فانظر رحمك الله إلى تصريحه بكفر هذا الصنف الذين هم محل النزاع، وأن من فعل ذلك قتل بعد الاستتابة إن لن يتب، وهذا عين كلامنا.
فالتشبيه في هذه المسألة بخير الذي أمر أهله أن يذروه، أو بقول الشيخ: إن المخطئ لا يكفر إذا اجتهد واتقى، ونحو هذه العبارات تمويه وتشبيه.
والنزاع فيمن قامت عليه الحجة، أو أمكنه الاستدلال، لا فيما يخفى من المسائل، أو كان مما يختص أهل العلم بمعرفته. فهذا نحوه ليس مما نحن فيه، وإيراده والاحتجاج به على مسألة النزاع تمويه لا يروج على أهل البصائر.
قال العراقي: النقل السادس والعشرون: وقال أيضاً في بعض كتبه ونقله الشيخ سليمان بن عبد الوهاب في ردّه على أخيه قال: "إني دائماً ومن جالسني يعلم أني من أعظم الناس نهيًا عن أن ينسب معين إلى تكفير، أو تفسيق، أو معصية، إلا إذا علم أنه قد قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافرًا تارة، وفاسقًا أخرى، وعاصيًا أخرى، وإني أقرر أن الله قد غفر لهذه الأمة خطأها، وذلك يعم الخطأ في المسائل الخبرية والمسائل العملية.
وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل، ولا يشهد أحد منهم على معين لا بكفر ولا بفسق ولا بمعصية، كما أنكر شريح قراءة: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: ١٢] وقال: إن الله لا يعجب ـ إلى أن قال ـ: وقد آل النزاع بين السلف إلى الاقتتال مع اتفاق أهل السنة أنّ الطائفتين جميعًا مؤمنتان؛ وأن الاقتتال لا يمنع العدالة الثابتة لهم؛ لأن المقاتل وإن كان باغيًا فهو متأول، والتأويل يمنع الفسوق.
وكنت أبين لهم أن ما نقل عن السلف والأئمة من إطلاق القول بتكفير من يقول كذا وكذا، ونحو هذا حق، لكن يجب التفريق بين الإطلاق والتعيين. وهذا أول مسألة تنازعت فيها الأمة من مسائل الأصول الكبار وهي مسألة [الوعيد] ، فإن نصوص الوعيد في القرآن مطلقة عامة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء:١٠] ، وكذلك سائر ما ورد: من فعل كذا وكذا فهو كذا، فإن هذه النصوص مطلقة عامة.
وهي بمنزلة من قال من السلف: من قال كذا، فهو كذا. ـ إلى أن قال: والتكفير يكون من الوعيد،
стр. 247
فإنه وإن كان القول تكذيبًا لما قاله الرسول ﷺ ، لكن قد يكون الرجل حديث عهد بإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص، أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر يوجب تأويلها، وإن كان مخطئًا.
وكنت دائمًا أذكر الحديث الذي في الصحيحين في الرجل الذي قال لأهله: "إذا أنا مت فأحرقوني ـ الحديث" فهذا رجل شك في قدرة الله، وفي إعادته إذا ذُرىَ، بل اعتقد أنه لا يعاد. وهذا كفر باتفاق المسلمين، لكن كان جاهلا لا يعلم ذلك، وكان مؤمنًا يخاف الله أن يعاقبه، فغفر له بذلك.
والمتأول من أهل الأجتهاد، الحريص على متابعة الرسول أولى بالمغفرة من مثل هذا ". انتهى.
والجواب: إن شيخنا ﵀ قال في مثل هذه الشبه التي يوردها المبطلون من كلام شيخ الإسلام ابن تيمية بمثل ما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية سواء. وإن من تأمّل كلامه ﵀ وجده يصله بما يفصل النزاع، ويبين المراد. وقد بين في هذا النقل بياناً يقطع النزاع بقوله: إلا إذا علم أنه قامت عليه الحجة الرسالية التي من خالفها كان كافراً تارة، وفاسقاً أخرى. وهذا البيان كافٍ.
فإن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهّاب ﵀ لا يكفّر أحداً قبل قيام الحجّة. وهذا يأتي على جميع ما ساقه العراقي بالرّد والدّفع، فسياق هذه العبارات المتحدة المعاني والتشبيه بها وكثرة عددها مجرد تخييل وهوس، يكفي في ردها ما تقدم بيانه من اشتراط قيام الحجة، وإن فرض كلام الشيخ في كل ما نقل العراقي في غير ما يعلم من الدين بالضرورة، وفي غير المفرط في طلب العلم والهدى، كما تقدم فيما نقلناه من طبقات المكلفين، وتقدم نص الشيخ أن فرض كلامه في غير المسائل الخفية، وكل جملة من هذه الجمل تكفي المؤمن في ردّ جميع ما نقله ابن جرجيس عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وينبغي أن يعلم الفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، فإن من بلغته دعوة الرسل فقد قامت عليه الحجة؛ إذا كان على وجه يمكن معه العلم، ولا يشترط في قيام الحجة أن يفهم عن الله ورسوله ما يفهمه أهل الإيمان والقبول والانقياد لما جاء
стр. 248
به الرسول ﷺ ، فافهم هذا يكشف عنك شبهات كثيرة في مسألة قيام الحجّة، قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان:٤٤] ، وقال تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ ﴿البقرة: من الآية٧] ، وتأمّل كلام الشيخ وقوله: وما زال السلف يتنازعون في كثير من هذه المسائل.
وقوله: "ولكن قد يكون الرجل حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة، وقوله: وقد يكون الرجل لم يسمع تلك النصوص أو سمعها ولم تثبت عنده، أو عارضها عنده معارض آخر يوجب تأويلها".
وكلّ هذا لا يمكن أن يقال في عبّاد القبور.
فتأمّل كلام الشيخ واعرف ضلال ابن جرجيس في حمله كلام الشيخ على عذر عباد القبور والأنبياء والصالحين، واعرف سوء فهمه وكثافة حجابه، وقد تقدم هذا مراراً.
ويقال أيضاً: كلام الشيخ في عدم إطلاق الكفر على المعين إذا كان له عذر من جنس ما تقدم، لكن أثبت وقرر أن نفس العمل والفعل يكون كفراً، وإن لم يكن فاعله لمانع، وهذا الملحد لا يقول ذلك فيمن عبد الصالحين وأهل القبور، بل يقول: هم مثابون مأجورون بدعائهم غير الله، ويسمى الدعاء توسّلاً، قد مرّ هذا عنه في غير موضع، ويأتيك أكثر مما مرّ، فاعرف جهله، وإنه لم يأنس بشيء مما جاءت به الرسل، ولم يتعقل ما يحكيه من كلام أهل العلم.
فقف هنا يا من أنعم الله عليه تعرف بعدما جاء به هذا الملحد عما جاءت به جميع الرسل، وأنه أضلّ من كثير من أعدائهم، والله المستعان.
النقل السابع والعشرون: من نقول ابن جرجيس: وقال أيضاً في الفتاوى ـ حين سئل عن التكفير الواقع في هذه الأمة ـ: أول من أحدثه في الإسلام المعتزلة. وعنهم تلقاه من تلقاه، وكذلك الخوارج هم أول من أظهره. واضطرب الناس في ذلك، فمنهم من يحكي عن مالك فيه قولين، وعن الشافعي كذلك، وعن أحمد روايتين، وأبو الحسن الأشعريّ وأصحابه لهم فيه
стр. 249
قولان. وحقيقة الأمر: إن القول قد يكون كفراً، فيطلق القول بتكفير قائله، ويقال: من قال كذا فهو كافر، لكن الشخص المعين الذي قاله لا يكفر، حتى تقوم عليه الحجة التي يكفر تاركها ـ ثم ساق كلام الشيخ في أن المقالات الكفرية لا يكفر قائلها إلا بعد قيام الحجّة.
والجواب أن يقال:
قد تكرر هذا عن العراقي، ولكنه أراد أن يعظم حجم الكتاب ويظن العامة أن قد جدّد حجة من السنة أو الكتاب، أو كلام ذوي الألباب، وهو لم يزل ولا يزال يتردد في ظلماته، ويكرر ريبه وشبهاته. والجواب تقدم.
وفيما ساقه هنا رد لباطله وحجّة عليه، من جهة أن الشيخ حكى في تكفير الخوارج ونحوهم عن مالك قولين، وعن الشافعي كذلك، وعن أحمد أيضاً روايتين، وأبو الحسن الأشعريّ وأصحابه لهم قولان، وحيث كان الحال هكذا في الخوارج فقد اختلف الناس في تكفيرهم والغلاة في علي لم يختلف أحد في تكفيرهم. وكذلك من سجد لغير الله أو ذبح لغير الله أو دعاه مع الله، رغباً أو رهباً.
كل هؤلاء اتفق الخلف والسلف على كفرهم، لما ذكره أهل المذاهب الأربعة، ولا يمكن لأحد أن ينقل عنهم قولاً ثانياً. وبهذا تعلم أن النزاع وكلام الشيخ ابن تيمية وأمثاله في غير عباد القبور والمشركين، وإنما فرضه وموضوعه في أهل البدع المخالفين للسنة والجماعة. وهذا يعرف من كلام الشيخ ولكن العراقي من جملة البقر والثيران، وإن كان ضخم العمامة واسع الأردان وقد تقدم قول الشيخ من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم ويتوكل عليهم كفر إجماعاً، فحكى الإجماع على كفر هذا الصنف، حكى الخلاف في تكفير الخوارج ونحوهم، فاعرف الفرق، ولولا عموم الجهل، وبعد العهد بآثار النبوة لما أطلنا الكلام في مثل هذه المباحث؛ لأنها مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام.
قال ابن جرجيس: النقل الثامن والعشرون: قال الشيخ ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم، ما نصه: فكما أن إثبات المخلوقات أسباباً لا يقدح
стр. 250
في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، فلا يجوز أن يدعي المخلوق لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة، كذلك إثبات بعض الأفعال المحرمة: من شرك أو غيره أسباباً، لا يقدح في توحيد الإلهية، فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهداً في هذه المسألة أو مقلداً.
والجواب أن يقال:
قد تقدم لهذا العراقي، ويأتيك عنه في غير موضع ـ أنه استدل بإجابة الدعاء عند القبور وإجابة من سأل أهل القبور على استحباب ذلك، وأنه دين يحبه الله ويرضاه، وحكى هنا عن الشيخ أن ذلك لا يقدح في توحيد الربوبية، ولا يمنع أن يكون الله خالق كل شيء، فلا يجوز أن يدعي المخلوق لا دعاء عبادة ولا دعاء استغاثة فهذا يهدم قوله، ويدفع صدره، ولكنه لا شعور له بما في كلام الشيخ من الحق والهدى وكذلك بما في قوله: إثبات بعض الأفعال المحرمة من شرك، أو غيره أسباباً لا يقدح في توحيد الإلهية، والعراقي يجعل السبب دليلا على جواز دعاء غير الله، والشرك في الإلهية.
فاعجب لهذه الحكاية والقضية، وأكثر ما يدعو هؤلاء المشركين إلى دعاء القبور والصالحين ما يحكونه من أنّ فلاناً دعا فاستجيب له، وفلاناً استغاث فأغيث. وفلاناً رد عليه بصره، وعند السدنة وعباد القبور من هذا شيء كثير. قد أورد منه العراقي شيئاً كثيراً، جعله من قواعد مذهبه، وأدلة شركه، ومن العجب العجاب: أن الهوى يعمي الرجل حتى لا يفهم ما ينقل، ولا ما يخرج من بين شفتيه.
وأما قوله: إن الشيخ قال: فإن أحسن أحواله أن يكون مجتهداً في هذه المسألة أو مقلداً، فهذه الجملة ليس متصلة ولا مرتبطة بما ساق العراقي، ولا مناسبة بينها وبينه والشيخ قد ساقها في موضع آخر وبحث آخر، ولكن ابن جرجيس كذاب جاهل، وقد مر لك جنس تحريفه، قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة:٥] .
стр. 251
فصل
قال ابن جرجيس: النقل الثلاثون: "قال الشيخ في هذا الكتاب في موضع آخر: "وإذا اعتقد وجوب بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة، فهذا عاص، ويسمى كافراً كفراً مجازياً أو كفراً أصغر، وإن جهل حكم الله فيها مع بذل جهده، واستفراغ وسعه في معرفة الحق، فهذا مخطئ له أجر على اجتهاده، وخطؤه مغفور له" انتهى.
والجواب أن يقال:
كلام الشيخ في الحكم بين الناس والقضاء فيما بينهم من الخصومات، لا فيما يعم أصول الدين، ودعاء الأموات، وسياق كلام الشيخ صريح في هذا، فإن هذه المسألة معروفة مشهورة، كما قال ابن عباس: "كفر دون كفر، وظلم دون ظلم" عند الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: من الآية٤٤] .
وقوله: وإن جهل حكم الله فيها ـ إلى آخر العبارة: دليل على أن الكلام في المسائل الاجتهادية، فأين هذا من دعاء الأموات، والاستغاثة بغير الله؟ مع أن الشيخ قد قرّر على حديث القضاة ثلاثة: أن الجاهل الذي ليس له أهلية اجتهاد داخل في الوعيد، كما هو نص الحديث. فالعراقي ملبوس عليه، لا يفهم كلام الشيخ ومع ذلك فالهوى قد أعمى بصيرته، وحال بينه وبين الفهم، فسبحان من طبع على قلبه: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم:٥٩] .
стр. 252
ثم قال العراقي: "النقل الحادي والثلاثون ـ وساق كلام ابن القيم في أن الشخص الواحد يكون فيه ولاية لله وعدواة من وجهين مختلفين. ويكون فيه إيمان ونفاق، وإيمان وكفر، ويكون أحدهما أقرب منه إلى الآخر، فيكون من أهله؛ قال الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران: من الآية١٦٧] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف:١٠٦] أثبت لهم الإيمان مع مقارنة الشرك، فإن كان مع الشرك تكذيب لرسله لم ينفعهم ما معهم من الإيمان بالله، ولو كان معهم تصديق برسله وهم مرتكبون لأنواع من الشرك لا يخرجهم من الإيمان بالرسل، فهؤلاء مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب الكبائر، وشركهم قسمان: جلي، وخفي، فالخفي قد يغفر.
والجواب أن يقال:
أي دليل في هذا على مسألة النزاع؟ فإن مراد الشيخ كما يعلم من تقريره وأول عبارته أن النفاق الأصغر وبعض شعبه، قد يوجد في شخص مع وجود بعض شعب الإيمان، وكذلك الكفر العملي الذي لا يخرج عن الإسلام قد يوجد مع بعض شعب الإيمان، ويكون أحدهما أقرب إليه وأولى به، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ تفيد أن الشرك قد يوجد مع الإيمان بالربوبية، كما فسرها بعض السلف، لكنه لا يخفى في النجاة، بل لا بدّ من عبادة الله وحده لا شريك له. ولذلك قال الشيخ: فإن كان مع الشرك تكذيب للرسل لم ينفعهم ما معهم من الإيمان بالله، ولو كان معهم تصديق للرسل، وهم مرتكبون لأنواع من الشرك لا يخرجهم من الإيمان. فهم مستحقون للوعيد أعظم من استحقاق أرباب الكبائر، فهذا الشرك الخفي، كما يدل عليه قوله، وأما الجلي فلا يغفر إلا بالتوبة وهذا كله لنا، مبطل لما ذهب إليه العراقي، ولكنه لا يفرق بين الشرك الأكبر والأصغر، ولا يتعقل معاني ما يقول:
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ... ولا الصّبابة إلا من يعانيها
قال العراقي: النقل الثاني والثلاثون، قال الشيخ ابن تيمية في اقتضاء
стр. 253
الصراط المستقيم، وفيه أي في حديث أبي ذر وقول النبي ﷺ : "إن فيك لخصلة جاهلية" إن الرجل قد يكون مع علمه وفضله ودينه فيه بعض هذه الخصال المسماة بجاهلية، ويهودية، ونصرانية، ولا يوجب ذلك كفره ولا فسقه.
وزعم العراقي أن هذا يفيد أن الشيخين لو أطلقا لفظ الكفر والشرك على فعل واحد، فمرادهما الكفر المجازي أو الأصغر. وهذا مع اعتراف الفاعل بالحق وعدوله عنه، وأما مع بذل الوسع والاجتهاد، فهو عندهم مأجور، ولو كان مخطئاً.
والجواب أن يقال:
تبّاً لهذا العراقي، وما أضله عن سواء الطريق. وما أجهله بكلام أهل الفضل والتحقيق، وما أكذبه على الله وعلى رسوله، وعلى أهل العلم والتصديق.
وأما قوله: وقول النبي ﷺ : "إن فيك لخصلة جاهليّة" فهذا كذب على الرسول ﷺ ، فالرسول ما قال هذا. وإنما قال: "إنّك امرؤ فيك جاهليّة" وهكذا رواه من خرّجه من أهل الدواوين الإسلامية. وشيخ الإسلام لم يقل هذا، بل أورده كما جاء من غير تحريف ولا تبديل. والعراقي ليس من أهل الصنعة بل هو ضال غبي، لا عناية له بهذا الشأن. والله المستعان.
وفرق بين النسبة إلى الجاهلية واليهودية والنصرانية، وبين إطلاق الكفر والشرك على الفاعل. فإن شعب الجاهلية ونحوها ليست كلها مكفرات، ولا يقال: إن تعيير الرجل بأمّه كفر، ويقال: هو جاهليّة. وكذلك أكل الرّشاء هو من اليهودية ولا يلزم أن يكون فاعله كافراً، والكفر والشرك هما أكبر الذنوب على اختلاف أنواعهما ولا كذلك التعيير بالأم ونحوه، مما ينسب إلى الجاهلية، مما دون الشرك والكفر.
وقوله: وأما مع بذل الوسع والاجتهاد والتقليد فهو عنده مأجور ـ فهذا القول مما يستبين به جهل العراقي، وسوء فهمه، فإنّ النّبي ﷺ عاب هذا على
стр. 254
أبي ذر، ولم يقل أحد من أهل العلم، ولا قاله عن نفسه: إنه مأجور، ولا أدخل هذه المسألة في مسائل الاجتهاد، وأي اجتهاد في التعيير بالأم؟ وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: من الآية١٣] وهذا ضرب من الناس هم أعداء النصوص والعقول والفطر، قد استهوتهم الشياطين، وأزعجتهم إلى تبديل دين الله والكذب على أوليائه، ومعاداة حزبه و ﴿لِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام:٦٧] .
قال العراقي: النقل الثالث والثلاثون: "قال الحافظ ابن رجب في شرح كلمة الإخلاص: "والإله هو الذي يطاع فلا يعصى هيبة له وإجلالاً، ومحبة وخوفاً ورجاءً، وتوكلاً وسؤالاً ودعاءً، ولا يصلح ذلك كله إلا لله. فمن أشرك مخلوقاً في شيء من هذه الأشياء التي هي من خصائص الإلهية. كان ذلك قدحاً في إخلاصه، وقدحاً في توحيده وهذا كله من فروع الشرك. ولهذا ورد إطلاق الكفر والشرك على كثير من المعاصي التي منشؤها من غير طاعة الله، أو خوفه أو رجائه أو التوكل عليه أو العمل لأجله، كما ورد إطلاق الشرك على الرياء، وعلى الحلف بغير الله. ولهذا أطلق الشارع على أكثر الذنوب التي منشؤها من هوى النفس إنها كفر وشرك، كقتال المسلم، ومن أتى حائضاً، أو امرأة في دبرها، ومن شرب الخمر في المرة الرابعة، وإن كان ذلك لا يخرج من الملة بالكلية، ولهذا قال السلف كفر دون كفر وشرك دون شرك" انتهى.
قال العراقي: والمقصود من هذا النقل قوله: إن هذه الأشياء من خصائص الألوهية، وأنه نقص في توحيده، وهذا كله من فروع الشرك، ويطلق عليه الكفر، ومع ذلك قال آخر العبارة: وإن كان ذلك لا يخرج عن الملة بالكلية، وإنه ليس بكفر وشرك مخرجين عنها، بل دون ذلك، وهذا على مذهبه اتباعاً للشيخين وأنه تلميذهما.
والجواب أن يقال:
هذا النقل ليس فيه ما يتمسك به المبطل، فإن كلامه صريح في أن الإله هو الذي يقصد بهذه الأمور، مع أن النقل اعتراه ما اعترى أمثاله من
стр. 255
التحريف، وإسقاط بعض الكلام المتصل، وترك ما فيه مما يرد على هذا العراقي ويبطل دعواه.
من ذلك: أنه حذف بعد قول المصنف: كان ذلك قدحاً في إخلاصه في قول لا إله إلا الله ـ فأسقط قوله: في قول لا إله إلا الله؛ لأنّ كلامه صريح في أن ما تقدم من العبادات صرفه لغير الله قدح في إسلام الفاعل، وقوله: لا إله إلا الله، وهذا قولنا بعينه، فأسقط حذراً من قيام الحجّة، وكذلك أسقط بعد قول المصنف ـ وكان فيه من عبودية المخلوق بحسب ما فيه من ذلك ـ وكذلك أسقط قوله: "وكذلك ما يقدح في التوحيد وتفرد الله بالنّفع والضّر، كالطيرة والرقي المكروهة، وإتيان الكهان وتصديقهم بما يقولون. وكذلك أتباع هوى النفس فيما نهى الله عنه، قادح في تمام التوحيد ـ.
كلّ هذا أسقطه العراقي، وكذلك قوله: وقد أطلق الشارع على أكثر الذنوب، فهذا تحريف، والعبارة: على كثير من الذنوب، وأسقط: وقد ورد إطلاق الإله على الهوى المتبع. قال الله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الجاثية: من الآية٢٣] ، وأسقط ما ساق الشيخ من الأحاديث وكلام السلف.
وأسقط قول الشيخ: فدل على أن كل من أحب شيئاً أو أطاعه، وكان من غاية قصده ومطلوبه، ووالى لأجله وعادى لأجله فهو عبده، وذلك الشيء معبوده وإلهه. ويدل عليه أيضاً أن الله سمي طاعة الشيطان في معصيته عبادة للشيطان. كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ [يّس: من الآية٦٠] ، وقال حاكياً عن خليله إبراهيم ﵇ أنه قال لأبيه: ﴿يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيّاً﴾ [مريم:٤٤] إلى غير ذلك مما في الرسالة من الفوائد الرادة عليه المبطلة لإفكه وضلاله، ولم أر من بلغ هذه الغاية في الكذب والتحريف وتغيير العبارات، بحذف بعضها ونقل بعضها، وتبديل كلام أهل العلم اللهم إلا ما حكى الله عن اليهود، وما جاءت به السنة من أوصافهم، فهم سلف العراقي وأئمته الأولون.
ثم عباة الشيخ ابن رجب تشهد لكلام شيخنا ﵀، فإن قوله:
стр. 256
"وإن كان ذلك لا يخرج عن الملة بالكلية ـ ليس راجعاً إلى كلّ ما ذكر، بل هو راجع إلى قوله: ولهذا أطلق الشرع على كثير من الذنوب التي منشؤها من اتباع هوى النّفس أنها كفر وشرك، كقتال المسلم ومن أتى حائضاً إلى آخر عبارته، وهذا بين بحمد الله. وليس المقصود أن دعاء الموتى ومحبتهم مع الله وحوفهم ورجائهم ونحو ذلك يكون شركاً دون شرك، هذا لا يفهمه كلامه، ولا يدل عليه بوجه، فإن ابن رجب أعلم بالله ودينه من أن يتكلم بهذه الفضيحة التي لا يقولها مسلم.
ورأيت على النسخة التي رفعت إليّ عن هذا العراقي على قول ابن رجب: "والإله هو الذي يطاع فلا يعصى" إلى آخره، ما نصه: لا يلزم أن هذه الأشياء إذا استعملت في غير الله أن يكون غيره إلهاً، كما تتوهمه الخوارج المكفرون للأمة المحمدية، وهذا إذا كانت موجودة في غير أمر الشرع باستعمال هذه الأشياء معه، فإن الرسول ﷺ قد أمر بطاعته كقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: من الآية٥٩] وكذلك التعظيم والإجلال في قوله: ﴿وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ [الفتح: من الآية٩] وكذا غير ذلك، كما في الكتاب والسنة مما بينته في غير هذا الكتاب، فلا يهولنّك ما في حنك العبارة، فإنه اصطلاح لابن تيمية وذويه. انتهى.
فالظاهر أن هذا من كلام العراقي، لأن ألفاظه ركيكة، وتركيبه مظلم ينادي بأنه تركيب جاهل، وهكذا كلام العراقي ليس له لسان طالب علم حتى في التعبير.
وجواب هذا أن يقال:
التعريف للإله من حيث هو: ولذلك أشرك من اتخذ مع الله آلهة أخرى، وسمى الشارع معبودهم إلها. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يّس:٧٤] ، وقال: ﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾ [الصافات:٨٦] ونحو ذلك كثير في القرآن وقال في القاموس: أله يأله إلهة وألوهية: عبد يعبد عبادة
стр. 257
وعبودية. وكل من عبد شيئاً فقد اتخذ إلهاً. فإن كان قصد غير الله بالطّاعة والهيبة والإجلال والمحبة والخوف والرجاء، والتوكل والسؤال والدعاء لا يصيره إلها، فإن هذا وهم للخوارج المكفرين لهذه الأمة فليهن قوم نوح وعاد وثمود، وقوم فرعون ومشركي أهل الكتاب والعرب هذا الحكم الذي نفى به العراقي عنهم اتخاذ إله مع الله، ولو صدر منهم ما صدر من العبادات لغير الله، الله أكبر. ما أغفل هذا العرقي وما أجهله. فإن عوام المشركين من أهل الكتاب والأميين يعلمون أن من عبد شيئاً فقد اتخذه إلها. قال قوم نوح: ﴿لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ [نوح: من الآية٢٣] ، وقالت عاد: ﴿أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ﴾ [لأعراف: من الآية٧٠] ، ,قالت قريش: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً﴾ [صّ: من الآية٥] ، فكل هؤلاء المشركين وأمثالهم يعلمون أن الإلهية تدور مع هذه العبادات حيث دارت. وهذا الثور الكبير يقول: لا يلزم أن هذه الأشياء إذا استعملت في غير الله أن يكون هذا الغير إلها، فعلى عقله التباب والعفاء، وسلام على عباده الذين اصطفى.
وأما قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [المائدة: من الآية٩٢] فطاعة الرسول طاعة للمرسل، فهي طاعة لله من أجل الطّاعات. قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: من الآية٧] وكذلك ألو الأمر من العلماء والأمراء، إذا أمروا بالمعروف يطاعون تبعاً لطاعة الله ورسوله.
وأما التعزير والتوقير فالمقصود منه ما يليق بالمنصب الشريف النبوي، وليس المقصود ما يختص بمقام الربوبية، ويدخل في تعريف العبادة، ولو قيل ذلك للزم جواز عبادته ﷺ ، والله تعالى يقول: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً﴾ [آل عمران: من الآية٨٠] والأرباب هنا هم المعبدون.
وقوله: فإنه اصطلاح لابن تيمية وذويه ـ يطلعك على جهل العراقي وعدم معرفته بنصوص أهل العلم؛ فإنّ هذا التعريف مجمع عليه لا ينازع فيه مسلم فضلاً عن عالم.
ثم قال العراقي: النقل الرابع والثلاثون: قال ابن القيم في المدارج:
стр. 258
"قلت: أما المستحل فذنبه دائر بين الكفر والتأويل، فإنه إن كان عالماً بالتحريم فكافر، وإن لم يكن عالماً فمتأول أو مقلد".
والجواب: إن هذا تقدم، فذكره محض تكرير، وتقدم أن الكلام في الأحكام التي يحكم بها الحكام بين الناس، فالمستحل للحكم بغير ما أنزل الله كافر إن كان عالماً بالتحريم، وإلا فمتؤول أو مقلد، وهذا القسم فيه تفصيل كما تقدم فيما نقلناه عن ابن القيم نفسه ﵀.
ثم قال العراقي: النقل الخامس والثلاثون في الكتاب المذكور: "وكفر الجحود كفران: كفر مطلق، ومقيد خاص، فالمطلق أن يجحد جملة ما أنزل الله ورسالة الرسول، والخاص المقيد: أن يجحد فرضاً من فروض الإسلام، أو محرماً من محرماته، أو صفة وصف الله بها نفسه، أو خبراً أخبر الله به يجحد ذلك عمداً، أو تقديماً لقول متبوعه عليه، لغرض من الأغراض، وإن كان جحد ذلك جهلاً أو تأويلاً يعذر صاحبه فلا يكفر، كحديث الذي جحد قدرة الله عليه وأمر أهله أن يحرقوه ويذروه في الريح، مع هذا فقد غفر له الله ورحمه بأهله، إذ كان الذي فعل هو مبلغ علمه. ولم يجحد قدرة الله على إعادته عناداً وتكذيباً.
والجواب أن يقال:
هذا من جنس ما قبله، وقد تكرر الجواب عنه، وتقدم أن الجاهل والمتأول لا يعذر إلا مع العجز، ولذلك قيده الشيخ ابن القيم بقوله: تأويلاً يعذر صاحبه، فليس كل تأويل وكل جهل يعذر صاحبه. وليس كل ذنب يجري التأويل فيه ويعذر الجاهل به، وقد تقدم أن عامّة الكفار والمشركين من عهد نوح إلى وقتنا هذا جهلوا وتأولوا، وأهل الحلول والاتحاد كابن عربي وابن الفارض والتلمساني وغيرهم من الصوية تأولوا، وعبّاد القبور والمشركون الذين هم محل النزاع تأولوا، وقالوا: لا يدخل على الملك العظيم إلا بواسطة، وقالوا إذا تعلقت روح الزائر بروح المزور فاض عليها مما ينزل على روح المزور، كما ينعكس شعاع الشمس على المرايا والصور.
стр. 259
والنصارى تأولت فيما أتته من الإفك العظيم والشرك الوخيم، فقاتل الله العراقي ما أعظم جهله، وما أشد عداوته لتوحيد الله وعباده المؤمنين.
وفي العبارة التي نقلها عن ابن القيم وتقسيمه الكفر إلى مطلق وخاص مقيد: ما يرد على هذا العراقي في زعمه أن عباد القبور مسلمون، كما قال إخوانه من الضالين، محتجين بأنهم يؤذنون ويصلون ويصومون، ولم ينظروا إلى ما معهم من الكفر الخاص والضلال البعيد، والعراقي كعنز السوء تبحث عن حتفها بظلفها.
فكان كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت التراب تثيرها
قال العراقي: في النقل السادس والثلاثين، قال ابن القيم في المدارج: وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والتصنع للخلق، والحلف بغير الله ـ إلى أن قال: ومن أنواعه: سجود المريد للشيخ، ومن أنواعه: النذر لغير الله، ومن أنواعه: الخوف من غير الله، والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله، والخضوع والذل لغير الله، وابتغاء الرزق من عند غيره، ومن أنواعه: طلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم بنفسه، فهذا صريح كلامه: أن الاستغاثة بالموتى وطلب الحوائج منهم، والنذر لغير الله، والسجود لغيره، والحلف بغيره، كل هذا من نوع الشرك الأصغر عندهم، لا الأكبر المخرج من الملة، وهم شرطوا أنه إنما يكون محرماً إذا يكن فاعله مجتهداً ولا مقلداً ولا مؤولاً، ولا له شبهات يعذره الله فيها، ولا جاهلاً، ولا له حسن قصد، كما تقدم عن الشيخين في عدة نقول.
والجواب أن يقال:
من زعم أن هذا النوع الذي هو السجود للشيخ والنذر والتوكل والخضوع والذل لغير الله وابتغاء الرزق من عند غيره، وطلب الحوائج من الموتى والاستغاثة بهم والتوجه إليهم: من الشرك الأصغر فهو من أجهل الناس بدين الله وأضلهم عن سبيله، وكلام الشيخ لا يدل على هذا وليس
стр. 260
فيه ما يتمسك به المبطل، فإنه لما عد الشرك الأصغر وفرغ من المقصود منه قال: من أنواع الشرك، وهذا رجوع إلى ما ذكر من الشرك الأكبر، ويدل عليه أو الكلام والسياق.
وقال ﵀: أما الشرك فهو نوعان أكبر وأصغر، فالأكبر لا يغفره الله إلا بالتوبة منه. وهو أن يتخذ من دون الله نداً، يحبه كما يحب الله، بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويغضبون لمنتقص معبودهم من المشايخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد ربّ العالمين. وقد شاهدنا هذا نحن وغيرنا منهم جهرة وترى أحدهم قد اتخذ ذكر معبوده على لسانه إن قام وإن قعد وإن عثر وإن استوحش لا ينكر ذلك. ويزعم أنه باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده. وهكذا كان عباد الأصنام سواء. وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم وتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم، فأولئك كانت آلهتهم من الحجر، وغيرهما اتخذوها من البشر (١) ، قال تعالى حاكياً عن أسلاف هؤلاء: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: من الآية٣] ، فهذه حال من اتخذ من دون الله أولياء، يزعم أنهم يقربونه إلى الله زلفى، وما أعزّ من تخلص من هذا، بل ما أعزّ من لا يعادي من أنكره.
والذي قام بقلوب هؤلاء المشركين وسلفهم أن آلهتهم تشفع عند الله لهم (٢) ، وهذا عين الشرك وقد أنكر الله ذلك عليهم في كتابه، وأبطله وأخبر أن الشفاعة كلها له.
стр. 261
ثم ذكر الشيخ ﵀ فصلاً طويلاً في تقرير هذا الشرك الأكبر. ولكن تأمل قوله: "وما أعزّ من تخلص من هذا، بل ما أعزّ من لا يعادي من أنكره" يتبين لك إن شاء الله بطلان الشبهة التي أدلى بها الملحد، إذ زعم أن كلام الشيخ في هذا الفصل ـ أعني الفصل الأول ـ في الشرك الأكبر، وذكر الآية التي في سورة سبأ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ﴾ [سبأ: من الآية٢٢] ، وتكلم عليها ثم قال: "والقرآن مملوء من أمثالها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته، ويظنون في قوم قد خلوا ولم يعقبوا وارثاً، وهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، كما قال عمر: "إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية"، وهذا لأنه لم يعرف الشرك وما عابه القرآن وما ذمه وقع فيه وأقره، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية، فتنقض بذلك عرى الإسلام، ويعود المعروف منكراً، والمنكر معروفاً، والبدعة سنة، والسنة بدعة، ويكفر الرجل بمحض الإيمان وتجريد التوحيد، ويبدع بتجريد متابعة الرسول ومفارقة الأهواء والبدع ومن له بصيرة يرى ذلك عياناً، والله المستعان.
وهذا بعينه فعل عباد القبور، وهم المقصود بهذا الكلام، بل شركهم انتهى إلى توحيد الربوبية والأفعال، يعرف ذلك من عرف القوم وما هم عليه من الكفريات الشنيعة، إذ يزعمون أن لأوليائهم الرفع والخفض والقبض والبسط.
وقال ابن القيم في كلامه على هدم اللات في كتاب الهدي: "وكان يفعل عندها ما يفعل عند هذه المشاهد، من النذر لها والتبرك بها، والتمسح بها وتقبيلها، واستلامها، هذا كان شرك القوم بها، ولم يكونوا يعتقدون أنها خلقت السموات والأرض بل كان شركهم بها كشرك أهل الشرك من أرباب المشاهد بعينه".
فقف وتأمل هل يكون هذا في الشرك الأصغر؟!.
стр. 262
فصل
وأما الشرك الأصغر فكيسير الرياء والحلف بغير الله، وقول: هذا من الله ومنك، وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا وكذا، وقد يكون هذا شركاً أكبر بحسب حال قائله ومقصده.
ثم قال الشيخ ﵀ بعدما ذكر الشرك الأكبر والأصغر ـ: ومن أنوع الشرك سجود المريد للشيخ، ومن أنواعه التوبة للشيخ إنها شرك عظيم، ومن أنواعه النذر لغير الله، والتوكل على غير الله، والعمل لغير الله، والإنابة والخضوع والذل لغير الله وابتغاء الرزق من عند غيره، وإضافة نعمه إلى غيره، ومن أنواعه طلب الحوائج من الموتى والاستغانة بهم والتوجه إليهم، وهذا أصل شرك العالم؛ فإن الميت قد انقطع عمله، وهو لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً فضلا عمن استغاث به، أو سأله أن يشفع له عند الله، وهذا من جهله بالشافع والمشفوع عند الله. فإن الله تعالى لا يشفع له عنده أحد إلا بإذنه، والله تعالىلم يجعل سؤال غيره سبباً لإذنه، وإنما السبب لإذنه كمال التوحيد. فجاء هذا المشرك بسبب يمنع الإذن والميت محتاج إلى من يدعو له كما أوصانا النبي ﷺ : إذا زرنا قبور المسلمين أن نترحم عليهم ونسأل لهم العافية والمغفرة. فعكس المشركون هذا، وزاروهم زيارة العبادة وجعلوا قبورهم أوثاناً تعبد، فجمعوا بين الشرك بالمعبود الحق وتغيير دينه ومعاداة أهل التوحيد ونسبتهم إلى تنقص الأموات وهم تنقصوا الخالق
стр. 263
بالشرك، وأوليائه الموحدين بذمهم وعيبهم ومعاداتهم، وتنقصوا من أشركوا به غاية التنقص إذ ظنوا أنهم راضون منهم بهذا، وأنهم أمروهم به. وهؤلاء هم أعداء الرسل في كل مكان وزمان وما أكثر المستجيبين لهم. ولله خليله إبراهيم حيث يقول: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ، رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ﴾ [ابراهيم: من الآية ٣٥ ـ٣٦] ، وما نجا من شَرَك هذا الشرك الأكبر إلا من جرد توحيده لله وعادى المشركين في الله وتقرب بمقتهم إلى الله" انتهى كلامه.
فانظر إلى هذا التقرير الواضح البين الذي لا يحتمل التأويل، وقوله: "طلب الحوائج من الموتى، والاستغاثة بهم والتوجه إليهم، وأن هذا أصل شرك العالم"، وقوله: "فعكس المشركون هذا، وجعلوا قبورهم أوثاناً تعبد"، وقوله: "وهؤلاء هم أعداء الرسل في كل مكان وزمان" واستدلاله بقول الخليل: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ ، وقوله: "وما نجا من شرِك هذا الشرك الأكبر إلا من جرّد توحيده لله".
فانظر وتأمل هذه النصوص الجليلة الواضحة في الشرك الأكبر، الذي هو دين العراقي وأمثاله. هل يمكن صرفها إلى الشرك الأصغر؟ وهل يقبل ذلك عقل من له أدنى ممارسة للعلم الديني النبوي؟ وهذا العراقي رأى سلفاً له قد شبه بها في زمن الشيخ فتبعه، ولم يبال بما تقدم من التقرير التوضيح لغلبة الهوى، ومحبة ما هو عليه من عبادة الصالحين، ودعوة الناس إلى ذلك، قال تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: من الآية٩٣] .
وبالجملة فمن وقف على كلام الشيخ ابن القيم في هذا الموضع تبين له الهدى، وعرف سبيل من ضل وغوى.
وأيضاً فالعدول إلى الاسم الظاهر في المعطوفات، وهو قوله: "ومن أنواع الشرك سجود المريد للشيخ" يفيد أن هذا رجوع إلى الشرك من حيث هو لا إلى الأصغر، وكذلك سجود المريد للشيخ لا يختلف في أنه من الشرك الأكبر، كما نص فقهاء المذاهب في باب الردة. وقد أجاب
стр. 264
شيخنا ﵀ عن هذه الشبهة بنحو ما ذكرنا، والحق ظاهر بحمد الله لا تخفى أنواره، ولكن أهل الزيغ يتبعون المتشابه من كلام الله وكلام رسوله، وكلام أهل العلم. قالت أمّ المؤمنين عائشة ﵂: "إذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه فأولئك الذين سمّى الله فاحذروهم" انتهى.
ثم قال العراقي: "النقل السابع والثلاثون: قال ابن المقري الشافعي في مختصر الروضة: إن من كان من أهل الشهادة لا يكفر ببدعة على الإطلاق. وما استند إلى تأويل يلتبس الأمر على مثله، وهو الذي رجحه شيخنا أبو العباس ابن تيمية".
والجواب:
إن هذه العبارة يحتج بها على العراقي وأمثاله من القائلين: إن عبادة الأولياء والصالحين شرك أصغر أو مستحبة، كما زعمه هذا الضال، وذلك من وجوه:
الأول: أن الكلام في البدعة، والبدعة في عرف الشرع دون الشرك الأكبر والكفر، فكلامه في أهل البدع، والعراقي تأويله في أهل الشرك؛ ولذلك فرق الفقهاء بين المبتدع ومن يدعو غير الله، ويستغيث به ويتوكل عليه، كما ذكره ابن القيم وغيره من المصنفين في الكبائر كابن حجر الهيتمي.
الوجه الثاني: أن هذا مقيد بمن كان من أهل الشهادة، وهذا القيد يخرج عباد القبور، لأن المقصود بالشهادة التوحيد، كما في حديث وفد عبد القيس: "وآمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، وأن تؤدو من المغنم الخمس". وأهل الشهادة هم أهل الإيمان باتفاق المسلمين. ومن عداهم ليس من أهل الشهادة، وإن قالها من قالها بلسانه كاليهود والمنافقين.
стр. 265
الثالث: إن قوله: على الإطلاق لا ينافي أنه يكفر ببعض البدع المقيدة.
الرابع: أن قوله: "وما استند إلى تأويل يلتبس الأمر على مثله" مخرج لعباد القبور وأهل الردة، فإنه لا تأويل معهم يلتبس به الأمر، ولهذا لم يعذر أهل الفترة ونحوهم ممن اتخذ مع الله إلها آخر.
وقد سئل شيخ الإسلام عن رجل قال: قال النبي ﷺ : "من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة"، قال آخر: إذا سلك الطريق الحميدة واتبع الشرع دخل ضمن هذا الحديث، فقال له ناقل الحديث: أنا لو فعلت كل ما لا يليق وقلت: لا إله إلا الله، دخلت الجنة ولم أدخل النار؟ ".
فأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى بقوله: "الحمد لله رب العالمين، من اعتقد أنه بمجرد تلفظ الإنسان بهذه الكلمة يدخل الجنة ولا يدخل النار بحال فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع المؤمنين؛ فإنه قد تلفظ بها المنافقون الذين هم في الدرك الأسفل من النار، وهم كثير، بل المنافقون قد يصومون ويصلون ويصدقون، ولكن لا يقبل منهم. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلاَ يَذْكُرُونَ اللهَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء: ١٤٢] وقال تعالى: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ إِنَّكُمْ كُنتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَبِرَسُولِهِ وَلاَ يَأْتُونَ الصَّلاَةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلاَ يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾ [التوبة: ٥٣، ٥٤] وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا﴾ [النساء: ١٤٠] ، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ إلى قوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٢: ١٥] .
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " آية المنافق ثلاث إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان " ولمسلم: " وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم ". وفي الصحيحين عنه أنه قال: " أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه
стр. 266
خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر ".
ولكن إذا قال: لا إله إلا الله خالصًا صادقًا من قلبه ومات على ذلك فإنه لا يخلد في النار، إذ لا يخلد في النار من في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان كما صحت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ ، لكن من دخلها من فساق أهل القبلة من أهل السرقة، والزنا وشرب الخمر، وشهادة الزور وأكل الربا وأكل مال اليتيم، وغير هؤلاء - فإنهم إذا عذبهم الله فيها عذبهم على قدر ذنوبهم، كما جاء في الأحاديث الصحيحة: " منهم من تأخذه النار إلى كعبيه ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى حقويه ومكثوا فيها ما شاء الله أن يمكثوا، أخرجوا بعد ذلك كالحمم، فيلقون في نهر يقال له الحياة، فينبتون فيه كما تنبت الحبة في حميل السيل، فيدخلون الجنة مكتوب على رقابهم: هؤلاء الجهنميون عتقاء الله من النار ". وتفصيل هذه الجملة لا يحتمله هذا الموضع، والله أعلم.
قال العراقي: النقل الثامن والثلاثون: قال الشيخ تقي الدين في الفرقان: "وليس من شرط ولي الله أن يكون معصومًا لا يغلط ولا يخطئ، بل يجوز أن يخفي عليه بعض علم الشريعة، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين، حتى يحسب بعض الأمور مما أمر الله به ويكون مما نهى الله عنه، فيجوز أن يظن في بعض الخوارق أنها من كرامات الله لأوليائه، وتكون من الشيطان لبسها عليه لينقص من درجته، ولا يعرف أنها من الشيطان وإن لم يخرج بذلك عن ولاية الله؛ فإن الله تجاوز لهذه الأمة عن الخطأ فقال تعالى: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥، ٢٨٦] . وثبت في الصحيحين من حديث أبى هريرة وعمرو بن العاص: " إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر " فلم يؤثم المجتهد المخطئ، بل جعل له أجرًا على اجتهاده، وخطأه مغفور.
ثم قال العراقي: "النقل التاسع والثلاثون: قال الشيخ تقي الدين في
стр. 267
اقتضاء الصراط المستقيم: "ثم هذا التحريم والكراهية قد يعلمه الداعي وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه، بأن يكون مجتهداً أو مقلداً، والمجتهد والمقلد اللذين يعذران في سائر الأعمال، وغير المعذور قد يتجاوز عنه في ذلك الدعاء لكثرة حسناته، وحسن قصده أو لمحض رحمة الله به" انتهى.
ثم قال: النقل الأربعون: قال الشيخ في هذا الكتاب أيضاً: "فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله، وأوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شره من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكاً لله، نعم قد يكون متأولاً في هذا الشرع، فيغفر له لأجل تأويله، إذا كان مجتهداً الاجتهاد الذي يعفى معه عن المخطئ، ويثاب على اجتهاده. لكن لا يجوز اتباعه في ذلك, وإن كان القائل أو الفاعل مأجوراً أو معذوراً ـ إلى أن قال بعد كلام قليل ـ: ثم قد يكون كل منهما معفواً عنه الاجتهاده ومثاباً على الاجتهاد، فتخلف عنه الذنب لفوات شرطه، ولوجود ماعه.
والجواب عن هذا كله قد تقدم:
ولم يأت العراقي بمزيد حجة، بل هو من جنس ما قبله تحريف ظاهر ونقل لا حجة فيه.
فأما ما نقله عن الفرقان فحقّ، لكن ليس من مسألة النزاع في شيء، بل حاصله: أنه لا تشترط العصمة في الولي، ولا العلم بكل ما يحتاجه ويرد عليه، والفرق في جميع الجزئيات الواردة بين أمر الله ونهيه، وأنه ربما ظن في بعض الخوارق أنها كرامة، وهي تلبيس من الشيطان، وأن هذا قد يغفر مع الخطأ والنسيان.
فأي دليل في هذا على أن الولي يدعو أهل القبور ويستغيث بهم، ويوكل عليهم ويجعلهم وسائط بينه وبين الله في حاجاته وملماته؟ ولا يقاس الخطأ في أصل الدين وشهادة أن لا إله إلا الله بالخطأ في غيره. فأي حجّة في هذا؟ ولا يلزم من المغفرة في هذا أن يغفر الشرك الأكبر، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية [النساء: من الآية٤٨] . وهذا
стр. 268
الأحمق من المحن على كلام أهل العلم، يضعه في غير موضعه، فيزيل بهجته ويكدر صفوه.
وأما حديث أبي هريرة: "إذا اجتهد الحاكم ـ إلى آخره" فقد تقدم الجواب عنه.
وقوله في النقل التاسع والثلاثين: "ثم هذا التحريم والكراهة قد يعلمه الداعي، وقد لا يعلمه على وجه يعذر فيه، بأن يكون مجتهداً أو مقلداً، فقد قيد هذا الكلام بأن المراد ما يعذر فيه. وليس كل الذنوب وكل الخطأ يعذر فيه. قد تقدم تقرير هذا.
وقوله: والمعذور قد يتجاوز عنه، فهو مما يدل على أن كلام الشيخ فيما دون الشرك الأكبر، فإن الشرك الأكبر لا يغفر بنص القرآن، وإجماع الأمة. فلا يحمل كلام أهل العلم على ما يخالف الكتاب والسنة.
وأما قوله في النقل الأربعين من قوله: فمن ندب إلى شيء يتقرب به إلى الله وأوجبه بقوله أو فعله من غير أن يشرعه الله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن اتبعه في ذلك فقد اتخذه شريكاً لله، فهذا هو عين ما نقمه المسلمون على العراقي وأمثاله من الدين الذي دعا به إلى دعاء الصالحين والاستغاثة بهم، وجعلهم وسائط بينهم وبين الله، فهؤلاء الضلال ممن شرع من الدين ما لم يأذن به الله، ومن أطاعهم في فعل الشرك الذي أجمعت الرسل والكتب السماوية على تحريمه، فقد اتخذهم أرباباً من دون الله فكيف ينقل هذا من افترى على الكذب، وكتب خمسين دليلاً على جواز الاستغاثة بالأموات بزعمه وأنها مستحبة؟ فقاتله الله ما أعمى بصيرته وما أغلظ جهله.
وإن كان تمسكه بقول الشيخ: نعم قد يكون متأولاً في هذا الشرع فيغفر له لأجل تأويله إذا كان مجتهداً الاجتهاد الذي يعفى معه عن المخطئ ـ فهذا الكلام ليس فيه يتمسك به العراقي؛ لأنّ التأويل والاجتهاد فيما قد يخفى، وأي خفاء فيما دلت عليه شهادة أن لا إله إلا الله
стр. 269
من توحيد الله وترك الشرك به؟ ولذلك قال الشيخ: إذا كان مجتهداً الاجتهاد الذي يعفى معه عن المخطئ، يعني وأما ما لا يعفى معه عن المخطئ فيعاقب ولا يعذر، بل يذم وتجري عليه الأحكام الشرعية، وقد تقدم تقرير هذا مراراً، والعراقي يتشبع بما لم يعط ويتكثّر بما ليس له.
قال العراقي في النقل الحادي والأربعين: قال ابن القيم في الداء والدواء:
стр. 270
فصل
: وأما الشرك في العبادة فهو أسهل من هذا الشرك ـ يعني شرك من تجعل مع الله إلها آخر ـ وأخف أمراً فانه يصدر ممن يعتقد أن لا إله إلا الله، ولا يضر ولا ينفع ولا يعطى ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا رب سواه، ولكن لا يخلص لله في معاملته وعبوديته. بل يعمل لحظ نفسه تارة، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة تارة، والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله من عمله وسعيه نصيب، ولنفسه وحظه وهواه نصيب، وللشيطان نصيب، وللخلق نصيب. هذا حال أكثر الناس، وهو الشرك الذي قال فيه النبي ﷺ فيما رواه ابن حبان فى صحيحه: "الشرك فى هذه الأمة أخفى من دبيب النمل. قالوا: وكيف ننجوا منه يا رسول الله؟ قال: قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم".
فالرياء كله شرك ـ إلى أن قال ـ:
стр. 271
فصل:
ويتبع هذا الشرك: الشرك به سبحانه فى الاقوال والأفعال والإرادات والنيات، فالشرك فى الأفعال كالسجود لغيره والطواف بغير بيته وحلق الرأس عبودية وخضوعا لغيره وتقبيل الاحجار، وتقبيل القبور واستلامها والسجود لها. وقد لعن النبي ﷺ من اتخذ قبور الانبياء والصالحين مساجد يصلى لله فيها فكيف بمن اتخذ القبور أوثانا يعبدها من دون الله؟ " إلى آخر ما قال.
فانظر إلى إقراره أن الشرك في المعاملة والعبادة يصدر ممن يعتقد أن لا إله إلا الله، وأنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع إلا الله، وأنه لا إله غيره ولا ربّ سواه وأنه يعمل لحظ نفسه وللخلق وللشيطان، ولطلب الدنيا. ثم قال: وهذا حال أكثر الخلق، وهذا الشرك يغفر بالاستغفار، كما ذكر النبي ﷺ لأصحابه أنهم ينجون بقولهم: "اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم" حتى قال ﵀: ويتبع هذا الشرك ـ يعني شرك العبادة ـ السجود لغير الله والطواف بغير بيته، وتقبيل الأحجار والقبور، والسجود لها، فجعل كل هذه من جنس الشرك الأصغر الأول الذي أخبر أنه يصدر ممن يعتقد أن لا إله إلا الله، وأنه حال أكثر الناس، وأنه يغفر بالاستغفار، وبالاجتهاد والتقليد والتأويل والجهد، كما مرّ عنهما في مواضع متعددة.
والجواب أن يقال:
هذا النقل اعتراه تحريف وإلحاد، وصرف للكلام عن مدلوله، يتبين
стр. 272
بسياق كلام الشيخ ابن القيم، فإنه لما تكلم على الكبائر ﵀، وتقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر، وأن الشرك أكبر الكبائر لمنافاته الحكمة المقصودة بإيجاد الخلق وتكلم على ذلك، فقال ﵀: ووقعت مسألة، وهي أن المشرك إنما قصد تعظيم جناب الربّ ، وأنه لعظمته لا ينبغي لمثلي الدخول عليه إلا بالوسائط، والشّفعاء حكال الملوك، والمشرك لم يقصد الاستهانة بجناب الرّب، وإنما قصد تعظيمه، فلِمَ كان هذا القدر موجباً لسخطته وغضبه ﵎، ومخلداً في النار، وموجباً لسفك دماء أصحابه، واستباحة حريمهم وأموالهم؟.
ويترتب على هذا سؤال آخر، وهو أنه هل يجوز أن يشرع الله لعباده التقرب إليه بالشفعاء والوسائل ليكون تحريم هذا إنما استفيد من الشرع أم ذلك قبيح في الفطر والعقول يمتنع أن تأتي به شريعة؟ بل جاءت الشريعة بتقرير ما في الفطر والعقول من قبحه الذي هو أقبح من كلّ قبيح. وأما الشرك في كونه لا يغفر من بين الذنوب.
فأجاب عن هذا كله بقوله: فنقول وبالله التوفيق والتأييد، ومنه نستمد العون والتسديد؛ فإنه من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له: ولا مانع لما أعطى، ولا معطي لما منع.
الشرك شرك يتعلق بذات المعبود وأسمائه وصفاته وأفعاله، وشرك في عبادته ومعاملته، وإن كان صاحبه يعتقد أنه لا شريك له في ذاته ولا في صفاته، ولا في أفعاله.
والشرك الأوّل نوعان أحدهما: شرك التعطيل وهو أقبح أنواع الشرك، كشرك فرعون، إذ قال: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: من الآية٢٣] ، وقال: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ، أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾ [غافر: من الآية٣٦ـ٣٧] .
والشرك والتعطيل متلازمان، فكل مشرك معطل، وكل معطل مشرك، لكن الشرك لا يستلزم أصل التعطيل، بل قد يكون المشرك مقراً بالحقّ وصفاته، ولكنه عطل حقّ التوحيد.
стр. 273
وأصل الشرك وقاعدته التي يرجع إليها: هو التعطيل، وهو ثلاثة أقسام:
تعطيل المصنوع عن صانعه، وخالقه، وتعطيل الصانع عن كماله بتعطيل أسمائه وأوصافه وأفعاله، وتعطيل معاملته عما يجب على العبد من حقيقة التوحيد. ومن هذا شرك طائفة أهل وحدة الوجود الذين يقولون ما ثمّ خالق ومخلوق، ولا ها هنا شيئان. بل الحقّ المنزه هو عين الخلق المشبه ومنه شرك الملاحدة القائلين بقدم العالم وأبديته: وإن لم يكن معدوماً أصلاً. بل لم يزل ولا يزال والحوادث بأسرها مستندة عندهم إلى أسباب ووسائط، اقتضت إيجادها، فسموها العقول والنفوس ومن هذا شرك ومن عطل أسماء الرب ﵎، وأوصافه وأفعاله من غلاة الجهمية والقرامطة، فلم يثبتوا له اسماً ولا صفة، بل جعلوا المخلوق أكمل منه، إذ كمال الذات بأسمائها وصفاتها.
стр. 274
فصل:
النوع الثاني: شرك من جعل معه إلها آخر ولم يعطل أسماءه وصفاته وربوبيته، كشرك النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة فجعلوا المسيح إلها وأمه إلها.
ومن هذا شرك المجوس القائلين بإسناد حوادث الخير إلى النور، وحوادث الشر إلى الظلمة. ومن هذا شرك القدرية القائلين بأن الحيوان هو الذى يخلق أفعال نفسه وأنها تحدث بدون مشيئة الله؛ ولهذا كانوا أشباه المجوس. ومن هذا شرك الذي حاجّ إبراهيم فى ربه ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة: من الآية٢٥٨] ، فهذا جعل نفسه ندا لله يحيي ويميت بزعمه كما يحيي الله ويميت، فألزمه إبراهيم ﷺ أن طرد قولك: أن تقدر علي الاتيان بالشمس من غير الجهة التي يأتي الله بها منها، وليس هذا انتقالاً كما زعم بعض الحذّاق، بل إلزام على طرد الدليل إن كان حقاً. ومن هذا شرك كثير ممن يشرك بالكواكب العلويات ويجعلها أربابا مدبرة لأمر هذا العالم كما هو مذهب مشركى الصائبة وغيرهم. ومن هذا شرك عبّاد الشّمس وعبّاد النار وغيرهم. ومن هؤلاء من يزعم أن معبوده هو الآله على الحقيقة. ومنهم من يزعم أنه أكبر الآلهة. ومنهم من يزعم أنه إله من جملة الآلهة وأنه إذا خصه بعبادته والتبتل إليه والانقطاع إليه أقبل عليه واعتزّ به. ومنهم من يزعم أن معبوده الأدنى يقربه إلى المعبود الذي فوقه، والفوقاني يقربه إلى من هو فوقه حتي تقربه الآلهة إلى الله فتارة تكثر الوسائط وتارة تقل
стр. 275
فصل:
وأما الشرك فى العبادة فهو أسهل من هذا الشرك، وأخف أمراً فإنه يصدر ممن يعتقد أنه لاإله إلا الله. وأنه لا يضر وينفع ويعطى ويمنع إلا الله . وأنه لا إله غيره، ولا ربّ سواه، ولكن لا يخلص لله معاملته وعبوديته، بل يعمل لحظ نفسه، ولطلب الدنيا تارة، ولطلب الرفعة والمنزلة والجاه عند الخلق تارة، فلله تعالى من عمله وسعيه نصيب. هذا حال أكثر الناس وهو الشرك الذي قال فيه النبي فيما رواه ابن حبان فى صحيحه: "الشرك فى هذه الأمة أخفى من دبيب النمل! قالوا: وكيف ننجوا منه يا رسول الله؟ قال: قل اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم" فالرياء كله شرك. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً﴾ [الكهف:١١٠] أي كما أنه إله واحد لا إله سواه، فكذلك ينبغي أن تكون العبادة له وحده، فكما تفرد بالالهية يجب أن يفرد بالعبودية، فالعمل الصالح هو الخالى من الرياء المقيد بالسنة. وكان من دعاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁: "اللهم اجعل عملى كله صالحاً واجعله لوجهك خالصاً، ولا تجعل لأحد فيه شيئاً".
وهذا الشرك فى العبادة يبطل ثواب العمل، وقد يعاقب عليه، إذا كان العمل واجباً، فإنه ينزله منزلة من لم يعمله فيعاقب على ترك الأمر، فان الله سبحانه إنما أمر بعبادته خالصة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ
стр. 276
وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البينة:٥] فمن لم يخلص لله عبادته لم يفعل ما أمر به، بل يكون الذي أتي به شيء غير المأمور به فلا يصح ولا يقبل منه. ويقول : "أنا أغني الشركاء عن الشرك، فمن عمل عملا أشرك معى فيه غيري فهو للذى أشرك معي وأنا منه برئ".
وهذا الشرك ينقسم إلي مغفور [وغير مغفور] ، وأكبر وأصغر. والنوع الأول ينقسم إلى كبير وأكبر وليس شيء منه مغفور فمنه الشرك بالله في المحبة والتعظيم: أن يحب مخلوقاً كما يحب الله فهذا من الشّرك الذي لا يغفره الله، وهو الشّرك في الدين. قال فيه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ﴾ [البقرة: من الآية١٦٥] ، وقال أصحاب هذا الشرك لآلهتهم يوم القيامة وقد جمعتهم الجحيم: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء:٩٧ـ٩٨] . ومعلوم أنهم ما سووهم به فى الخلق والرزق والاماتة والإحياء والملك والقدرة، وإنما سووهم به فى الحب والتأله لهم، والخضوع والذلة، وهذا غاية الظلم والجهل، فكيف يسوي التراب برب الارباب؟ وكيف يسوي العبد بمالك الرقاب؟ وكيف يسوي الفقير بالذات الضعيف العاجز بالذات المحتاج بالذات الذي ليس له من ذاته إلا العدم بالغنى بالذات القادر بالذات الذي غناه وقدرته وملكه وجوده وإحسانه وعلمه ورحمته وكماله المطلق التام من لوازم ذاته؟ فأي ظلم أقبح من هذا؟ وأيّ حكم أشد جوراً منه؟ حيث عدل من لا عدل له يخلقه كما قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١] فعدل المشرك من خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور بمن لا يملك لنفسه ولا لغيره مثقال ذرة فى السموات ولا فى الأرض فيا له من عدل تضمن أكبر الظلم وأقبحه.
стр. 277
فصل:
ويتبع هذا الشرك به فى الاقوال والأفعال والإرادات والنيات، والشرك فى الأفعال: كالسجود لغيره، والطواف بغير بيته، وحلق الرأس عبودية وخضوعاً لقبره، وتقبيل الأحجار غير الحجر الأسود الذى هو يمينه فى الأرض أو تقبيل القبور واستلامها، والسّجود لها وقد لعن النّبي ﷺ من اتخذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد يصلى لله تعالى فيها، فكيف بمن اتخذ أوثانا يعبدها من دون الله؟ ففى الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "لعن الله اليهود والنصارى أتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وفى الصحيح عنه ﷺ : "إنّ شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد"، وفي الصحيح أيضا عنه: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فأنى أنهاكم عن ذلك"، وفى مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان عنه ﷺ : "لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج"، وقال ﷺ : "اشتد غضب الله علي قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد"، وقال ﷺ : "إن من كان قبلكم إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصورة أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة".
فهذا حال من سجد لله فى المسجد المتخذ على قبر فكيف حال من سجد للقبر نفسه؟ وقد قال ﷺ : "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد" وقد حمى النبي جانب التوحيد أعظم حماية حتى نهى عن صلاة التطوع لله سبحانه عند طلوع الشمس وعند غروبها لئلا يكون
стр. 278
ذلك ذريعة إلى التشبه بعباد الشمس الذين يسجدون لها فى هاتين الحالتين، وسد الذريعة فمنع الصلاة بعد العصر والصبح لاتصال هذين الوقتين بالوقتين اللذين يسجد المشركون فيهما للشمس. وأما السجود لغير الله فقال ﷺ : "لا ينبغي لأحد أن يسجد لأحد إلا لله" ولا ينبغي فى كلام الله ورسوله ﷺ للذي هو غاية الامتناع شرعاً، كقوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ [مريم:٩٢] ، وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ، وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ﴾ [الشعراء: ٢١٠ـ٢١١] ، وقوله عن الملائكة: وقوله: ﴿مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الفرقان: من الآية١٨] .
стр. 279
فصل:
ومن الشرك به : الشرك فى اللفظ كالحلف بغيره، كما روى أحمد وأبو داود عنه ﷺ : "من حلف بغير الله فقد أشرك" صححه الحاكم وابن حبان، ومن ذلك قول القائل للمخلوق: ما شاء الله وشئت، كما ثبت عن النبي ﷺ أنه قال له رجل: "ما شاء الله وشئت. قال: أجعلتني لله نداً؟! قل ما شاء الله وحده". هذا مع أن الله قد أثبت للعبد مشيئة لقوله تعالى: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير:٢٨] فكيف بمن يقول: أنا متوكل على الله وعليك، وأنا فى حسب الله وحسبك، ومالى إلا الله وأنت، وهذا من الله ومنك، وهذا من بركات الله وبركاتك، والله لى فى السماء وأنت لي فى الأرض، أو يقول: والله وحياة فلان، أو يقول: نذر لله تعالى ولفلان، وأنا تائب لله ولفلان، وأرجو الله وفلانا ونحو ذلك؟ فوازن بين هذه الألفاظ وبين قول القائل: "ما شاء الله وشئت" ثم انظر أيها أفحش؟ يتبين لك أن قائلها أولى بجواب النبي ﷺ لقائل تلك الكلمة، وأنه إذا كان قد جعله لله نداً بها فهذا قد جعل من لا يداني الرّسول ﷺ في شيء من الأشياء ـ بل لعله أن يكون من أعدائه ـ نداً للربّ تعالى ربّ العالمين، فالسجود والعبادة والتوكل والانابة والتقوى والخشية والحسب والتوبة والنذر والحلف والتسبيح والتكبير والتهليل والتحميد والاستغفار وحلق الرأس خضوعاً وتعبداً والطواف بالبيت والدعاء كل ذلك محض حق الله لا يصلح ولا ينبغي لسواه من ملك مقرب ولا نبي مرسل. وفى مسند الإمام أحمد ﵁: "أن رجلا أتى به إلى النبي ﷺ وقد أذنب ذنباً، فلما وقف بين يديه، قال: اللهم إنّي أتوب إليك ولا أتوب إلى محمد فقال قد عرف الحق لأهله".
стр. 280
فصل:
وأما الشرك فى الارادات والنيات فذلك البحر الذى لا ساحل له. وقلّ من ينجو منه، فمن أراد بعمله غير وجه الله تعالى ونوى شيئاً غير التقرب إليه، وطلب الجزاء منه فقد أشرك فى نيته وإرادته، والإخلاص: أن يخلص لله فى أقواله وأفعاله وإرادته ونيته. وهذه هى الحنيفية ملّة إبراهيم ﷺ التي أمر الله بها عباده كلهم ولا يقبل من أحد غيرها وهى حقيقة الإسلام ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران:٨٥] وهى ملّة إبراهيم التي من رغب عنها فهو من أسفه السفهاء.
стр. 281
فصل:
فإذا عرفت هذه المقدمة انفتح لك باب الجواب عن السؤال المذكور، فنقول ومن الله وحده نستمد الصواب:
حقيقة الشرك: هو تشبيه المخلوق بالخالق ، وهذا هو التشبيه فى الحقيقة لا إثبات صفات الكمال التي وصف الله تعالى بها نفسه، ووصفه بها رسول الله ﷺ فعكس من نكس الله قلبه وأعمى عين بصيرته فأركسه بنسبة الأمر وجعل التوحيد تشبيهاً، والتشبيه تعظيماً وطاعة. فالشرك تشبيه المخلوق بالخالق في خصائص الإلهية؛ فإن من خصائص الألهية: التفرد بملك الضر والنفع والعطاء والمنع وذلك يوجب تعلق الدّعاء والخوف والرّجاء والتوكل به وحده. فمن علق ذلك بمخلوق فقد شبهه بالخالق تعالى، وجعل من لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فضلا عن غيره شبيها لمن الأمر كله له، فأزمة الأمور كلها بيديه، ومرجعها إليه. فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع؛ بل إذ فتح لعبده باب رحمته لم يمسكها أحد وإن أمسكها عنه لم يرسلها إليه أحد. فمن أقبح التشبيه تشبيه هذا العاجز الفقير بالذات بالقادر الغني بالذات ومن خصائص الإلهية الكمال المطلق من جميع الوجوه الذي لا نقص فيه بوجه من الوجوه، وذلك يوجب أن تكون العبادة كلها له وحده والتعظيم والإجلال والخشية والدعاء والرجاء والانابة والتوكل والاستعانة
стр. 282
وغاية الذل مع غاية الحب كل ذلك يجب عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لله وحده. ويمتنع عقلا وشرعا وفطرة أن يكون لغيره. فمن جعل شيئاً من ذلك لغيره فقد شبه ذلك الغير بمن لا شبيه له ولا مثل له وذلك أقبح التشبيه وأبطله؛ ولشدة قبحه وتضمنه غاية الظلم أخبر سبحانه عباده أنه لايغفره مع أنه كتب على نفسه الرحمة.
ومن خصائص الألهية العبودية التي قامت على ساقين لا قوام لها بدونهما: غاية الحب مع غاية الذل هذا تمام العبودية وتفاوت منازل الخلق فيها بحسب تفاوتهم في هذين الاصلين. فمن أعطى حبه وذله وخضوعه لغير الله فقد شبهه به في خالص حقه وهذا من المحال أن تجيء به شريعة من الشرائع وقبحه مستقر في كل فطرة وعقل. ولكن غيرت الشياطين فطر أكثر الخلق وعقولهم وأفسدتها عليهم واحتالتهم عنها، ومضى على الفطرة الأولى من سبقت له من الله الحسنى فأرسل إليهم رسله وأنزل عليهم كتبه بما يوافق فطرتهم وعقولهم فازدادوا بذلك نوراً على نورهم يهدي الله لنوره من يشاء.
إذا عرفت هذا عرفت أن من خصائص الإلهية: السجود فمن سجد لغيره فقد شبه المخلوق به، ومنها التوبة فمن تاب لغيره فقد شبهه به. ومنها الحلف باسمه تعظيما وإجلالا فمن حلف بغيره فقد شبهه به هذا فى جانب التشبيه وأما فى جانب التشبه به، فمن تعاظم وتكبر ودعا الناس الى إطرائه فى المدح والتعظيم والخضوع والرجاء وتعليق القلب به خوفا ورجاء والتجاء واستعانة فقد شبه نفسه بالله ونازعه ربوبيته وإلهيته وهو حقيق بأن يهنيه الله غاية الهوان ويذله غاية الذل ويجعله تحت أقدام خلقه وفى الصحيحين عنه ﷺ قال: "يقول الله : العظمة إزاري والكبرياء ردائي فمن نازعني واحدة منهما عذبته". وإذا كان المصور الذي يصنع الصورة بيده من أشد الناس عذابا يوم القيامة لقول النبي ﷺ : "أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون يقال لهم أحيوا ما خلقتم"، وفى الصحيحين عنه ﷺ أنه قال: "قال الله ومن أظلم ممن ذهب يخلق خلقا كخلقي فليخلقوا ذرة
стр. 283
فليخلقوا شعيرة" فنبه بالذرة الصغيرة والشعيرة على ما هو أعظم منها وأكبر.
والمقصود أن هذا حال من تشبه به في خواص ربوبيته وإلهيته؛ ولذلك يغضب الله على من يتشبه به فى الاسم الذي لا ينبغي إلا له وحده، كملك الأملاك، وحاكم الحكام ونحوه. وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إنّ أخنع الأسماء عند الله تعالى شاهان شاه، ملك الملوك، لا ملك إلا الله تعالى". وفي لفظ: "أغيظ رجل علي الله تعالى رجل تسمى بملك الاملاك" فهذا مقت الله تعالى وغضبه على من تشبه به فى الاسم الذى لا ينبغي إلا له. وهو ملك الملوك وحده، وهو حاكم الحكام وحده، وهو الذى يحكم علي الحكام كلهم، ويقضي عليهم كلهم لا غيره.
стр. 284
فصل
إذا تبين هذا فهنا أصل عظيم يكشف سر المسألة، وهو أن أعظم الذنوب عند الله تعالى إساءة الظن به فان المسيء به الظن قد ظن به خلاف كماله المقدس فظن به ما يناقض أسماءه وصفاته؛ ولهذا توعد الظانين به ظن السوء بما لم يتوعد به غيرهم، كما قال تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً﴾ [الفتح: من الآية٦] ، وقد قال تعالى لمن أنكر صفة من صفاته: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت:٢٣] ، وقد قال تعالى عن خليله إبراهيم ﷺ ﷺ : ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ، أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ، فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الصافات:٨٥ـ٨٧] أي فما ظنكم أن يجازيكم إذا لقيتموه، وقد عبدتم غيره وما ظنّكم بأسمائه وصفاته وربوبيته من النقص، حتى أحوجكم ذلك إلى عبودية غيره فلو ظننتم به ما هو أهله من أنه بكل شيء عليم، وعلى كل شيء قدير، وأنه غني عن كلّ ما سواه وكل ما سواه فقير إليه، وأنه قائم بالقسط على خلقه؛ وأنه المنفرد بتدبير خلقه لا يشركه فيه غيره، والعالم بتفاصيل الأمور فلا تخفى عليه خافية من خلقه، والكافي لهم وحده لا يحتاج إلى معين والرحمن بذاته فلا يحتاج في رحمته إلى من يستعطفه ما تخذتم من دونه أولياء تدعونهم وتتوسلون بهم إليه بزعمكم. وهذا بخلاف الملوك وغيرهم من الرؤساء فإنهم محتاجون إلى من يعرفهم أحوال الرعية وحوائجهم ويعينهم على قضاء حوائجهم وإلى من يسترحمهم ويستعطفهم بالشّفاعة
стр. 285
فاحتاجوا إلى الوسائط ضرورة، لحاجتهم وعجزهم وضعفهم وقصور علمهم، فأمّا القادر على كل شيء الغني بذاته عن كل شىء، العالم بكل شيء، الرحمن الرحيم الذى وسعت رحمته كل شىء، فإدخال الوسائط بينه وبين خلقه تنقص بحق ربوبيته وإلهيته وتوحيده، وظن به ظن سوء وهذا يستحيل أن يشرعه لعباده، ويمتنع فى العقول والفطر وقبحه مستقر في العقول السليمة فوق كل قبح.
يوضح هذا أن العابد معظم لمعبوده متأله خاضع ذليل له، والرّب ﵎ وحده هو الذى يستحق كمال التعظيم والإجلال والتأله والخضوع والذل، وهذا خالص حقه فمن أقبح الظلم أن يعطى حقه لغيره ويشرك بينه وبينه فيه، ولا سيما إذا كان الذى جعل شريكه فى حقه هو عبده ومملوكه كما قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم: من الآية٢٨] أي إذا كان أحدكم يأنف أن يكون مملوكه شريك له فى رزقه فكيف تجعلون لى من عبيدي شركاء فيما أنا منفرد به، وهو الإلهية التى لا تنبغي لغيري، ولا تصلح لسواي؟ فمن زعم ذلك فما قدرني حق قدري ولا عظمني حق تعظيمي، ولا أفردني بما أنا منفرد به وحدي دون خلقى؛ فما قدر الله حق قدره من عبد معه غيره، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧] فما قدر من هذا شأنه وعظمته حق قدره من أشرك معه فى عبادته من ليس له شأن من ذلك البتة، بل هو أعجز شىء وأضعفه فما قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه الضعيف الذليل، وكذلك ما قدره حق قدره من قال: إنه لم يرسل إلى خلقه رسولاً، ولا أنزل كتاباً، بل نسبه إلى ما لا يليق به ولا يحسن منه، من إهمال خلقه وتركهم سدى، وخلقهم باطلاً وعبثاً، وما قدره حق قدره من نفى حقائق أسمائه الحسنى وصفاته العليا، فنفى سمعه وبصره وإرادته واختياره وعلوه فوق خلقه، وكلامه وتكليمه لمن شاء من خلقه بما يريد أو نفى عموم