"وبالجملة فيجب على من نصح نفسه أن لا يتكلم في هذه المسألة, إلا بعلم وبرهان من الله, وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله, فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله فيه من أعظم أمور الدين, وقد كفينا بيان هذه المسألة كغيرها, بل حكمها في الجملة أظهر أحكام الدين, فالجواب علينا الاتباع وترك الابتداع, كما قال ابن مسعود _رضي الله عنه_: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم".
وأيضا: فما تنازع العلماء في كونه كفرا فالاحتياط للدين التوقف وعدم الإقدام ما لم يكن في المسألة نص صريح عن المعصوم ﷺ .
وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة, فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره, وتعدى بآخرين فكفّروا من حكم الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم.
ومن العجب أن أحد هؤلاء لو سئل عن مسألة في الطهارة أو البيع ونحوهما لم يفت بمجرد فهمه واستحسان عقله, بل يبحث عن كلام العلماء, ويفتي بما قالوه, فكيف يعتمد في هذا الأمر العظيم الذي هو أعظم أمور الدين وأشدها خطرا على مجرد فهمه واستحسانه؟ فيا مصيبة الإسلام من هاتين الطائفتين, ويا محنته من تينك البليتين, ونسألك اللهم أن تهدينا الصراط المستقيم, صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين".انتهى.
فانظر _رحمك الله تعالى_ إلى ما قاله هذا الإمام الذي هو من أجل علماء أهل الإسلام في وقته حيث قال:"وبالجملة فيجب على من نصح
стр. 72
نفسه ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله, وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله, فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله فيه من أعظم أمور الدين".
وهذا الذي ذكره الشيخ قد نبهناكم على مثله في "إرشاد الطالب إلى أهم المطالب" فليكن منك ذلك على بال.
وكذلك قوله _رحمه الله_:"وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره".
قلت: وهؤلاء كأمثال الذين حكموا بإسلام طائفة الترك وأشباههم, وتعدى بآخرين فكفروا من حكم الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم. كمثل هؤلاء الذين الكلام بصددهم, حيث زعموا: أن من لم يهاجر وإن كان ملتزما بشرائع الإسلام الظاهرة, أنه ليس بمسلم.
وكذلك قوله _رحمه الله_:"فيا مصيبة الإسلام من هاتين الطائفتين, ويا محنته من تينك البليتين".فالله المستعان.
стр. 73
هل التفريق بين البادية الذين في جزيرة العرب وفي ولاية إمام المسلمين ومن ليس في ولايته صحيح ؟
...
المسألة الثالثة: قول السائل: وهل من فرق بين بادية جزيرة العرب جنوبا وشمالا, شرقا ومغربا, ومن في ولاية إمام المسلمين ومن ليس في ولايته, وماذا يعامل به من ظاهره الإسلام منهم ومن ظاهره لا إسلام ولا كفر بل جاهل ومن ظاهره الكفر, ومن ظاهره المعاصي دون الكفر, ومن الذي تباح ذبيحته منهم ومن الذي لا تباح ذبيحته, وما القدر الواجب في الإسلام المبيح للذبيحة؟
стр. 74
الجواب: أن من في جزيرة العرب لا نعلم ما هم عليه جميعهم, بل الظاهر أن (١) غالبهم وأكثرهم ليسوا على الإسلام, فلا نحكم على جميعهم بالكفر لاحتمال أن يكون فيهم مسلم.
وأما من كان في ولاية إمام المسلمين فالغالب على أكثرهم الإسلام, لقيامهم بشرائع الإسلام الظاهرة.
ومن قام به من نواقض الإسلام ما يكونون به كفارا فلا نحكم على جميعهم بالإسلام ولا على جميعهم بالكفر, لما ذكرنا.
وأما من لم يكن في ولاية إمام المسلمين (فلا ندري بجميع أحوالهم وما هم عليه, لكن الغالب على أكثرهم ما ذكرناه أولا من عدم الإسلام) (٢) فمن كان ظاهره الإسلام منهم فيعامل بما يعامل به المسلم في جميع الأحكام.
وأما من ظاهره لا إسلام ولا كفر بل هو جاهل, فنقول: هذا الرجل الجاهل إن كان معه الأصل الذي يدخل به الإنسان في الإسلام فهو مسلم, ولو كان جاهلا بتفاصيل دينه, فإنه ليس على عوام المسلمين
стр. 75
ممن لا قدرة لهم على معرفة تفاصيل ما شرعه الله ورسوله أن يعرفوا على التفصيل ما يعرفه من أقدره الله على ذلك من علماء المسلمين وأعيانهم, فيما شرعه الله ورسوله من الأحكام الدينية, بل عليهم أن يؤمنوا بما جاء به الرسول إيمانا عاما مجملا, كما قرر ذلك شيخ الإسلام في "المنهاج".
وإن لم يوجد معه الأصل الذي يدخل في الإسلام فهو كافر, وكفره هو بسبب الإعراض عن تعلم دينه لا علمه ولا تعلمه ولا عمل به.
والتعبير بأن ظاهره لا إسلام ولا كفر لا معنى له عندي, لأنه لا بد أن يكون مسلما جاهلا أو كافرا جاهلا.
فمن كان ظاهره الكفر فهو كافر, ومن ظاهره المعاصي فهو عاص, ولا نكفر إلا من كفر الله ورسوله بعد قيام الحجة عليه.
وأما الذي تباح ذبيحته منهم فهو المسلم. وأما الذي لا تباح ذبيحته فهو الكافر المرتد, وهو الذي يكفر بعد إسلامه بفعل ناقض من نواقض الإسلام المخرجة من الملة وقد وضحنا فيما تقدم حكم أعراب أهل نجد أولا.
والعجب كل العجب من هؤلاء الجهال الذين يتكلمون في مسائل التكفير, وهم ما بلغوا في العلم والمعرفة معشار ما بلغه من أشار إليهم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين في جوابه الذي ذكرناه قريبا من أن أحدهم لو سئل عن مسألة في الطهارة أو البيع ونحوهما لم يفت بمجرد فهمه واستحسان عقله, بل يبحث عن كلام العلماء ويفتي بما قالوه,
стр. 76
فكيف يعتمد في هذا الأمر العظيم الذي هو أعظم أمور الدين وأشدها خطرا على مجرد فهمه واستحسان عقله؟ فما أشبه الليلة بالبارحة في إقدام هؤلاء على الفتوى في مسائل التكفير بمجرد أفهامهم واستحسان عقولهم, ثم أخذ ذلك (١) عنهم وأفتى به من لا يحسن قراءة الفاتحة, فالله المستعان.
стр. 77
المسألة الرابعة: قول السائل: و ما الإعراض الذي هو ناقض من نواقض الإسلام؟ وما الذي يصدق عليه الإعراض ؟
فالجواب أن نقول: قد ذكرنا الجواب عن هذه المسالة فيما تقدم من المسائل التي أجبنا عنها أولا فراجعه منها (٢) , ولكن نذكر ههنا ما ذكره شيخنا الشيخ عبد اللطيف _رحمه الله تعالى_ لما سئل عن هذه المسألة فقال:
الجواب:"أن أحوال الناس تتفاوت تفاوتا عظيما, وتفاوتهم بحسب درجاتهم في الإيمان إذا كان أصل الإيمان موجودا, والتفريط والترك إنما هو فيما دون ذلك من الواجبات والمستحبات.
وأما إذا عدم الأصل الذي يدخل به في الإسلام وأعرض عن هذا بالكلية, فهذا كفر إعراض فيه قوله تعالى: ﴿ولَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ﴾ (لأعراف: من الآية١٧٩) الآية. وقوله: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً﴾ (طه: من الآية١٢٤) الآية.
стр. 78
ولكن عليك أن تعلم أن المدار على معرفة حقيقة الأصل وحقيقة القاعدة وإن اختلف التعبير واللفظ, فإن كثيرا يعرف الأصل والقاعدة ويعبر بغير التعبير المشهور.
وتعزيرهم وتوقيرهم كذلك تحته أنواع أيضا أعظمها رفع شأنهم ونصرتهم على أهل الإسلام ومباينه, وتصويب ما هم عليه, فهذا وجنسه من المكفرات, ودونه مراتب من التوقير بالأمور الجزئية كلياقة الرواة ونحوه". انتهى.
فتبين من كلام الشيخ أن الإنسان لا يكفر إلا بالإعراض عن تعلم الأصل الذي يدخل به الإنسان في الإسلام, لا ترك الواجبات والمستحبات.
стр. 79
المسألة الخامسة: قول السائل: و ما معنى التعرب بعد الهجرة الذي هو كبيرة, وهل يطلق الذم على كل من بدا ولو كان نيته الرجوع إلى منزله بالحاضرة ؟
والجواب أن نقول: هذه المسألة قد تقدم الجواب عنها فيما تقدم بما أغنى عن إعادته ههنا, وكذلك قد تقدم الجواب عمن ذهب إلى البادية ومن نيته الرجوع إلى منزله.
стр. 80
قول السائل وهل يستدل بالحديث"لا يرث كافراً مسلماً" على من مات من النازلين من باديتنا اليوم على من لا ينزل منهم ؟
...
المسألة السادسة: قول السائل: وهل يستدل بالحديث: " لا يرث كافر مسلما " على من مات من النازلين من باديتنا اليوم على من لا ينزل منهم؟ أو من هو مع بادية ولايتهم في يد كافر مثلا, أو من هو بين أظهر المشركين؟ هل يحرم إرثه إذا كان مورثه مات مسلما مع المسلمين؟
стр. 81
والجواب أن يقال: من مات من المهاجرين النازلين في بلاد المسلمين وله وارث كافر من أهل البادية أو الحاضرة فلا يحل له إرثه لأنه كافر, بنصّ الحديث, ومن كان وارثه مسلما وكان مسكنه في البادية أو في بلد من بلدان المسلمين, أو كان في بلد كفر أو في بادية ولايتها في يد كافر فلا مانع من إرثه, لأنه مسلم ورث مسلما, والله أعلم.
стр. 82
هل الهجرة من جميعهم واجبة كوجوبها من بالد الشرك على من لا يقدر إضهار دينه أم مستحبة ؟
...
وأما المسألة السابعة: وهو قول السائل: بادية نجد شمالا أقصاهم عنزة ومن يليهم من بادية الشمال, وجنوبا إلى من المسئول أعلم بهم (١) : هل الهجرة من جميعهم واجبة كوجوبها من بلاد الشرك على من لا يقدر على إظهار دينه أم مستحبة؟ أم فيهم من هو واجبة عليه الهجرة من بين أظهرهم وآخرين مستحبة؟
والجواب أن نقول: تجب الهجرة على من كان مقيما بين أظهر الكفار, سواء كانوا حاضرة أو بادية إذا كان لا يقدر على إظهار دينه بينهم, إذا لم يكن من المستضعفين الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا.
وأما من كان قادرا على التمكن من إظهار دينه ومع ذلك يأمن على نفسه من الفتنة فالهجرة في حقه مستحبة لا واجبة. ولكن أين من يقدر على ذلك؟
стр. 83
وقول السائل: وهل بادية نجد على أصلهم في الكفر, لم يسلموا في دعوة الشيخ _رحمه الله_ ولم يعمهم الإسلام كحاضرة نجد؟ أم هم أسلموا كالحاضرة, فيكون من قام به نوع من أنواع الكفر المجمع عليه يكون كفره ظاهرا, وهل يعمّون بالكفر أم لا؟
فنقول: قد قدمنا الجواب على هذه المسألة مفصلا, وبينا فيه أن أهل نجد كانوا قبل دعوة الشيخ على الكفر, وبينا أن جميع باديتهم وحاضرتهم أسلموا بتلك الدعوة, وعمهم الإسلام بما أغنى عن إعادته ههنا.
وأما من قام به نوع من أنواع الكفر المخرج من الملة فهو مرتد عن الإسلام. فلا يعمّهم بالكفر بعد أن أسلموا, ولم يقم بهم ناقض من نواقض الإسلام, إلا رجل لا يؤمن بالله واليوم الآخر.
стр. 84
في إقامة الحجة
...
المسألة الثامنة: قول السائل: وهل من كفر منهم كما ذكرنا يطلق عليه الكفر ولو لم تقم عليه الحجة, قبيلة كانت أو شخصا معينا, وما وجه قيام الحجة؟ هل كل تقوم به أم لا بد من إنسان يحسن إقامتها على من أقامها عليه؟
والجواب أن نقول: قد ذكر علماء أهل الإسلام من أولاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب وغيرهم: أن من مات من أهل الشرك قبل بلوغ هذه الدعوة فالذي يحكم عليه أنه إذا كان معروفا بفعل الشرك ويدين به ومات على ذلك: فهذا ظاهره أنه مات على الكفر, فلا يدعى له ولا يضحى له ولا يتصدق عنه.
стр. 85
وأما حقيقة أمره فإلى الله تعالى فإن كان قد قامت عليه الحجة في حياته وعاند فهذا كافر في الظاهر والباطن. وإن كان لم تقم به الحجة فأمره إلى الله تعالى.
وأما سبه ولعنه فلا يجوز سب الأموات مطلقا, كما في "صحيح البخاري" (١) عن عائشة _رضي الله عنها_ أن رسول الله ﷺ قال:" لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا " إلا إن كان أحد من أئمة الكفر وقد اغترّ الناس به فلا بأس بسبه إذا كان فيه مصلحة دينية. انتهى.
وأما قول السائل: هل كل تقوم به الحجة أم لا بد من إنسان يحسن إقامتها على من أقامها عليه؟ فالذي يظهر لي _والله أعلم_ أنها لا تقوم الحجة إلا بمن يحسن إقامتها, وأما من لا يحسن إقامتها: كالجاهل الذي لا يعرف أحكام دينه, ولا ما ذكره العلماء في ذلك, فإنه لا تقوم به الحجة فيما أعلم, والله أعلم.
وأما قول السائل: في الحديث الذي ورد عنه ﷺ أنه قال:" والذي نفسي بيده ما سمع بي من هذه الأمة يهودي أو نصراني " إلى آخر الحديث (٢) .
فأقول: الأمة المذكورة في الحديث هم أمة الدعوة, سواء كانوا يهودا أو نصراني أو عربا أو غيرهم من سائر الأعاجم, فمن بلغته دعوة الرسول ﷺ
стр. 86
منهم فلم يؤمن به أي لم يصدقه ويتابعه على دينه فيما بلغه من الدين الذي جاء به رسول الله ﷺ دخل النار, والله أعلم.
стр. 87
في رجلين تحاورا فب مقصد الإمام والمشايخ بمنع "الإخوان" من الدعوة
...
المسألة التاسعة: قول السائل: إن رجلين سأل أحدهما الآخر قال: ما مرام الإمام (١) والمشايخ باستدعاء الإخوان تهدّدهم ومنعهم من دعوة البادية والأخذ عليهم من دخول بلاد النازلين منهم حتى حصل بسبب ذلك تجسر على مشايخ المسلمين بالسبّ والثّلب وإساءة الظن وقلة الانتفاع بفوائدهم ونصائحهم, وربما توصلوا إلى ولي الأمر بأقوال (٢) لا تروج على عاقل, ولكن يغتر بها كل مغرور جاهل, ويأنس بها كل منافق بلاؤه في قلبه داخل.
كقول بعضهم: ما فعل المشايخ ذلك إلا حسدا منهم للإخوان في دعوتهم.
وكقولهم: إن المشايخ داهنوا في دين الله, والإخوان أمروا وأنكروا.
وكقولهم: الإخوان علمونا ملة إبراهيم وبينوها, والمشايخ كتموها ودفنوها.
وكقولهم: ما أطاع الإمام المشايخ فيها إلا لسكوتهم عند المآكل والأغراض.
стр. 88
وكقولهم: المشايخ يرخصون ويبيحون السفر إلى بلاد المشركين, ويسلمون على المسافرين (١) .
ويقولون (٢) : ساكن البادية والنازل منها إلى الحاضرة سواء.
ويقولون: لابس العمامة ولابس العقال سواء.
ويقولون: بروا في آبائكم وأقاربكم الذين ماتوا واسكتوا وكفوا عنهم إلى غير ذلك.
ومما يتقاولونه بينهم: ما فعل المشايخ بهم ذلك إلا أنهم مكفرون لهم (٣) .
فأجابه الآخر بجواب مجمل, لا يفي بالمقصود, ولكنه أجاب بما هو الحق والصواب في نفس الأمر.
ونحن نجيب على ما قاله هؤلاء المعترضون, ونبين ما في كلامهم من الكذب والزور والبهتان, وما فيه من الحق الذي قاله المشايخ والإخوان بالتفصيل _إن شاء الله تعالى_.
فنقول: قد كان من المعلوم عند الخاصة والعامة أن الذي منع هؤلاء من الذهاب إلى هذه الأماكن المذكورة في السؤال هو الإمام _أعزه الله بطاعته وأحاطه بحياطته_ لأمرين:
стр. 89
أحدها: أنهم افتاتوا على منصب الإمامة, فذهبوا إلى البادية من رعيته ومن تحت يده وفي ولايته من غير إذن منه ولا أمر لهم بذلك.
وقد كان من المعلوم أن الإمام هو الذي يبعث العمال والدعاة إلى دين الله.
الثاني: ما بلغه عنهم من الغلو والمجازفة والتجاوز للحد في المأمورات والمنهيات, وإحداثهم في دين الله ما لم يشرعه الله ولا رسوله, فمن ذلك:
أنهم كفروا البادية بالعموم, وزعموا أنهم على الحالة التي كانوا عليها قبل دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب _رحمه الله تعالى_ وأنهم لم يسلموا ولم يدخلوا في هذا الدين, ويستدلون على ذلك بما ذكره الشيخ _رحمه الله_ في الموضع السادس الذي نقله من"السيرة" وبما ذكره في رسالته إلى الشريف من تكفيره البادية الذين كانوا في وقته, وأنه ليس معهم من الإسلام شيء.
ومنها أنّ من ديّن ودخل في الدين من الأعراب لا يصح لهم إسلام حتى يهاجروا.
ومنها أنهم يلزمون من دخل في هذا الدين أن يلبس عصابة على رأسه, ويسمونها العمامة, وأنها هي السنة, فمن لبسها كان من الإخوان الداخلين في الدين, ومن لم يلبسها فليس من الإخوان, وأنها شعار وزيّ يتميز به المسلم عن الكافر. وقد أجبنا عن هذا كله فيما تقدم.
ومنها أنهم لا يسلّمون إلا على من يعرفون وتميز بالعمامة, وهم مع
стр. 90
ذلك يزعمون أنهم هم الذين على السنة, وأن المشايخ يميتون السنن, وهم يخالفون ما سنه رسول الله ﷺ في السلام بالأمر بالسلام على من عرف ومن لم يعرف.
قال البخاري _رحمه الله_ في"الأدب المفرد" (١) : باب التسليم بالمعرفة وغيرها. حدثنا قتيبة, قال حدثنا الليث, عن يزيد بن حبيب, عن أبي الخير, عن عبد الله بن عمرو؛ أن رجلا قال: يا رسول الله أيّ الإسلام خير؟ قال:" تطعم الطعام, وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف " وفيه (٢) أن الطفيل بن أبيّ بن كعب أخبره أنه كان يأتي عبد الله بن عمر فيغدوا معه إلى السوق, قال: فإذا غدونا إلى السوق لم يمر عبد الله ابن عمر على سقاط ولا صاحب بيعة ولا مسكين ولا أحد إلا يسلم عليه.
قال الطفيل: فجئت عبد الله بن عمر يوما فاستتبعني إلى السوق. قلت: ما تصنع بالسوق, وأنت لا تقف على البيع, ولا تسأل عن السلع, ولا تسوم بها, ولا تجلس في مجالس السوق؟ فاجلس بنا ههنا نتحدث.
فقال لي عبد الله: يا أبا بطن _وكان الطفيل ذا بطن_ إنما نغدوا لأجل سلام من لقينا.
فرسول الله ﷺ يقول:" اقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف ", وابن عمر _رضي الله عنه_ يقول:"إنما نغدوا من أجل السلام على من لقينا".
стр. 91
ومنها أنهم لا يدعون أحدا صلى معهم صلاة الصبح أن يخرج من المسجد إلا بعد طلوع الشمس, وهذا لم يكن على عهد رسول الله ﷺ ولا فعله أصحابه بعده.
ومنها أنهم أدخلوا في الدين ما ليس منه, فزعموا أن تدوينه (١) البدو للإبل عند ورودها وصدودها بدعة.
ومن المعلوم أن البدع لا تكون إلا في القربات الشرعية, وتدويه الأعراب لإبلهم من العادات الطبعية, فزعموا أن هذه العادات من العبادات.
وقد بلغني أن رجلا من هؤلاء المتعمقين, يقال له: عبد الله بن دامغ؛ أنه يقول: من لبس العمامة ثم تركها ارتد عن الإسلام.
وبلغني _أيضا_ عن رجل من أعيانهم؛ أنه كتب إلى بعض الأعراب ينهاهم عن مباشرة النساء في فروشهن في الحيض, لأن ذلك ذريعة إلى جماعهن في الحيض _ويل أمّه_ أما علم أن ذلك قد ثبت في الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ من فعله وأمره.
ومن هؤلاء من تجاوز الحد في التأديب عند فوات بعض الصلاة, فضربوا رجلا منهم حتى مات.
стр. 92
وثبت عندنا عن بعضهم أنه فسر قوله ﷺ :" اللهم إني أعوذ بك من الحور بعد الكور " (١) فزعم أن الكور هي العمامة, وأن الرسول استعاذ بالله من تركها بعد لبسها.
وثبت عن رجل آخر منهم أنه (٢) يقول لما انقطعت ناقته, وأعيت من الهزال, فنحرها أهلها,. فقال: إنها حرام, لا تأكلوها. واستدل بقول الله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ (المائدة: من الآية٣) فحمل القرآن على لغته الفاسدة. إلى غير ذلك من الأمور التي أحدثوها مما لا يمكن عدّه ولا اسقصاؤه.
فلما اشتهر هذا عنهم, وهذا الغلو والتجاوز للحد؛ خاف الإمام أن يسيروا بسيرة الخوارج, فيمرقون في الدين بعد أن دخلوا فيه, كما مرق منه من غلا في الدين وتجاوز الحد ممن كانوا من أعبد الناس وأزهدهم وأكثر تهليلا, حتى أن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم, وهم تعلموا العلم من الصحابة.
стр. 93
فهذا هو المرام الذي أوجب للإمام منع (١) هؤلاء الجهلة عن دخول بلاد النازلين.
وأما المشايخ فلم يمنعوا أحدا من هؤلاء من الدعوة إلى الله, بل هذا من الكذب والعدوان, والزور والبهتان, وإن كانوا قد استحسنوا ما فعله الإمام واستصوبوه ورأوا أنه الحق والصواب الذي لا شك فيه ولا ارتياب.
ثم إن الإمام _أعزه الله بطاعته_ اقتضى رأيه بعد مشاورة الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف أن يبعث دعاة إلى كل بلد من هذه البلدان, فبعث إليهم دعاة معلمين من أهل المعرفة يعلمونهم أصل دينهم وأحكام صلاتهم, ويخبرونهم بما وجب عليهم من حق الله تعالى في الإسلام, وبعث _أيضا_ إلى كل قبيلة من الأعراب الذين هم في ولايته دعاة معلمين يصلون بهم, ويعلمونهم أصل دينهم.
وهذا من كمال نصحه وشفقته برعيته فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين أحسن الجزاء.
وأما سبّهم المشايخ وثلبهم إياهم وإساءة الظن بهم, وكذلك ما نسبوه إلى ولي الأمر من الأقوال التي تروج على عاقل, ويغتر بها كل مغرور جاهل.
فهذا كله مما (٢) يرفع الله به درجة الإمام والمشايخ, وحسابهم على الله, وسيجازيهم بما جازى (٣) به المفترين, لأن الإمام والمشايخ لم
стр. 94
يمنعوهم إلا خوفا على من دخل في هذا الدين أن يسلكوا مسلك الخوارج, الذين مرقوا من دين الإسلام, وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
وأما قول بعضهم: ما فعل المشايخ ذلك إلا حسدا منهم للإخوان في دعوتهم:
فنقول: وهذا أيضا من نمط ما قبله من الكذب والزور والبهتان. وقد أعاذ الله المشايخ من هذه الظنون الكاذبة الخاسرة, والأماني الخاطئة الفاجرة, التي لا يظنها إلا رجل مغموص بالنفاق, أو مدخول في قلبه مشغوف بالشقاق, متخلق بمساوئ الأخلاق.
وهل يدور في عقل عاقل أن المشايخ يحسدونهم على ما أحدثوه من البدع والغلو والمجازفة والتجاوز للحد, وكونهم شرعوا في دين الله ما لم يأذن به الله؟ كما هو معلوم مشهور عنهم, لا يجحده إلا مكابر في الحسيات, مباهت في الضروريات, كما قيل:
نجازي بني سعد بسوء فعلنا
جزاء سنمّار وما كان ذا ذنب
وأما قولهم: إن المشايخ داهنوا في دين الله, والإخوان أمروا وأنكروا. فنقول:
ما أشبه الليلة بالبارحة, فلا جرم قد قالها الذين من قبلهم, لما نهاهم أهل الحق عن الغلو في الدين, قالوا لمن نهاهم (١) : يا أعداء الله
стр. 95
قد داهنتم في الدين. وهم يزعمون أنهم ما فعلوا ذلك إلا من أجل أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر, تشابهت قلوبهم.
وأما قولهم: الإخوان علمونا ملة إبراهيم وبينوها, والمشايخ كتموها ودفنوها.
فنقول: أما قولهم: إن الإخوان علمونا ملة إبراهيم, فإن كان حقا فسيجازيهم الله على ذلك, والله عند لسان كل قائل وقلبه, وهو المطلع على نيته وكسبه, لكنهم مع ذلك قد سلكوا بهم مسالك أهل البدع, وتجاوزوا بهم الحد في الأقوال والأفعال, وشرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله, كما قد ذكرنا منه نزرا قليلا مما هو معلوم مشهور عنهم, فإن كان هذا هو ملة إبراهيم فقد أعظموا الفرية على الله, وعلى ملة إبراهيم, وكان الحق والواجب الذي أوجبه الله على المشايخ وعلى غيرهم أن يدفنوا هذه المفتريات والأحداث الكاذبة الخاطئة.
وإن كانوا أرادوا أن المشايخ لا يأمرون بعبادة الله وحده لا شريك له, ولا ينهون عن الشرك, ولا يكفرون من كفر الله ورسوله, أو لا يكفرون من شك في كفرهم, ولا يحبون في الله, ولا يعادون في الله, ولا يبغضون في الله, ولا يوالون فيه, ولا يأمرون بالمعروف, ولا ينهون عن المنكر, وأنهم دفنوا هذا كله, فمن زعم أن هذه طريقة المشايخ وسيرتهم, فقد بهتهم وافترى عليهم, ومن افترى عليهم هذا الكذب, فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين, لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا, وفضحه على رؤوس الأشهاد ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ (غافر:٥٢) .
стр. 96
لأن المشايخ _ولله الحمد والمنة_ قد بذلوا الجد والاجتهاد في نشر ملة إبراهيم وتعليمها, والقراءة في أصول الدين: كمثل كتاب "التوحيد", و"كشف الشبهات", و"ثلاثة الأصول" وجميع ما اشتملت عليه "مجموعة التوحيد" من رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب, وكتب الحديث والفقه, ويقرّرونها ويعلّمون طلبة العلم معانيها, ويفقّهونهم في الدين وفي ملة إبراهيم, وعندهم من طلبة العلم في هذا الزمان أكثر من مائة رجل كلهم يقرؤون في هذه الكتب المذكورة, كما هو معلوم مشهور, ولا ينكره إلا مكابر, فكيف يمكنهم مع هذا أنهم دفنوا ملة إبراهيم, وكيف يتصور وقوع هذا عاقل أو عارف أو مجنون؟ ولا يصغي إلى قول هؤلاء الأغبياء إلا رجل مريض القلب, قد داخله نوع من الحقد والحسد, وأما سليم القلب فيقول عند سماع هذه المفتريات: ﴿مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ (النور: من الآية١٦) .
ومع هذا كله رتب الإمام والمشايخ أناسا من أهل الحسبة يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر, ورتبوا في كل بلد من بلدان المسلمين _ولله الحمد والمنة_ من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. فمتى دفنوا ملة إبراهيم؟ لو أنهم يعلمون, كما قيل:
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهموا
فليس سواء عالم وجهول
ثم إني _ولله الحمد والمنة_ كتبت في ذلك ما شاء الله أن أكتب نثرا ونظما, وسأذكر من ذلك شيئا قليلا, ليعلم الجاهل بحالنا وما كنا
стр. 97
عليه نحن ومشايخنا, وأنا لم ندفن ملة إبراهيم, ولم نداهن في نشرها وإظهارها أحدا _ولله المنة في ذلك_ فمن ذلك ما قلته من النظم في أبيات:
فيا أيها الأخ الأكيد إخاؤه
تمسك بأصل الدين سامي الشعائر
وكن باذلا للجد في طلب الهدى
من العلم إن العلم خير الذخائر
وبالعلم ينجو المرء من شرك الردى
ويسمق بالتقوى لشأو المفاخر
ويرسب في قعر الحضيض مجانب
لأسبابه اللاتي سمت بالأطاهر
وما العلم إلا الاتباع وضده
فذاك ابتداع من عضال الكبائر
وتقديمه شرط وقد قيل إنه
لثالث أركان لتوحيد قاهر
وتقديم آراء الرجال وخرصها
عليه ضلال موبق في النهابر
وملة إبراهيم فاسلك سبيلها
فمهيعها المنجي لأهل البصائر
стр. 98
هي العروة الوثقى فكن متمسكا
بجذر عراها عن جهول مقامر
ما الدين إلا الحب والبغض والولا
كذاك البرا من كل طاغ وكافر
ومن ذلك_أيضا_ ما قلته ونحن إذ ذاك في ولاية آل رشيد, لمّا منعونا من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وألا نتكلم في شيء من أمور الدين:
على الدين فليبك ذوو العلم والهدى
فقد طمست أعلامه في العوالم
وقد صار إقبال الورى واحتيالهم
على هذه الدنيا وجمع الدراهم
وإصلاح دنياهم بإفساد دينهم
وتحصيل ملذوذاتهم والمطاعم
يعادون فيها بل يوالون أهلها
سواء لديهم ذو التّقى والجرائم
إذا انتقص الإنسان منها بما عسى
يكون له ذخرا أتى بالعظائم
وأبدى أعاجيبا من الحزن والأسى
على قلة الأنصار من كل حازم
стр. 99
وناح عليها آسفا متظلما
وباح بما في صدره غير كاتم
فأما على الدين الحنيفي والهدى
وملة إبراهيم ذات الدعائم
فليس عليها بعد أن ثلّ عرشها
من الناس من باك وآس ونادم
وقد درست منها المعالم بل عفت
ولم يبق إلا الاسم بين العوالم
فلا آمر بالعرف يعرف بيننا
ولا زاجر عن معضلات الجرائم
وملة إبراهيم غودر نهجها
عفاء فأضحت طامسات المعالم
وقد عدمت فينا وكيف قد سفت
عليها السوافي في جميع الأقالم
وما الدين إلا الحب والبغض والولا
كذاك البرا من كل غاو وآثم
وليس لها من سالك متمسك
بدين النبي الأبطحي ابن هاشم
فلسنا نرى ما حل بالدين وانمحت
به الملة السمحاء إحدى القواصم
стр. 100
فنأسى على التقصير منا ونلتجي
إلى الله في محو الذنوب العظائم
فنشكو إلى الله القلوب التي قست
وران عليها كسب تلك المآثم
ألسنا إذا ما جاءنا متضمّخ
بأوضار أهل الشرك من كل ظالم
نهشّ إليهم بالتحيّة والثّنا
ونهرع في إكرامهم بالولائم
وقد برئ المعصوم من كل مسلم
يقيم بدار الكفر غير مصارم
ولا مظهر للدين بين ذوي الردى
فهل كان منا هجر أهل الجرائم
ولكنّما العقل المعيشيّ عندنا
مسالمة العاصين من كل آثم
فيا محنة الإسلام من كل جاهل
ويا قلة الأنصار من كل عالم
وهذا أوان الصبر إن كنت حازما
على الدين فاصبر صبر أهل العزائم
فمن يتمسّك بالحنيفيّة التي
أتتنا عن المعصوم صفوة آدم
стр. 101
له أجر خمسين امرىء من ذوي الهدى
من الصحب أصحاب النبي الأكارم
فنح وابك واستنصر بربك راغبا
إليه فإن الله أرحم راحم
لينصر هذا الدين بعد ما عفت
معالمه في الأرض بين العوالم
وصلّ على المعصوم والآل كلهم
وأصحابه أهل التقى والمكارم
بعدّ وميض البرق والرّمل والحصا
وما انهلّ ودق من خلال الغمائم
وأما قولهم: ما أطاع الإمام المشائخ إلا لسكوتهم عنه للمآكل والأغراض.
فنقول: وهذا أيضا من جنس ما قبله من الطعن على الإمام وعلى المشايخ بالزور والبهتان, والظلم والعدوان, وظن السوء, وقد ذم الله هذا في كتابه وعلى لسان رسوله, قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ (الحجرات: من الآية١٢) الآية. وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ (الأحزاب:٥٨) , وعن ابن عمر _رضي الله عنهما_ مرفوعا: " من قال في أخيه ما ليس فيه أسكنه الله ردغة الخبال, حتى يخرج مما قال " قيل: يا رسول الله
стр. 102
وما ردغة الخبال؟ قال:" عصارة أهل النار " رواه أبو داود بسنده (١) .
ولمسلم عن أبي هريرة _رضي الله تعالى عنه_ مرفوعا: " أتدرون ما الغيبة؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم, قال:" ذكرك أخاك بما يكره " قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال:" إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته, وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته " (٢) .
فإذا تحققت هذا فيما قاله هؤلاء في الإمام وفي المشايخ إن كان حقا وصدقا فقد اغتابوهم, وإن لم يكن حقا ولا صدقا فقد بهتوهم, وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وأما قولهم: والمشايخ يرخصون ويبيحون السفر إلى بلاد المشركين.
فالجواب: أن نقول: قد كان من المعلوم عند الخاصة والعامة أن هذا من أعظم الكذب والفرية على مشايخ المسلمين, أنهم يبيحون السفر إلى بلاد المشركين, ومن نقل هذا (٣) عنهم فقد أعظم الفرية عليهم.
فإن كان مراد هؤلاء الذين شبهوا على عوام المسلمين بهذه الشبهات أن السفر إلى بلد الأحساء بعد أن أخرج الإمام الدولة الكفار منها مباح, فهذا لا شك فيه, لأنها صارت دار إسلام, بعد أن كانت دار كفر, لجريان أحكام أهل الإسلام على أهلها, والغلبة والظهور فيها لأهل
стр. 103
الإسلام على من كان فيها ممن ظاهر أهل الكفر من الروافض وغيرهم, كما نص على ذلك العلماء قديما وحديثا.
وإن كان مرادهم أن السفر إلى بلد الأحساء وإلى بلد الكويت (١) مثلا مباح حال ولاية الكفار عليها, وأن المشايخ إذ ذاك يبيحون السفر إليها, فقد كان من المعلوم أن المشايخ من أعظم الناس تحريما لهذا السفر, وأن ذلك عندهم من أكبر الكبائر, ولا يبيحون السفر إليها, إلا (٢) لمن كان قادرا على إظهار دينه مع عدم الانبساط إليهم والتلطف لهم. وإظهار الدين عندهم هو التصريح لأعداء الله بالكفر ومبادأتهم بالعداوة والبغضاء, كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾ (الممتحنة: من الآية٤) .
ثم إنه قد كان من المعلوم عند جميع المسلمين ما جرى بيننا وبين أعدائنا ممن خالفنا, وأباح السفر إلى بلاد المشركين من أهل القصيم: كمثل عبد الله بن عمرو وابن (٣) جاسر وأتباعهم في حال ولاية آل رشيد من المخاصمات والمحاورات, ورد الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف عليهم لما كبروا في ذلك برسالة مشهورة بيّن فيها ضلالهم, وأدحض حججهم,
стр. 104
فأجابه ابن عمرو عليها بجواب لا يقوله من يؤمن بالله واليوم الآخر, ويعلم أنه موقوف بين يديه مسئول عنه, فأجبته على ذلك بنحو من خمسة عشر كراسا, وجواب آخر قدر تسعة كراريس, وأجابهم الشيخ إسحق ابن الشيخ عبد الرحمن بن حسن على مسائل أوردها عليه في هذا المعنى بنحو من ثلاثة كراريس.
فمتى أباح المشايخ السفر إلى بلاد المشركين والحالة هذه وقد كان تحريمه عنهم أشهر من نار على علم؟
وهؤلاء الذين طعنوا على المشايخ بهذه الأكاذيب يعلمون ذلك ولا ينكرونه, ولكن "لهوى النفوس سريرة لا تعلم" ولولا عمى عين الهوى عن الهدى ولبس الحق بالباطل وإرادة الجاه والشرف والترأس على الناس لما لبّسوا على عوام الناس وخفافيش البصائر الذين لا معرفة لهم بمدارك الأحكام, وليس لهم نور يمشون به في غياهب الظلام.
وأما المشايخ _ولله الحمد والمنة_ فقد ساروا على منهاج سلفهم الصالح من علماء المسلمين, وسلكوا على طريقتهم في هذه المباحث.
فمن ذلك ما أفتى به الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لما سئل عن السفر إلى بلاد المشركين.
قال السائل: هل يجوز للمسلم أن يسافر إلى بلد الكفار الحربية لأجل التجارة أم لا؟
فأجاب: الحمد لله, إن كان يقدر على إظهار دينه ولا يوالي المشركين جاز له ذلك, فقد سافر بعض الصحابة _رضي الله عنهم_ كأبي
стр. 105
بكر _رضي الله عنه_ وغيره من الصحابة إلى بلدان المشركين, لأجل التجارة, ولم ينكر ذلك النبي ﷺ كما رواه أحمد في"مسنده" وغيره.
وإن كان لا يقدر على إظهار دينه ولا على عدم موالاتهم لم يجز له السفر إلى ديارهم, كما نص على ذلك العلماء, وعليه تحمل الأحاديث التي تدل على النهي عن ذلك.
ولأن الله تعالى أوجب على الإنسان العمل بالتوحيد, وفرض عليه عداوة المشركين, فما كان ذريعة وسببا إلى إسقاط ذلك لم يجز.
وأيضا قد يجره إلى موافقتهم وإرضائهم, كما هو الواقع كثيرا ممن يسافر إلى بلدان المشركين من فساق المسلمين, نعوذ بالله من ذلك.
المسألة الثانية: هل يجوز للإنسان أن يجلس في بلد الكفار, وشعائر الكفر ظاهرة لأجل التجارة؟
الجواب عن هذه المسألة: هو الجواب عن التي قبلها سواء, ولا فرق في ذلك بين دار الحرب أو دار الصلح, فكل بلد لا يقدر المسلم على إظهار دينه فيها لا يجوز له السفر إليها. انتهى.
ثم لما كان في هذا الزمان إقبال من البادية على الدخول في هذا الدين وسكن كثير منهم في بلدان المسلمين ووفدوا على الإمام في بلد الرياض, سأل كثير منهم المشايخ عن السفر إلى بلد الكويت فأجابوهم بما أفتى به سلفهم الصالح, مما تقدم بيانه قريبا, فمتى أباحوا السفر إلى بلاد المشركين, ومن نقل ذلك عنهم ممن يوثق بنقله؟ والله المستعان.
стр. 106
وأما قولهم: ويسلمون على المسافرين: فنقول: اعلم يا أخي أنّا قد بينا فيما تقدم براءة المشايخ مما نسبه عنهم هؤلاء المفترون من إباحة السفر إلى بلاد المشركين.
وأما السلام على المسافرين فقد بينا في مسألة الهجر, أن ذلك من باب التأديب والتعزير لأهل الذنوب والمعاصي, وأن ذلك مشروع إذا كان فيه مصلحة راجحة على مفسدته, وأما إذا كانت مفسدته أرجح من مصلحته فليس بمشروع. كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية _قدس الله روحه_:
"وهذا الهجر يختلف باختلاف المهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم, فإن المقصود زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله, فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث يفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته (١) (كان مشروعا) (٢) , وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر, والهاجر ضعيف بحيث تكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر, بل يكون التأليف لبعض الناس أنفع (من الهجر) , والهجر لبعض الناس انفع من التأليف, ولهذا كان النبي ﷺ يتألف أقواما ويهجر آخرين. وقد يكون المؤلفة قلوبهم أشر حالا في الدين من المهجورين, كما أن الثلاثة الذين خلفوا كانوا خيرا من أكثر المؤلفة قلوبهم, لكن أولئك كانوا سادة مطاعين في عشائرهم,
стр. 107
فكانت المصلحة الدينية في تأليف قلوبهم, وهؤلاء كانوا مؤمنين, والمؤمنون سواهم كثيرون. فكان في هجرهم عز الدين وتطهيرهم من ذنوبهم ... إلى آخر كلامه.
فإذا تحققت هذا فقد هجر المشايخ المسافرين إلى بلاد المشركين مدة طويلة, فلما لم ينجع فيهم الهجر, ولم ينزجروا عن السفر, رأوا أن درأ المفسدة التي تفضي إلى المقاطعة والمدابرة والتباغض والتحاسد والشحناء أرجح من مصلحة الهجر, كما في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: " لا تقاطعوا, ولا تدابروا, ولا تباغضوا, ولا تحاسدوا, وكونوا عباد الله إخوانا " (١) .
وقال ﷺ في الحديث الذي في "السنن": " ألا أنبئكم بأفضل من درجة الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟ " قالوا: بلى يا رسول الله. قال:" إصلاح ذات البين, فإن فساد ذات البين هي الحالقة, لا أقول: تحلق الشعر, ولكن تحلق الدين " (٢) .
стр. 108
وقال في الحديث الصحيح:"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" (١) . انتهى.
فإذا فهمت هذا فاعلم أن للمسلم على المسلم حقوقا في الإسلام, يجب مراعاتها, وله من الذنوب والمعاصي ما يوجب بغضه ومعاداته عليها, فيحب ويوالي ويكرم من وجه, ويبغض ويعادي ويهان من وجه آخر. فإذا اجتمع في الرجل الواحد خير وشر, وبر وفجور, وطاعة ومعصية, وسنة وبدعة, استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير, واستحق من المعاداة والعقاب بحسب ما فيه من الشر, فيجتمع في الرجل الواحد موجبا الإكرام والإهانة, فيجتمع له من هذا وهذا, كاللص الفقير تقطع يده لسرقته, ويعطي ما يكفيه من بيت المال لحاجته.
هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة, وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه فلم يجعلوا الناس إلا مستحقا للثواب فقط, أو مستحقا للعقاب فقط. وأهل السنة يقولون: "إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبه, ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة بفضله ورحمته, كما استفاضت بذلك السنة عن النبي ﷺ كما قرر ذلك شيخ الإسلام في مسألة الهجر.
стр. 109
فلما عاملنا المسافرين بهذه المعاملة, أخذنا بقول أئمة الإسلام, أنكر هؤلاء الجهال علينا ذلك وطعنوا به, ورأوا أن ذلك من أعظم المنكرات.
ومراد هؤلاء ومرامهم منا أن نسير في المسلمين بسيرة الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم, فنأخذ بالشدة والتضييق والحرج على الأمة, وأن لا نرى للمسلم على المسلم حقوقا في الإسلام, وأن نترك ما اتفق عليه أهل السنة والجماعة, فلا نجعل الناس إلا مستحقا للثواب فقط أو مستحقا للعقاب فقط.
ونحن نبرأ إلى الله من هذا المذهب, ونعوذ بالله من الحور بعد الكور, ومن الضلالة بعد الهدى.
والدليل من السنة على أن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح: حديث أبي هريرة المتفق عليه عنه ﷺ أنه قال: " لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام, ثم آمر رجلا يصلي بالناس, ثم أنطلق إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار " فهمّ بتحريق من لم يشهد الصلاة.
في "المسند" وغيره:" لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأمرت أن تقام الصلاة " الحديث (١) .
فبين ﷺ أنه همّ بتحريق البيوت على من لم يشهد الصلاة, وبين أنه إنما منعه من ذلك من فيها من النساء والذرية, فإنهم لا يجب عليهم
стр. 110
شهود الصلاة, وفي تحريق البيوت قتل ما لا يجوز قتله, كما ذكر ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية _قدس الله روحه_.
وكذلك لما استأذنه بعض الصحابة في قتل المنافقين, قال: " لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه " (١) وكذلك لما استؤذن في قتل رجل آخر منهم قال: " إذا ترعد له أنوف كثيرة بيثرب " إلى غير ذلك من الأحاديث التي قدم فيها درء المفاسد على جلب المصالح, كما قرر ذلك علماء أهل السنة والجماعة, والله أعلم.
وأما قول السائل: ويقولون ساكن البادية والنازل منها إلى الحاضرة سواء, فنقول:
وهذا أيضا من الكذب على المشايخ, فإنه لم يقل أحد منهم أن من أسلم من البادية ودخل في هذا الدين ولم يهاجر, كمن هاجر منهم وترك جميع ما كان عليه من أمور الجاهلية وسكن مع الحاضرة: أنهم سواء, بل هذا من أعظم الكذب والافتراء. وقد بينا فضل من هاجر على من لم يهاجر فيما تقدم بما أغنى عن إعادته هنا.
وإنما قال المشايخ لمن سألهم منهم عن حكم من أسلم وتبين له الدين وكان متمكنا من إقامة دينه وإظهاره بين من لم يسلم من الأعراب الساكنين في البادية: أن الهجرة لا تجب عليه, بل هي مستحبة في حقه,