٢ - ذكر ابن الشجرى (١) فى إعراب قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ قال: فأما قوله: ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ فيحتمل العامل فيه وجوها: أحدها فى قول بعض معربى القرآن أن يكون فى موضع نصب، بدلا من (ما)، والثانى: أجازه هذا المعرب، أن يكون فى موضع رفع، على تقدير مبتدأ محذوف، أى هو ألا تشركوا به شيئا، ولا يصح عندى هذان التقديران، إلا أن يحكم بزيادة (لا)، لأن الذى حرمه الله عليهم هو أن يشركوا به، فإن حكمت بأن (لا) للنفى، صار المحرم ترك الإشراك، فإذا قدرت بها الطرح، كما لحقت مزيدة فى نحو: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشارِقِ وَالْمَغارِبِ﴾ و ﴿ما مَنَعَكَ أَلاّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ استقام القولان.
ثم قال: ويحتمل عندى قوله: ﴿أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ﴾ وجهين آخرين: أحدهما:
أن تكون (أن) مفسّرة بمعنى «أى» كالتى فى قوله تعالى: ﴿وَاِنْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ اِمْشُوا﴾ معناه: أى امشوا، وتكون (لا) نهيا، و «أن» المفسرة تؤدى معنى القول، فكأنه قيل: أقول: لا تشركوا به شيئا.
والوجه الثانى: أن تجعل (عليكم) منفصلة مما قبلها، فتكون إغراء، بمعنى الزموا، كأنه اجتزئ بقوله: ﴿قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ ثم قيل على وجه الاستئناف: ﴿عَلَيْكُمْ أَلاّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾.
٣ - أعرب ابن الشجرى (٢) «ما» مصدرية، من قول الشاعر:
ألف الصّفون فما يزال كأنه ... مما يقوم على الثلاث كسيرا
قال: «ما» مصدرية، فالمعنى: من قيامه، و «من» متعلقة بالخبر المحذوف، ثم قال: فتحقيق اللفظ والمعنى: ألف القيام على ثلاث فما يزال كسيرا، أى ثانيا إحدى قوائمه، حتى كأنه مخلوق من القيام على الثلاث.
стр. 72
٤ - أعرب ابن الشجرى (١) بيت لبيد:
فغدت كلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها
وضعف إعراب بعض النحويين لمخالفته لصحة المعنى.
قال: والمضمر فى «غدت» ضمير بقرة وحشية، تقدم ذكرها، ويروى:
«فعدت» من العدو. . . . وموضع «كلا» رفع بالابتداء، والجملة من «تحسب» وفاعله ومفعوله خبر المبتدأ، وعائد الجملة الهاء التى فى اسم «أن»، وعاد إلى «كلا» ضمير مفرد، لأنه اسم مفرد، وإن أفاد معنى التثنية، وموضع المبتدأ مع الجملة التى هى خبره نصب بأنها خبر «غدت» لأن منهم من يجعل «غدا» فى الإعمال بمنزلة «أصبح وأضحى»، ومن جعلها تامة كان موضع الجملة بعدها نصبا على الحال، ومن رواها بالعين غير المعجمة، فالجملة حال لا غير. و «خلفها» رفع على البدل من «كلا»، والتقدير: فغدت وخلفها وأمامها تحسب أنه يلى المخافة، وإن رفعته بتقدير: هو خلفها وأمامها، فجائز.
قال: وبعض النحويين أبدله من «مولى المخافة» وذلك فاسد من طريق المعنى، لأن البدل يقدر إيقاعه فى مكان المبدل منه، وإن منع من ذلك موجب اللفظ فى بعض الأماكن، فلو قلت: كلا الفرجين تحسب أنه خلفها وأمامها، لم تحصل بذلك فائدة، لأن الفرجين هما خلفها وأمامها، فليس فى إيقاع الحسبان على ذلك فائدة.
٥ - ذكر ابن الشجرى (٢) تقديرات وحذوفا كثيرة فى قوله تعالى:
﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾، ثمّ وجّه الإعراب وفق هذه الحذوف، وقال فى آخر كلامه: «والذى ذكرته من التقديرات والحذوف فى هذه الآية مشتمل على حقيقة الإعراب مع المعنى».
ثم أخذ على الزجاج وأبى على الفارسى إخلالهما بحقيقة إعراب الآية، قال:
«وذكر الزجاج وأبو على فى تفسير قوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ تفسيرا تضمن المعنى دون
стр. 73
حقيقة الإعراب. قال الزجاج فى تقدير المحذوف: فكما تكرهون أكل لحمه ميتا، كذلك تجنبوا ذكره بالسوء غائبا. وقال أبو على فى «التذكرة»: فكما كرهتم أكل لحمه ميتا فاكرهوا غيبته واتقوا الله.
ثم أخذ على الفراء إغفاله لجانب المعنى، قال: وقال الفراء: فقد كرهتموه فلا تفعلوه، يريد: فقد كرهتم أكل لحمه ميتا فلا تغتابوه، فإن هذا كهذا، فلم يفصح بحقيقة المعنى.
٦ - قال ابن الشجرى (١) فى بيت المتنبى:
لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا
«والمصدر الذى هو «مفارقة» مضاف إلى فاعله، وليس بمضاف إلى مفعوله، كإضافة السؤال فى قوله تعالى: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ﴾، ولا يحسن أن تقدر: لولا مفارقة المحبين الأحباب، وإن كان ذلك جائزا من طريق الإعراب، لأن المحب لا يوصف بمفارقة محبوبه، وإيجاد سبيل للمنية إلى روحه، وإنما هو مفارق لا مفارق».
٧ - وجّه ابن الشجرى (٢) قوله تعالى: ﴿وَإِذا كالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ على حذف اللام. قال: «معناه: كالوا لهم أو وزنوا لهم، وأخطأ بعض المتأولين فى تأويل هذا اللفظ، فزعم أن قوله: «هم» ضمير مرفوع، وكّدت به الواو، كالضمير فى قولك: خرجوا هم، «فهم» على هذا التأويل عائد على «المطففين».
ويدلك على بطلان هذا القول عدم تصوير الألف بعد الواو فى ﴿كالُوهُمْ﴾ و ﴿وَزَنُوهُمْ﴾، ولو كان المراد ما ذهب إليه هذا المتأول، لم يكن بدّ من إثبات ألف بعد الواو، على ما اتفقت عليه خطوط المصاحف كلها، فى نحو ﴿خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ﴾ و ﴿قالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ﴾ وإذا ثبت بهذا فساد قوله، فالضمير الذى هو «هم» منصوب بوصول الفعل إليه، بعد حذف اللام، وهو عائد على ﴿النّاسِ﴾
стр. 74
فى قوله تعالى: ﴿إِذَا اِكْتالُوا عَلَى النّاسِ﴾ وهذا أيضا دليل على فساد قوله: إن الضمير مرفوع، ألا ترى أن المعنى: إذا كالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوا للناس أو وزنوا للناس يخسرون».
فابن الشجرى فى هذا النص يقوّى ما ذهب إليه بعامل صناعى، وهو رسم المصاحف، وعامل معنوىّ، وهو صحة المعنى وسلامته.
٨ - حكى ابن الشجرى (١) إعراب الزجاج والسيرافى «للمستخف» من قول الأخطل:
إن العرارة والنّبوح لدارم ... والمستخفّ أخوهم الأثقالا
ثم قال: وأسهل من هذا عندى أن ترفع «المستخف» بتقدير: وهم المستخف أخوهم الأثقالا، والمضمر المقدر عائد على «دارم» و «هم» من «أخوهم» عائد على الألف واللام، لأنهما بمعنى الذين، فكأنك قلت: وهم الذين يستخف أخوهم الأثقالا.
٩ - تعقب ابن الشجرى (٢) شرّاح المتنبى: ابن جنى وأبا العلاء المعرى والربعى، فى إعرابهم بيت المتنبى:
كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهل
فقال عن إعراب ابن جنى: إنه قول من لم ينعم النظر، وقنع بأول لمحة، ووصف قول المعرى بأن فيه إسهابا وتكلفا شاقا، وقول الرّبعى بأنه بعيد من حصول فائدة، ثم قال بعد حكاية أقوالهم: «والأوجه المذكورة عمن عزوتها إليهم، ليس فيها وجه خال من حذف، إلا الوجه الذى ذهب إليه الربعى فى النصب، وهو قول لا تصحبه فائدة، فأبو الفتح والربعى قدّرا فعلا لرفع «دهر»، والمعرى قدّر مبتدأ لرفع «أهل»، وقدّر المعرى أيضا لنصب «دهر» ما حكيت لك لفظه الشاقّ.
стр. 75
قال: ويتجه عندى فى إعراب البيت بعد هذا وجه لم يذهب إليه من تقدم، كما لم يذهبوا إلى عطف «دهر»، على فاعل «كفى»، وهو أنك ترفع «الفخر» بإسناد «كفى» إليه، وتخرج الباء عن كونها زائدة فتجعلها معدّية متعلقة بالفخر، وتجر «الدهر» بالعطف على مجرور الباء، وترفع «الأهل» بتقدير المبتدأ الذى تقدم ذكره، فيصير اللفظ: كفى ثعلا فخر بكونك منهم، وبدهر هو أهل لأن أمسيت من أهله، والمعنى أنهم اكتفوا بفخرهم به، وبزمانه عن الفخر بغيرهما».
١٠ - ذكر ابن الشجرى (١) من شواهد إعمال «لا» عمل «ليس» قول النابغة الجعدى:
وحلّت سواد القلب لا أنا مبتغ ... سواها ولا عن حبها متراخيا
ثم قال: «فمبتغ خبرها، وكان حقه أن ينصب، ولكنه أسكن الياء فى موضع النصب، كما أسكنها الآخر فى قوله:
*كفى بالنأى من أسماء كافى*
وكان حقه «كافيا» لأنه حال بمنزلة المنصوب فى قوله تعالى: ﴿وَكَفى بِاللهِ وَلِيًّا وَكَفى بِاللهِ نَصِيراً﴾.
قال: ووجدت بعد انقضاء هذه الأمالى فى كتاب عتيق، يتضمن المختار من شعر الجعدىّ: «لا أنا باغيا سواها». فهذه الرواية تكفيك تكلّف الكلام على مبتغ».
وهذه العبارة الأخيرة صريحة الدلالة على أن ابن الشجرى يميل فيما يعالج من إعراب إلى إيثار السهولة وطرح التكلف وعدم التعلق بالضرورة.
١١ - ذهب ابن الشجرى (٢) إلى أن «محمدا» فى قول العباس بن مرداس:
стр. 76
ومن قبل آمنّا وقد كان قومنا ... يصلون للأوثان قبل محمدا
منصوب على نزع الخافض. قال: «نصب «محمد» بآمنا، والأصل:
بمحمد». وقد ذكرت فى حواشى التحقيق أن ابن الشجرى قد خالف المعربين قبله، فقد ذكروا أن «محمدا» منصوب على المفعولية لآمنا المضمن معنى صدّقنا. هذا وقد حكى السخاوى (١) الوجهين، ثم استحسن النصب على إسقاط الخافض.
١٢ - قال ابن الشجرى (٢) فى بيت الشماخ:
وهنّ وقوف ينتظرن قضاءه ... بضاحى عذاة أمره وهو ضامز
«وفى البيت فصل بالظرف الأجنبى بين المصدر ومنصوبه، لأن قوله:
«بضاحى عذاة» متعلق بوقوف أو ينتظرن، فهو أجنبى من المصدر الذى هو «قضاء» فوجب لذلك حمل المفعول على فعل الآخر، كأنه لما قال: «ينتظرن قضاءه بضاحى عذاة» أضمر «يقضى» فنصب به أمره».
وقد حكى ابن هشام عن النحويين أن الباء فى قوله: «بضاحى» متعلقة بقضائه، لا بوقوف ولا بينتظرن، لئلا يفصل بين «قضائه» و «أمره» بالأجنبى. ثم قال: «ولا حاجة إلى تقدير ابن الشجرى وغيره «أمره» معمولا لقضى محذوفا، لوجود ما يعمل».
هذا كلام ابن هشام فى المغنى (٣)، ولكنه نقضه فى كتابه شرح بانت سعاد (٤)، حيث قال بعد أن أنشد البيت: «وأمره منتصب بقضائه محذوفا، مبدلا من «قضائه» المذكور، ولا ينتصب بالمذكور، لأن الباء ومجرورها متعلقان بينتظرن، ولا يفصل المصدر من معموله». انتهى كلامه، وواضح أنه يرجع إلى كلام ابن الشجرى، والفرق الوحيد بينهما أن ابن الشجرى يقدر المحذوف أو المضمر «يقضى». وابن هشام يقدره «قضاء».
стр. 77
١٣ - ذهب ابن الشجرى (١) إلى أن الضمير يقوم مقام الواو المحذوفة فى ربط الجملة الاسمية الحالية، قال: «ولو حذفت الواو اكتفاء بالضمير، فقلت:
خرج أخوك يده على وجهه، جاز، كما قال المسيب بن علس:
نصف النهار الماء غامره ... ورفيقه بالغيب ما يدرى
أى ما يدرى ما حاله».
وقد تعقبه البغدادى (٢)، فقال: «والعجب من كلام ابن الشجرى فى «أماليه» فإنه جعل الجملة حالا من «النهار» المرفوع، وقال: «الرابط الضمير»، وهذا لا يصح، فإن الضمير ليس للنهار». وكان البغدادى قد قدر الضمير فى «غامره» عائدا على الغوّاص. وابن هشام (٣) قدّر الرابط فى البيت الواو المحذوفة.
١٤ - سئل ابن الشجرى (٤) عن إعراب «فضلا» ومعناه، فى قول الشاعر:
ووحشيّة لسنا نرى من يصدّها ... عن الفتك فضلا أن نرى من يصيدها
فأجاب بأنه ينتصب على المصدر، قال: «والتقدير: فضل انتفاء أن نرى إنسانا يصدها عن الفتك بنا فضلا عن رؤيتنا إنسانا يصيدها لنا، ففضل هاهنا مصدر فضل من الشىء كذا: إذا بقيت منه بقية، كقولك: أنفقت أكثر دراهمك، والذى فضل منها ثلاثة، وكقولك لإنسان خلص من أمر عظيم ولحقه منه بعض الضرّ: معك فضل كثير، وكذلك وجود إنسان يصيد هذه الوحشية، وانتفاء من يكفها عن الفتك بينهما فضل كبير، فإذا كان من يكفها عن الفتك معدوما، فكيف من يقدر على صيدها موجودا».
стр. 78
وتعبير «فضلا» مما شغل به اللغويون والنحاة المتأخرون، وقد ذكر الفيومى فى مادة (فضل) من المصباح المنير؛ ذكر إعراب «فضلا» ومعناه بمثل ما ذكره ابن الشجرى، ثم حكى عن قطب الدين الشيرازى فى شرح المفتاح، قال: «وقال شيخنا أبو حيان الأندلسى نزيل مصر المحروسة، أبقاه الله تعالى: ولم أظفر بنص على أن مثل هذا التركيب من كلام العرب».
ولابن هشام رأى فى إعراب «فضلا»، حكاه عنه السيوطى (١).
١٥ - ومما يتصل بإعراب التعبيرات النحوية، ما ذكره ابن الشجرى (٢) من إعراب قولهم: «أخطب ما يكون الأمير قائما»، وقولهم: «شربى السّويق ملتوتا»، وهما من التعبيرات النحوية الشائعة، وقد أطال ابن الشجرى فى إعراب التعبير الأول، ثم قال فى آخر كلامه: «فتأمل جملة الكلام فى هذه المسألة، فقد أبرزت لك غامضها وكشفت لك مخبوءها».
١٦ - تعقب ابن الشجرى شيخه التبريزى فى إعراب «مواهبا» من قول المتنبى:
ومحل قائمة يسيل مواهبا ... لو كنّ سيلا ما وجدن مسيلا
فقال: «قال يحيى بن على التبريزى: مواهبا منصوبة، لأنها مفعول.
فقلت: لا يجوز أن تكون مفعولا، لأن «يسيل» لا يتعدى إلى مفعول به، بدلالة أنه لا ينصب المعرفة، تقول: سال الوادى رجالا، ولا تقول: سال الوادى الرجال، وسالت الطرق خيلا، ولا تقول: سالت الطرق الخيل، فلما لزمه نصب النكرة خاصة، والمفعول يكون معرفة ويكون نكرة، والمميز لا يكون إلا نكرة، ثبت أن قوله: «مواهبا» مميز، ويوضح هذا لك أنك إذا أدخلت همزة النقل على سال، تعدى إلى مفعول واحد، تقول: أسال الوادى الماء المعين، فلو كان قبل النقل بالهمزة يتعدى إلى مفعول، لتعدى بعد النقل إلى مفعولين.
стр. 79
فإن قيل: إن المميز من شأنه أن يكون واحدا.
قلنا: لعمرى، إن هذا هو الأغلب، وقد يكون جمعا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالاً﴾ وكقوله: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوالاً وَأَوْلاداً﴾.
انتهى كلام ابن الشجرى، وقد حكاه شارح ديوان المتنبى (١)، وأفاد أن إعراب «مواهبا» مفعولا به، هو قول ابن جنى أيضا.
وبعد: فهذه أبرز آراء ابن الشجرى الإعرابية، استخرجتها لتدلّ على غيرها، مما زخرت به الأمالى، ومما ينبغى التنبه له والإشارة إليه أن الهدف التعليمىّ الذى أخذ به ابن الشجرى نفسه، وصرف إليه همته، قد حمله على إجالة النظر وتقليب الفكر، فيما تمثل فى هذه الأوجه (٢) الإعرابية الكثيرة التى أوردها فى الكلمة الواحدة، مما يدل على تمكنه وتبحره فى فقه العربية، ومما يدل أيضا على أن ظاهرة التوسّع الإعرابى (٣) ليست من صنيع النحاة المتأخرين، كما يظنّ بعض الدراسين.
...
стр. 80
الحذف
الحذف من خصائص العربية، وهو سمة من سمات فصاحتها وبلاغتها، إذ كان بيانها قائما على الإيجاز والاختصار، ويجعله ابن جنى من باب شجاعة العربية (١).
والحذف: إسقاط كلمة للاجتزاء عنها بدلالة غيرها من الحال أو فحوى الكلام. هكذا عرّفه الرمانى (٢).
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (٣): والاختصار فى كلام العرب كثير لا يحصى، وهو عندنا أعرب الكلام وأفصحه، وأكثر ما وجدناه فى القرآن.
ويرى ابن الشجرى (٤) أن الحذف من أفصح كلام العرب، لأن المحذوف كالمنطوق به، من حيث كان الكلام مقتضيا له، لا يكمل معناه إلا به.
والحذف خلاف الأصل. قال الزركشى (٥): «والحذف خلاف الأصل، وعليه ينبنى فرعان، أحدهما: إذا دار الأمر بين الحذف وعدمه، كان الحمل على عدمه أولى، لأن الأصل عدم التغيير. والثانى: إذا دار الأمر بين قلة المحذوف وكثرته، كان الحمل على قلته أولى».
ولما كان الحذف بهذه المثابة، فقد أجمعوا على أنه لا يصار إليه ولا يستحسن إلا باجتماع شيئين: أولهما: أن تدعو إليه ضرورة فنية، مبناها على ما اختصت به العربية من الإيجاز وطرح فضول الكلام، والاكتفاء باللمحة الدالة، وطلب الخفة واليسر، رعاية للانسجام الصوتى فى بعض أنواع الكلمة والكلام، ثم من قبل كل
стр. 81
ذلك ومن بعده إمتاع الذهن بما تذهب إليه النفس فى تقدير المحذوف المطوىّ فى ثنايا الكلام (١).
والثانى: أن يدل على المحذوف دليل، كما أفاد الرمانى فى كلامه السابق.
وقال المبرد (٢): ولا يجوز الحذف حتى يكون المحذوف معلوما بما يدلّ عليه من متقدم خبر، أو مشاهدة حال.
وقال أبو جعفر الطبرى (٣): قد دللنا فيما مضى أن العرب من شأنها-إذا عرفت مكان الكلمة ولم تشكك أن سامعها يعرف بما أظهرت من منطقها ما حذفت-حذف ما كفى منه الظاهر من منطقها، ولا سيما إن كانت تلك الكلمة التى حذفت قولا أو تأويل قول.
وقال ابن جنى (٤): قد حذفت العرب الجملة والمفرد والحرف والحركة، وليس شيء من ذلك إلا عن دليل عليه، وإلا كان فيه ضرب من تكليف علم الغيب فى معرفته.
وقال الشريف المرتضى (٥): وإنما تستحسن العرب الحذف فى بعض المواضع، لاقتضاء الكلام المحذوف ودلالته عليه.
стр. 82
وقال الشيخ عبد القاهر (١) عن الحذف: هو باب دقيق المسلك، لطيف المأخذ، عجيب الأمر، شبيه بالسحر، فإنك ترى به ترك الذكر أفصح من الذكر، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة، وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتمّ ما تكون بيانا إذا لم تبن، وهذه جملة قد تنكرها حتى تخبر، وتدفعها حتى تنظر، وأنا أكتب لك بديئا أمثلة مما عرض فيه الحذف، ثم أنبهك على صحة ما أشرت إليه، وأقيم الحجة من ذلك عليه.
وقال أيضا فيما نقل عنه الزركشى (٢): ما من اسم حذف فى الحالة التى ينبغى أن يحذف فيها إلا وحذفه أحسن من ذكره، ولله درّ القائل:
إذا نطقت جاءت بكل مليحة ... وإن سكتت جاءت بكل مليح
٦٣ - وقال العز بن عبد السلام (٣): والعرب لا يحذفون ما لا دلالة عليه ولا وصلة إليه، لأن حذف ما لا دلالة عليه مناف لغرض وضع الكلام من الإفادة والإفهام، وفائدة الحذف تقليل الكلام، وتقريب معانيه إلى الأفهام.
وقال حازم القرطاجنّى، فيما حكى عنه الزركشى (٤): إنما يحسن الحذف ما لم يشكل به المعنى، لقوة الدلالة عليه، أو يقصد به تعديد أشياء، فيكون فى تعدادها طول وسآمة، فيحذف ويكتفى بدلالة الحال عليه، وتترك النفس تجول فى الأشياء المكتفى بالحال عن ذكرها على الحال.
وقد تنازع مبحث الحذف علماء إعجاز القرآن، والبلاغة والنحو، لكن علماء الإعجاز والبلاغة عالجوا الحذف فى أبواب خاصة أفردوها له ووقفوها عليه، ثم تكلموا عليه مرّة واحدة، وخلطوا مباحث البيان بمباحث النحو، أما النحويون فقد
стр. 83
فرقوا الكلام على الحذف، على أبواب النحو المختلفة، كحذف المبتدأ والخبر، وحذف المفعول والحال والتمييز والصلة والعطف والموصوف والصفة، ثم حذف الأدوات. وقلّ من رأيناه أفرد للحذف بابا، نعم وقف ابن هشام بعض الباب الخامس من «المغنى» على الكلام على الحذف: شروطه وأنواعه وأمثلته، لكنه عالج أيضا مسائل من الحذف، فى مباحث الكتاب المختلفة، شأنه شأن النحاة السابقين واللاحقين.
هذا وقد حدّد ابن هشام مجال البحث النحوى فى الحذف، فقال (١):
«الحذف الذى يلزم النحوىّ النّظر فيه هو ما اقتضته الصناعة، وذلك بأن يجد خبرا بدون مبتدأ أو بالعكس، أو شرطا بدون جزاء أو بالعكس، أو معطوفا بدون معطوف عليه، أو معمولا بدون عامل، نحو: ﴿لَيَقُولُنَّ اللهُ﴾ ونحو: ﴿قالُوا خَيْراً﴾، ونحو: «خير عافاك الله»، وأما قولهم فى نحو ﴿سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾:
إن التقدير: والبرد، ونحو: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ﴾: إن التقدير: ولم تعبّدنى، ففضول فى فن النحو، وإنما ذلك للمفسر، وكذا قولهم:
يحذف الفاعل لعظمته، وحقارة المفعول، أو بالعكس، أو للجهل به، أو للخوف عليه أو منه، ونحو ذلك، فإنه تطفل منهم على صناعة البيان».
والبحث النحوىّ يتناول حذف الجملة والمفرد والحرف والحركة (٢)، وهذان الأخيران مما اختص بهما علم الصرف.
وقد أفسح ابن الشجرى «أماليه» لكل أنواع هذه الحذوف، ثم تناول أيضا تلك الحذوف التى أشار ابن هشام إلى أنها من علمى التفسير والبيان. ذكر ابن الشجرى كل ذلك وضرب له الأمثال من الكتاب العزيز، ومن كلام العرب وأشعارها، ثم اعتنى عناية خاصة بذكر حذوف القرآن الكريم، ويقول فى ذلك (٣):
«فحذوف القرآن كثيرة عجيبة».
стр. 84
وابن الشجرى يشترط ما اشترطه غيره من ضرورة قيام دليل على المحذوف، قال (١): «إن حذف المضاف فى كلام العرب وأشعارها، وفى الكتاب العزيز أكثر من أن يحصى، وأحسنه ما دل عليه معنى أو قرينة أو نظير أو قياس» ثم مثل لهذه الدلالات.
وقد عالج ابن الشجرى ضروب الحذف فى ثنايا كثير من مجالسه (٢)، قصدا أو استطرادا، ثم أفرد لها سبعة عشر مجلسا، بدءا من منتصف المجلس التاسع والثلاثين، استغرقت مائة وخمسين ورقة من مخطوطة الأمالى التى اتخذتها أصلا، وهو قدر كبير يصلح أن يكون كتابا مستقلا، وقد تكلم فى هذه المجالس على الحذوف الواقعة بالأسماء المفردة والجمل والأفعال والحروف، وهذه المباحث تكاد تستغرق أبواب النحو كلها، وفى كلام ابن الشجرى عن الحذف فى الحروف، أراد حروف المعانى، كاللام ومن والباء وعلى وإلى، مما بحروف الجر، ثم الحروف التى هى من بنية الكلمة، وحذف هذه الحروف الأخيرة يعالج فى أبواب الصرف كالإعلال والإبدال والقلب والنقل.
وإفراد ابن الشجرى هذه المجالس المتتابعة لدراسة الحذوف مفيد فى ميدان الدراسات النحوية والصرفية، إذ كان ذلك مغنيا عن تلمّس ظاهرة الحذوف فى أبواب النحو المختلفة، حيث تأتى أمثلة الحذوف مفرقة بحسب ترتيب أبواب النحو، وبخاصة فى الكتب التعليمية المتأخرة، ابتداء من القرن السابع، على يد شراح ابن مالك.
وابن الشجرى يمثل أحيانا لظهور المحذوف الذى يقدره، فى شاهد آخر، فقد قال (٣) فى أدلة الحذوف: «ودلالة النظير مع القياس والقرينة، كقوله سبحانه:
﴿هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ﴾ أراد: هل يسمعون دعاءكم، كما قال فى الأخرى:
﴿إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعاءَكُمْ﴾ ودلالة القياس على هذا المحذوف أنك لا تقول:
стр. 85
سمعت زيدا وتمسك، حتى تأتى، بعد ذلك بلفظ مما يسمع، كقولك: سمعته يقرأ، وسمعته ينشد».
وحكى فى الكلام على حذف المبتدأ، قال (١): «وجاء الحذف فى قوله تعالى: ﴿طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ﴾ فقيل: تقديره: أمرنا طاعة، واحتج صاحب هذا القول بقول الشاعر:
فقالت على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كنت قد كلّفت ما لم أعوّد
فقال: فقد أظهر الشاعر المبتدأ المحذوف فى الآية».
وقال فى حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه (٢): «ومنه ﴿وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً﴾ أى إلى أهل مدين، ألا ترى أن الضمير الذى هو الهاء والميم فى (أخاهم) لا يعود على (مدين) نفسها، وإنما يعود على أهلها، وقد أظهر هذا المحذوف فى موضع آخر، وهو قوله: ﴿وَما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾.
وذكر فى حديثه عن حذف العائد من جملة الصفة إلى الموصوف، قال (٣):
«وفى التنزيل: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ أراد: لا تجزى فيه، فحذف الجارّ والمجرور المقرّين فى قوله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾».
وقد أسرف ابن الشجرى فى تقدير بعض الحذوف، فقال فى ذكر معانى «أو (٤)»: «التاسع أن تكون للتبعيض فى قول بعض الكوفيين، وإنما جعلها للتبعيض، لأنها لأحد الشيئين، وذلك فى قول الله سبحانه: ﴿وَقالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا﴾ وهذا القول إنما هو إخبار من الله عن الفريقين، وفى الكلام حذوف: أولها: حذف مضاف من أوله، ثم حذف واو العطف وجملتين فعليتين من آخره، وهما قال وفاعله، وكان واسمها. فأما تقدير المضاف فإن قوله:
стр. 86
(وقالوا) معناه: وقال بعضهم-يعنى اليهود-كونوا هودا، وتقدير الواو والجملتين: وقال بعضهم: كونوا نصارى، فقام قوله: (أو نصارى) مقام هذا الكلام، وهذا يدلك على شرف هذا الحرف».
وقد حكى ابن هشام (١) تقدير ابن الشجرى هذا، ونسبه إلى التعسّف.
ولما كان الحذف خلاف الأصل-كما ذكرت فى صدر هذا البحث-فإن ابن الشجرى يضعّفه ما لم تدع إليه ضرورة فنية، وما لم يدلّ عليه دليل، ويقوّى الأوجه الخالية من الحذف، وقد ذكرته فى الفقرة التاسعة من آرائه الإعرابية. وقد حكى اختلاف النحاة فى قول دريد بن الصمة:
لقد كذبتك عينك فاكذبنها ... فإن جزعا وإن إجمال صبر
فقال (٢): قال سيبويه: فهذا على «إما» ولا يكون على «إن» التى للشرط، لأنها لو كانت للشرط لاحتيج إلى جواب، لأن جواب «إن» إذا ألحقتها الفاء لا يكون إلا بعدها، فإن لم تلحقها فقلت: أكرمك إن زرتنى، سدّ ما تقدم على حرف الشرط مسد الجواب. . . وقال غير سيبويه: هو على «إن» التى للشرط، والجواب محذوف، فكأنه قال: إن كان شأنك جزعا شقيت به، وإن كان إجمال صبر سعدت به.
قال ابن الشجرى: وقول سيبويه هو القول المعوّل عليه، لأنه غير مفتقر إلى هذا الحذف، الذى هو حذف كان ومرفوعها، وحذف جوابين لا دليل عليهما.
وقد ضعّف ابن الشجرى بعض الحذوف، فقال فى حذف الموصوف (٣):
«وكذلك لا يجوز: مررت بالطويل زيد، على أن تجعل الطويل صفة لزيد، ولكن إن أردت: مررت بالرجل الطويل، فحذفت الموصوف، وأبدلت زيدا من الصفة، جاز على قبح، لأن حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، مما شدّد فيه سيبويه، وإن
стр. 87
كان قد ورد ذلك فى الاستعمال على شذوذه، كقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ﴾ أى العبد الشكور، وكقوله: ﴿أَنِ اِعْمَلْ سابِغاتٍ﴾ أى دروعا سابغات، وكقوله: ﴿وَذلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ أى الأمّة القيمة».
قلت: لم أجد فيما بين يدىّ من كتب النحو إنكار حذف الموصوف، وقد أجازوه بشرط وجود الدليل عليه، وشروط أخرى (١)، وابن الشجرى نفسه قد استشهد لحذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه، بشواهد كثيرة فى المجالس: التاسع والثلاثين، والستين، والرابع والستين، والتاسع والستين، ولم يصفه هناك بقبح أو شذوذ، كصنيعه هنا.
هذا وتعبير ابن الشجرى بالشذوذ فى الاستعمال القرآنى فيه نظر، ولعله إنما يتكلّم بحسب الصنعة ليس غير، فقد ذكر ما يشبه هذا فى موطن آخر، حين استشهد لحذف اللام على الشذوذ (٢)، بما جاء من حذف الياء اكتفاء بالكسرة، فى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِ لا تَكَلَّمُ نَفْسٌ﴾ وقوله: ﴿ذلِكَ ما كُنّا نَبْغِ﴾.
...
стр. 88
الأدوات عند ابن الشجرى
المراد بالأدوات: الحروف (١) وما شابهها من الأسماء والأفعال والظروف، ويطلق عليها حروف المعانى. وقد جاء الحديث عن الأدوات مفرّقا فى ثنايا كتب التفسير، وكتب علوم القرآن، نحو مشكل القرآن لابن قتيبة، والبرهان للزركشى، وكتب اللغة والبلاغة.
وقد تناولت المصنّفات النحوية مبحث الأدوات خلال أبواب النحو المختلفة، ثم أفرد بعض النحاة تصانيف خاصة للأدوات، ومن أشهر هذه التصانيف: معانى الحروف للرمانى (٢)، وكتاب اللامات للزجاجى، والأزهية للهروى، ورصف المبانى فى حروف المعانى للمالقى، والجنى الدانى فى حروف المعانى لابن أم قاسم المرادى، وجواهر الأدب فى معرفة كلام العرب للإربلى، ثم خصص ابن هشام الجزء الأول من «المغنى» للأدوات.
ويعد ابن الشجرى من أهم من عالجوا مبحث الأدوات: معانيها وعملها وشواهدها، ودخول بعضها مكان بعض، ذكر كل ذلك فى ثنايا مجالسه، ثم أفرد مجالس خاصة لبعض هذه الأدوات، فقصر المجلس السابع والستين على «لا»، قال فى آخره: «فهذه وجوه «لا» لم أخلّ منها بشىء، والمجلس الذى بعده خصصه لمعانى وعمل «ما»، ثم عقد فصلا فى المجلس السبعين لدخول حروف الخفض بعضها مكان بعض، وهو فصل مفيد جدا، أتى فيه ابن الشجرى على شواهد كثيرة من الكتاب العزيز، مما يفيد فى مجال الدراسات القرآنية. وعمل ابن الشجرى هذا يعدّ حلقة من السلسلة التى بدأها ابن قتيبة فى كتابه تأويل مشكل القرآن، وابن فارس فى كتابه الصاحبى.
وتكلم ابن الشجرى فى المجلس الثالث والسبعين، عن «أى» و «رب»، وفى المجلس الذى بعده تحدث عن أقسام «من» الاسمية، وافتتح المجلس الخامس والسبعين بذكر معانى «أو» ومواضعها، وكذلك تحدث عن معانى «أم» ومواضعها
стр. 89
فى المجلس السابع والسبعين، وابتدأ المجلس التالى بذكر أقسام «إما» المكسورة، و «أما» المفتوحة، وبسط الكلام على «إن» الخفيفة المكسورة والمفتوحة فى المجلس الذى بعده.
وقد أفاد ابن الشجرى فى معالجته للأدوات من جهود العلماء السابقين، وعلى رأسهم الهروىّ صاحب «الأزهية»، وقد أغار ابن الشجرى على كثير من مباحث هذا العالم، من غير أن ينبّه عليه، وحديث هذا يأتى إن شاء الله فى الكلام على مصادر ابن الشجرى، ثم أفاد النحاة المتأخرون من جهود ابن الشجرى فى هذا المجال، وصرحوا بالنقل عنه والأخذ منه، ومن هؤلاء المرادى صاحب «الجنى الدانى»، وابن هشام فى «المغنى» لكن ابن هشام يغفل أحيانا ذكر ابن الشجرى، وقد عارضت كلامه بكلامه، ونبهت عليه فى حواشى التحقيق.
وتبدو أهمية ابن الشجرى فى هذا المجال، متمثلة فى ذلك الفيض الزاخر من الشواهد التى انتزعها من كتاب الله العزيز، ومن أشعار العرب، وبعض هذه الشواهد مما انفرد به ابن الشجرى، ولم يرد فى أشهر كتب الأدوات التى ذكرتها، ومن ذلك ما أنشده على زيادة «ما»، من قول الشاعر (١):
ما مع أنك يوم الورد ذو جزر ... ضخم الدّسيعة بالسّلمين وكّار
...
стр. 90
الشواهد عند ابن الشجرى
شواهد القرآن الكريم:
لم يعرض ابن الشجرى لأصل من الأصول أو قاعدة من القواعد إلا استشهد لها بآية أو أكثر من الكتاب العزيز. وقد استكثر ابن الشجرى من شواهد القرآن الكريم، فيما عرض له من مسائل الإعراب والحذوف والأدوات، ثم عقد أبوابا وفصولا خاصة لبعض آى الذكر الحكيم: تفسيرا وإعرابا (١)، بل إنه قصر المجلسين الحادى والثمانين والذى بعده، على ذكر زلات مكى بن أبى طالب المغربى، فى كتابه مشكل إعراب القرآن الكريم.
ولعل خير ما يكشف عن منهج ابن الشجرى فى تناوله لتفسير وإعراب القرآن الكريم هذان المثلان، مما ذكره فى المجلس العاشر.
قال: سألنى سائل عن قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ فقال: ما معنى تستجيبون بحمده؟ وبم تتعلق الباء؟ فقد زعم بعض المفسرين أن معنى بحمده: بأمره.
وقال فى الموضع الآخر: سألنى سائل مكاتبة عن قوله عز من قائل: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اِصْطَفَيْنا مِنْ عِبادِنا﴾ الآية، فقال: ما معنى الاصطفاء، وما أصله الذى اشتق منه، وما حقيقة معنى المقتصد، وإلى أى شيء هذا السبق، وما معنى الخيرات هاهنا، وكيف دخل الظالم لنفسه فى الذين اصطفاهم الله، وقد قال تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اِصْطَفى﴾ وإلى أى شيء تتوجه الإشارة فى قوله: ﴿ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾؟
وقد أجاب ابن الشجرى عن السؤالين إجابة العالم المتمكن.
ولم يخل ابن الشجرى «أماليه» من مسائل الصرف فى آى القرآن الكريم، وقد ذكر من هذه المسائل الكثير على امتداد مجالسه، ثم أفرد فى المجلس الرابع
стр. 91
والستين مسألة للكلام على «ترين». قال: سئلت عن (ترينّ) فى قول الله سبحانه: ﴿فَإِمّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً﴾ وذكر السائل لى أن الواعظ المعروف بالشعرى امتحن الناس بهذه اللفظة على الكرسى، فقال: ما المحذوف منها، وما وزنها؟ فرأيت أن أقدم أسّا يبنى الكلام فيها عليه.
ثم أجاب ابن الشجرى بكلام طويل، تضمن فوائد صرفية جيدة، وقال فى آخر إجابته: «فأحسن تأمل ما ذكرته، فقد بالغت فى إيضاح المسئول عنه بتوفيق الله».
ومسألة «ترينّ» مما أكثر الصرفيّون الكلام فيه، ولم أجد أحدا من السابقين على ابن الشجرى-فيما بين يدىّ من كتبهم المطبوعة-أشبع الكلام فيها على هذا النحو.
وقد انتزع ابن الشجرى شواهد كثيرة من الكتاب الحكيم لما عرض له من مسائل علم البلاغة، فقد استشهد للاستعارة والتكرير والترصيع والخبر والاستفهام والأمر والنهى (١)، ثم كانت له مع المفسرين وقفات، ردّ عليهم فى بعضها، وزاد على أقوالهم فى بعضها الآخر (٢).
وقد عرض ابن الشجرى لبعض الآيات المشكلة التى يشكك بها الملاحدة، قال فى المجلس الثامن: «تأويل قوله تعالى: ﴿قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً﴾ هذه الآية من الآى المشكلة التى تعلقت بها الملحدة، وأنا إن شاء الله أكشف لك غموضها وأبرز مكنونها. . . .» إلى آخر ما ذكر.
وابن الشجرى فيما استخرجه من شواهد القرآن الكريم-نحوا وصرفا ولغة ومعانى-يحرص كثيرا على ضمّ النظير إلى نظيره، وربط آى القرآن بعضها ببعض، وذلك (٣) «لأن مجاز القرآن مجاز الكلام الواحد والسورة الواحدة» قالوا: والذى يدل
стр. 92
على ذلك أنه قد يذكر الشىء فى سورة فيجىء جوابه فى سورة أخرى، كقوله:
﴿وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ جاء جوابه فى سورة أخرى:
﴿ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾.
وأمام هذا الحشد الهائل من شواهد الكتاب العزيز التى زخرت بها «الأمالى» وقع ابن الشجرى فى بعض الاختلاف والاضطراب والأخطاء، فقد استشهد على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة بشواهد كثيرة، ذكر منها قوله تعالى: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ ذكر ذلك فى المجلس الثامن عشر، ثم أعاد الآية الكريمة فى المجلسين التاسع والثلاثين والأربعين، شاهدا على حذف المفعول، وقد تعقّبه الزركشى (١)، فقال فى أثناء كلامه على الالتفات من الخطاب إلى الغيبة: «وجعل منه ابن الشجرى: ﴿ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى﴾ وقد سبق أنه على حذف المفعول، فلا التفات». هذا كلام الزركشى، وقد خفى عنه الموضع الثانى الذى ذكر فيه ابن الشجرى أنه على حذف المفعول.
وأخطأ ابن الشجرى فى بعض تلاوات القرآن الكريم، وقد نبهت عليه فى حواشى التحقيق (٢). وما ينبغى أن تحمل مثل هذه الأخطاء على أوهام النّسّاخ، فالخطأ ثابت فى كلتا النسختين المخطوطتين من الأمالى، وأيضا فإن بعض هذه الأخطاء ثابت فى خزانة الأدب للبغدادى فيما حكاه عن ابن الشجرى.
стр. 93
القراءات عند ابن الشجرى
أكثر الدارسون قديما وحديثا من الكلام حول قبول القراءات والاستشهاد بها والاحتجاج لها، وقد أثر عن جماعة من نحاة البصرة المتقدّمين شيء من الطعن على بعض القراءات السبعية وردّها والتشنيع على من قرأ بها (١). ولم يقف ابن الشجرى من القراءات هذا الموقف، فهو قد استشهد بالقراءات، متواترها وشاذّها، على مسائل النحو والصرف واللغة، بل إنه قوّى بعض القراءات السبعية، ووجّه بعض القراءات الشاذة، ولا سبيل إلى ذكر كل ما عرض له ابن الشجرى من قراءات (٢).
فأكتفى بذكر مثلين يكشفان عن منهج ابن الشجرى وموقفه من القراءات، الأول فى الترجيح بين قراءتين سبعيتين، والثانى فى توجيه قراءة شاذة:
١ - ذكر ابن الشجرى فى تفسير قوله تعالى: ﴿وَاِصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ﴾، قال (٣): «وقرأ ابن عامر: ﴿بِالْغَداةِ﴾، وبها قرأ أبو عبد الرحمن السلمى، وأوجه القراءتين: ﴿بِالْغَداةِ﴾، لأن غدوة معرفة علم للحين، ومثلها بكرة، تقول: جئتك أمس غدوة، ولقيته اليوم بكرة، قال الفراء:
سمعت أبا الجراح يقول فى غداة يوم بارد: ما رأيت كغدوة قط، يريد غداة يومه، وقال الفراء: ألا ترى أن العرب لا تضيفها، وكذلك لا تدخلها الألف واللام، إنما يقولون: أتيتك غداة الخميس، ولا يقولون: غدوة الخميس، فهذا دليل على أنها معرفة. انتهى كلامه. وأقول: إن حق الألف واللام الدخول على النكرات، وإنما دخلتا فى الغداة، لأنك تقول: خرجنا فى غداة باردة، وهذه غداة طيبة، ووجه قراءة ابن عامر أن سيبويه قال: «زعم الخليل أنه يجوز أن تقول: أتيتك اليوم غدوة وبكرة، فجعلتهما بمنزلة ضحوة»، وإنما علقوا غدوة وبكرة على الوقت علمين،
стр. 94
لأنهما جعلا اسمين لوقت منحصر، ولم يفعلوا ذلك فى ضحوة وعشية، لأنهما لوقتين متسعين، ومما يحتج به لليحصبى والسلمى أن بعض أسماء الزمان قد استعملته العرب معرفة بغير الألف واللام، وقد سمع منهم إدخال الألف واللام عليه، نحو ما حكاه أبو زيد من قولهم: لقيته فينة فينة يا فتى، غير مصروف، ولقيته الفينة بعد الفينة، أى الحين بعد الحين، ووجه إدخال الألف واللام فى هذا الضرب أنه يقدر فيه الشياع».
٢ - حكى ابن الشجرى (١) اختلاف القراء فى إعراب قوله تعالى: ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ بنصب ﴿يَوْمُ﴾ ورفعه. وقال فى آخر ما حكاه:
«وقد قرئ فيما شذ من القراءات السبع: ﴿هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ بنصب ﴿صِدْقُهُمْ﴾ مع نصب ﴿يَوْمُ﴾، وإسناد ﴿يَنْفَعُ﴾ إلى ضمير راجع إلى الله . ويحتمل نصب ﴿صِدْقُهُمْ﴾ ثلاثة أوجه، أحدها: أن يكون مفعولا له، أى ينفع الله الصادقين لصدقهم، والثانى أن تنصبه على المصدر، لا بفعل مضمر، ولكن تعمل فيه ﴿الصّادِقِينَ﴾، فتدخله فى صلة الألف واللام، وتقدير الأصل: ينفع الله الصادقين صدقا، ثم أضيف إلى ضمير «هم» فقيل: صدقهم، كما تقول: أكرمت القوم إكراما، وأكرمتهم إكرامهم، قال الله تعالى فى الإفراد:
﴿وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً﴾ وفى الإضافة: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾، ومثله:
﴿وَزُلْزِلُوا زِلْزالاً﴾ و ﴿إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها﴾ والثالث: أن تنصبه بتقدير حذف الباء، لأنك تقول: نفعته بكذا، فيكون الأصل: ينفع الله الصادقين بصدقهم، فلما سقطت الباء وصل الفعل، ومثله فى إسقاط الباء ثم إيصال الفعل قوله سبحانه: ﴿إِنَّما ذلِكُمُ الشَّيْطانُ يُخَوِّفُ أَوْلِياءَهُ﴾ أى بأوليائه، لأن المعنى يخوّفكم بهم، ويدلك عليه قوله: ﴿فَلا تَخافُوهُمْ﴾.
...
стр. 95
شواهد الحديث النبوى
الاستشهاد بالحديث النبوىّ، واعتباره مصدرا من مصادر الاحتجاج فى قضايا النحو والصرف، أمر كثر الجدل حوله بين مؤيّد ومعارض، وقد أشبع العلامة البغدادى الكلام فيه (١).
وقد قلّ استشهاد ابن الشجرى بالحديث فى «أماليه» قلّة ظاهرة، بالقياس إلى شواهد القرآن الكريم، وشواهد الشعر القديم والمحدث.
ولم أجد له استشهادا بالحديث على قضايا النحو إلا فى موضعين اثنين من «الأمالى» أولهما ما أورده شاهدا على حذف خبر «إن» فيما رواه (٢) عن أبى عبيد القاسم بن سلام: «أن المهاجرين قالوا: يا رسول الله، إن الأنصار قد فضلونا، إنهم آوونا وفعلوا بنا وفعلوا، فقال: ألستم تعرفون ذلك لهم؟ قالوا: بلى، قال: فإن ذلك». قوله: «فإن ذلك» معناه: فإن ذلك مكافأة منكم لهم، أى معرفتكم بصنيعهم وإحسانهم مكافأة لهم. وهذا كحديثه الآخر: «من أزلت إليه نعمة فليكافئ بها فإن لم يجد فليظهر ثناء حسنا»، فقوله ﵇: «فإن ذلك» يريد به هذا المعنى.
والموضع الثانى ما ذكره فى الكلام على لام الأمر، قال (٣): إن الأصل فى أمر المواجه أن يستعمل بلام الأمر مع تاء الخطاب، فقد روى عن النبى ﵇ أنه قال فى بعض مغازيه: «لتأخذوا مصافّكم»، وفى قراءة أبىّ: ﴿فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾.
стр. 96
وقد استشهد ابن الشجرى بالحديث الشريف على مسائل اللغة وتفسيرها، فقال (١) فى شرح الضبع، وهو السنة الشديدة: «ومنه الحديث عن النبى ﵌: «أن رجلا جاءه، فقال: يا رسول الله، أكلتنا الضبع وتقطعت عنا الخنف» قال: عنى بالخنف جمع خنيف، وهو ثوب من كتان رديء».
وذكر فى تفسير «الخير» من قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ (٢):
«والخير هاهنا هو الخيل (٣)، وتسميتها بالخير مطابق لقوله ﵇: الخيل معقود فى نواصيها الخير».
وقال (٤) فى شرح «مغيون» من قول الشاعر:
*وإخال أنك سيد مغيون*
مغيون: مفعول من قولهم: غين على قلبه: أى غطّى عليه، وفى الحديث:
«إنه ليغان على قلبى».
واستشهد على تخفيف «هينة» بقوله ﷺ (٥): «المؤمن هين لين».
وقال فى شرح الوكاء، وهو السير الذى يشدّ به رأس القربة (٦): «وشبه رسول الله ﵌، العينين فى اليقظة بالوكاء، فى قوله: «العينان وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء». قال: «السّه والاست بمعنى» أراد أن العينين شداد الاست، فإذا كان يقظان حفظت عينه استه، كما يحفظ الوكاء ما فى الوعاء، فإذا نام انحل الشداد».
стр. 97
وذكر فى المحذوف اللام: «دد»، قال (١): «وقولهم: دد، أصله ددن، وهو اللهو واللعب، وجاء فى الحديث عنه ﵌: «ما أنا من دد ولا الدّد منى» وقال عدىّ بن زيد العبادىّ:
أيها القلب تعلّل بددن ... إنّ همّى فى سماع وأذن
الأذن: الاستماع، يقال: أذن للحديث يأذن أذنا: إذا استمع، وفى المأثور عنه ﵇: ما أذن الله لشيء كإذنه لنبى يتغنى بالقرآن».
ثم استشهد ابن الشجرى بالحديث على قضايا من علم البلاغة، فى أربعة مواضع من الأمالى:
الأول: ما أورده (٢) فى مبحث الاستعارة، قال: «ومن ذلك استعارة النبى ﷺ للغيرة أنفا، وقد رأى عليا وفاطمة ﵉، فى بيت، فردّ الباب عليهما وقال: جدع الحلال أنف الغيرة».
قلت: لم أجد هذا الحديث فيما بين يدى من كتب السنة، ولا فى كتب غريب الحديث التى أعرفها، وكذلك لم أجده فى المظان الأخرى، مثل المجازات النبوية للشريف الرضى، ونهج البلاغة-اعتمادا على فهارسه-ثم وجدت الثعالبى (٣) يقول عند كلامه على «أنف الكرم»: قد تصرف الناس فى استعارة الأنف، بين الإصابة والمقاربة، وأحسن وأبلغ ما سمعت فيها قول النبى ﷺ :
«جدع الحلال أنف الغيرة».
وذكره الميدانى (٤)، ثم قال: «قاله ﷺ ، ليلة زفّت فاطمة إلى على رضى الله تعالى عنهما، وهذا حديث يروى عن الحجاج بن منهال، يرفعه».
والثانى (٥): ما استشهد به على خروج الخبر إلى الأمر، من قوله ﷺ :
стр. 98
«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب»، قال: أى اقرءوا فى الصلوات الفاتحة.
والثالث (١): ما ذكره من شواهد خروج صيغة الأمر إلى الندب والاستحباب، من قوله ﷺ : «من جاء منكم إلى الجمعة فليغتسل».
والرابع (٢): ما أورده من شواهد النهى، وقوله ﷺ : «لا تباغضوا ولا تحاسدوا».
وفى هذا الموضع استشهد بحديث شريف، على خروج النهى إلى معنى التنزيه، قال: وقد ترد هذه الصيغة، والمراد بها التنزيه، كقوله تعالى: ﴿وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ أى لا تتركوه، وليس ذلك بحتم، وكقول النبى ﵌: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاثا» ولا تحمل هذه الصيغة على التنزيه إلا بدليل.
شواهد الأثر:
ومما يتصل بالاستشهاد بالحديث الاستشهاد بالأثر، وهو كلام الصحابة والتابعين، رضى الله عنهم أجمعين، والنحويون يستشهدون بالأثر كثيرا، فمن ذلك استشهادهم فى باب التحذير والإغراء بقول عمر رضوان الله عليه: «إياى وأن يحذف أحدكم الأرنب» وفى باب المقصور والممدود بقوله أيضا: «لولا الخلّيفى لأذّنت» أى الخلافة.
وقد استشهد ابن الشجرى بكلام العباس بن عبد المطلب، وعمر بن الخطاب وعلى بن أبى طالب، وعمر بن عبد العزيز، رضوان الله عليهم أجمعين.
فقد استدل على أنه يمكنك أن تقول فى الوقف (٣): يا طلحت، بسكون التاء، بما روى عن العباس رضى الله عنه، أنه قال فى ندائه المسلمين لما انهزموا يوم
стр. 99
حنين: «يا أصحاب بيعة الشجرت، يا أصحاب سورة البقرت، فقال المجيب له منهم: والله ما أحفظ منها آيت».
واستشهد (١) لمجيء النداء استغاثة بقول عمر رضى الله عنه، لما طعنه العلج:
«يا لله وللمسلمين».
وذكر فى كلامه (٢) على النداء أنهم قد ينادون الأوقات، وأورد شواهد كثيرة، منها نداء أمير المؤمنين على بن أبى طالب كرم الله وجهه، للدنيا وخطابه لها: «يا دنيا ألى تعرضت، لا حان حينك، قد بتتّك ثلاثا، لا رجعة لى فيك، فعمرك قصير وعيشك حقير، وخطرك يسير».
واستدل (٣) على حذف خبر «إن» بما روى أن رجلا جاء إلى عمر بن عبد العزيز رضوان الله عليه، فجعل يمت بقرابته، فقال عمر: «فإن ذاك»، ثم ذكر له حاجته، فقال: «لعل ذاك»، لم يزده على أن قال: «فإنّ ذاك» و «لعل ذاك»، أى إن ذاك كما قلت، ولعل حاجتك أن تقضى.
...
стр. 100
شواهد الشعر
لا أعرف كتابا نحويّا قبل كتاب ابن الشجرى، ضمّ هذا القدر الضخم من الشواهد الشعرية، فقد بلغت شواهده أكثر من مائة وألف (١) بيت (١١٠٠)، ولم أدخل فى هذا العدد ما أورده ابن الشجرى فى المجلس الأخير، من أبيات كثيرة للمتنبى، مما يتمثّل به، ولم أعتبر فى هذا العدد أيضا الشواهد المكررة، فكثير من الشواهد قد تكرر مرتين، وبعضها تكرر ثلاثة وأربع مرات، وبعض ثالث تكرر خمس مرات، كقول القائل:
إذا نهى السفيه جرى إليه ... وخالف والسفيه إلى خلاف
ونعم ليست هذه الشواهد كلّها خالصة للنحو والصرف، ففيها من شواهد اللغة والأدب والبلاغة والعروض والقوافى، أبيات ذوات عدد، لكن يبقى القدر الأكبر خالصا للنحو والصرف.
وشواهد ابن الشجرى منتزعة من شعر الجاهليين والمخضرمين والإسلاميين والمحدّثين، والاستشهاد بشعر هذه الطبقة الأخيرة محل خلاف، تكلم عليه البغدادى (٢)، وأفاد أن الطبقتين الأوليين يستشهد بشعرهما إجماعا، وأما الثالثة فالصحيح صحة الاستشهاد بكلامها، وأما الرابعة فالصحيح أنه لا يستشهد بكلامها مطلقا، وقيل: يستشهد بكلام من يوثق به منهم، واختاره الزمخشرى.
وقد استكثر ابن الشجرى من شعر الشعراء المحدثين، أمثال دعبل الخزاعى، ومروان بن أبى حفصة (٣) -ونص على أنهما من المحدثين-وابن المعتز وأبى تمام والبحترى وابن نباتة، ومن إليهم.
стр. 101
وكأنما أحسّ ابن الشجرى حرجا أو نقدا، فى إيراده لشعر هؤلاء المحدثين والاحتجاج به، فقال فى مبحث النداء، عند ما استشهد ببيت للشريف الرضى (١): «ومن وصف الليل بالقصر، لما نال واصفه فيه من السرور، وأحسن ما شاء، قول الشريف أبى الحسن الرضى، رضى الله عنه وأرضاه، وإن كان متأخرا، فإنما نسج المتأخّرون على منوال المتقدمين:
يا ليلة كاد من تقاصرها ... يعثر فيها العشاء بالسّحر
ولابن الشجرى عناية خاصة بالشريف الرضى، فقد أنشد له واستشهد به فى بعض مجالسه، ثم أفرد المجلس الثانى والستين لشرح قصيدته النونية التى مطلعها:
ما زلت أطرف المنازل بالنّوى ... حتى نزلت منازل النعمان
وقد أتى فى هذا الشرح على مسائل جياد من النحو واللغة والأدب.
ويقف أبو الطيب المتنبى على رأس الشعراء المحدثين الذين استشهد بشعرهم ابن الشجرى، فقد ذكر شعره فى خمسة وثمانين موضعا من الأمالى، عدا المجلس الأخير الذى قصره على التنبيه على فضائله، وأورد فيه غررا من حكمه وشعره الذى يتمثل به.
وقد أورد ابن الشجرى شعر المتنبى، مستشهدا به على إعراب أو قاعدة، ومتعقبا شرّاحه: ابن جنى وأبا العلاء المعرى وابن فورجة، والتبريزى، ومن إليهم، وشارحا ومعربا ما أهمله هؤلاء الشراح. قال فى إعراب بيت المتنبى:
أىّ يوم سررتنى بوصال ... لم ترعنى ثلاثة بصدود
«(٢) وإنما أذكر من شعره ما أهمله مفسّروه، فأنبه على معنى أو إعراب أغفلوه، وهذا البيت لبعده من التكلف، وخلوّه من التعسّف، وسرعة انصبابه إلى السمع وتولّجه فى القلب، أهملوا تأمله فخفى عنهم ما فيه».
стр. 102
وقال فى قوله:
جرّبت من نار الهوى ما تنطفى ... نار الغضا وتكلّ عما تحرق
«(١) وهذا البيت أيضا مما أمرّوه على أسماعهم إمرارا، فلم يعطوه حصّة من التفكّر، ولم يولوه طرفا من التأمل».
وابن الشجرى بهذه المثابة يعدّ من شرّاح المتنبى، فما أورده من شعره والكلام عليه ينهض كتابا مستقلا، يضمّ إلى ما كتب عن أبى الطيب، ولعل الله ييسّر لى صنع هذا الكتاب الذى يعين على فهم شعر المتنبى والإبانة عنه.
ولندع حديث أبى الطيب، وشعر المحدثين، ولنفرغ إلى منهج ابن الشجرى فى شواهده الشعرية، فأقول: إن اشتغال ابن الشجرى برواية الأدب وجمع الشعر قد أعاناه على اختيار شواهده الشعرية من أوثق النصوص وأبعدها عن الشكّ والوضع، وحين عرض لبعض الشواهد الموضوعة لغاية تعليمية، نصّ على أنها مصنوعة، فقال فى قول الراجز (٢):
إنّ هند الكريمة الحسناء ... وأى من أضمرت لوأى وفاء
«وهذا البيت والذى قبله من الأبيات المصنوعة لرياضة المبتدئين، لا تزال تداولها ألسن الممتحنين».
ويتنبه ابن الشجرى لمظنّة صنع الشاهد، ويدفعها بإنشاد بيت قبله وبيت بعده، ليدلّ على أن الشاهد منتزع من قصيدة، فقد استشهد على مجىء اسم «لا» العاملة عمل «ليس» معرفة، فقال (٣): «ومرّ بى بيت للنابغة الجعدى، فيه مرفوع «لا» معرفة، وهو:
وحلّت سواد القلب لا أنا مبتغ ... سواها ولا عن حبّها متراخيا
стр. 103
وقبله:
دنت فعل ذى حبّ فلما تبعتها ... تولّت وردّت حاجتى فى فؤاديا
وبعده:
وقد طال عهدى بالشباب وظلّه ... ولاقيت أياما تشيب النواصيا
وإنما ذكرت هذين البيتين، مستدلا بهما على نصب القافية، لئلا يتوهم متوهم أن البيت فرد مصنوع، لأن إسكان الياء فى قوله: «متراخيا» ممكن مع تصحيح الوزن، على أن يكون البيت من الطويل الثالث، مثل:
أقيموا بنى النعمان عنا صدوركم ... وإلاّ تقيموا صاغرين الرءوسا
وابن الشجرى حريص على الدقة فى رواية الشعر، والاحتياط لأمن اللّبس، وسلامة القواعد، فيقول فى بيت ابن أحمر (١):
على حيين فى عامين شتا ... فقد عنّا طلابهما وطالا
«ومعنى «شتا» افترقا، ولا يجوز أن تكتب «شتا» هاهنا بالياء، كالتى فى قوله تعالى: ﴿وَقُلُوبُهُمْ شَتّى﴾، لأن ألف «شتّا» فى البيت ضمير، و «شتى» فى الآية اسم على فعلى، جمع شتيت، كقتيل وقتلى، وإنما ذكرت هذا، لأنى وجدته فى نسخة بالياء».
وقال فى قوله من القصيدة نفسها:
وجرد يعله الداعى إليها ... متى ركب الفوارس أو متالا
«(٢) ومتى هاهنا شرط، وجوابه محذوف للدلالة عليه، فالتقدير: متى ركب الفوارس أو متى لم يركبوا، عله الداعى إليها. . . وينبغى أن تكتب «متالا» الثانية بالألف، لأن ألفها ردف، وإذا صوّرتها ياء كان ذلك داعيا إلى جواز إمالتها، وإمالتها تقربها من الياء، وإذا كانت الألف ردفا، انفردت بالقصيدة أو المقطوعة.
стр. 104
ويظهر إجلال ابن الشجرى للشعر القديم، والاحتجاج به، فيما تعقب (١) به أبا العباس المبرد، فى طعنه على قصيدة يزيد بن الحكم الثقفى، وقوله: «إن فى هذه القصيدة شذوذا فى مواضع، وخروجا عن القياس، فلا معرّج على هذا البيت» (٢).
فقال ابن الشجرى: إن الحرف الشاذ أو الحرفين أو الثلاثة، إذا وقع ذلك فى قصيدة من الشعر القديم، لم يكن قادحا فى قائلها، ولا دافعا للاحتجاج بشعره، وقد جاء فى شعر لأعرابى:
*لولاك هذا العام لم أحجج*
ولا يقف ابن الشجرى فى إيراد الشاهد عند حدود الغرض النحوى الذى سيق له، بل يستطرد إلى شرح غريبه وتفسير معناه، مازجا النحو باللغة والأدب، فإذا وجد خطأ لبعض الشراح نبّه عليه، ومن ذلك بيت الحطيئة، وأورده شاهدا على إضافة المصدر إلى المفعول:
أمن رسم دار مربع ومصيف ... لعينيك من ماء الشئون وكيف
قال (٣): الرسم هاهنا مصدر رسم المطر الدار يرسمها رسما: إذا جعل فيها رسوما، أى آثارا، وهو مضاف إلى المفعول، والمربع: رفع بأنه الفاعل، والمراد به مطر الربيع، والمصيف: مطر الصيف، ومن فسّر شعر الحطيئة من اللغويين فسّروا الرسم بالأثر، وفسروا المربع بأنه المنزل فى الربيع، والمصيف بأنه المنزل فى الصيف، وذلك فاسد، لأن تقديره: أمن أثر دار منزل فى الربيع ومنزل فى الصيف؟ ثم لا يتصل عجز البيت بصدره على هذا التقدير، وتكون «من» فى هذا القول للتبعيض، فكأنه قال: أبعض أثر دار منزل فى الربيع، وهى فى قول بعض النحويين بمعنى لام العلة، مثلها فى قول الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾ أى
стр. 105
لإملاق، وفى قولهم: فعلت ذلك من أجلك، يريدون لأجلك، والصحيح ما ذهب إليه النحويون، لأن المعنى: أمن أجل أن أثّر فى دار مطر ربيع ومطر صيف، لعينيك وكيف من ماء الشئون؟
نسبة الشواهد:
عزا ابن الشجرى كثيرا من الشواهد إلى قائليها، وسكت عن نسبة بعض أبيات، عزوت قدرا منها، بالرجوع إلى دواوين الشعر ومصنّفات النحو وسائر كتب العربية، وشذّ منها شيء لم أجده فيما بين يدىّ من مظان، وقد انفرد ابن الشجرى بإنشاد أبيات، كما انفرد بنسبة أبيات، وظنّى أن مرجعه فى الحالين كتب أبى على الفارسى (١)، المخطوطة والمفقودة، فقد رأيت ابن الشجرى كثير التطواف حول أبى على، ويأتى هذا مبسوطا إن شاء الله فى حديثى عن مصادر ابن الشجرى.
وتمثّل بعض شواهد ابن الشجرى إضافات جيّدة لشعر بعض الشعراء، فقد أنشد بيتين لكثيّر لم أجدهما فى ديوانه المطبوع بتحقيق الدكتور إحسان عباس.
البيت الأول:
من اليوم زوراها خليلىّ إنها ... سيأتى عليها حقبة لا نزورها (٢)
ولم أجد هذا البيت أيضا فيما بين يدىّ من كتب النحو والتفسير واللغة.
والبيت الثانى:
وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها ... لكالهائم المقصى بكلّ مكان (٣)
وهذا البيت أنشد من غير نسبة فى المنصف لابن جنى ٣/ ٥٢، وشرح ديوان المتنبى المنسوب إلى العكبرى ٢/ ٢٤١.
стр. 106
وتظهر أهمية شواهد ابن الشجرى أيضا، فيما حكاه عن سيبويه، فقد استدل على حذف المنادى بما أنشده سيبويه من قول الشاعر (١):
ألا يا إننى سلم ... لأهلك فاقبلى سلمى
وهذا الشاهد لم أجده فى كتاب سيبويه، اعتمادا على ما صنع له من فهارس، ومعروف عند الدارسين «أن بين أصول الكتاب القديمة اختلافا فى عدة الأبيات، وأن بعضها ربما انفرد بشواهد أخلّ بها غيره» (٢). وابن الشجرى نفسه يصرح بأن لكتاب سيبويه أكثر من نسخة (٣).
وهذه جملة ملاحظات حول منهج ابن الشجرى فى نسبة الشواهد وروايتها:
١ - روى ابن الشجرى قول أبى تمام (٤):
أفى الحقّ أن يمسى بقلبى مأتم ... من الشوق والبلوى وعيناى فى عرس
ورواية البيت فى ديوان أبى تمام ٤/ ٢٢٠:
أسكن قلبا هائما فيه مأتم ... من الشوق إلا أنّ عينى فى عرس
ويا بعد ما بين الروايتين فى مجال الدرس الأدبى.
٢ - وأنشد بيت الفرزدق (٥):
ولو بخلت يداى بها وضنّت ... لكان علىّ للقدر الخيار
ورواية الديوان ص ٣٦٤:
ولو رضيت يداى بها وقرّت ... لكان لها على القدر الخيار
ويقال فيه ما قيل فى سابقه.
стр. 107
٣ - نسب ابن الشجرى هذا البيت من الرجز، إلى الشماخ (١):
*ربّ ابن عمى لسليمى مشمعل*
والصواب أنه لجبار بن جزء، على ما فى ديوان الشماخ ص ٣٨٩، وجزء أخو الشماخ. وهذا البيت أنشده ابن الشجرى مع بيت بعده، من غير نسبة، فى المجلس التاسع والستين.
٤ - أنشد ابن الشجرى فى المجلس الثانى والعشرين، هذين البيتين، ونسبهما إلى تأبط شرا:
فإما تعرضنّ أميم عنى ... وينزعك الوشاة أولو النّياط
فخور قد لهوت بهنّ عين ... نواعم فى البرود وفى الرّياط
ثم أنشدهما فى المجلس الثالث والأربعين، ونسبهما إلى الهذلى من غير تعيين، والبيتان من قصيدة للمتنخل الهذلى، كما فى شرح أشعار الهذليين ص ١٢٦٧.
٥ - نسب ابن الشجرى إلى رؤبة هذين البيتين:
والله لولا أن يحشّ الطّبّخ ... بى الجحيم حين لا مستصرخ (٢)
ولم يردا فى ديوان رؤبة المطبوع، وهما فى ديوان أبيه العجاج ص ٤٥٩.
٦ - وصنع عكس هذا، حين نسب بيتا للعجاج (٣)، والصواب أنه لرؤبة فى ديوانه ص ١٦، وذلك قوله:
*وقد تطوّيت انطواء الحضب*
٧ - ونسب إلى رؤبة (٤):
стр. 108
يا أيها المائح دلوى دونكا ... إنى رأيت الناس يحمدونكا
ونسبة البيتين إلى رؤبة خطأ، تبع فيه ابن الشجرى القاضى الجرجانى فى الوساطة ص ٢٧٥، وقد تعقب البغدادىّ (١) ابن الشجرى فى هذه النسبة، ثم عزا البيتين إلى راجز جاهلى من بنى أسيد بن عمرو بن تميم.
٨ - استشهد ابن الشجرى على حذف اللام فى الشعر بقول الأعشى (٢):
أبالموت الذى لا بدّ أنى ... ملاق لا أباك تخوّفينى
فإن كان ابن الشجرى يريد الأعشى الكبير، ميمون بن قيس، فإنى لم أجد هذا البيت فى ديوانه المطبوع، وقد تكلمت عليه فى حواشى التحقيق.
٩ - روى ابن الشجرى «متتايع» فى هذا البيت (٣):
أرى ابن نزار قد جفانى وملنى ... على هنوات شأنها متتايع
بالياء التحتية، وشرح التتايع بأنه التهافت فى الشر، وقد ذكرت فى حواشى التحقيق أن الرواية «متتابع» بالباء الموحدة، فى كل ما رجعت إليه من كتب، وهى الكتاب والمقتضب والمنصف، وسرّ صناعة الإعراب، وشرح المفصل، وشرح الملوكى، واللسان، ثم نقلت عن الأعلم أنهما روايتان.
١٠ - روى ابن الشجرى بإسناده إلى بديع الزمان الهمذانى، قصيدة بشر ابن عوانة الأسدى، التى مطلعها (٤):
أفاطم لو شهدت ببطن خبت ... وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا
وقال فى تقدمة القصيدة: «قيل إن أجود شعر قيل فى لقاء الأسد، من الشعر القديم هذه القصيدة».
стр. 109
ويرى الأستاذ الدكتور مصطفى الشّكعة (١) أن بشر بن عوانة الأسدى هذا شخصية وهمية، اخترعها بديع الزمان فى مقاماته، وأجرى على لسانها هذه الأبيات.
وقد سبق إلى هذا التنبيه الأستاذ الزركلى (٢)، ﵀ رحمة واسعة.
١١ - أنشد ابن الشجرى شاهدا على التمدح هذين البيتين (٣):
لحافى لحاف الضيف والبيت بيته ... ولم يلهنى عنه غزال مقنّع
أحادثه إن الحديث من القرى ... وتعلم نفسى أنه سوف يهجع
ونسبهما لعقبة بن مسكين الدارمى، وقد انفرد ابن الشجرى بهذه النسبة، كما ذكر البغدادى (٤)، وأفاد أن البيتين لمسكين الدارمى، وأن الجاحظ والأعلم الشنتمرى نسبا البيتين إلى كعب بن سعد الغنوى، ونسبهما التبريزى إلى عتبة بن بجير.
...
стр. 110
مصادر ابن الشجرى
جاء ابن الشجرى وقد استوى النحو العربى على سوقه أو كاد، فقد فرغ النحاة من وضع الأصول وبسط الفروع، ولم يكد أبو الفتح ابن جنى يضع قلمه المبدع بعد هذه التصانيف الجياد التى نفذ بها إلى أسرار العربية، حتى كان هذا إيذانا ببدء مرحلة جديدة يعكف فيها النحاة على هذا الموروث العظيم الذى آل إليهم: كشفا عن أسراره، ونفاذا إلى دقائقه، وتنبيها على غوامضه، واستدراكا لفائته.
ونعم كان للجيل الذى تلا ابن جنى، ولجيل ابن الشجرى آراء مبتكرة، والعربية فسيحة الأرجاء، متراحبة الأطراف، وقد يفتح الله على الأواخر بما لم يفتح به على الأوائل، ولكن يظل الفرق بين هؤلاء وهؤلاء كما ترى من الفرق بين الجدول الصغير والبحر الزخّار، ولو أتيح لكل مصنّفات الأوائل أن تذيع وتنتشر، لعرفت صدق ما أقول.
وما أريد أن أسلب الأجيال الخالفة حقها، فما إلى هذا قصدت، وما أنا بمستطيعه، ولكنى أريد أن أدل على عظمة الأوائل الذين عرفوا للغتهم حقّها، من دقة النظر وحسن الفقه، وكريم الرعاية، ثم ما كان لنا أن نفقه سرّ العربية ونقف على دقائقها لولا جهود هذه الأجيال اللاحقة التى جمعت الوجوه، ورصدت النظائر، ثم أحسنت التبويب والتأليف.
وابن الشجرى واحد من هذا النفر الكريم الذين أحسنوا النظر فى ذلك الحصاد الطيب الذى سبق به الأوائل، وعكف عليه: شارحا ومفسّرا، ومتعقّبا وناقدا، ومضيفا ومستدركا.
وقد كانت أمالى ابن الشجرى معرضا لآراء أعلام النحاة، على اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم، وقد نقل ابن الشجرى كثيرا عن أعلام النحو واللغة المتقدمين، وتظهر أهمية هذه النقول فيما حكاه عن كتبهم المفقودة، من مثل كتاب «الأوسط» للأخفش سعيد بن مسعدة، و «الواسط» لأبى بكر بن الأنبارى، وبعض كتب أبى على الفارسى، وما إليها، ثم فيما حكاه عن سيبويه والمبرد، مما ليس يوجد فى المطبوع من «الكتاب والمقتضب والكامل».