب مراعاتها, وله من الذنوب والمعاصي ما يوجب بغضه ومعاداته عليها, فيحب ويوالي ويكرم من وجه, ويبغض ويعادي ويهان من وجه آخر. فإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر, وبر وفجور, وطاعة ومعصية, وسنة وبدعة, استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير, واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر, فيجتمع في الرجل الواحد موجبا الإكرام والإهانة, فيجتمع له من هذا وهذا, كاللص الفقير تقطع يده لسرقته, ويعطي ما يكفيه من بيت المال لحاجته.
هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة, وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه فلم يجعلوا الناس إلا مستحقا للثواب فقط, أو مستحقا للعقاب فقط. وأهل السنة يقولون: "إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبه, ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة بفضله ورحمته, كما استفاضت بذلك السنة عن النبي ﷺ كما قرر ذلك شيخ الإسلام في مسألة الهجر.
стр. 109
فلما عاملنا المسافرين بهذه المعاملة, أخذنا بقول أئمة الإسلام, أنكر هؤلاء الجهال علينا ذلك وطعنوا به, ورأوا أن ذلك من أعظم المنكرات.
ومراد هؤلاء ومرامهم منا أن نسير في المسلمين بسيرة الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم, فنأخذ بالشدة والتضييق والحرج على الأمة, وأن لا نرى للمسلم على المسلم حقوقا في الإسلام, وأن نترك ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة, فلا نجعل الناس إلا مستحقا للثواب فقط أو مستحقا للعقاب فقط.
ونحن نبرأ إلى الله من هذا المذهب, ونعوذ بالله من الحور بعد الكور, ومن الضلالة بعد الهدى.
والدليل من السنة على أن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح: حديث أبي هريرة المتفق عليه عنه ﷺ أنه قال: " لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلا يصلي بالناس, ثم أنطلق إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار " فهمّ بتحريق من لم يشهد الصلاة.
في "المسند" وغيره:" لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأمرت أن تقام الصلاة " الحديث (١) .
فبين ﷺ أنه همّ بتحريق البيوت على من لم يشهد الصلاة, وبين أنه إنما منعه من ذلك من فيها من النساء والذرية, فإنهم لا يجب عليهم
стр. 110
شهود الصلاة, وفي تحريق البيوت قتل ما لا يجوز قتله, كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية _قدس الله روحه_.
وكذلك لما استأذنه بعض الصحابة في قتل المنافقين, قال: " لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " (١) وكذلك لما استؤذن في قتل رجل آخر منهم قال: " إذا ترعد له أنوف كثيرة بيثرب " إلى غير ذلك من الأحاديث التي قدم فيها درء المفاسد على جلب المصالح, كما قرر ذلك علماء أهل السنة والجماعة, والله أعلم.
وأما قول السائل: ويقولون ساكن البادية والنازل منها إلى الحاضرة سواء, فنقول:
وهذا أيضا من الكذب على المشايخ, فإنه لم يقل أحد منهم أن من أسلم من البادية ودخل في هذا الدين ولم يهاجر, كمن هاجر منهم وترك جميع ما كان عليه من أمور الجاهلية وسكن مع الحاضرة: أنهم سواء, بل هذا من أعظم الكذب والافتراء. وقد بينا فضل من هاجر على من لم يهاجر فيما تقدم بما أغنى عن إعادته هنا.
وإنما قال المشايخ لمن سألهم منهم عن حكم من أسلم وتبين له الدين وكان متمكنا من إقامة دينه وإظهاره بين من لم يسلم من الأعراب الساكنين في البادية: أن الهجرة لا تجب عليه, بل هي مستحبة في حقه,
стр. 111
لأنه لا واجب إلا من أوجبه الله ورسوله, ولا حرام إلا ما حرما الله ورسوله, ولا حلال إلا ما أحله الله ورسوله. وقد أوضحنا هذا مفصلا فيما تقدم. والله أعلم.
وأما قول السائل: ويقولون: بروا في آبائكم وأقاربكم الذين ماتوا, واسكتوا وكفوا عنهم.
فالجواب: أن نقول: إن كان مراد هؤلاء الذين يطعنون على المشايخ المسلمين تارة بالظّلم, وتارة بالعدوان والزور والبهتان, وتارة بالجهل وعدم العلم بما كان عليه سلف الأمة وأئمتها وعلماء المسلمين, الذين ساروا على منهاج أهل السنة والجماعة: أن المشايخ يقولون: بروا في آبائكم وأقاربكم الذين ماتوا على الكفر بالله والإشراك به. فهذا كذب على المشايخ, ولم يقل ذلك أحد منهم.
وإن كان مرادهم بآبائهم وأقاربهم الذين ماتوا وظاهرهم الإسلام ولم نذر ما ماتوا؟ فهذا القول من هؤلاء الجهلة قد قاله قبلهم من بهت شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب _قدس الله روحه_ بأنه ينهى أتباعه عن الاستغفار والتضحية لمن ماتوا من آبائهم وأقاربهم ولم يدركوا دعوته, كما ذكر ذلك عثمان بن منصور في المطاعن التي طعن بها على الشيخ محمد بن عبد الوهاب حيث قال:"والويل كل الويل لمن استغفر من أتباعه لوالديه, أو ضحى لهم" فأجابه شيخنا الشيخ عبد اللطيف _رحمه الله_ بقوله:"فهذه القولة الضالة كأخواتها السابقة, فيها من نقض عهده الذي
стр. 112
جعله على نفسه, وفيها من البهت والكذب وطلب العنت للبراء ما يقضي بفسوق القائل. فنعوذ بالله من استحكام الهوى, والضلال بعد الهدى, فمن قال في مؤمن ما ليس فيه حبس في ردغة الخبال حتى يخرج مما قال.
ولا نعلم أن أحدا من أهل العلم والدين نهى عن الاستغفار والتضحية إلا إذا استبان أن الشخص الذي يستغفر له من أصحاب الجحيم, بأن مات يدعو لله ندّا, وهذا نص القرآن, قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (التوبة:١١٣) .
هذا مذهب الشيخ وأهل العلم من أتباعه. وأما التخليط والحكم بالظّنّ (١) والهذيان, فذاك من طوائف الشيطان, يصدهم به عن سبيل العلم والإيمان.
وفي قول المعترض: الذين لم يدركوا دعوته؛ أن من تقادم عهده, وتطاول عصره, داخل في عموم كلامه, وأن الشيخ ينهى عن الاستغفار له. وإطلاق هذا يتناول القرون المفضلة ومن بعدهم, وليس هذا ببدع من كذبه وبهته, وحسابه على الله وأمره إليه, قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (النحل:١٠٥) .
стр. 113
لي حيلة فيمن ينمّ
وليس في الكذاب حيلة
من كان يخلق ما يقول
فحيلتي فيه قليلة
أين ميثاقه وعهده؟ قال تعالى: ﴿وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾ (لأعراف:١٠٢) .
حلفت لنا أن لا تخون عهودنا
فكأنها حلفت (لنا) أن (١) لا تفي
انتهى.
والعهد الذي ذكره شيخنا الشيخ عبد الله عن ابن منصور أنه أخذ على نفسه أن لا ينقل عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلا ما صح عنده بنقل العدول الأثبات.
إذا عرفت هذا: فالبهت الذي بهتوا به الشيخ _رحمه الله_ إنما هو بمجرد الاستغفار والتضحية لوالديهم الذين لم يدركوا دعوته. وأما هؤلاء فأطلقوا لفظ البرّ وهو أعلم من الاستغفار والتضحية, فيدخل فيه جميع أنواع البرّ.
وأما قولهم: واسكتوا وكفوا عنهم. فالجواب عن ذلك أن نقول: قد تقدم في جواب أولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن هذه المسائل ما فيه الكفاية, وفيه: وإن كان لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله تعالى, وأما
стр. 114
سبه ولعنه فلا يجوز, بل لا يجوز سب الأموات مطلقا كما في "صحيح البخاري" عن عائشة _رضي الله عنها_ أن رسول الله ﷺ قال:" لا تسبوا الأموات, فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا " إلا أن يكون أحد من أئمة الكفر وقد اغتر الناس به فلا بأس بسبه, إذا كان فيه مصلحة دينية. انتهى, والله أعلم.
وأما قول السائل: ويقولون: لبس العمامة, ولابس العقال سواء فالجواب: أن نقول:
نعم قد قال ذلك المشايخ, لأن لبس العمامة من المباحات التي أباحها الله ورسوله, وهي من العادات الطبعية التي اعتاد العرب لبسها في الجاهلية والإسلام, لا من العبادات الشرعية التي شرعها رسول الله ﷺ وسنها لأمته, قال الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً﴾ (لأعراف: من الآية٢٦) , وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (لأعراف: من الآية٣٢) .
وأما لبس العقال فهو أيضا من المباحات, ولم يرد في الأمر به والنهي عنه عن العلماء ما يجب تحريمه ولا كراهته, لأن لبسه من العادات الطبعية كغيره من الملابس التي اعتاد الناس لبسها, كالعمامة والرداء والإزار والقميص وغير ذلك من الملابس العادية.
فبهذا الاعتبار يكون لبس العمامة التي كان رسول الله ﷺ وأصحابه يلبسونها عادة, ولبس العقال الذي يلبسه الناس اليوم من المباحات والعادات, فهما سواء بهذا الاعتبار.
стр. 115
وأما هذه العصائب المحدثة التي يزعم من أحدثها أنها من السنة فهي مكروهة, لأنها غير محنكة, ولا ساترة لجميع الرأس عند جميع العلماء, كما سننبه على ذلك, وقد نبهنا على عدم مشروعيتها عن إعادته ههنا. ونذكر ههنا مالم نذكره فيها من كلام العلماء.
قال السفاريني في "غذاء الألباب" في شرحه لمنظومة الآداب لابن عبد القوي, قال:
وعمّة مخلي (١) حلقه من تحنّك
لدى أحمد مكروهة بتأكّد
لنص _أحمد رضي الله عنه_ على كراهة ذلك, وكذلك الأصحاب, وحكى في "الآداب الكبرى" الخلاف في أن الكراهة هل هي للتحريم أو التنزيه. وقال في"الفروع": وكره أحمد لبس غير المحنكة. ونقل الحسن بن ثواب كراهية شديدة.
وقال شيخ الإسلام: المحكي عن الإمام أحمد الكراهة, والأقرب أنها كراهة لا ترتقي إلى التحريم.
وذكر كلاما طويلا عن كثير من العلماء من أهل المذاهب إلى أن قال: وقد أطنب ابن الحاج في "المدخل" لاستحباب التحنك, ثم قال: وإذا كانت العمامة من باب المباح فلا بد فيها من فعل سنن تتعلق بها,
стр. 116
من تناولها باليمين والتسمية والذكر الوارد _إن كان ممن يلبس جديدا_ وامتثال السنة في صفة التعميم من فعل التحنيك والعذبة وتصغير العمامة بقدر سبعة أذرع أو نحوها, يخرجون منها التحنك والعذبة, فإن زاد في العمامة قليلا لأجل حر أو برد فيتسامح فيه. إلى آخر ما ذكر _رحمه الله_.
فانظر إلى قوله: وإذا كانت العمامة من باب المباح فلا بد فيها من فعل سنن تتعلق بها, يستبين لك خطأ من زعم أن العمامة سنة سنها رسول الله ﷺ فإن العمامة عند جميع العلماء من باب المباح, لا من باب السنن. والمباح هو الذي لا يثاب فاعله, ولا يعاقب تاركه, وأما السنة فيثاب فاعلها, ولا يعاقب تاركها.
ثم ذكر _رحمه الله_ أنه لا بد فيها من فعل سنن تتعلق بها إلى آخر كلامه, ثم ذكر كلاما طويلا إلى أن قال: العاشر: الاقتعاط _هو بهمزة مكسورة فقاف ساكنة فمثناة فوق مكسورة فعين مهملة فألف فطاء مهملة_ أن يتعمم بغير تحنيك, كما تقدم.
قال ابن الأثير في "نهايته": فيه أي الحديث أنه ينهى عن الاقتعاط, وهو أن يعتم بالعمامة, ولا يجعل منها شيئا تحت ذقنه.
ويقال للعمامة: المِقْعَطَة (١) . وفي "القاموس": اقتعط: تعمّم. ولم يدر تحت الحنك, وكمكنسة العمامة. انتهى.
стр. 117
وقال علماؤنا: العمامة المحنكة: هي التي يدار منها تحت الحنك كور أو كوران _بفتح الكاف_ سواء كان لها ذؤابة أو لا, وهذه عمامة المسلمين على عهده ﷺ وهي أكثر سترا, ويشق نزعها, فلذلك جاز المسح عليها, والله تعالى أعلم. انتهى.
فهذا ما ورد من الأحاديث وكلام العلماء في هذه العمائم المقتعطة, وهي التي ليس تحت الحنك والذقن منها شيء.
مع انه ليس المقصود بلبس هذه العصائب التي يسمونها العمائم الاقتداء به ﷺ وأصحابه _رضي الله عنهم_ في هديه في لباسه, وما كان يعتاده هو وأصحابه_رضي الله عنهم_ فإنهم لم يقتدوا به في ذلك, ولو كان هذا هو مقصودهم لاقتدوا به في لبس الرداء والإزار وغير ذلك من لباسه, وجعلوا العمامة محنكة مع الذؤابة.
وإنما مقصودهم الأكبر في إحداث هذه العصائب أن تكون زيّا وشعارا يميز به من دخل منهم في هذا الدين ممن لم يدخل فيه, فمن لبسها كان من الإخوان الداخلين في هذا الدين, ومن لم يلبسها فليس منهم, ويقولون: فلان لبس السنة, وفلان لم يلبسها, فلا تسلموا عليه, كما صرحوا بذلك.
وهذا الزي والشعار الذي أحدثوه في الإسلام, قد أنكره العلماء, فقال شيخ الإسلام ابن تيمية _قدس الله روحه_ في كتابه "الفرقان بين أولياء الرحمن من أولياء الشيطان":
فصل: وليس لأولياء الله شيء يتميزون به عن الناس من الظاهر في
стр. 118
الأمور المباحات, فلا يتميزون بلباس دون لباس إذا كان كلاهما مباحا, ولا بحلق شعر ولا تقصيره أو تضفيره إذا كان مباحا كما قيل: كم صديق في قباء, وكم زنديق في عباء. إلى آخر كلاممه _رحمه الله_. انتهى.
وقال ابن القيم _رحمه الله_ في "مدارج السالكين" لما ذكر حال أولياء الله المتقين قال:"وهم مستترون عن أعين الناس بأسبابهم وصفاتهم ولباسهم, لم يجعلوا لطلبهم وإرادتهم إشارة تشير إليهم: اعرفوني.
فهؤلاء الصادقون, فهؤلاء يكونون مع الناس. والمحجوبون لا يعرفونهم ولا يرفعون بهم رأسهم. ومن سادات أولياء الله صانهم الله عن معرفة الناس لهم لكرامته لهم, لئلا يفتنون بهم. انتهى المقصود منه."
وهؤلاء الجهلة أحدثوا للناس شعارا وزيا يتميزون به عن المسلمين, بخلاف أولياء الله الصالحين, الذين وصف حالهم شيخ الإسلام وتلميذه ابن القيم _رحمهما الله_.
وأما لبس العقال: فهو من اللباس المباح, ولم يتكلم فيه العلماء لا في قديم الزمان ولا حديثه؛ لأنه قد كان من المعلوم أن لباس الصوف من الملابس التي كان رسول الله ﷺ يلبسها هو وأصحابه. والعقال من الصوف المباح لبسه.
وقد امتن الله بذلك على عباده, وجعله من النعم التي تفضل بها وأنعم بها عليهم, فقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ (النحل:٨٠) فقوله:
﴿وَمِنْ
стр. 119
أَصْوَافِهَا﴾ , فهي للظأن, ﴿وَأَوْبَارِهَا﴾ هي للإبل, ﴿وَأَشْعَارِهَا﴾ للمعز, ﴿أَثَاثاً﴾ من الفرش والأكسية وغيرها, ﴿وَمَتَاعاً﴾ يتمتعون إلى حين.
فيقال لهؤلاء: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ (الأعراف: من الآية٣٢) فإن قالوا: إنما حرمنا العقال أو كرهنا لبسه, لأنه لم يكن على عهد رسول الله ﷺ ولا عهد أصحابه, ولا لبسه أحد منهم, بل هو من زي الجند وشعارهم. قيل لهم: إذا كان لا يجوز لبس شيء من اللباس إلا ما كان يلبسه ﷺ وأصحابه, فهذه الملابس التي يلبسونها من المشالح على اختلاف ألوانها والغتر (الشمغ) وغيرها من شالات الصوف لم يكن الرسول ﷺ وأصحابه يلبسونها, فلأي شيء كانت هذه الملابس المباحة حراما ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (البقرة: من الآية١١١) ﴿هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾ (الأنعام: من الآية١٤٨) ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ (يونس: من الآية٦٨) .
ثم إن هذه الملابس من المشالح على اختلاف أنواعها والغتر من الشمغ والصوف من أفخر لباس الجند, الذين كرهتم لبس العقال من أجل مشابهتهم فيه, فهلا تركتم لبس هذه المشالح وهذه الشمغ لأنها من لباسهم وزيهم وشعارهم إن كنتم صادقين.
وكذلك ما كان يعتاده المسلمون مما لم يكن على عهد رسول الله ﷺ وأصحابه من المحاربة بهذه الآلات والصنائع التي حدثت بعده ﷺ من المدافع والموازر والصمع وغيرها من آلات الحرب, لأنه قد كان من
стр. 120
المعلوم بالضرورة من دين الإسلام أن الملابس والمآكل والمشارب والمراكب وآلات الحرب من العادات الطبيعية لا من العادات الدينية الشرعية. والله أعلم.
وأما قول السائل: ومما يتقاولونه بينهم: ما فعل المشايخ بهم ذلك إلا أنهم مكفرون لهم.
فالجواب أن نقول: وهذا أيضا من أعظم كذبهم وافترائهم على المشايخ, لأنه قد كان من المعلوم أن المبادرة بالتكفير والجراءة على ذلك بغير بينة من الله ولا برهان من طرائق أهل البدع ومذاهبهم. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية _رحمه الله_: "ومن مثالب أهل البدع تكفير بعضهم لبعض, ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون.
فإذا فهمت هذا وتحققت أن المشايخ لا يكفرون بما دون الكفر من الذنوب والمعاصي؛ تبين لك أن هذه الأمور التي زعموا أن المشايخ منعوهم من فعلها إلا أنهم مكفرون لهم بها, كان من المعلوم أنهم هم الذين يكفرون بها لاعتقادهم أنها كفر, والمشايخ يبرءون إلى الله من هذا المعتقد, لان هذا هو حقيقة مذهب الخوارج الذين يكفرون بما دون الكفر من الذنوب, وإذا كان هذا هو معتقدهم وكان هذا القول الذي بهتوا به المشايخ ثابتا عنهم فلا تسأل عنهم وعن معتقدهم, وهذا عين ما نطقوا به وأظهروه علانية إن كان هذا ثابتا عنهم.
وهذا هو الذي خاف الإمام والمشايخ بمنعهم أن يتجارى بهم هذا الأمر, ويبثوه في عوام البدو الذين ليس عندهم من المعرفة والعلم إلا ما
стр. 121
ألقاه هؤلاء إليهم فيصادف قلوبا خالية من غيره, فيصعب إخراجه من قلوبهم, كما قيل:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
فصادف قلبا خاليا فتمكنا
وهذا قد وقع في كثير من البدو, لا يقبلون إلا ما قاله هؤلاء لهم, والعاقل يسير وينظر.
والظاهر أنهم في رميهم وبهتانهم المشايخ بأنهم مكفرون؛ لهم مبرّئون أنفسهم مما هو معلوم بالضرورة بأن ذلك هي حالتهم وسيرتهم كما قيل:"رمتني بدائها وانسلت".
ثم إن المشايخ _ولله الحمد والمنة_ لا يزكون أنفسهم ولا يبرّئونها من الخطأ والزلل والذنوب والمعاصي, بل هم معترفون بذلك على أنفسهم, وأنهم مقصرون في الأعمال الصالحات, والعصمة إنما هي للرسل, ولكنهم لا يرضون ما يسخط اله من الأقوال والأعمال والغلو والتجاوز والمجاوزة للحد بغير ما شرع الله ورسوله, ولا القول على الله بلا علم. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
стр. 122
قول: صبحك الله بالخير ونحوها، هل هو مسنون أم الا ؟
...
المسألة العاشرة: قول السائل: صبحك الله بالخير, وكيف أصبحت, وكيف أمسيت؟ هل بين هذه الألفاظ فرق, وهل فيها مسنون وغير مسنون؟ وما الفرق بين الدعاء والاستفصال؟
والجواب أن نقول: قد كان من المعلوم عند ذوي المعارف والمفهوم أن قول الرجل لأخيه المسلم: صبحك الله بالخير, مسّاك الله بالخير,
стр. 123
دعاء له بالخير.
وأما قوله: كيف أصبحت؟ وكيف أمسيت؟ فهو سؤال له عن حاله وعن حقيقة ما هو عليه.
وقد أمر الله بدعاء المؤمنين لإخوانهم المؤمنين خصوصا وعموما في كتابه وعلى لسان رسوله, كما هو معلوم مشهور, لا ينكره إلا جاهل.
وكان من المعلوم أيضا أن دعاء المسلم لأخيه المسلم أفضل وأحب إلى الله من السؤال عن حاله, هذا لا يشك فيه من كان له أدنى ممارسة وإلمام بالعلوم الشرعية, والفرق بينهما ظاهر ليس به _ولله الحمد_ خفاء على من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد؛ لأن دعاء المسلم لأخيه المسلم مما أمر الله به. فذنب الناهي عن ذلك خطره عظيم, نعوذ بالله من القول على الله بلا علم.
وأما قوله: وهل فيها مسنون وغير مسنون؟ فنقول: كل من اللفظين جائز مسنون, ونحن نذكر ما ذكره العلماء في ذلك, وما ورد فيه من الأحاديث.
قال في"غذاء الألباب": فوائد: الأولى: لا بأس أن يقول لصاحبه: كيف أمسيت؟ وكيف أصبحت؟ قال الإمام أحمد _رضي الله عنه_ لصدقة (١) _وهم في جنازة_: يا أبا محمد كيف أمسيت؟ فقال: مساك الله بالخير
стр. 124
وقال _أيضا_ للمروذي: كيف أصبحت يا أبا بكر؟ فقال له: صبحك الله بالخير يا أبا عبد الله.
وروى _أيضا_ عبد الله ابن الإمام أحمد _رضي الله عنه_ عن الحسن مرسلا أن رسول الله ﷺ قال لأصحاب الصفة "كيف أصبحتم؟ ".
وروى ابن ماجة بإسناد لين من حديث أبي أسيد (١) الساعدي أنه _عليه الصلاة والسلام_ دخل على العباس فقال:" السلام عليكم " فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. قال:" كيف أصبحتم؟ " قالوا: بخير نحمد الله, كيف أصبحت بأبينا وأمنا أنت يا رسول الله؟ قال:" أصبحت بخير أحمد الله " (٢) .
وروى _أيضا_ عن جابر, قلت: كيف أصبحت يا رسول الله؟ قال:" بخير من رجل لم يصبح صائما ولم يعد سقيما " (٣) وفيه عبد الله بن مسلم ابن هرمز ضعيف.
وفي حواشي تعليق القاضي الكبير عند كتاب النذور, وأبو بكر البرقاني بإسناده عن ابن عباس _رضي الله عنهما_ أنه قال: لو لقيت رجلا
стр. 125
فقال: بارك الله فيك, لقلت: وفيك.
قال في "الآداب الكبرى" فقد ظهر من ذلك الاكتفاء بنحو أصبحت؟ وكيف أمسيت, بدلا من السلام, وأنه يرد على المبتدي بذلك, وإن (١) كان السلام وجوابه أفضل وأكمل. انتهى.
قلت ما ذكره في "الآداب الكبرى" من الاكتفاء: بكيف أصبحت وكيف أمسيت, خطأ لمعارضته لما ثبت في الأحاديث الصحيحة من لفظ السلام, وكل يؤخذ من قوله ويترك, إلا رسول الله ﷺ وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً﴾ (النور: من الآية٦١) والله أعلم (٢) .
стр. 126
المسألة الحادية عشر: قول السائل: ما الرخص المذمومة المذموم الترخص بها التي قيل فيها من تتبع الرخص تزندق أو كاد. فإن أكثر من لدينا إذا سمع ما لم يدره ولا هو على باله عد ذلك رخصة.
فالجواب أن نقول: الرخص المذمومة التي من ترخص بها تزندق هي ما جاء عن العلماء في بعض المسائل في المعاملات: كالربا وكالأنكحة وغيرها, مما اختلف العلماء فيه: كمن ترخص بقول مالك _رضي الله عنه_ بجواز أكل الكلاب والحشرات وغيرها مما حرم الشرع
стр. 127
أكله, مستدلا بقوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (الأنعام: من الآية١٤٥) الآية. فمن ترخص بقول مالك في أكل ما عدا هذه المحرمات المذكورات في بعض الآية فقد أخطأ.
وقال بعض العلماء: إنه يجوز للرجل أن يتزوج من النساء تسعا لقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ﴾ (النساء: من الآية٣) .
وقول بعضهم: إذا وجبت الزكاة أن للرجل أن يهب ماشيته أو نقوده قبل أن يحل وقت الزكاة بشهر أو شهرين لزوجه أو بعض أقاربه لئلا تجب فيها الزكاة, فإذا ذهبت وقت إخراجها استرجع ماشيته أو نقوده, وهكذا أبدا يفعل عند وجوب الزكاة.
وكما ترخص بعض الحنفية بقول أبي حنيفة بعدم وجوب الطمأنينة في الصلاة مستدلا من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (الحج: من الآية٧٧) .
ونظيره دعواهم أن الإيمان واحد والناس فيه سواء, وهو مجرد التصديق, وليست الأعمال داخلة في ماهيته, وإن مات ولم يصل قط في عمره مع قدرته وصحة جسمه وفراغه فهو مؤمن, إلى غير ذلك مما لا يحصى ولا يستقصى مما رخص فيه بعض العلماء بقول متبوعهم.
فإذا أردت مسألة في أمر أو نهي أو معاملة وقد اختلف العلماء فيها بين مانع من ذلك ومرخص في هذه المسألة ومستنده في ذلك حديث ضعيف أو قياس فاسد أو استحسان أو احتياط يخالف ما أصّله العلماء
стр. 128
من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم, فمن ترخص بها ليس عليه دليل شرعي من أقوال من ذكرنا من العلماء في أي مسألة كانت من الفروع.
ومع من خالفه في النهي عنها الحق والصواب؛ فقد أخطأ لمخالفته ما جاء عن الرسول ﷺ أو عن أصحابه أو التابعين لهم بإحسان أو من بعدهم من الأئمة المهتدين.
فمن أخذ بشيء من هذه المسائل التي رخّص فيها بعض العلماء من غير دليل شرعي, وقصده في ذلك اتباع ما يهواه, لا ما يحبه الله ويرضاه فقد تزندق, لما في ذلك من المسائل التي جاءت الرخصة فيها عن الشارع _عليه الصلاة والسلام_ فالأخذ برخصة الله في ذلك هو الأحب إلى الله تعالى, كما جاء في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال:" إن الله يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تجتنب مناهيه " (١) أو كما قال.
وإن كان المراد بالترخص ما ظنه بعض الجهال من العوام أو من أفتاهم به من هؤلاء المتعالمين الجهال, الذين لا معرفة لهم بمدارك الأحكام, وليس لهم اطلاع على كلام الأئمة الأعلام, وإنما يقولوون بأهوائهم أو يظنونه باستحسان عقولهم في العقائد في مسائل التكفير التي ذهب الخوارج وغيرهم من أهل البدع من التشديد فيها والتضييق والحرج وعدم التيسير والتسهيل, مما لم يرد فيه نص من الكتاب والسنة وإجماع الصحابة ومن بعدهم من الأئمة المهتدين من المكفرات التي تخرج من الملة.
стр. 129
فأما ما لم يخرج من الملة كارتكاب ما حرمه الله من الذنوب والمعاصي كالظلم والفسق والكذب وقول الزور وغير ذلك مما كفّر به الخوارج وغيرهم من أهل البدع, كالمسائل التي أجبنا عنها أولا, فمن زعم أن ما أجمع عليه الصحابة والتابعون والأئمة المهتدون هو الترخص المذموم الذي من فعله فقد تزندق فقد أعظم الفرية على الله ورسوله وعلى ما أجمع عليه الصحابة والتابعون والأئمة المهتدون, وأن ما قاله هؤلاء المتعالمون الحيارى المفتونون, والناقصون المنقوصون, هو الحق والصواب لأن فيه تضييقا وحرجا على الأئمة فقد غلا وتجاوز الحد واتبع غير سبيل المؤمنين _فإن سبيل المؤمنين هو ما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ كما قال عبد الله بن مسعود _رضي الله عنه_: من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات, فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة, أولئك أصحاب محمد ﷺ أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا, قوم اختارهم الله لصحبة نبيه, ولإظهار دينه, فخذوا بهديهم, واعرفوا لهم فضلهم, فإنهم كانوا على الصراط المستقيم, وكذلك ما كان عليه التابعون ومن بعدهم من الأئمة المهتدين.
ومن سلك سبيل المؤمنين الذي من سلكه كان على الصراط المستقيم ما ذكره الإمام أبو الفرج عبد الرحمن بن رجب _رحمه الله_ في كتابه "المحجة في سير الدلجة" حيث قال _رحمه الله تعالى_:"الثاني أن أحب الأعمال إلى الله ما كان على وجه السداد والاقتصاد والتيسير, دون ما كان على وجه التكلف والاجتهاد والتعسير, كما قال
стр. 130
تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: من الآية٧٨) كما كان النبي ﷺ يقول:" يسروا ولا تعسروا, إنما بعثتم ميسرين, ولم تبعثوا معسرين ".
وفي "المسند" عن ابن عباس _رضي الله عنهما_ قيل لرسول الله ﷺ : أي الأعمال أحب إلى الله؟ قال:" الحنيفية السمحة " (١) .
وفيه _أيضا_ عن محجن بن الأدرع أن النبي ﷺ دخل المسجد فرأى رجلا قائما يصلي فقال:" أتراه صادقا؟ " فقيل: يا نبي الله هذا فلان من أحسن أهل المدينة أو من أكثر أهل المدينة صلاة. فقال:" لا تسمعه فتهلكه _مرتين أو ثلاثا_ إنكم أمة أريد بكم اليسر ". وفي رواية أخرى له قال:" إن خير دينكم أيسره ". وفي رواية أخرى له: " لن تنالوا هذا الأمر بالمغالبة " (٢) . وخرج حميد بن زنجوية وزاد, فقال:" واكلفوا من العمل ما تطيقون, فإن الله لا يمل حتى تملوا, الغدوة والروحة وشيء من الدلجة ". وفي "المسند" (٣) عن بريدة, قال: خرجت فإذا رسول الله ﷺ يمشي فلحقته فإذا نحن بين يدي رجل يصلي يكثر الركوع والسجود. قال:" أتراه يرائي؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: من ليده من يدي فجعل يصوبهما ويقول:" عليكم هديا قاصدا. عليكم هديا قاصدا. عليكم هديا قاصدا. فإنه من شاد هذا الدين يغلبه ". وقد روي من وجه آخر مرسل, وفيه أن النبي ﷺ قال:" إن هذا آخذ بالعسر, ولم يأخذ
стр. 131
باليسر ", ثم دفع في صدره فخرج من المسجد ولم ير فيه بعد ذلك. إلى آخر كلامه.
فهذا ما اخبر به رسول الله ﷺ في الأحاديث التي تقدم ذكرها, وفيها أن أحب الأعمال إلى الله ما كان على وجه السداد والاقتصاد والتيسير, دون ما كان على وجه التكلف والاجتهاد والتعسير, كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ (الحج: من الآية٧٨) , وأخبر ﷺ فيما أن أحب الأديان إلى الله _عز وجل_ الحنيفية السمحة, واخبر فيها أن من شاد هذا الدين يغلبه. إلى آخر ما ذكر فيها من المر بالتيسير وترك التعسير والتكلف والحرج.
فهذا هديه ﷺ وهدي أصحابه وهدي من سلك سبيلهم من المؤمنين. فمن سلك سبيل المؤمنين سلم ونجا, ومن ترك سبيلهم زاغ وهلك. فإذا تبين لك هذا عرفت أنه هو الحق, وماذا بعد الحق إلا الضلال؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ (النساء:١١٥) فمن بلغته هذه الأحاديث عن رسول الله ﷺ ثم زعم أن الأخذ بها من باب الترخص, ومن أخذ بالترخص فقد تزندق, فقد أعظم الفرية على الله, وسلك غير سبيل المؤمنين.
قال _رحمه الله تعالى_: وقوله ﷺ :" القصد القصد تبلغوا " حثّ على الاقتصاد في العبادة والتوسط فيها بين الغلو والتقصير, وكذلك كرره مرة بعد مرة.
стр. 132
وفي مسند البزار من حديث حذيفة _رضي الله عنه_ مرفوعا:"ما أحسن القصد في الفقر, وما أحسن القصد في الغنى, وما أحسن القصد في العبادة" (١) .
وكان لمطرف بن عبد الله بن الشخير ابن قد اجتهد في العبادة فقال له أبوه: خير الأمور أوسطها: الحسنة بين السيئتين, وشر السير الحقحقة. قال أبو عبيد: يعني: أن الغلو في العبادة سيئة, والتقصير سيئة, والاقتصاد بينهما حسنة. قال: والحقحقة: أن يلح في السير, حتى تقوم عليه راحلته وتعطب, فيبقى منقطعا به سفره". انتهى.
ويشهد لهذا المعنى الحديث عن عبد الله بن عمر مرفوعا: " إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق, ولا تبغّض إلى نفسك عبادة الله, فإن المنبتّ لا سفرا قطع ولا ظهرا أبقى, فاعمل عمل امرئ يظن أنه لن يموت إلا هرما, واحذر حذر امرئ يحذر أن يموت غدا " أخرجه حميد بن زنجوية وغيره إلى آخر كلامه _رحمه الله تعالى_.
فمن تحقق هذا, وتأمله حق التأمل, ثم رأى بعد ذلك أن طريقة أهل البدع والأهواء من الخوارج والمعتزلة وغيرهم ممن تشدد في هذا الدين, وغلا فيه, وتكلف باجتهاده ورأيه, وسلك طريقة التعسير والتضييق والعنت والحرج, وظن أنها أهدى وأفضل من هدي رسول الله ﷺ وأصحابه, وأنها أحسن وأكمل, فقد قام به ناقض من نواقض الإسلام العشرة التي ذكرها الشيخ محمد بن عبد الوهاب _رحمه الله تعالى_ وليبك
стр. 133
على نفسه, ويجدد إسلامه, فإنه وقع في أمر عظيم, وخطب جسيم.
وهذا ما تيسر من الجواب على سبيل الإختصار والاقتصاد, والله يقول الحق, وهو يهدي السبيل, وحسبنا الله ونعم الوكيل, والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا هدانا الله, وصلى الله وسلم على أشرف المرسلين وإمام المتقين, نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين, والحمد لله رب العالمين (١) .