Полный текст (317 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
العوام ومن لا بصيرة له بحقيقة دين الإسلام. وقد قدمنا أن طرد قول العراقي واستدلاله يفيد عدم التأثيم والتكفير في الخطأ في جميع أصول الدين، كالإيمان بوجود الله وربوبيته وإلهيته وقدره وقضائه، والإيمان بصفات كماله الذاتية والفعلية، ومسألة علمه بالحوادث والكائنات قبل كونها، والمنع من التكفير والتأثيم بالخطأ في هذا كله رد على من كفر معطلة الذات، ومعطلة الربوبية، ومعطلة الأسماء والصفات، ومعطلة إفراده تعالى بالإلهية والقائلين بأنه لا يعلم الكائنات قبل كونها كغلاة القدرية، ومن قال بإسناد الحوادث إلى الكواكب العلوية، ومن قال بالأصلين النور والظلمة؛ فإن التزم العراقي هذا كله فهو أكفر وأضل من اليهود والنصارى، وإن زعم أن ثمَّ فرقاً بين هذا وبين مسألة النزاع التي هي دعاء الأمواب الغائبين فيما لا يقدر عليه إلا ربّ العالمين فيوجدنا هذا الفرق، وليوجدنا دليلاً على صحته، فإن لم يفعل ـ ولن يفعل ـ بطل تقريره وتأصيله، وعلم أهل العلم والإيمان أنه دلس مشبه، ليس من أهل الفقه والدين، ولا ممن يعرف الإسلام والمسلمين، ويفرق بين الموحدين والمشركين، بل هو في ظلمات الطبع والجهل والشرك المبين.
وكلام شيخ الإسلام إنما يعرفه ويدريه من مارس كلامه وعرف أصوله، فإنه قد صرّح في غير موضع أن الخطأ قد يغفر لمن لم يبلغه الشرع، ولم تقم عليه الحجة في مسائل مخصوصة، إذا اتقى الله ما استطاع، واجتهد بحسب طاقته، وأين التقوى والاجتهاد الذي يدعيه عباد القبور والداعون للموتى وللغائبين؟ كيف والقرآن يتلى في المساجد والمدارس والبيوت؟ ونصوص السنة النبوية مجموعة مدونة معلومة الصحة والثبوت؟.
والحديث الذي ذكره الشيخ في رجل من أهل الفترات قام به من خشية الله وخوفه والإيمان بثوابه وعقابه ما أوجب له أن أمر أهله بتحريقه، فأين هذا من هؤلاء الضلال الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، واتبعوا ما تتلوا الشياطين على دعاء غير الله، والشرك برب العالمين، فسحقاً لهذا الجاهل المفتري، وبعداً لكل ضال غوي.
стр. 212
ومن تأمل كلام الشيخ وسياقه عرف مقصوده، وأن الكلام فيمن كفر العصاة وأهل الكبائر، وذكر نزاع الناس في ذلك ثم قال: وأما السلف والأئمة فاتفقوا على أن الإيمان قول وعمل، فيدخل في القول: قول القلب واللسان، وفي العمل: عمل القلب والأركان.
قال: وقال المنتصرون لمذهبهم: إن للإيمان أصولا وفروعا، وهو مشتمل على أركان وواجبات ومستحبات، بمنزلة اسم الحج والصلاة؛ فإن اسم الحج يتناول كل ما يشرع فيه من فعل وترك، مثل الإحرام وترك محظوراته، والوقوف بعرفة ومزدلفة ومنى، والطواف والسعي. ثم الحج مع هذا مشتمل على أركان، متى تركت لم يصح الحج، كالوقوف بعرفة، وعلى ترك محظور متى فعله فسد حجه، وهو الوطء. ومشتمل على واجبات، من فعل وترك، يأثم بتركها عمدًا، ويجب لتركها لعذر أوغيره الجبران بدم، كالإحرام من المواقيت، والجمع بين الليل والنهار بعرفة، وكرمي الجمار ونحو ذلك. ومشتمل على مستحبات من فعل وترك يكمل الحج بها، ولا يأثم بتركها، ولا توجب دماً، مثل رفع الصوت بالإهلال والإكثار منه، وسوق الهدى، وذكر الله في تلك المواضع، وقلة الكلام إلا في أمر ونهي. فمن فعل ذلك الواجب، وترك المحظور، فقد تم حجه وعمرته، وهو مقتصد من أصحاب اليمين في هذا العمل.
لكن من أتى بالمستحب فهو أكمل وأتم حجًا وعملاً، وهو سابق مقرب، ومن ترك المأمور، وفعل المحظور، لكنه أتى بأركانه، وترك مفسداته فجه ناقص، يثاب على ما فعله من الحج، ويعاقب على ما تركه، وقد سقط عنه أصل الفرض. ـ إلى أن قال ـ: فمسألة تكفير أهل والأهواء والبدع متفرعة على هذا الأصل. ـ ثم ذكر مذاهب الأئمة في ذلك وذكر تكفير الإمام أحمد للجهمية، وذكر كلام السلف في تكفيرهم وإخراجهم من الثلاث والسبعين فرقة، وغلظ القول فيهم، وذكر الروايتين في تكفير من لم يكفرهم، وذكر أصول هذه الفرق، هم: الخوارج، والشيعة، والمرجئة، والقدرية ـ ثم أطال الكلام في عدم تكفير هذه الأصناف. واحتج بحديث أبي هريرة ـ ثم قال: وإذا كان كذلك فالمخطئ في بعض المسائل إما أن يلحق بالكفار من
стр. 213
المشركين وأهل الكتاب، مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، فإن الإيمان بوجوب الواجبات الظاهرة المتواترة، وتحريم المحرمات الظاهرة، هو من أعظم أصول الإيمان، وقواعد الدين، وإذا كان لا بد من إلحاقه ـ أي المخطئ ـ بأحد الصنفين، فإلحاقه بالمؤمنين المخطئين أشد شبهاً من إلحاقه بالمشركين وأهل الكتاب، مع العلم بأن كثيراً من أهل البدع منافقون النفاق الأكبر، فما أكثر ما يوجد في الرافضة والجهمية ونحوهم من زنادقة منافقين، وأولئك في الدرك الأسفل من النار.
فتبين بهذا مراد الشيخ، وأنه في طوائف مخصوصة، وأن الجهمية غير داخلين، وكذلك المشركين، وأهل الكتاب لم يدخلوا في هذه القاعدة. فإنه منع إلحاق المخطئ بهذه الأصناف، مع مباينته لهم في عامة أصول الإيمان، وهذا هو قولنا بعينه. فإنه إذا بقيت معه أصول الإيمان، ولم يقع منه شرك أكبر، وإنما وقع في نوع من البدع فهذا لا نكفره ولا نخرجه من الملة.
وهذا البيان ينفعك فيما يأتي من التشبيه بأن الشيخ لا يكفر المخطئ والمجتهد، وأنه في مسائل مخصوصة، وبين أن الإيمان يزول بزوال أركانه وقواعده الكبار، كالحجّ يفسد بترك ركن من أركانه، وهذا عين قولنا، بلغ هو أبلغ من مسألة النزاع.
ومن تأمل كلام الشيخ في هذا الباب عرف المراد، ومن أزاغ الله قلبه فلا حيلة فيه.
وحديث الرجل الذي أمر أهله بتحريقه كان موحّداً ليس من أهل الشرك فقد ثبت من طريق أبي كامل عن حماد عن ثابت عن أبي رافع عن أبي هريرة: "لم يعمل خيراً إلا التوحيد" فبطل الاحتجاج به عن مسألة النزاع.
وأما الخطأ في الفروع والمسائل الاجتهادية إذا اتقى المجتهد ما استطاع فلم نقل بتكفير أحد بذلك ولا بتأثيمه. والمسألة ليست في محل النزاع.
فإيراد العراقي لها هنا تكثر بما ليس له وتكبير لحجم الكتاب بما لا يغني عنه فتيلاً.
وهل أوقع الاتحادية والحلولية فيما هم عليه من الكفر البواح والشرك العظيم والتعطيل لحقيقة وجود رب العالمين إلا خطؤهم في هذا الباب الذي اجتهدوا
стр. 214
فيه، فضلوا وأضلوا عن سواء السبيل؟ وهل قُتل الحلاّج باتفاق أهل الفتوى على قتله إلا ضلال اجتهاده؟ وهل كفر القرامطة وانتحلوا ما انتحلوه من الفضائح الشنيعة، وخلعوا ربقة الشريعة إلا باجتهادهم فيما زعموا؟ وهل قالت الرافضة ما قالت، واستباحت ما استباحت من الكفر والشرك وعبادة الأئمة الإثني عشر وغيرهم، ومسبة أصحاب الرسول ﷺ وأم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ﵄، إلا باجتهادهم فيما زعموا؟ وهؤلاء سلف العراقي في قوله: " إن كل خطأ مغفور". وهذا لازم له لا محيص عنه هنا، واستصحب ما ذكر هنا في رد ما يأتي، ويمر عليك من نحو هذه الشبهة، وقد تقدم في أول الجواب ما فيه كفاية، وإنما كررنا الجواب لتكرير الشبهة وإن عادت العقرب فالنعل لها حاضرة.
стр. 215
فصل
قال العراقي: "النقل السابع عشر: "قال في الفتاوى أيضاً، وفي جوابه له: "وأما هؤلاء القلندرية المحلقين اللحى فمن أهل الضلالة، وأكثرهم كافر بالله ورسوله، لا يرون وجوب الصلاة ولا الصيام، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق، بل كثير منهم أكفر من اليهود والنصارى، لويسوا من أهل الملة، ولا من أهل السنة. وقد يكون فيهم من هو مسلم، ولكنه مبتدع ضال، أو فاجر فاسق.
ـ إلى أن قال ـ ويجب عقوبتهم جميعهم، ومنعهم من هذا الشعار الملعون، كما يجب ذلك في كل معلن ببدعة وفجور.
وليس ذلك مختصاً بهم، بل كل من كان من المتفقهة، والمتعبدة، والمتفلسفة، ومن وافقهم من أهل الديوان والملوك، والأغنياء، والكتاب، والأطباء، والعامة خارجا عن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، لا يقر بجميع ما أخبر الله به على لسان رسوله، ولا يوجب ما أوجب الله ورسوله، ولا يحرم ما حرم الله ورسوله، أو يدين بدين يخالف الدين الذي بعث الله به رسوله ﷺ ظاهراً وباطنًا؛ مثل أن يعتقد أن شيخه يرزقه، أو ينصره أو يهديه، أو يغيثه، أو كان يعبد شيخه أو يدعوه ويسجد له، أو يفضله على النبي ﷺ تفضيلا مطلقا، أو مقيدا في شيء من الفضل الذي يقرب إلى الله تعالى، وكان يرى نفسه هو أو شيخه مستغنيا عن متابعة الرسول ﷺ ، فكل هؤلاء كفار إن أظهروا، ومنافقون إن لم أبطنوا.
وهؤلاء الأجناس، وإن كانوا قد كثروا في هذا الزمان، فلقلة دعاة العلم والإيمان، وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان، وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث
стр. 216
النبوة ما يعرفون به الهدى، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك. وفي أوقات الفترات، وأمكنة الفترات: يثاب الرجل على ما معه من العلم، ويغفر له لم تقم الحجة عليه ما لا يغفر لمن قامت عليه الحجة، كما في الحديث المعروف: " يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة، ولا صيامًا، ولا حجًا، ولا عمرة، إلا الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة. ويقولون: أدركنا آباءنا يقولون: لا إله إلا الله فقيل لحذيفة بن اليمان: ما تغني عنهم لا إله إلا الله؟ فقال: تنجيهم من النار، تنجيهم من النار، تنجيهم من النار".
وأصل ذلك: أن المقالة التي هي كفر بالكتاب والسنة والإجماع، يقال: هي كفر قولا مطلقاً، كما دل على ذلك الدليل الشرعي؛ فإن الإيمان والتكفير من الأحكام المتلقاة عن الله ورسوله، ليس ذلك مما يحكم فيه الناس بظنونهم وأهوائهم. ولا يجب أن يحكى في كل شخص قال ذلك بأنه كافر حتى يثبت في حقه شروط التكفير، وتنتفى موانعه، مثل من قال: شرب الخمر أو الربا حلال؛ لقرب عهده بالإسلام، والنشأة ببلاد بعيدة، أو سمع كلاما أنكره ولا يعتقد أنه من القرآن ولا من أحاديث الرسول ﷺ ، كما كان بعض السلف ينكر أشياء حيث لم يثبت عنده أن النبي ﷺ قالها، وكان الصحابة يشكون في أشياء مثل رؤية الله وغير ذلك، ومثل الذي قال لأهله: " إذا أنا مِتُّ فاسحقوني، ثم ذروني في اليم؛ فلعلي أضل الله" ونحو ذلك؛ فإن هؤلاء لا يكفرون حتى تقوم عليهم الحجة الرسالية، وقد عفى الله لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان. وقد أشبعنا الكلام عليها في أماكنها، والفتوى لا تحتمل البسط أكثر من هذا. والله أعلم ". انتهى.
قال العراقي ـ بعد نقله لهذا ـ: "فتأمل كلام شيخ الإسلام في هذه الطائفة القلندرية وأشباههم، مع قوله: "إن أكثرهم لا يؤمن بالله ورسوله، وقوله: لا يرون وجوب الصلاة والصيام، ولا يحرمون ما حرّم الله ورسوله، وكثير منهم أكفر من اليهود والنصارى، وأنهم يخالفون الدين الذي بعث الله به رسوله باطنا وظاهراً، وأنهم يعتقدون أن شيخهم يرزقهم وينصرهم ويهديهم ويغيثهم، ويعبدون شيوخهم ويسجدون لهم، ويفضلون شيوخهم على النبي ﷺ وكل واحدة من
стр. 217
هذه الخصال مكفرة إذا اعتقدوا أن الرزق والنصرة والإغاثة من شيوخهم استقلالا من دون الله من غير تأويل أنها بشفاعتهم، وهذا كله عندهم لفتور آثار الرسالة، وكثير منهم لم يبلغهم ذلك وأنهم مثابون مغفور لهم على ما معهم من الإيمان. وإن كلمة لا إله إلا الله تنجيهم من النار حتى كررها الصحابي الجليل صاحب رسول الله ﷺ مع عدم إيجابهم الصلاة والصيام والزكاة والحج والعمرة وأن حال هؤلاء كحال بعض الصحابة وبعض السلف الشاكين في ثبوت بعض الآيات، أو بعض الأحاديث، ولم تبلغهم أو بلغتهم أولوها ومثل الذي أمر أهله بإحراقه وذره في الهواء واعتقد أن الله لا يقدر عليه وعلى بعثه وصرّح ﵀ أن الكفر لا يثبت على معين، إن أطلق عليه الكفر بالكتاب والسنة والإجماع، حتى تبثت شروط التكفير، وتنتفي موانعه. ومن جملة موانعه كما صرّح به غير مرّة: الاجتهاد في مسألة، ولو مخطئاً والتقليد لمجتهد في هذه المسألة أو تأويلاً يعذره الله فيه، أو شبهة أو جهلاً وحسن قصد، وانظر إلى قوله: فإن الإيمان والتكفير من الأمور المتلقاة عن الله ورسوله وليس ذلك مما يحكم الناس فيه بظنونهم وأهوائهم، فانصف يا أخي ولا تتجاسر على من يقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومع ذلك يوجب ما أوجبه الله ورسوله ويصلي ويصوم ويزكي ويحج ويحب الله ورسوله، ويؤمن بكتبه وملائكته ورسله، والله يصلنا وإياك.
والجواب أن يقال:
هذا العراقي يتكثر بما ليس له، ويخرج عن محل النزاع، ويوهم الجهال أنه قد أفاد وأجاد، وهو في ظلمات لا تنقشع ولا تكاد، وهذا الكلام الذي حكاه عن الشيخ صريح في تكفير من خرج عن الهدى ودين الحق الذي بعث الله به رسوله، ولا يقر بجميع ما أخبر الله به على لسان رسوله، أو لا يوجب ما أوجب الله ورسوله أو لا يحرم ما حرم الله ورسوله، أو كان يدين بدين يخالف ما بعث الله به رسوله ﷺ ظاهراً وباطناً، مثل أن يعتقد أن شيخه يرزقه أو ينصره أو يهيديه، أو يغيثه، أو كان يعبد شيخه أو يسجد له أو يفضله على النبي ﷺ تفضيلاً مطلقاً أو مقيداً، أو كان يرى أنه هو أو شيخه مستغيثاً عن متابعة
стр. 218
الرسول ﷺ ، قال: "فكل هؤلاء كفار إن أظهروا ومنافقون إن أبطنوا" فجزم بكفرهم وقرره، وهذا عين كلامنا، ولم نزد على الشيخ حرفاً واحداً، بل كلامه أبلغ، ويدخل تحته من التكفير بالجزئيات ما دون مسألة النزاع بكثير.
وأما قوله: "وإن كانوا قد كثروا في هذه الأزمنة فلقلة دعاة العلم وفتور آثار الرسالة في أكثر البلدان وأكثر هؤلاء ليس عندهم من آثار الرسالة وميراث النبوة ما يعرفون به الهدى، ,كثير منهم لم يبلغهم ذلك، وفي أوقات الفترات وأمكنة الفترات يثاب الرجل على ما معه من العلم، ويغفر له ما لم تقم الحجة عليه، ما لا يغفر لمن قامت عليه الحجة" إلى آخر كلامه.
فهذا هو الذي تمسك به العراقي، أعني على هذا الكلام الأخير، وظن أنه له لا عليه، وهذا غلط ظاهر وجهل مستبين؛ فإن النزاع فيمن قامت عليه الحجة، وعرف التوحيد، ثم تبين في عداوته ومسبته ورده كما فعل هذا العراقي، أو أعرض عنه فلم يرفع به رأساً، كحال جمهور عباد القبور ولم يعلم، ولكن تمكن من العلم ومعرفة الهدى، فأخلد إلى الأرض واتبع هواه، ولم يلتفت إلى ما جاءت به الرسل ولا اهتم به. وكان شيخنا محمد بن عبد الوهاب يقرر في مجالسه ورسائله أنه لا يكفر إلا من قامت عليه الحجة الرسالية، وإلا من عرف دين الرسول وبعد معرفته تبين في عداوته ومسبته، وتارة يقول: وإذا كنا لا نكفر من يعبد الكواز ونحوه ونقاتلهم حتة نبين لهم وندعوهم فيكف نكفر من لم يهاجر إلينا؟ ويقول في بعضها: وأما من أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فلا أدري ما حاله؟ وإذا كان هذا كلام شيخنا، وهذه طريقته فكيف يلزمه العراقي وينسب إليه التكفير بالعموم، ويحتج عليه بقول الشيخ: إن أهل الفترات ومن لم تبلغهم الدعوة يغفر لهم ما لا يغفر لغيرهم؟.
والعراقي لبس الحق بالباطل، وافترى على الشيخ، ونسب إليه ما ليس من مذهبه وما لم يقل، وألزمه ما هو بريء منه، ثم أخذ في رد ما افتراه وبهت الشيخ به، وبهذا تعرف أنه مخلط ملبس.
стр. 219
قال ابن القيم رحمه الله تعالى في كتاب طبقات المكلفين ـ بعد أن ذكر الطبقة السادسة عشرة ـ: "رؤوس الكفر وأئمته ودعاته الذين كفروا وصدوا عباد الله عن الإيمان وعن الدخول في دين الله رغبة ورهبة، فهؤلاء عذابهم مضاعف، ولهم عذابان: عذاب بالكفر، وعذاب بصد الناس عن الدخول في الإيمان قال تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَاباً فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: من الآية٨٨]ـ وأطال الكلام في تغليظ كفر هذه الطبقة، ومضاعفة عذابهم ـ، ثم ذكر الطبقة السابعة عشرة، فقال: "الطبقة السابعة عشرة: طبقة المقلدين وجهال الكفار وأتباعهم وحميرهم الذين هم معهم تبع يقولون: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: من الآية٢٢] ولنا أسوة بهم، ومع هذا فإنهم مسالمون لأهل الإسلام غير محاربين لهم كنساء المحاربين وخدمهم وأتباعهم الذين لم ينصبوا أنفسهم لما نصب له أولئك أنفسهم من السعي في إطفاء نور الله، وهدم دينه وإخماد كلماته، بل هم بمنزلة الدواب، وقد اتفقت الأمة على أن هذه الطبقة كفار وإن كانوا جهالا مقلدين لرؤسائهم وأئمتهم، إلا ما يحكى عن بعض أهل البدع أنه لم يحكم لهؤلاء بالنار، وجعلهم بمنزلة من لم تبلغه الدعوة. وهذا مذهب لم يقل به أحد من أئمة المسلمين لا الصحابة ولا التابعين ولا من بعدهم، وإنما يعرف عن بعض أهل الكلام المحدث في الإسلام، وقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "ما من مولود إلا وهو يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" فأخبر أن أبويه ينقلانه عن الفطرة إلى اليهودية والنصرانية والمجوسية ولم يعتقد في ذلك غير المربي والمنشأ على ما عليه الأبوان، وصح عنه أنه قال: "إنّ الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة". وهذا المقلد ليس بمسلم وهو عاقل مكلف، والعاقل لا يخرج عن الإسلام أو الفكر. وأما من لم تبلغه الدعوة فليس بمكلف في تلك الحال، وهو بمنزلة الأطفال والمجانين وقد تقدم الكلام عليهم.
قلت: وهذا الصنف ـ أعني من لم تبلغهم الدعوة ـ الذين استثناهم شيخ الإسلام ابن تيمية فيما نقل عنه العراقي، واستثناهم شيخنا الشيخ محمد رحمه
стр. 220
الله تعالى، وصنف شيخ الإسلام رسالة في أن الشرائع لا تلزمه إلا بعد البلاغ وقيام الحجة.
ثم قال ابن القيم ﵀: "والإسلام هو توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له والإيمان بالله وبرسوله واتباعه فيما جاء به، فما لم يأت العبد بهذا فليس بمسلم وإن لم يكن كافراً معانداً فهو كافر جاهل، فغاية هذه الطبقة أنهم كفار جهال غير معاندين، وعدم عنادهم لا يخرجهم عن كونهم كفارا فإن الكافر من جحد توحيد الله تعالى، وكذب رسوله، إما عنادا وإما جهلا وتقليدا لأهل العناد. فهذا وإن كان غايته أنه غير معاند فهو متبع لأهل العناد، وقد أخبر الله في القرآن في غير موضع بعذاب المقلدين لأسلافهم من الكفار، وأن الأتباع مع متبوعهم وأنهم يتحاجون في النار، وأن الأتباع يقولون: ﴿رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [لأعراف: من الآية٣٨] ، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مِنَ النَّارِ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ﴾ [غافر:٤٧ ـ ٤٨] ، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ، وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَاداً﴾ [سبأ: من الآية٣١ ـ ٣٣] فهذا إخبار من الله وتحذير بأن المتبوعين والتابعين اشتركوا في العذاب ولم يغن عنهم تقليدهم شيئا. وأصرح من هذا قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ، وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا﴾ [البقرة: ١٦٦ ـ ١٦٧] ،وصح عن النّبي ﷺ أنه قال: "من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه، لا ينقص من أوزارهم شيئاً". وهذا يدل على أن كفر من اتبعهم إنما مجرد اتباعهم وتقليدهم، نعم لا بد في هذا المقام من تفصيل به يزول الإشكال، وهو الفرق
стр. 221
بين مقلد تمكن من العلم ومعرفة الحق، فأعرض عنه، ومقلد لم يتمكن من ذلك بوجه، والقسمان واقعان في الوجود، فالمتمكن المعرض مفرط تارك للواجب عليه لا عذر له عند الله. وأما العاجز عن السؤال والعلم الذي لا يتمكن من العلم بوجه، فهم قسمان: أحدهما: مريد للهدى مؤثر له، محب له غير قادر عليه ولا على طلبه لعدم المرشد، فهذا حكمه حكم أرباب الفترات، ومن لم تبلغه الدعوة.
الثاني: معرض لا إرادة له ولا يحدث نفسه بغير ما هو عليه، فالأول: يقول يا رب، لو أعلم لك دينا خيراً مما أنا عليه لدنت به وتركت ما أنا عليه ولكن لا أعرف سوى ما أنا عليه، ولا أقدر على غيره فهو غاية جهدي ونهاية معرفتي. والثاني راض بما هو عليه لا يؤثر غيره، ولا تطلب نفسه سواه، ولا فرق عنده بين حال عجزه وقدرته وكلاهما عاجز؛ وهذا لا يجب أن يلحق بالأول لما بينهما من الفرق. فالأول كمن طلب الدين في الفترة فلم يظفر به فعدل عنه بعد استفراغ الوسع في طلبه عجزا وجهلا، والثاني كمن لم يطلبه بل مات على شركه وإن كان لو طلبه لعجز عنه، ففرق بين عجز الطالب وعجز المعرض.
فتأمل هذا الموضع والله يقضي بين عباده يوم القيامة بعدله وحكمته. ولا يعذب إلا من قامت عليه الحجة بالرسل، فهبذا مقطوع به في جملة الخلق. وأما كون زيد بعينه وعمرو قامت عليه الحجة أم لا فذلك مما لا يمكن الدخول بين الله وعباده فيه، بل الواجب على العبد أن يعتقد أن كل من دان بدين غير دين الإسلام فهو كافر، وأن الله لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسول هذا في الجملة. والتعيين موكول إلى علم الله وحكمه.
هذا في أحكام الثواب والعقاب وأما في أحكام الدنيا فهي جارية على ظاهر الأمر، فأطفال الكفار ومجانينهم كفار في أحكام الدنيا، لهم حكم أوليائهم وبهذا التفصيل يزول الإشكال في المسألة وهو مبني على أربعة أصول:
أحدها: أن الله سبحانه لا يعذب أحداً إلا بعد قيام الحجة عليه. كما قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ [الاسراء: من الآية١٥] ، وقال: ﴿رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ
стр. 222
لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: من الآية١٦٥] ، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ، قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الملك: ٨ ـ ٩] ، وقال: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك:١١] ، وقال: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ﴾ [الأنعام:١٣٠] ، وهذا كثير في القرآن يخبر أنه إنما يعذبهم لأنه قد جاءهم الرسول وقامت عليه الحجة، وهم المذنبون المفترون بذنوبهم، وقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ﴾ [الزخرف:٧٦] ، والظالم: من عرف ماجاء به الرسول، وتمكن من معرفته ثم خالفه وأعرض عنه، وأما من لم لم يكن عنده من الرسول خبر أصلاً، ولا تمكن من معرفته بوجه، وعجز عن ذلك فكيف يقال: إنه ظالم؟.
الأصل الثاني: أن العذاب يستحق بشيئين: أحدهما: الإعراض عن الحجة وعدم إرادته بها وبموجبها. الثاني: العناد لها بعد قيامها، وترك إرادة موجبها. فالأول كفر إعراض والثاني كفر عناد.
وأما كفر الجهل مع عدم قيام الحجة وعدم التمكن من معرفتها فهذا هو الذي نفى الله التعذيب عليه حتى تقوم حجته بالرسل.
والأصل الثالث: أن قيام الحجة يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة والأشخاص فقد تقوم حجة الله على الكفار في زمان دون زمان، وفي بقعة وناحية دون أخرى كما أنها تقوم على شخص دون آخر إما لعدم عقله وتمييزه كالصغير والمجنون، وإما لعدم فهمه؛ لكونه كالذي لا يفهم الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له، فهذا بمنزلة الأصم الذي لا يسمع شيئا ويتمكن من التفهم، وهو أحد الأربعة الذين يدلون على الله بالحجة يوم القيامة كما تقدم في حديث الأسود وأبي هريرة وغيرهما.
الأصل الرابع: أن أفعال الله تابعة لحكمته التي لا يخل
стр. 223
بها وأنها مصقودة لذاتها المحمودة وعواقبها الحميدة.
وهذا الأصل هو أساس الكلام في هذه الطبقات الذي عليه ينبني، مع تلقي أحكامها من نصوص الكتاب والسنة لا من آراء الرجال وعقولهم، ولا يدري قدر الكلام في هذه الطبقة إلا من عرف ما في كتب الناس، ووقف على أقوال الطوائف في هذا الباب، وانتهى إلى غاية مرامهم ونهاية إقدامهم والله الموفق للسداد الهادي إلى الرشاد.
وأما من لم يثبت حكمة ولا تعليلا، ورد الأمر إلى محض المشيئة التي ترجح أحد المثلين على الآخر بلا مرجح، فقد أراح نفسه من هذا المقام الضنك واقتحام عقبات هذه المسائل العظيمة، وأدخلها كلها تحت قوله تعالى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الانبياء: من الآية٢٣] لكمال حكمته وعلمه، ووضعه الأشياء مواضعها وأنه ليس في أفعاله خلل ولا عبث ولا فساد يسأل عنه كما يسأل المخلوق، وهو الفعال لما يريد، ولكن لا يريد أن يفعل إلا ما هوم خير ومصلحة ورحمة وحكمة، فلا يفعل الشر ولا الفساد ولا الجور، ولا خلاف مقتضى حكمته لكمال أسمائه وصفاته وهو الغني الحميد العليم الحكيم" انتهى.
فقف هنا وتأمل هذا التفصيل البديع، فإنه ﵀ لم يستثن إلا من عجز عن إدراك الحق مع شدّة طلبه وإرادته له، فهذا الصنف هو المراد في كلام شيخ الإسلام وابن القيم وأمثالهما من المحققين ﵏.
وأما العراقي وإخوانه المبطلون، فشبهوا بأن الشيخ لا يكفر الجاهل، وأنه يقول: هو معذور، وأجملوا القول ولم يفصلوا، وجعلوا هذه الشبهة ترساً يدفعون به الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وصاحوا على عباد الله الموحدين، كما جرى لأسلافهم من عباد القبور والمشركين، وإلى الله المصير، وهو الحاكم بعلمه وعدله بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون.
وأما من أعرض عن الهدى ودين الحق، ولم يرفع به رأساً بعد معرفته أو مع تمكنه من معرفته، فالأدلة القرآنية والأحاديث النبوية دالة على دخول هؤلاء
стр. 224
في الوعيد. قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:١٢٣ ـ ١٢٤] الآية.
وقول المعترض: إن الشيخ قال: لا يثبت الكفر على معين، فهذا تحريف ظاهر، وإنما قال الشيخ: لايحكم على معين. والفرق ظاهر، والشيخ شيخ الإسلام يقول ـ فيما ذكر في الجواب ـ: "إنه كفر قولا مطلقاً" وإنما توقف الحكم على المعين؛ لاحتمال عدم قيام الحكم، والعراقي يرى أن دعاء المشائخ والاستغاثة بهم وعبادتهم قربة مستحبة، فكيف يحتج بكلام الشيخ، وهو صريح في الحكم بأن هذه الأمور من المكفرات؟ فسبحان من طبع على قلبه وأعمى عين بصيرته.
قال العراقي: "النقل الثامن عشر: قال في كتاب الانتصار للإمام أحمد: ثم قد يوجد لأهل المعرفة من أولياء الله من خفيت عليه بعض السنة الاعتقادية أو غيرها، ويوجد منهم من قد أخطأ في بعض ذلك، كما يخطئ العلماء في بعض اجتهادهم فإن منها ما يكون دقيقاً ولم يبلغه فيها أثر, ومنها ما سبقه إليه قوم فتبعهم إما اجتهاداً أو تقليداً يعذر فيه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. وليس كل من أنكر شيئاً لم يبلغه يصير فاسقاً، بل قد يكون مجتهداً مخطئاً، فيثاب على اجتهاده، ويغفر له خطؤه، فقد أنكرت عائشة وطائفة معها رؤية محمد ربه، وأثبت ذلك ابن عباس وجمهور أهل السنة، ولم يقل أحدهما في صاحبه إلا خيراً، وكذلك أنكرت عائشة سماع أهل القليب الموتى نداء النبي ﷺ لهم يوم بدر، وثبتت النصوص أن الموتى يسمعون خفق النعال، وأنهم يسمعون كلام الأحياء، وأن عائشة لم تثبت عندها النصوص بذلك، وتأولت ظاهر قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل: من الآية٨٠] ولو أنكر اليوم من بلغته السنة الصحيحة لم يكن معذوراً كعذر عائشة.
والجواب أن يقال:
قد تقدم في جواب النقل السابع عشر: أن الشيخ لا يكفر إلا من قامت
стр. 225
عليه الحجة، وبلغته النصوص، ويقرر لأصحابه أن الشرائع لا تلزم إلا بعد البلاغ ولو توقف أحد في بلوغ الرسالة وقيام الحجة على بعض الناس في بعض المسائل، كمسألة توحيد الله ووجوب عبادته وحده لا شريك له التي هي مدلول "لا إله إلا الله" وهي من ضروريات الإسلام التي لا تخفى على الآحاد، ثم أمثال هذا العراقي ممن بلغته الآيات والأحاديث. فألحد وحرف وبدل، لا يشك في قيام الحجة عليه، وبلوغ الرسالة في هذه المسائل المخصوصة، وهو ممن بدل نعمة الله من بعد ما جاءته كفراً، ولا شك في كفره وكفر أمثاله، وإن لم تقم الحجة عليه لم تقم على أحد من عباد القبور.
فكلام الشيخ الذي نقل في هذا الكتاب من أوله إلى آخره: أن من بلغته الحجة في أصول الدين وأصر وعاند يكفر بالإجماع، وإنما يتوقف فيمن لم تقم عليه الحجة ولم يبلغه الدليل.
فظهر أن كلام الشيخ نص في تكفير هؤلاء المعاندين المحرفين للنصوص الصادين عن سبيل الله.
ثم أين مسألة الرؤية، ومسألة سماع الموتى من مسألة النزاع؟ وقد تقدم لك أن الرجل يتكثر بما ليس له، كالأقرع يفتخر بجمّة ابن عمّه.
قال العراقي: "النقل التاسع عشر: قال الشيخ شمس الدين ابن القيم في كتابه الكبائر، وفي كتاب السنة والبدعة له في بيان بدعة الرفض من هذين الكتابين: "قال الشيخ الحافظ السلفي ـ نزيل الإسكندرية ـ بسنده إلى يحيى بن عطاف المعدل ـ: إنه حكى عن شيخ من دمشق ـ ثم ساق حكاية منامية من جنس ما يتكثر به من الأوهام التي يتعلق بها أمثاله من الخرافيين".
والجواب أن يقال:
ليس في الحكاية جواز الاستغاثة برسول الله ﷺ ، وفاعل ذلك لا يحتج بفعله بإجماع المسلمين. وإنما سيقت العبارة لتقرير نصر الله لأوليائه، وإثابة من نصرهم ووالاهم. لا لأجل الاستغاثة. وأنها تجوز بغير الله وأن ذلك
стр. 226
صواب، والاستدلال بالحكاية خروج عن موضوعها وموضوع الكتاب الذي سيقت فيه، وابن القيم قرر في غير موضع أن دعاء الموتى هو أصل شرك العالم، وأنه من الشرك الأكبر الذي لا يغفره الله إلا بالتوبة منه بالكفر بالطاغوت وإخلاص الدين والعبادة لله وحده، وقرر ذلك في كتاب الإغاثة، وشرح المنازل، والدواء الشافي، وكتاب الهدي، وغير ذلك من مصنفاته، وسياق الحكاية صريح في أنها كرامة لأبي بكر وعمر، وإن الله هو الفاعل للكرامة، ودخول في دين عباد الكواكب والأصنام. وإنما ساق كلامهما دليلاً لو قالا إن الرسول قد فعل ذلك وأنه يستغاث به بعد موته، على أنه لا يسلم لهما، وإن قالاه، وقد حماهما الله عن ذلك وصان قدرهما عنه.
وقد مرّ في جواب الوجه السابع وما بعده من النقول عن اقتضاء الصراط المستقيم: أن الكائنات لا يحاط بأسبابها، وأنها ليست من الأدلة على الأمر والنهي والوجوب والاستحباب، والجواز والإباحة، وقد يكون السبب رحمة الله ونصره لأوليائه، وحاجة المضطر وفاقته. فالمضطر قد يستجاب له ولو دعا الله في الحانات والأسواق. قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ﴾ الآية [النمل: من الآية٦٢] ، فالجزم بأن الرسول هو الذي أجابه، والقول بذلك قول بلا علم، وتحكم بلا دليل ولا فهم، والعراقي ليس له عناية ولا معرفة بصناعة العلم والاستدلال، فهو كحاطب ليل أو حاطم سيل، ما وجده أخذه، وما اشتهاه قاله، من غير أصل يرجع إليه، ولا دليل يعول عليه، والله المستعان.
وقد مرّ أنه قد يستجاب لعباد الأصنام ونحوهم، وأن ذلك ليس بدليل، وإن طرده كفر متناه ـ كل هذا تقدم مستوفى، ويأتيك تمام الجواب بعد الحكاية التي تلي هذا.
قال العراقي: "الوجه العشرون: وقال ابن القيم: قال الشيخ كمال الدين بن العديم في تاريخ حلب: قال أخبرني أبو العباس أحمد بن عبد الواحد عن
стр. 227
شيخ من الصالحين يعرف بعمر بن الرعيني ـ وساق حكاية مثل السابقة وقعت لرافضي خبيث انتقم الله منه لتنقصه أبا بكر الصديق ﵁.
والجواب أن يقال:
هذه الحكاية من جنس ما قبلها، لا تدل على ما زعمه العراقي من الاستغاثة بالنبي ﷺ أو غيره، وليس في فعل هذا الرجل المستغيث ما يستأنس به ويستريح إليه المبطلون. ونقل ابن القيم لها وإيراده لمثل هذا يقصد به بيان فضل الصديق، وشناعة الرفض وقبحه، وأن الله أكرم صاحب نبيه وصديق الأمة بتعجيل العقوبة لأعدائه الرافضة، ومسخهم قردة وخنازير، أو أن من والى صديق الأمة وسلك ما عليه أهل السنة والجماعة من موالاة جميع الصحابة، فإن الله ينصره ويؤيده ويستجيب دعاءه. وقد تقدم قول الشيخ في المستغيثين بالنبي ﷺ ومنعه من ذلك ونهيه عنه. والاستغاثة بالأنبياء والصالحين بعد مماتهم وفي مغيبهم مسألة معروفة مشهورة تكلم فيها أهل العلم، ومنعوا منها أشد المنع، وذكروا أنها من شعب الشرك وأنها أصله الذي نشأ منه وتفرع عليه سائر الشركيات، وصنف الشيخ ﵀ مجلداً في منع الاستغاثة بالنبي ﷺ والتحذير منها، ومن الاستغاثة بغيره من الأنبياء والصالحين وقرر أدلة المنع من الكتاب والسنة والإجماع والاعتبار، وأكثر الكلام في المنع من هذا.
قال ﵀: "ومما يبين حكمة الشريعة وعظم قدرها وأنها كسفينة نوح أن الذين خرجوا عن المشروع خرجوا إلى الشرك. وطائفة منهم يصلون ويدعو أحدهم الميت فيقول: اغفر لي وارحمني. ومنهم من يستقبل القبر ويصلي إليه مستدبرا الكعبة ويقول: القبر قبلة الخاصة، والكعبة قبلة العامة. وهذا يقوله من هو أكثر الناس عبادة وزهداً، وهو شيخ متبوع ولعله أمثل أصحاب شيخه، وهو يقوله عن شيخه. وآخر من أعيان الشيوخ المتبوعين أصحاب الاجتهاد في العبادة والزهد، كان يأمر المريد أول ما يتوب أن يذهب إلى قبر الشيخ فيعكف عليه عكوف أهل التماثيل. وجمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادة القبور من الرقة والخشوع والدعاء وحضور القلب ما لا يجدونه في المساجد
стр. 228
وآخرون يحجون إلى القبور، وطائفة صنّفوا كتبا وسموها مناسك حج المشاهد، وآخرون يسافرون إلى قبور المشايخ وإن لم يسموا ذلك منسكا وحجا، فالمعنى واحد. وبعض الشيوخ المشهورين بالزهد والتصوف صنّف كتاب الاستغاثة بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام، وذكر من مناقب هذا الشيخ أنه حج مرة وكان قبر النبي ﷺ منتهى قصده، ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة وجعل هذا من مناقبه، وبسبب الخروج عن الشريعة صار بعض الشيوخ ممن يقصده من العلماء والقضاة اشتهر عنه أنه كان يقول: البيوت المحجوجة ثلاثة: مكة، وبيت المقدس، والبُدّة الذي في الهند الذي للمشركين لأنه يعتقد أن دين اليهود والنصارى حق.
وجاءه بعض إخواننا العارفين قبل أن يعرف حقيقته فقال: أريد أن أسلك على يديك، فقال: على دين اليهود أو النصارى أو المسلمين؟ فقال له: واليهود والنصارى ليسوا كفاراً؟ قال: لا تشدد عليهم ولكن الإسلام أفضل. ومن الناس من يجعل مقبرة الشيخ كعرفات، يسافرون إليها وقت الموسم، فيعرفون بها كما يفعل بالمغرب والمشرق.
وهؤلاء وأمثالهم صلاتهم ونسكهم لغير الله، فليسوا على ملة إبراهيم، والاستغاثة بالنبي ﷺ بعد موته موجودة في كلام بعض الناس مثل يحيى الصرصري، ومحمد بن النعمان، وهؤلاء لهم ظاهر صلاح، ولكن ليسوا من أهل العلم، بل جروا على عادة كعادة من يستغيث بشيخه في الشدائد ويدعوه. وكان بعض الشيوخ الذين أعرفهم ولهم ظاهر فضل وعلم وزهد إذا نزل به أمر خطا إلى جهة الشيخ عبد القادر خطوات واستغاث به، وهذا يفعله كثير من الناس.
وهؤلاء مستندهم مع العادة، قول طائفة: قبر معروف أو غيره ترياق مجرب، ومعهم الأدلة الباطلة: إن طائفة استغاثوا بحي أو ميت فرأوه قد أتى في الهواء وقضى بعض تلك الحوائج، وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة والأنبياء أو الكواكب أو الأوثان؛ فإن الشياطين تتمثل لهم، ولو ذكرت ما أعلم من الوقائع الموجودة في زماننا من هذا لطال هذا المقام".
ثم قال ـ حاكياً عن ابن البكريّ الذي صنف في جواز الاستغاثة
стр. 229
بالنبي ﷺ ورد عليه ـ وقد طاف بجوابه على علماء مصر ليوافقه واحد منهم، فما وافقوه، وطلب أن يخالفوا الجواب الذي كتبته ـ أي شيخ الإسلام ـ فما خالفوه. مع أن قوما كان لهم غرض وفيهم جهل بالشرع قاموا في ذلك قياما عظيما، واستعانوا بمن كان له غرض من ذوي السلطان مع فرط عصبيتهم وكثرة جمعهم، وقوة سلطانهم ومكايدة شيطانهم" انتهى.
فتأمل هذا الكلام فإنه يستبين لك به ضلال العراقي، وأنه لم يفهم المراد من الحكاية، وقد صرح شيخ الإسلام أن السنة كسفينة نوح، ومعلوم أن دعاء الأنبياء ليس من السنة، بل هو من البدع الشركية، ومنها أن بعضهم أفضى به ذلك إلى أن يصلي للميت، ويقول: اغفر لي وارحمني، وهذا جائز عند العراقي وإخوانه من عبّاد القبور، سائغ لا ينكر، ومنها أن بعض المستغيثين يعكف على القبر عكوف أهل التماثيل، وهذا واقع منهم أيضاً، وهذا من لوازم قولهم بجواز الاستغاثة، ومنها أن جمهور هؤلاء المشركين بالقبور يجدون عند عبادتها من الرقة والخشوع وحضور القلب ما لا يجدونه في المساجد، ومنها أن بعضهم يحج إلى القبور، وهذا عند العراقي وشيعته من الفضائل التي لا تنكر، ومنها: إنكار الشيخ على من صنّف كتاب الاستغاثة بالنبي ﷺ في اليقظة والمنام، وأن هذا المصنف حجّ مرة وكان قبر النبي ﷺ منتهى قصده، ثم رجع ولم يذهب إلى الكعبة، وفاعل ذلك عند العراقي وشيعته أفضل من الحاج إلى بيت الله، ومنها أن ذلك أفضى ببعضهم إلى أن قال: البيوت المحجوجة ثلاثة: مكة، وبيت المقدس، والبدّة الذي بالهند، وبعضهم لا يرى ذلك للبدّة الذي بالهند ويراه لمن يعتقده وما يؤلهه من المشايخ، ومنها أن بعضهم يعرّف عند مقابر الشيوخ كما يفعل بعرفة، وأن هذا وقع بالمغرب والمشرق، ومنها أن الشيخ نفى العلم عمن يستغيث بالنبي ﷺ كالصرصري وابن النعمان، وأنهم جروا على عادة العامة الذين يستغيثون بالمشايخ في الشدائد، ويدعونهم، ومنها أن من له ظاهر فضل وعلم وزهد قد يقع منه الشرك والاستغاثة بغير الله،
стр. 230
وأن مستندهم مع العادة قول طائفة: قبر معروف أو غيره ترياق مجرب، ومن المعلوم أن هذا القول صدر عن غير معصوم، وجمهور أهل العلم والإيمان قد ردوه وأنكروا على فاعله، وقد مضى فيما مرّ من عبارات شيخ الإسلام في اقتضاء الصراط المستقيم، أن هذا لا يعرف في عهد القرون المفضلة، وكفى بهذا ذماً، ومنها قوله: أن طائفة استغاثوا بحي أو ميت فرأوه قد أتى في الهواء وقضى بعض الحوائج، وهذا كثير واقع في المشركين الذين يدعون الملائكة أو الأنبياء أو الأوثان، فجزم بأن قضاء الحوائج قد يحصل لعباد الملائكة أو الأنبياء أو الكواكب أو الأوثان، وأنه لو حكى الوقائع الموجودة في زمانه لطال المقام.
قف هنا وتأمل كلام الشيخ تعرف أن العراقي ما زال في جاهليته وعوائده الشركية، لم يخرج منها إلى الملة الحنفية والسنة النبوية.
ومنها قول الشيخ ـ وهوثقة فيما يحكيه ـ بالإجماع أن علماء مصر لم يوافقوا من صنف في جواز الاستغاثة بالنبي فيما لا يقدر عليه إلا الله وأبوا أن يخالفوا ما كتبه شيخ الإسلام من المنع، فالحمد لله الذي لا نحصي ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، وفوق ما يثني به عليه عباده الصالحون.
стр. 231
فصل
قال العراقي: "وأما النذر فللشيخين فيه عبارات النقل الحادي والعشرين، قال في اقتضاء الصراط المستقيم: ومن قصد بقعة يرجو الخير بقصدها ولم يستحب في الشريعة قصدها فهو من المنكرات وبعضه أشد من بعض، سواء كانت البقعة شجرة أو عين ماء أو جبلاً أو مغارة، وأقبح من ذلك أن ينذر لتلك البقعة دهنا لتنويرها، ويقول: إنها تقبل النذر. فهذا النذر نذر معصية باتفاق العلماء، بل عليه كفارة عند أكثر أهل العلم؛ منهم أحمد في المشهور عنه، وعنه رواية كقول أبي حنيفة والشافعي وغيرهما: يستغفر الله من هذا النذر ولا شيء عليه" انتهى.
فانظر إلى كلامه في من نذر لبقعة أو جبل أو مغارة كيف قال: يلزمه كفارة يمين عند أحمد ويستغفر الله، ولا شيء عليه عند أبي حنيفة والشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد، ولم يقل: هذا النذر كفر مخرج عن الملة، مع أنه لشجرة أو بقعة من أرض، فكيف يكفر من نذر لأحد الأنبياء والصالحين، وقصده لوجه الله، وثوابه لذلك المنذور له، فإنه لا يضر بهذه الصورة بالاتفاق، كما سيأتي في كلام الشيخين. فإنهما قالا: إنه يصرف إلى الفقراء، وكذلك في مذهب الشافعي وأبي حنيفة.
قال الشيخ مرعي في الغاية، وصاحب الإقناع فيه، ومنصور البهوتي في شرحه وحاشيته، والثعلبي في شرح الدليل وغيرهم من سائر غالب كتب الحنابلة قالوا: قال الشيخ تقي الدين: النذر للقبور أو لأهل القبور، كالنذر لإبراهيم الخليل أو الشيخ فلان: نذر معصية لا يجوز الوفاء
стр. 232
به، وإن تصدق بما نذر من ذلك على من يستحقه من الفقراء والصاحين، كان خيراً له عند الله وأنفع" انتهى.
فلو كان الناذر كافراً عنده لم يأمره بالصدقة فإن الصدقة لا تقبل من الكافر، بل كان يأمره بتجديد إسلامه.
النقل الثاني والعشرون: قال ابن القيم في كتاب السنة والبدعة ما نصه:
стр. 233
فصل
ومن البدع ما زينه الشيطان لكثير من الجهلة من الرجال والنساء من تعظيم مكان لم يأذن الشارع بتعظيمه من زاوية أو طاقة أو حجر أو قبة أو شجرة أو عامود أو حرز حمام، وينذرون لذلك النذور، ويوقدون عنده الضوء ويخلقونه بالزعفران ويطيبونه بماء الورد وغيره، ويطلبون عنده الشفاء لهم ولأولادهم. وكل ذلك بدعة وإشراك بالله ، وكذلك النذر لقبور المشايخ والصالحين وطلب الشفاء من قبلهم نذر معصية وإشراك بالله تعالى. والنبي ﷺ قد نهى عن النذر لله، وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به مال البخيل".
والنذر للقبور أي قبر كان نذر معصية، لا يحل الوفاء به، بل صرفه إلى الفقراء والمساكين والأرامل واليتامى أفضل عند الله، وأنجح لقضاء الحاجة.
ولوكان هذا شركاً مخرجاً عن الملة لما جاز صرفه للفقراء، ولم يكن أفضل، بل لا فضيلة، لأعمال الخارج عن ملة الإسلام.
والجواب أن يقال:
ليس في كلام الشيخ، ولا كلام ابن القيم ما يدل على أن النذر الواقع من عباد القبور لمن يدعونه ويقصدونه لحوائجهم وإغاثتهم في الشدائد أنه ليس بشرك، بل كلام الشيخ ابن القيم صريح في أنه نذر معصية وإشراك بالله تعالى, فكيف يسوقه وقد عده ابن القيم من أنواع الشرك الأكبر، وقرنه بالتوكل على غير الله، والعمل لغيره، والإنابة والخضوع، والذل لغير الله، وابتغاء الرزق من عند
стр. 234
غيره؟ وقد تقدم ذلك، فراجع كلامه في موضعه تعرف كذب العراقي على الله، وعلى رسوله، وعلى أولي العلم من خلقه. فرحم الله امرءاً نظر لنفسه قبل أن نزل به قدم، ويحال بينه وبين العمل، وتعظم الحسرة منه والندم وكذلك الشيخ صرح بأنه معصية، والمعصية تصدق بالشرك وغيره من الكبائر إذا أطلقت.
واستدلال المعترض بأنه لم يقل: هذا النذر كفر مخرج عن الملة ـ فإطلاق المعصية كان هو المقصود، وأيضاً فالكفر إنما يطلق بعد قيام الحجة، وبلوغ الدليل، وقد تقدم أن الشيخ محمداً ﵀ لا يكفر إلا بعد قيام الحجة.
وقول العراقي: فكيف يكفر من نذر لأحد الأنبياء وقصده لوجه الله؟.
ففي هذه العبارة شيئان:
الأول: استبعاده تكفير من نذر للأنبياء، وجعله ذلك دون النذر للشجرة والبقعة مع أن الفتنة بقبور المعظمين أشد محنة من الشجر والبقاع. وقد قال النبي ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" فالشرك بالأنبياء والصالحين أخوف وأعظم فتنة، كما هو معروف.
والثاني: إضافته النذر لأحد الأنبياء، وقوله بعده: وقصده لوجه الله، فإذا كان النذر نفسه للأنبياء والصالحين بطل قوله: وقصده لوجه الله. وإنما يكون ذلك نذراً لله وحده، وجعل الثواب لمن شاء من عباده، ومسألة إهداء ثواب القرب إلى الأنبياء لا يخفى ما فيها من القول بالمنع، على من له أدنى ممارسة للعلم.
والقصد هنا بيان تناقض العراقي، وأن كلامه يدفع بعضه بعضاً.
وقوله: فإن ذلك لا يضر بالاتفاق ـ كذب ظاهر، فإن قول الشيخين: إنه يصرف إلى الفقراء: دليل على أنه يضر إذا صدر منه لغير الله، وأنه مأمور بالتوبة، وصرف ذلك إلى الجهة المشروعة، وقد صرف النبي ﷺ مال اللات
стр. 235
في الجهاد والمصارف الشرعية التي يستعان بها على عبادة الله وحده لا شريك له، والاستدلال بصرفها في ذلك المصرف الشرعي على أنها شرك وضلال أوجبه الاستدلال بذلك على أن النذر للأصنام ونحوها ليس بشرك.
وأما ما ذكره عن بعض الحنابلة إنهم نقلوا عبارة الشيخ في أن النذر للقبور ولأهلها نذر معصية، فأي دليل في هذا، والمعصية إذا أطلقت دخل فيها الشرك كما تقدم؟ قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا﴾ [النساء: من الآية١٤] وقال عن فرعون: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَى﴾ [النازعات:٢١] .
وأما قوله: فلو كان الناذر كافراً عنده لم يأمره بالصدقة، فإن الصدقة لا تقبل من الكافر.
فالجواب من وجوه:
الأول: أنه إذا أقلع عن الذنب وصرف المال في مصرفه الشرعي، فهذا رجوع منه عما كان عليه وتوبة منه.
الثاني: أنه لا يقال بالكفر مطلقاً لكل ناذر لغير الله حتى تقوم الحجة الرسالية عليه.
وأما ما نقله عن ابن القيم، فقد صرّح فيه بأنه نذر ومعصية وإشراك، وشبهة هذا العراقي: أنه لو كان شركاً مخرجاً عن الملة لما جاز صرفه للفقراء، فالعراقي لم يفرق بين النذر والمنذور، فكون النذر شركاً لا يمنع الانتفاع بالمنذور في الجهة الشرعية، كما تقدم من فعله ﷺ بمال اللات.
الوجه الثالث: أن الذي يصرفه في المصارف الشرعية هم ولاة الأمر وأهل العم، وليس المقصود: أن يصرفه الناذر نفسه، فإن هذا لا يعتبر، بل يرد إلى المشروع قسراً، ويعامل بنقيض قصده، وكلام الشيخ وأمثاله من أهل العلم ليس حجة مستقلة بل الحجة فيما يساق من الأدلة، وقد تقدم أن القصد هنا بيان جهله بكلام الشيخ، والكشف عن تحريف هذا العراقي لما نقله عن الشيخين،
стр. 236
وإلاّ فالمرجع إلى أدلة الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: من الآية٢٧٠] ، وقال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً﴾ [الانسان:٧] ، فوصف خواص عباده بالوفاء بالنذر وأثنى عليهم بذلك، وفي الآية الأخرى الوعد بالإثابة والجزاء. فثبت أنه عبادة يحبها الرب ويرضاها، أي الوفاء به، وما كان كذلك فيجب إخلاصه لله لأن صرف العبادة لغير الله شرك، وفي حديث علي: "لعن الله من ذبح لغير الله"، وهذا العراقي وأمثاله من القبوريين دفعوا في صدر النصوص وردوها بشبهات وهذيان لا يصدر عمن يعقل ما يقول، وفي آخر العبارة التي نقلها العراقي عن شيخ الإسلام ابن تيمية: وهذا الحكم عام في قبر نفيسة، ومن هو أكبر من نفسية من الصحابة مثل قبر طلحة والزبير وغيرهما بالبصرة، وفي سلمان وغيره بالعراق.
قلت: وفيها بيان تدليس العراقي وإنه أسقطها ليروج قوله: فكيف يكفر من نذر لأحد الأنبياء والصالحين ـ إلى أن قال الشيخ: فيعتقدون أنها باب الحوائج إلى الله، وأنها تكشف الضر، وتفتح أبواب الرزق، أو تحفظ مصر، فإن من يعتقد هذا كافر مشرك يجب قتله، وكذلك من اعتقد في غيرها كائناً من كان ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلاً﴾ [الاسراء:٥٦] ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ، وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: ٢٢ ـ ٢٣] ، والقرآن من أوله إلى آخره، بل وجميع الكتب والرسل إنما بعثوا بأن يعبد الله وحده لا شريك له، وأن لا يجعل مع الله إله آخر، والإله من يأله القلب عبادة واستعانة، وإجلالاً وإكراماً وخوفاً ورجاءً، كما هو حال المشركين في آلهتهم، وإن اعتقد المشرك منهم أن ما يألهه مخلوق ومصنوع، كما كان المشركون يقولون في تلبيتهم "لبيك لا شريك لك، إلاّ شريكاً هو لك تملكه وما مالك"، وقال النبي ﷺ لحصين الخزاعيّ: "يا حصين كم تعبد؟ قال: أعبد سبعة آلهة، ستة في الأرض وواحد في السماء، قال: فمن الذي تعد لرغبتك ورهبتك؟ قال: الذي في السماء. قال: يا حصين، فأسلم
стр. 237
حتى أعلمك كلمات ينفعك الله بهن، فلما أسلم قال قل: اللهم ألهمني رشدي وقني شر نفسي"، والله أعلم" انتهى.
قلت: فانظر إلى تصريح الشيخ أن من اعتقد في مخلوق أنه باب الحوائج إلى الله، يعني واسطة في الحوائج، أو أنه يكشف الضر أو يفتح باب الزرق أو يحفظ المصر أنه كافر مشرك، يجب قتله. وهذا بعينه هو معتقد عباد القبور الناذرين للموتى، المستغيثين بهم، وهو طريقة العراقي ومذهبه الذي نصره وقرره واستظهره، وزعم أنه لا يضر إلا إذا اعتقد الاستقلال لغير الله، كما مر عنه في غير موضع، وسيأتيك هذا القيد فيما يأتي من كلامه في مواضع متعددة، والشيخ قد رد عليه في هذا وأبطل هذا الشرط بقوله: وإن اعتقد المشرك أن ما يؤلهه مخلوق مصنوع ـ وساق ما يقوله المشركون في تلبيتهم، وساق حديث حصين، وهذا لأن الآيات القرآنية دالة على تكفير هذا النوع، أعني من اتخذ الشفعاء، والوسائط وقصدهم في حاجاته وملماته، كما كان يفعله المشركون مع آلهتهم، فكل هذا أعمى الله بصر العراقي عنه ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: من الآية٢٢٧] .
قال الشيخ صنع الله الحلبي نزيل مكة: وأما كونهم جوزوا الذبائح والنذور وأثتوا لهم فيهما الأجور، فيقال: هذا الذبح والنذر، إن كان على اسم فلان وفلان، فهو لغير الله فيكون باطلاً. وفي التنزيل: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ الآية [الأنعام: من الآية١٢١] أي إن صلاتي وذبحي لله كما به نظير قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:٢] ، وفي الحديث: "لا نذر في معصية الله" رواه أبو داود وغيره، والنذر لغير الله إشراك مع الله، فلا أكبر منه معصية، وفي التنزيل: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: من الآية٣] ، فالنذر لغير الله كالذبح لغيره، وقال الفقهاء: خمسة لغير الله شرك، الركوع، والسجود، والذبح
стр. 238
والنذر، واليمين، ومن ذكر غير اسم الله على ذبيحته فهي ميتة يحرم أكلها ولو أشرك مع اسمه تعالى أحداً، كقوله: بسم الله ومحمد ﷺ ، بواو العطف. فكذا تحرم ذبيحته، وكذا لو ترك اسم الله عمداً على الذبيحة، لا تؤكل عندنا، فهي ميتة لصريح قوله : ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأنعام: من الآية١٢١] فترك المؤمن ذكر الله تعالى عمداً كذكر غيره، نعم لو قال: هذا النذر لله يذبح في مكان كذا ويصرف على جماعة فلان أو على رباط فلان، فلا بأس به، كما في الوقف على فلان وفلان، فإن قوله: "لله" مالك له، وتصرف غلته على من عينه الواقف، وكذا هنا.
والحاصل أن النذر لغير الله تعالى فجور، فمن أين لهم الأجور؟ وكذا الذبائح من قال: إن هذا النذر لفلان وهذه الذبيحة لفلان، فهو من العصيان، ومن نذر لله ذبحاً أو غيره، قال: يذبح بمكان كذا ويأكله قوم جاز والله الهادي.
قلت: إذا نذر لله وجعل مصرفه على السدنة والمجاورين عند القبور فهو نذر معصية لا يجوز، ويجب صرفه في القرب الشرعية، كالحجاج والمعتكفين في المساجد وقد ذكر هذا غير واحد، والمنع منه لما فيه من الإعانة على العكوف عند القبور. الذي هو من أكبر الوسائل والذرائع إلى عبادتها ودعائها.
قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: من الآية٢] وفي الحديث: "إن رجلاً نذر أن ينحر إبلاً ببوانة، قبل إسلامه، فلما أسلم سأل النبي ﷺ عن نذره، فقال: هل كان بها وثن من أوثان الجاهلية؟ قال: لا، قال: هل كان بها عيد من أعياد الجاهلية؟ قال: لا، قال: فأوف بنذرك" ففيه المنع من عبادة الله في أماكن الشرك وعبادة غيره، للمشابهة الصورية، وإن لم نقصد، فكيف بالذرائع والوسائل القريبة المفضية إلى عين الشرك، ونفس المحذور الأكبر؟
فقف وتأمل إن كان لك بصيرة تدرك بها أسرار الشريعة.
стр. 239
فصل
قال العراقي: "النقل الثالث والعشرون قال: ابن مفلح في كتاب الفروع عن شيخه تقي الدين: والنذر لغير الله، كنذره لشيخ معين للاستغاثة به، وقضاء الحاجة منه قال شيخنا: كحلفه بغيره، وقال غيره: نذر معصية" انتهى.
فشبه النذر والاستغاثة بالشيوخ، وطلب قضاء الحاجة بالحلف بغير الله، فهو على قولين للعلماء، كما ذكره ابن تيمية، قول بالحرمة، وقول بكراهة التنزيه، بل رواية عن أحمد أنه مباح، نقله صاحب الإنصاف في التنقيح.
ثم قال: النقل الرابع والعشرون: ذكر الشيخ سليمان بن عبد الوهاب في ردّه على أخيه محمد بن عبد الوهاب، عن الشيخ ابن تيمية قال: كما يفعل الجاهلون بمكة شرفها الله وغيرها، من بلاد المسلمين من الذبح للجن، ولهذا نهى النبي ﷺ عن ذبائح الجن. انتهى.
وذكر ابن القيم في كتاب الكبائر الذبح لغير الله، وجعله من المحرم، وفسره بأن يقول: باسم سيدي الشيخ فلان، عوضاً عن قوله: بسم الله، حين الذبح، مع أن اللفظة لا أظن مسلماً يقولها، والمستفاد من كلامهما أنه محرم، وليس بشرك مخرج عن الملة؛ لأنه قال: كما يفعله، وقال في الفنون: يكره إشعال القبور وتبخيرها، ثم قال: ونص أنه إن نذر ذبح ولده، أو نفسه ذبح كبشاً، قيل مكانه وهو الأصح، وقيل: كهدي. ونقل حنبل يلزمانه. وعنه إن قال إن فعلته فعلي كذا أو نحوه، وقصده اليمين فيمين، وإلا فنذر معصية، فيذبح في مكة كبشاً اختاره شيخنا، وقال: عليه أكثر
стр. 240
نصوصه. وقال: وهو مبني على الفرق بين النذر واليمين، ولو نذر طاعة حالفاً بها أجزأه كفارة يمين، بلا خلاف عن أحمد، فكيف لا يجزيه إذا نذر معصية حالفاً بها، فعلى هذا على رواية حنبل يلزم أن الناذر والحاف يجزيه كفارة فتصير ستة أقوال. وذكر الأزجي البغداديّ: نذر شرب الخمر لغو، فلا كفارة. ونذر ذبح ولده يكفر. وقدم ابن رزين نذر معصية لغو. قال: ونذره لغير الله كنذر لشيخ معين حي للاستعانة وقضاء الحاجة منه، كحلفه بغيره. وقال غيره: هو نذر معصية.
فقف وتأمل تحريف العراقي وسوء فهمه. فإن الكلام في تشبيه النذر بالحلف من جهة الكفارة وعدمها، لا من جهة أخرى. والنزاع ليس في الكفارات. وإنما هو في الحكم على النذر لغير الله أنه من الشركيات. وهذا من أكبر الأدلة على كثافة فهمه، وغلظ حجابه، وأنه محجوب عن فهم كلام أهل العلم، كما حجب عن فهم كلام الله وكلام رسوله:
فللكثافة أقوام لها خلقوا ... وللمحبة أكباد وأجفان
ثم كلام الشيخ فيمن نذر للحي الحاضر للاستعانة وقضاء الحاجة. وهذه النقول كلها مجرد عدد لا حقيقة له، بل هي إما تحريف وإلحاد في كلام أهل العلم، وإما سوء فهم وكثافة حجاب، وإما كذب لا أصل له.
وأما ما نقله عن سليمان، فسليمان والعراقي أخذاً بعض العبارة وتركا تمامها، وما ارتبط بها.
قال في اقتضاء الصراط المستقيم: "وأيضاً فإنّ قوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: من الآية٣] [النحل: من الآية١١٥] ، ظاهره ما ذبح لغير الله سواء لفظ فيه به، أو لم يلفظ، وتحريم هذا أظهر من تحريم ما ذبح للحم، وقال فيه باسم المسيح ونحوه. كما أن ما ذبحناه متقربين به إلى الله أزكى مما ذبحناه للحم وقلنا عليه باسم الله، فإن عبادة الله بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه في فواتح الأمور. والعبادة لغير الله أعظم كفراً من الاستعانة بغير الله. فلو ذبح لغير الله متقرباً إليه لحرم،
стр. 241
ولو قال فيه بسم الله، كما يفعله طائفة من منافقي هذه الأمة، وإن كان هؤلاء مرتدين لا تباح ذبيحتهم بحال، لكن يجتمع في الذبيحة مانعان، ومن هذا ما يفعل بمكة وغيرها من الذبح للجن" انتهى كلام الشيخ.
فأخذ المعترض السطر الأخير من كلامه، أو بعض السطر وأخذ المشبه وترك المشبه به، لأن في الأول التصريح بردة من ذبح لغير الله. وأن في الذبح للجن مانعاً آخر لأنه مما أهل به لغير الله.
وقوله في العبارة: فإن عبادة الله بالصلاة له والنسك له أعظم من الاستعانة باسمه بفواتح الأمور، والعبادة لغير الله أعظم كفراً من الاستعانة بغير الله ـ فترك هذا وسرق بعض العبارة واختلس منها كاختلاس الشيطان من صلاة العبد واختطافه بعضها, وفي العبارة التصريح بكفر من استعان بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، خلافاً للعراقي وشيعته من عباد القبور الصادين عن سبيل الله المحرفين للكلم عن مواضعه، الوارثين لليهود في تحريف كلمات الله وتبديل دينه.
وهذا الرد أمليت أكثره من ذهني، فلذلك اختصرت واكتفيت بالإشارة، وقد فتحت الباب لمن أراد الوقوف على النصوص والآثار، وكلام أهل العلم.
وأما ما ذكره ابن القيم في كتاب الكبائر من الذبح لغير الله وجعله من المحرم فنعم هو محرم، قال تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ـ إلى قوله ـ: ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الأنعام:١٥١] فجعل هذا كله محرماً، هذا عرف القرآن والسنة والشرع، والعراقي لجهله وسوء قصده يحمل كلام أهل العلم على العرف النبطيّ الحادث، واصطلاح العامة، فقاتل الله الجهل والهوى، فما أغلظهما من حجاب بين العبد والهدى.
وأما قوله: وفسره بأن يقول: باسم سيدي الشيخ فلان، عوضاً عن قوله: باسم الله.
قلت: قد تقدم كلام الشيخ وتقسيمه ما أهل به لغير الله إلى ما قصد به القربة والنسك لغير الله، وإلى ما ذكر عليه غير اسمه عند الذبح، فالقسمان
стр. 242
واقعان، ومنع أحدهما مكابرة، وكلام ابن القيم ليس فيه حصر، بل كلامه في هذه المسألة موافق لكلام شيخه.
والقسم الثاني الذي هو أغلط وأفحش نص عليه في مواضع متعددة، وقال صاحب الروض، من كتب الشافعية: إذا ذبح المسلم للنبيّ (كفر، نقله شيخنا ﵀، وذكره غير واحد من المفسرين في الكلام على قوله: ﴿وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللهِ بِهِ﴾ ونقل بعضهم عن فقهاء بخارى إنهم أفتوا بتحريم ما عقر بين يدي الملوك، تعظيماً لهم. لأنه مما أهل لغير الله به.
قال العلاّمة الشوكانيّ: قال بعض أهل العلم: إنّ إراقة دماه الأنعام عبادة لأنها إما هدي أو ضحية أو نسك، وكذلك ما يذبح للبيع، لأنه مكسب حلال فإنه عبادة. ويتحصل من ذلك شكل وضعي، هو إراقة دم الأنعام عبادة. وكل عبادة لا تكون إلا لله، فإراقة دم الأنعام لا تكون إلا لله، ودليل الكبرى قوله تعالى: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [لأعراف: من الآية٥٩] ، ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت: من الآية٥٦] ، ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ [الفاتحة: من الآية٥] ، ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ ) [الاسراء: من الآية٢٣] ، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: من الآية٥] انتهى.
ويكفي المؤمن في هذا الباب قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام:١٦٢ ـ ١٦٣] ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر:١ ـ ٢] ، وقوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الحج:٣٧] .
فإن الإحسان أعلى مراتب الإيمان دخول هذه العبادة فيه لأنّ السّياق لها ظاهر لا يخفى، وفي المسند عن طارق بن شهاب أن النبيّ (قال: "دخل الجنة رجل في ذباب، ودخل النار رجل في ذباب، قالوا: كيف يا رسول الله؟ قال: مرّ رجلان على قوم لهم صنم لا يجوزه أحد حتى يقرب إليه شيئاً، فقالوا لأحدهما: قرِّب، قال: ما عندي شيء أقربه، قرِّب ولو ذباباً، فقرَّب ذباباً، فخلوا سبيله فدخل النار. فقالوا للآخر: قرِّب، قال: ما كنتُ لأقرِّب لأحد من دون الله فضربوا عنقه فدخل الجنة".
стр. 243
فقف عند هذا وتأمل حكمة الشريعة وسرها في إخلاص العبادة والتعظيم الذي لا ينبغي إلا لله، ولو بأحقر شيء كالذباب، فكيف بكرائم الأموال؟ والله المستعان.
والنبي (حسم مادة الشّرك، وقطع وسائله حتى نهى عن الصلاة في الأوقات التي يسجد فيها الكفار للشمس، ونهى عن الصّلاة عند القبور، خشية الفتنة بها وبأربابها وإن كان المصلي لا يقصد شيئاً من ذلك. ولعن من فعل ذلك وأبدى وأعاد فيه وقال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وفي رواية لمسلم: "وصالحيهم"، وقال ذلك عند مفارقة الدنيا إلى الرفيق الأعلى عليه أفضل الصلاة وأتم السلام. ونهى عن الحلف بغير الله، وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك"، وقال لرجل قال له: "ما شاء الله وشئت": "أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده".
قال شيخ الإسلام: وأما من قصد التبرك بالصلاة عندها، فهذا عين المحادة لله ولرسوله. انتهى.
وعلى رأي هذا العراقي أنها تدعى ويستغاث بها، وتقصد وترجى، ويذبح لها فهذا عين العبادة وعين الغاية التي قطع الرسول (وسائلها، وسد ذرائعها، فهذا وأمثاله هم الآمرون بالشرك الواضعون له، الدّاعون إليه، الرّادون لما جاءت به الرسل من توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له. وإنما حدث الشرك برأي جنس هؤلاء، والله المستعان.
وقال شيخ الإسلام ﵀: عبادة الله وحده لا شريك له هي أصل الدين، وهي التوحيد الذي بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب، قال تعالى وتقدّس: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل:٣٦] ، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الانبياء:٢٥] ، وكان النّبيّ (يحقّق التوحيد، ويعلمه أمته، حتى قال له رجل: "ما شاء الله وشئت فقال: " أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله" ونهى عن الحلف
стр. 244
بغير الله. وقال: "من حلف بغير الله فقد أشرك" وقال في مرض موته: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما فعلوا" وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد" وقال: "لا تتخذوا قبري عيداً، ولا بيوتكم قبوراً، وصلوا عليَّ حيثما كنتم. فإنّ صلاتكم تبلغني" ولهذا اتفق أئمة الإسلام على أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور. ولا الصلاة عندها، وذلك لأنّ من أكبر أسباب عبادة الأوثان تعظيم القبور، ولهذا اتفق العلماء على أنه من سلّم على النبي (عند قبره أنه لا يتمسح بحجرته، ولا يقبلها؛ لأنه إنما يكون التمسح بأركان بيت الله، فلا يشبه بيت المخلوق ببيت الخالق، كل هذا لتحقيق التوحيد الذي هو أصل الدين، ورأسه الذي لا يقبل الله عملاً إلاّ به، ويغفر لصاحبه ولا يغفر لمن تركه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيماً﴾ [النساء:٤٨] ؛ ولهذا كانت كلمة التوحيد أعظم الكلام وأفضله. فأفضل آية في القرآن آية الكرسي ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] ، قال (: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة"، والإله هو الذي يألهه القلب عبادة له، واستغاثة له ورجاء له وخشية وإجلالاً" انتهى كلامه.
قال العراقيّ: في النقل الخامس والعشرين: قال الشيخ تقي الدين بن تيمية في الفتاوى: "والكفر يكون من الوعيد، فإنه إن كان القول تكذيباً بما قاله الرسول (لكن قد يكون حديث عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض أوجب تأويلها، وإن كان مجتهداً مخطئاً، وكنت دائماً أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال لأهله: "إذا أنا مت فاحرقوني ثم ذروني ـ الحديث" هذا رجل شك في قدرة الله وفي إعادته إذا ذري، بل اعتقد أنه لا يعاد وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن لما كان مؤمناً يخاف الله أن يعقبه غفر له بذلك، والمتأول من أهل الاجتهاد الحريص على متابعة الرسول (أولى بالمغفرة من مثل هذا" انتهى.
стр. 245
الجواب أن يقال:
قد تكررت هذه الشبهة وكثر بها العدد، هكذا المفلس إذا رجع إلى ما في عيبته فوجدها صفراً، اشتغل بتقليب ما في يديه، وقد تقدم جوابها مراراً، وذكرنا أن عباد القبور قد قامت عليهم الحجة، أو على جمهورهم بالكتاب والسنة والإجماع؛ فإن هذ الباب ـ أعني باب عبادة الله وحده لا شريك له ـ هو خلاصة الكتب الإلهية، وزبدة الدعوة النبوية، وتقدم في جواب ما نقله عن ابن القيم وعن الشيخ، ففيه كفاية.
قال الشيخ ﵀ في الرد على المتكلمين، لما ذكر أن بعض أئمتهم توجد منهم الردة عن الإسلام كثيراً، قال: وهذا وإن كان من المقالات الخفية فقد يقال فيها: إنّه مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها، لكن هذا يصدر منهم في أمور يعلمها الخاصة والعامة من المسلمين: أن الرسول (بعث بها وكفر من خالفها، مثل عبادة الله وحده لا شريك له، ونهيه عن عبادة أحد سواه من الملائكة والنبيين وغيرهم. فإن هذا أظهر شعار الإسلام، ومثل إيجابه الصلوات الخمس، وتعظيم شأنها؛ ومثل تحريم الفواحش والزنا والخمر والميسر، ثم تجد كثيراً من رؤوسهم وقفوا فيها. فكانوا مرتدين. وأبلغ من ذلك: أن منهم من صنف في دين المشركين كما فعل أبو عبد الله الرّازيّ، قال: وهذه ردّة صريحة.
فتأمّل ما في هذا من التفصيل تزول الشبهة التي يدلي بها بعض المشركين. وتقدم كلام الشيخ في الرسالة السنية. وقوله: فإذا كان على عهد النبي (وخلفائه ممن انتسب إلى الإسلام من مرق منه مع عباداته العظيمة حتى أمر (بقتالهم فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام والسنة في هذه الأزمان قد يمرق أيضاً من الإسلام وذلك بأسبابها؛ ومنا الغلو الذي ذمه الله في كتابه ـ إلى أن قال: فكل من غلا في نبي أو رجل صالح وجعل فيه نوعاً من الإلهية، مثل أن يقول: يا سيدي فلان انصرني أو أغثني أو ارزقني أو اجبرني، أو أنا في حسبك، ونحو هذه الأقوال. فكلّ هذا شرك وضلال، يستتاب صاحبه فإن تاب وإلاّ قتل.
стр. 246
فانظر رحمك الله إلى تصريحه بكفر هذا الصنف الذين هم محل النزاع، وأن من فعل ذلك قتل بعد الاستتابة إن لن يتب، وهذا عين كلامنا.
فالتشبيه في هذه المسألة بخير الذي أمر أهله أن يذروه، أو بقول الشيخ: إن المخطئ لا يكفر إذا اجتهد واتقى، ونحو هذه العبارات تمويه وتشبيه.
والنزاع فيمن قامت عليه الحجة، أو أمكنه الاستدلال، لا فيما يخفى من المسائل، أو كان مما يختص أهل العلم بمعرفته. فهذا نحوه ليس مما نحن فيه، وإيراده والاحتجاج به على مسألة النزاع تمويه لا يروج على أهل البصائر.
قال العراقي: النقل السادس والعشرون: وقال أيضاً في بعض كتبه ونقله الشيخ سليمان بن عبد الوهاب في ردّه على أخيه قال: "إني دائماً ومن جالسني يعلم أني من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير، أو تفسيق، أو معصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية والمسائل العملية.
وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولا يشهد أحد منهم على معين لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية، كما أنكر شريح قراءة: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] وقال: إن الله لا يعجب ـ إلى أن قال ـ: وقد آل النزاع بين السلف إلى الاقتتال مع اتفاق أهل السنة أنّ الطائفتين جميعًا مؤمنتان؛ وأن الاقتتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم؛ لأن المقاتل وإن كان باغيًا فهو متأول، والتأويل يمنع الفسوق.
وكنت أبين لهم أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا، ونحو هذا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين. وهذا أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار وهي مسألة [الوعيد] ، فإن نصوص الوعيد في القرآن مطلقة عامة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء:١٠] ، وكذلك سائر ما ورد: من فعل كذا وكذا فهو كذا، فإن هذه النصوص مطلقة عامة.
وهي بمنزلة من قال من السلف: من قال كذا، فهو كذا. ـ إلى أن قال: والتكفير يكون من الوعيد،
стр. 247
فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول ﷺ ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر يوجب تأويلها، وإن كان مخطئًا.
وكنت دائمًا أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال لأهله: "إذا أنا مت فأحرقوني ـ الحديث" فهذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذُرىَ، بل اعتقد أنه لا يعاد. وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك.
والمتأول من أهل الأجتهاد، الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا ". انتهى.
والجواب: إن شيخنا ﵀ قال في مثل هذه الشبه التي يوردها المبطلون من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية بمثل ما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية سواء. وإن من تأمّل كلامه ﵀ وجده يصله بما يفصل النزاع، ويبين المراد. وقد بين في هذا النقل بياناً يقطع النزاع بقوله: إلا إذا علم أنه قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى. وهذا البيان كافٍ.
فإن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهّاب ﵀ لا يكفّر أحداً قبل قيام الحجّة. وهذا يأتي على جميع ما ساقه العراقي بالرّد والدّفع، فسياق هذه العبارات المتحدة المعاني والتشبيه بها وكثرة عددها مجرد تخييل وهوس، يكفي في ردها ما تقدم بيانه من اشتراط قيام الحجة، وإن فرض كلام الشيخ في كل ما نقل العراقي في غير ما يعلم من الدين بالضرورة، وفي غير المفرط في طلب العلم والهدى، كما تقدم فيما نقلناه من طبقات المكلفين، وتقدم نص الشيخ أن فرض كلامه في غير المسائل الخفية، وكل جملة من هذه الجمل تكفي المؤمن في ردّ جميع ما نقله ابن جرجيس عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وينبغي أن يعلم الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن من بلغته دعوة الرسل فقد قامت عليه الحجة؛ إذا كان على وجه يمكن معه العلم، ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله ورسوله ما يفهمه أهل الإيمان والقبول والانقياد لما جاء
стр. 248
به الرسول ﷺ ، فافهم هذا يكشف عنك شبهات كثيرة في مسألة قيام الحجّة، قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] ، وقال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ ﴿البقرة: من الآية٧] ، وتأمّل كلام الشيخ وقوله: وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل.
وقوله: "ولكن قد يكون الرجل حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، وقوله: وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر يوجب تأويلها".
وكلّ هذا لا يمكن أن يقال في عبّاد القبور.
فتأمّل كلام الشيخ واعرف ضلال ابن جرجيس في حمله كلام الشيخ على عذر عباد القبور والأنبياء والصالحين، واعرف سوء فهمه وكثافة حجابه، وقد تقدم هذا مراراً.
ويقال أيضاً: كلام الشيخ في عدم إطلاق الكفر على المعين إذا كان له عذر من جنس ما تقدم، لكن أثبت وقرر أن نفس العمل والفعل يكون كفراً، وإن لم يكن فاعله لمانع، وهذا الملحد لا يقول ذلك فيمن عبد الصالحين وأهل القبور، بل يقول: هم مثابون مأجورون بدعائهم غير الله، ويسمى الدعاء توسّلاً، قد مرّ هذا عنه في غير موضع، ويأتيك أكثر مما مرّ، فاعرف جهله، وإنه لم يأنس بشيء مما جاءت به الرسل، ولم يتعقل ما يحكيه من كلام أهل العلم.
فقف هنا يا من أنعم الله عليه تعرف بعدما جاء به هذا الملحد عما جاءت به جميع الرسل، وأنه أضلّ من كثير من أعدائهم، والله المستعان.
النقل السابع والعشرون: من نقول ابن جرجيس: وقال أيضاً في الفتاوى ـ حين سئل عن التكفير الواقع في هذه الأمة ـ: أول من أحدثه في الإسلام المعتزلة. وعنهم تلقاه من تلقاه، وكذلك الخوارج هم أول من أظهره. واضطرب الناس في ذلك، فمنهم من يحكي عن مالك فيه قولين، وعن الشافعي كذلك، وعن أحمد روايتين، وأبو الحسن الأشعريّ وأصحابه لهم فيه
стр. 249
قولان. وحقيقة الأمر: إن القول قد يكون كفراً، فيطلق القول بتكفير قائله، ويقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يكفر، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها ـ ثم ساق كلام الشيخ في أن المقالات الكفرية لا يكفر قائلها إلا بعد قيام الحجّة.
والجواب أن يقال:
قد تكرر هذا عن العراقي، ولكنه أراد أن يعظم حجم الكتاب ويظن العامة أن قد جدّد حجة من السنة أو الكتاب، أو كلام ذوي الألباب، وهو لم يزل ولا يزال يتردد في ظلماته، ويكرر ريبه وشبهاته. والجواب تقدم.
وفيما ساقه هنا رد لباطله وحجّة عليه، من جهة أن الشيخ حكى في تكفير الخوارج ونحوهم عن مالك قولين، وعن الشافعي كذلك، وعن أحمد أيضاً روايتين، وأبو الحسن الأشعريّ وأصحابه لهم قولان، وحيث كان الحال هكذا في الخوارج فقد اختلف الناس في تكفيرهم والغلاة في علي لم يختلف أحد في تكفيرهم. وكذلك من سجد لغير الله أو ذبح لغير الله أو دعاه مع الله، رغباً أو رهباً.
كل هؤلاء اتفق الخلف والسلف على كفرهم، لما ذكره أهل المذاهب الأربعة، ولا يمكن لأحد أن ينقل عنهم قولاً ثانياً. وبهذا تعلم أن النزاع وكلام الشيخ ابن تيمية وأمثاله في غير عباد القبور والمشركين، وإنما فرضه وموضوعه في أهل البدع المخالفين للسنة والجماعة. وهذا يعرف من كلام الشيخ ولكن العراقي من جملة البقر والثيران، وإن كان ضخم العمامة واسع الأردان وقد تقدم قول الشيخ من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كفر إجماعاً، فحكى الإجماع على كفر هذا الصنف، حكى الخلاف في تكفير الخوارج ونحوهم، فاعرف الفرق، ولولا عموم الجهل، وبعد العهد بآثار النبوة لما أطلنا الكلام في مثل هذه المباحث؛ لأنها مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام.
قال ابن جرجيس: النقل الثامن والعشرون: قال الشيخ ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم، ما نصه: فكما أن إثبات المخلوقات أسباباً لا يقدح
стр. 250
في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، فلا يجوز أن يدعي المخلوق لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة، كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة: من شرك أو غيره أسباباً، لا يقدح في توحيد الإلهية، فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهداً في هذه المسألة أو مقلداً.
والجواب أن يقال:
قد تقدم لهذا العراقي، ويأتيك عنه في غير موضع ـ أنه استدل بإجابة الدعاء عند القبور وإجابة من سأل أهل القبور على استحباب ذلك، وأنه دين يحبه الله ويرضاه، وحكى هنا عن الشيخ أن ذلك لا يقدح في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، فلا يجوز أن يدعي المخلوق لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة فهذا يهدم قوله، ويدفع صدره، ولكنه لا شعور له بما في كلام الشيخ من الحق والهدى وكذلك بما في قوله: إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك، أو غيره أسباباً لا يقدح في توحيد الإلهية، والعراقي يجعل السبب دليلا على جواز دعاء غير الله، والشرك في الإلهية.
فاعجب لهذه الحكاية والقضية، وأكثر ما يدعو هؤلاء المشركين إلى دعاء القبور والصالحين ما يحكونه من أنّ فلاناً دعا فاستجيب له، وفلاناً استغاث فأغيث. وفلاناً رد عليه بصره، وعند السدنة وعباد القبور من هذا شيء كثير. قد أورد منه العراقي شيئاً كثيراً، جعله من قواعد مذهبه، وأدلة شركه، ومن العجب العجاب: أن الهوى يعمي الرجل حتى لا يفهم ما ينقل، ولا ما يخرج من بين شفتيه.
وأما قوله: إن الشيخ قال: فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهداً في هذه المسألة أو مقلداً، فهذه الجملة ليس متصلة ولا مرتبطة بما ساق العراقي، ولا مناسبة بينها وبينه والشيخ قد ساقها في موضع آخر وبحث آخر، ولكن ابن جرجيس كذاب جاهل، وقد مر لك جنس تحريفه، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة:٥] .
следующие страницы →