فصل:
فإذا عرفت هذه المقدمة انفتح لك باب الجواب عن السؤال المذكور، فنقول ومن الله وحده نستمد الصواب:
حقيقة الشرك: هو تشبيه المخلوق بالخالق ، وهذا هو التشبيه فى الحقيقة لا إثبات صفات الكمال التي وصف الله تعالى بها نفسه، ووصفه بها رسول الله ﷺ فعكس من نكس الله قلبه وأعمى عين بصيرته فأركسه بنسبة الأمر وجعل التوحيد تشبيهاً، والتشبيه تعظيماً وطاعة. فالشرك تشبيه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية؛ فإن من خصائص الألهية: التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع وذلك يوجب تعلق الدّعاء والخوف والرّجاء والتوكل به وحده. فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى، وجعل من لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فضلا عن غيره شبيها لمن الأمر كله له، فأزمة الأمور كلها بيديه، ومرجعها إليه. فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع؛ بل إذ فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد. فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والانابة والتوكل والاستعانة
стр. 282
وغاية الذل مع غاية الحب كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لله وحده. ويمتنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره. فمن جعل شيئاً من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثل له وذلك أقبح التشبيه وأبطله؛ ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لايغفره مع أنه كتب على نفسه الرحمة.
ومن خصائص الألهية العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب مع غاية الذل هذا تمام العبودية وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الاصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه وهذا من المحال أن تجيء به شريعة من الشرائع وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل. ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم وأفسدتها عليهم واحتالتهم عنها، ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى فأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه بما يوافق فطرتهم وعقولهم فازدادوا بذلك نوراً على نورهم يهدي الله لنوره من يشاء.
إذا عرفت هذا عرفت أن من خصائص الإلهية: السجود فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به، ومنها التوبة فمن تاب لغيره فقد شبهه به. ومنها الحلف باسمه تعظيما وإجلالا فمن حلف بغيره فقد شبهه به هذا فى جانب التشبيه وأما فى جانب التشبه به، فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس الى إطرائه فى المدح والتعظيم والخضوع والرجاء وتعليق القلب به خوفا ورجاء والتجاء واستعانة فقد شبه نفسه بالله ونازعه ربوبيته وإلهيته وهو حقيق بأن يهنيه الله غاية الهوان ويذله غاية الذل ويجعله تحت أقدام خلقه وفى الصحيحين عنه ﷺ قال: "يقول الله : العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدة منهما عذبته". وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابا يوم القيامة لقول النبي ﷺ : "أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون يقال لهم أحيوا ما خلقتم"، وفى الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "قال الله ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي فليخلقوا ذرة
стр. 283
فليخلقوا شعيرة" فنبه بالذرة الصغيرة والشعيرة على ما هو أعظم منها وأكبر.
والمقصود أن هذا حال من تشبه به في خواص ربوبيته وإلهيته؛ ولذلك يغضب الله على من يتشبه به فى الاسم الذي لا ينبغي إلا له وحده، كملك الأملاك، وحاكم الحكام ونحوه. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إنّ أخنع الأسماء عند الله تعالى شاهان شاه، ملك الملوك، لا ملك إلا الله تعالى". وفي لفظ: "أغيظ رجل علي الله تعالى رجل تسمى بملك الاملاك" فهذا مقت الله تعالى وغضبه على من تشبه به فى الاسم الذى لا ينبغي إلا له. وهو ملك الملوك وحده، وهو حاكم الحكام وحده، وهو الذى يحكم علي الحكام كلهم، ويقضي عليهم كلهم لا غيره.
стр. 284
فصل
إذا تبين هذا فهنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند الله تعالى إساءة الظن به فان المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس فظن به ما يناقض أسماءه وصفاته؛ ولهذا توعد الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [الفتح: من الآية٦] ، وقد قال تعالى لمن أنكر صفة من صفاته: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٣] ، وقد قال تعالى عن خليله إبراهيم ﷺ ﷺ : ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ، أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:٨٥ـ٨٧] أي فما ظنكم أن يجازيكم إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيره وما ظنّكم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص، حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه غني عن كلّ ما سواه وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه؛ وأنه المنفرد بتدبير خلقه لا يشركه فيه غيره، والعالم بتفاصيل الأمور فلا تخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده لا يحتاج إلى معين والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه ما تخذتم من دونه أولياء تدعونهم وتتوسلون بهم إليه بزعمكم. وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء فإنهم محتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم ويعينهم على قضاء حوائجهم وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشّفاعة
стр. 285
فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة، لحاجتهم وعجزهم وضعفهم وقصور علمهم، فأمّا القادر على كل شيء الغني بذاته عن كل شىء، العالم بكل شيء، الرحمن الرحيم الذى وسعت رحمته كل شىء، فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن سوء وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع فى العقول والفطر وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبح.
يوضح هذا أن العابد معظم لمعبوده متأله خاضع ذليل له، والرّب ﵎ وحده هو الذى يستحق كمال التعظيم والإجلال والتأله والخضوع والذل، وهذا خالص حقه فمن أقبح الظلم أن يعطى حقه لغيره ويشرك بينه وبينه فيه، ولا سيما إذا كان الذى جعل شريكه فى حقه هو عبده ومملوكه كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: من الآية٢٨] أي إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريك له فى رزقه فكيف تجعلون لى من عبيدي شركاء فيما أنا منفرد به، وهو الإلهية التى لا تنبغي لغيري، ولا تصلح لسواي؟ فمن زعم ذلك فما قدرني حق قدري ولا عظمني حق تعظيمي، ولا أفردني بما أنا منفرد به وحدي دون خلقى؛ فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] فما قدر من هذا شأنه وعظمته حق قدره من أشرك معه فى عبادته من ليس له شأن من ذلك البتة، بل هو أعجز شىء وأضعفه فما قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه الضعيف الذليل، وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه لم يرسل إلى خلقه رسولاً، ولا أنزل كتاباً، بل نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن منه، من إهمال خلقه وتركهم سدى، وخلقهم باطلاً وعبثاً، وما قدره حق قدره من نفى حقائق أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فنفى سمعه وبصره وإرادته واختياره وعلوه فوق خلقه، وكلامه وتكليمه لمن شاء من خلقه بما يريد أو نفى عموم
стр. 286
قدرته وتعلقها بأفعال عباده من طاعتهم ومعاصيهم، فأخرجها عن قدرته ومشيئته خلقه، وجعلهم يخلقون لأنفسهم ما يشاءون بدون مشيئة الرّب ﵎، فيكون فى ملكه ما لا يشاء، ويشاء مالا يكون تعالى الله عن قوله أشباه المجوس علواً كبيراً، وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه يعاقب عبده على مالا يفعله العبد ولا له عليه قدرة ولا تأثير له فيه البتة، بل هو نفس فعل الرّب ﷻ ، فيعاقب عبده على فعله هو، وهو الذي جبر العبد عليه، وجبره على الفعل أعظم من إكراه المخلوق المخلوق. فإنّ من المستقر في الفطر والعقول أن السيد لو أكره عبده على فعل أو الجأه إليه، ثم عاقبه عليه لكان قبيحا فأعدل العادلين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين كيف يجبر العبد على فعل لا يكون للعبد فيه صنع ولا تأثير، ولا هو واقع بإرادته، بل ولا هو فعله البتة، ثم يعاقب عليه عقوبة الأبد؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وقول هؤلاء شر من أشباه المجوس. والطائفتان ما قدروا الله حق قدره. وكذلك ما قدره حق قدره من لم يصنه عن بئر ولا حش ولا مكان يرغب عن ذكره، بل جعله فى كل مكان وصانه عن عرشه أن يكون مستوياً عليه، يصعد إليه الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه وتعرج الملائكة والروح إليه، وتنزل من عنده ويدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه فصانه عن استوائه على سرير الملك، ثم جعله فى كل مكان يأنف الإنسان، بل غيره من الحيوان أن يكون فيه. وما قد الله حق قدره من نفى حقيقة محبته ورحمته ورأفته ورضاه وغضبه ومقته، ولا من نفي حقيقة حكمته التي هي الغايات المحمودة المقصودة بفعله، ولا من نفى حقيقة فعله ولم يجعل له فعلا اختياريا يقوم به أفعال منقولات منفصلة عنه. فنفي حقيقة مجيئه وإتيانه واستوائه على عرشه وتكليمه موسى من جانب الطور، ومجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده بنفسه إلى غير ذلك من أفعاله وأوصاف كماله التي نفوها وزعموا أنهم بنفيها قدروه حق قدره.
وكذلك لم يقدره حق قدره من جعل له صاحبة
стр. 287
وولداً وجعله سبحانه يحل فى مخلوقاته أو جعله عين هذا الوجود، وكذلك لم يقدره حق قدره من قال: إنه رفع أعداء رسوله وأهل بيته، وأعلى ذكرهم، وجعل فيهم الملك والخلافة والعزة، ووضع أولياء رسوله وأهانهم وأذلهم وضرب عليهم الذلة أينما ثقفوا. وهذا يتضمن غاية القدح فى جناب الرّب ﵎ عن قول الرافضة علواً كبيراً. وهذا القول مشتق من قول اليهود والنصارى فى ربّ العالمين: إنّه أرسل ملكا ظالماً فادعى النبوة لنفسه وكذب على الله تعالى، ومكث زمانا طويلا يكذب عليه كل وقت ويقول: قال كذا وأمر بكذا ونهى عن كذا وينسخ شرائع أنبيائه ورسله ويستبيح دماء أتباعهم وأموالهم وحريمهم. ويقول: الله تعالى أباح لي ذلك، والرّب ﵎ يظهره ويؤيده ويعليه ويقويه ويجيب دعواته ويمكنه ممن يخالفه ويقيم الأدلة على صدقه ولا يعاديه أحد إلا ظفر به، فيصدقه بقوله وفعله وتقريره ويحدث أدلة تصديقه شيئا بعد شيء. ومعلوم أن هذا يتضمن أعظم القدح والطعن فى الرب وعلمه وحكمته ورحمته وربوبيته تعالى ربّنا عن قول الجاحدين علواً كبيراً.
فوازن بين قول هذا وقول إخوانهم من الرافضة تجد القولين:
رضيعى لبان ثدى أم تقاسما ... باسحم داج عوض لا يتفرق
وكذلك لم يقدره حق قدره من قال: إنه يجوز أن يعذب أولياءه ومن لم يعصه طرفة عين، [ويدخلهم دار الجحيم، وينعم أعداءه ومن لم يؤمن به طرفة عين] (١) ويدخلهم دار النعيم، وأن كلا الأمرين بالنسبة إليه سواء، وإنما الخبر المحض جاء عنه بخلاف ذلك فمعناه للخبر لا لمخالفة حكمته وعدله. وقد أنكر فى كتابه على من يجوز عليه ذلك غاية الإنكار، وجعل الحكم به من أسوأ الأحكام، وكذلك لم يقدره حق قدره من زعم أنه لا يحيى الموتى ولا يبعث من فى القبور، ولا يجمع خلقه ليوم يجازى فيه المحسن بإحسانه والمسيء فيه بإساءته، ويأخذ للمظلوم فيه حقه من ظالمه،
стр. 288
ويكرم المتحملين المشاق فى هذه الدار من أجله وفى مرضاته بأفضل كرامته ويبين لخلقه الذي كانوا يختلفون فيه وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين.
وكذلك لم يقدره حق قدره من هان عليه أمره فعصاه، ونهيه فارتكبه وحقه فضيعه وذكره فأهمله وغفل قلبه عنه وكان هواه آثر عنده من طلب رضاه وطاعة المخلوق أهم عنده من طاعته. فلله الفضلة من قلبه وقوله وعمله وسواه المقدم في ذلك لأنه المهم عنده يستخف بنظر الله إليه وإطلاعه عليه بكل قلبه وجوارحه، ويستحي من الناس ولا يستحي من الله ويخشى الناس ولا يخشى الله، ويعامل الخلق بأفضل ما ما يقدر عليه، وإن عامل الله عامله بأهون ما عنده وأحقره، وإن قام فى خدمة إلهه من البشر قام بالجد والإجتهاد وبذل النصيحة، وقد فرغ له قلبه وجوارحه وقدمه على كثير من مصالحه، حتى إذا قام فى خدمة ربه إن ساعده القدر قام قياماً لا يرضاه مثله لمخلوق من مخلوقاته، وبدا له منه ما يستحي أن يواجه به مخلوقاً مثله. فهل قدر الله حق قدره من هذا وصفه؟ وهل قدره حق قدره من شارك بينه وبين عدوه فى محض حقه من الإجلال والتعظيم والطاعة والذل والخضوع والخوف والرجاء؟ فلو جعل من أقرب الخلق إليه شريكاً في ذلك لكان ذلك جراءة وتوثبا على محض حقه واستهانة به وتشريكا بينه وبين غيره فيما لا ينبغي ولا يصلح إلا له ، فكيف وإنما أشرك بينه وبين أبغض الخلق وأهونهم عليه وأمقتهم عنده، وهو عدوه على الحقيقة؛ فإنه ما عبد من دون الله إلا الشيطان كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ، وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ [يّس:٦٠ـ٦١] ، ولما عبد المشركون الملائكة بزعمهم وقعت عبادتهم في نفس الأمر للشيطان، وهم يظنون أنهم يعبدون الملائكة، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ، قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ﴾ [سبأ:٤٠ـ٤١] فالشيطان يدعو المشرك إلى عبادته ويوهمهم أنه ملك، وكذلك
стр. 289
عبّاد الشمس والقمر والكواكب يزعمون إنهم يعبدون روحانيات هذه الكواكب وهي التى تخاطبهم وتقضي لهم الحوائج؛ ولهذا إذا طلعت الشمس قارنها الشيطان لعنه الله تعالى، فيسجد لها الكفار. فيقع سجودهم له، وكذلك عند غروبها. وكذلك من عبد المسيح وأمه لم يعبدهما وإنما عبد الشيطان فإنه يزعم أنه يعبد من أمره بعبادته وعبادة أمه ورضيها لهم وأمرهم بها، وهذا هو الشيطان الرجيم لعنه الله تعالى، لا عبد الله ورسوله عيسى ﵇. ونزل هذا كله على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ فما عبد أحدٌ من بني آدم غير الله كائناً من كان إلا وقعت عبادته للشيطان فيستمع العابد بالمعبود فى حصول غراضه ويستمتع المعبود بالعابد فى تعظيمه له وإشراكه مع الله الذي هو غاية رضا الشيطان ولهذا قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ﴾ من إغوائهم وإضلالهم ﴿وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْأِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام:١٢٨] .
فهذه إشارة لطيفة إلى السر الذي لأجله كان الشرك من أكبر الكبائر عند الله، وأنه لا يغفر بغير التوبة منه، وأنه يوجب الخلود فى النار، وأنه ليس تحريمه وقبحه بمجرد النهى عنه، بل يستحيل على الله أن يشرع عبادة إله غيره، كما يستحيل عليه تناقض أوصاف كمال ونعوت جلاله، وكيف يظن بالمنفرد بالربوبية والإلهية والعظمة والجلال أن يأذن فى مشاركته فى ذلك أو يرضى به؟ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً" انتهى ما نقلته.
فقف وتأمل كلام الشيخ ﵀، فإنه فصّل وبيّن أن الشرك شركان، شرك تعطيل لذات الرب ولأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وذكر أن هذا أيضاً تعطيل لمعاملته على العبد من حقيقة التوحيد.
стр. 290
ثم ذكر شرك أهل الوحدة، وشرك الملاحدة القائلين بقدم العالم، وشرك الجهمية والقرامطة، ثم ذكر النوع الثاني، وهو شرك من أشرك في العبادة والمعاملة كشرك النصارى، وشرك المجوس، وشرك القدرية، وشرك الذي حاجّ إبراهيم في ربه، وشرك من يشرك بالكواكب العلويات ويجعلها أرباباً مدبرة، وشرك عبّاد الشمس، وعبّاد النار وغيرهم.
قلت: ومنه شرك غلاة عباد القبور الذين يزعمون أن أرواح الموتى تدبر شيئاً من أمر هذا العالم كما صرّح به ابن جرجيس قاتله الله.
ثم قال الشيخ:
стр. 291
فصل:
وأما الشرك فى العبادة فهو أسهل من هذا الشرك وأخف أمراً فانه يصدر ممن يعتقد أنه لا إله إلا الله، وأنه لا يضر ولا ينفع ولا يعطى ولا يمنع إلا الله ، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه.
فذكر الشرك في العبادة والعمل لحظ النفس، وقرره واستدل عليه، ثم قال:
"وهذا الشرك ينقسم إلي مغفور وغير مغفور، وأكبر وأصغر. والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر وليس شيء منه مغفوراً. فمنه ـ أي من الشرك الأكبر ـ الشرك بالله في المحبة والتعظيم: أن يحب مخلوقاً كما يحب الله وهذا من الشّرك الذي لا يغفره الله، وهو الشّرك في الدين. قال فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ الآية [البقرة: من الآية١٦٥] ، وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم وقد جمعتهم الجحيم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ـ٩٨] . ومعلوم أنهم ما سووهم به سبحانه فى الخلق والرزق والاماتة والإحياء والملك والقدرة، وإنما سووهم به فى الحب والتأله لهم، والخضوع والذلة، وهذا غاية الظلم والجهل، فكيف يسوي التراب برب الارباب؟ وكيف يسوي العبد بمالك الرقاب؟ وكيف يسوي الفقير بالذات الضعيف العاجز بالذات المحتاج بالذات الذي ليس له من ذاته إلا العدم بالغنى بالذات القادر بالذات الذي غناه وقدرته وملكه وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذاته؟ فأي ظلم أقبح من هذا؟ وأيّ حكم أشد جوراً منه؟ حيث عدل من لا عدل له.
وترك العراقي هذا كله عناداً وصداً عن سبيل الله، واقتصر على أول
стр. 292
الفصل، وهو الشرك في المعاملة لطلب الدنيا، والغالب أن فعله هذا وتركه لأنه عين فعل عبّاد القبور، وقد أصاب مقتله، وعدل عنه اختياراً، مع أنه جاهل بحقيقة الشرك في المعاملة والعمل لطلب الدنيا، فهذا عمل صورته لله وقصده فيه فاسد.
وأما القسم الذي ذكر الشيخ أنه لا يغفر وهو الشرك في المحبة والتعظيم ونحوه، فهذا صورته وحقيقته وقصد فاعله لغير الله، وفرق بين الشرك في النيات، والشرك في الأفعال، ولذلك مثل الثاني بالسجود لغير الله، والطواف بغير بيته، وحلق الرأس عبودية وخضوعاً لغيره، ثم قال:
стр. 293
فصل:
ومن الشرك به : الشرك في اللفظ كالحلف بغيره إلى آخر الفصل المتقدم ـ فهذا تركه العراقي عمداً لما فيه من التصريح بأن الحلف بغير الله شرك، والنذر لغيره شرك، والله المستعان.
وذكر الفصل من شرك الإرادات والنيات، وترك الفصل الذي بعده مع أنه قرر فيه أن الشرك تشبيه المخلوق بالخالق، وأن من خصائص الإلهية: التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع.
وذلك يوجب تعلق الدعاء والخوف والرجاء والتوكل به وحده فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق، وقرر تقريراً حسناً مفيداً من فرائد الدرر وعجائب الغرر، في الرد على عبّاد القبور الذين هم في محل النزاع، فراجعه في أول الجواب بعد خمسة فصول في المقدمة، تعرف به تحريف العراقي وأن الكلام في أول الفصل السادس في عباد القبور، ومن شابههم من أهل الشرك وتشبيه المخلوق بالخالق. فقف عليه إلى آخر ما نقلناه من كلامه ترى العجب العجاب من توحيد رب الأرباب، ,كشف زيغ كل جاهل مرتاب. ومن له فطنة ونفس ذكية يعرف هذا بأول نظرة، ويستبين له بأدنى لحظة، ومن لم يجعل الله له نوراً فلا يزداد بكثرة النقل والكشف إلا شكاً وحيرة، والله المستعان.
وقول العراقي: فانظر إلى إقراره بأنه يصدر ممن يعتقد أن لا إله إلا الله، وأنه لاينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه يعمل لحظ
стр. 294
نفسه ـ ثم قال: وهذا حال أكثر الخلق، وهذا الشرك يغفر بالاستغفار إلى آخر عبارته.
فهذا تلبيس وخلط، تقدم أن الكلام في الشرك الخفي كما بينه المصنف، وأما الشرك الأكبر فهو المراد بما بعد ذلك، فالعراقي مخلط لا يدري ما الناس فيه من أمر دينهم. ولا عرف المراد من كلام أهل العلم، فهو في ظلمة الجهل وأسر العادة التي نشأ عليها. لم يرتفع عن حضيضها الأسفل، ولا عرف ما كتب ونقل، والشرك في العبادة يطلق ويراد به الرياء والعمل لغير الله، وأما الشرك بالله فهو جعل إله آخر يسوي بينه وبين الله في العبادة، والكل شرك في عبادة الله، والمصنف أجمل أولاً، ثم فصّل وقسم، وبين أتم بيان، والمرتاب يتعلق بأدنى شبهة.
قال العراقي: النقل الثاني والأربعون في إغاثة اللهفان: "وأما نجاسة الشرك الأكبر الذي لا يغفر، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، والمخففة الشرك الأصغر كيسير الرياء والتصنع للمخلوق، والحلف به وخوفه ورجائه" انتهى.
فجعل الحلف بالمخلوق والخوف والرجاء من المخلوق من جنس الشرك الخفيف ولم يجعله من المخرج من الملة.
والجواب أن يقال:
ليس النزاع معكم معاشر عبّاد القبور في خصوص الخلف، وخوف المخلوق ورجائه فيما يقدر عليه، بل النزاع في الشرك الأكبر الذي لا يغفر. وقد قرره ابن القيم في هذا الكتاب تقريراً حسناً، ونذكر نص كلامه ليتين إلحاد هذا الضال المفتري، فقد ذكر ﵀ في الباب التاسع طهارة القلب، وأطال الكلام ثم قال:
стр. 295
فصل:
وقد وسم سبحانه الشرك واللواط بالنجاسة والخبث في كتابه، دون سائر الذنوب، وإن كانت مشتملة على ذلك ـ ثم ساق الآيات في ذلك ـ، ثم قال: فأما نجاسة الشرك فهي نوعان، نجاسة مغلظة ونجاسة مخففة. فالنجاسة المغلظة: الشرك الأكبر الذي لا يغفر، والمخففة الشرك الأصغر كيسير الرياء والتصنع للمخلوق والحلف به وخوفه ورجائه.
وهذا حق لا نزاع فيه، فأما الحلف فنطلق عليه ما أطلقه رسول الله ﷺ من تسميته شركاً وكفراً. ولا نقول: شركاً وكفراً، ولا كفر أكبر بل ننتهي حيث انتهى الشارع، صلوات الله وسلامه عليه.
وقد قال ابن القيم في المدارج في الكلام على الحلف: قد يكون هذا شرك أكبر بحسب ما قام بقلب فاعله. وقد ذكر القاضي عياض وغيره: ولا شك أنه إذا قام بقلبه تعظيمه بالحلف كتعظيم الله، فهو شرك أكبر، وأكثر عبّاد القبور يعظمونهم ويحبونهم أشد من تعظيم الله وحبّه. ولا ينكر هذا إلا مكابر، وبعضهم يحلف بالله كاذباً مائة مرة ولا يحلف بشيخه ومن يعتقده كاذباً ولا مرة واحدة. ومن قال: إنّ هذا شرك أصغر فهو من أضل الورى، وأجهلهم بأصول الإيمان والهدى، وما يجب لله على عباده من التعظيم والحب والخوف والرّجاء.
واعلم أن الخوف والرّجاء فيما يقدر عليه المخلوق لا يكون بمنزلة
стр. 296
الخوف والرجاء فيما لا يقدر عليه إلا الله. والعراقي التبس عليه الأمر، فإنه أجنبي عن مسائل التوحيد والإيمان.
وقال ابن القيم في الإغاثة ـ لما تكلم على ما في الصلاة عند القبور واتخاذها أعياداً من المفاسد ـ: "فمن مفاسد اتخاذها أعياداً: الصلاة إليها، والطواف بها، وتقبيلها واستلامها وتعفير الخدود على ترابها، وعبادة أصحابها، والاستعانة بهم، وسؤالهم النصر والرزق والعافية، وقضاء الديون، وتفريج الكربات، وإغاثة اللهفان وغير ذلك من أنواع الطلبات ـ إلى أن قال ـ:
وقد آل الأمر بهؤلاء الضلال المشركين إلى أن شرعوا للقبور حجاً، ووضعوا لها مناسك حتى صنف بعض غلاتهم في ذلك كتابا وسماه "مناسك حج المشاهد"، مضاهاة منه القبور للبيت الحرام، ولا يخفى أن هذا مفارقة لدين الاسلام ودخول في دين عُبّاد الأصنام".
قلت: ولعمر الله إنّ هذا بعينه ما عليه العراقي وشيعته، ولكنه مشبه قد أعمى الله بصيرته، وسيأتي مزيد تقرير لهذا في موضعه.
قال العراقي: النقل الثالث والأربعون: قال ابن القيم في الداء والدواء:
стр. 297
فصل:
وأما الشرك به سبحانه في اللفظ كالحلف به، وقول القائل: ما شاء الله وشئت ـ إلى أن قال ـ: وأما الشرك في الإرادات والنيات فذلك البحر الذي لا ساحل له، قل من ينجو منه.
قال العراقي: فانظر إلى قوله: إن الشرك في الإرادات والنيات هو البحر الذي لا ساحل له، ومع ذلك لم يحكم على فاعله وقائله وناويه بالشرك المخرج من الملة. فلو كان مخرجاً لما كان المسلمون إلا قليلين، بل أقل من كل قليل، حتى من يدعي التوحيد فإنّ النيات الفاسدة للمخلوق وابتغاء التقرب منه، وطلب الجزاء منه، بل والتذلل له والسجود له كالتعظيم للحكام وأهل الدنيا من أهل الأموال. فإن هذا لا ينجو منه إلا المخلصون، وقليل ما هم.
والجواب أن يقال:
قد تقدم هذا الفصل فيما نقلناه قريباً فراجعه، تعرف ما اعتراه من تحريف العراقي، وتقدم جوابه مفصلاً فراجعه إن شئت.
قال العراقي: النقل الرابع والأربعون: قال ابن القيم في بدائع الفوائد في قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: من الآية٨٩] ما نصه: كانوا يحاربون جيرانهم من
стр. 298
العرب في الجاهلية ويستنصرون عليهم بالنبي ﷺ قبل ظهوره، فيفتح لهم وينصرون، فلما ظهر النبي ﷺ كفروا به وجحدوا نبوته، فاستفتاحهم به مع جحد نبوته مما لا يجتمعان؛ فإن كان استفتاحهم به لأنه نبي كان جحد نبوته محالاً، وإن كان جحد نبوته كما يزعمون حقاً كان استفتاحهم باطلاً. وهذا مما لا جواب لأعدائه عنه البتة" انتهى.
وذكر المفسرون أن استفتاحهم به ـ يعني اليهود ـ قبل ظهوره للوجود هو قولهم: اللهم بحرمة هذا النبي الذي يكون آخر الزمان انصرنا وافتح لنا، فينصرون ويفتح لهم، ورأيت في بعض حواشي البيضاوي نقلاً عن السعد التفتازاني قال: والأظهر أنهم كانوا يطلبون الفتح من الله عليهم متوسلين بذكره ﷺ ويجعلون اسمه شفيعاً" انتهى.
والجواب أن يقال:
ليس في كلام ابن القيم ما يدل على مسألة النزاع، وليس في كلام المفسرين ما يدل على ذلك، هل قال أحد: إنهم يسألونه الفتح والنصر على أعدائهم من المشركين وأن الآية دلت على هذا بوجه من الوجوه؟ هذا لا يقوله عاقل فضلاً عن المسلم فضلاً عن العالم، سبحان الله وتعالى عما يشركون، وإنما كان استفتاحهم به طلب الفتح بخروج محمد النبي الذي بشرت به الأنبياء وذكرت صفته ونعته في التوراة الذي أظل زمان خروجه، هذا الذي ذكره المفسرون كابن جرير، وابن كثير، وأمثالهم من الأئمة الذين إليهم المرجع في علم التأويل، وما نقله العراقي لم يقله المفسرون، وإنما نقله بعضهم كالفرطبي، فكلام العراقي مجازفة.
قال ابن كثير: يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ يعني اليهود ﴿كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وهو القرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ يعني من التوراة، وقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقد كانوا من قبل مجيء الرسول بهذا الكتاب يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين إذا قاتلوهم، يقولون: إنه سيبعث نبي في آخر الزمان نقاتلكم معه فنقتلكم قتل عاد وإرم. ثم ذكر حديث عاصم بن عمر، وذكر قول ابن عباس ﴿يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾
стр. 299
قال: "يستظهرون، يقولون: نحن نعين محمداً عليهم" ثم قال: وقال العوفي عن ابن عباس ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقول: "يستنصرون بخروج محمد ﷺ على مشركي العرب"، قال: وقال أبو العالية: "كانت اليهود تستنصر بمحمد ﷺ على مشركي العرب، يقولون: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده مكتوباً عندنا حتى نعذب المشركين ونقتلهم".
وهكذا ذكر غيره من المفسرين كابن جرير وغيره من أهل العلم والأثر، فهذه الأقوال أظهر مما نقله القرطبي، لم لو سلم تسليماً صناعياً فليس النزاع في سؤال الله بحرمة نبيه، هذه مسألة أخرى، كما تقدم، إنما النزاع في مسألة دعاء غير الله والطلب من سواه، فإيراد هذا مغالطة وخروج عن محل النزاع، دعاه إليه الإفلاس، وسيأتي الكلام على مسألة سؤال الله بحرمة عبد من عباده وقد تقدم بعض ذلك.
والاحتجاج بالآية على اليهود من جهة استفتاحهم قبل مبعثه ﷺ وكفرهم بعد مبعثه، وتقرير أنهم أهل تحكم وعناد وهوى ليسوا بأهل إيمان وصدق ومتابعة، فإن كان صدر منهم ما حكاه القرطبي، فليس هو تشريع لنا وأمر بأن نفعل ما فعلت اليهود كما زعمه العراقي.
قال العراقي: النقل الخامس والأربعون: قال الشيخ تقي الدين ابن تيمية: وقد اتفق العلماء على أنه لا تنعقد اليمين بغير الله تعالى كالملائكة والكعبة وأحد الشيوخ بل ينهى عنه إما نهي تحريم أو تنزيه. ولم يقل أحد إنه ينعقد اليمين بأحد من الخلق إلا في نبينا ﷺ ، وعن أحمد في ذلك روايتان، وقد طرد بعض أصحابه كابن عقيل الخلاف في سائر الأنبياء، والقول بانعقاد اليمين بالنبي ﷺ شاذ، لم يقل أحد به فيما نعلم" انتهى.
ثم قال العراقي: فقد تبين أن الحلف بغير الله تعالى منهي عنه إما نهي تحريم أو تنزيه، بل رواية أحمد بن حنبل وغيره أنه مباح، وأما الحلف بالنبي ﷺ فذهب إلى أنه ينتعقد اليمين به، لأنه جزء الإيمان وعليه الفتوى، وطرد بعض أصحابه ذلك في جميع الأنبياء، وقول الشيخ ﵀: إن القول بانعقاد اليمين به شاذ لا ينبغي في حق الإمام أحمد، كيف يكون شاذاً، وقد
стр. 300
قاله إمام السنة وقامع البدعة الصديق الثاني: فلو كان وحده لكفى به بقوله سنداً، فكيف وقد قال تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر:٧٢] فلو استند بظاهر الآية لكفى بقول الله حجة.
والجواب:
أن شيخ الإسلام ابن تيمية أدى ما عليه، حكى أن اليمين لا تنعقد بغير الله، وأنه منهي عنه ولم يستثن إلا نبينا، قال عن أحمد رواية بانعقادها به ﷺ وبين أن هذا شاذ لم يقل به أحد، وهذا ليس فيه ما يتمسك به مبطل؛ فإنه وإن حكى الخلاف فقد ضعفه، واختار القول الراجح الذي دلت عليه السنة المستفيضة، وجرى عليه العمل عند أهل العلم والحديث، وفي القرون المفضلة وقوله ﷺ : "من حلف بغير الله فقد أشرك" دليل شرعي على العموم، والرواية عن الإمام أحمد ذكر الشيخ أنها شاذة. لا توافق أصوله وقواعده، وما تواتر عنه، وهذا معنى الشذوذ.
وكلام العراقي واعتراضه على الشيخ جهل عظيم فإن الراوي الواحد إذا انفرد بقول أو رواية تخالف المعروف الثابت، وصف القول والرواية بالشذوذ، وقد حكموا على ما خالف المصحف العثماني من القراءات بالشذوذ، كقراءة ابن مسعود مع العلم بأنها ثابتة، قرأ بها من هو من أجل الصحابة وأعلمهم.
واستدلال العراقي بقوله تعالى ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ جهل عظيم بمعنى الآية، وما عليه أهل العلم. فإن الله تعالى يقسم بما شاء من خلقه، وقسمه به تشريف له، أو تنبيه على ما فيه من الآية والبرهان، ولا يقاس به غيره تعالى وتقدّس (١) . وقد أقسم بالصافات والمرسلات
стр. 301
والنازعات، أفيقال: بجواز الحلف بها مع أن الكلام فيما هو أعظم من الحلف والشرك الصراح؟ كالمحبة والخضوع والاستغاثة، والتوكل والإنابة، والركوع والسجود، وغير ذلك مما يختص بالملك الحق المعبود.
وأما الحلف فقد تقدم أن الشيخ محمداً وأتباعه لا يقولون: إنه كفر مخرج من الملة بل هم أهل علم وسنة يطلقون ما أطلق الشارع، ويتبعون ولا يبتدعون.
ثم قال العراقي: النقل السادس والأربعون: قال ابن قدامة تلميذ الشيخ ابن تيمية في كتابه مغني ذوي الأفهام: "ويكره الحلف بغير الله تعالى". انتهى.
جعل عليه علامة المذاهب الأربع على قانون رمزوه.
النقل السابع والأربعون: قال الشيخ ابن قدامة في كتابه المتقدم: "ويباح التوسل بالصالحين أحياء وأمواتاً".
ثم قال: النقل الثامن والأربعون: قال صاحب الإنصاف في التنقيح: "ويحرم حلفه بغير الله، وقيل: يكره، وعنه يباح" انتهى أي عن أحمد بن حنبل صاحب المذهب، ومذهبه: أن الحنث بالنبي ﷺ فيه الكفارة. وطرد ذلك ابن عقيل في جميع الأنبياء.
والجواب أن يقال:
مسألة الحلف بغير الله قد تقدم الكلام فيها، ومما ينبغي أن يعلم أن القائلين بالتحريم من الأئمة وأهل العلم لا يشق غبارهم لا صاحب مغني ذوي الأفهام ولا من هو أجل منه، ونحن لا ننكر أن بعض الناس قال بالكراهة.
وإنما النزاع في تصويب أحد القولين، وأيهما تشهد له الأحاديث النبوية؟ وقال شيخ الإسلام: يحرم الحلف بغير اسمه تعالى: قال ابن مسعود: "لأن أحلف بالله كاذباً أحبّ إليّ من أن أحلف بغيره صادقاً".
قال شيخ الإسلام: "معنى قول ابن مسعود: أن حسنة التوحيد أعظم من حسنة الصدق، وسيئة الشرك أعظم من سيئة الكذب".
стр. 302
قلت: والكذب محرم بالإجماع، ولا يعرف عن الشارع ﷺ إطلاق الشرك والكفر على مكروه من المكروهات، ومن أطلق الكراهة من الأئمة فالأولى حمل كلامه على كراهة التحريم، إحساناً للظن بالعلماء، وليت هؤلاء القبوريين اقتصروا على ما فيه الخلاف، بل قد تقدم لك أنهم أتوا من الشركيات ما لم تأت به جاهلية العرب.
وأما ما ذكره في النقل السابع والأربعين فالجواب عنه من وجوه:
الأول: أن الواجب في مسألة النزاع ردها إلى الكتاب والسنة، ولا حجة في قول آحاد العلماء. ولا يصح نسبة هذا القول إلى المذهب، كما يعرفه من عرف قواعد المذهب في لزوم السنة وسد الذرائع.
الثاني: أن التوسل في عرف أهل العلم ليس هو التوسل في عرف العراقي وشيعته من عباد القبور، بل التوسل عندهم يطلق على المتابعة والاقتداء، ويطلق على سؤال الله بحق الأنبياء والصالحين. وليس النزاع في هذا كله، وإنما النزاع في اتخاذ الأنداد والآلهة، والتوسل بدعائهم والاستغاثة بهم والطواف بقبورهم.
الثالث: أن عمر بن الخطاب استسقى بالعباس، وتوسل بدعائه في الاستسقاء، ولم يأت القبر الشريف، ولم يتوسل به، لعلمهم بالسنة وأحكام الشريعة. وتوسل معاوية بيزيد بن الأسود، وهكذا أئمة الدين في كل عصر ومصر، يتوسلون بدعاء الصالحين والأخيار بالاستسقاء وغيره، ولم يقل أحد منهم إنه استسقى عند القبور ويتوسل بها عند الحوادث، هذا لا يقوله من شم رائحة الشريعة، وسلم من سوء المعتقد وخبث السريرة.
الرابع: أن الاحتجاج بقول صاحب مغني ذوي الأفهام جهل بقواعد المذهب واصطلاح أهله، فإن الكتب المعتمدة في الفتوى عندهم معروفة محصورة، وهي كتب أئمة المذهب ورجاله، الذين إليهم المرجع، وصاحب مغني ذوي الأفهام ليس هو الحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي تلميذ شيخ
стр. 303
الإسلام ابن تيمية، كما زعمه هذا الجاهل الغبي (١) .
وأما النقل الثامن والأربعون: فقد تقدم أن العراقي ذكر هذا النقل في الثالث والعشرين، وكرره هنا لإيهام الجهال أنه كثير النقول.
النقل التاسع والأربعون: قال ابن عبد الوهاب في مختصر الشرح الكبير في باب الأيمان: ويكره الحلف بغير الله، ويحتمل أن يكون محرماً، وقيل: يجوز لأن الله أقسم بمخلوقاته، فقال ﴿والنَّجْمِ﴾ ، و ﴿الشَّمْسِ﴾ ، و ﴿الضُّحَى﴾ ، و ﴿اللَّيْلِ﴾ وغير ذلك لقوله ﷺ : "أفلح وأبيه إن صدق"، وحديث أبي العشراء: "وأبيك لو طعنت في فخذها أجزأك"، ولنا قوله ﷺ : "من حلف بغير الله فقد أشرك" هذا ملخص ما قاله.
أمليته من حفظي حيث لم توجد النسخة عندي حال الكتابة فقوله: ويكره الحلف. وتقديمه الكراهة على التحريم دليل على أن المتقدمين كانوا مختارين كراهة التنزيه، حتى حكي قول التحريم بيحتمل، الدال على التضعيف. وذكر أن بعض أهل العلم قائل بالجواز وهي رواية عن الإمام أحمد، كما تقدم عن صاحب الإنصاف، وقوله: ولنا دليل على ما اختاره من الكراهة.
والجواب أن يقال:
قد كتبنا فيما تقدم من الرد المختصر أن العراقي دلس ولبس، ولم يأت بالعبارة على وجهها بل حرفها تحريفاً أحال عن معناها؛ فإن الشيخ ذكر الكراهة، ثم ذكر التحريم في أول كلامه نقلاً عن أهل المذهب، وذكر كلام ابن عبد البر، وحكاية الإجماع على التحريم، ثم قال: "وقيل" حكاه بصيغة التمريض ـ وأن القائل استدل بأن الله أقسم بمخلوقاته، وبقوله: "أفلح وأبيه إن صدق"، وبقوله في حديث أبي العشراء: "أما وأبيك لو طعنت في فخذها أجزأك" ثم تعقب الشيخ هذا، وذكر أن أحمد لم يثبت حديث أبي العشراء. واستدل بحديث عمر، وبحديث عبد الله بن عمر، وقرر أدلة التحريم، وذكر
стр. 304
عن ابن عبد البر أن قوله: "أفلح وأبيه إن صدق" غير محفوظة من وجه صحيح، والحلف بغير الله تعظيم يشبه تعظيم الرب ﵎.
وبهذا تعرف الراجح الذي اختاره الشيخ وغيره، والشيخ في كتاب التوحيد استدل على هذه المسألة وترجم عليها بقول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: من الآية٢٢] وساق حديث ابن عمر، وقول ابن عباس في معنى الآية، ومنه: والله وحياتك.
قلت: ولأهل العلم عن حديث: "أفلح وأبيه"، وحديث أبي العشراء أجوبة معروفة في محلها، منها: أن هذا مما لا يقصد به اليمين، بل هو مما جرى على ألسنتهم من غير قصد، مثل قوله: "تربت يداك"، "ثكلتك أمك"، "ويح عمار" ونحو هذا.
وقيل: إن ذلك منسوخ، واستدل القائل بما لا يمكن دفعه وبعضهم تكلم في السند كما تقدم عن أحمد في حديث أبي العشراء، وقال النووي في الكلام على قوله ﷺ : "أفلح وأبيه إن صدق" هذا مما جرت به عادتهم يسألون عن الجواب عنه مع قوله ﷺ : "من كان حالفاً فليحلف بالله"، وقوله ﷺ : "إن الله يناهكم أن تحلفوا بأبائكم".
وجوابه: أن قوله ﷺ : "أفلح وأبيه" ليس هو حلفاً، إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها في كلامها غير قاصدة بها الحلف، والنهي إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف، لما فيه من إعظام المخلوق ومضاهاته به . فهذا هو الجواب المرضي، وقيل: يحتمل أن يكون هذا قبل النهي عن الحلف بغير الله، والله أعلم.
قال العراقي: النقل الخمسون: قال ابن عبد الوهاب في مختصره: لو قال: "لعمري" أو "لعمرك" فليس بيمين في قول الأكثر، وقال الحسن في قوله: "لعمري" كفارة انتهى.
ومعلوم أن لعمري أو لعمرك قسم بغير الله بلا نزاع ولكن الأكثر ما أوجب
стр. 305
فصل:
في ألفاظ كان يكره أن تقال: منها أن يقال: ما شاء الله وشئت، ومنها: أن يحلف بغير الله، صح عنه ﷺ أنه قال: "من حلف بغير الله فقد أشرك"، ومنها: أن يقول السيد لغلامه وجاريته: عبدي وأمتي، وأن يقول الغلام لسيده: ربي وربتي، ,ليقل السيد: فتاي وجاريتي، ويقول الغلام: سيدي وسيدتي" انتهى.
فانظر إلى تصريحه بالكراهة ولم يقل حرام ولا كفر قائلها كفراً مخرجاً من الملة.
والجواب أن يقال:
قد تقدم أن من نسب إلى الشيخ أو إلى أهل العلم من أتباعه أنهم كفروا بهذه الأشياء كفراً مخرجاً من الملة، فهو من أكذب الخلق وأجرأهم على الفرية، وقول الزور، وتقدم أن الشيخ ابن القيم قال: "من عظم مخلوقاً بالحلف تعظيماً كتعظيم الله فقد أشرك شركاً أكبر". وقال لما عدّ هذه الألفاظ ونحوها في شرح المدارج: "وقد يكون ذلك شركاً أكبر بحسب ما قام بقلب فاعله". وحديث ابن عمر صريح في إطلاق الكفر والشرك بالحلف بغير الله، فمن منع هذا الإطلاق فهو مشاق لله ولرسوله. ولكن ساق البخاري في صحيحه قول ابن عباس: "كفر دون كفر، وشرك دون شك، وظلم دون ظلم". وأما قول السيد لغلامه وجاريته: عبدي وأمتي، وقول الغلام والجارية: سيدي
стр. 306
وسيدتي، فلم يكفر بهذا مسلمم، كيف وقد أمر النبي ﷺ أن يقال: سيدي ومولاي واعتراض العراقي على عبارة كشف الشبهات مصدره سوء فهمه وغلظ طبعه، وكثافة حجابه، وسيأتيك الكلام في هذا إن شاء الله مفصلا قريباً:
وكم من عائب قولاً صحيحاً ... وآفته من الفهم السقيم
نعم قول النبي ﷺ للوفد الذين قالوا له: أنت سيدنا: "السيد الله" حديث ثابت خرجه الأئمة، واحتج به أهل العلم، ولهم في الجمع بينه وبين أمره للغلام أن يقول لسيده: سيدي وسيدتي طرق.
منها: ترجيح حديث الرخصة للعبد والأمة، ويحتمل أن الرخصة خاصة بالعبد والأمة، لما لسيدهما من السيادة الخاصة، وأما العامة في مقام المدح والثناء فتختص بالمنع. وهذا الجمع فيه إعمال النص في مورده، ولعله أولى الأقوال، وهذا جوابنا عن نقله الثاني والخمسين.
وأما نقله الثالث والخمسون، فحاصله أن شيخنا ﵀ ذكر في كتاب التوحيد حديث: "لا يقل أحدكم عبدي وأمتي، بل يقل: فتاي وفتاتي. ولا يقل العبد: ربي وربتي، وليقل: سيدي وسيدتي" وأنه ذكر في مختصر السيرة ومختصر الهدي النبوي: سيد بني فلان، وسيد بني فلان مرات متعددة.
ثم قال العراقي: فانظر إلى نقله هذا، وقد قال في كشف الشبهات له: "ليس معنى عندنا إلا الإله. فعلى هذا إذا قال أحد منا: يا سيدي أو سا مولاي، فكأنما قال: يا إلهي". فإذا كان لفظ السيد معناه الإله، كيف جاز له نقله في كتبه ولم يعترض على الرسول ﷺ في الحديث الصحيح الذي نقله: "وليقل العبد سيدي ومولاي"؟ وكيف ساغ له أن يقول في السيرة: سيد بني فلان، وفي أشخاص كفار، فضلا عن مسلمين أخيار، فهل هذا إلا تناقض؟ بل رأيت في كتب متعددة لبعض المعاصرين له أنه أحرق دلائل الخيرات؛ لأنّ
стр. 307
فيها: اللهم صل على سيدنا ومولانا محمد، وأنه قال: من أكفر من صاحب الدلائل لتعبيره بهذ العبارة؟ والله أعلم بحقيقة الحال.
فتأمل كلام الشيخين وانظر كيف لم يتفوها بالشرك المخرج عن الملة. ولو لم يقيد لكان قولها واجب التأويل، لأن كلام الله وكلام رسوله ﷺ إذا أطلقا يجب تأويلهما كما في آيات الوعيد، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: من الآية٤٤] قال ابن القيم: "كفر دون كفر، وشرك دون شرك، وليس بالكفر المخرج عن الملة، كما ذهب إليه ابن عباس وأكابر السلف"، بل ورد إطلاق الشرك في حق سيدنا آدم ﵇ الذي هو نبي معصوم، قال تعالى في حقه وحق حواء: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [لأعراف:١٩٠] فإن أكثر المفسرين على أنها مقولة بسبب تسمية آدم ابنه عبد الحارث، وهو إبليس والقصة معلومة. قال البغوي: كقول الرجل لضيفه: أنا عبدك، وليس الشرك الضار بالاتفاق، وكقوله ﷺ : "ثنتان هما في الناس كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت" رواه مسلم. وقد ذكر مسلم في أول صحيحه جملة أحاديث فيها إطلاق الكفر على المحرم وعلى المكروه، أولها العلماء بكفر النعمة، والمراد المستحل لهذه المعصية وهي متفق على تحريمها، فإذا كان كلام المعصوم الذي لا يترك من قوله: اتفق العلماء على تأويل إطلاقه ما يوهم الإخراج عن الملة، فكيف غير المعصوم ممن هو وسط طبقات العلماء إذا أطلق القول بذلك كيف لا يؤول كلامه؟ مع أنه ما قصر جزاه الله خيراً بل بين أتم بيان، فقد تحقق عندك من نقل عبارتهما أنهما لا يحكمان على أحد بالشرك أو الكفر إلا ومرادهما الأصغر ممن يعتقد الشهادتين، وهذا الأصغر لا يتحقق عندهما إلا بشروط أن لا يكون الفاعل مجتهداً، ولا مقلداً، ولا مؤولاً، وله له شبهات يعذره الله فيها ولا جاهلاً، ولا له حسنات تمحو هذه الخطيئة، ولم يبتل بمصائب مكفرة إلى غير
стр. 308
ذلك، كما قدمناه لك من كلامهما، ومن اتصف بشيء من هذه الأمور فهو مغفور له، ومثاب على فعله فقاتل الله من ينقل عنهما خلاف مذهبهما.
والجواب أن يقال:
سقنا كلام العراقي ليعلم الواقف عليه حاصل ما عند هذا المفتري وأنه في ظلمات الجهل والشرك والهوى، وفي كلامه من الهجنة واختلال النسق والنظام ما يستبين به أنه أجنبي عن هذه الصناعة، وأنه مزجي التجارة والبضاعة، فلله الحمد لا أحصي ثناء عليه، خذل هؤلاء الحيارى بعدله وحكمته، وأقام الحجة وواجب الشكر على أهل فضله ونعمته.
أما اعتراضه على شيخنا في قوله: "إن السيد يطلق بمعى الإله، وإن العرب تقصد من لفظ الإله ما يقصده كثير من أهل هذا الوقت بلفظ السيد" فهذا اعتراض باطل، نشأ من جهل المعترض باللغات والاصطلاحات والأوضاع العرفية، والعبرة بالمعنى والحقيقة وإن تغيرت اللغة، ونقلت لاصطلاح أو عرف، والاسم الواحد قد يختلف معناه لاختلاف مسماه فيكون له معنى في أصل اللغة ثم لا يخصه إلا الاصطلاح بمعنى أخص، ثم ينقله العرف الحادث والحكم يدور مع علته من عبد شيئاً وتألهه وقال: هذا مولى أو ولي أو سيد لم يغير ذلك الاسم حقيقته، وأنه إله معبود، وكلام الشيخ لايدل إلا على هذا، وليس فيه أن السيد في كل لسان وكل لغة يقصد بها الإله، هذا كذب وبهت على الشيخ، لم يقله ولا دل عليه كلامه، وهذا العراقي أفاك أثيم قد خلع جلباب الحياء والدين. وإنما قال الشيخ: إن المشركين الأولين كانوا يقصدون من لفظ الإله ما يقصده أهل زماننا بلفظ السيد، وهذا صحيح، فإن السيد عند أكثر المشركين في هذه الأزمان هو الذي يدعى ويستغاث به في الشدائد ويرجى للنوازل، ويحلف باسمه، وينحر له على وجه التعظيم والقربة. وبعضهم يطلق على ذلك اسم الولي، كما هو اصطلاح أهل مصر. وبعضهم يسمي هذا المعنى السر، فيقول: فلان فيه سر، ومن أهل السر.
стр. 309
وهذا مشهور معروف. والاصطلاحات تحدث واللغات تختلف، والفقهاء أطلقوا الأحكام المترتبة على المعاني والمقاصد وإن اختلفت الأسماء وتغيرت اللغات، في باب البيع والنكاح والردة والقذف والشهادة والحكم بالإسلام فيمن قال: صبأت ونحوه، وإن لم يحسن أن يقول: أسلمت، كما حكم ﷺ في بني جذيمة. والحكم أشهر من أن يذكر وسياق كلام الفقهاء يطول.
والشيخ لم يقل ما حكى العراقي عنه، وإنما قال ما حكينا، وإذا استعمل السيد في معناه اللغوي، فالشيخ أعقل وأعلم بالله وحدود ما أنزل على رسوله من أن يمنع ما تواتر نقله، واشتهر وضعه، وقاله الشارع المخبر عن الله، فقد ذكر في كتاب التوحيد جواز ذلك للعبد والأمة وإن منع مالك ﵀ كما تقدم، والمقصود إبطال اعتراضه وبيان جهله وضلاله.
وأما قوله: "رأيت في كتب متعددة عن بعض المعاصرين أنه أحرق دلائل الخيرات إلى آخر عبارته" فيقال: لولا الجهل والهوى واختيار الضلال على الهدى لما نقلت كلام خصوم الشيخ المجاهرين له بالعداوة المصرحين له بالمسبة، ولما أقدمت على حكايته لما فيه من الافتراء بغير هدى ولا برهان.
وما زال أهل الشرك وأهل البدع وأهل الفجور، بل وأهل العداوات الدنيوية يرمي بعضهم بعضاً، ويفتري بعضهم على بعض، ومن عرف الناس تبين له حقيقة ذلك. ومن أعماه الهوى ضل عن سبيل الرشاد والهدى، وفي كلامه من الكذب نسبة التحريق للدلائل إلى الشيخ، وقد صرح ﵀ في رسائله المعروفة أنه لم يحرقها (١) ، وإنما أمر بالاشتغال بما ورد من الصيغ الشرعية
стр. 310
والألفاظ النبوية في الصلاة والسلام على خير البرية، ونهى عن الغلو والإطراء الذي نهى عنه الشارع عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
وفي كلام العراقي من الكذب قوله: إنه أحرق الدلائل لأن فيها اللهم صل على سيدنا ومولانا، وإنما نهى عنها لما فيها من الغلو كما يعرفه من وقف عليها، وما فيها من الأحاديث التي لا تجوز نسبتها إلى النبي ﷺ ، فتبين أن العراقي مخلط لا يدري ما يقوله:
إذا أنت لم تفقه ولم تدر ماالهدى ... فأنت وعير في الفلاة سواء
ومن الأكاذيب الظاهرة، نسبة قوله: "ومن أكفر من صاحب الدلائل لتعبيره بهذه العبارة"، فهذا من جنس ما قبله. وإذا اجتمع الضلال والهوى فقد استحكم البلاء والشقاء.
وأما قوله: فتأمل كلام الشيخين كيف لم يتفوها بالشرك المخرج عن الملة، فقد تقدم البيان والكشف عن شبهة هذا العراقي، وأن كلام الشيخين في كل موضع فيه البيان الشافي أن نفي التكفير بالمكفرات قولها وفعلها فيما يخفى دليله، ولم تقم الحجة على فاعله. وأن النفي يراد به نفي تكفير الفاعل وعقابه قبل قيام الحجة، وأن نفي التكفير مخصوص بمسائل النزاع بين الأمة، وأما دعاء الصالحين والاستغاثة بهم وقصدهم في الملمات والشدائد. فهذا لا ينازع مسلم في تحريمه أو الحكم بأنه من الشرك الأكبر، وتقدم عن الشيخ أن فاعله يستتاب فإن تاب وإلا قتل، كما في عبارة الرسالة السنية، وتقدم قوله: "من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كفر إجماعاً"، وتقدم قوله في الرد على المتكلمين: "وهذا إذا كان في المسائل الخفية، فقد يقال إنه خفي عليهم، ولكنه يقع منه في مسائل يعلم الخاصة والعامة أن الرسول قد جاء بها ... إلخ"، وهذا عين كلام شيخنا الشيخ محمد بن عبد الوهاب ضاعف الله لنا وله الثواب، وأدخلنا وإياه الجنة بغير حساب، على رغم كل مبير وكذاب.
والعراقي لم يفقه هذا، لغلط فهمه وعدم علمه، بل هو يعتقد أن كلام
стр. 311
أهل العلم وتقييدهم بقيام الحجة وبلوغ الدعوة، ينفي اسم الكفر والشرك والفجور ونحو ذلك من الأفعال والأقوال، التي سمّاها الشارع بتلك الأسماء، بل ويعتقد أن من لم تقم عليه الحجة يثاب على خطأه مطلقاً. وهذه من الأعاجيب التي يضحك منها اللبيب فعدم قيام الحجة لا يغير الأسماء الشرعية، بل يسمي ما سماه الشارع كفراً أو شركاً أو فسقاً باسمه الشرعي. ولا ينفيه عنه وإن لم يعاقب فاعله إذا لم تقم عليه الحجة، ولم تبلغه الدعوة، وفرق بين كون الذنب كفراً وبين تكفير فاعله.
فافهم هذا فإن العراقي خلط فيما مرّ، وخبط خبط عشواء، وسيأتيك في كلامه ما فيه عبرة لأولي الألباب.
وأما الثواب والأجر فنصوص الشارع وكلام أهل العلم وكلام الشيخين صريح في أن ذلك غير حاصل لكل مخطئ، بل هو مخصوص بمن اجتهد واتقى الله ما استطاع، وهذا في المسائل الاجتهادية، ومستنده قوله ﷺ : "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" وقد دل الحديث على أن هذا للحاكم المجتهد، ونفي المؤاخذة بالخطأ والنسيان لا يلزم منه الإثابة بالاتفاق.
فاستصحب هذا معك فيما مر وما يأتي من الأبحاث، فإن القوم زلت أقدامهم ولم يعقلوا عن الله ولا عن رسوله، ولا عن أهل العلم والإيمان ما يراد من الكلام في هذه المباحث، بل ولا في كل باب وشأن إلا أن يشاء ربي شيئاً.
وأما قوله: "بل ورد إطلاق الشرك في حق سيدنا آدم ﵇ الذي هو نبي معصوم" فهذه العبارة من نوادر هؤلاء الضّلال، ومن أعجب ما يحكى ويقال، جزم بإطلاق الشرك على آدم ﵇، ثم قال: هو نبي معصوم ما زال هذا المعترض في مشيمة طبعه وجاهليته، ولم يولد بعد، هذا جمع بين النقيضين، وجهل لا يخفى على ذي سمع وعين، ومن قال بالعصمة مطلقاً فقد أول هذه الآية، وحملها على غير آدم كما هو معروف ومقرر عند أهل
стр. 312
العلم والفتوى، ومن قال بوقوع ذلك من آدم وحواء نفى القول بالعصمة مطلقاً ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً﴾ [طه:١١٥] .
ثم في عبارة العراقي من الهجنة وسوء التعبير ما يقضي بأنه أسوأ الذرية وأقلهم أدباً مع الأب الأول الأكبر، كيف يقول: ورد إطلاق الشرك في حق آدم، والله تعالى يقول: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحاً جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا﴾ [لأعراف: من الآية١٩٠] ، والعراقي جاهلي اللسان أغلف الجنان، والله سبحانه لم يذكر آدم باسمه العلم رحمة منه وتشريفاً له، ولبنيه من صالح الأمم، بل أتى بالضمير الدال على التثنية وفرق بين ذلك وبين الأفراد في مثل هذا المقام، ولم يطلق الشرك بل قيده بقوله: ﴿فِيمَا آتَاهُمَا﴾ ، والعراقي يقول: أطلق الشرك، فافهم ما في كلامه من الكذب على الله، وبهت أبيه آدم وعقوقه.
وأما قوله قال البغوي: "كقول الرجل لضيفه: أنا عبدك، وليس الشرك الضار".
أقول في جوابه: قد جنى هذا العراقي على البغوي جناية لا تقال عثرتها، ولا جبار لجرحها، أخذ كلامه وحرفه وأخرجه عن نسقه ونظامه، والبغوي أجل من أن يقول لشيء من الشرك: "ليس بضار بالاتفاق"، هذه لا تصدر عمن يعقل ما يقول فضلا عن الأكابر الفحول، وعبارة البغوي نصها: "أي جعلا له شريكاً إذ سمياه عبد الحارث ولم يكن هذا شركاً في العبادة، ولا أن الحارث ربهما، فإن آدم كان نبياً معصوماً من الشرك، ولكن قصد إلى أن الحارص ربهما. فإن آدم كان نبيّاً معصوماً من الشرك، ولكن قصد إلى أن الحارث كان سبب نجاة الولد وسلامة أمه، وقد يطلق اسم العبد على من لايراد به أنه مملوك، كما يطلق اسم الرب على من لا يراد به أنه معبود، كما أن الرجل إذا نزل به ضيف يسمي نفسه: عبد الضيف على وجه الخضوع لا على أن الضيف ربه، ويقول للغير: أنا عبدك، وقول يوسف ﵇ لعزيز مصر: إنه ربي، لا يراد به أنه معبوده، وكذلك هذا" انتهى.
وحاصله أن الحقيقة لم تقصد، وإنما هو على سبيل التواضع، هذا
стр. 313
حاصل كلامه، فالعراقي حرف العبارة وزاد فيها ونقص، كما فعل بنقوله عن شيخ الإسلام، فالعراقي لا تؤمن بوائقه، فلا تغتر بنقله، ولا تأخذ عنه فإنه وضاع كذاب، محرف لا يؤمن على شيء من العلم.
وأما قوله، وكقوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض"، وقوله: "سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، و "من أتى حائضاً فقد كفر"، وقوله: "ثنتان هما في الناس كفر"، فإن كان هذا عند العراقي كفراً ليس بضار لا يعاب على فاعله ولا يعار، فقد أراح خصمه من التعب والجواب، وأعلن بحقيقة ما عنده وما يذهب إليه في تلك المسائل الممتنعة الصعاب.
من كان هذا حاصله فهو ممن لم يتميز عن سائمة الأنعام، إلا بمجرد الصورة والهيولي، فإن هذه الألفاظ النبوية، والصيغ الشرعية، يجب الإيمان بها وتلقيها بالقبول والتسليم. وأهل العلم متفقون على أنها من كبائر الذنوب، بل من أفحش الكبائر؛ فإن إطلاق الكفر على الذنب أو على فاعله يدل على غلطه في نفسه، وعظيم فحشه، ولم يقل أحد من أهل العلم: إنه كفر غير ضار، بل ولا يقوله جاهل، ولا ذمي يؤمن بأحد الأنبياء. ولم تنته جهالتهم في هذا المبحث إلى ما انتهت إليه جهالة العراقي وضلالته، والذي حكاه الإمام أحمد وارتضاه تلقي هذه الأخبار بالإيمان والتسليم، وترك التعرض لتفسيرها كما ذكره في رسالته إلى مسدد بن مسرهد وغيرها، ونقله شيخ الإسلام وغيره، وبعض الناس تعرض لتأويلها وإنها من الكفر العملي لا الاعتقادي مع اعترافه بأنها من أغلظ الذنوب وأكبرها. وأما تأويلها بكفر النعمة فهو ضعيف جداً؛ إذ ما من معصية وذنب يفعله المكلف المختار إلا وفيه من كفر النعمة بحسبه، والشكر هو استعمال النعمة في طاعة معطيها ومسديها، مع محبته والرضا عنه، والثناء بها عليه، والشكر ضد الكفر فمن أخل بشيء من الشكر ففيه من كفر النعمة بحسب ذلك. فتحصل أن كفر النعمة لا يختص بما أطلق عليه الشارع الكفر من الأفعال، فلا بدّ للنص من معنى يخصه وحكمة في تخصيص بعض الأفراد. وهذا معلوم بالشرع والفطرة، إذ تخصيص بعض أفراد الجنس بحكم من غير
стр. 314
مخصص يقتضي ذلك تحكم محض، وترجيح بلا مرجح.
وأما قوله: وذكر مسلم أحاديث فيها إطلاق الكفر على المحرم وعلى المكروه ـ فقد كذب على مسلم، وكذب على الرسول ﷺ في زعمه أنه أطلق الكفر على المكروه بالمعنى الاصطلاحي الذي يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله، وإنما تطلق الكراهة في عرف القرآن والسنة على الكفر والشرك والكبائر وسائر المحرمات. كما في آية الإسراء وكما في الحديث: "ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال".
وأما قوله: "وإذا كان كلام المعصوم الذي لا يترك من قوله ـ اتفق العلماء على تأويل إطلاق ما يوهم الإخراج من الملة، فكيف غير المعصوم؟ ".
فيقال: حكاية الاتفاق على ما ذكر تهور في الكذب على أهل العلم كافة، واقتحام لجرائم الوعيد المنصوص عليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل:١٠٥] وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً﴾ [الأحزاب:٥٨] ، وقد حمى الله أهل العلم عن الاتفاق على تأويل الاطلاقات النبوية من غير نص يجب المصير إليه، وقد تقدم عن الإمام أحمد أنه حكى عن السلف إمرار هذه الأحاديث كما جاءت من غير تعرض لتأويلها، ومن قال: هي كفر عملي لم يتأول، ولكنه يرى أن إطلاق الكفر على مثل ذلك حقيقة شرعية، كما يعلم بالوقوف على كلامهم ﵏، فطالعها في أماكنها تجد ما قلناه، ويتضح لك ما قررناه.
وأما قوله في الشيخ وتلميذه: إنه من أوسط طبقات العلماء فكأنه يريد أنهما ليسا من الطبقة العليا، بل دون ذلك، وما أحس ما قال جرير:
ما أنت بالحكم الترضى حكمته ... ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل
وأما قوله: فقد تحقق عندك من نقل عباراتهما أنهما لا يحكمان على أحد بالشرك أو الكفر إلا ومرادهما: الأصغر ممن يعتقد الشهادتين ـ إلى أخره، فقد
стр. 315
تقدم لك البيان إن هذا جهل وتخبيط وضلال، وأنه لم يفهم كلام الشيخ ولم يعرف موضوعه وما أريد به، وكيف لا يحكم الشيخان على أحد بالكفر أو الشرك، وقد حكم به الله ورسوله، وكافة أهل العلم؟ وهذان الشيخان يحكمان أن من ارتكب ما يوجب الكفر والردة والشرك يحكم عليه بمقتضى ذلك وبموجب ما اقترف كفراً أو شركاً أو فسقاً إلاّ أن يقوم مانع شرعي يمنع من الاطلاق، وهذا له صور مخصوصة، لا يدخل فيها من عبد صنماً أو قبراً أو بشراً أو مدراً لظهور البرهان، وقيام الحجة بالرسل.
والعراقي أجنبي عن هذا كله، لا يدري ما الناس فيه، وإن ظن أنه من ورثة العلم وحامليه.
جهد المغفل في الزمان مضيع ... وإن ارتضى أستاذه وزمانه
كالثور في الدولاب يسعى وهو لالا ... يدري الطريق فلا يزال مكانه
وقال العراقي: فقاتل الله من ينقل عنهما خلاف مذهبهما.
وهذا استفتاح من العراقي على نفسه، إذ هو الفاعل لذلك المجتهد في تحريف كلامهما وإخراجه عن موضوعه، ونقل ما لم ما لم يقولا ولم يذهب إليه ذاهب. قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ [إبراهيم:١٥] اللهم إنا نعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك، ونسألك موجبات رحمتك وعزائم معفرتك.
وهذه النقول التي تقدمت عن العراقي أكثرها مكرر لا يحتاج لمزيد جواب، وإنما قصدنا بما أوردنا من الإطناب في محله تنبيه السامع وإيقاظ الغافل، والإطناب يحسن في محله لحاجة السامع وضرورة الطالب، وفيما يهتم به من الأمور التي تشتد حاجة العبد إليها، كما يستفاد من أسلوب الكتاب العزيز الذي ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت:٤٢] .
ثم إن العراقي بعد فراغه من نقوله شرع يستدل على جواز دعاء
стр. 316
الصالحين والاستغاثة بهم وطلب الحوائج منهم على أنهم واسطة بين العباد وبين الله في الحاجات والملمات والشدائد، وزعم أن هذا ليس بشرك وإنما هو توسل ونداء مستحب شرعاً، وذكر خمسين دليلاً يزعم أنها تدل على دعواه، وتنصر ما قاله وافتراه ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الصافات:١٨٠] وتعالى الله عمّا يقول الظالمون، وسنتكلم عليها بما يسره الله لضرورة اقتضت ذلك، وإن كنت لست من رجال تلك المناهج والمسالك.
ولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوح نبتها رُعي الهشيم
قال العراقي: الباب الثاني: في أدلة المجوزين للاستغاثة والتوسل بالأنبياء والصالحين والنذر لهم على أن المراد لوجه الله والثواب لهم، والحلف بغير الله، وما أشبه ذلك. وبيان أدلتهم من الكتاب والسنة وأفعال السلف الصالح وأقوالهم، وهذا الباب إنما نذكره ليتضح لك وجه استنادهم، ويتبين لك كون الشيخين يعذران فاعل ذلك لأجل هذه الأدلة، وقد ذكر جملة منها شيخ الإسلام ابن تيمية في عبارته السابقة، وقد تقدم عنه في اعتذاره عمن يفعل ذلك أنه لعله لم تثبت عنده النصوص، أو عارضها معارض عنده، وهذه الأدلة معارضة لأدلة المانعين فتكون لهم حججاً يعذرهم الله لأجلها.
اعلم أن المجوزين مرادهم جواز الاستغاثة بالأنبياء والصالحين أنهم أسباب ووسائل بدعائهم، وإن الله يفعل لأجلهم، لا أنهم الفاعلون استقلالا من دون الله فإن هذا كفر بالاتفاق، ولا يخطر ببال مسلم جاهل، فضلاً عن عالم، بل ليس هذا خاصاًَ بنوع الأموات، فإن الأحياء وغيرهم من الأسباب العادية كالقطع للسكين، والشبع للأكل، والري للماء، والدفء للبس؛ لو اعتقد أحد أنها فاعلة ذلك بنفسها من غير استنادها إلى الله يكفر إجماعاً.
ثم استدل العراقي بأن السبكي والقسطلاني في المواهب والسمهودي في تاريخ المدينة، وابن حجر في الجوهر المنظم، قالوا: والاستغاثة به ﷺ وبغيره في معنى التوسل إلى الله بجاهه ووسيلته، أو بأن يدعو الله كما في حال الحياة
стр. 317
إذ هو غير ممتنع مع علمه بسؤال من سأله، والمستغيث يطلب من المستغاث به أن يحصل له الغوث من غيره، ممن هو أعلى منه، وليس لها في قلوب المسلمين غير ذلك، ولا يقصد بها أحد سواه، والمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى مستغاث، والغوث منه تسبباً وكسباً، ولا يعارض ذلك خبر أبي بكر الصديق ﵁: "قوموا بنا نستغيث برسول الله ﷺ من هذا المنافق. فقال ﷺ : إنه لا يستغاث بي إنما يستغاث بالله" لأن في سنده ابن لهيعة والكلام فيه مشهور، وبفرض صحته فهو على حد قوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [لأنفال: من الآية١٧] ، وقوله ﷺ : "ما أنا حملتكم ولكن الله حملكم" أي أنا وإن استغيث بي فالمستغاث به في الحقيقة هو الله تعالى وكثيراً ما تجيء السنة بمحو هذا من بيان حقيقة الأمر، ويجيء القرآن لإضافة الفعل إلى مكتسبه كقوله ﷺ : "لن يدخل الجنة أحد بعمله" مع قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: من الآية٣٢] .
وبالجملة فإطلاق لفظ الاستغاثة لمن يحصل منه غوث ولو تسبباً وكسباً أمر معلوم، لا شك فيه لغة ولا شرعاً، فلا فرق بينه وبين التوسل حينئذ، فتعين تأويل الحديث لا سيما مع ما نقل أن في حديث البخاري في الشفاعة يوم القيامة: "فبينا هم كذلك استغاثوا بآدم، ثم بموسى، ثم بمحمد ﷺ ". وقد يكون مع التوسل طلب الدعاء منه إذ هو يعلم بسؤال من سأله، ويتسبب هو بشفاعته ودعائه وذكر ابن تيمية فيما تقدم أن المصنفين في أسماء الله قالوا: يجب على المكلف أن يعلم أن لا غياث ولا مغيث على الحقيقة إلا الله، وأن الإغاثة وإن حصلت من غيره تعالى فهو مجاز، وحقيقة له تعالى، وقال أيضاً: "والاستغاثة بمعنى أن يطلب منه ما هو اللائق بمنصبه، لا ينازع فيها مسلم، ومن نازع فهو كافر أو ضال". وهذا كما ترى محافظة على التوحيد واتباعاً للوارد، فالإنكار ساقط بهذا الاعتبار، وقد ذكر المجوزون أن جعل النبي والصالح متسبباً لا مانع من ذلك شرعاً وعقلاً، لأن ذلك كله بإذن الله تعالى، ومن أقر بالكرامة من الصالحين كما هو مذهب أهل السنة والجماعة وأنها بإذن الله لم