← Адаб

Адаб · id 120922

أمالي ابن الشجري ت الطناحي

ابن الشجري

Полный текст (1 931 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

وتظهر أهمية شواهد ابن الشجرى أيضا، فيما حكاه عن سيبويه، فقد استدل على حذف المنادى بما أنشده سيبويه من قول الشاعر (١): ألا يا إننى سلم ... لأهلك فاقبلى سلمى وهذا الشاهد لم أجده فى كتاب سيبويه، اعتمادا على ما صنع له من فهارس، ومعروف عند الدارسين «أن بين أصول الكتاب القديمة اختلافا فى عدة الأبيات، وأن بعضها ربما انفرد بشواهد أخلّ بها غيره» (٢). وابن الشجرى نفسه يصرح بأن لكتاب سيبويه أكثر من نسخة (٣). وهذه جملة ملاحظات حول منهج ابن الشجرى فى نسبة الشواهد وروايتها: ١ - روى ابن الشجرى قول أبى تمام (٤): أفى الحقّ أن يمسى بقلبى مأتم ... من الشوق والبلوى وعيناى فى عرس ورواية البيت فى ديوان أبى تمام ٤/ ٢٢٠: أسكن قلبا هائما فيه مأتم ... من الشوق إلا أنّ عينى فى عرس ويا بعد ما بين الروايتين فى مجال الدرس الأدبى. ٢ - وأنشد بيت الفرزدق (٥): ولو بخلت يداى بها وضنّت ... لكان علىّ للقدر الخيار ورواية الديوان ص ٣٦٤: ولو رضيت يداى بها وقرّت ... لكان لها على القدر الخيار ويقال فيه ما قيل فى سابقه.

стр. 107

٣ - نسب ابن الشجرى هذا البيت من الرجز، إلى الشماخ (١): *ربّ ابن عمى لسليمى مشمعل* والصواب أنه لجبار بن جزء، على ما فى ديوان الشماخ ص ٣٨٩، وجزء أخو الشماخ. وهذا البيت أنشده ابن الشجرى مع بيت بعده، من غير نسبة، فى المجلس التاسع والستين. ٤ - أنشد ابن الشجرى فى المجلس الثانى والعشرين، هذين البيتين، ونسبهما إلى تأبط شرا: فإما تعرضنّ أميم عنى ... وينزعك الوشاة أولو النّياط فخور قد لهوت بهنّ عين ... نواعم فى البرود وفى الرّياط ثم أنشدهما فى المجلس الثالث والأربعين، ونسبهما إلى الهذلى من غير تعيين، والبيتان من قصيدة للمتنخل الهذلى، كما فى شرح أشعار الهذليين ص ١٢٦٧. ٥ - نسب ابن الشجرى إلى رؤبة هذين البيتين: والله لولا أن يحشّ الطّبّخ ... بى الجحيم حين لا مستصرخ (٢) ولم يردا فى ديوان رؤبة المطبوع، وهما فى ديوان أبيه العجاج ص ٤٥٩. ٦ - وصنع عكس هذا، حين نسب بيتا للعجاج (٣)، والصواب أنه لرؤبة فى ديوانه ص ١٦، وذلك قوله: *وقد تطوّيت انطواء الحضب* ٧ - ونسب إلى رؤبة (٤):

стр. 108

يا أيها المائح دلوى دونكا ... إنى رأيت الناس يحمدونكا ونسبة البيتين إلى رؤبة خطأ، تبع فيه ابن الشجرى القاضى الجرجانى فى الوساطة ص ٢٧٥، وقد تعقب البغدادىّ (١) ابن الشجرى فى هذه النسبة، ثم عزا البيتين إلى راجز جاهلى من بنى أسيد بن عمرو بن تميم. ٨ - استشهد ابن الشجرى على حذف اللام فى الشعر بقول الأعشى (٢): أبالموت الذى لا بدّ أنى ... ملاق لا أباك تخوّفينى فإن كان ابن الشجرى يريد الأعشى الكبير، ميمون بن قيس، فإنى لم أجد هذا البيت فى ديوانه المطبوع، وقد تكلمت عليه فى حواشى التحقيق. ٩ - روى ابن الشجرى «متتايع» فى هذا البيت (٣): أرى ابن نزار قد جفانى وملنى ... على هنوات شأنها متتايع بالياء التحتية، وشرح التتايع بأنه التهافت فى الشر، وقد ذكرت فى حواشى التحقيق أن الرواية «متتابع» بالباء الموحدة، فى كل ما رجعت إليه من كتب، وهى الكتاب والمقتضب والمنصف، وسرّ صناعة الإعراب، وشرح المفصل، وشرح الملوكى، واللسان، ثم نقلت عن الأعلم أنهما روايتان. ١٠ - روى ابن الشجرى بإسناده إلى بديع الزمان الهمذانى، قصيدة بشر ابن عوانة الأسدى، التى مطلعها (٤): أفاطم لو شهدت ببطن خبت ... وقد لاقى الهزبر أخاك بشرا وقال فى تقدمة القصيدة: «قيل إن أجود شعر قيل فى لقاء الأسد، من الشعر القديم هذه القصيدة».

стр. 109

ويرى الأستاذ الدكتور مصطفى الشّكعة (١) أن بشر بن عوانة الأسدى هذا شخصية وهمية، اخترعها بديع الزمان فى مقاماته، وأجرى على لسانها هذه الأبيات. وقد سبق إلى هذا التنبيه الأستاذ الزركلى (٢)، ﵀ رحمة واسعة. ١١ - أنشد ابن الشجرى شاهدا على التمدح هذين البيتين (٣): لحافى لحاف الضيف والبيت بيته ... ولم يلهنى عنه غزال مقنّع أحادثه إن الحديث من القرى ... وتعلم نفسى أنه سوف يهجع ونسبهما لعقبة بن مسكين الدارمى، وقد انفرد ابن الشجرى بهذه النسبة، كما ذكر البغدادى (٤)، وأفاد أن البيتين لمسكين الدارمى، وأن الجاحظ والأعلم الشنتمرى نسبا البيتين إلى كعب بن سعد الغنوى، ونسبهما التبريزى إلى عتبة بن بجير. ...

стр. 110

مصادر ابن الشجرى جاء ابن الشجرى وقد استوى النحو العربى على سوقه أو كاد، فقد فرغ النحاة من وضع الأصول وبسط الفروع، ولم يكد أبو الفتح ابن جنى يضع قلمه المبدع بعد هذه التصانيف الجياد التى نفذ بها إلى أسرار العربية، حتى كان هذا إيذانا ببدء مرحلة جديدة يعكف فيها النحاة على هذا الموروث العظيم الذى آل إليهم: كشفا عن أسراره، ونفاذا إلى دقائقه، وتنبيها على غوامضه، واستدراكا لفائته. ونعم كان للجيل الذى تلا ابن جنى، ولجيل ابن الشجرى آراء مبتكرة، والعربية فسيحة الأرجاء، متراحبة الأطراف، وقد يفتح الله على الأواخر بما لم يفتح به على الأوائل، ولكن يظل الفرق بين هؤلاء وهؤلاء كما ترى من الفرق بين الجدول الصغير والبحر الزخّار، ولو أتيح لكل مصنّفات الأوائل أن تذيع وتنتشر، لعرفت صدق ما أقول. وما أريد أن أسلب الأجيال الخالفة حقها، فما إلى هذا قصدت، وما أنا بمستطيعه، ولكنى أريد أن أدل على عظمة الأوائل الذين عرفوا للغتهم حقّها، من دقة النظر وحسن الفقه، وكريم الرعاية، ثم ما كان لنا أن نفقه سرّ العربية ونقف على دقائقها لولا جهود هذه الأجيال اللاحقة التى جمعت الوجوه، ورصدت النظائر، ثم أحسنت التبويب والتأليف. وابن الشجرى واحد من هذا النفر الكريم الذين أحسنوا النظر فى ذلك الحصاد الطيب الذى سبق به الأوائل، وعكف عليه: شارحا ومفسّرا، ومتعقّبا وناقدا، ومضيفا ومستدركا. وقد كانت أمالى ابن الشجرى معرضا لآراء أعلام النحاة، على اختلاف مذاهبهم واتجاهاتهم، وقد نقل ابن الشجرى كثيرا عن أعلام النحو واللغة المتقدمين، وتظهر أهمية هذه النقول فيما حكاه عن كتبهم المفقودة، من مثل كتاب «الأوسط» للأخفش سعيد بن مسعدة، و «الواسط» لأبى بكر بن الأنبارى، وبعض كتب أبى على الفارسى، وما إليها، ثم فيما حكاه عن سيبويه والمبرد، مما ليس يوجد فى المطبوع من «الكتاب والمقتضب والكامل».

стр. 111

وليس يعنينى هنا أن أتحدّث عن هؤلاء الأعلام الذين حكى عنهم ابن الشجرى الرأى والرأيين، دون أن يعرض لهذه الآراء بتقوية أو تضعيف، ومن هؤلاء: أبو عمرو بن العلاء، والخليل ويونس وأبو عبيدة معمر بن المثنى، وأبو عبيد القاسم ابن سلام، وأبو زيد والمازنى والجاحظ وابن قتيبة وثعلب وابن السراج وابن دريد وأبو بكر بن الأنبارى وابن درستويه وابن فارس وابن فورجة. وإنما أذكر من هؤلاء الأعلام من أكثر ابن الشجرى من النقل عنهم، والانتصار لهم، والاستدراك عليهم، بما يجلو شخصيته النحوية، ويبرز موقفه من مصنفات الأوائل، وهو موقف ذو ثلاث شعب، كما رأيت، وسنرى من بين هؤلاء الأعلام من أخذ ابن الشجرى عنهم، ولم يصرح، وساق كلامهم كأنه من عند نفسه، وها أنا ذا أذكرهم بحسب وفياتهم: سيبويه-أبو بشر عمرو بن عثمان (١٨٠ هـ) ابن الشجرى موصول النسب النحوى بسيبويه، قال أبو البركات الأنبارى فى ترجمة ابن الشجرى (١): «وعنه أخذت علم العربية، وأخبرنى أنه أخذه عن ابن طباطبا، وأخذه ابن طباطبا عن على بن عيسى الرّبعى، وأخذه الربعى عن أبى على الفارسى، وأخذه أبو على الفارسى عن أبى بكر بن السراج، وأخذه ابن السراج عن أبى العباس المبرد، وأخذه المبرد عن أبى عثمان المازنى وأبى عمر الجرمى، وأخذاه عن أبى الحسن الأخفش، وأخذه الأخفش عن سيبويه وغيره. . . . .». وسيبويه إمام النحاة، وكتابه العظيم قرآن النحو، لا يخلو كتاب نحويّ من الأخذ عنه والنقل منه، وقد استكثر ابن الشجرى من حكاية أقواله والاحتجاج بكلامه، ثم نصب نفسه لشرحه والانتصار له، وتصحيح ما ذهب إليه. وقد تبعه ابن الشجرى فى مسائل كثيرة، تراها على امتداد «الأمالى»، غير أنى رأيته يتابع آراءه دون أن يصرح، فمن ذلك ما ذكره ابن الشجرى (٢) من أن «حسّانا» فى قول الشاعر:

стр. 112

قتلنا منهم كلّ ... فتى أبيض حسّانا منصوب على الوصف لكل، ثم ذكر البغدادى أن ابن الشجرى تبع سيبويه فى ذلك (١). ومن ذلك ما ظهر لى من كلام ابن الشجرى فى تأويل قول الراجز: *أطربا وأنت قنّسرىّ* قال (٢): «خاطب نفسه مستفهما، وهو مثبت، أى قد طربت، ولا يجوز: هل طربا» فقد رأيت مشابه بين هذا الكلام وقول سيبويه (٣): «ومما يدلك على أن ألف الاستفهام ليست بمنزلة هل، أنك تقول للرجل: أطربا؟ وأنت تعلم أنه قد طرب، لتوبخه وتقرره ولا تقول هذا بعد هل». وقد لا يكون ابن الشجرى أخذ هذا الكلام من سيبويه، فإن ذلك مما يعدّ قدرا مشتركا بين الكتب، ولكنه كلام من نظر فى كتاب سيبويه، بلا ريب. وهذه مثل أجتزئ بها مما أورده ابن الشجرى، شرحا لكلام سيبويه واحتجاجا لأقواله، وردّا على من خالفه: ١ - نقل ابن الشجرى (٤) عن سيبويه: «وتقول: ما مررت بأحد يقول ذاك إلا عبد الله، وما رأيت أحدا يفعل ذاك إلا زيدا. هذا وجه الكلام، وإن حملته على الإضمار الذى فى الفعل فقلت: إلا زيد، فرفعت، فعربى، قال الشاعر: فى ليلة لا نرى بها أحدا ... يحكى علينا إلا كواكبها وكذلك: ما أظن أحدا يقول ذاك إلا زيدا، وإن رفعت فجائز حسن، وإنما اختير النصب هاهنا، لأنهم أرادوا أن يجعلوا المستثنى بمنزلة المبدل منه، ولا يكون

стр. 113

بدلا إلا من منفى، لأن المبدل منه منصوب منفى، ومضمره مرفوع، فأرادوا أن يجعلوا المستثنى بدلا من «أحد»، لأنه هو المنفى، وجعلوا «يقول ذاك» وصفا للمنفى، وقد تكلموا بالآخر، لأن معناه معنى المنفى، إذ كان وصفا لمنفى. انتهى كلامه. قال ابن الشجرى: «ومعنى قوله: «تكلموا بالآخر» أى تكلموا بالرفع فى المستثنى» ثم استطرد فى شرح هذه المسألة. ٢ - تكلم سيبويه على حذف الفعل مع «أمّا» من قولهم: «أما أنت منطلقا انطلقت معك»، قال: فإنما هى «أن» ضمت إليها «ما» وهى ما التوكيد، ولزمت «ما» كراهية أن يجحفوا بها لتكون عوضا من ذهاب الفعل، كما كانت الهاء والألف عوضا من ياء الزنادقة واليمانى». ويتناول ابن الشجرى هذا الكلام الموجز بالشرح والبسط (١). ٣ - رجّح ابن الشجرى (٢) مذهب سيبويه على مذهب الأخفش، فى كون «أنّ» تسدّ مسدّ مفعولين، فى باب ظن وأخواتها. ٤ - حكى ابن الشجرى (٣) مذهب سيبويه فى أن «ما» المصدرية لا تحتاج إلى عائد، وذكر أن أبا الحسن الأخفش كان يخالفه فى ذلك، ويضمر لها عائدا، فهى على قوله اسم، وعلى قول سيبويه حرف. وقد أبطل ابن الشجرى مذهب الأخفش بقوله: «ومما يبطل قول الأخفش أننا نقول: عجبت مما ضحكت، ومما نام زيد، فنجد «ضحك ونام» خاليين من ضمير عائد على «ما» ظاهر ومقدر، ونجد أبدا عائدا إلى «ما» الخبرية، ظاهرا فى نحو: عجبت مما أخذته، ومما جلبه زيد، ومقدرا فى نحو ﴿فَكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ﴾ فإن احتج للأخفش بأن الفعل الذى لا يتعدى إلى مفعول به يتعدى إلى مصدره، كما يتعدى الفعل المتعدى إلى المفعول به إلى مصدره، والفعل إذا ذكر دل بلفظه على مصدره، فنقدر إذن ضميرا يعود على الضحك، فى قولنا: عجبت مما ضحكت،

стр. 114

وضميرا يعود على النوم، فى قولنا: عجبت مما نام زيد، ويجوز أن نبرز هذا الضمير فنقول: عجبت مما ضحكته، ومما نامه زيد، فهذا قد أفسده النحويون بقول الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ فى قراءة من ضم ياءه وشدّد ذاله، وقالوا: لا يخلو الضمير المحذوف من قوله ﴿يَكْذِبُونَ﴾ أن يعود على القرآن، أو على النبى، أو على المصدر الذى هو التكذيب، فإن أعدناه إلى القرآن أو النبى، فقد استحقوا بذلك العذاب، وإن أعدناه إلى التكذيب لم يستحقوا العذاب، لأنهم إذا كذبوا التكذيب بالقرآن وبالنبى كانوا بذلك مؤمنين، فكيف يكون لهم عذاب أليم بتكذيب التكذيب»؟. وقد تعقب ابن هشام ابن الشجرى فيما حكاه من إفساد قول الأخفش، قال (١): «وقال ابن الشجرى: أفسد النحويون تقدير الأخفش بقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ﴾ فقالوا: إن كان الضمير المحذوف للنبى ﵇ أو للقرآن، صحّ المعنى وخلت الصلة عن عائد، أو للتكذيب فسد المعنى، لأنهم إذا كذّبوا التكذيب بالقرآن أو النبى كانوا مؤمنين اه وهذا سهو منه ومنهم، لأن كذبوا ليس واقعا على التكذيب، بل مؤكد به، لأنه مفعول مطلق، لا مفعول به، والمفعول به محذوف أيضا، أى بما كانوا يكذبون النبى أو القرآن تكذيبا، ونظيره: ﴿وَكَذَّبُوا بِآياتِنا كِذّاباً﴾. وقد انتصر ابن الشجرى لسيبويه فى المسألة الزنبوريّة الشهيرة التى جرت بينه وبين الكسائى، ثم انتصر له أيضا فى مواضع أخرى من الأمالى (٢). وكما نسب ابن الشجرى إلى سيبويه إنشاد شاهد من الشواهد، لم أجده فى المطبوع من الكتاب-ورجعت هذا إلى اختلاف نسخ كتاب سيبويه-كذلك حكى عنه أقوالا لم أجدها فى الكتاب، فمن ذلك: ما حكاه فى معنى «أو»، قال (٣): واختلفوا فى قوله: ﴿وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ فقال بعض

стр. 115

الكوفيين: «أو» بمعنى الواو، وقال آخرون منهم: المعنى بل يزيدون، وهذا القول ليس بشىء عند البصريين، وللبصريين فى «أو» هذه ثلاثة أقوال: أحدها قول سيبويه، وهو أن «أو» هاهنا للتخيير، والمعنى أنه إذا رآهم الرائى يخيّر فى أن يقول: هم مائة ألف، وأن يقول: أو يزيدون». وقد فتّشت فى كتاب سيبويه، فلم أجد فيه شيئا مما حكاه عنه ابن الشجرى، ثم رأيت ابن هشام يشكك فى هذا الذى حكاه ابن الشجرى، قال بعد ذكر هذا الوجه (١): «نقله ابن الشجرى عن سيبويه، وفى ثبوته عنه نظر، ولا يصح التخيير بين شيئين الواقع أحدهما». الكسائى-على بن حمزة (١٨٩ هـ) اختار ابن الشجرى ما ذهب إليه الكسائى فى تقدير المحذوف من قوله تعالى: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾. قال (٢): «التقدير: لا تجزى فيه، كما قال: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ﴾. . . واختلف النحويون فى هذا الحرف، فقال الكسائى: لا يجوز أن يكون المحذوف إلا الهاء، أراد أن الجارّ حذف أولا، ثم حذف العائد ثانيا. وقال نحويّ آخر: لا يجوز أن يكون المحذوف إلا «فيه». وقال أكثر أهل العربية، منهم سيبويه والأخفش: يجوز الأمران. والأقيس عندى أن يكون حرف الظرف حذف أولا، فجعل الظرف مفعولا به على السعة». وهذا القول الذى جعله ابن الشجرى هو الأقيس عنده، هو رأى الكسائى السابق. وقد نصّ ابن هشام (٣) على أن ابن الشجرى نقله عن الكسائى.

стр. 116

وقوّى ابن الشجرى رأى الكسائى فى حذف الفاعل، فى باب إعمال الفعلين (١). وإلى جانب هذا ضعّف ابن الشجرى ما ذهب إليه الكسائى فى توجيه التأنيث من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاّ أَنْ قالُوا﴾ وقد تكلمت عليه فى الفقرة الرابعة من آراء ابن الشجرى النحوية. ثم ضعّف رأيه فى المسألة الزّنبوريّة الشهيرة، وأشرت إليها قريبا فى حديث سيبويه. قطرب-محمد بن المستنير (٢٠٦ هـ) حكى عنه ابن الشجرى (٢) مجىء «لعلّ» بمعنى «لام كى». ثم تعقبه فيما حكاه من مجىء «إن» بمعنى «قد» قال (٣): «وقد حكى قطرب أن «إن» قد جاءت بمعنى «قد»، وهو من الأقوال التى لا ينبغى أن يعرّج عليها». الفرّاء-يحيى بن زياد (٢٠٧ هـ) نقل عنه ابن الشجرى رأيه فى أن «غدوة» معرفة بغير دخول الألف واللام (٤). وحكى عنه تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ بمعنى لا تنصرف عيناك عنهم (٥).

стр. 117

وقد تعقّبه ابن الشجرى فى تفسيره لقوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ فقال بعد أن حكى تأويل الزجاج والفارسى (١): «وقال الفراء: فقد كرهتموه فلا تفعلوه، يريد: فقد كرهتم أكل لحمه ميتا فلا تغتابوه، فإن هذا كهذا، فلم يفصح بحقيقة المعنى». وتعقّبه أيضا فى إعرابه «خيرا» من قوله تعالى: ﴿اِنْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ﴾ فقال (٢): «والثانى أن «خيرا» صفة مصدر محذوف، تقديره: انتهوا انتهاء خيرا لكم، وهو قول الفراء، وهذا القول ليس فيه زيادة فائدة على ما دلّ عليه «انتهوا» لأن «انتهوا» يدل على الانتهاء بلفظه، فيفيد ما يفيده الانتهاء». وقد ذكرت فى تحقيقى أن الفراء لم يقل هذا الرأى صراحة، ولكنّ محقّق كتابه «معانى القرآن» قد أوّل كلامه تأويلا ينتهى إلى ما ذكره عنه ابن الشجرى، وذكرت أيضا أن الأخفش الصغير سبق ابن الشجرى فى هذا التعقب (٣). هذا وقد ساق ابن الشجرى بعض الآراء، غير معزوّة، وظهر لى بالتتبّع والمراجعة أنها من كلام الفراء، فمن ذلك: ١ - أنشد ابن الشجرى شاهدا على الإضمار لغير مذكور قول القطامىّ (٤): هم الملوك وأبناء الملوك لهم ... والآخذون به والسّاسة الأول قال: أراد الآخذون بالملك. وقد ذكر البغدادى أن ابن الشجرى أخذ هذا من الفراء، ولم يعزه إليه (٥). ٢ - حكى ابن الشجرى ثلاثة أقوال، فى ضم الضاد وتشديد الراء ورفعها،

стр. 118

من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً﴾ وقال فى الوجه الثالث (١): «أن يكون ضم الراء إتباعا لضمة الضاد، كقولك: لم يردّكم، والأصل: يضرركم ويرددكم، فألقيت ضمة المثل الأول على الساكن قبله، وحرك الثانى بالضم إتباعا للضمة قبله، فلما حرك الثانى وقد سكن الأول وجب الإدغام. وتحريك الثانى فى هذا النحو بالفتح هو الوجه، لخفة الفتحة مع التضعيف، وبه قرأ فى هذا الحرف المفضل الضبى، عن عاصم بن أبى النّجود». ووجه الفتح هذا هو اختيار الفراء، كما فى معانى القرآن ١/ ٢٣٢. ٣ - أشار ابن الشجرى إلى ما قيل فى اتصال قوله تعالى: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾ بما قبله وبما بعده، ثم قال (٢): «وأوجه ما قيل فيه أن موضع الكاف رفع خبر مبتدأ محذوف. . . . أى اقبلوا ما أمركم الله ورسوله به فى الغنائم وغيرها، ثم قال: ﴿كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ﴾ والتقدير: كراهيتهم لما فعلت فى الغنائم كإخراجك من بيتك على كره منهم، ودل على ذلك قوله: ﴿وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ﴾. وهذا الوجه الذى اختاره ابن الشجرى هو من تقدير الفرّاء، وذكره فى معانى القرآن ١/ ٤٠٣، وحكاه ابن الشجرى بألفاظه فى المجلس الحادى والثمانين، ونسبه أبو جعفر الطبرى إلى بعض نحويّى الكوفة (٣). ٤ - تكلّم ابن الشجرى على دخول «إلا» فى قول ابن أحمر: «أبت عيناك إلا أن تلجّا»، فقال (٤): «دخلت «إلا» هاهنا موجبة للنفى الذى تضمنه هذا الفعل، ألا ترى أنك إذا قلت: أبى زيد أن يقوم، فقد نفيت قيامه، فإذا قلت: أبى إلا أن يقوم، فقد أوجبت بإلاّ قيامه، لأن المعنى: لم يرد إلا أن يقوم. وفى التنزيل: ﴿وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ﴾ أى لا يريد الله إلا إتمام نوره».

стр. 119

وكلام ابن الشجرى هذا منتزع من كلام الفراء، فى معانى القرآن ١/ ٤٣٣، مع اختلاف العبارة، ومع وضع المصطلح البصرى موضع المصطلح الكوفى، وأعنى كلمة «النفى» عند ابن الشجرى مكان «الجحد» عند الفراء. ٥ - استشهد ابن الشجرى على جواز مجىء الحال من المضاف إليه إذا كان المضاف ملتبسا به، بقوله تعالى: ﴿فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ﴾، قال (١): «أخبر بخاضعين عن المضاف إليه، ولو أخبر عن المضاف لقال: «خاضعة، أو خضّعا أو خواضع، وإنما حسن ذلك، لأن خضوع أصحاب الأعناق بخضوع أعناقهم». وهذا الذى استحسنه ابن الشجرى هو اختيار الفراء، فى معانى القرآن ٢/ ٢٧٧. ٦ - أورد ابن الشجرى (٢) أقوالا كثيرة فى تقدير جواب القسم المحذوف لقوله تعالى: ﴿ص. وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ﴾، وذكر من هذه الأقوال أن الجواب قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النّارِ﴾، وعلّق على هذا التقدير فقال: «وهذا قول ضعيف جدا، لبعد ما بينه وبين القسم، ولأن الإشارة بقوله: ﴿ذلِكَ﴾ متوجهة إلى ما يكون من التلاوم والتخاصم بين أهل النار يوم القيامة، وذكر تلاومهم متأخر عن القسم». وقد سبق الفرّاء إلى تضعيف هذا التقدير، فقال (٣): «وذلك كلام قد تأخّر تأخّرا كثيرا عن قوله: ﴿وَالْقُرْآنِ﴾، وجرت بينهما قصص مختلفة، فلا نجد ذلك مستقيما فى العربية». ٧ - ذكر ابن الشجرى فى إعراب ﴿فِئَتَيْنِ﴾ من قوله تعالى: ﴿فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾ قال (٤): «انتصاب فئتين على الحال، لأن المعنى: ما لكم

стр. 120

منقسمين فى شأنهم فرقتين، فرقة تمدحهم وفرقة تذمّهم. وحقيقة القول عندى أن ﴿فِئَتَيْنِ﴾ فى معنى مختلفين، فحرف الجر الذى هو «فى» متعلق بهذا المعنى، أى ما لكم مختلفين فى أمرهم، فانتصابه كانتصاب ﴿مُعْرِضِينَ﴾ فى قوله: ﴿فَما لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾. وتفسير ﴿فِئَتَيْنِ﴾ بمختلفين، هو من قول الفراء (١)، ولابن الشجرى فضل التنظير بالآية الأخرى. هذه مآخذ ابن الشجرى من الفراء، وقد لا يكون صاحبنا أخذ هذه الآراء نصّا، ولكنه كلام من نظر فى كتاب الفراء، كما قلت من قبل فى مآخذ ابن الشجرى من سيبويه. الأخفش الأوسط-سعيد بن مسعدة (٢١٥ هـ) نقل ابن الشجرى عنه فى مواضع من «الأمالى»، وبخاصة من كتابه (٢) «الأوسط»، وهو من الكتب المفقودة حتى الآن. وقد ضعّف ابن الشجرى بعض آراء الأخفش التى خالف فيها سيبويه، وذكرت هذا فى حديثى عن سيبويه. هذا وقد وجدت بعض آراء أوردها ابن الشجرى غير معزوّة، ورأيت بالتتبّع نسبتها إلى الأخفش، فمن ذلك: استشهد ابن الشجرى على تقديم المعطوف على المعطوف عليه، بقول الشاعر (٣): ألا يا نخلة من ذات عرق ... عليك ورحمة الله السّلام

стр. 121

وتقديره عنده: عليك السلام ورحمة الله. وقد أفاد البغدادى (١) أن هذا من تقدير الأخفش. ومنه أيضا أن ابن الشجرى (٢) ذكر من شواهد حذف الجملة. قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ثم قال: أى وقيل لى: ﴿وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وهذا تأويل الأخفش، كما ذكر ابن الجوزى (٣)، والذى ذكره ابن الشجرى أخذه من الشريف المرتضى (٤). هذا وقد نسب ابن الشجرىّ إلى الأخفش رأيين متعارضين فى وقوع جملة الماضى حالا. ونبهت عليه فى حواشى التحقيق (٥). الأصمعى-عبد الملك بن قريب (٢١٦ هـ) نقل عنه ابن الشجرى تفسيره لقول لبيد (٦): حتى تهجّر فى الرواح وهاجها ... طلب المعقّب حقّه المظلوم وقوّى رأيه فى أن «إن» للشرط فى قول الشاعر (٧): سقته الرّواعد من صيّف ... وإن من خريف فلن يعدما وأن المعنى: وإن سقته من خريف فلن يعدم الرىّ. ثم حكى عن سيبويه قوله: أراد: وإمّا من خريف، وحذف «ما» لضرورة الشعر، وإنما يصف وعلا. قال ابن الشجرى: وقول الأصمعى قوىّ من وجهين، أحدهما أن «إما» لا تستعمل إلا مكررة، أو يكون معها ما يقوم مقام التكرير، كقولك: إما أن نتحدث بالصدق وإلا فاسكت، وإما أن تزورنى أو أزورك، وهذا معدوم فى البيت.

стр. 122

والثانى أن مجىء الفاء فى قوله: «فلن يعدما» يدل على أن «إن» الشرطية، لأن الشرطية تجاب بالفاء، وإمّا لا تقتضى وقوع الفاء بعدها، ولا يجوز ذلك فيها، تقول: إما تزورنى وإما أزورك، ولا يجوز: وإما فأزورك، فبهذين كان قول الأصمعىّ عندى أصوب القولين». وقوّى رأيه أيضا فيما ذهب إليه من نصب «رئمان» وإنكار رفعه فى قول الشاعر: أم كيف ينفع ما تعطى العلوق به ... رئمان إذا ما ضنّ باللبن وقد عرضت لهذا فى الفقرة الأولى من آراء ابن الشجرى الإعرابية. الجرمىّ-صالح بن إسحاق (٢٢٥ هـ) حكى ابن الشجرى رأيه فى إعراب «دخلت البيت» قال (١): فمذهب سيبويه أن البيت ينتصب بتقدير حذف الخافض-أى دخلت إلى البيت-وخالفه فى ذلك أبو عمر الجرمى، فزعم أن البيت مفعول به، مثله فى قولك: بنيت البيت. وتعقّبه فى وزن «كلتا» قال (٢): وذهب الجرمىّ إلى أن وزن كلتا: فعتل، وأن التاء على تأنيثها، ويشهد بفساد هذا القول ثلاثة أشياء، أحدها: سكون ما قبلها، والثانى: أن تاء التأنيث لا تزاد حشوا، والثالث: أن مثال فعتل معدوم فى العربية. وكان ابن الشجرى قد حكى مذهب سيبويه، قال: وذهب سيبويه فى «كلتا» إلى أنها فعلى، كذكرى، وأصلها: كلوى، فحذفوا واوها، وعوّضوا منها التاء، كما فعلوا فى بنت وأخت وهنت.

стр. 123

ابن السّكّيت-يعقوب بن إسحاق (٢٤٤ هـ) نقل عنه ابن الشجرى فى غير مجلس، كثيرا من شروحه اللغوية، ورجّح رأيه فى اشتقاق «القيل». قال (١): فأما قولهم للملك الذى دون الملك الأعظم: قيل، فقال فيه ابن السكيت: القيل: الملك من ملوك حمير، وجمعه أقيال وأقوال، فمن قال: أقيال، بناه على لفظ قيل، ومن قال: أقوال، جمعه على الأصل، وأصله من ذوات الواو، وكان أصله قيّل، فخفف، مثل سيّد، من ساد يسود. ثم ذكر ابن الشجرى الرأى الآخر، فى اشتقاق «قيل»، وهو أن أصله من اليائى، وقال: إنّ قول ابن السكيت غير بعيد، فيجوز أن يكون أصله فيعل، من القول، فلما خففوه، حمله من قال فى جمعه: أقيال، على لفظه، وحمله من قال: أقوال، على أصله، كما قالوا من الشّوب: مشوب ومشيب. المبرّد-محمد بن يزيد (٢٨٥ هـ) ابن الشجرىّ موصول النسب (٢) النحوى بأبى العباس المبرّد، وقد نقل ابن الشجرى آراءه، مستشهدا وشارحا وناقدا. وحكاية ابن الشجرى لأقوال المبرد كثيرة فى «الأمالى»، ولا سبيل إلى إيرادها كلّها، والذى يعنينى ذكر المواضع التى تعقّب فيها ابن الشجرى أبا العباس المبرد، وهذه مثل منها: ١ - فى حديث ابن الشجرى عن «أما»، قال (٣): «واعلم أن «أما» لما نزلت منزلة الفعل نصبت، ولكنها لم تنصب المفعول به لضعفها، وإنما نصبت الظرف الصحيح، كقولك: أما اليوم فإنى منطلق، وأما عندك فإنى جالس، وتعلق

стр. 124

بها حرف الظرف، فى نحو قولك: أما فى الدار فزيد نائم، وإنما لم يجز أن يعمل ما بعد الظرف فى الظرف، لأن ما بعد «إنّ» لا يعمل فيما قبلها، وعلى ذلك يحمل قول أبى على: «أمّا على أثر ذلك فإنى جمعت»، ومثله قولك: أما فى زيد فإنى رغبت، ففى متعلقة بأما نفسها فى قول سيبويه وجميع النحويين، إلا أبا العباس المبرد، فإنه زعم أن الجار متعلق برغبت، وهو قول مباين للصحة، خارق للإجماع، لما ذكرته لك من أن «إن» تقطع ما بعدها عن العمل فيما قبلها، فلذلك أجازوا: زيدا جعفر ضارب، ولم يجيزوا: زيدا إنّ جعفرا ضارب، فإن قلت: أما زيدا فإنى ضارب، فهذه المسألة فاسدة فى قول جميع النحويين، لما ذكرته لك من أن «أما» لا تنصب المفعول الصريح، وأن «إن» لا يعمل ما بعدها فيما قبلها، وهو فى مذهب أبى العباس جائز، وفساده واضح». هذا وقد أفاد السيوطى (١) أن المبرد قد رجع عن رأيه هذا. ٢ - حكى ابن الشجرى (٢) تضعيف أبى على الفارسى لما ذهب إليه المبرد من أن قوله تعالى: ﴿أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقاتِلُوكُمْ أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾ دعاء عليهم، على طريقة ﴿قاتَلَهُمُ اللهُ﴾ و ﴿قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ﴾ قال ابن الشجرى: ودفع ذلك أبو على وغيره بقوله تعالى: ﴿أَوْ يُقاتِلُوا قَوْمَهُمْ﴾، قالوا: لا يجوز أن ندعو عليهم بأن تحصر صدورهم عن قتالهم لقومهم، بل نقول: اللهم ألق بأسهم بينهم. ٣ - حكى ابن الشجرى (٣) أقوال العلماء فى تأويل وإعراب قوله تعالى: ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾، ثم قال: وقال أبو العباس محمد بن يزيد: «يدعو فى موضع الحال، والمعنى: ذلك هو الضلال البعيد فى حال دعائه إياه، وقوله: ﴿لَمَنْ﴾، مستأنف مرفوع بالابتداء، وقوله: ﴿ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ صلته، و ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلى﴾ خبره».

стр. 125

قال ابن الشجرى: وهذا الذى قاله يستقيم لو كان فى موضع ﴿يَدْعُوا﴾ يدعى، فيكون تقديره: ذلك هو الضلال البعيد مدعوّا، فيكون حالا من الضلال، فمجيئه بصيغة فعل الفاعل، وليس فيه ضمير عائد على المدعوّ، يبعده عن الصواب. هذا وقد نسب ابن الشجرى إلى المبرد ما لم يقل به، حين حكى اختلاف النحويين فى إعراب ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿تُجاهِدُونَ﴾ من قوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ. تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ قال (١): «فذهب أبو العباس المبرد إلى أن قوله: ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ و ﴿تُجاهِدُونَ﴾ معناه آمنوا وجاهدوا. . . وقال غير أبى العباس: تؤمنون وتجاهدون، عطف بيان على ما قبله. وقد ظهر لى أن المبرد لم يذهب هذا المذهب، إنما جعل «تؤمنون» بيانا للتجارة، وهو الوجه الذى عزاه ابن الشجرى لغير المبرد، وظهر لى أيضا أن نسبة الوجه الأول إلى المبرد، قديمة، فقد نسبه إليه أبو جعفر النحاس (٢). ثم رأيت ابن الشجرى ينقل كلاما عن المبرد، لم أجده فى كتابيه المقتضب والكامل. قال ابن الشجرى فى أوجه النداء (٣): «وقال أبو العباس المبرد: من قال: يا بؤسا لزيد، جعل النداء بمعنى الدعاء على المذكور، وكذلك قول سعد بن مالك بن ضبيعة: يا بؤس للحرب التى ... وضعت أراهط فاستراحوا كأنه دعا على الحرب، وأراد يا بؤس الحرب، فزاد اللام». ولم أجد من هذا الكلام كله عند المبرد إلا قوله: «أراد يا بؤس الحرب، فأقحم اللام توكيدا، لأنها توجب الإضافة». وهذا وجدته فى الكامل ٣/ ٢١٧، وقد ذكره ابن الشجرى فى المجلس الرابع والخمسين.

стр. 126

وقد وجدت ابن الشجرى يغير على كلام المبرد، دون عزو إليه، فقد قال فى المجلس الأول: «حذف الضمير العائد من الصلة أقيس من حذف العائد من الصفة، لأن الصلة تلزم الموصول، ولا تلزم الصفة الموصوف، فتنزل الموصول والصلة منزلة اسم واحد، فحسن الحذف لما جرت أربعة أشياء مجرى شيء واحد، وهى الموصول والفعل والفاعل والمفعول». فهذا من كلام المبرد فى المقتضب ١/ ١٩، وقد أعاده ابن الشجرى فى المجلس الأربعين. ومن ذلك أيضا ما ذكره ابن الشجرى من شواهد حذف خبر «إن» فى قول الأخطل: سوى أن حيّا من قريش تفضّلوا ... على الناس أو أن الأكارم نهشلا آل ابن الشجرى (١): «أراد: أو أن الأكارم نهشلا تفضّلوا على الناس، والبيت آخر القصيدة». وهذه الجملة الأخيرة من كلام المبرد فى المقتضب أيضا ٤/ ١٣١. ابن كيسان-محمد بن أحمد (٢٩٩ هـ) ردّ عليه ابن الشجرى ما أجازه من تقديم حال المجرور عليه، فقال (٢): «وأما ما تعلق به ابن كيسان من قوله تعالى: ﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ كَافَّةً لِلنّاسِ﴾ فإن ﴿كَافَّةً﴾ ليس بحال من ﴿لِلنّاسِ﴾ كما توهّم، وإنما هو على ما قاله أبو إسحاق الزجاج حال من الكاف فى ﴿أَرْسَلْناكَ﴾ والمراد كافّا، وإنما دخلته الهاء للمبالغة، كدخولها فى علاّمة ونسّابة وراوية، أى أرسلناك لتكفّ الناس عن الشّرك وارتكاب الكبائر».

стр. 127

وقد روى عنه ابن الشجرى حكاية طريفة، تدل على فضله، ونبالته، قال (١): «روى عن أبى الحسن بن كيسان أنه قال: حضرت مجلس إسماعيل القاضى، وحضر أبو العباس المبرد، فقال لى أبو العباس: ما معنى قول سيبويه: «هذا باب ما يعمل فيه ما قبله وما بعده»! قال: فقلت: هذا باب ذكر فيه سيبويه مسائل مجموعة، منها ما يعمل فيه ما قبله، نحو قولهم: أنت الرجل دينا، نصبوه على الحال، أى أنت الرجل المستحقّ الرجولية فى حال دين، ومنها ما يعمل فيه ما بعده، نحو قولهم: أما زيدا فأنا ضارب، فالعامل فى «زيد» هاهنا «ضارب»، لأن «أما» لا تعمل فى صريح المفعول، ولم يرد سيبويه بقوله هذا أن شيئا واحدا يعمل فيه ما قبله وما بعده، هذا لا يكون. فقال لى أبو العباس: هذا لا يوصل إليه إلا بعد فكر طويل، ولا يفهمه إلا من أتعب نفسه. فقلت له: منك سمعت هذا، وأنت فسّرته لى، فقال: إنى من كثرة فضولى فى جهد. الزّجّاج-إبراهيم بن السّرىّ (٣١١ هـ) حكى عنه ابن الشجرى كثيرا من آرائه (٢)، وبخاصة فى إعراب القرآن الكريم، وكتاب الزجاج فيه من الأصول التى اعتمد عليها المعربون واللغويون والمفسّرون. ثمّ رأيت ابن الشجرى يورد كلامه من غير تصريح بنسبته إليه، جاء ذلك فى تفسير قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ﴾ (٣). وقد رجح ابن الشجرى رأى الزّجّاج على رأى أبى على الفارسىّ، فى إعراب ﴿هَنِيئاً﴾ من قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً﴾، فأبو على يرى أن ﴿هَنِيئاً﴾ حال وقعت موقع الفعل، بدلا من اللفظ به، كما وقع المصدر فى قولهم: سقيا له ورعيا، بدلا من اللفظ بسقاه الله ورعاه الله، والزجاج يذهب إلى أن ﴿هَنِيئاً﴾ وقع وهو صفة فى موضع المصدر.

стр. 128

قال ابن الشجرى (١): «وقول الزّجّاج أقيس من قول أبى على، لأنه نصب ﴿هَنِيئاً﴾ نصب المصدر، والمصدر قد استعملته العرب بدلا من الفعل، فى نحو: سقيا له ورعيا، وجاء ﴿هَنِيئاً﴾ على قول الزجاج مفردا بعد لفظ الجمع فى قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاِشْرَبُوا هَنِيئاً﴾ لأنه وقع موقع المصدر، والمصدر يقع مفردا فى موضع التثنية وفى موضع الجمع، كقولك: ضربتهما ضربا، وقتلتهم قتلا، لأنه اسم جنس، بمنزلة العسل والبرّ والزيت، فلا يصح تثنيته وجمعه، إلا أن يتنوع». وقد تعقب ابن الشجرى الزجاج، وأفسد ما ذهب إليه فى تأويل قوله تعالى: ﴿يَدْعُوا لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾، وذلك أن ابن الشجرى حكى أقوال العلماء فى توجيه الآية الكريمة، ثم قال (٢): «قال الزجاج: ومثل (يدعو) قول عنترة: يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر فى لبان الأدهم أى يقولون: يا عنتر، وهذا القول فى تقدير الزجاج فاسد المعنى، وإنما كان يصح لو كانت اللام لام الجر، فقيل: يقول لمن ضره أقرب من نفعه هو مولاى، وفى التقدير الآخر يصح لو كان تقدير يدعو: يزعم، وهذا غير معروف، وذلك أن الزعم يتعدى إلى مفعولين، ويجوز تعليقه عنهما باللام المفتوحة، كقولك: زعمت لزيد منطلق، والمعنى فى تقدير الزجاج بعيد من الصواب، لأن المعنى فى تقديره: يقول عابد الوثن: من ضرّه أقرب من نفعه هو مولاى، لا فرق فى المعنى بين إدخال اللام وإسقاطها، وكيف يقر عابد الوثن أن ضر الوثن أقرب إليه من نفعه، وهو يعبده ويزعم أنه مولاه؟ ولم يكن عبّاد الأوثان يزعمون أن عبادتها تضرهم، بل كانوا يقولون إنها تقربهم إلى الله، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ ما نَعْبُدُهُمْ إِلاّ لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللهِ﴾ أى يقولون ما نعبدهم. السّيرافىّ-أبو سعيد الحسن بن عبد الله (٣٦٨ هـ) نقل عنه ابن الشجرى نقلا عزيزا، لا تكاد تظفر به فى كتاب من كتب

стр. 129

النحو، وذلك أن أبا القاسم الآمدىّ صاحب «الموازنة» استشكل شيئا من معانى «قد» ذكره المبرد فى «المقتضب» فكتب يستفتى أبا سعيد السّيرافىّ. قال ابن الشجرى (١): «وروى عن أبى أحمد عبد السلام بن الحسين البصرى، أنه قال: كتب إلىّ شيخنا أبو القاسم الحسن بن بشر بن يحيى الآمدى، رقعة نسختها: أريد-قدّمت قبلك-أن تسأل القاضى أبا سعيد، أدام الله عزّه، عما أنا ذاكره فى هذه الرقعة، وتتطوّل بتعريفى ما يكون فى الجواب. . . .» ثم ذكر ابن الشجرى صورة السؤال والجواب. وحكى عنه ما اعترض به المبرد، فى تكرير «لا» (٢). وقد تعقب ابن الشجرى أبا سعيد السّيرافى، فى بعض ما ذهب إليه من آراء، قال فى ترخيم «طيلسان» مسمّى به (٣): «وأجاز أبو سعيد السّيرافى «ياطيلس» بكسر اللام، على لغة من ضم آخر المرخّم، وإن لم يكن فى الصحيح اسم على فيعل. قال: كما جاز: يا منص، فجىء به على مفع، وليس مثله فى الكلام». قال ابن الشجرى: وهذا تشبيه فاسد، لأنه شبّه مثالا تامّا بمثال ناقص محذوف اللام، وإنما يشبه التام بالتام، كتشبيه طيلس بحيدر». وردّ عليه ما أورده فى شرح كتاب سيبويه، من تفسير لعبارة «أكلونى البراغيث» فى كلام طويل، أورده فى المجلسين: العشرين، والحادى والستين. ونسبه إلى السّهو فيما عرض له من الكلام على قول الشاعر: *يا صاح يا ذا الضامر العنس* وقول عبيد: يا ذا المخوفنا بمقتل شيخه ... حجر تمنى صاحب الأحلام

стр. 130

فقال (١): «قال السّيرافى: ذا فى البيتين للإشارة، وما بعدهما نعت لهما، وهو رفع وإن كان مضافا، لأن الأصل فيه غير الإضافة. أما البيت الأول فتقديره: يا ذا الضامر عنسه، كما تقول: أيها الضامر عنسه، والبيت الثانى تقديره: يا ذا المخوف لنا، كما تقول: أيها المخوف لنا». قال ابن الشجرى: قول أبى سعيد إن الضامر مضاف إلى العنس، صحيح، لأن الضامر غير متعدّ، والاسم الذى بعده فيه ألف ولام، وقوله: إن المخوف مضاف إلى ما بعده، سهو، لأن المخوف متعد، وليس بعده اسم فيه ألف ولام، وأنت لا تقول: المخوف زيد، فالضمير فى قوله: المخوفنا، منصوب لا مجرور. الفارسىّ-أبو على الحسن بن أحمد (٣٧٧ هـ) وأبو على ركن من العلم باذخ، وقد أوى إليه ابن الشجرى كثيرا فى «أماليه»، وطوّف به: مستشهدا وشارحا وناقدا. وابن الشجرى موصول النسب النحوى بأبى (٢) على، ويبدو إجلاله له واحتفاله بمصنفاته فى هذا الحشد الهائل من النقول التى حكاها عنه ابن الشجرى، وملأ بها كتابه، ثم فى تصدّيه لشراحه، وردّه كتبه بعضها إلى بعض، وأظن ظنا أن قدرا كبيرا من الآراء التى ساقها ابن الشجرى غير معزوة، إنما ترجع إلى مصنفات أبى على (٣)، فقد رأيت ابن الشجرى كثير الإعظام له والتعويل عليه، ثم ظهر لى فى تحقيق الجزء الأول من الأمالى ثمانية مواضع، أورد فيها ابن الشجرى آراء لأبى على، لم يعزها إليه، وساقها كأنها من عند نفسه (٤)، ولا سبيل إلى ذكر كل المواضع التى

стр. 131

أفاد فيها ابن الشجرى من أبى على، فهى إلى الكثرة ما هى. وحسبى أن أذكر أمثلة من شرح ابن الشجرى له، واستدراكه عليه، ومخالفته عن آرائه: ١ - حكى ابن الشجرى عن أبى على قوله فى باب تخفيف الهمزة: «ولا تخفّف الهمزة إلا فى موضع يجوز أن يقع فيه ساكن غير مدغم، إلا أن يكون الساكن الذى بعده الهمزة المخففة الألف، نحو هباءة». قال ابن الشجرى (١): قلت: «قد ألغز فى كلامه هذا، وما وجدت لأحد من مفسّرى (٢) كتابه الذى وسمه بالإيضاح، تفسير هذا الكلام. . . .» ثم أورد كلاما طويلا فى شرح قول أبى على المذكور. ٢ - نقل ابن الشجرى أقوال النحاة فى تفسير «عمرك الله» ثم ساق تأويل أبى على، وعرض له بالشرح، قائلا (٣): «ويجب أن ترعى قلبك ما أقوله فى تفسير قول أبى على». وهذه العبارة تؤذن بأن هذا الشّرح ممّا ظهر لابن الشجرىّ، من دون سائر الشّرّاح. ٣ - تكلّم ابن الشجرى على قولهم: «ويلمّه» وحذف إحدى اللامين منه، إذ كان الأصل: ويل لأمه. ثم حكى كلام أبى على، وأورد عليه شرحا جيدا، خلص منه إلى مسائل من الإدغام (٤). ٤ - حكى ابن الشجرى الخلاف الشهير فى وزن «أشياء» والمحذوف منها، ونقل كلام أبى على، ثم عرض له بالشرح والبيان (٥). ٥ - استفتح ابن الشجرى المجلس الخمسين بذكر الحذف من قولهم: «فوك وذو مال» ثم قال: «ولأبى على كلام فى «فىّ» أورده فى تكملة الإيضاح، وهو مفتقر إلى كلام يبرزه وتفسير يوضحه. . . .» ثم حكى كلامه، وشرحه.

стр. 132

٦ - صحّح ابن الشجرى خطأ لأبى على، أورده فى كتابه «العوامل»، فقد استشهد أبو علىّ على استعمال الظن بمعنى التهمة، فقال: «وعلى هذا قوله: أو ظنين فى ولاء». قال ابن الشجرى (١): «والصواب: «أو ظنينا» هكذا هو منصوب، عطف على مستثنى موجب، فى رسالة عمر رضوان الله عليه، إلى أبى موسى، وذلك قوله: «المسلمون عدول بعضهم على بعض، إلا مجلودا فى حدّ، أو مجرّبا عليه شهادة زور، أو ظنينا فى ولاء أو نسب». والأمر على ما قال ابن الشجرى فى الكامل للمبرد ١/ ١٣، وهو من أوثق المصادر التى ذكرت هذه الرسالة. ٧ - خالف ابن الشجرى أبا على، فى إعراب «خضبن» من قول النابغة الجعدى (٢): كأنّ حواميه مدبرا ... خضبن وإن كان لم يخضب حجارة غيل برضراضة ... كسين طلاء من الطّحلب فقوله: «خضبن» عند أبى على، فى موضع نصب بأنه حال من «الحوامى» والعامل فيه ما فى «كأن» من معنى الفعل، ولم يجعل أبو على «خضبن» خبر «كأن» لأنه جعل خبرها قوله: «حجارة غيل»، ولم يجز أن يكونا خبرين لكأن، على حدّ قولهم: هذا حلو حامض، أى قد جمع الطعمين، قال: لأنك لا تجد فيما أخبروا عنه بخبرين أن يكون أحدهما مفردا، والآخر جملة، لا تقول: زيد خرج عاقل. قال ابن الشجرى: «والقول عندى أن يكون موضع» خضبن» رفعا بأنه خبر «كأن» وقوله: «حجارة غيل» خبر مبتدأ محذوف، أى هى حجارة غيل، وأداة التشبيه محذوفة. . . . ومثله فى حذف حرف التشبيه فى التنزيل: ﴿وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ﴾، أى مثل أمهاتهم فى تحريمهن عليهم والتزامهم تعظيمهن».

стр. 133

قلت: وإعراب ابن الشجرى أولى من إعراب أبى على، لأن إعراب هذا يؤول إلى التطويل بذكر الخبر، وذكر حالين متواليين قبل استيفاء الخبر. ٨ - ذكر أبو على أقوالا فى «مخضّب» من قول الأعشى (١): أرى رجلا منكم أسيفا كأنما ... يضمّ إلى كشحيه كفّا مخضّبا ومن هذه الأقوال أن يكون صفة لرجل، لأنك تقول: رجل مخضوب، إذا خضبت يده، كما تقول: مقطوع، إذا قطعت يده، فتقول على هذا: رجل مخضب، إذا أخضبت يده، قال: وإن شئت جعلته حالا من الضمير المرفوع فى «يضم» أو المجرور فى قوله: «كشحيه»، لأنهما فى المعنى لرجل المذكور. قال ابن الشجرى: وأقول: إنك إذا جعلته حالا من المضمر فى «يضم» كان أمثل من أن تجعله حالا من المضاف إليه، إلا أن ذلك جاز لالتباس الكشحين بما أضيفتا إليه، وأما إجازته أن يكون وصفا لرجل، ففاسد فى المعنى، وهو محمول على ترك إنعام نظره فيه، لأنك إذا فعلت ذلك، أخرجته من حيز التشبيه والمجاز، فصار وصفا حقيقيا، والشاعر لم يرد ذلك، لأن الرجل الذى عناه لم يكن مخضبا على الحقيقة، وإنما شبهه بمن قطعت يده، وضمها إليه مخضبة بالدم. هذا كلام ابن الشجرى، وهو يرجع إلى رأيه فى أن التوجيه الإعرابى مرتبط بصحة المعنى وسلامته، كما ذكرت من قبل فى الظاهرة الإعرابية عند ابن الشجرى. ٩ - ذكر ابن الشجرى فى قول أبى الصلت: اشرب هنيئا عليك التاج مرتفقا ... فى رأس غمدان دارا منك محلالا قال (٢): وأما قوله: «دارا» فحال من «رأس غمدان»، وأجاز أبو على أن يكون حالا من «غمدان». قال: لأن الحال قد جاءت من المضاف إليه، نحو ما أنشده أبو زيد: عوذ وبهثة حاشدون عليهم ... حلق الحديد مضاعفا يتلهّب

стр. 134

قال ابن الشجرى: وليس فى هذا البيت شاهد قاطع بأن «مضاعفا» حال من «الحديد» بل الوجه أن يكون حالا من «الحلق» لأمرين: أحدهما ضعف مجىء الحال من المضاف إليه (١)، والآخر أن وصف الحلق بالمضاف أشبه من وصف الحديد به، كما قال أبو الطيب: أقبلت تبسم والجياد عوابس ... يخببن فى الحلق المضاعف والقنا ويتوجه ضعف ما قاله من جهة أخرى، وذلك أنه لا عامل له فى هذه الحال، إذا كانت من «الحديد» إلا ما قدره فى الكلام من معنى الفعل بالإضافة، وذلك قوله: «ألا ترى أنه لا تخلو الإضافة من أن تكون بمعنى اللام أو من». قال ابن الشجرى: وأقول إن «مضاعفا» فى الحقيقة إنما هو حال من الذكر المستكن فى «عليهم» إن رفعت «الحلق» بالابتداء، وإن رفعته بالظرف، على قول الأخفش والكوفيين، فالحال منه، لأن الظرف حينئذ يخلو من ذكر. ١٠ - خالف ابن الشجرى أبا على فى تقدير الجواب من قوله تعالى (٢): ﴿وَأَمّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ* فَسَلامٌ لَكَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ﴾ فأبو علىّ يرى أن الفاء جواب «إن»، وابن الشجرى يذهب إلى أن الفاء جواب «أمّا». ولم يصرح ابن الشجرى بهذه المخالفة، وإنما ظهرت لى من كلام أبى حيان (٣). ١١ - استبعد ابن الشجرىّ ما ذهب إليه أبو على فى تأويل قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾. قال (٤): «قال أبو على فى كتابه الذى سماه «التذكرة»: «قيل لنا: علام عطف قول الله سبحانه تعالى: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ من قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ﴾؟ فقلنا: المعنى: فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة واتقوا الله

стр. 135

فقوله: ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ عطف على قوله: فاكرهوا، وإن لم يذكر لدلالة الكلام عليه، كقوله: ﴿اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ أى فضرب فانفجرت، وقوله: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ كلام مستأنف، وإنما دخلت الفاء، لما فى الكلام من معنى الجواب، لأن قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ﴾ كأنهم قالوا فى جوابه: لا، فقال: ﴿فَكَرِهْتُمُوهُ﴾، أى فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة، فهو جواب لما يدلّ عليه الكلام، من قولهم: «لا»، فالفاء هاهنا بمنزلتها فى الجزاء، والمعنى على: فكما كرهتموه، وإن لم تكن «كما» مذكورة، كما أن قولهم: ما تأتينى فتحدثنى، المعنى: ما تأتينى فكيف تحدثنى، وإن لم تكن «كيف» مذكورة، وإنما هى مقدرة». قال ابن الشجرى: والقول عندى أن الذى قدّره أبو على هاهنا بعيد، لأنه قدّر المحذوف موصولا، وهو «ما» المصدرية، وحذف الموصول وإبقاء صلته رديء ضعيف، ولو قدر المحذوف مبتدأ، كان جيدا، لأن حذف المبتدأ كثير فى القرآن والتقدير عندى: فهذا كرهتموه، والجملة المقدرة المحذوفة مبتدئية، لا أمرية، كما قدّرها، فكأنه قيل: فهذا كرهتموه، والغيبة مثله، وإنما قدّرها أمريّة ليعطف عليها الجملة الأمرية، التى هى: ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾، ولا حاجة بالكلام إلى تقدير جملة أمرية لتعطف عليها الجملة الأمرية، لأن قوله: ﴿وَاِتَّقُوا اللهَ﴾ عطف على الجملة النهيية التى هى قوله: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾، وعطف الجملة على جملة مذكورة أولى من عطفها على جملة مقدرة، والإشارة فى المبتدأ الذى قدرته، وهو «هذا» موجهة إلى الأكل الذى وصفه الله، كأنه لما قدّر أنهم قالوا: لا، فى جواب قوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ قيل: فهذا كرهتموه، أى: فأكل لحم الأخ الميت كرهتموه، والغيبة مثله. فتأمل ما ذكرته تجده أصوب الكلامين. وقد ذكر أبو على هذه المسألة فى «الحجة» أيضا». انتهى كلام ابن الشجرى، وقد حكاه الزركشىّ (١). ثم حكى ابن هشام كلا التقديرين وقال (٢): «وبعد فعندى أن ابن الشجرى لم يتأمل كلام الفارسىّ، فإنه قال: «كأنهم قالوا فى الجواب: «لا» فقيل لهم: فكرهتموه فاكرهوا الغيبة واتقوا الله، فاتقوا عطف على

стр. 136

فاكرهوا، وإن لم يذكر، كما فى: ﴿اِضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾، والمعنى: فكما كرهتموه فاكرهوا الغيبة، وإن لم تكن «كما» مذكورة، كما أن «ما تأتينا فتحدثنا» معناه: فكيف تحدثنا؟ وإن لم تكن «كيف» مذكورة اه. وهذا يقتضى أن «كما» ليست محذوفة، بل إن المعنى يعطيها، فهو تفسير معنى، لا تفسير إعراب. الرّمّانى-علىّ بن عيسى (٣٨٤ هـ) نقل عنه ابن الشجرى (١) أن اللام فى قوله تعالى: ﴿وَما كانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ﴾ لام الجحد، وأن الفعل بعدها منصوب بإضمار «أن»، ولا تظهر «أن» هذه بعد اللام. وتعقّبه فى تقدير المحذوف من قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ فقال بعد أن حكى تقدير الكسائى والفراء والمبرد (٢): وقال علىّ بن عيسى الرمانى: إن التقديرين (٣) فى قوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ واقعان موقعهما، لأن البيان لا يكون طريقا إلى الضلال، فمن حذف «لا» فحذفها للدلالة عليها، كما حذفت للدلالة عليها من جواب القسم فى نحو: والله أقوم، أى لا أقوم، إلا أن أبا العباس حمل الحذف على الأكثر، لأن حذف المضاف لإقامة المضاف إليه مقامه أكثر من حذف لا. قال ابن الشجرى: وأقول: ليس يجرى حذف «لا» فى نحو: ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ مجرى حذفها من جواب القسم، لأن الدلالة عليها إذا حذفت من جواب القسم قائمة، لأنك إذا قلت: والله أقوم، لو لم ترد «لا» لجئت باللام والنون، فقلت: لأقومنّ. وحكى تأويله (٤) لموضع الكاف من قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ثم

стр. 137

ذكر أن كلام الرمانى فى الآية الكريمة كلام من نظر فى كتاب الفراء. هذا وقد حكى ابن الشجرىّ رأى الرمانىّ فى زيادة الباء فى ﴿كَفى بِاللهِ﴾ ولم ينسبه إليه، ونبّه على هذا البغدادىّ فى شرح أبيات المغنى (١). ابن جنّى-أبو الفتح عثمان بن جنى (٣٩٢ هـ) وأبو الفتح من عرفت-نفاذ بصيرة ولطافة حسّ-فتح للعربية آفاقا رحبة، وكشف عن جوانب فذّة منها، أضاءت الطريق للباحثين والدارسين، قديما وحديثا. ولابن الشجرى خصوصية بابن جنى، فقد شرح كتابيه: التصريف الملوكى، واللمع، وقد أفاد ابن الشجرى من ابن جنى، ووقف منه موقفه من أعلام العربية: ناقلا وشارحا وناقدا. ولا سبيل إلى ذكر كلّ المواضع التى نقل فيها ابن الشجرى عن ابن جنى، فقد امتلأ كتاب الأمالى بأقوال ابن جنى، وكان أبو الفتح أوّل علم يحكى عنه ابن الشجرى فى المجلس الأول من الأمالى. ولكن الذى يعنينى هو تلك المواطن التى ذكر فيها ابن الشجرى آراء ابن جنى دون أن يعزوها إليه، أو تلك الآراء التى ساقها ابن الشجرى غير منسوبة، ورأيت فيها مشابه من كلام ابن جنى، وكذلك الآراء التى نصره أو تعقّبه فيها. فمن ذلك: ١ - ذكر ابن الشجرى فى قول عدىّ بن زيد: لم أر مثل الأقوام فى غبن الأيام ينسون ما عواقبها. قال (٢): وقوله: «ما عواقبها» ما استفهامية، و «ينسون» معلّق، كما علّق نقيضه وهو يعلمون، فالتقدير: ينسون أىّ شيء عواقبها. وقد ذكرت فى تحقيقى أن هذا من كلام ابن جنى فى كتابه المحتسب.

стр. 138

٢ - فرق ابن الشجرى بين تخفيف الهمزة، وبين إبدالها ياء، فذكر فى قول المتنبى: جربت من نار الهوى ما تنطفى ... نار الغضا وتكل عما تحرق قال (١): أبدل من همزة «تنطفئ» ياء، لانكسار ما قبلها، كما أبدل الفرزدق من المفتوح ما قبلها ألفا، فى قوله: راحت بمسلمة البغال عشيّة ... فارعى فزارة لا هناك المرتع وهذا لا يسمى تخفيفا، وإنما هو إبدال، لا يجوز إلا فى الشعر، والتخفيف الذى يقتضيه القياس فى هذا النحو أن تجعل الهمزة بين بين. وهذا من كلام ابن جنى فى المحتسب أيضا، كما ذكرت فى حواشى التحقيق. ٣ - حكى ابن الشجرى عن أبى على الفارسى حذف «فيه» من قول امرئ القيس: *كبير أناس فى بجاد مزمّل* أى مزمّل فيه، ثم قال ابن الشجرى (٢): «ولولا تقدير «فيه» هاهنا، وجب رفع «مزمّل» على الوصف لكبير، وتقدير «فيه» أمثل من حمل الجرّ على المجاورة». وقد ذكرت فى تحقيق هذا الموضع أن هذا هو رأى ابن جنى فى الخصائص. ٤ - ذهب ابن الشجرى (٣) إلى أن «كلاّ» لا تضاف إلى واحد معرفة. وقد رأيت هذا الرأى معزوّا إلى ابن جنى، فى الأشباه والنظائر للسيوطى. وذكرته فى حواشى التحقيق.

стр. 139

٥ - فى مبحث التكرير استشهد ابن الشجرى على تكرير المفرد بقول القائل (١): أبوك أبوك أربد غير شكّ ... أحلّك فى المخازى حيث حلاّ وقد رأيت بحاشية أصل الأمالى: «هذا البيت وما معه من الشرح كله كلام ابن جنى فى كتاب مشكل أبيات الحماسة». ٦ - أنشد ابن الشجرى فى عود الضمير مفردا إلى اثنين قول الشاعر (٢): أخو الذئب يعوى والغراب ومن يكن ... شريكيه يطمع نفسه شرّ مطمع ثم قال: «جعل الذئب والغراب بمنزلة الواحد، فأعاد إليهما ضميرا مفردا، لأنهما كثيرا ما يصطحبان فى الوقوع على الجيف، ولولا ذلك كان حقه أن يقول: ومن يكونا شريكيه». وقد رأيت هذا الكلام لابن جنى فى المحتسب، مع اختلاف يسير فى العبارة، كما ذكرت فى حواشى التحقيق. ٧ - ذكر ابن الشجرى (٣) أن الألف لا يفارق المدّ. وقد وجدت هذا لابن جنى فى اللسان (ردف). ٨ - فى حديث ابن الشجرى عن الحذوف، أنشد قول الراجز (٤): تروّحى أجدر أن تقيلى ... غدا بجنبى بارد ظليل وذكر أن فيه خمسة حذوف، ثم قال: «لأنه قدّر: ائتى مكانا أجدر بأن تقيلى فيه، فحذف الفعل، وحذف المفعول الموصوف الذى هو «مكانا»، وحذف الباء التى يتعدى بها «أجدر»، وحذف الجار من «فيه» فصار: تقيليه،

стр. 140

فحذف العائد إلى الموصوف، كما حذف فى قوله سبحانه: ﴿وَاِتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً﴾ أى لا تجزى فيه». وقد رأيت هذا الكلام كلّه-عدا الاستشهاد بالآية الكريمة-فى المحتسب لابن جنى. ٩ - فى حديث ابن الشجرى عن حذف النون، قال (١): «وإنما استمرّ هذا الحذف والإبدال فى النون، لما بينها وبين حروف العلة من المشابهة، لأنها إذا سكنت تضمنت غنّة، كما تتضمن حروف اللين مدّا». وهذا من كلام ابن جنى فى المنصف، ولابن الشجرى فضل التمثيل والإيضاح بما ذكره بعد. هذا ولابن الشجرى وقفات مع ابن جنى، نصره فى بعضها، وتعقّبه فى بعضها الآخر: فمن ذلك: ١ - ما ذكره فى إعراب «هنيئا»، قال (٢): وجعل أبو الفتح بن جنى هنيئا فى قول كثيّر: هنيئا مريئا غير داء مخامر ... لعزّة من أعراضنا ما استحلّت حالا، وقعت بدلا من اللفظ بالفعل، وخالف أبا على فى تقدير ذلك الفعل، فزعم أن التقدير: ثبت هنيئا لعزّة ما استحلّت من أعراضنا، فحذف «ثبت» وأقام «هنيئا» مقامه، فرفع به الفاعل الذى هو «ما استحلّت»، وكذلك قال فى قول المتنبى: *هنيئا لك العيد الذى أنت عيده* قال: العيد مرفوع بفعله، والأصل: ثبت هنيئا لك العيد، فحذف الفعل وقامت الحال مقامه، فرفعت الحال العيد، كما كان الفعل يرفعه. وقول أبى الفتح فى

стр. 141

هذا أشبه (١) من قول أبى على، لأن أبا على زعم أن «هنيئا» وقع موقع «ليهنئك»، وهذا لفظ أمر، والأمر لا يقع حالا، أو موقع «هنأك»، وهذا لفظ خبر يراد به الدعاء، كقولهم: رحم الله فلانا، والدعاء أيضا لا يكون حالا. ٢ - حكى ابن الشجرى كلام الشراح فى قول المتنبى (٢): كفى ثعلا فخرا بأنك منهم ... ودهر لأن أمسيت من أهله أهل ونقل رأى ابن جنى، قال: قال أبو الفتح: «ارتفع «أهل» لأنه وصف لدهر، وارتفع «دهر» بفعل مضمر، دل عليه أول الكلام، فكأنه قال: وليفخر دهر أهل لأن أمسيت من أهله، لا يتجه رفعه إلا على هذا، لأنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه». وقد تعقبه ابن الشجرى، فقال: وأما قول أبى الفتح إنه ليس قبله مرفوع يجوز عطفه عليه، فقول من لم ينعم النظر، وقنع بأول لمحة، فقد يجوز عطف «دهر» على فاعل «كفى» وهو المصدر المقدر، لأن «أن» مع خبرها هاهنا بمعنى الكون، لتعلق «منهم» باسم الفاعل المقدر الذى هو «كائن»، فالتقدير: كفى ثعلا فخرا كونك منهم، ودهر مستحق لأن أمسيت من أهله، أى وكفاهم فخرا دهر أنت فيه، فأراد أنهم فخروا بكونه منهم، وفخروا بزمانه، لنضارة أيامه، كما قال أبو تمام: *كأنّ أيامهم من حسنها جمع* ٣ - قال ابن جنى فى شرح قول المتنبى: ويصطنع المعروف مبتدئا به ... ويمنعه من كلّ من ذمّه حمد «معناه: يعطى معروفه المستحقين، ومن تزكو عنده الصّنيعة، ويمنعه من كل ساقط، إذا ذمّ أحدا فقد مدحه».

стр. 142

وقد تعقّبه ابن الشجرى فى هذا الشرح (١) ٤ - حكى ابن الشجرى عن ابن جنى اللغات الثمانية فى «أف»، وقوله: «ولا يقال: أفّى، بالياء، كما تقول العامة». قال ابن الشجرى (٢): وأقول: إن الذى تقوله العامة جائز فى بعض اللغات، وذلك فى لغة من يقول فى الوقف: أفعى وأعمى وحبلى، يقلبون الألف ياء خالصة، فإذا وصلوا عادوا إلى الألف، ومنهم من يحمل الوصل على الوقف، وهم قليل (٣). الجرجانىّ-القاضى علىّ بن عبد العزيز (٣٩٢ هـ) ١ - حكى عنه ابن الشجرى علة زيادة الضاد فى قول المتنبى (٤): إنّ شكلى وإن شكلك شتّى ... فالزمى الخصّ واخفضى تبيضّضى ٢ - ونقل عنه أيضا تأويله لقول المتنبى (٥): أمط عنك تشبيهى بما وكأنه ... فما أحد فوقى ولا أحد مثلى ٣ - ومع تصريح ابن الشجرى بالنقل عن القاضى الجرجانىّ فى الموضعين السابقين، إلا أنه قد أغار على كلامه الذى أورده فى الوساطة، عن الشعراء الذين ذكروا الطير التى تتبع الجيش لتصيب من لحوم القتلى. ولم يكتف ابن الشجرى بهذا حتى استاق كلام الجرجانىّ، وتأويله لبيت المتنبى: سحاب من العقبان يزحف تحته ... سحاب إذا استسقت سقتها صوارمه (٦)

стр. 143

والعجب من ابن الشجرى إذ ينقل كلام الجرجانىّ بحروفه، ثم ينسبه إلى نفسه. الهروىّ-على بن محمد النحوىّ (نحو ٤١٥ هـ) وهذا عالم من علماء العربية، حجب الزمن تصانيفه، ولم يظهر منها إلا كتاب «الأزهية» الذى طبع فى دمشق منذ ثمانية عشر عاما (١)، وهو كتاب رائد فى علم الحروف والأدوات، ولما كان ابن الشجرى قد عالج مبحث الأدوات فى كثير من مجالسه، كما أشرت إلى ذلك من قبل (٢)، فقد أفاد من جهود العلماء المتقدمين، وعلى رأسهم الهروى، لكن ابن الشجرى لم يصرح بالنقل عنه ألبتة. وهذا ما ظهر لى من ذلك بالمراجعة: ١ - ذكر ابن الشجرى من معانى «ما» أن تكون اسما بمعنى الحين، وكلامه فى ذلك كله منتزع من كلام الهروى، وقد خفى هذا على ابن هشام، فتعقب ابن الشجرى فيما أورده، ونبهت عليه فى الفقرة السابعة والخمسين من آراء ابن الشجرى. ٢ - ما أورده ابن الشجرى من مجىء «أو» بمعنى واو العطف، وشواهد ذلك، أخذه كله من الهروى (٣). ٣ - وفى حديثه عن «أو» أيضا، ذكر أنها تستعمل بمعنى «إن» الشرطية مع الواو، وذلك مما سبق به الهروىّ، وقد خفى هذا أيضا على ابن هشام والسيوطى فنسباه إلى ابن الشجرى، وأشرت إليه فى الفقرة الستين من آراء ابن الشجرى. ٤ - سلخ ابن الشجرى كلام الهروى جميعه فى «إما» وقد وهّم (٤) ابن

стр. 144

هشام ابن الشجرى فى توجيه قوله تعالى: ﴿إِمّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ على التخيير، وابن الشجرى إنما انتزع شواهده كلّها-ومنها الآية الكريمة-فى هذا المبحث من الهروى، فإن كان إيراد فعلى الهروىّ. ٥ - سطا ابن الشجرى (١) على كلام الهروى وشواهده حول معانى «إن» الخفيفة، مكسورة ومفتوحة، لكنه خالفه فى تقدير «ما» من قول الشاعر: ورجّ الفتى للخير ما إن رأيته ... على السّنّ خيرا لا يزال يزيد فابن الشجرى يقدرها «ما» المصدرية، والهروى يراها «ما» التى بمعنى «حين». الرّبعىّ-علىّ بن عيسى (٤٢٠ هـ) الرّبعىّ شيخ شيوخ ابن الشجرى، وقد حكى عنه ابن الشجرى قوله فى بناء «حذام» ونظائرها، فقال بعد أن نقل آراء النحاة (٢): ولعلىّ بن عيسى الربعى فى بناء «حذام» ونظائرها علّة لم يسبق إليها، وهى تضمنهنّ معنى علامة التأنيث التى فى حاذمة وقاطمة وراقشة، فلما عدلن عن اسم مقدّرة فيه تاء التأنيث، وجب بناؤهنّ لتضمنهنّ معنى الحرف. ونقل عنه شرحه لقول المتنبى (٣): نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنّئت الدنيا بأنك خالد وقوله (٤): لا تكثر الأموات كثرة قلّة ... إلا إذا شقيت بك الأحياء

стр. 145

وقوله (١): أمط عنك تشبيهى بما وكأنه ... فما أحد فوقى ولا أحد مثلى ثم تعقّبه فى تفسيره لقول المتنبى: رمانى خساس الناس من صائب استه ... وآخر قطن من يديه الجنادل فقال (٢): «وفسّر على بن عيسى الربعى قوله: «من صائب استه» بأنه من ضعفه إذا رمى يصيب استه، فحمله على معنى قوله: «وآخر قطن من يديه الجنادل» وليس هذا القول بشىء، لأننا لم نجد فى الموصوفين بالضعف من يرمى بحجر أو غير حجر مما ترمى به اليد فيصيب استه، وإنما هو مثل ضربه، فذكر تفصيل عائبيه. فقال: عابنى أراذل الناس، فمنهم من رمانى بعسب هو فيه، وهو الأبنة، فانقلب قوله عليه، فأصاب استه بالعيب الذى رمانى به، وآخر لم يؤثر كلامه فى عرضى، لعيّه وحقارته، فهو كمن يرمى قرنه بسبائح القطن، أى الذين رمونى من هذين الصنفين بهذين الوصفين». وقد رأيت أحمد بن على بن معقل المهلّبى الأزدى المتوفى سنة ٦٤٤ هـ، يردّ على ابن الشجرى تفسيره هذا، فيقول، بعد أن ذكر البيت (٣): «وقال شيخ شيخنا الشريف ابن الشجرى: إنما هذا مثل، أى رمانى بعيب هو فيه، لأنه ذو أبنة، فكأنه أراد: أصابنى فأصاب استه. وأقول: إن هذه الأقوال ضعيفة، وأضعفها قول ابن الشجرى: «رمانى بعيب هو فيه، أى رمانى بالأبنة». والمعنى أنه رمانى بسهم من عيب فردّ عليه أقبح رد، كأنه يقول: أنا ليس فىّ عيب، فعابنى عائب نفسه أقبح عيب».
следующие страницы →