أربعين خيرا له من أن يمر بين يدي المصلي ". قال أبو النضر: لا أدري قال: أربعين يوما أو شهرا, أو سنة. رواه البخاري (١) .
وكذلك ورد النهي عن الجهر بقراءة القرآن بين المصلين؛ لئلا يشوش عليهم صلاتهم. وقد كان من المعلوم أن قراءة القرآن من أفضل الأعمال, وهي مشروعة فنهى عنها لأجل ذلك, فكيف الحال بمن فعل أمرا غير مشروع ولا مأذون فيه؟ فكان أجدر وأولى بان ينهى عن هذا الفعل المبتدع, الذي يحصل به قطع صلاة المصلين أو تشويش عليهم.
ثم إنه ليس هذا الأمر بأقل مما فعله بعض المتنطعين المتعمقين الغالين في الدين على عهد الصحابة _رضي الله عنهم_ من الاجتماع على التسبيح والتهليل والتكبير, الذي هو من أفضل الأعمال وأجل العبادة, لكن لما لم يكن على عهد رسول الله ﷺ , ولم يتعبد به أحد من الصحابة على هذا الوجه الذي فعلوه, أنكر ذلك عليهم أفاضل الصحابة _رضي الله عنهم_ كعبد الله بن مسعود وأبي موسى الأشعري, كما ذكر ذلك أهل العلم.
قال الدارمي: أخبرنا الحاكم بن المبارك, أنبأنا عمرو بن يحيى, قال سمعت أبي يحدث عن أبيه؛ قال: كنا نجلس على باب عبد الله بن مسعود قبل صلاة الغداة، فإذا خرج مشينا معه إلى المسجد, فجاء أبو موسى الأشعري, فقال: أخرج أبوعبد الرحمن؟ قلنا: لا. فجلس. فلما
стр. 37
خرج قال: يا أبا عبد الرحمن! إني رأيت في المسجد أمراً أنكرته, ولم أر _ولله الحمد_ إلاَّ خيراً, قال: فما هو؟ فقال: إن عشت فستراه.
قال: رأيت في المسجد قوما جلوسا, ينتظرون الصلاة, في كل حلقة رجل, وفي أيديهم حصى, فيقول: كبروا مائة. فيكبرون مائة.
فيقول هللوا مائة. فيهللون مائة. فيقول: سبحوا مائة. فيسبحون مائة.
قال: فماذا قلت لهم؟ ما قلت لهم شيئا, أنتظر أمرك. قال: أفلا أمرتهم أن يعدوا سيئاتهم, وضمنت لهم أن لا يضيع من حسناتهم شيء.
ثم مضى حتى أتى حلقة, فقال: ما هذا؟ قالوا: له: حصى نعد به التكبير والتهليل والتسبيح. قال: فعدوا سيئاتكم, فأنا ضامن أن لا يضيع من حسناتكم شيء. ويحكم يا أمة محمد! ما أسرع هلكتكم! هؤلاء صحابة نبيكم ﷺ متوافرون, وهذه ثيابه لم تبل, وآنيته لم تنكسر, والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد, أو مفتتحي باب ضلالة. قالوا: والله يا أبا عبد الرحمن! ما أردنا إلا الخير. قال: وكم من مريد للخير لم يصبه؟ إن رسول الله ﷺ حدثنا أن قوما يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم. وأيم الله إني لأرى أكثرهم منكم. فقال عمر بن سلمة: رأينا عامة أولئك يطاعنونا يوم النهروان مع الخوارج (١) . انتهى.
стр. 38
وقال أيضا _رحمه الله ورضي الله عنه_ من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات, فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة, أولئك أصحاب محمد ﷺ كانوا أبر هذه الأمة قلوبا, وأعمقها علما, وأقلها تكلفا, قوم اختارهم الله لصحبة نبيه, ولإظهار دينه, فاعرفوا لهم فضلهم, وخذوا بهديهم, فإنهم كانوا على الصراط المستقيم. انتهى.
فانظر إلى قوله _رضي الله عنه_: وأقلهم تكلفا. وهؤلاء الجهلة لا يقبلون إلا ممن يضيق عليهم ويشدد عليهم, ولا يقبلون رخصة الله في التيسير وعدم التكلف.
وقال حذيفة بن اليمان _رضي الله عنه_: " كل عبادة لا يتعبدها أصحاب محمد ﷺ فلا تعبدوها, فإن الأول لم يدع للآخر مقالا.
فاتقوا الله يا معشر القراء! وخذوا طريق من كان قبلكم". رواه أبو داود. انتهى.
ثم اعلم _وفقك الله_ أنه قد بلغنا وسمعنا أشياء كثيرة من هذه البدع والمنكرات المحدثة في الدين, التي أحدثها من أحدثها من أزمان تتطاول, فلم تنكر حتى فشت في الناس.
كما قال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين _رحمه الله_ في بعض رسائله: وما أخوفني على من عاش أن يرى أمورا كثيرة لا منكر لها.
فلما لم تنكر هذه البدع ابتداء وتركت تفاقم الأمر, وفشت في كثير من العوام من الأعراب وغيرهم, حتى صعب إخراجها من قلوبهم. ولما أنكرنا شيئا منها, قال بعضهم: هؤلاء يميتون السنن.
стр. 39
وقد ذكرت عن بعضهم أنهم يقولون: هذا كلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في البدو, والمشايخ اليوم يقولون ويقولون, وليس علينا إلا بيان الحق ورد الخلق إلى ما فيه صلاحهم وهدايتهم إلى سلوك الصراط المستقيم المخالف لما عليه أهل الأهواء والبدع. والتوفيق والهداية بيد الله, وما توفيقي إلا بالله, عليه توكلت وإليه أنيب.
стр. 40
فصل في قصة الخوارج
المدخل
...
فصل
ثم لما فرغنا من تسويد هذه الأوراق ورد علينا منك رسالة تطلب فيها أن نكتب لك قصة الخوارج مستوفاة من حين خروجهم على علي _رضي الله عنه_ إلى آخر من كان من أمرهم. فقد ذكر ذلك شيخنا الشيخ عبد اللطيف في رده على داود بن جرجيس. وهذا نص ما ذكر, وبه الكفاية. قال _رحمه الله_ (١) :
"إنه لما اشتد القتال يوم صفين قال عمرو بن العاص لمعاوية بن أبي سفيان: هل لك في أمر أعرضه عليك لا يزيدنا إلا اجتماعا ولا يزيدهم إلا فرقة؟ قال: نعم, قال: نرفع المصاحف, ثم نقول لما فيها: هذا حكم بيننا وبينكم. فإن أبى بعضهم أن يقبلها رأيت فيهم من يقول: ينبغي لنا أن نقبلها. فتكون فرقة فيهم. فإن قبلوا رفعنا القتال عنا إلى أجل.
فرفعوا المصاحف بالرماح, وقالوا: هذا كتاب الله بيننا وبينكم, من لثغور الشام بعد أهله؟ من لثغور العراق بعد أهله؟
فلما رآها الناس قالوا: نجيب إلى كتاب الله.
فقال لهم علي: عباد الله! امضوا على حقكم وصدقكم, فإنهم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن أنا أعلم به منكم, والله ما رفعوها إلا
стр. 41
خديعة, ووهنا ومكيدة. قالوا: لا يسعنا أن ندعى إلى كتاب فنأبى أن نقبله.
وقال لهم علي: إنما أقاتلهم ليدينوا بحكم الكتاب, فإنهم قد عصوا الله ونسوا عهده.
قال له مسعر بن فدكي التميمي وزيد بن حصين الطائي في عصابة من القراء: يا علي أجب إلى كتاب الله إذا دعيت إليه وإلا دفعناك برمتك إلى القوم, أو نفعل بك كما فعلنا بابن عفان. فلم يزالوا به حتى نهى الناس عن القتال, ووقع السباب بينهم وبين الأشتر وغيره ممن يرى عدم التحكيم.
فقال الناس: قد قبلنا أن نجعل القرآن بيننا وبينهم حكما, فجاء الأشعث بن قيس إلى علي فقال: لأن الناس قد رضوا بما دعوهم إليه من حكم القرآن, إن شئت أتيت معاوية. قال علي: ائته, فأتاه. فقال: لأي شيء رفعوا المصاحف؟ قال: لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به في كتابه, تبعثون رجلا ترضون به, ونبعث رجلا نرضى به, فنأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله, لا يعدلان عنه. فعاد إلى علي فأخبره. فقال الناس: قد رضينا. قال أهل الشام رضينا عمرو بن العاص. وقال الأشعث, وأولئك القوم الذين صاروا خوارج: رضينا بأبي موسى الأشعري. فراودهم علي على غيره, وأراد ابن عباس. قالوا: والله لا نبالي أنت كنت حكمها أم ابن عباس, ولا نرضى إلا رجلا منك ومن معاوية سواء, وأبوا غير أبي موسى. فوافقهم علي كرها. وكتب كتاب التحكيم.
стр. 42
فلما قرأه على الناس سمعه عروة بن أمية أخو أبي بلال. قال: تحكمون في أمر الله الرجال, لا حكم إلا لله. وشد بسيفه فضرب دابة من قرأ الكتاب. وكان ذلك أول ما ظهرت الحرورية الخوارح. وفشت العداوة بينهم وبين عسكر علي, وقطعوا الطريق في إيابهم بالتشاتم والتضارب بالسياط.
تقول الخوارج: يا أعداء الله! داهنتم في دين الله.
ويقول الآخرون: فارقتم إمامنا, ومزقتم جماعتنا. ولم يزالوا كذلك حتى قدموا العراق, فقال بعض الناس من المتخلفين: ما صنع علي شيء. فسمعها علي فقال: وجوه قوم ما رأوا الشام, ثم أنشد شعرا:
أخوك الذي إن أَجْرَضَتْكَ ملمة
من الدهر لم يبرح لِبَثِّك واجما
وليس أخوك بالذي إن تشعبت
عليك الأمور ظل يلحاك لائما
فلما دخل الكوفة ذهبت الخوارج إلى حروراء فنزل بها اثنا عشر ألفا, على ما ذكره ابن جرير. ونادى مناديهم: أن أمير القتال: شبث بن ربعي التميمي. وأمير الصلاة: عبد الله بن الكوَّاء اليشكري. والأمر شورى بعد الفتح, والبيعة لله , والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
فلما سمع علي ذلك وأصحابه قامت إليه الشيعة, فقالوا له: في أعناقنا بيعة ثانية, نحن أولياء من واليت, وأعداء من عاديت.
стр. 43
قالت لهم الخوارج: استبقتم أنتم وأهل الشام إلى الكفر كفرسي رهان, أهل الشام بايعوا معاوية على ما أحب. أنتم بايعتم عليا على أنكم أولياء من والى وأعداء من عادى. يريدون أن البيعة لا تكون إلا على كتاب الله وسنة رسوله ﷺ , لأن الطاعة له تعالى.
وقال لهم زياد بن النضر: والله ما بسط علي يده فبايعناه قط, إلا على كتاب الله وسنة نبيه, ولكنكم لما خالفتموه جاءت شيعته, فقالوا: نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت, ونحن كذلك وهو على الحق والهدى, ومن خالفه ضال مضل.
وبعث علي _رضي الله عنه_ عبد الله بن عباس إلى الخوارج فخرج إليهم, فأقبلوا يكلمونه, فقال: نقمتم من المحكمين وقد قال الله : ﴿فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا﴾ (النساء: من الآية٣٥) . فكيف بأمة محمد ﷺ !! قالوا له: ما جعل الله حكمه إلى الناس وأمرهم بالنظر فيه فهو إليهم, وما حكم فأمضى فليس للعباد أن ينظروا فيه, في الزنا مائة جلدة, وفي السارق قطع يده, فليس للعباد أن ينظروا في هذا.
قال ابن عباس: فإن الله تعالى يقول: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (المائدة: من الآية٩٥) قالوا: تجعل الحكم في الصيد والحرث وبين المرأة وزوجها: كالحكم في دماء المسلمين؟ وقالوا له: أعدل عندك عمرو بن العاص وهو بالأمس يقاتلنا؟ فإن كان عدلا فلسنا بعدول, وقد حكمتم في أمر الله الرجال.
قد أمضى الله حكمه في معاوية وأصحابه أن يقتلوا أو يرجعوا, وقد كتبتم بينكم وبينهم كتابا, وجعلتم بينكم وبينهم الموادعة, وقد قطع الله
стр. 44
الموادعة بين المسلمين وأهل الحرب منذ نزلت براءة إلى من أقر بالجزية.
فجاء علي وابن عباس يخاصمهم, فقال: إني نهيتك عن كلامهم حتى آتيك.
ثم تكلم _رضي الله عنه_ فقال: اللهم هذا مقام من يفلج فيه, كان أولى بالفلج يوم القيامة. وقال لهم: من زعيمكم؟ قالوا ابن الكواء.
فقال: فما أخرجكم علينا؟
قالوا: حكومتكم يوم صفين.
قال: أنشدكم الله! أتعلمون أنهم حين رفعوا المصاحف وملتم بجنبهم قلت لكم: إني أعلم بالقوم منكم, إنهم ليسوا بأصحاب دين؟ وذكرهم مقالته, ثم قال: وقد اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن ويميتا ما أمات القرآن, فإن حكما بحكم القرآن فليس لنا أن نخالفه, إن أبينا فنحن من حكمهما براء.
قالوا: فخبرنا أتراه عدلا تحكيم الرجال في الدماء.
قال: إنا لسنا حكمنا الرجال, إنما حكمنا القرآن إنما هو خط مسطور بين دفتين, وإنما يتكلم به الرجال.
قالوا: فخبرنا عن الأجل لما جعلته بينكم؟ قال: ليعلم الجاهل, ويثبت العالم, ولعل الله يصلح في هذه الهدنة هذه الأمة, فادخلوا مصركم رحمكم الله. فدخلوا من عند آخرهم.
فلما جاء الأجل وأراد علي أن يبعث أبا موسى للحكومة أتاه رجلان من الخوارج: زرعة بن البرج الطائي وحرقوص بن زهير السعدي, فقالا
стр. 45
له: لا حكم إلا لله. فقال علي: لا حكم إلا لله. وقالا: تب من خطيئتك وارجع عن قضيتك, واخرج بنا إلى عدونا, نقاتلهم حتى نلقى الله ربنا.
فقال علي: قد أردتكم على ذلك فعصيتموني, قد كتبنا بيننا وبين القوم كتابا, وشرطنا شروطا, وأعطينا عهودا. وقد قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ (النحل: من الآية٩١) , فقال حرقوص: ذلك ذنب ينبغي أن تتوب منه. قال علي: ما هو ذنب, ولكنه عجز من الرأي وقد نهيتكم عنه. قال زرعة: يا علي لئن حكمتم الرجال لأقاتلنك أطلب وجه الله. فقال له علي: بؤسا لك ما أشقاك! كأني بك قتيلا تسفي عليك الرياح. قال: وددت لو كان ذلك. وخرجا من عنده يقولان: لا حكم إلا لله.
وخطب علي ذات يوم فقالوها في جوانب المسجد. فقال علي: الله أكبر! كلمة حق أريد بها باطل. فوثب يزيد بن عاصم المحاربي فقال: الحمد لله غير مودع ربنا, ولا مستغنى عنه, اللهم إنا نعوذ بك من إعطاء الدنية في ديننا, فإن إعطاء الدنية في الدين إدهان في أمر الله, وذل راجع بأهله إلى سخط الله. يا علي أبالقتل تخوفنا؟ أما والله إني لأرجو أن نضربكم بها عما قليل غير مصفحات, ثم لتعلم أينا أولى بها صليا.
وخطب علي يوما آخر فقال رجال في المسجد: لا حكم إلا لله.
يريدون بهذا إنكار المنكر على زعمهم. فقال علي: الله أكبر! كلمة حق أريد بها باطل. أما إن لكم علينا ثلاثا: ما صحبتمونا لا نمنعكم مساجد الله أن تذكروا فيها اسمه, ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا, ولا نقاتلكم حتى تبدؤنا, وإنا ننتظر فيكم أمر الله. ثم عاد إلى
стр. 46
مكانه من الخطبة.
ثم إن الخوارج لقي بعضهم بعضا واجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي, فخطبهم وزهدهم في الدنيا, وأمرهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ثم قال: اخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها إلى بعض كهوف الجبال أو إلى بعض هذه المدائن, منكرين لهذه البدع المضلة.
فقال حرقوص بن زهير: إن المتاع في هذه الدنيا قليل, وإن الفراق لها وشيك, فلا تدعونّكم بزينتها وبهجتها إلى المقام بها, ولا تلفتنّكم عن طلب الحق وإنكار الظلم, فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون.
قال حمزة بن سنان الأسدي: يا قوم! إن الرأي ما رأيتم, فولوا أمركم رجلا منكم, فإنه لا بد لكم من عماد وسنان وراية تحفون بها وترجعون إليها. فعرضوا ولايتهم على زيد بن حصين الطائي, وعرضوها على حرقوص بن زهير فأبياها, وعلى حمزة بن سنان وشريح بن أوفى العبسي فأبيا, ثم عرضوها على عبد الله بن وهب فقال: هاتوها, أما والله لا آخذها رغبة في الدنيا, ولا أدعها فرارا من الموت. فبايعوه لعشر خلون من شوال. وكان يقال له: ذوا الثَّفِنَات (١) .
стр. 47
فاجتمعوا في منزل شريح بن أوفى العبسي. فقال ابن وهب: اشخصوا بنا إلى بلدة نجتمع فيها وننفذ حكم الله فإنكم أهل الحق.
قال شريح: نخرج إلى المدائن فننزلها, ونأخذ بأبوابها, ونخرج منها سكانها, ونبعث إلى أخواننا من أهل البصرة فيقدمون علينا. فقال زيد بن حصين: إنكم إن خرجتم مجتمعين تبعوكم, ولكن اخرجوا وحدانا ومستخفين. فأما المدائن فغن بها من يمنعكم, ولا تسيروا حتى تنزلوا بجسر النهروان, وتكابوا (١) إخوانكم من أهل البصرة. قالوا: هذا الرأي.
فكتب عبد الله بن وهب إلى من بالبصرة, ليعلمهم ما اجتمعوا عليه, ويحثهم على اللحاق بهم. فأجابوه. فلما خرجوا صار شريح بن أوفى العبسي يتلو قوله: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ﴾ (القصص: من الآية٢١) إلى قوله: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ البقرة: من الآية١٠٨) وخرج معهم طرفة بن عدي إلى عامل علي أمير المدائن. (٢) يحذره, فحذر وضبط الأبواب, واستخلف عليها المختار بن أبي عبيد, وخرج بالخيل في طلبهم فأخبر ابن وهب فسار على بغداد ولحقه ابن مسعود أمير المدائن بالكرخ في خمسمائة فارس, فانصرف إليه ابن وهب الخارجي في ثلاثين فارسا, فاقتتلوا ساعة, وامتنع القوم منهم, فلما جن الليل على ابن وهب عبر الدجلة, وصار إلى النهروان, ووصل إلى
стр. 48
أصحابه, وتفلت رجال من أهل الكوفة يريدون الخوارج, فردهم أهلوهم, ولما خرجت الخوارج من الكوفة عاد أصحاب علي وشيعته إليه, نحن أولياء من واليت وأعداء من عاديت. فشرط لهم سنة رسول الله ﷺ , فجاءه ربيعة بن أبي (١) شداد الخثعمي. فقال: أبايع على سنة أبي بكر وعمر. قال علي: ويلك لو أن أبا بكر وعمر عملا بغير كتاب الله وسنة رسوله لم يكونا على شيء (٢) من الحق, فبايعه, ونظر إليه علي فقال: أما والله لكأني بك وقد نفرت مع هذه الخوارج فقتلت, وكأني بك وقد وطأتك الخيل بحوافرها. فكان ذلك, وقتل يوم النهروان مع الخوارج.
وأما خوارج البصرة فإنهم اجتمعوا في خمسمائة رجل جعلوا عليهم مسعر بن فدكي التميمي, وعلم بهم ابن عباس, فأتبعهم بالأسود الدؤلي, فلحقهم بالجسر الأكبر, فتواقفوا حتى حجز دونهم الليل (٣) , وأدلج مسعر بأصحابه, وسار حتى لحق بابن وهب.
فلما انقضى أمر التحكيم وخدع عمرو بن العاص أبا موسى الأشعري, وصرح عمرو بولاية معاوية, بعد أن عزل أبو موسى عليا _خدعه عمرو بذلك_ فهرب أبو موسى إلى مكة؛ قام علي في الكوفة فخطبهم. وقال في خطبته:
стр. 49
الحمد لله, وإن أتى الدهر بالخطب الفادح والحدثان الجليل وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
أما بعد: فإن المعصية تورث الحسرة وتعقب الندم, وقد كنت أمرتكم في هذين الرجلين _يعني: أبا موسى وعمرو بن العاص_ وفي هذه الحكومة أمري, ونحلتكم رأيي لو كان لقصير أمر (١) ! ولكن أبيتم إلا ما أردتم, فكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوزان:
أمرتهم أمري بمنعرج اللوى
فلم يستبينوا (٢) الرشد إلا ضحى الغد
إلا أن هذين الرجلين الذين أخرجتموهما حكمين قد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما, وأحييا ما أمات القرآن, واتّبع (٣) كل واحد منهما هواه بغير هدى من الله, فحكما بغير حجة بينه ولا سنة ماضية (٣) , واختلفا في حكمهما, وكلاهما لم يرشد, فبرئ الله منهما ورسوله وصالح المؤمنين. فاستعدوا وتأهبوا للمسير إلى الشام.
стр. 50
وكتب إلى الخوارج: من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى زيد بن حصين وعبد الله بن وهب ومن معهما من الناس, أما بعد: فإن هذين الرجلين اللذين ارتضينا حكمهما (١) قد خالفا كتاب الله, واتبعا أهواءهما بغير هدى من الله, فلم يعملا بالسنة, ولم ينفذا للقرآن حكما, فبرئ الله منهما ورسوله والمؤمنون.
فإذا بلغكم كتابي هذا فاقبلوه إلينا, فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم, ونحن على الأمر الأول, الذي كنا عليه والسلام (٢) .
فكتبوا إليه: أما بعد: فإنك لم تغضب لربك, وإنما غضبت لنفسك, فإن شهدت على نفسك بالكفر, واستقبلت التوبة نظرنا فيما بيننا وبينك, وإلا فقد نابذناك على سواء ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ (الأنفال: من الآية٥٨) .
فلما قرأ كتابهم أيس منهم, ورأى أن يدعهم ويمضي بالناس إلى قتال أهل الشام, فقام في الكوفة فندبهم إلى الخروج معه, وخرج معه أربعون ألف مقاتل وسبعة عشر من الأبناء وثمانية آلاف من الموالي والعبيد. وأما أهل البصرة فتثاقلوا ولم يخرج إلا ثلاثة آلاف.
وبلغ عليا أن الناس يرون قتال الخوارج أهم وأولى. قال لهم عليّ: دعوا هؤلاء, وسيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا (٣) جبارين ملوكا,
стр. 51
ويتخذوا عباد الله خولا. فناداه الناس: أن سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت.
ثم إن الخوارج استعر (١) أمرهم, وبدؤا بسفك الدماء وأخذوا الأموال, وقتلوا عبد الله بن خباب صاحب رسول الله ﷺ ؛ وجدوه سائرا بامرأته على حمار فانتهروه وأفزعوه, ثم قالوا له: ما أنت؟ فأخبرهم.
قالوا: حدثنا عن أبيك الخباب حديثا سمعه عن رسول الله ﷺ تنفعنا به, فقال: حدثني أبي عن رسول الله ﷺ قال:" ستكون فتنة يموت فيها قلب الرجل كما يموت فيها بدنه, يمسي مؤمنا ويصبح كافرا, ويصبح كافرا ويمسي مؤمنا " (٢) . قالوا: لهذا سألنك. فما تقول في أبي بكر وعمر؟ فأثنى عليهما خيرا. فقالوا: ما تقول في عثمان في أول خلافته وفي آخرها. قال: إنه كان محقا في أولها وآخرها؟ قالوا: فما تقول في علي قبل التحكيم وبعده؟ قال أقول: إنه أعلم بالله منكم, وأشد توقيا على
стр. 52
دينه, وأنفذ بصيرة. فقالوا: إنك تتبع الهوى وتوالي الرجال على أسمائها لا على أفعالها, والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحدا, فأخذوه فكتفوه, ثم أقبلوا به وبامراته وهي حبلى متم (١) , فنزلوا تحت نخل مثمر, فسقط منه رطبة, فأخذها أحد فلاكها في فيه, فقال له آخر: أخذتها بغير حلها, وبغير ثمن! فألقاها. ثم مر بهم خنزير, فضربه أحدهم بسيفه, فقالوا: هذا فساد في الأرض, فلقي صاحب الخنزير وهو من أهل الذمة, فأرضاه.
فلما رأى ذلك ابن خبّاب قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى فما علي بأس, إني لمسلم (٢) ما أحدثت في الإسلام حدثا, ولقد أمّنتموني. فأضجعوه وذبحوه, وأقبلوا إلى امرأته. فقالت: أنا امرأة ألا تتقون الله, فبقروا بطنها. وقتلوا أم سنان الصيداوية وثلاثا من النساء.
فلما بلغ ذلك عليا بعث الحارث بن مرة العبدي يأتيه بالخبر, فلما دنا منهم قتلوه, فألح الناس على علي في قتالهم, وقالوا: نخشى أن يخالفونا في عيالنا وأموالنا, فسر بنا إليهم. وكلمه الأشعث بن قيس الكندي بمثل ذلك, واجتمع الرأي على حربهم, وسار علي يريد قتالهم, فلقيه منجّم في مسيره, فأشار عليه أن يسير في وقت مخصوص, وقال: إن سرت في غيره لقيت أنت وأصحابك ضررا شديدا. فخالفه علي في الوقت الذي نهاه عنه.
стр. 53
فلما وصل إليهم قالوا (١) : ادفعوا إلينا قتلة إخواننا نقتلهم ونترككم, فلعل الله أن يقبل بقلوبكم, ويردكم إلى خير ما أنتم عليه. فقالوا (٢) : كلنا قتلتهم (٣) , وكلنا مستحل لدمائهم ودمائكم. وخرج إليهم قيس بن سعد بن عبادة فقال: عباد الله أخرجوا إلينا طلباتنا منكم, وادخلوا في هذا الأمر الذي خرجتم منه, وعودوا بنا إلى قتال عدونا وعدوكم (٤) , فإنكم ركبتم عظيما من الأمر, تشهدون علينا بالشرك, وتسفكون دماء المسلمين.
فقال له عبد الله بن شجرة السلمي: إن الحق قد أضاء لنا فلسنا متابعيكم أو تأتونا بمثل عمر. فقال: ما نعلمه غير صاحبنا, فهل تعلمونه فيكم؟ قالوا: لا. قال: نشدتكم الله في أنفسكم أن تهلكوها, فإني لا أرى الفتنة إلا وقد غلبت عليكم.
وخطبهم أبو أيوب خالد بن زيد الأنصاري, فقال: عباد الله! إنا وإياكم على الحال الأولى التي كنا عليها, ليست بيننا وبينكم فرقة, فعلام تقاتلوننا (٥) ؟ فقالوا: إن بايعناكم (٦) اليوم حكمتكم الرجال غدا. قال: فإني أنشدكم الله أن تعجلوا فتنة العام مخافة ما يأتي في القابل.
стр. 54
وأتاهم عليّ _رضي الله عنه_ فقال: أيتها العصابة التي أخرجها عداوة المراء واللجاجة, وصدها عن الحق الهوى, وطمع بها النّزق, وأصبحت في الخطب العظيم.
إنني نذير لكم أن تصبحوا تلفيكم (١) الأمة غدا صرعى بأثناء هذا النهر, وبأهضام (٢) هذا الغائط, بغير بينة من ربكم ولا برهان, ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة, ونبأتكم أنها مكيدة, وأن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن, فعصيتموني, فلما فعلتم أخذت على الحكمين واستوثقت أن يحييا ما أحيا القرآن, ويميتنا ما أمات القرآن, فاختلفا وخالفا حكم الكتاب, فنبذنا أمرهما, فنحن على الأمر الأول فمن أين أتيتم؟
قالوا: إنا حكّمنا فلما حكمنا أثمنا, وكنا بذلك كافرين, وقد تبنا, فإن تبت فنحن معك ومنك, فإن أبيت فإنا منابذوك على سواء.
قال عليّ: أصابكم حاصب, ولا بقي منكم وابر (٣) , أبعد (٤) إيماني برسول الله ﷺ هجرتي معه وجهادي في سبيل الله أشهد على نفسي بالكفر!! لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين.
стр. 55
وقيل كان من كلامه: يا هؤلاء! إن أنفسكم قد سولت لكم فراقي بهذه الحكومة التي أنتم ابتدأتموها وسألتموها, وأنا لها كاره, وأنبأتكم أن القوم إنما طلبوها مكيدة ووهنا, فأبيتم عليّ إباء المخالفين, وعدلتم عنيّ عدول (١) النكداء العاصين, حتى صرفت رأيي إلى رأيكم, وأنتم _والله_ معاشر أخفّاء الهام, سفهاء الأحلام, فلم آت_لا أبالكم_ حراما, والله ما خبلتكم عن أموركم (٢) , ولا أخفيت شيئا من هذا الأمر عنكم, ولا أوطأتكم عشوة (٣) , ولا أدنيت لكم ضرا, وإن كان أمرنا لأمر المسلمين ظاهرا فأجمع رأي ملئكم على (٤) أن اختاروا رجلين, فأخذنا عليهما أن يحكما بالحق ولا يعدوانه, فتركا الحق وهما يبصرانه, وكان الجور هواهما والتقية دينهما, حتى خالفا سبيل الحق وأتيا بما لا يعرف, فبينوا لنا بم تستحلون قتالنا والخروج عن جماعتنا, وتضعون (٥) سيوفكم على عواتقكم, ثم تستعرضون الناس تضربون رقابهم, إن هذا هو الخسران المبين, والله لئن قتلتم على هذا دجاجة لعظم عند الله قتلها, فكيف بالنفس التي قتلها عند الله حرام.
стр. 56
فتنادوا: أن لا تخاطبوهم ولا تكلموهم وتهيئوا للقاء الله, الرّواح الرواح إلى الجنة.
فرجع عليّ عنهم, ثم إنهم قصدوا جسر النهر, فظن الناس أنهم عبروه. فقال عليّ: لم يعبروه, وإن مصارعهم لدون النهر, والله لا يقتلون منكم عشرة ولا يسلم منهم عشرة.
فتعبّأ الفريقان للقتال, فناداهم أبو أيوب فقال: من جاء هذه الراية فهو آمن, ومن انصرف إلى الكوفة أو إلى المدائن وخرج من هذه الجماعة فهو آمن. فانصرف فروة ابن نوفل الأشجعي في خمسمائة فارس, وخرجت طائفة أخرى متفرقين, فبقي مع عبد الله بن وهب ألفان وثمانمائة (١) , فزحفوا إلى عليّ وبدؤوه بالقتال وتنادوا: الرّواح الرّواح إلى الجنة. فاستقبلهم (٢) الرماة من جيش عليّ بالنبل والرماح والسيوف, ثم عطفت عليهم الخيل من الميمنة والميسرة, وعليها أبو أيوب الأنصاري, وعلى الرجالة أبو قتادة الأنصاري, فلما عطفت عليهم الخيل والرجال, وتداعى عليهم الناس ما لبثوا أن أناموهم فماتوا في ساعة واحدة, فكأنما قيل لهم موتوا فماتوا, وقتل ابن وهب وحرقوص وسائر سراتهم.
وفتّش عليّ في القتلى والتمس المخدّج الذي وصفه النبي ﷺ في حديث الخوارج فوجده في حفرة على شاطئ النهر, فنظر إلى عضده فإذا لحم مجتمع كثدي المرأة وحلمته عليها شعرات سود, فإذا مدت امتدت
стр. 57
معه من أفاضل الصحابة والتابعين لما وافقهم في تحكيم الحكمين, ثم زعموا أن تحكيم الرجال في دين الله كفر يخرج عن الملة, وأنهم قد أثموا بذلك, وكفروا فتابوا من هذا الأمر, وقالوا لعلي: "إن تبت فنحن معك ومنك, وإن أبيت فإنا منابذوك على سواء".
فإذا تبين لك أن ما فعلوه إنما هو إحسان ظن بقرّائهم الذين غلو في الدين, وتجاوزوا الحد في الأوامر والنواهي, وأساءوا الظن بعلماء الصحابة, الذين هم أبرّ هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا, قوم اختارهم الله لصحبة نبيه ولإظهار دينه, فلما لم يعرفوا فضلهم ولم يهتدوا بهديهم؛ ضلوا عن الصراط المستقيم الذي كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ وزعموا أنهم داهنوا في الدين (١) .
والذي حملهم على ذلك أخذهم بظواهر النصوص في الوعيد, ولم يهتدوا لمعانيها, وما دلت عليه, فوضعوها في غير مواضعها, وسلكوا طريقة التشديد والتعسير والضيق, وتركوا ما وسع الله لهم من اليسير الذي أمر الله به رسوله ﷺ بقوله: "إنما بعثتم ميسرين, ولم تبعثوا معسرين" (٢) .
стр. 58
ولهذا كان أمير المؤمنين عليّ _رضي الله عنه_ يسير فيهم بهذه الطريقة, ويناصحهم في الله ولله, ويتلطف لهم في القول لعل الله أن يقبل بقلوبهم, وأن يرجعوا إلى ما كانوا عليه أولا, ويراجعهم المرّة بعد المرّة, كما قاله في خطبتهم لما خطبهم. فقالوا: "لا حكم إلا لله _يريدون بهذا إنكار المنكر على زعمهم_ فقال عليّ: "الله أكبر كلمة حق أريد بها باطل, أما إن لكم علينا ثلاثا ما صحبتمونا: لا نمنعكم مساجد الله أن يذكر فيها اسمه, ولا نمنعكم الفيء ما دامت أيديكم مع أيدينا, ولا نقاتلكم حتى تبدؤنا, وإنا ننتظر فيكم أمر الله".
ولما قيل له: "يا أمير المؤمنين أكفار هم؟ " قال: "من الكفر فروا". فقالوا: "أفمنافقون هم؟ " قال: "إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا, وهؤلاء يذكرون الله كثيرا". قالوا: فما هم؟ قال: " إخواننا بغوا علينا".
فهذه سيرته _رضي الله عنه_ مع هؤلاء المبتدعة الضلال مع قوله لأصحابه فيهم: والله لولا أن تنكلوا عن العمل لأخبرتكم بما قضى الله على لسان نبيه ﷺ لمن قاتلهم, متبصرا في قتالهم, عارفا للحق الذي نحن عليه, ومع علمه بقوله رسول الله ﷺ فيهم: " يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية, ثم لا يرجعون إليه حتى يرجع السهم إلى فوقه " (١) ومع قوله ﷺ فيهم:" أينما لقيتموهم فاقتلومهم " (٢) , " لئن أدركتهم
стр. 59
لأقتلنهم قتل عاد " (١) مع كونهم من أكثر الناس عبادة وتهليلا, حتى أن الصحابة يحقرون أنفسهم عندهم, وهم إنما تعلموا العلم من الصحابة.
فعلى من نصح نفسه وأراد نجاتها أن يعرف طريقة هؤلاء القوم, وأن يجتنبها, ولا يغتر بكثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم وزهدهم في الدنيا, وأن يعرف سيرة أصحاب رسول الله ﷺ معهم, وما كانوا عليه من الهدى ودين الحق, الذي فضّلوا به على من بعدهم, وعدم تكلفهم في الأقوال والأفعال, لعله أن يسلم من ورطات هؤلاء الضلال, والله يقول الحق وهو يهدي السبيل, وحسبنا الله ونعم الوكيل.
هذا ما تيسر لي من الجواب, وما كان فيه من حق وصواب, من الله فهو المانّ به, وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان, والله ورسوله بريء منه, والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات, وصلى الله على خاتم الأنبياء والمرسلين نبينا محمد, وعلى آله وصحبه والتابعين لهم إلى يوم الدين, وسلم تسليما كثيرا.
стр. 60
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده:
أما بعد: فاعلم يا أخي إنّا لمّا فرغنا من تسويد جواب المسائل التي أوردتها أولا, وطالبت الجواب عنها, وقد عنّ لي أولا أن أترك الجواب عنها لوضوحها في كلام العلماء, ثم ترجح عندي آخرا إسعافك بالجواب لمّا رأيت اعتراض هؤلاء المتعالمين الجهال الذين شرعوا في الدين ما لم يأذن به الله, وتعمقوا, وتكلفوا ما لا علم لهم به بمجرد آرائهم وأفهامهم القاصرة, واستحساناتهم ما لم يكن حسنا في الدين, وتحليل ما حرمه الله, وتحريم ما أحله الله بغير ما شرع الله ورسوله.
فإذا علمت ذلك فلا بد من ذكر قاعدة تنبني عليها أحكام الشريعة, وينبني عليها الجواب عن هذه المسائل الآتي ذكرها.
وهذه القاعدة قد ذكرها علماء أهل الإسلام الذين هم الأسوة وبهم القدوة وهي قولهم: إن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وارتكاب أخف الضررين لدفع أعلاهما, وترك إحدى المصلحتين لتحصيل أولاهما.
وقد قال الإمام الحافظ محمد بن عبد الهادي في "الصارم المنكي" بعد أن ذكر كلاما طويلا, قال: "فههنا أمران يمنعان كون الفعل قربة: استلزامه لأمر مبغوض مكروه,
стр. 61
وتفويته لمحبوب هو أحب إلى الله من ذلك الفعل. ومن تأمل هذا الموضوع حق التأمل أطلعه على سر الشريعة, ومراتب الأعمال, وتفاوتها في الحب والبغض, والضر والنفع, بحسب قوة فهمه وإدراكه ومواد توفيق الله له, بل مبنى الشريعة على هذه القاعدة, وهي تحصيل خير الخيرين وتعطيل (١) أدناهما, وتفويت شر الشرين باحتمال أدناهما, بل مصالح الدنيا (٢) كلها قائمة على هذا الأصل". انتهى.
ونضيف إلى هذه القاعدة الشرعية ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية _قدس الله روحه_ في مسألة الهجر, إذ هو من أجل القواعد الشرعية والمباحث الدينية التي لا غنى لأحد ممن يدعو إلى دين الله ورسوله ويعلّم الناس أمر دينهم عن تدبرها ومعرفتها علما وعملا؛ ليكون فيما يدعو إليه ويعلمه الناس من أمر دينهم على بصيرة.
قال _رحمه الله تعالى_ وليعلم أن المؤمن تجب موالاته وإن ظلمك واعتدى عليك, والكافر تجب معاداته وإن أعطاك وأحسن إليك, فإن الله بعث الرسل وأنزل الكتب ليكون الدين كله لله, فيكون الحب لأوليائه (٣) والبغض لأعدائه, والإكرام لأوليائه والإهانة لأعدائه, والثواب لأوليائه والعقاب لأعدائه.
стр. 62
وإذا (١) اجتمع في الرجل الواحد خير وشر, وبر وفجور, وطاعة ومعصية, وسنة وبدعة, استحق من الموالاة والثواب بقدر ما فيه من الخير واستحق من المعاداة والعقاب بحسب مافيه من الشر, فيجتمع في الشخص الواحد موجبات (٢) الإكرام والإهانة, فيجتمع له من هذا وهذا كاللص الفقير تقطع يده لسرقته ويعطى ما يكفيه من بيت المال لحاجته.
هذا هو الأصل الذي اتفق عليه أهل السنة والجماعة, وخالفهم الخوارج والمعتزلة ومن وافقهم عليه, فلم يجعلوا الناس إلا مستحقا للثواب فقط أو مستحقا للعقاب فقط. وأهل السنة يقولون: "إن الله يعذب بالنار من أهل الكبائر من يعذبهم, ثم يخرجهم منها بشفاعة من يأذن له في الشفاعة بفضله (٣) ورحمته, كما استفاضت بذلك السنة عن رسول الله ﷺ والله أعلم". انتهى.
وقال _رحمه الله تعالى_ في موضع آخر"ومن سلك طريقة الاعتدال عظّم من يستحق التعظيم وأحبه ووالاه وأعطى الحق حقه فيعظم الحق, ويرحم الخلق, ويعلم أن الرجل الواحد يكون له حسنات وسيئات, فيحمد ويذم, ويثاب ويعاقب, ويحب من وجه ويبغض من وجه آخر.
هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن وافقهم, كما بسط هذا في موضعه, والله أعلم". انتهى.
стр. 63
فمن تأمل هذه القاعدة الشرعية والمباحث الدينية حق التأمل, وأعطاها حقها من الإمعان والنظر, وتأمل ما ذكره شيخ الإسلام _رحمه الله تعالى_ تبين له أن أهل العلم بكتاب الله وسنة رسوله وشرعه ودينه وما كان عليه سلف الأمة وأئمتها سلفا وخلفا في واد وهؤلاء الجهلة في واد آخر, لم يستضيئوا بنور العلم, ولم يلجئوا في هذه المباحث إلى ركن وثيق من الفهم, وان اعتراضهم على طلبة العلم ومشايخ أهل الإسلام إنما هو بالجهل وعدم العلم والاطلاع على هذه المباحث الدينية, فمن أجل هذا تكلموا بغير حجة ولا برهان, ولا معرفة لما عليه أهل العلم والعرفان, فالله المستعان.
وقد عمّ الجهل, وعظمت الفتنة, واشتد البلاء بمن يتكلم في هذه المباحث الدينية فابتدعوا بدعا, وأحدثوا في الدين ما ليس منه, وشرعوا في الدين ما لم يأذن به الله, وهذا مصداق ما أخبر به النبي ﷺ كما في الحديث الصحيح عن ابن عمرو (١) مرفوعا:" إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد, ولكن يقبض العلم بموت العلماء, حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤساء جهالا, فسئلوا فأفتوا بغير علم, فضلوا وأضلوا " (٢) فنعوذ بالله من القول بغير علم, ونسأله العفو والعافية, والمعافاة الدائمة في الدنيا والآخرة, إنه ولي ذلك والقادر عليه, ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
стр. 64
عبارات الشيخ محمد بن عبد الوهاب في البدو هل تنطبق على ماجاء بعدهم
...
فصل
وأما ما ذكره الأخ من المسائل فنجيب عليها بحسب الطاقة والإمكان, على سبيل التنبيه والاختصار, فنقول:
المسألة الأولى: قول السائل في العبارة التي ذكرها الشيخ _رحمه الله_ في الموضع السادس التي نقلها من السيرة. فقال في آخرها: وما أحسن ما قاله بعض البداوي لما حضر مجالسنا وسمع شيئا من الدين, قال: هو يشهد أن البدو كفار, وأن المطوع الذي ما يكفرهم كافر, إلى آخر كلامه. وكذلك ما قاله _رحمه الله تعالى_ في رسالته لعلماء الحرمين لما أفتى بكفر البوادي الذين ينكرون البعث, إلى آخر كلامه.
وكذلك ما قاله رحمه الله تعالى في النبذة الحكمية في تكفيره البوادي الذين كانوا في زمانه.
فهذه المسألة (١) قد أجبنا عليها فيما تقدم في المسائل التي أوردتها قبل هذه المسائل, وبينا فيها الشيخ _رحمه الله تعالى_ في تكفير هؤلاء البوادي إنما هو قبل ظهور هذه الدعوة الإسلامية في حال كفرهم وإشراكهم بالله, ثم لما أظهر الله هذا الدين على يد شيخ الإسلام محمد ابن عبد الوهاب, ودخل الناس فيه أفواجا حاضرتهم وباديتهم, ولم يبق
стр. 65
في نجد _ولله الحمد والمنة_ أحد إلا وقد دخل في الدين وأسلموا بعدما كانوا كفارا مشركين, فمن زعم أنهم بعد إسلامهم ودخولهم في هذا الدين لم يزالوا على الحالة الأولى من الكفر بالله والإشراك به وأنهم لم يسلموا, فهو أضل من حمار أهله.
وذكرنا أحوال أهل نجد من وقت الدرعية إلى وقتنا هذا في شأن البادية وغيرهم على التفصيل الذي ذكرناه فيها, بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع فراجعه فيها.
стр. 66
عبارات الشيخ سليمان بن عبد الوهاب في كفر البوادي هل ينطبق على من في زماننا
...
المسألة الثانية: فيما ذكره سليمان بن عبد الوهاب بأن البادية التي نحن نزعم إسلامهم أولا أنهم كفار, وكذا علماء أهل المجمعة وغيرهم هل هذا الكفر الذي أوقعه هذا الشيخ _رحمه الله_ ومن تبعه على بوادي زمانه يوقع على بوادي زماننا, ويطلق عليهم الكفر أم فيهم وفيهم أم لا؟
وماذا يقال فيهم؟ إلى آخر المسألة.
فالجواب: أن نقول ما ذكره الشيخ سليمان وعلماء أهل المجمعة وغيرهم من الكفر الذي أوقعه الشيخ على بوادي زمانه لا يوقع على بوادي أهل زماننا الذين التزموا بشرائع الإسلام الظاهرة وقاموا بها, فلا يطلق الكفر على جميعهم؛ لأن فيهم من قام به وصف الكفر الذي يخرجه من الملة, بل من قال به هذا الوصف فهو كافر, ومن لم يقم به هذا الوصف المخرج من الملة لا يكون كافرا, كما فصلنا ذلك وبيناه في المسألة الأولى التي أجبنا عنها أولا.
وأما قولك: وهل تكون حال العالم الذي لا يقول بكفرهم اليوم
стр. 67
كحال العلماء الذين اعترضوا على الشيخ محمد _رحمه الله_ أم لا؟
فنقول: لا تكون حال العالم اليوم الذي لا يقول بكفر من ظاهرة الإسلام من بوادي أهل نجد كحال من اعترض على الشيخ محمد _رحمه الله_ علمائهم وباديتهم ليس معهم من الإسلام شيء, بخلاف بوادي أهل زماننا, فإن فيهم المسلم, وفيهم من قام به وصف الكفر, فلا يجوز إطلاق الكفر على جميعهم, لما سنبينه _إن شاء الله تعالى_.
فإذا تحققت هذا وعرفته فاعلم أن مشايخ أهل الإسلام وإخوانهم من طلبة العلم الذين هم على طريقتهم هم الذين ساروا على منهاج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب, وأخذوا بجميع أقواله في حاضرة أهل نجد وبواديهم, الذين كانوا في زمانه, فأخذوا بقوله في الموضع السادس الذي نقله من السيرة في بوادي أهل نجد, حيث قال بهم الوصف المكفر لهم بعد دعوتهم إلى توحيد الله وإقامة الحجة عليهم والإعذار والإنذار منهم, وأخذوا بقوله في الرسالة التي كتبها للشريف لما سأله عما يكفّر به الناس ويقاتلهم عليه وكذلك ما ذكره في رسالته إلى السويدي وأنه لا يكفر الناس بالعموم, وكذلك ما ذكره أولاده بعده في هذه المسائل, ونحن نسوق ما ذكروه.
قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في رسالته إلى الشريف بعد أن ذكر ما يكفر الناس به, ويقاتلهم عليه مما هو معلوم عنه مشهور قال:"
стр. 68
وأما الكذب والبهتان مثل قولهم: إنا نكفر بالعموم, و (١) نوجب الهجرة إلينا على من قدر أن يظهر دينه في بلده, وأنّا نكفر من لم يكفر ولم يقاتل, وأمثال هذا وأضعاف أضعافه, فكل هذا من الكذب والبهتان الذي (٢) يصدون الناس به عن دين الله ورسوله.
وإذا كنا لا نكفر من عبد الصنم الذي على قبر أحمد البدوي, لأجل جهلهم وعدم من ينبههم, فكيف نكفر من لم يشرك بالله إذا لم يهاجر إلينا ولم يكفر ولم يقاتل؟! سبحانك هذا بهتان عظيم. بل نكفر تلك الأنواع الأربعة لأجل محادتهم لله ورسوله, إلى آخر كلامه.
وهذا بخلاف ما عليه هؤلاء الجهال, فإنهم يكفرون الناس بالعموم, ويكفرون من لم يهاجر, كما هو معلوم مشهور عنهم لا ينكره إلا من هو مباهت في الحسيات, مكابر في الضروريات".
قال _رحمه الله_ في رسالته للسويدي البغدادي: "وما ذكرت أني أكفر جميع الناس إلا من اتبعني, وأزعم أن أنكحتهم غير صحيحة, فيا عجبا! كيف يدخل هذا في عقل عاقل؟ وهل يقول هذا مسلم أو كافر أو عارف أو مجنون؟! إلى أن قال: وأما التكفير؛ فأنا أكفر من عرف التوحيد ثم بعدما عرفه سبه ونهى الناس عنه وعادى من فعله, وأكثر الأمة _ولله الحمد_ ليسوا كذلك". انتهى.
стр. 69
فانظر _رحمك الله_ إلى ما قاله الشيخ _رحمه الله_ ثم انظر إلى ما يقوله هؤلاء الجهال, وهل كانوا على ما قاله الشيخ أم لا؟ يتبين لك أنهم يقولون بأهوائهم, ويفتون بآرائهم لا بما قاله أهل العلم.
وقال الشيخ حسين بن محمد بن عبد الوهاب وأخوه الشيخ عبد الله ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب لما سئلا عن مسائل عديدة فأجابا عنها. ثم قالا:
"وأما المسألة الثامنة عشرة في أهل بلد بلغتهم هذه الدعوة, وأن بعضهم يقول: هذا الأمر حق, ولا غيّر منكرا, ولا أمر بالمعروف, ولا عادى ولا والى, ولا أقر أنه قبل هذه الدعوة على ضلال, وينكر على الموحدين إذا قالوا: تبرأنا من دين الآباء والأجداد, وبعضهم يكفر المسلمين جهارا, أو يسب هذا الدين ويقول: هو دين مسيلمة, والذي يقول: هذا أمر زين لا يمكنه يقوله جهارا. فما تقولون في هذه البلدة على هذه الحال مسلمين أم كفار؟ وما معنى قول الشيخ وغيره: إنا لا نكفر بالعموم؟ وما معنى العموم و (١) الخصوص؟ إلى آخره.
الجواب: أن أهل هذه البلد المذكورين إذا كانوا قد قاتت عليهم الحجة التي يكفر من خالفها حكمهم حكم الكفار, والمسلم الذي بين أظهرهم ولا يمكنه إظهار دينه تجب عليه الهجرة, إذا لم يكن ممن عذر الله, فإن لم يهاجر فحكمه حكمهم في القتل وأخذ المال".
стр. 70
والسامعون (١) كلام الشيخ في قوله: "إنا لا نكفر بالعموم". فالفرق بين العموم والخصوص ظاهر, فالتكفير بالعموم أن يكفر الناس كلهم عالمهم وجاهلهم ومن قامت عليه الحجة ومن لم تقم عليه, وأما التكفير بالخصوص فهو أن لا يكفر إلا من قامت عليه الحجة بالرسالة التي يكفر من خالفها.
وقد يحكم بأن أهل هذه القرية كفار, حكمهم حكم الكفار, ولا يحكم بأن كل فرد منهم كافر بعينه؛ لأنه يحتمل أن يكون منهم من هو على الإسلام, معذور في ترك الهجرة, أو يظهر دينه ولا يعلمه المسلمون, كما قال تعالى في أهل مكة (في حال كفرهم) (٢) : ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَأُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (الفتح: من الآية٢٥) الآية, وقال تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ (النساء: من الآية٧٥) .
وفي الصحيح عن ابن عباس _رضي الله عنهما_ قال: "كنت أنا وأمي من المستضعفين". انتهى.
وقال الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين _رحمه الله_ بعد أن ذكر اختلاف العلماء وتنازعهم في التكفير, وقد سئل عن هذه المسألة فقال في آخر الجواب:
стр. 71
"وبالجملة فيجب على من نصح نفسه أن لا يتكلم في هذه المسألة, إلا بعلم وبرهان من الله, وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله, فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله فيه من أعظم أمور الدين, وقد كفينا بيان هذه المسألة كغيرها, بل حكمها في الجملة أظهر أحكام الدين, فالجواب علينا الاتباع وترك الابتداع, كما قال ابن مسعود _رضي الله عنه_: "اتبعوا ولا تبتدعوا فقد كفيتم".
وأيضا: فما تنازع العلماء في كونه كفرا فالاحتياط للدين التوقف وعدم الإقدام ما لم يكن في المسألة نص صريح عن المعصوم ﷺ .
وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة, فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره, وتعدى بآخرين فكفّروا من حكم الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم.
ومن العجب أن أحد هؤلاء لو سئل عن مسألة في الطهارة أو البيع ونحوهما لم يفت بمجرد فهمه واستحسان عقله, بل يبحث عن كلام العلماء, ويفتي بما قالوه, فكيف يعتمد في هذا الأمر العظيم الذي هو أعظم أمور الدين وأشدها خطرا على مجرد فهمه واستحسانه؟ فيا مصيبة الإسلام من هاتين الطائفتين, ويا محنته من تينك البليتين, ونسألك اللهم أن تهدينا الصراط المستقيم, صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين".انتهى.
فانظر _رحمك الله تعالى_ إلى ما قاله هذا الإمام الذي هو من أجل علماء أهل الإسلام في وقته حيث قال:"وبالجملة فيجب على من نصح
стр. 72
نفسه ألا يتكلم في هذه المسألة إلا بعلم وبرهان من الله, وليحذر من إخراج رجل من الإسلام بمجرد فهمه واستحسان عقله, فإن إخراج رجل من الإسلام أو إدخاله فيه من أعظم أمور الدين".
وهذا الذي ذكره الشيخ قد نبهناكم على مثله في "إرشاد الطالب إلى أهم المطالب" فليكن منك ذلك على بال.
وكذلك قوله _رحمه الله_:"وقد استزل الشيطان أكثر الناس في هذه المسألة فقصر بطائفة فحكموا بإسلام من دلت نصوص الكتاب والسنة والإجماع على كفره".
قلت: وهؤلاء كأمثال الذين حكموا بإسلام طائفة الترك وأشباههم, وتعدى بآخرين فكفروا من حكم الكتاب والسنة مع الإجماع بأنه مسلم. كمثل هؤلاء الذين الكلام بصددهم, حيث زعموا: أن من لم يهاجر وإن كان ملتزما بشرائع الإسلام الظاهرة, أنه ليس بمسلم.
وكذلك قوله _رحمه الله_:"فيا مصيبة الإسلام من هاتين الطائفتين, ويا محنته من تينك البليتين".فالله المستعان.
стр. 73
هل التفريق بين البادية الذين في جزيرة العرب وفي ولاية إمام المسلمين ومن ليس في ولايته صحيح ؟
...
المسألة الثالثة: قول السائل: وهل من فرق بين بادية جزيرة العرب جنوبا وشمالا, شرقا ومغربا, ومن في ولاية إمام المسلمين ومن ليس في ولايته, وماذا يعامل به من ظاهره الإسلام منهم ومن ظاهره لا إسلام ولا كفر بل جاهل ومن ظاهره الكفر, ومن ظاهره المعاصي دون الكفر, ومن الذي تباح ذبيحته منهم ومن الذي لا تباح ذبيحته, وما القدر الواجب في الإسلام المبيح للذبيحة؟
стр. 74
الجواب: أن من في جزيرة العرب لا نعلم ما هم عليه جميعهم, بل الظاهر أن (١) غالبهم وأكثرهم ليسوا على الإسلام, فلا نحكم على جميعهم بالكفر لاحتمال أن يكون فيهم مسلم.
وأما من كان في ولاية إمام المسلمين فالغالب على أكثرهم الإسلام, لقيامهم بشرائع الإسلام الظاهرة.
ومن قام به من نواقض الإسلام ما يكونون به كفارا فلا نحكم على جميعهم بالإسلام ولا على جميعهم بالكفر, لما ذكرنا.
وأما من لم يكن في ولاية إمام المسلمين (فلا ندري بجميع أحوالهم وما هم عليه, لكن الغالب على أكثرهم ما ذكرناه أولا من عدم الإسلام) (٢) فمن كان ظاهره الإسلام منهم فيعامل بما يعامل به المسلم في جميع الأحكام.
وأما من ظاهره لا إسلام ولا كفر بل هو جاهل, فنقول: هذا الرجل الجاهل إن كان معه الأصل الذي يدخل به الإنسان في الإسلام فهو مسلم, ولو كان جاهلا بتفاصيل دينه, فإنه ليس على عوام المسلمين
стр. 75
ممن لا قدرة لهم على معرفة تفاصيل ما شرعه الله ورسوله أن يعرفوا على التفصيل ما يعرفه من أقدره الله على ذلك من علماء المسلمين وأعيانهم, فيما شرعه الله ورسوله من الأحكام الدينية, بل عليهم أن يؤمنوا بما جاء به الرسول إيمانا عاما مجملا, كما قرر ذلك شيخ الإسلام في "المنهاج".
وإن لم يوجد معه الأصل الذي يدخل في الإسلام فهو كافر, وكفره هو بسبب الإعراض عن تعلم دينه لا علمه ولا تعلمه ولا عمل به.
والتعبير بأن ظاهره لا إسلام ولا كفر لا معنى له عندي, لأنه لا بد أن يكون مسلما جاهلا أو كافرا جاهلا.
فمن كان ظاهره الكفر فهو كافر, ومن ظاهره المعاصي فهو عاص, ولا نكفر إلا من كفر الله ورسوله بعد قيام الحجة عليه.
وأما الذي تباح ذبيحته منهم فهو المسلم. وأما الذي لا تباح ذبيحته فهو الكافر المرتد, وهو الذي يكفر بعد إسلامه بفعل ناقض من نواقض الإسلام المخرجة من الملة وقد وضحنا فيما تقدم حكم أعراب أهل نجد أولا.
والعجب كل العجب من هؤلاء الجهال الذين يتكلمون في مسائل التكفير, وهم ما بلغوا في العلم والمعرفة معشار ما بلغه من أشار إليهم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبو بطين في جوابه الذي ذكرناه قريبا من أن أحدهم لو سئل عن مسألة في الطهارة أو البيع ونحوهما لم يفت بمجرد فهمه واستحسان عقله, بل يبحث عن كلام العلماء ويفتي بما قالوه,