← Акыда

Акыда · id 12094

منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس

عبد اللطيف آل الشيخ

Полный текст (317 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب. اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لى في دينى ومعاشى، وعاقبة أمرى، فاقْدُرْه لى، ويسره لى، ثم بارك لى فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لى في دينى، ومعاشى، وعاقبة أمرى، فاصرفه عنى، واصرفنى عنه، واقْدُرْ لى الخير حيث كان، ثم رضِنى به". وإن كنت تعلم أنه أقرب إلى الله منك وأعلى منزلة عند الله منك فهذا حق؛ لكن كلمة حق أريد بها باطل؛ فإنه إذا كان أقرب منك وأعلى درجة منك فإنما معناه: أن يثيبه ويعطيه، ليس معناه: أنك إذا دعوته كان الله يقضى حاجتك أعظم مما يقضيها إذا دعوت أنت، فإنك إن كنت مستحقا للعقاب ورد الدعاء مثلا لما فيه من العدوان فالنبي أو الصالح لا يعين على ما يكرهه الله، ولا يسعى فيما يبغضه الله، وإن لم يكن كذلك، فالله أولى بالرحمة والقبول منه. وإن قلت: هذا إذا دعا الله أجاب دعاءه أعظم مما يجيب لي إذا دعوته أنا، فهذا هو: القسم الثانى وهو: ألا يطلب منه الفعل ولا يدعوه، ولكن يطلب أن يدعو له. كما يقول للحى: ادع لى، وكما كان الصحابة يطلبون من النبي ﷺ ، الدعاء، فهذا مشروع في الحى كما تقدم، وأما الميت من الأنبياء والصالحين وغيرهم فلم يشرع لنا أن نقول: ادع لنا، ولا اسأل لنا ربك، ولا نحو ذلك، ولم يفعل هذا أحد من الصحابة والتابعين، ولا أمر به أحد من الأئمة، ولا ورد فيه حديث، بل الذى ثبت في الصحيح أنهم لما أجدبوا زمن عمر استسقى عمر بالعباس ﵄، وقال: "اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا، فيسقون ". ولم يجيئوا إلى قبر النبي ﷺ قائلين: يا رسول الله، ادع لنا واستسق لنا، ونحن نشكوا إليك ما أصابنا، ونحو هذا. لم يقله أحد من الصحابة قط، بل هو بدعة، ما أنزل الله بها من سلطان، بل كانوا إذا جاؤوا عند قبر النبي ﷺ يسلمون عليه، ثم إذا أرادوا الدعاء له لم يدعوا الله مستقبلى القبر الشريف، بل ينحرفون ويستقبلون القبلة، ويدعون الله وحده لا شريك له كما يدعونه في سائر البقاع. وذلك أن في الموطأ وغيره عن ﷺ أنه قال: " اللهم لا تجعل

стр. 177

قبرى وثنا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ". وفي السنن أيضاً أنه قال: " لا تتخذوا قبرى عيداً، وصلُّوا على حيثما كنتم، فإن صلاتكم تبلغنى ". وفي الصحيح أنه قال في مرضه الذى لم يقم منه: " لعن الله اليهود والنصاري اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا". قالت عائشة ﵂: "ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجداً ". وفي صحيح مسلم أنه قال قبل أن يموت بخمس: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإنى أنهاكم عن ذلك ". وفي سنن أبي داود أنه قال: " لعن الله زوارات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج ". ولهذا قال علماؤنا: لا يجوز بناء المساجد على القبور، وقالوا: إنه لا يجوز أن ينذر لقبر، ولا للمجاورين عند القبر شيئاً من الأشياء، لا من درهم، ولا زيت، ولا شمع، ولا حيوان، ولا غير ذلك، كله نذر معصية. وقد ثبت في الصحيح عن ﷺ أنه قال: " من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصى الله فلا يعصه ". واختلف العلماء: هل على الناذر كفارة يمين؟ على قولين؛ ولهذا لم يقل أحد من أئمة المسلمين: إن الصلاة عند القبور وفي مشاهد القبور مستحبة، أو فيها فضيلة، ولا أن الصلاة هناك والدعاء أفضل من الصلاة في تلك البقعة، بل اتفقوا كلهم على أن الصلاة في المساجد والبيوت أفضل من الصلاة عند قبر، كان قبر نبي أو صالح سواء سميت [مشاهد] أو لم تسم. وقد شرع الله ورسوله في المساجد دون المشاهد أشياء، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤] ، ولم يقل: في المشاهد. وقال تعالى: ﴿وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] ولم يقل: في المشاهد، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٢٩] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللهِ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ﴾ [التوبة: ١٨] ، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: ١٨] وقال النبي ﷺ : " صلاة الرجل في المسجد تفضل على صلاته في بيته وسوقه بخمس وعشرين ضعفا "، وقال ﷺ : " من بنى لله مسجداً بنى الله له بيتاً

стр. 178

في الجنة ". وأما القبور فقد ورد نهيه ﷺ عن اتخاذها مساجد، ولعن من يفعل ذلك، وقد ذكره غير واحد من الصحابة والتابعين، وما ذكره البخارى في صحيحه والطبرى وغيره في تفاسيرهم، وذكره وَثِيمَة وغيره في قصص الأنبياء في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] ، قالوا: "هذه أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم طال عليهم الأمد فاتخذوا تماثليهم أصناماً ". والعكوف على القبور والتمسح بها وتقبيلها والدعاء عندها وفيها ونحو ذلك هو أصل الشرك وعبادة الأوثان؛ ولهذا قال ﷺ : " اللهم لا تجعل قبرى وثناً يعبد ". ولهذا اتفق العلماء على أن من زار قبر النبي ﷺ أو قبر غيره من الأنبياء والصالحين الصحابة وأهل البيت وغيرهم على ألا يتمسح به، ولا يقبله، بل ليس في الدين ما شرع تقبيله إلا الحجر الأسود. وقد ثبت في الصحيحين: أن عمر بن الخطّاب ﵁ قال: "والله، إنى لأعلم أنك حَجَر لا تضر ولا تنفع، ولولا أنى رأيت الرّسول يُقَبِّلك ما قَبَّلتك ". ولهذا لا يسن باتفاق الأئمة أن يقبل الرجل أو يستلم ركنى البيت اللذين يليان الحجر ولا جدران البيت، ولا مقام إبراهيم، ولا صخرة بيت المقدس، ولا قبر أحد من الأنبياء والصالحين، حتى تنازع الفقهاء في وضع اليد على منبر النبي ﷺ لما كان موجوداً، فكرهه مالك ﵀ وغيره؛ لأنه بدعة، وذكر أن مالكا لما رأى عطاء فعل ذلك لم يأخذ عنه العلم، ورخص فيه أحمد وغيره؛ لأن ابن عمر فعله. وأما التمسح بقبر النبي ﷺ وتقبيله فكلهم كره ذلك ونهى عنه؛ وذلك أنهم علموا ما قصده النبي ﷺ من حسم مادة الشرك، وتحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله رب العالمين. وهذا مما يظهر منه الفرق بين سؤال النبي ﷺ والرجل الصالح في حياته، وبين سؤاله بعد موته وفي مغيبه؛ وذلك أنه في حياته لا يعبده أحد إذا كان في حضوره، فإن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم والصالحين لا يتركون أحداً يتبرك بهم بحضورهم، بل ينهونهم عن ذلك، ويعاقبونهم عليه، ولهذا قال المسيح ﵇: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلاَّ مَا

стр. 179

أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧] . وقال النبي ﷺ لمن قال: "ما شاء الله وشئت": " أجعلتنى لله نداً؟ ! ما شاء الله وحده "، وقال: " لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد ". ولما قالت الجويرية: "وفينا رسول الله يعلم ما في غَدٍ. قال: " دعى هذا، وقولى ما كنت تقولين ". وقال: " لا تطرونى كما أطرت النصارى ابن مريم، فإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله "، ولما صفوا خلفه قياما، قال: " لا تعظمونى كما تعظم الأعاجم بعضهم بعضا "، قال أنس: "لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له؛ لما يعلمون من كراهته لذلك. ولما سجد له معاذ نهاه، وقال: " إنه لا يصلح السجود إلا لله، ولو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، من عظم حقه عليها ". ولما أتى عليٌّ بالزنادقة الذين غلوا فيه واعتقدوا فيه الإلهية أمر بتحريقهم بالنار. فهذا شأن أنبياء الله تعالى وأوليائه، وإنما يقر على الغلو فيه وتعظيمه بغير حق من يريد علواً في الأرض وفساداً، كفرعون ونحوه، ومشائخ الضلالة الذين غرضهم العلو في الأرض والفساد، والفتنة بالأنبياء والصالحين، واتخاذهم أرباباً، والإشراك بهم إنما يحصل في مغيبهم ومماتهم، كما أشرك النصارى واليهود بالمسيح وعزير. فهذا مما يبين الفرق بين السؤال للنبي والصالح في حياته وبحضوره، وبين سؤاله في مماته ومغيبه، ولهذا لم يكن أحد من سلف الأمة في عصر الصحابة ولا التابعين ولا تابعى التابعين يتحرون الصلاة والدّعاء عند قبور الأنبياء والصالحين ويسألونهم، ولا يستغيثون بهم، لا في مغيبهم، ولا عند قبورهم، وكذلك العكوف. ومن أعظم الشرك أن يستغيث الرجل برجل ميت أو غائب، كما ذكره السائل، ويستغيث به عند المصائب يقول: يا سيدى فلان، كأنه يطلب منه إزالة ضره أو جلب نفعه، وهذا حال النصارى في المسيح وأمه وأحبارهم ورهبانهم. ومعلوم أن خير الخلق وأكرمهم على الله محمد ﷺ ، وأعلم الناس بقدره وحقه هم

стр. 180

أصحابه، ولم يكونوا يفعلون شيئاً من ذلك؛ لا في مغيبه، ولا بعد مماته. وهؤلاء المشركون يضمون إلى الشرك الكذب، فإن الكذب مقرون بالشرك، قال تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ [الحج: ٣٠: ٣١] . وقال النبي ﷺ : " عَدَلت شهادة الزور الإشراك بالله " مرتين، أو ثلاثاً. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ﴾ [الأعراف: ١٥٢] ، وقال الخليل ﵇: ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات: ٨٦: ٨٧] . فمن كذبهم أن أحدهم يقول عن شيخه: إن المريد إذا كان بالمغرب وشيخه بالمشرق وإن كشف غطاؤه رده عليه، وإن أي شيخ إن لم يكن كذلك لم يكن شيخاً. وقد تغويهم الشياطين، كما تغوى عبّاد الأصنام كما كان جرى للعرب في أصنامها، ولعباد الكواكب وطلاسمها من الشرك والسحر، كما يجرى للترك، والهند، والسودان، وغيرهم من أصناف المشركين؛ من إغواء الشياطين لهم ومخاطبتهم ونحو ذلك. فكثير من هؤلاء من يجرى له نوع من ذلك، سيما عند سماع المكاء والتصدية؛ فإن الشياطين تتنزل عليهم، فتصيب أحدهم بمثل ما يصيب المصروع: من الأرعاد، والأزباد، والصياح المنكر، ويكلمه بما لا يعقله هو والحاضرون، وأمثال ذلك مما يمكن وقوعه في هؤلاء الضالين. وأما القسم الثالث: وهو أن يقول: اللهم بجاه فلان عبدك، أو ببركة فلان عبدك، أو لحرمة فلان عبدك، افعل كذا وكذا. فهذا يفعله كثير من الناس، لكن لم ينقل عن أحد من الصحابة والتابعين وسلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء، ولم يبلغنى عن أحد من العلماء في ذلك ما أحكيه، إلا ما رأيت في فتاوى الفقيه أبي محمد العز بن عبد السلام. فإنه أفتى: بأنه لا يجوز لأحد أن يفعل ذلك؛ إلا بالنبي ﷺ إن صح الحديث في النبي ﷺ . ومعنى هذا الاستثناء أنه قد روى النسائى والترمذى وغيرهما أن النبي ﷺ : "علم بعض أصحابه أن يدعو فيقول: " اللهم إنى أسألك وأتوجه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، يا رسول الله، إنى أتوسل بك إلى ربى في حاجتى ليقضيها لى.

стр. 181

اللهم، فشفعه في ". فإن هذا الحديث قد استدل به طائفة على جواز التوسل بالنبي ﷺ في حياته وبعد مماته. قالوا: وليس في التوسل به دعاء للمخلوقين، ولا استغاثة بالمخلوق، وإنما هو دعاء واستغاثة بالله، لكن فيه بجاهه، كما في سنن ابن ماجه عن النبي ﷺ أنه ذكر في دعاء الخارج للصلاة أنه يقول: " اللهم إنى أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاى هذا، فإنى لم أخرج أشراً ولا بطرا ً، ولا رياءً ولا سمعةً. خرجت اتقاء سخطك وابتغاء مرضاتك، أسألك أن تنقذنى من النار، وأن تغفر لى ذنوبى، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ". قالوا: ففي هذا الحديث أنه سأل بحق السائلين عليه، وبحق ممشاه إلى الصلاة، والله تعالى قد جعل على نفسه حقاً، قال تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] ، ونحو قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْؤُولًا﴾ [الفرقان: ١٦] . وفي الصحيحين عن معاذ، أن النبي ﷺ قال: "أتدرى ما حق الله على العباد؟ ". قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً. أتدرى ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ فإن حقهم عليه أن لا يعذبهم ". وقد جاء في غير حديث: " كان حقاً على الله كذا وكذا " كقوله: " من شرب الخمر لم يقبل له صلاة أربعين يوماً، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد وشربها في الثالثة أو الرابعة كان حقاً على الله أن يسقيه من طينة الخَبَال " قيل: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: " عصارة أهل النار "، وأمثال ذلك كثير. وقالت طائفة: ليس في هذا جواز التوسل به بعد مماته وبعد مغيبه، بل إنما فيه التوسل في حياته بحضوره، كما في صحيح البخارى أن عمر بن الخطاب ﵁ استسقى بالعباس، فقال: "اللهم إنا كنا إذا أجْدَبْنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعَمِّ نبينا فاسقنا، فيسقون ". وقد بين عمر ﵁ أنهم كانوا يتوسلون به في حياته فيسقون. وذلك التوسل: أنهم كانوا يسألونه أن يدعو الله لهم، فيدعو لهم، ويدعون معه، فيتوسلون بشفاعته ودعائه، كما في الصحيح عن أنس بن مالك: "أن رجلاً دخل المسجد يوم الجمعة من باب كان نحواً من دار القضاء، والرسول ﷺ قائم

стр. 182

يخطب، فاستقبل النبي ﷺ قائما، ثم قال: "يا رسول الله، هلكت الأموال، وانقطعت السُّبُل. فادع الله سبحانه أن يغيثنا. قال: فرفع الرسول يديه ثم قال: اللهم أغثنا. قال أنس: فلا والله ما نرى في السماء من سحاب ولا قزع، وما بيننا وبين سلع من بيت ولا دار إلا طلعت من ورائه سحابة مثل الترس، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت، فلا والله ما رأينا الشمس سبتاً. قال: ثم دخل رجل من ذلك الباب في الجمعة المقبلة، والنبي ﷺ قائم يخطب، فاستقبله، فقال: يا رسول الله، هلكت الأموال وانقطعت السبل، فادع الله أن يمسكها عنا، قال: فرفع النبي ﷺ يديه ثم قال: " اللهم، حوالينا ولا علينا اللهم على الآكَام والظِّرَاب وبُطُون الأودية ومَنَابِت الشجر ". قال: وأقلعت فخرجنا نمشى في الشمس". ففي هذا الحديث: أنه قال: "ادع الله لنا يمسكها عنا". وفي الصحيح: أن عبد الله بن عمر قال: "إنى لأذكر قول أبي طالب في النبي ﷺ حيث يقول: وأبيض يُسْتَسقى الغَمام بوجهه ... ثِمَال اليتامى عِصمة للأرامل. فهذا كان توسلهم به في الاستسقاء ونحوه. ولما مات توسلوا بالعباس ﵁ كما كانوا يتوسلون به، ولم يتوسلوا به ويستسقوا به بعد موته، ولا في مغيبه ولا عند قبره، وكذلك معاوية بن أبي سفيان استسقى بيزيد بن الأسود الجُرَشى، وقال: "اللهم إنا نستشفع إليك بخيارنا. يا يزيد، ارفع يديك إلى الله، فرفع يديه، ودعا، ودَعْوا، فسقوا ". ولذلك قال العلماء: يستحب أن يستسقى بأهل الصلاح والخير، فإذا كان من أهل بيت الرسول ﷺ كان أحسن. ولم يذكر أحد من العلماء أنه يشرع التوسل والاستسقاء بالنبي والصالح بعد موته ولا في مغيبه، ولا استحبوا ذلك في الاستسقاء، ولا في غيره من الأدعية. والدعاء مُخُّ العبادة، والعبادة مبناها على النية والاتباع، وإنما يعبد الله بما شرع، لا يعبد بالأهواء والبدع، قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاء شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١] ، وقال تعالى: ﴿ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥] ، وقال النبي ﷺ : " إنه سيكون في هذه الأمة قوم يعتدون في الدعاء والطهور ".

стр. 183

وأما الرجل إذا أصابته نائبة أو خاف شيئا فاستغاث بشيخه، يطلب تثبيت قلبه من ذلك الواقع، فهذا من الشرك الأكبر، وهو من جنس دين النصارى؛ فإن الله هو الذى يصيب بالرحمة ويكشف الضر، قال تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَآدَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] ، وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ﴾ الآية [فاطر: ٢] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠: ٤١] ، وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً﴾ [الإسراء: ٥٦: ٥٧] . فبين أن كل ما يدعى من دون الله من الملائكة والأنبياء وغيرهم لا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا. وإذا قال القائل: أدعو الشيخ ليكون لي شفيعا، فهو من جنس دعاء النصارى لمريم والأحبار والرهبان. والمؤمن يرجو ربه ويدعوه مخلصا له الدين، وحق شيخه أن يدعو له ويترحم عليه؛ فإن أعظم الخلق قدراً النبي ﷺ ، وأصحابه أعلم الناس بأمره وقدره، وأطوع الناس له، ولم يكن يأمر أحدا منهم عند الخوف أو الفزع أن يقول: يا سيدى، يا رسول الله، ولم يكونوا يفعلون ذلك في محياه ولا في مماته، بل كان يأمرهم بذكر الله ودعائه والصلاة والسلام عليه، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً ـ إلى قوله ـ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران١٧٣، ١٧٤] ، وفي صحيح البخارى عن ابن عباس: "أن هذه الكلمة قالها إبراهيم حين ألقى في النار، وقالها محمد ﷺ وأصحابه حين قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم". وفي الصحيح عن النبي ﷺ : أنه كان يقول عند الكرب: " لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب السموات والأرض ورب العرش العظيم ". وقد روي أنه علم نحو هذا الدعاء بعض أهل بيته. وفي السنن: أن النبي ﷺ كان إذا حدث َه أمر قال: " يا حى، يا قيوم، برحمتك أستغيث ". وروي أنه علم ابنته فاطمة ﵍ أن تقول: "يا حى، يا قيوم، يا بديع السموات والأرض، لا إله إلا أنت، برحمتك أستغيث، أصلح لى شأنى كله، ولا تِكَلْنى إلى نفسى طَرْفَة عين، ولا

стр. 184

إلى أحد من خلقك ". وفي مسند أحمد وصحيح أبي حاتم لن حبان عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: " ما أصاب عبدًا قط هَمٌّ ولا حَزَن فقال: اللهم إنى عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصِيتى بيدك، ماضٍ في حكمك، عَدْل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سَمَّيتَ به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو عَلَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك: أن تجعل القرآن العظيم رَبِيع قلبى، ونور بصرى، وجلاء حُزّنى، وذهاب هَمِّى وغمى، إلا أذهب الله همه وغمه، وأبدله مكانه فرحا ". قال: يا رسول الله، أفلا نتعلمهن؟ قال: " ينبغى لمن سمعهن أن يتعلمهن ". وقال لأمته: " إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، يُخَوِّف الله بهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة، وذِكْر الله، والاستغفار ". فأمرهم عند الكسوف بالصلاة والدعاء والذكر والعتق والصدقة، ولم يأمرهم أن يدعوا مخلوقا ولا ملكا ولا نبيا ولا غيرهم. ومثل هذا كثير في سنته، لم يشرع للمسلمين عند الخوف إلا ما أمر الله به؛ من دعاء الله، وذكر الله والاستغفار، والصلاة، والصدقة، ونحو ذلك. فكيف يعدل المؤمن بالله ورسوله عما شرع الله ورسوله إلى بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، تُضَاهى دين المشركين والنصارى؟ ! . وإن زَعَم أحدٌ أن حاجته قضيت بمثل ذلك، فأنه مثل له شيخه ونحو ذلك، فعباد الكواكب ونحوهم من أهل الشرك يجرى لهم نحو هذا، كما تقدم، وقد تواتر عمن مضى من المشركين، وعن المشركين في هذا الزمان. ولولا ذلك ما عبدت الأصنام ونحوها، قال الخليل ﵇: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٥، ٣٦] . ويقال: إن أول ما ظهر الشرك في أرض مكة بعد إبراهيم الخليل من جهة " عمرو بن لُحِىِّ الخزاعى "،الذى رآه النبي ﷺ يجر أمعاءه في النار. وهو أول من سَيَّب السوائب، وغَيَّر دين إبراهيم. قالوا: إنه ورد الشام، فوجد فيها أصناما يزعمون أنهم ينتفعون بها في جَلْب منافعهم ودفع مضارهم، فنقلها إلى مكة، وسَنَّ للعرب الشرك وعبادة الأصنام.

стр. 185

والأمور التى حرمها الله ورسوله، من الشرك، والسحر، والقتل، والزنا وشهادة الزور، وشرب الخمر وغير ذلك من المحرمات، قد يكون للنفس فيها حظ مما تعده منفعة، أو دفع مَضَرَّة، ولولا ذ لك ما أقدمت نفس على المحرمات التى لا خير فيها بحال، وإنما يوقع النفوس في المحرمات الجهل أو الحاجة. فأما العالم بقبح الشىء والنهى عنه فكيف يفعله؟ ! والذين يفعلون هذه الأمور جميعها قد يكون عندهم جهل بما فيها من الفساد، وقد تكون بهم حاجة إليها، مثل الشهوة إليها، وقد يكون فيها من الضرر أعظم مما فيها من اللذة ولا يعلمون ذلك لجلهلهم أو لغلبة أهواؤهم حتى يفعلوها، والهوى الغالب يجعل صاحبه كأنه لا يعلم من الحق شيئاً، فإن حبك للشىء يُعْمِى ويُصِمُّ. ولهذا كان العالم من يخشى الله، قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد ﷺ عن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ﴾ [النساء: من الآية ١٧] . فقالوا: "كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب ". وليس هذا من مواضع البسط لبيان ما في المنهيات من المفاسد الغالبة، وما في المأمورات من المصالح الغالبة، بل على المؤمن أن يعلم أن ما أمر الله به فهو لمصلحة محضة أو غالبة، وما نهى الله عنه فهو مفسدة محضة أو غالبة، وأن الله لا يأمر العباد بما أمرهم به لحاجته منه إليهم، ولا نهاهم عمّا نهاهم بُخْلاً به عليهم، بل أمرهم بما فيه صلاحهم ونهاهم عما فيه فسادهم؛ ولهذا وصف نبيه بأنه ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] . وأما التمسح بالقبر أىّ قبر كان وتقبيله، وتمريغ الخد عليه، فمنهى عنه باتفاق المسلمين، ولو كان ذلك من قبور الأنبياء، ولم يفعله أحد من السّلف والأئمة، بل هذا من الشرك، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا﴾ الآية [نوح: ٢٣ ـ ٢٤] ، وقد تقدم أنها أسماء قوم صالحين كانوا في قوم نوح، وأنهم عَكَفوا على قبورهم مدة، ثم طال عليهم الأمد فصَوَّروا تماثيلهم؛ لا سيما إذا اقترن بذلك دعاء الميت والاستغاثة به. وقد تقدم ذكره، وما فيه من

стр. 186

الشرك، وبينا الفرق بين الزيارة البدعية التى يشبه أهلها بالنصارى والمشركين والزيارة الشرعية. وأما وضع الرأس عند الكبراء من الشيوخ وغيرهم، أو تقبيل الأرض ونحو ذلك، فهذا مما لا نزاع بين الأئمة في النهى عن ذلك، وفي المسند وغيره عن معاذ بن جبل: "أنه لما رجع من الشام سجد للنبي ﷺ فقال: " ما هذا يا معاذ؟ ". فقال: يا رسول الله، رأيتهم يسجدون لأساقفتهم، ويذكرون ذلك عن أنبيائهم، فقال: " كذبوا يا معاذ، لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عِظَم حقه عليها، يا معاذ، أرأيت إذا مررت بقبرى أكنت ساجداً؟ ". قال: لا. قال: " فلا تفعل "، أو كما قال الرسول ﷺ . بل قد ثبت في الصحيح من حديث جابر ﵁: "أنه صلى بأصحابه قاعدًا لمرض كان به، فصلوا قيامًا، فأمرهم بالجلوس، وقال: " لا تعظموني كما تعظم الأعاجم بعضها بعضًا "، وقال: " من سره أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار ". فإذا كان قد نهاهم مع قعوده وإن كانوا قاموا في الصلاة حتى لا يتشبهوا بمن يقومون لعظمائهم، وبين أن من سره القيام له كان من أهل النار فكيف بما هو شر من ذلك السجود له؟ ومن وضع الرأس، وتقبيل الأيدي ونحو ذلك؟ ! وقد كان عمر بن عبد العزيز وهو خليفة على الأرض كلها قد وكل عمالاً يمنعون الداخلين من تقبيل الأرض، ويؤدبهم إذا قبّل أحد الأرض. وبالجملة، فالقيام والركوع والسجود حق للواحد المعبود؛ خالق السموات والأرض، وما كان حقًا خالصًا لله لم يكن لغيره فيه نصيب؛ مثل الحلف بغير الله. قال الرّسول ﵌: " من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت ". متفق عليه. وقال أيضًا: " من حلف بغير الله فقد أشرك ". فالعبادة كلها لله وحده لا شريك له: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية [البينة: ٥] . وفي الصحيحين عن النبي ﵌ أنه قال: " إن الله يرضي لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا

стр. 187

تشركوا به شيئًا وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم ". وإخلاص الدين لله هو أصل العبادة. ونبينا ﵌ نهى عن الشرك دقِّه وجلِّه، ووجليه وخفيه، كبيره وصغيره، حتى إنه قد تواتر عنه النهى عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت غروبها بألفاظ متنوعة؛ تارة يقول: " لا تَحَرُّوا بصلاتكم طلوع الشمس ولا غروبها ". وتارة ينهى عن الصلاة بعد طلوع الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغرب الشمس. وتارة يذكر أن الشمس إذا طلعت طلعت بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ونهى عن الصلاة حينئذ؛ لما فيه من مشابهة المشركين في كونهم يسجدون للشمس في هذا الوقت، وأن الشيطان يقارن الشمس حينئذ ليكون السجود له، فكيف بما هو أظهر شركًا ومشابهة للمشركين من هذا؟ ! وقد قال فيما أمره الله أن يخاطب به أهل الكتاب: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إلى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤] ، وذلك لما في ذلك من مشابهة أهل الكتاب من اتخاذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون الله، ونحن منهيون عن مثل هذا، ومن عدل عن هدي نبيه ﵌ وهدي أصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى ما هو من جنس هدي النصارى، فقد ترك ما أمر الله به ورسوله. وأما قول القائل: فقضيت حاجتي ببركة الله وبركتك. فمنكر من القول؛ فإنه لا يقرن بالله في مثل ذبك غيره، حتى إن قائلا قال للنبي ﵌: ما شاء الله وشئت، فقال: " أجعلتني لله نِدّا؟ ! بل ما شاء الله وحده "، وقال لأصحابه: " لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شاء محمد ". وفي الحديث: "أن بعض المسلمين رأى قائلا يقول: نعم القوم أنتم، لولا أنكم تنددون. أي: تجعلون لله ندًا. يعني: تقولون: ما شاء الله وشاء محمد. فنهاهم النبي ﵌ عن ذلك ". وفي الصحيحين عن زيد بن خالد، قال: "صلى بنا رسول الله ﵌ صلاة الفجر بالحديبية في إثر سَمَاء من الليل، فقال: " أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ ". قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: " قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر. فأما من قال: مطرنا

стр. 188

بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب ". والأسباب التي جعلها الله أسبابًا لا تجعل مع الله شركاء وأندادًا وأعوانًا. وأما قول القائل: ببركة الشيخ، وإنه قد يعني بها دعاءه، فأسرعُ الدعاءِ إجابة دعوة غائب لغائب. وقد يعني بها بركة ما أمره به وعلمه من الخير، وقد يعني بركة اتباعه له على الحق، وقد يعني بركة معاونته له على الحق، وموالاته في الدين، ونحو ذلك. وهذه كلها معان صحيحة. وقد يعني بها دعاء الميت والغائب؛ واستقلال الشيخ بذلك التأثير، أو فعله لما هو عاجز عنه، أو غير قادر عليه، أو غير قاصد له، فمتابعته أومطاوعته على ذلك من البدع المنكرات، ونحو هذه المعاني الباطلة. والذي لا ريب فيه أن العمل بطاعة الله تعالى، ودعاء المؤمنين بعضهم لبعض، ونحو ذلك، هو نافع في الدنيا والآخرة، وذلك بفضل الله ورحمته. وأما سؤال السائل عن القطب الغوث الفرد الجامع، فهذا قد يقوله طوائف من الناس، ويفسرونه بأمور باطلة في دين الإسلام؛ مثل تفسير بعضهم: أن الغوث هو الذي يكون مدد الخلائق بواسطته في نصرهم ورزقهم، حتى قد يقولوا: إن مدد الملائكة وحيتان البحر بواسطته. فهذا من جنس قول النصارى في المسيح ﵇ والغالية في علي ﵁. وهذا كفر صريح، يستتاب صاحبه، فإن تاب وإلا قتل؛ فإنه ليس من المخلوقات لا ملك ولا بشر يكون إمداد الخلائق بواسطته؛ ولهذا كان ما يقوله الفلاسفة في العشرة الذين قد يزعمون أنها الملائكة، وما يقوله النصارى في المسيح ونحو ذلك، كفراً صريحاً باتفاق المسلمين. وكذلك إن عني بالغوث ما يقوله بعضهم: إنّ في الأرض ثلاثمائة وبضعة عشر رجلاً، وقد يسميهم النجباء، منهم سبعون هم النقباء، ومنهم أربعون هم الأبدال، ومنهم سبعة هم الأقطاب، ومنهم أربعة هم الأوتاد، ومنهم واحد هو الغوث، وأنه مقيم بمكة، وأن أهل الأرض إذا نابتهم نائبة في رزقهم ونصرهم فزعوا إلى الثلاثمائة والبضع عشر رجلاً، وأولئك يفزعون إلى السبعين،

стр. 189

والسبعون إلى الأربعين، والأربعون إلى السبعة، والسبعة إلى الأربعة، والأربعة إلى الواحد. وبعضهم قد يزيد في هذا وينقص في الأعداد والأسماء والمراتب؛ فإن لهم فيها مقالات متعددة حتى يقول بعضهم: إنه ينزل من السماء على الكعبة خضر باسم غوث الوقت، واسم مصره على قول من يقول منهم: إن الخضر هو مرتبة، وإن لكل زمان خضرًا، فإن لهم في ذلك قولين وهذا كله باطل لا أصل له في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا قاله أحد من سلف الأمة ولا أئمتها، ولا من المشايخ الكبار المتقدمين الذين يصلحون للاقتداء بهم. ومعلوم أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر وعثمان وعلياً كانوا خير الخلق في زمنهم، وكانوا بالمدينة، ولم يكونوا بمكة. وقد روى بعضهم حديثًا في هلال غلام المغيرة بن شعبة، وأنه أحد السبعين. والحديث كذب باتفاق أهل المعرفة، وإن كان قد روى بعض هذه الأحاديث أبو نعيم في حلية الأولياء، والشيخ أبو عبد الرحمن السلمي في بعض مصنفاته، فلا تغتر بذلك؛ فإنهما يرويان الصحيح والحسن والضعيف والموضوع، والكذب، ولا خلاف بين العلماء في أنه كذب موضوع. وتارة يروونه على عادة أهل الحديث الذين يروون ما سمعوه ولا يميزون بين صحيحه وباطله، وكان أهل الحديث لا يروون مثل هذه الأحاديث؛ لما ثبت في الصحيح عن النبي ﵌ أنه قال: " من حدث عني بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين ". وبالجملة، فقد علم المسلمون كلهم أن ما ينزل بالمسلمين من النوازل الرغبة والرهبة؛ مثل دعائهم عند الكسوف والاستسقاء لنزول الرزق، ودعائهم عند الكسوف، والاعتداد لدفع البلاء، وأمثال ذلك، إنما يدعون في ذلك الله وحده لا يشركون به شيئًا، لم يكن للمسلمين أن يرجعوا بحوائجهم إلى غير الله، بل كان المشركون به في جاهليتهم إذا اشتد بهم الكرب يدعونه بلا واسطة فيجيبهم الله، أفَتَرَاهم بعد التوحيد والإسلام لا يجيب دعاءهم إلا بهذه الواسطة التي ما أنزل الله بها من سلطان؟ قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ﴾ الآية [يونس: ١٢] ، وقال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ﴾ الآية [الإسراء: ٦٧] ، وقال تعالى:

стр. 190

﴿قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٠: ٤٣] . والنبي ﵌ استسقي لأصحابه بصلاة الاستسقاء، وبغير صلاة، وصلاتهم للاستسقاء كصلاة الكسوف، وكان يقنت في صلاته فيستنصر على المشركين، وكذلك خلفاؤه الراشدون من بعده، وكذلك أئمة الدين ومشايخ المسلمين، مازالوا، على هذه الطريقة؛ ولهذا قال العلماء المحققون: ثلاثة أشياء مالها من أصل: باب النصارى، ومنتظر الرافضة، وغوث الصوفية؛ فإن النصارى تدعي في الباب (١) الذي لهم ما هو من هذا الجنس؛ وأنه الذي يقيم العالم، فذاك شخصه موجود، ولكن دعوى النصارى فيه باطلة. وأما محمد بن الحسن العسكري منتظر الرافضة في سرداب سامرا، والغوث المقيم بمكة عند الصوفية، ونحو هذا، فإنه باطل ليس له أصل في الوجود، ولا وجود له. وكذلك ما يزعمه بعضهم من أن القطب الغوث الجامع يمد أولياء الله، ويعرفهم كلهم، ونحو هذا، فهذا باطل. فأبو بكر وعمر ﵄ لم يكونا يعرفان جميع أولياء الله وعددهم، فكيف هؤلاء الضالين المفترين الكذابين؟ ! والرسول ﵌ سيد ولد آدم إنما يعرف في الآخرة الذين لم يكن يراهم في الدنيا بسيما الوضوء، وهو الغُرَّة والتحجيل، ومن هؤلاء أولياء الله من لا يحصيه إلا الله. وأنبياء الله الذين هو إمامهم وخطيبهم لم يكن يعرف أكثرهم، بل قال الله له: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُم مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: ٧٨] ، وموسى لم يكن يعرف الخضر، والخضر لم يكن يعرف موسى، بل لما سلم عليه موسى قال له الخضر: "وأنَّي بأرضك السلام؟ فقال له: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم". فكان قد بلغه اسمه وخبره، ولم يكن يعرف عينه. ومن قال: إن الخضر نقيب الأولياء، وأنه يعلمهم كلهم، فقد قال الباطل. والصواب الذي عليه المحققون أنه ميت، وأنه لم يدرك الإسلام، ولو كان موجودًا في زمن النبي ﵌ لوجب عليه

стр. 191

أن يؤمن به، ويجاهد معه، كما أوجب الله ذلك عليه وعلى غيره، ولكان يكونبمكة والمدينة، وكان يكون حضوره مع الصحابة ﵃ للجهاد معهم وإعانتهم على الدين أولى به من حضوره عند قوم كفار ليدقع سفينتهم، ولم يكن أحد من خير أمة أخرجت للناس مختفياً، وهو قد كان بين المشركين ولم يحتجب عنهم. ثم ليس للمسلمين به وبأمثاله حاجة لا في دينهم ولا دنياهم، فإن دينهم أخذوه عن الرسول ﷺ النبي الأمي الذي علمهم الكتاب والحمكة، وقال لهم نبيهم: " لو كان موسى حياً ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم ". وعيسي ابن مريم إذا نزل من السماء إنما يحكم فيها بكتاب ربهم وسنة نبيهم. فأي حاجة لهم مع هذا إلى الخضر وغيره؟ ! والنبي ﵌ قد أخبرهم بنزول عيسي من السماء، وحضوره مع المسلمين، وقال: " كيف تهلك أمة أنا في أولها وعيسي في آخرها ". فإذا كان هذان النبيان الكريمان اللذان هما مع إبراهيم وموسى ونوح أفضل الرسل، ومحمد ﵌ سيد ولد آدم، ولم يحتجبوا عن هذه الأمة، لا عَوَامِّهم ولا خَوَاصِّهم، فكيف يحتجب عنهم من ليس مثلهم؟ ! وإذا كان الخضر حيًا دائمًا فكيف لم يذكر النبي ﵌ ذلك قط، ولا أخبر به أمته، ولا خلفاؤه الراشدون؟ ! وقول القائل: إنه نقيب الأولياء. فيقال له: من ولاه النقابة، وأفضل الأولياء أصحاب محمد ﷺ وليس فيهم الخضر؟ وعامة ما يحكى في هذا الباب من الحكايات أكثرها كذب، وبعضها مبني على وهم رجال؛ مثل شخص رأي رجلا توهم أنه الخضر، أو وقال: إنه الخضر، كما أن الرافضة ترى شخصًا تتوهم أنه الإمام المنتظر المعصوم، أو تدعي ذلك، وروي عن الإمام أحمد أنه قال: ـ وقد ذُكر له الخضر ـ: "من أحالك على غائب فما أنصفك، وما ألقى هذا على ألسن الناس إلا الشيطان". وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع. وأما إذا قصد القائل بقوله: القطب الغوث الفرد الجامع أنه رجل يكون أفضل أهل زمانه فهذا ممكن، لكن من الممكن أن يكون في الزمان اثنان

стр. 192

متساويان في الفضل، بل وثلاثة وأربعة، وأكثر، ولا يجزم بألا يكون في كل زمان أفضل الناس إلا واحدًا، وقد يكون جماعة بعضهم أفضل من بعض بوجه من وجوه، وبعضهم أفضل من بعض، وتلك الوجوه، إما متقاربة وإما متساوية. ثم إذا كان في الزمان رجل هو أفضل أهل الزمان فتسميته الغوث الفرد الجامع بدعة ما أنزل الله بها من سلطان، ولا تكلم بهذا أحد من سلف الأمة وأئمتها، وما زال السلف يظنون في بعضهم أنه أفضل أو من أفضل زمانه ولا يطلقون عليه هذه الأسماء التي ما أنزل الله بها من سلطان، لا سيما أن من المنتحلين لهذا الاسم من يدعي أن أول هؤلاء الأقطاب هو: الحسن بن على بن أبي طالب ﵄ ثم يتسلل الأمر إلى من دونه إلى بعض مشايخ المتأخرين، وهذا لا على مذهب أهل السنة، ولا على مذهب الرافضة. فأين أبو بكر وعمر وعثمان وعلى والسابقون من المهاجرين والأنصار؟ ! والحسن عند وفاة النبي ﵌ كان قد قارب سن والاحتلام. وقد حكي عن بعض الأكابر من الشيوخ المنتحلين لهذا الاسم: إن القطب الفرد الغوث الجامع ينطبق علمه على علم الله، وقدرته على قدرة الله، فيعلم ما يعلمه الله، ويقدر على ما يقدر عليه الله. وزعم أن النبي ﵌ كان كذلك، وأن هذا انتقل عنه إلى الحسن، فيتسلسل إلى شيخه. فبينت له أن هذا كفر صريح، وجهل قبيح، وأن دعوى هذا في الرسول ﵌ كفر، دع ما سواه، وقد قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ [الأنعام: ٥٠] ، وقال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللهُ﴾ الآية [الأعراف: ١٨٨] ، وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ، وقال تعالى: ﴿يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٤] ، وقال تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْ يَكْبِتَهُمْ فَيَنقَلِبُواْ خَآئِبِينَ﴾ والآية بعدها [آل عمران: ١٢٧، ١٢٨] ، وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء﴾ [القصص: من الآية ٥٦] . والله تعالى قد أمرنا أن نطيع رسوله وقد قال تعالى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ [النساء: ٨٠] ، وأمرنا أن نتبعه قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فاتَبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ، وأمرنا أن نعزره ونوقره وننصره، وجعل له من الحقوق ما بينه في كتابه وسنة رسوله، حتى أوجب علينا أن يكون أحب إلينا

стр. 193

من أنفسنا وأهلنا، فقال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦] ، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿الفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٢٤] ، وقال ﵌: " والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين ". وقال له عمر ﵁: "يا رسول الله، واللهِ لأنت أحبَّ إليَّ من كل شيء إلا من نفسي". فقال: " لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك ". قال: فأنت أحبّ إليَّ من نفسي، قال: " الآن يا عمر ". وقال: " ثلاث من كن فيه وَجَدَ حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار ". وقد بين في كتابه الحقوقه التي لا تصلح إلا له، وحقوق رسوله ﷺ ، وحقوق المؤمنين بعضهم على بعض، كما بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:٥٢] ، فالطاعة لله وللرسول، والخشية لله، والتقوي لله وحده، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَا آتَاهُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ سَيُؤْتِينَا اللهُ مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللهِ رَاغِبُونَ﴾ [التوبة: ٥٩] ، فالإيتاء لله وللرسول، كقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ، لأن الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله، وأما الحسب فهو لله وحده، كما قالوا: ﴿حَسْبُنَا اللهُ﴾ [التوبة: من الآية ٥٩] ، ولم يقل: حسبنا الله ورسوله، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: ٦٤] أي: يكفيكك الله ويكفي من اتبعك من المؤمنين، وهذا هو المقطوع به في هذه الآية؛ ولهذا كانت كلمة إبراهيم ومحمد عليهما صلى الله عليهم أجمعين: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: من الآية١٧٣] .

стр. 194

فصل قال العراقي: "النقل السادس: قال ابن عبد الهادي الحنبلي تلميذ الشيخ ابن تيمية في كتابه الصارم المنكي في الرد على السبكي ـ ناقلا عن شيخه ابن تيمية، ما نصه ـ: وإنما يعرف هذا في حكاية ذكرها الفقهاء عن أعرابي أتى القبر وتلا هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية [النساء: من الآية٦٤] ، وأنشد: يا خير من دفنت بالقاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم روحي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم وقد استحب طائفة من أصحاب الشافعي وأحمد مثل ذلك، واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يبت بها حكم شرعي، بل لقضاء حاجة هذا الأعرابي وأمثالها أسباب بسطت في غير هذا الموضع، وليس كل من قضيت له حاجة بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعاً، وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحاً ولا يكون عالماً أنه منهي عنه، فيثاب على حسن قصده، ويعفى عنه لعدم علمه وهذا باب واسع، ثم الفاعل قد يكون متأولا أو مخطئاً أو مجتهداً أو مقلداً، فيغفر له خطؤه، ويثاب على ما يفعله من الخير المشروع، كالمجتهد المخطئ وقد بسط هذا في غير هذا الموضع. هذا ما حكاه العراقي عن الصارم المنكي ثم قال: والحكاية التي ذكرها الفقهاء من كافة أهل المذاهب: مارواه العتبي التابعي الجليل عن الأعرابي: أنه أتى قبر النبي ﷺ وتلا الآية ثم قال: قد جئتك

стр. 195

مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي، وأنشد البيتين، وقد استحسن ذلك كافة أهل العلم، وذكروه في المناسك في بحث الزيارة، واستحبوا ذلك، وكيف لا يثبت الاستحباب بهذه الحكاية، وهي واقعة في خير القرون ولم تنكر، وارتضاها الفقهاء؟ فهي دليل على الاستحباب، ثم إن الشيخ ﵀ فسّؤ أن سؤال الحاجة من النبي ﷺ وغيره واقع، وأن المجتهد المخطئ والمقلد المتأول مثابون على حسن قصدهم، فلا يكفرون في مثل هذا، ولا يشركون ولا يؤثمون. انتهى كلام العراقي. والجواب: إن هذا النقل قد اعتراه ما اعترى أمثاله، وأجرى التحريف عليه قلم إفكه وضلاله، فإن الحافظ محمد بن عبد الهادي لما تكلم على الحكاية التي احتج بها السبكي عزاها إلى مالك في جوابه لأبي جعفر المنصور، وقرر أنها من الموضوعات وأن إسنادها إسناد مظلم منقطع، مشتمل على من يتهم بالكذب، وساق كلام الحفاظ في جرح رواتها، وإطراح حديثهم ثم قال بعد ذلك: وقد قال شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم: "ولم يكن أحد من السلف يأتي قبر نبي أو غير نبي لأجل الدعاء عنده، ولا كان الصحابة يقصدون الدعاء عند قبر النبي ﷺ ولا عند قبر غيره من الأنبياء، وإنما كانوا يصلون ويسلمون على النبي ﷺ وعلى صاحبيه. واتفق الأئمة على أنه إذا دعا بمسجد النبي ﷺ لا يستقبل قبره وتنازعوا عند السلام عليه". وذكر كلامهم في استقباله عند السلام، وقرّر رد الحكاية المذكورة عن مالك، وذكر نصوصه التي يخالفها، وأطال الكلام، ثم قال بعدها: "وأما الحكاية في تلاوة مالك هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ الآية [النساء: من الآية٦٤] فهو ـ والله أعلم ـ باطل؛ فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلم، ولم يذكر أحد منهم أنه استحب أن

стр. 196

يسأل بعد الموت لا استغفارا ولا غيره وكلامه المنصوص عنه وعن أمثاله ينافي هذا. ثم قال: "وإنما يعرف مثل هذا في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء عن أعرابي أنه أتى قبر النبي ﵌ وتلا هذه الآية وأنشد بيتين ـ وذكرهما الشيخ، ثم قال ـ: ولهذا استحب طائفة من متأخري الفقهاء من أصحاب الشافعي وأحمد مثل ذلك، واحتجوا بهذه الحكاية التي لا يثبت بها حكم شرعي لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعاً مندوباً لكان الصحابة والتابعون أعلم به وأعمل من غيرهم، بل قضاء الله حاجة مثل هذا الأعرابي وأمثاله لها أسباب وقد بسطت في غير هذا الموضع. وليس كل من قضيت حاجته بسبب يقتضي أن يكون السبب مشروعاً مأموراً به، فقد كان الرسول ﷺ يسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلا وتكون المسألة محرمة في حق السائل حتى قال: "إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا قالوا يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل". وقد يفعل الرجل العمل الذي يعتقده صالحا ولا يكون عالما أنه منهي عنه فيثاب على حسن قصده ويعفى عنه، لعدم علمه وهذا باب واسع. وعامة العبادات المبتدعة المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس ويحصل له بها نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها مشروعة بل لو لم تكن مفسدتها أغلب من مصلحتها لما نهي عنها، ثم الفاعل قد يكون متأولا أو مخطئا أو مقلدا فيغفر له خطؤه ويثاب على ما فعله من الخير المشروع المقرون بغير المشروع كالمجتهد المخطئ" انتهى. فانظر إلى هذا التحريف والتبديل الذي لم يسبقه إلى مثله من الأمة سابق، ولا يستحله إلا زنديق منافق. فقد حذف أول الكلام وما سيق لأجله، وحذف قول الشيخ: "فإن هذا لم يذكره أحد من الأئمة فيما أعلم ولم يذكر أحد منهم استحب أن يسأل النبي ﷺ بعد الموت لا استغفاراً ولا غيره، وكلام مالك المنصوص عنه وعن أمثاله ينافي هذا.

стр. 197

وبدل أيضاً كلام الشيخ فإن الشيخ قال: في حكاية ذكرها طائفة من متأخري الفقهاء، والعراقي نسبها عن الشيخ إلى كل الفقهاء. فقال: "في حكاية ذكرها الفقهاء" فاعرف إلحاده، وحذف وسط العبارة وهي قوله: "لا سيما في مثل هذا الأمر الذي لو كان مشروعاً مندوباً لكان الصحابة والتابعون أعلم وأعمل به من غيرهم"، وحذف من وسطها أيضاً قوله: "فقد كان رسول الله ﷺ يسأل في حياته المسألة فيعطيها لا يرد سائلا وتكون المسألة محرمة في حق السائل حتى قال: "إني لأعطي أحدهم العطية فيخرج بها يتأبطها نارا قالوا يا رسول الله فلم تعطيهم؟ قال: يأبون إلا أن يسألوني ويأبى الله لي البخل". وحذف أيضاً قوله: "وعامة العبادات المبتدعة المنهي عنها قد يفعلها بعض الناس ويحصل له بها نوع من الفائدة، وذلك لا يدل على أنها مشروعة بل لو لم تكن مفسدتها أغلب من مصلحتها لما نهي عنها" كل هذا حذفه. فهل ترى يا ذا العقل السليم أكذب من هذا على الله وعلى أولي العلم من خلقه وأشد جرأة على تبديل دينه وتغييره؟. وكلام الشيخ من أوله إلى آخره صريح في المعنى من دعاء الله عند قبر النبي ﷺ وحكاه عن الأئمة، وذكر اتفاقهم عليه، وأنّه لم يذكر أحد منهم استحباب سؤال النبي ﷺ بعد موته لا استغفاراً ولا غيره. ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ﴾ [البقرة: من الآية٥٩] وحرفوا نصوص أهل العلم وألحدوا فيها، وأحالوها عن صرائح نصوصها وظواهر كلماتها وهل بدلت أديان الأنبياء إلا بمثل هذا؟ والموعد قريب: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: من الآية٢٢٧] ومن كان هذا غاية رده ونهاية ما عنده، فلا يمتنع عليه تبديل ما اطلع عليه ورآه من كتب الشريعة ودواوين الإسلام، ولو سلك هذا المسلك في كتاب الله وفي أحاديث الرسول ﷺ لهدّم قواعدها واجتث أصلها، وطمس أعلامها وغير حقائقها، وقد قرأ بعض الجهمية قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً﴾ [النساء: من الآية١٦٤] بنصب الاسم الشريف على أنه معمول، ولم يتجاسر إلى هذه الغاية التى انتهى إليها العراقي، فالحمد لله الذي كشف عن سوأته، وأبدى خزيه لعباده المؤمنين.

стр. 198

فصل قال العراقي: "النقل الثالث عشر: قال ﵀ في كتاب الفرقان: "ونجد كثيراً من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه ولياً لله أنه صدر منه مكاشفة أو بعض التصرفات الخارقة للعادة، أو أن بعضهم استغاث به وهو غائب أو ميت، فرآه قد جاء فقضى حاجته، أو يخبر الناس بما سرق لهم أو بحال غائب لهم، أو مريض. وليس شيء من هذه الأمور يدل على أن صاحبها ولي لله، بل اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته للرسول ﷺ وموافقته لأمره ونهيه. وكرامات أولياء الله أعظم من هذه الأمور" انتهى نقله. ثم قال: فانظر إلى كلامه، ولا سيما قوله: "وأن بعضهم استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاء فقضى حاجته"، فإنه تسليم منه بأن هذا الأمر يقع على وجه الكرامة. ويستدل به على ولاية صاحبه، لكن بشرط أن يكون المستغاث به متابعاً لأمر الرسول ﷺ وموافقاً له ولنهيه". قال العراقي: "فحينئذ تبين أن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين ومن بعدهم من الأولياء العاملين، يجوز أن يعتقد فيهم الولاية، بسبب الاستغاثة بهم، سواء كانوا غائبين أو ميتين، وأن هذا يقع على وجه الكرامة، وأن كرامات الأولياء أعظم من هذه الأمور بل قد تقرر في كتب العقائد باتفاق أهل السنة أن كرامات أولياء الله يجب اعتقادها كما ذكره الشيخ في التحفة العراقية، بل قال: إن

стр. 199

منكرها من الخوارج والرافضة، ومعلوم أن الكرامة لا تنشأ عن فعل محرم، فلو كانت الاستغاثة محرمة لما عدّها الشيخ وغيره كرامة، بل حينئذ تكون استدراجاً، على أن الشيخ ذكر أن المجتهد والمقلد والمؤول الذي له حسن قصد لا يكون ذلك بالنسبة إليه محرماً، بل يكون جائزاً أو مستحباً لنسبته لاعتقادهم، وهذا ظاهر لا غبار عليه إلا على من طمس الله بصيرته" انتهى. والجواب أن يقال: سياق الكلام ومقتضى التقرير في كلام الشيخ الذي نقله العراقي نفي الولاية بهذه المذكورات، ونفي الاستدلال عليها بالمكاشفة وخوارق العادة، ورؤية المستغاث به من الغائبين والأموات، والإخبار بما سرق وبحال الغائب والمريض. وقرر أن هذا ونحوه لا يدل على الولاية أصلاً. وأن أولياء الله متفقون على أن الرجل لو طار في الهواء ومشى على الماء لم يغتر به، حتى يتقيد بمتابعة الرسول موافقته لأمره ونهيه، وهذا تصريح من الشيخ بنفي الاستدلال بهذا على الولاية وإبطاله. وليس فيه تسليم مجئ المستغاث به الميت أو الغائب إلى المستغيث وأنه يقضي حاجته وأنه يستدل به على الولاية، كما زعم العراقي. بل هو قد ذكر قوله: "فرآه" فأسند الرؤية إلى المستغيث، وقرر في هذا الكتاب وفي غيره أن الإنسان قد يرى بواسطة الشياطين أشخاصاً وأشباحاً يتراءون لمن يدعو غير الله، ويستغيث به، ويظهرون لهم في صورة من يعتقدونه من المشايخ والصالحين، وأن المستغاث به لا شعور له ولا دراية له بذلك أصلاً. وقد مرّ هذا فيما نقلناه من كلامه في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم، ونزيده إيضاحاً هنا. فكلام الشيخ في نفي الاستدلال بهذا على الكرامة، وأنه ليس منها. والعراقي صرف العبارة عن مدلولها، وصدف عنها، ونسب إلى الشيخ ما لا يحتمله كلامه بوجه من الوجوه ﴿فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: من الآية٤٤] . قال الشيخ ﵀: "والطلب من النبي ﷺ بعد موته وفي مغيبه ليس

стр. 200

مشروعاً قط، ولكن كثير من الناس يدعو الموتى والغائبين من الشيوخ وغيرهم. فتمثل لهم الشياطين تقضي بعض مآربهم، لتضلهم عن سبيل الله، كما تفعل الشياطين بعبّاد الأصنام وعباد الشمس والقمر: تخاطبهم وتتراءى لهم، وهذا كثير يوجد في زماننا وغير زماننا. وقال رحم الله: واتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي ﷺ ولا يقبل، وهذا كله محافظة على التوحيد؛ فإن من أصول الشرك بالله، اتخاذ القبور مساجد. قال طائفة من السلف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ الآية [نوح: من الآية٢٣] : "هؤلاء كانوا قوماً صالحين في قوم نوح، فلما ماتوا عكفوا على قبورهم، ثم صوروا تماثيلهم ثم طال عليهم الأمد، فعبدوهم" وقد ذكر بعض هذا البخاري في صحيحه، لما ذكر قول ابن عباس، وذكره ابن جرير وغيره عن غير واحد من السلف، وذكره وثيمة وغيره في قصص الأنبياء من عدة طرق" انتهى. وقال ابن القيم في كلامه عن قصة الطفيل بن عمرو الدوسي: "ومنها وقوع كرامات الأولياء، وأنها إنما تكون لحاجة في الدين أو منفعة في الإسلام والمسلمين، فهذه هي الأحوال الرحمانية التي سببها متابعة الرسول، ونتيجتها إظهار الحق، وكسر الباطل، والأحوال الشيطانية ضدها سبباً ونتيجة". وقول العراقي: "فحينئذ تبين أن النبي ﷺ وأصحابه والتابعين ومن بعدهم من الأولياء العاملين يجوز أن يعتقد فيهم الولاية بسبب الاستغاثة بهم، سواء كانوا غائبين أو ميتين". فهذا كلام باطل لم يدل عليه كلام الشيخ، ولم يتبين منه، بل هو كلام جاهل لا يدري شرع الله، ولا يعرف دينه، وما جاءت به رسله، فإن ولاية الرسول ﷺ لله أظهر من أن تحتاج إلى دليل، ورتبة النبوة فوق الولاية، فضلاً عن رتبة الرسالة، فضلاً عن رتبة أولي العزم. فهذه مراتب علية لا يدركها آحاد الأولياء والمؤمنين، فكيف يقال: يجوز أن يعتقد في النبي ﷺ وأصحابه الولاية

стр. 201

بسبب الاستغاثة؟ وقد يستجاب للمستغيث بالأصنام، فأثبت ولايتهم بأمر يكون للأصنام والأوثالن مشاركة فيه، فتعساً له، وويل أمه ما أجهله، وأكتف حجابه وأفحش خطابه. واعتقاد الولاية لا يسوغ ولا يجوز بسبب الاستغاثة ودعاء غير الله وصريح الكتاب والسنة وإجماع الأمة، على أن الولاية لا تثبت بسبب من هذه الأسباب التي أنكرها الشيخ وألزمه إياها هذا العراقي جهلاً وظلماً. وإنما تثبت بالإيمان بالله واليوم الآخر والكتب والنبيين، والقيام بالواجبات الدينية والأركان الإسلامية، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿الْمُتَّقُونَ) [البقرة:١٧٧] ، وقال: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ (يونس:٦٢ ـ ٦٣) ، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً﴾ [لأنفال: ٢ ـ ٤] فهذا ونحوه هو الذي يستدل به على الولاية وتبثت به الولاية للعبد، وهذا معنى كلام الشيخ، وهذا الذي يفيده تقريره الذي مر، ولكن العراقي ألف الكذب والإلحاد، فصار له سجية يتهيأ لها بغير فكر ولا رؤية. ولو كانت الاستغاثة بغير الله سبباً للولاية ودليلاً عليها للزم القول بولاية كل معبود مع الله من الفاسقين والكهان والشياطين، بل والأصنام؛ لأن عابيدها قد تقضي حوائجهم، ويخاطبون منها، كما ذكره الشيخ وغيره، وقرروا ما ورد في السير من سماع الخطاب من الأصنام والأوثان، فجعل الاستغاثة بهم سبباً للولاية جهل عظيم، ثم الأسباب لا توجب وجود المسبب بنفسها، وفرق بين الدليل والسبب، لو كان هذا ممن يعقل الخطاب، ويفرق بين الخطأ والصواب. وأما قوله: "بل تقرر في كتب العقائد باتفاق أهل السنة أن كرامات الأولياء يجب اعتقادها كما ذكر الشيخ في التحفة العراقية" فكلام الشيخ في التحفة العراقية وغيرها وكلام أهل السنة في إثبات الكرامة حق لا ريب فيه، وإنما الذي ينكره المسلم ويرده بفطرته وضروريات دينه اعتقاد أمثال هذا العراقي من أن الكرامة تحصل بدعاء غير الله والاستغاثة به وأن ذلك دليل إثباتها. هذا لا

стр. 202

يقوله مسلم ولا يقوله كتابي، ولا عاقل يعرف ما يخرج من بين شفتيه، وحقيقة هذا الكلام قرمطة لا تخفى على عقلاء الأنام، وليس في كلام الشيخ أن الاستغاثة بغير الله كرامة للمستغاث، فمن أين أخذ العراقي هذا البهت ونسبه إليه؟!.

стр. 203

فصل قال العراقي: "النقل الرابع عشر، قال أيضاً في الفرقان: والناس في هذا الباب أصناف، منهم من اعتقد بشخص أنه ولي الله، وافقه في كل ما يظن أنه حدثه به قلبه عن ربه، وسلم له جميع ما يفعله، ومنهم إذا رآه فعل ما ليس بموافق للشرع أخرجه عن ولاية الله بالكلية، وإن كان مجتهداً مخطئاً. وخيار الأمور أوسطها. وهو أنه لا يجعل معصوماً، ولا مأثوماً إذا كان مجتهداً مخطئاً، فلا يتبع في كل ما يقول ولا يحكم عليه بالكفر والفسوق مع اجتهاده إذا خالف قول بعض الفقهاء، ووافق قول آخرين، لم يكن لأحد أن يلزمه قول المخالف، ويقول هو مخالف للشرع". والجواب أن يقال: ليس في هذا الكلام ما يدل على محل النزاع أصلاً، وقد تقدم أنه لا يعذر المجتهد المخطئ إلا في المسائل الاجتهادية التي يقع فيها النزاع بين الفقهاء أو ما يخفى دليلها، وأما ما علم من الإسلام بالضرورة، فليس من هذا القبيل، ويدل على هذا قول الشيخ هنا: "إذا خالف قول بعض الفقهاء، ووافق قول آخرين" وبهذا تعرف مراد الشيخ، وأن هذا العراقي تراكمت عليه ظلمات الجهل والطبع والهوى ظلمات بعضها فوق بعض.

стр. 204

فصل قال العراقي: "النقل الخامس الخامس عشر: قال في كتاب ذكر فيه الانتصار للإمام أحمد: إن الشيخ يحيى الصرصري صاحب الشعر المشهور ذكر عن علي بن إدريس أنه سأل الشيخ عبد القادر الجيلي: هل كان لله ولي على غير اعتقاد أحمد؟ وذكر جواب الشيخ عبد القادر ثم قال: "والصرصري الذي أشار إلى شعره ما ذكره في قصيدته اللامية المعروفة، حيث قال: وأخبرني من كان أصل طريقتي وساق أبياتاً من المنظومة. ثم قال العراقي: فانظر إلى مدح ابن تيمية ﵀ للصرصري، وقوله فيه: الفقيه الصالح صاحب الشعر المشهور، مع أن هذا الشعر الذي يعنيه شيخ الإسلام قد ذكر فيه أشياء تقتضي تكفيره على قول هؤلاء المبتدعو، فإنه استغاث بالرسول ﷺ بقوله: لأنت إلى الرحمن أقوى وسيلة ... إليه بها في الحادثات تنصل وقوله: وتسأل رب العالمين بميته ... على السنة البيضاء غير مبدل وهذا دعاء على قولهم، وقوله: وأنت على كل الحوادث لي ولي وقوله: على تربها خديك عفر وكلّ هذا يقتضي الإشراك على قواعد مذهبهم الجديد، والشيخ ابن تيمية أثنى عليه بأنه فقيه صالح، ولم يعترض عليه، فانظر

стр. 205

إلى هذه القصيدة وما فيها، وقابلها مع قول البوصيريّ: يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به البيتين. وقد صرّح في البيت الثاني إن مقصوده الشفاعة يوم القيامة بجاهه ﷺ مع أنه صادق، كما في البخاري وغيره، وفي تفسير قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الاسراء: من الآية٧٩] إنّه الشّفاعة العظمى. والجواب أن يقال: شيخ الإسلام ﵀ لم يتعرض شعر الصرصري في هذا النقل لا بمدح ولا بذم، وإنما أثنى على نفس الصرصري، وحكى عنه هذه المقالة، ولا يلزم من مدح شخص وحمده من جهة أن يكون ممدوحاً محموداً من كل جهة، بل لا يلزم من الحكم عليه بالإسلام أو الإيمان أن لا يحكم عليه بما يوجب نقص إيمانه، وخلل إسلامه، ويقتضي تأثيمه ببعض السيئات، وعقابه عليها. وقد ذكر الشيخ أن شعر يحيى الصرصري وقع فيه من الغلو والإطراء ما لا ينبغي أن يصدر مثله في حق مخلوق، وأنكر على من استغاث بغير الله أو دعاه. قال الشيخ ﵀ في رده على ابن البكري في مسألة الاستغاثة: "وأنه حرف الكلم عن مواضعه، وتمسك بمتشابهه، وترك المحكم، كما يفعله النصارى، وكما فعل هذا الضال ـ يعني ابن البكري ـ أخذ لفظ الاستغاثة، وهي تنقسم إلى الاستغاثة بالحي وإلى الاستغاثة بالميت. والاستغاثة بالحي تكون فيما يقدر عليه، فجعل حكم ذلك كله واحداً ولم يكفه حتى جعل السؤال بالشخص من مسمى الاستغاثة، ولم يكفه ذلك حتى جعل الطالب منه إنما طلب من الله لا منه فالمستغيث به مستغيث بالله، ثم جعل الاستغاثة بكل ميت من نبي وصالح جائزة، فدخل عليه الخطأ من وجوه: منها أنه جعل المتوسل به بعد موته في دعاء الله مستغاثاً به. وهذا لا يعرف في لغة أحد من الأمم، لا حقيقة ولا مجازاً، مع دعواه الإجماع على ذلك؛ فإن المستغاث به هو المسؤول المطلوب منه لا المسؤول به.

стр. 206

الثاني: ظنه أن توسل الصحابة في حياته كان توسلا بذاته ﷺ لا بدعائه وشفاعته فيكون التوسل به بعد موته كذلك وهذا غلط. الثالث: أنه أدرج السؤال أيضا في الاستغاثة به وهذا صحيح جائز في حياته وقد سوى في ذلك بين محياه ومماته وهنا أصاب في لفظ الاستغاثة لكن أخطأ في التسوية بين المحيا والممات وهذا ما علمته ينقل عن أحد من العلماء، لكنه موجود في كلام بعض الناس مثل الشيخ يحيى الصرصري ففي شعره قطعة منه والشيخ محمد بن النعمان كان له كتاب المستغاث بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام، وهؤلاء ليسوا من العلماء العالمين بمدارك الأحكام الذين يؤخذ بقولهم في شرائع الإسلام ومعرفة الحلال والحرام، وليس لهم دليل شرعي، ولا نقل عن عالم مرضي، بل عادة جروا عليها. وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم وله فضل وعلم وزهد إذا نزل به أمر خطا إلى الشيخ عبد القادر خطوات معدودة واستغاث به وهذا يفعله كثير من الناس؛ ولهذا لما نُبّه من نُبه من فضلائهم تنبهوا، وعلموا أن ما كانوا عليه ليس من دين الإسلام بل هو مشابهة لعباد الأصنام" انتهى. وقال ﵀ في أثناء كلام له: "ونحن نعلم أن الرسول ﷺ لم يشرع بالضرورة لأمته أن يدعو أحداً من الأموات لا الأنبياء ولا الصالحين ولا غيرهم، لا بلفظ الاستغاثة ولا يغيرها. كما أنه لم يشرع لأمته السجود لميت ولا لغير ميت ونحو ذلك، بل نعلم أنه نهى عن كل هذه الأمور، وأن ذلك من الشرك الذي حرمه الله تعالى ورسوله، ولكن لغلبة الجهل وقلة العلم بآثار الرسالة في كثير من المتأخرين لم يكن تكفيره بذلك حتى يبن لهم ما جاء به الرسول؛ ولهذا ما بينت هذه المسألة قط لمن يعرف أصل الإسلام إلا تفطن لها، وقال: هذا أصل دين الإسلام، وكان بعض أكابر الشيوخ من أصحابنا يقول: هذه أعظم ما بينت لنا، لعلمه أن هذه أصل دين الإسلام، وكان هذا وأمثاله في ناحية أخرى يدعون الأموات، ويسألونهم ويستجيرون بهم ويتضرعون إليهم، وربما كان ما يفعلونه أعظم لأنهم إنما يقصدون الميت في ضرورة نزلت بهم فيدعونه

стр. 207

دعاء المضطر، راجين قضاء حاجتهم بدعائه والدعاء به أو الدعاء عند قبره بخلاف عبادتهم لله، فإنهم يفعلونها في كثير من الأوقات على وجه العادة والتكلف، حتى إن العدو الخارج عن شريعة الإسلام ـ التتار ـ لما قدم دمشق خرجوا يستغيثون بالموتى عند القبور التي يرجون عندها كشف الضر، وقال بعض شعرائهم: يا خائفين من التتر ... لوذوا بقبر أبي عمر أو قال: عوذوا بقبر أبي عمر ... ينجيكموا من الضرر فقلت لهم: إنّ هؤلاء الذين تستغيثون بهم لو كانوا معكم في القتال لانهزموا كما انهزم من انهزم من المسلمين يوم أحد، ولهذا كان أهل المعرفة والدين والمكاشفة لم يقاتلوا في تلك المرة؛ لعدم القتال الشرعي الذي أمر الله به ورسوله، فلما كان بعد ذلك جعلنا نأمر الناس بإخلاص الدين والاستغاثة بالله، وإنهم لا يستغيثون بملك مقرب ولا نبي مرسل، فلما أصلح الناس أمورهم وصدقوا في الاستغاثة بربهم نصرهم على عدوهم نصراً عزيزاً لم يتقدم لهم نظيره، ولم تهزم التتار مثل هذه الهزيمة قبل ذلك، لما صح من تحقيق التوحيد لله وطاعة رسوله، مما لم يكن قبل ذلك، فإن الله ينصر رسله والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد" انتهى ما نقلته من كلامه. ولم يقتصر فيه على مجرد الإنكار، بل جعله شركاً وكفراً، بعد قيام الحجة والعلم بكفر فاعله، وجعله من ضرورات الدين، بل جعله أصل الدين، وجعل وجود هذا الشرك مانعاً من القتال الشرعي، وسبباً للهزيمة وعدم النصر، فأي إنكار أبلغ من هذا؟. وقد أنكر الشيخ ابن تيمية شعر الصرصري، ونص على أنه يقع فيه ما لا يسوغ ولا يجوز. وقوله: لأنت إلى الرحمن أقوى وسيلة ليس فيه استغاثة كما زعم العراقي، بل المقصود إنه ﷺ هو الواسطة بين العباد

стр. 208

وبين الله في إبلاغ شرعه ودينه، وبيان ما يحب ويرضى، وما يكرهه عنه وينهى فهو وسيلة لمن سار إلى الله على سبيله، وتمسك بهديه، وقبله قوله: سل الله رب العالمين يميتني ... على السنة البيضاء غير مبدل ليس صريحاً في أن السائل لله هو النبي ﷺ إذ يحتمل أنه أراد: سل أيها المذنب وأيها العبد، ولكنه التفت عن التكلم إلى الخطاب، وإحسان الظن بمثله أولى. وأما قوله: وأنت على كل الحوادث لي ولي فالمراد أنه يوالي الرسول ﷺ ويتولاه على كل الحوادث، في اليسر والعسر، والرخاء والشدة، والضيق والسعة. لا يوالي غير أولياء الله. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ، وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة:٥٥ ـ٥٦] ، فليس المراد بالولي المستغاث المعبود؛ فإن هذا فهم جاهلي شركي، وأهل الإسلام يفهمون من موالاة الرسول ﷺ محبته وتوقيره وتعزيره وطاعته والتسليم لأمره، والوقوف عند نهيه، وتقديم قوله على قول كل أحد، هذه هي موالاة أهل الإسلام، وما قال العراقي موالاة عبادة الأصنام. إذا عرفت هذا عرفت جهل هذا العراقي بمعاني الخطاب، وموضوع الكلام وأنه أجنبي عن مدارك الأحكام، والعلم بشرائع الإسلام، وأن قول البوصيري أشنع وأبشع من قول الصرصري، لما تضمنه من الحصر، ولما فيه من اللياذ بغير الله في الخطب الجليل، والحادث العمم، وهو قيام الساعة، وقد قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الأنعام:٤٠] ، فدعء غير الله في الأمور العامة الكلية أبشع من دعاء غيره في الأمور الجزئية، ولذلك أخبر أن عباد الأصنام لا يدعون غيره عند إتيان العذاب أو إتيان الساعة الهي الحادث العمم. وأما قول العراقي: إن مقصوده الشفاعة والجاه، فهذا لا يفيده شيئاً؛ لأن

стр. 209

عامة المشركين إنما يقصدون هذا، ولم يقصد الاستقلال إلا معطلة الصانع، وعامة المشركين إنما قصدوا الجاه والشفاعة، كما حكاه القرآن في غير موضع. وأما تشبيه العراقي بأنه ﷺ أعطى الشفاعة يوم القيامة، وأنزل عليه ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَاماً مَحْمُوداً﴾ [الاسراء: من الآية٧٩] ، فهذا تلبيس منه، وتشبيه على من لا يدري الحقائق ولم يتفطن لمسألة النزاع، فإن الخصومة والنزاع في طلب الشفاعة أو غيرها من الشفعاء في حال مماتهم، وقصدهم لذلك ونحوه من المطالب المهمة، وأما حصول الشفاعة بسؤاله ﷺ إياهم يوم القيامة، فهذا لا ينكر. وهو من جنس ما كان يطلب منه في حياته ﷺ . وأما بعد موته فلم يعرف عن أحد من أصحابه ولا عن أحد من أئمة الإسلام بعدهم أنه دعاه وطلب منه شفاعة أو غيرها، وإنما فعله بعض الخلوف الذين لا يرجع إليهم في مسائل الأحكام، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

стр. 210

فصل قال العراقي: "النقل السادس عشر: قال في الفتاوى في جواب سؤال ورد من كيلان، في مسألة خلق القرآن ما نصه: "فمسألة تكفير أهل الأهواء والبدع متفرعة على هذا الأصل، وفي الأدلة الشرعية ما يوجب أن الله لا يعذب أحداً من هذه الأمة على خطأ، وإن عذب المخطئ في غيرها ـ ثم ساق حديث أبي هريرة في الرجل الذي أمر أولاده بتحريقه، وأن يذروه في البحر وأنه شك في قدرة الله، ومع ذلك غفر الله له لما معه من خوف الله والإيمان به، ثم ذكر كلام الشيخ في الخطأ في الفروع العملية، وأنه قد وقع في بعض السلف ـ وساق قصة داود وسليمان وحكمهما في الغنم، ثم قال: انظر إلى كلامه وتأمله فإنه أنذر وأعذر، وتحاشى عن تكفير أهل البدع العظام القائلين بنفي قدرة الله أو عدم البعث". هذا كلامه بحروفه، ثم أطال الكلام في قصة داود وسليمان وزعم أنه معنى قوله تعالى: ﴿وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ [الانبياء: من الآية٧٩] ، فإن الله أقرّ حكمهما. والجواب أن يقال: قد أكثر هذا العراقي من التشبيه بعدم تكفير المخطئ وعدم تأثيمه، وقد مرّ من الجواب عن هذه الشبه ما فيه كفاية. وأكثر كلامه تكرير وإسهاب، يوهم الجهال به أنه قد قرر الصواب، وأوضح الخطاب، ولا يروج هذا إلا على

стр. 211

العوام ومن لا بصيرة له بحقيقة دين الإسلام. وقد قدمنا أن طرد قول العراقي واستدلاله يفيد عدم التأثيم والتكفير في الخطأ في جميع أصول الدين، كالإيمان بوجود الله وربوبيته وإلهيته وقدره وقضائه، والإيمان بصفات كماله الذاتية والفعلية، ومسألة علمه بالحوادث والكائنات قبل كونها، والمنع من التكفير والتأثيم بالخطأ في هذا كله رد على من كفر معطلة الذات، ومعطلة الربوبية، ومعطلة الأسماء والصفات، ومعطلة إفراده تعالى بالإلهية والقائلين بأنه لا يعلم الكائنات قبل كونها كغلاة القدرية، ومن قال بإسناد الحوادث إلى الكواكب العلوية، ومن قال بالأصلين النور والظلمة؛ فإن التزم العراقي هذا كله فهو أكفر وأضل من اليهود والنصارى، وإن زعم أن ثمَّ فرقاً بين هذا وبين مسألة النزاع التي هي دعاء الأمواب الغائبين فيما لا يقدر عليه إلا ربّ العالمين فيوجدنا هذا الفرق، وليوجدنا دليلاً على صحته، فإن لم يفعل ـ ولن يفعل ـ بطل تقريره وتأصيله، وعلم أهل العلم والإيمان أنه دلس مشبه، ليس من أهل الفقه والدين، ولا ممن يعرف الإسلام والمسلمين، ويفرق بين الموحدين والمشركين، بل هو في ظلمات الطبع والجهل والشرك المبين. وكلام شيخ الإسلام إنما يعرفه ويدريه من مارس كلامه وعرف أصوله، فإنه قد صرّح في غير موضع أن الخطأ قد يغفر لمن لم يبلغه الشرع، ولم تقم عليه الحجة في مسائل مخصوصة، إذا اتقى الله ما استطاع، واجتهد بحسب طاقته، وأين التقوى والاجتهاد الذي يدعيه عباد القبور والداعون للموتى وللغائبين؟ كيف والقرآن يتلى في المساجد والمدارس والبيوت؟ ونصوص السنة النبوية مجموعة مدونة معلومة الصحة والثبوت؟. والحديث الذي ذكره الشيخ في رجل من أهل الفترات قام به من خشية الله وخوفه والإيمان بثوابه وعقابه ما أوجب له أن أمر أهله بتحريقه، فأين هذا من هؤلاء الضلال الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا ما تتلوا الشياطين على دعاء غير الله، والشرك برب العالمين، فسحقاً لهذا الجاهل المفتري، وبعداً لكل ضال غوي.

стр. 212

ومن تأمل كلام الشيخ وسياقه عرف مقصوده، وأن الكلام فيمن كفر العصاة وأهل الكبائر، وذكر نزاع الناس في ذلك ثم قال: وأما السلف والأئمة فاتفقوا على أن الإيمان قول وعمل، فيدخل في القول: قول القلب واللسان، وفي العمل: عمل القلب والأركان. قال: وقال المنتصرون لمذهبهم: إن للإيمان أصولا وفروعا، وهو مشتمل على أركان وواجبات ومستحبات، بمنزلة اسم الحج والصلاة؛ فإن اسم الحج يتناول كل ما يشرع فيه من فعل وترك، مثل الإحرام وترك محظوراته، والوقوف بعرفة ومزدلفة ومنى، والطواف والسعي. ثم الحج مع هذا مشتمل على أركان، متى تركت لم يصح الحج، كالوقوف بعرفة، وعلى ترك محظور متى فعله فسد حجه، وهو الوطء. ومشتمل على واجبات، من فعل وترك، يأثم بتركها عمدًا، ويجب لتركها لعذر أوغيره الجبران بدم، كالإحرام من المواقيت، والجمع بين الليل والنهار بعرفة، وكرمي الجمار ونحو ذلك. ومشتمل على مستحبات من فعل وترك يكمل الحج بها، ولا يأثم بتركها، ولا توجب دماً، مثل رفع الصوت بالإهلال والإكثار منه، وسوق الهدى، وذكر الله في تلك المواضع، وقلة الكلام إلا في أمر ونهي. فمن فعل ذلك الواجب، وترك المحظور، فقد تم حجه وعمرته، وهو مقتصد من أصحاب اليمين في هذا العمل. لكن من أتى بالمستحب فهو أكمل وأتم حجًا وعملاً، وهو سابق مقرب، ومن ترك المأمور، وفعل المحظور، لكنه أتى بأركانه، وترك مفسداته فجه ناقص، يثاب على ما فعله من الحج، ويعاقب على ما تركه، وقد سقط عنه أصل الفرض. ـ إلى أن قال ـ: فمسألة تكفير أهل والأهواء والبدع متفرعة على هذا الأصل. ـ ثم ذكر مذاهب الأئمة في ذلك وذكر تكفير الإمام أحمد للجهمية، وذكر كلام السلف في تكفيرهم وإخراجهم من الثلاث والسبعين فرقة، وغلظ القول فيهم، وذكر الروايتين في تكفير من لم يكفرهم، وذكر أصول هذه الفرق، هم: الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والقدرية ـ ثم أطال الكلام في عدم تكفير هذه الأصناف. واحتج بحديث أبي هريرة ـ ثم قال: وإذا كان كذلك فالمخطئ في بعض المسائل إما أن يلحق بالكفار من

стр. 213

المشركين وأهل الكتاب، مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، فإن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة، هو من أعظم أصول الإيمان، وقواعد الدين، وإذا كان لا بد من إلحاقه ـ أي المخطئ ـ بأحد الصنفين، فإلحاقه بالمؤمنين المخطئين أشد شبهاً من إلحاقه بالمشركين وأهل الكتاب، مع العلم بأن كثيراً من أهل البدع منافقون النفاق الأكبر، فما أكثر ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم من زنادقة منافقين، وأولئك في الدرك الأسفل من النار. فتبين بهذا مراد الشيخ، وأنه في طوائف مخصوصة، وأن الجهمية غير داخلين، وكذلك المشركين، وأهل الكتاب لم يدخلوا في هذه القاعدة. فإنه منع إلحاق المخطئ بهذه الأصناف، مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، وهذا هو قولنا بعينه. فإنه إذا بقيت معه أصول الإيمان، ولم يقع منه شرك أكبر، وإنما وقع في نوع من البدع فهذا لا نكفره ولا نخرجه من الملة. وهذا البيان ينفعك فيما يأتي من التشبيه بأن الشيخ لا يكفر المخطئ والمجتهد، وأنه في مسائل مخصوصة، وبين أن الإيمان يزول بزوال أركانه وقواعده الكبار، كالحجّ يفسد بترك ركن من أركانه، وهذا عين قولنا، بلغ هو أبلغ من مسألة النزاع. ومن تأمل كلام الشيخ في هذا الباب عرف المراد، ومن أزاغ الله قلبه فلا حيلة فيه. وحديث الرجل الذي أمر أهله بتحريقه كان موحّداً ليس من أهل الشرك فقد ثبت من طريق أبي كامل عن حماد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة: "لم يعمل خيراً إلا التوحيد" فبطل الاحتجاج به عن مسألة النزاع. وأما الخطأ في الفروع والمسائل الاجتهادية إذا اتقى المجتهد ما استطاع فلم نقل بتكفير أحد بذلك ولا بتأثيمه. والمسألة ليست في محل النزاع. فإيراد العراقي لها هنا تكثر بما ليس له وتكبير لحجم الكتاب بما لا يغني عنه فتيلاً. وهل أوقع الاتحادية والحلولية فيما هم عليه من الكفر البواح والشرك العظيم والتعطيل لحقيقة وجود رب العالمين إلا خطؤهم في هذا الباب الذي اجتهدوا

стр. 214

فيه، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل؟ وهل قُتل الحلاّج باتفاق أهل الفتوى على قتله إلا ضلال اجتهاده؟ وهل كفر القرامطة وانتحلوا ما انتحلوه من الفضائح الشنيعة، وخلعوا ربقة الشريعة إلا باجتهادهم فيما زعموا؟ وهل قالت الرافضة ما قالت، واستباحت ما استباحت من الكفر والشرك وعبادة الأئمة الإثني عشر وغيرهم، ومسبة أصحاب الرسول ﷺ وأم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ﵄، إلا باجتهادهم فيما زعموا؟ وهؤلاء سلف العراقي في قوله: " إن كل خطأ مغفور". وهذا لازم له لا محيص عنه هنا، واستصحب ما ذكر هنا في رد ما يأتي، ويمر عليك من نحو هذه الشبهة، وقد تقدم في أول الجواب ما فيه كفاية، وإنما كررنا الجواب لتكرير الشبهة وإن عادت العقرب فالنعل لها حاضرة.

стр. 215

فصل قال العراقي: "النقل السابع عشر: "قال في الفتاوى أيضاً، وفي جوابه له: "وأما هؤلاء القلندرية المحلقين اللحى فمن أهل الضلالة، وأكثرهم كافر بالله ورسوله، لا يرون وجوب الصلاة ولا الصيام، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، بل كثير منهم أكفر من اليهود والنصارى، لويسوا من أهل الملة، ولا من أهل السنة. وقد يكون فيهم من هو مسلم، ولكنه مبتدع ضال، أو فاجر فاسق. ـ إلى أن قال ـ ويجب عقوبتهم جميعهم، ومنعهم من هذا الشعار الملعون، كما يجب ذلك في كل معلن ببدعة وفجور. وليس ذلك مختصاً بهم، بل كل من كان من المتفقهة، والمتعبدة، والمتفلسفة، ومن وافقهم من أهل الديوان والملوك، والأغنياء، والكتاب، والأطباء، والعامة خارجا عن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، لا يقر بجميع ما أخبر الله به على لسان رسوله، ولا يوجب ما أوجب الله ورسوله، ولا يحرم ما حرم الله ورسوله، أو يدين بدين يخالف الدين الذي بعث الله به رسوله ﷺ ظاهراً وباطنًا؛ مثل أن يعتقد أن شيخه يرزقه، أو ينصره أو يهديه، أو يغيثه، أو كان يعبد شيخه أو يدعوه ويسجد له، أو يفضله على النبي ﷺ تفضيلا مطلقا، أو مقيدا في شيء من الفضل الذي يقرب إلى الله تعالى، وكان يرى نفسه هو أو شيخه مستغنيا عن متابعة الرسول ﷺ ، فكل هؤلاء كفار إن أظهروا، ومنافقون إن لم أبطنوا. وهؤلاء الأجناس، وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان، فلقلة دعاة العلم والإيمان، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث
следующие страницы →