منهج ابن الأثير الجَزَري في مصنفه النهاية في غريب الحديث والأثر
إعداد الأستاذ الدكتور: أحمد محمد الخراط
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد:
فقد نهض السلف ﵏ لخدمة حديث رسول الله ﷺ منذ وقت مبكر، وتنوَّعت اتجاهاتهم العلمية في ذلك، وكانوا يعدُّون هذه الخدمة عبادة جليلة تملي عليهم بَذْل الإمكانات العالية والأوقات النفيسة؛ لتحقيق هذا الغرض والوفاء به، وكانت خدمة غريب الحديث والأثر مظهراً من مظاهر هذه الحركة العلمية التي بذلها السلف، رحمهم الله تعالى.
ويُعَدُّ كتابُ "النهاية في غريب الحديث والأثر" للإمام ابن الأثير الجَزَري أحد المصنفات التي يشار إليها بالبنان، فذاعت شهرتُه، وتداوله أهل العلم فيما بينهم، وكان له أثر واضح في سيرة هذا الفن الجليل. ويسرني أن أقدم هذا البحث العلمي لهذه الندوة المباركة، ندوة: "عناية المملكة العربية السعودية بالسنة والسيرة النبوية"، التي ينظمها مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف بالمدينة المنورة، وأسأل الله لجميع العاملين في تنظيم هذه الندوة التوفيق والسداد.
وقد بدأتُ البحث ب مقدمة عامة تحدَّثتُ فيها عن معنى الغريب وأسباب نشأته، ثم جاء المبحث الأول عن حركة التأليف في غريب الحديث من حيث نشأتها وتطورها، وأهم مناهج العلماء فيها.
أما المبحث الثاني فقد كان عن التعريف بـ مجد الدين بن الأثير، وجاء المبحث الثالث عن التعريف بمنهج ابن الأثير في النهاية، وتضمن بيان مقدمته ومعالم منهجه، وأوجه عنايته بالغريب، ثم يأتي المبحث الرابع عن أهمية كتاب"النهاية"، وخصصتُ المبحث الخامس للحديث عن بعض المآخذ التي
стр. 2
أخذتُها على الإمام ابن الأثير في مصنفه. وختمتُ البحث بخاتمة سجَّلت فيها بعض التوصيات، ثمَّ سردتُ مراجع البحث.
أسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، والحمد لله ربِّ العالمين.
стр. 3
مقدمة في معنى الغريب وأسباب نشأته:
إذا تتبعنا نصوص اللغويين نلتمس معاني مادة (غَرَبَ) واستعمالاتها (١) فإننا نجد"الغَرْبَ"هو الذّهاب والتنحِّي عن الناس. وقد غَرَب عنَّا يَغْرُب غَرْباً، وغَرَّب، وأغْرَب، وغرَّبه وأغربه إذا نحّاه. والغَرْبة والغَرْب: النوى والبعد، والخبر المُغْرِب: الذي جاء غريباً حادثاً طريفاً.
وقيل: "العلماء غرباء"لقلتهم فيما بين الجُهَّال.
والغريب هو البعيد عن وطنه، وسُمِّي الغُرابُ غراباً لكونه مُبعِداً في الذهاب، والغريب من الكلام: الغامضُ. وأغرب الرجل إذا جاء بشيء غريب. والشعرة الغريبة حَدَث في الرأس لم يكنْ من قبلُ، وأتى في كلامه بالغريب إذا كان بعيداً عن الفهم. وغاية مُغْرِبة: بعيدة الشَّأْو، والغَرْب: شجر لا يثمر لتباعده من الثمرات. وأغرب الرجل في مَنطِقِه: إذا لم يُبْقِ شيئاً إلا تكلَّم به، وشَأْْوٌ مُغَرِّب ومُغَرَّب: بعيد، وغَرُبَتِ الكلمةُ: غَمُضَتْ، وتكلَّم فَأَغْرَبَ: جاء بغريب الكلام ونوادره.
والغَرْبُ هو التمادي واللَّجاجةُ في الشيء. وكُفَّ من غَرْبِك أي: من حِدَّتِك. واستغرب الرجل: إذا لَجَّ في الضَّحِكِ، والتغريب: الإمعان. وفي لسانه غَرْب أي: حِدَّة.
стр. 4
ممَّا تقدم يتبين لنا أنَّ دلالة المادة تنحصر فيما يلي:
١ - القلة والنُّدرة. وقد فسَّر الأزهري (١) حديث"بدأ الإسلام غريباً، وسيعود غريباً، فطوبى للغرباء"بقوله: "أراد أنَّ أهلَ الإسلامِ حين بدأ كانوا قليلاً، وهم في آخر الزمان يَقِلُّون، إلا أنهم أخيارٌ".
٢ - البُعد: وقد فَسَّر ابن دريد (٢) حديث عمر: "هل من مُغَرِّبة خبرٌ"فقال: "أي: هل من خبر جاء من بُعْدٍ. وأحسَبُ أنَّ اشتقاق الغريب من هذا".
٣ - الحِدَّة: كما في حديث عائشة ﵂: "كلُّ خِِلالها محمودٌ ما خلا سَوْرةً من غَرْبٍ كانت فيها (٣) ".
٤ - الطُّروء والحداثة: وقد ورد في المثل"ضربه ضَرْب غرائب الإبل" (٤) وذلك أنَّ الغريبةََ تزدحم على الحياض عند الورود، وصاحبُ الحوضِ يَطْرُدها ليحفظ الماء وفيراً أمام إبله.
وقد تحدَّث الإمام الخطابي في مقدمة كتابه"غريب الحديث (٥) عن أسباب نشأة الغريب في حديث رسول الله ﷺ ، وأشار إلى أنَّ الرسول ﷺ بُعِث مُبَلِّغاً ومُعَلِّماً، فهو لا يزال في كلّ مَقامٍ يقومُه وموطنٍ يشهده، يأمر بمعروف، وينهى عن منكر، ويُفتي في نازلة،
стр. 5
والأسماع إليه مُصْغِية. وقد تختلف في ذلك عباراتُه، ويتكرَّر بيانُه، ليكون أوْقَعَ للسامعين. وأولو الحفظ والإتقان من فقهاء الصحابة يُرْعون كلامه سمعاً ويستوفونه حِفْظاً، ويُؤَدُّونه على اختلاف جهاته، فيجتمع لذلك في القضية الواحدة عدةُ ألفاظ تحتها معنى واحد.
وقد يتكلم الرسول ﷺ في بعض النوازل وبحضرته أخلاطٌ من الناس، قبائلُهم شتى، ولغاتُهم مختلفة، ومراتبُهم في الحفظ والإتقان غير متساوية، وليس كلهم يتيسر له ضبط اللفظ وحَصْره، وإنما يستدرك المرادَ بالفحوى، ويتعلَّق منه بالمعنى، ثم يؤدِّيه بلغتِه التي نشأ عليها، ويعبر عنه بلسان قبيلته، فيجتمع في الحديث الواحد إذا انشعَبتْ طرقُه عدة ألفاظ مختلفة، مُوجِبُها شيءٌ واحدٌ، ولكثرة ما يَرِدُ من هذا ومن نظائره. يقول أبو عبيدة: "أعيانا أن نعرف -أو نحصي- غريبَ حديث رسول الله ﷺ ".
وكان الصحابة ﵃ يفهمون جُلَّ حديث نبيهم ﷺ وما خَفِيَ عليهم منه سألوه عنه، وأزالوا الإشكال عنه. وبعد انقضاءِ عصرهم، مضى المسلمون فاتحين يُبَلِّغون رسالة الله في الأرض، ومن الطبيعي أن يختلطوا ويختلط أولادهم بالأمم الأخرى، فتمتزج الألسنة، ويغيب عصرُ الفصاحة، وتَضْعُفَ سبُلُ المحافظة عليها، مع استمرار الاتصال بالأمم الأخرى، ودواعي امتزاج الألسنة والشعوب.
стр. 6
المبحث الأول: حركة التأليف في غريب الحديث
نهض العلماء منذ وقتٍ مبكرٍ لخدمة حديث رسول الله ﷺ وتعدَّدت اتجاهاتهم ومناهجهم العلمية لتحقيق هذه الخدمة، وكانوا يَعُدُّونها من أعظم العبادات. وعلم غريب الحديث مظهرٌ من مظاهر الجهود الحثيثة التي بُذِلَتْ في سبيل بيان حديث رسول الله ﷺ وإدراك فقهه ومقاصده. وقد كان الفقهاء يكرهون التسرُّع في تفسير الغريب منه. ويذكرون أنَّ الإمام أحمد سُئل عن حرفٍ من غريبِ الحديث فقال: "سلوا أصحابَ الغريب فإني أكره أن أتكلمَ في قول رسول الله ﷺ بالظنِّ فأخطئ" (١) .
وأمَّا عن بواكير التصنيف في هذا العلم، فإذا كنَّا قد وجدنا من ينسب إلى الصحابي الجليل ابن عباس ﵄ شيئاً من ذلك فيما يتعلق بغريب القرآن (٢) فإننا لا نجدُ من يَنْسُب إليه أو إلى أحد معاصريه أو تلاميذه شيئاً في غريب الحديث (٣) .
والواقع أنَّ حركةَ التأليفِ في غريب الحديث تبدأ من أواخر القرن الثاني الهجري، وقد ترك طائفةٌ من علماء اللغة المتقدمين مصنفاتٍ أو شَذَراتٍ مختصرةً فيه، وبعضها كان في وُرَيْقاتٍ ككتاب أبي عبيدة مَعْمَر بن المثنى، إذ وصفه ابن الأثير بقوله (٤) : "كتاباً صغيراً ذا أوراق معدودات"، وبعض هذه
стр. 7
المصنفات وصل إلى خمسة وأربعين ألف ورقة، كما وَصَفَ ابن خَلِّكان كتاب أبي بكر بن الأنباري (١) .
ويَنسُب الحاكم النيسابوري (٢) إلى النضر بن شُمَيْل المازني المتوفى سنة ٢٠٣هـ أول مصنَّف في غريب الحديث، ويقول في وصفه: "هو عندنا بلا سماع". ومن العلماء الذين تركوا مصنفات في هذا الحقل قطرب (٣) المتوفى سنة ٢٠٦هـ، وأبو زيد الأنصاري (٤) المتوفى سنة ٢١٥هـ، والأصمعي (٥) المتوفى سنة ٢١٦هـ.
وذكر الخطيب البغدادي (٦) أنَّ أوَّل من صنَّف في هذا الفن هو: أبو عبيدة مَعْمَرُ بن المثنى المتوفى سنة ٢١٠هـ، ويؤيده في ذلك لفيفٌ من المؤرخين، كياقوت (٧) وابن الأثير (٨) والسيوطي (٩) .
وقد يكون أبو عدنان عبد الرحمن بن عبد الأعلى السُّلَمِي سابقاً لأبي عبيدة؛ لأنه كان معاصراً ليونس بن حبيب أستاذ أبي عبيدة، إذ يقولون: "إنَّ له كتاباً في غريب الحديث ذكر فيه الأسانيد، وصنَّفه على أبواب السنن والفقه،
стр. 8
إلا أنَّه ليس بالكبير" (١) وكتاب أبي عدنان هذا دليلٌ واضح على أنَّ الاعتماد على الرواية والأسانيد في نقل تفسير الألفاظ كان المنطلق الذي انطلقت منه بواكير المؤلفات في غريب الحديث. قال ابن الصَّلاح (٢) : "أصل الإسناد أولاً خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسُنَّة بالغة من السنن المؤكدة، رُوِّينا من غير وجه عن عبد الله بن المبارك ﵁ أنه قال: الإسناد من الدين، لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء".
ويُعَدُّ كتاب"غريب الحديث"لأبي عبيد القاسم بن سلام (٣) المتوفى سنة ٢٢٤هـ أول كتابٍ وصَلَنا في هذا الفن. يقول هلال بن العلاء الرَّقِّي (٤) : "مَنَّ الله على هذه الأمة بأربعة، وعدَّد منهم: أبا عبيد إذ فسَّر غرائب حديث رسول الله ﷺ "وقد حظي كتاب أبي عبيد بتقدير وافر لدى علماء الغريب. يقول ابن قتيبة (٥) : "وقد كان تَعَرُّف هذا وأشباهِه عسيراً فيما مضى على طلبة العلم، لحاجته إلى أن يُسأل عنه أهل اللغة. ومن يكمل فَهْمُه منهم ليفسر غريب الحديث وَفْتقَ معانيه وإظهار غوامضه قليل. فأمَّا في زماننا هذا فقد كُفِي حملةُ الحديث مؤونةَ التفسير والبحث بما ألَّفه أبو عبيد".
يبدأ أبو عبيد كتابه بسند مطوَّل يذكر فيه حديث "زُوِيت لي الأرض فأُرِيت مشارقَها ومغاربَها " فيتحدث عن معاني مادة"زوى"، وينقل شرحها من
стр. 9
كتاب أبي عبيدة مَعْمر بن المثنى الذي تقدَّمه، ويستشهد بالشعر، ويسرد أقوال العلماء من أمثال: أبي زياد الكلاعي وأبي عمرو الشيباني والكسائي.
وقد نهج أبو عبيد منهج البدء بأحاديث الرسول ﷺ من غير أن يراعي ترتيباً معيناً في سَرْدها، وقد رواها بالأسانيد، واستغرقت هذه الأحاديث قسماً كبيراً من كتابه، ثم أتبعها بالأحاديث المنسوبة للصحابة، فيبدأ بروايات الخلفاء الأربعة من خلال الجزء الثالث (١) ، ثم يبدأ الجزء الرابع بأحاديث الزبير (٢) ، فطلحة ﵄ حتى تكمل أحاديث العشرة المبشرين بالجنة، ثم يذكر أحاديث ابن عباس، فخالد بن الوليد ﵄ وغيرهم من الصحابة، ثم أحاديث الصحابيات (٣) ، فالتابعين (٤) ، ويختم كتابه (٥) بأحاديث لا يُعرف أصحابها.
أمَّا كتاب "غريب الحديث" لعبد الله بن مسلم بن قتيبة (٦) المتوفى سنة ٢٧٦هـ، فقد أفاد من صنيع من تقدَّمه. ويرى ابن قتيبة أنَّه وجد جملة من الأحاديث عند أبي عبيد مُفَسَّرة على نحوٍ مجانبٍ للصواب، فخالفه في تفسيرها، وأورد أحاديث لم يذكرها سَلَفُه. وقد ابتدأ بتفسير الألفاظ الدائرة بين الناس في الفقه وأبوابه، ثمَّ شرع في تفسير غريب أحاديث رسول الله ﷺ ثمَّ تلاها أحاديث الصحابة فالتابعين، ومن بعدهم،
стр. 10
وبعض الخلفاء، ثمَّ أفرد باباً لتفسير غريب أحاديث النساء، ثم ختم الكتاب بذكر أحاديث غير منسوبة، سمع أهلَ اللغة يذكرونها.
ولم يحدد ابن قتيبة ضابطَ الغريب عنده، بيدَ أنَّه كان يُورد أحاديث فيها مشكل، وكان يحضُّ على معرفة معناها حتى لا يقع في الصدر عارضُ الشك فيها.
وقد وصلَتْنا المجلدةُ الخامسة من غريب الحديث للإمام أبي إسحاق إبراهيم ابن إسحاق الحربي (١) المتوفى سنة ٢٨٥هـ. وقد حاول (٢) أن يجمع في كتابه بين طريقة المحدِّثين- وهي جمع الأحاديث على المسانيد، أي: الأحاديث المروية عن رسول الله ﷺ من طريق صحابي ـ وطريقة اللغويين، وهي نظام التقاليب والمخارج من الحلق، فأول الحرف حروف الحلق، ثمَّ الأقرب فالأقرب، ثمَّ تُقَلَّب الكلمة التقاليب الستة، ويبيَّن المهمل والمستعمل من تقاليبها. وقد أطال الحربي كتابه بالأسانيد وسَوْق المتون بتمامها، ولو لم يكن في المتن من الغريب إلا لفظة واحدة (٣) .
ثمَّ يأتي كتاب السَّرَقُسْطي (٤) القاسم بن ثابت المتوفى سنة ٣٠٢هـ"الدلائل في غريب الحديث"وقد بدأ بأحاديث النبي ﷺ ثم الصحابة، مقدِّماً الخلفاء، فالعشرة، فالتابعين. وقد أفادَ السَّرَقُسْطي من جهود سابقيه، وأوردَ أقوالهم في تفسير ما يُورده من الغريب، وكان من منهجه
стр. 11
الاستطراد والابتعاد عن أصل المعنى الذي شرع فيه. أمَّا كتاب"غريب الحديث"للإمام أبي سليمان حمد بن محمد الخطابي البستي (١) المتوفى سنة ٣٨٨هـ، فقد كان يورد الحديث، ثمَّ يتبعه بسنده، ثمَّ يفسر غريبه، ويؤيد تفسيره بحديث آخر أو بآية كريمة أو بشعر عربي فصيح، وحاول أن يستدرك على الكتب التي تقدَّمته. وقد بدأ بتفسير أحاديث الرسول ﷺ فالصحابة فالتابعين، وألْحَقَ بها مقطعات من الحديث لم يجد لها في الرواية سنداً، وختم الكتاب بإصلاح ألفاظ من مشاهير الحديث يرويها عوامُّ النقلة. يقول في مقدمته (٢) : "ثم إنَّه لمَّا كَثُر نظري في الحديث، وطالت مجالستي أهلَه، وجدت ألفاظاً غريبة، لا أصل لها في كتابَيْ أبي عبيد وابن قتيبة، ولم أزَلْ أتَتَبَّعُ مظانَّها وألتقطُ آحادها، وأضمُّ نشرها، حتى اجتمع منها ما أحبَّ اللهُ أن يوفق له، ونحوتُ نَحْوَهما في الوضع والترتيب".
ثمَّ يأتي كتابُ"الغريبين"لأبي عبيد أحمد بن محمد العبدي الهَرَوِيّ (٣) المتوفى سنة ٤٠١هـ، وهو أحد مصدرَيْن أفادَ منهما ابنُ الأثير في"النهاية". وقد بدأ بتفسير غريب القرآن، ثمَّ ثنَّى بغريب الحديث وآثار الصحابة والتابعين، وكان ينقل كثيراً عن أئمة الحديث واللغة قبله، وعُني بالأسانيد، وكان يأخذ من الحديث اللفظة الغريبة فيفسرها. فإن اشتمل الحديث على أكثر من كلمة غريبة فرَّق الألفاظ على المواد، ثمَّ مضى يفسِّر كل غريب في مكانه. وقد رتَّبَه
стр. 12
وَفْقَ حروف المعجم، وهو أول كتاب وصَلنا ينحو فيه مؤلفُه هذا المَنْحى. وقد سَبَقَه إلى ذلك شَمِر بن حمدويه المتوفى سنة ٢٥٥هـ، في كتابه"الجيم"الذي قال فيه ياقوت (١) : "رتَّبَه على حروف المعجم، ابتدأ فيه بحرف الجيم، لم يسبقه إلى مثله أحدٌ تقدَّمه، وأودعَه تفسير القرآن وغريب الحديث".
يقول الهَرَوِيّ (٢) في مقدمته: "ونعمل لكل حرف باباً، ونفتح كل باب بالحرف الذي يكون أوله الهمزة ثمَّ الباء ثمَّ التاء إلى آخر الحروف"، ويقول (٣) : "وكنت أرجو أن يكون سَبَقَني إلى جَمْعها، وضمِّ كلِّ شيءٍ إلى لِفْقِهِ (٤) منها، على ترتيب حسن واختصار كاف، سابقٌ، فكفاني مؤونة الدَّأَب وصعوبة الطلب، فلم أجد أحداً عمل ذلك إلى غايتنا هذه".
أمَّا كتابُ الحافظ أبي موسى محمد بن أبي بكر بن أبي عيسى المديني الأصفهاني (٥) المتوفى سنة ٥٨١هـ، فهو"المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث"، وكان ثانيَ مصدَرَيْن من مصادر ابن الأثير في"النهاية"بعد كتاب"الغريبين"المتقدم. قال ابن الأثير في مقدمته (٦) : "كان أبو موسى إماماً في عصره، حافظاً متقناً تُشَدُّ إليه الرِّحالُ، وتُناط به من الطلبةِ الآمالُ، ولمَّا وقفتُ على كتابه وجدتُه في غاية الحسن والكمال".
стр. 13
وقد استحسن أبو موسى كتابَ الهرويِّ المتقدم، بيدَ أنَّه (١) وجد كلماتٍ كثيرة شذَّت عن كتابه"إذ لايُحاط بجميع ما تُكُلِّم به من غريب الكَلِم، فلم أزلْ أتتبَّع ما فاته، وأكتب ما غفل عنه". وذكر في مقدمته أنَّ شرطه في كتابه: الاختصار، إلا إذا اختلَّّ الكلام دونه، وتَرْكُ الاستشهاد بالشواهد الكثيرة إلا إذا لم يُسْتَغْن عنها. واختار أبو موسى منهج الترتيب الهجائي وَفْقَ الحرف الأول، وهو المنهج الذي استقرت عليه المصنفات التالية للهروي.
ويُعَدُّ كتابُ"الفائق في غريب الحديث"لـ جار الله محمود بن عمر الزمخشري (٢) المتوفى سنة ٥٣٨هـ، من المصنفات المهمة في منهج الترتيب الهجائي وَفْق الحرف الأول، غير أنَّه كان يُورد نص الحديث كاملاً، ولا يوزِّعه وَفْقَ حروف كلمات ألفاظه، ومن هنا كان البحث عن الغريب المنشود يَعْتَوره بعضُ العُسْر. وقد لحظ ابنُ الأثير (٣) في مقدمة نهايته ذلك فقال: "ولكنْ في العثور على طلب الحديث منه كُلْفَةٌ ومشقة....... فيجيء شرحُ كل كلمة غريبةٍ يشتمل عليها ذلك الحديث في حرفٍ واحدٍ من حروف المعجم، فترِدُ الكلمةُ في غيرِ حرفها، وإذا تطلَّبها الإنسانُ تَعِبَ حتى يجدَها".
وتتوالى بعد ذلك المصنفاتُ مختارةً منهج الترتيب الهجائي وَفْقَ الحرف الأول. ويُعَدُّ كتابُ أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجَوْزي (٤) المتوفى سنة
стр. 14
٥٩٧هـ من أهم المصنفات في القرن السادس، وكان يأمل -كما ذكر في مقدمته- (١) أن يُغني كتابه عن جميع ما صُنِّف في ذلك. وقد اعتمد اعتماداً كبيراً على كتاب الهروي.
وآخرُ مصنف من المصنفات المهمة هو: "مجمع بحار الأنوار في غرائب التنزيل ولطائف الأخبار"للشيخ محمد طاهر الصديقي الفَتَّني (٢) المتوفى سنة ٩٨٦هـ، وقد سارَ فيه على منهج الترتيب الهجائي وَفْقَ الحرف الأول، وهو المنهج الذي استقرت عليه المؤلفات في هذا الفن، وقد أفادَ من التراث الضخم الذي تركه السلف في غريب الحديث والأثر، ويُقِرُّ في مقدمته (٣) بأنَّ كتاب"النهاية"كان أصلاً له"ولم أغادر منه إلا ما نَدَرَ أو شاعَ بينهم وانتشر، وأضم إلى ذلك ما في ناظر عين الغريبين من الفوائد، وما عثرت عليها من غير تلك الكتب من الزوائد". وقد وضع الفَتَّني رموزاً لبيان ما اقتبسه من كل مصدر من المصادر التي أشار إليها في مقدمته، وجاء كتابه في خمسة مجلدات كبيرة.
ومن مناهج التأليف في علم غريب الحديث كتب الاستدراك على المتقدمين وإصلاح الغلط الذي جرى على مصنفاتهم. ومن هذه المصنفات كتاب لُغْذة الأصبهاني (٤) الحسن بن عبد الله المتوفى سنة ٢٨٠هـ في"الرد على أبي عُبَيْد في غريب الحديث"، وكتاب"التنبيه على الألفاظ التي وقع في نقلها
стр. 15
وضبطها تصحيف وخطأ في كتاب الغريبين (١) " لأبي الفضل محمد بن ناصر (٢) المتوفى سنة ٥٥٠هـ.
وكتب المختصرات والتهذيب وإعادة الترتيب ضرب من ضروب التأليف في علم غريب الحديث. ومن هذه المؤلفات"تقريب المرام في غريب القاسم بن سلام"للمحبِّ الطبري (٣) المتوفى سنة ٦٩٤هـ، و"تهذيب غريب الحديث"ليحيى ابن علي التبريزي (٤) المتوفى سنة ٥٠٢هـ، و"مختصر الغريبين"لمجد الدين أبي المكارم علي بن محمد (٥) المتوفى سنة ٥٦١هـ.
ومن مناهج التأليف شرح غريب حديث معيَّن، أو غريب كتاب معيَّن من كتب الحديث. ومن ذلك كتاب"شرح حديث أم زَرْع"لإسماعيل بن أبي أويس (٦) المتوفى سنة ٢٢٦هـ، ولأحمد بن عبيد أبي جعفر النحوي (٧) المتوفى سنة ٢٧٨هـ.
وقد خصَّص الحافظ ابن حجر الفصل الخامس من مقدمة"فتح الباري"للألفاظ الغريبة في صحيح البخاري، ورتَّبها على حروف المعجم (٨) ، كما خصَّص ابنُ الصَّلاح النوع الثاني والثلاثين من"مقدمة في علوم
стр. 16
الحديث" للغريب (١) ، وقال في تعريفه: "هو عبارة عمَّا وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة البعيدة من الفهم لقلة استعمالها"
ومن المناهج التي نلقاها في شرح الغريب تفسير الأحاديث الطويلة المأثورة ويمثلها كتاب"منال الطالب في شرح طوال الغرائب"لابن الأثير.
стр. 17
المبحث الثاني: التعريف بمجد الدين بن الأثير
هو المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجَزَري، المَوْصِلي الشافعي، أبو السعادات مجد الدين، المعروف بابن الأثير (١)
و"الأثير"لقبٌ لوالده أبي محمد بن عبد الكريم.
وقد اتفق المؤرخون على تحديد تاريخ ولادته بسنة ٥٤٤هـ، ما عدا ابن تغري بردي الذي أثبت ولادته سنة ٥٤٠هـ (٢) ، وذلك في أحد الربيعَيْن بجزيرة ابن عُمر (٣) .
وجزيرةُ ابن عُمر مدينة فوق الموصل، بينهما ثلاثة أيام، ويحيط بها نهر دِجْلة، وقد بناها رجل من أهل بَرْقَعِيد، يُقال له: عبد العزيز بن عمر، أو الحسن بن عمر (٤) ، ونسبوا إليها بقولهم"الجَزَرِيّ".
стр. 18
"مشايخه" (١) :
قرأ مجد الدين على:
١ـ عبد الوهاب بن هبة الله بن أبي حبَّة البغدادي، المتوفى سنة ٥٥٨هـ. وقد قرأ عليه صحيح مسلم بالموصل (٢) .
٢ـ وأبي بكر يحيى بن سَعْدون المغربي القرطبي، المتوفى سنة ٥٦٧هـ (٣) .
٣ـ ناصح الدين أبي محمد سعيد بن المبارك بن الدهان البغدادي، صاحب"الغُرَّة في شرح اللمع"، المتوفى سنة ٥٦٩هـ (٤) .
٤ ـ وأبي الفضل عبد الله بن أحمد الطوسي، المتوفى سنة ٥٧٨هـ (٥) .
٥ ـ وعبد المنعم بن عبد الوهاب الحرَّاني، المتوفى سنة ٥٩٦هـ (٦) .
٦ـ وأبي الحزم مكي بن رَيَّان الماكِسِينيّ الضرير، المتوفى سنة ٦٠٣هـ (٧) .
٧ ـ وعبد الوهاب بن سُكَينة، المتوفى سنة ٦٠٧هـ (٨) .
стр. 19
"تلاميذه":
١ـ أبو الحسن علي بن يوسف القِفْطيّ، المتوفى سنة ٦٤٦هـ (١) .
٢ ـ والشهاب القوصي إسماعيل بن حامد، المتوفى سنة ٦٥٣هـ (٢)
٣ ـ وتاج الدين عبد المحسن بن محمد شيخ الباجربقي (٣) .
٤ ـ وروى عنه بالإجازة الشيخ فخر الدين بن البخاري (٤) .
٥ـ روى عنه ولده، ولم يُسَمِّه المؤرخون (٥) .
"صفاته":
ذكر المؤرخون للمبارك بن الأثير صفات العلم والفضل والعقل والورع والبر والإحسان.
وقد جمع بين التمكن من علوم العربية والقرآن والحديث والفقه، وصنَّف في ذلك تصانيف مفيدة. كما كان شاعراً. أنشأ رِباطاً بقرية من قرى الموصل، ووقف أملاكه عليه (٦) .
وكان شافعيَّ المذهب، وقد عرض له مرضٌ كفَّ يديه ورجليه ومنعه
стр. 20
الكتابة، فكان يُحمل في مِحَفَّة، فانقطع في بيته (١) .
قال مجد الدين: "مازلت في رَيْعان الشباب وحَداثة السن مشغوفاً بطلب العلم، ومجالسة أهله، والتشبُّه بهم حَسْبَ الإمكان، وذلك من فضل الله عليَّ ولطفِه بي أن حَبَّبه إليَّ، فبَذَلْتُ الوُسْعَ في تحصيل ما وُفِّقْتُ له من أنواعه حتى صارت فِيَّ قوةُ الاطلاع على خفاياه وإدراك خباياه، ولم آلُ جهداً. والله الموفق في إجمال الطلب وابتغاء الأَرَب" (٢) .
قال في"السير (٣) ": "قال ابن الشَّعار: "وكان من أشدِّ الناس بخلاً". قلت: "من وقف عَقاره لله فليس ببخيل".
روى الكتب نازلاً، فأسند صحيح البخاريِّ عن ابن سرايا عن أبي الوقت، وصحيح مسلم عن أبي ياسر بن أبي حَبَّة عن إسماعيل بن السمرقندي عن التُّنْكُتي عن أبي الحسين عبد الغافر، ثمَّ عن ابن سُكينة إجازة عن الفُراوي، والموطَّأ عن ابن سَعْدون، حَدَّثنا ابن عتاب عن ابن مُغيث فوَهِمَ، وسننَ أبي داود والترمذي بسماعه من ابن سُكَينة، وسننَ النَّسائي، أخبرنا يعيش بن صدقة عن ابن محمويه (٤) .
انتقل المبارك إلى الموصل سنة ٥٦٥هـ. وتولى الخزانة لـ: سيف الدين غازي بن مودود بن زنكي.
كما اتصل بالأمير مجاهد الدين قايْماز بن عبد الله الزيني، ووَلِيَ ديوان
стр. 21
الإنشاء. ولم يزل في المَوْصِل إلى أن مات (١) ، ولكنه كان ينتقل في الولايات.
وَتَفرَّغ للكتابة في فترة مرضه، وكان يَغْشاه الأكابر والعلماء (٢) .
"مؤلفاته":
ترك المبارك قدراً كبيراً من المؤلفات العلمية (٣) . وقد صنّف معظم كتبه في مدة مرضه، وكان عنده جماعة من الطلبة، يُعينونه عليها في الاختيار والكتابة (٤) . منها:
١ـ "منال الطالب في شرح طوال الغرائب"وهو مطبوع. والكتاب في شرح ما اختاره من الأحاديث المطوَّلة الغريبة.
٢ـ "البديع في علم العربية". وهو مطبوع.
٣ ـ "جامع الأصول في أحاديث الرسول ﷺ " جمع فيه بين الكتب الستة، ورتّبه على حروف المعجم. وهو مطبوع.
٤ ـ "المرصَّع في البنين والبنات والآباء والأمهات". وهو مطبوع.
٥ ـ "الإنصاف في الجمع بين الكشف والكشاف"وهو في التفسير أخذه من تَفسيري الثعلبي والزمخشري.
٦ ـ "رسائل في الحساب".
٧ ـ "المصطفى المختار في الأدعية والأذكار".
٨ ـ "المختار من مناقب الأخيار".
стр. 22
٩ ـ "الشافي في شرح مسند الشافعي".
١٠ ـ"بغية الراغب في تهذيب الفصول النحوية".
١١ ـ"الباهر في الفروق في النحو".
١٢ ـ"صفة الكتابة" (١) .
١٣ـ"النهاية في غريب الحديث والأثر"وهو الكتاب الذي ندرسه، وقد وصفه أهل الفنِّ بأنّه"لم يُعهد نظيره في بابه" (٢) .
وقد قال فيه السيوطي: (٣) "وهو أحسن كتب الغريب، وأجمعها، وأشهرها، وأكثرها تداولاً". وقد كان له قَبولٌ وسيرورة، ونظمه شعراً (٤) إسماعيل بن محمد بن بردس البعلي المتوفى سنة ٧٨٥هـ، وسمَّاه"الكفاية في نظم النهاية"، كما كتب صفي الدين محمود الأرموي (٥) المتوفى سنة ٧٢٣هـ عليه ذيلاً. كما أنَّ للسيوطي ذيلاً عليه بعنوان"التذييل والتذنيب على نهاية الغريب"وهو مطبوع.
ومن أمثلة تذييله قوله (٦) : "أَبَد: في حديث ابن مسعود: "فهو يهوي على أثرها أبَدَ الآبدين". قال في الصحاح: يقال: "لا أفعله أبد الآبدين، كما يقال: دهر الداهرين، وعوض العائضين". قال ابن الجوزي: "أبَده بصره، أي: أتبعه إياه".
стр. 23
كما اختصر"النهاية"عيسى بن محمد الصفوي، المتوفى سنة ٩٥٣هـ في قريب من نصف حجمه (١) ، كما اختصره علي بن حسام الدين المتقي (٢) المتوفى سنة ٩٧٥هـ، هذا بالإضافة إلى اختصار السيوطي له بعنوان"الدر النثير"وقد أضاف إليه بعض الزيادات، وهو مطبوع.
ويُعَدّ"النهاية"لدى أهل العلم من المعاصرين عمدة في بابه (٣) ، وقد ألَّف عبد السلام بن محمد علوش"الذيل على النهاية في غريب الحديث والأثر"وهو باحث معاصر، وممّا استدركه على ابن الأثير: "في الحديث أنَّ النبي ﷺ دعا قوماً لبيت عائشة، فقال: "ياعائشة أطعمينا" قال: "فجاءت بدشيشة". قال في"الفائق": "الدشيشة حَسْوٌ، يتخذ من بُرٍّ مَرْضوض (٤) ".
ومما استدركه حديث (٥) : "إنَّ كلبة كانت في بني إسرائيل مُجِحًّا". المجح: الحامل التي دنا ولادها".
"وفاته":
توفي أبو السعادات في مدينة الموصل يوم الخميس في ذي الحجة سنة ست وستمئة، ودفن برباطه في درب دَرَّاج (٦) .
стр. 24
المبحث الثالث: "منهج ابن الأثير في النهاية "
أ - مقدمته:
كتب الإمام ابن الأثير مقدمة لكتابه"النهاية"تحدَّث فيها عن أهمية علم الحديث والأثر، وذهب إلى أنه لا خلاف بين أولي الألباب والعقول، ولا ارتيابَ عند ذوي المعارف والمحصول أنَّ علم الحديث والآثار (١) من أشرف العلوم الإسلامية قَدْراً، وأحسنِها ذكراً، وأكملها نفعاً، وأعظمها أجراً، وأنه أحد أقطاب الإسلام التي يدور عليها، ومعاقده التي أُضيف إليها، وأنه فرضٌ من فروض الكفايات يجب التزامه، وحقٌّ من حقوق الدين، يتعيَّن إحكامه واعتزامه.
وكان ابن الأثير يرى أنَّ علم الحديث والآثار ينقسم إلى قسمين، أحدهما: معرفة ألفاظه، والثاني: معرفة معانيه.
ويرى أنَّ معرفة ألفاظه مقدمة في الرتبة؛ لأنها الأصل في الخطاب، وبها يَحْصُل التفاهمُ، فإذا عُرِفَتْ تَرَتَّبَتْ المعاني عليها، فكان الاهتمام ببيانها أولى. ويقسم بعد ذلك الألفاظ إلى: مفردة ومركبة، ويرى أنَّ معرفة المفردة مقدمة على معرفة المركبة؛ لأنَّ التركيب فرعٌ عن الإفراد (٢) ، ثم يقسم الألفاظ المفردة إلى قسمين: أحدهما خاص، والآخر عام.
أمَّا العامُّ فهو: ما يشترك في معرفته جمهور أهل اللسان العربي، ممَّا يدور بينهم في الخطاب، وتناقلوه.
стр. 25
وأمَّا الخاصُّ فهو: ما ورد فيه من الألفاظ اللغوية والكلمات الغريبة التي لا يعرفها إلا من عُني بها، فكان الاهتمام بمعرفة هذا النوع الخاص من الألفاظ أهمَّ ممَّا سواه، إذ الحاجة إليه ضروريةٌ في البيان.
ثم يقسم معرفة هذا الخاص إلى معرفة ذاته وصفاته (١) . أما ذاته فهي معرفة وزن الكلمة وضبطها، وتأليف حروفها؛ لئلا يتبدلَ حرفٌ بحرف أو بناءٌ ببناء، وهذه المعرفة استقلَّ بها علماء اللغة. وأماصفاته فهي معرفةُ حركاته وإعرابه ونحو ذلك؛ لئلا تختلَّ المعاني التي يكون فَهْمُ الحديث مبنياً عليها، وهذه المعرفة استقلَّ بها علماء النحو والتصريف.
ثمّ يبيّن المؤلف في مقدمته أنّ رسول الله ﷺ هو أفصح العرب لساناً وأعرفهم بمواقع الخطاب، وكان في موقع العناية الربانيَّة، وكان يخاطب العرب على اختلاف قبائلهم وبطونهم، كلاً منهم بما يفهمون، فكأنَّ الله قد أعلمه ما لم يكن يَعْلَمُه غيرُه، وكان أصحابه يعرفون أكثر ما يقوله، وما جهلوه سألوه عنه فيوضحه لهم.
واستمر عصره (٢) ﷺ إلى حين وفاته على هذا السنن، ثم جاء العصر الثاني -وهو عصر الصحابة- جارياً على هذا النمط، فكان اللسان العربي عندهم صحيحاً، لا يتطرَّق إليه الزَّلَلُ، إلى أن فُتِحت الأمصار، وخالط العربُ غيرَ جنسهم من الأمم، فامتزجت الألسن، ونشأ بينهم الأولاد، فتعلَّموا من اللسان العربي مالا بُدَّ لهم في الخطاب منه، وتركوا ما
стр. 26
عداه لعدم الحاجة إليه، فصار بعد كونه من أهمِّ المعارف مهجوراً، وتمادَت الأيام على سَنَنٍ من الصلاح إلى أن انقرض عصر الصحابة -رضوان الله عليهم.
وجاء التابعون لهم بإحسان فسلكوا سبيلهم، ولكنهم قَلُّوا في الإتقان، فما انقضى زمانُهم إلا واللسان العربي قد كاد يستحيل أعجمياً، فلا ترى المحافِظَ عليه إلا الآحاد، فلما أعضل الداءُ وعزَّ الدواءُ أَلْهم اللهُ جماعةً من ذوي البصائر؛ أن صرفوا إلى هذا الشأن طرفاً من عنايتهم؛ حراسةً لهذا العلم الشريف من الضياع.
ثم يتحدَّث المؤلف (١) عمن يراه أوَّلَ من جمع في هذا الفن من غريب الحديث والأثر، وكان يرى أنه أبو عبيدة مَعْمَر بن المثنى، إذ جمع من ألفاظ غريب الحديث والأثر كتاباً صغيراً ذا أوراق معدودات. ويبيّن ابن الأثير أنَّ قلة صفحات الكتاب لم تكن لجهله بغيره من غريب الحديث، وإنما سبب ذلك أنَّ كلَّ مبتدئ لشيء يكون قليلاً، ثم يكثر، ثم إنَّ الناس يومئذٍ كان فيهم بقيةٌ من معرفة.
ويتابع ابن الأثير الحديث عن أوائل حركة التصنيف، فيشير إلى أنَّ النَّضْر ابن شُميل وضع كتاباَ بعد ذلك أكبر من كتاب أبي عبيدة، ثم يأتي كتاب الأصمعي عبد الملك بن قريب، ويصف كتابه بأنه "أحسن فيه الصنع وأجاد". ثم يأتي كتاب قطرب.
ويلحظ ابن الأثير أنَّ حركة التأليف في هذا العلم ما تزال تحبو: "ولم يكن
стр. 27
أحدهم ينفرد عن غيره بكبير حديث لم يذكره الآخر" (١) . واستمرت الحال إلى زمن أبي عبيد القاسم بن سلام الذي وضع كتاباً مهماً في هذا العلم"لِما حواه من الأحاديث والآثار الكثيرة والمعاني اللطيفة والفوائد الجمَّة" (٢) .
ثم يتحدث المؤلف عن كتاب "غريب الحديث" لأبي محمد عبد الله بن مسلم ابن قتيبة الدينوري فيقول: "ولم يُودِعْه شيئاً من الأحاديث المودعة في كتاب أبي عبيد إلا مادَعَتْ إليه حاجة من زيادةِ شرحٍ وبيان أو استدراك أو اعتراض".
ثم يشير إلى كتاب إبراهيم بن إسحاق الذي"بسط القول وشرح، واستقصى الأحاديث بطرق أسانيدها وأطاله بذكر متونها وألفاظها".
وكثرت المصنفات بعد ذلك، فأدلى أهل اللغة بدَلْوهم، من أمثال شَمِر ابن حَمْدَوَيْه، وثعلب، والمبرد، والأنباري، والزاهد، وغيرهم. إلى أن جاء الإمام أبو سليمان حَمْد بن محمد الخطَّابي البُسْتي الذي سلك منهج أبي عبيد وابن قتيبة، وأضاف إلى أقوالهما المزيد.
ويرى ابن الأثير (٣) أنَّ هذه الكتب الثلاثة هي المعوَّل عليها. بيد أنَّه ينتقد منهج التأليف في هذا العلم، ويوضِّح حاجته إلى تيسير تناوله بالترتيب المعجمي: "إلا أنها وغيرها لم يكن فيها كتاب صُنِّف مرتباً ومُقفَّى، يرجع الإنسان عند طلب الحديث إليه إلا كتابُ الحربيِّ، وهو على طوله وعُسْر ترتيبه لا يوجد الحديث فيه إلا بعد عَناء، مع ما فيه من كون الحديث
стр. 28
المطلوب لا يُعرف في أيّ واحد من هذه الكتب هو".
ثمَّ يتحدث عن كتاب أحمد بن محمد الهَرَوي في الجمع بين غريب القرآن والحديث، وقد رَتَّبه على حروف المعجم، وأفاد من محاولات سابقيه، فجاء مصنّفه"جامعاً في الحسن بين الإحاطة والوضع" (١) . إلى أن جاء الزمخشري أبو القاسم محمود بن عمر وصنَّف كتاب"الفائق"، وهذا الكتاب مع كونه جامعاً مستفيداً ممّا تَقَدَّمه، بيد أنه كان يشرح ما في الحديث الواحد من غريب في حرف واحد من حروف المعجم، فَتَرِدُ الكلمةُ في غير حرفها، وإذا تَطَلَّبها الإنسانُ تعب حتى يجدها، ومن هنا فإنَّ كتاب الهروي أسهل مأخذاً.
ثم يتحدث ابن الأثير عن كتاب أبي موسى محمد بن أبي بكر الأصفهاني الذي أفاد من كتاب الهروي في مادته ومنهجه، واستدرك ما فاته. وتَحَدَّث عن كتاب أبي الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي، الذي اقتفى أثر الهروي"ولم يزد عليه إلا الكلمة الشاذَّة واللفظة الفاذَّة".
ويأتي بعد ذلك حديث ابن الأثير عن كتاب"النهاية"فيقرُّ بأنّه ترسَّم خُطا الكتابين المتقدمين: كتاب "الغريبين" للهروي، و"المجموع المغيث" لأبي موسى المديني، ويقول (٢) : "فرأيت أن أجمع َ ما فيهما من غريب الحديث، مجرداً من غريب القرآن، وأضيف كل كلمة إلى أختها في بابها تسهيلاً لكلفة الطلب، وأنعمت الفكر في اعتبار الكتابين، والجمع بين ألفاظهما". ويلحظ ابن الأثير أنَّ الكتابين قد"فاتهما الكثير الوافر"، ويقول: "فحيث عَرَفْتُ ذلك تَنَبَّهت لاعتبار غير هذين الكتابين من كتب الحديث المدوَّنة المصنَّفة في أول الزمان وأوسطه وآخره، فتتبَّعْتُها واستَقْريْتُ ما حضرني منها، وأضفت ما عثرت
стр. 29
عليه من الغرائب، إلى ما في كتابيهما في حروفها مع نظائرها (١) ".
ثم يتحدث عن الترتيب المعجمي الذي سلكه، فقد التزم الحرف الأول والثاني من كل كلمة، وأتبع ذلك بالحرف الثالث من الكلمة على سياق الحروف.
ثم يتحدث عن المشكلة التي واجهَتْه، وهي (٢) "أني وجدت في الحديث كلماتٍ كثيرة في أوائلها حروف زائدة قد بُنِيت الكلمة عليها، حتى صارت كأنها من نفسها، وكان يلتبس موضعها الأصلي على طالبها"، ورأى أنَّ حَلَّ هذه المشكلة يكمن في"أن أثبتَها في باب الحرف الذي هو في أولها، وإن لم يكن أصلياً، ونَبَّهْتُ عند ذِكْرِهِ على زيادتِه؛ لئلا يراها أحد في غير بابها، فيظنُّ أنّي وَضَعْتُها فيه للجهل بها".
وسوف نتطرق للحديث عن هذا المنهج في مبحث"مآخذ على ابن الأثير".
وينبِّه ابن الأثير القارئ على أنَّ ما اقتبسه من كتاب الهروي ميّزَه بالحرف"هـ"بالحمرة، وما اقتبسه من كتاب أبي موسى ميّزه بالحرف"س"، وما أضافه من غيرهما أهمله بغير علامة؛ ليتميز ما فيهما عمّا ليس فيهما، كما أفاد القارئ بأنَّ جميع ما في كتابه ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: مضاف إلى مُسَمَّى، وقد يكون ذلك المسمَّى هو صاحب الحديث، أو يكون راوياً للحديث، أو يكون سبباً في ذكر ذلك الحديث فأُضيف إليه، أو يكون له فيه ذِكْرٌ عُرِفَ الحديث به.
والثاني: غير مضاف إلى مُسَمَّى، والغالب عليه أنه من أحاديث رسول الله ﷺ إلا القليل الذي لا تُعْرَف حقيقته: هل هو من
стр. 30
حديثه أو من حديث غيره (١) ؟ وسوف نتناول صنيعه هذا في موضع آخر من هذه الدراسة، إن شاء الله. وبعد هذه المقدمة يشرع ابن الأثير في مواد معجمه.
ب - منهج ابن الأثير في النهاية:
اجتمع لابن الأثير قَدْرٌ غزيرٌ من نصوص الحديث والأثر، تحتاج إلى بيان ما فيها من غريب، كما تحتاج إلى منحى تنظيمي دقيق يجعل التعامل معها ميسوراً في مرحلة جَمْعِها، ثم تحريرها وضبط الإحالة عليها، وفيما يعقب ذلك من مرحلة الإفادة منها، والعودة إلى مادة منشودة منها. ويتضح لنا منهجه في"النهاية"من خلال المعالم التالية:
١ ـ إنّ اختيار منهج محدد يبدو أمراً لازماً، ولاسيما أنَّ طائفة من مصنَّفات"غريب الحديث"من قبله تفتقد المنهج الميسَّر المطَّرد في تنظيم مادتها، ويعتورها ضروب من العُسْرِ في استخراج حديث منها. فهل ينثر مادته من غير ترتيب معيّن، أو يذكر غريبه وَفْقَ المسانيد، كما هي طريقة أبي عبيد وابن قتيبة في مصنفهما المتقدم: "غريب الحديث"، أو وَفْقَ طريقة التقاليب والمخارج، كما هي طرف من طريقة أبي إسحاق الحربي في غريبه، أو وَفْقَ ترتيب الحروف الهجائية: أ، ب، ت، ث، ابتداءً من الحرف الأخير للكلمة، ثم العودة إلى الحرف الأول، كما هي طريقة الجوهري في"صحاحه"، أو وَفْقَ ترتيب الحروف الهجائية من الحرف الأول للكلمة، كما هي طريقة الهروي
стр. 31
في "الغريبين" والزمخشري في "الفائق"؟
لا ريب أنَّ الخبرة الواسعة في الصناعة المعجمية التي عَجَمت عود مؤلف في القرن السابع؛ كابن الأثير، منَحتْه خبرة واسعة في معالم كل طريقة ومحاسنها، وجعلته يُرَجِّح الطريقة الأخيرة، فهي يسيرة تتجاوز الصعوبات التي قد تكتنف الطرق الأخرى، فنَثْرُ المادة من غير ترتيب لا يُقرُّه أحدٌ لعسر استخراج المادة المنشودة، وقد لا يُدْرِك المُراجِعُ اسمَ الصحابي الراوي للحديث الغريب، كما أنَّه قد يجتهد طويلاً في قراءة مسند معيّن للوقوف على حديث منشود، كما أنَّ طريقة التقاليب والمخارج بما تحمله من صعوبةِ استخراج الغريب منها تجعله يتجنبها.
لقد حَدَّد ابن الأثير وجهته التي هو مُوَلِّيها، فهي ترتيب المادة وَفْقَ الحروف الهجائية. وقد كان تحت هذا الترتيب ثلاثة اتجاهات معجمية: فثمة من يُرَجِّح اختيار الحرف الأخير من الكلمة بعد تجريدها من الحروف الزائدة، ورَدِّ الحرف الأصليِّ المحذوف، ثم العودة إلى الحرف الأول من الكلمة. وثمة من يرجِّح اختيار الحرف الأول ابتداءً، ثم الحرف الثاني فالثالث؛ لأنَّه يحقق سهولة وسيرورة مباشرة في تصوُّر اللفظ المنشود؛ وذلك لأنه تَصَوُّرٌ سهل قريب، يبتعد عن سلوك تركيب عنصرين من عناصر التفكير، أولهما التوجُّه نحو الحرف الأخير، وثانيهما العودة إلى لفظ الحرف الأول، وهذا الترجيح في اختيار الحرف الأول هو الذي مضى عليه ابن الأثير.
أمَّا الاتجاه المعجمي الثالث الذي عزف عنه صاحب "النهاية" فهو: أنَّ الحديث الواحد قد يتضمن أكثر من مفردة غريبة، فهل يَسْرد النص كاملاً وفق الترتيب الهجائي لأول لفظٍ غريب، ثم يَذْكر اللفظ الغريب الثاني في
стр. 32
الموضع نفسه، كما فعل الزمخشري في"فائقه"، أو يُوَزِّع نصّ الحديث إلى مقطعات عديدة، فيذكر كل لفظ غريب وَفْقَ ترتيبه الهجائي الأول؟ وهو الذي اختاره ابن الأثير.
إنَّ اختيار ابن الأثير لهذا المنهج الدقيق يجعله يتجاوز مظاهر العسر التي تكتنف الطرق الأخرى، فطريقة المسانيد يصعب معها الاهتداء إلى الموضع المطلوب، ولا سيما إن جهل المراجِعُ اسم صاحب المسند، ولو عرفه لتعب في الوصول إليه، من خلال عشرات الأحاديث، التي يرويها ذلك الصحابي، وإن كان لدينا فهارس حديثة كاشفة، احتاج المراجِعُ إلى الوقوف على أحاديث كل مادة ليصل إلى مبتغاه من حديث معيّن، وفي ذلك هَدْرٌ كبير للوقت والجهد.
أمَّا طريقة التقاليب والمخارج فقد ثبت من خلال تجربة الخليل في كتاب"العين"والحربي في"غريبه" أنها وَعْرَة لا تتكشَّف المادة معها إلا بعدلأيٍ ونَصَب. وأمَّا طريقة الزمخشري في "فائقه" فتتميز بسهولتها لأنها تعتمد الحروف الهجائية، بيدَ أنَّ المُراجِع قد يجهل أول الحديث، فلا يَتَبَيَّن له موضع الغريب الأول الذي شرع فيه الزمخشريُّ ليجعلَه منطلقه، فينثر ما فيه من غريب؛ وذلك لأنَّ مادة الغريب في الحديث الواحد متعددة.
إنَّ الطريقة التي تَوَخَّاها ابنُ الأثير في معجمه "النهاية" تجعل من يقف على عتبته يصل إلى مبتغاه على نحوٍ ميسور، فلا يلزمه إلا أن يُجَرِّد اللفظة الغريبة من زوائدها، أو يردَّ لها الحرف المحذوف الأصلي، ثم يمضي في الوصول إلى الحرف الأول منها فالثاني، فالثالث، وَفْقَ ترتيب الحروف الهجائية المعهود: أ، ب، ت، ث. وقد رافق هذا الاختيار معالم كثيرة لتيسير تناوُل معجمه، كما
стр. 33
سيتبين لنا في تفصيل منهجه.
ويرى الدكتور حسين نصار (١) في دراسته حركة التأليف في صناعة المعاجم العربية من خلال مدرسة الحرف الهجائي الأول أنَّ معجم"أساس البلاغة"للزمخشري له فضل السبق إلى هذه الطريقة"، وكان ذلك للمرة الأولى في تاريخ المعاجم العربية العامة، وإن سبَقَتْه رسائل صغيرة"، ويزهو الزمخشري في مقدمة"أساس البلاغة"باهتدائه إلى هذا الترتيب فيقول (٢) : "وقد رُتِّب الكتابُ على أشهر ترتيبٍ مُتَداوَلاً، وأسهلهِ متَناوَلاً، يَهْجُم فيه الطالب على طَلِبَتِه، موضوعة على طرف الثُّمام (٣) وحَبْلِ الذِّراع، من غير أن يحتاج في التنقير عنها إلى الإيجاف والإيضاع (٤) ، وإلى النظر فيما لايُوصَل إلا بإعمال الفكر إليه". ولكن لا يفوتُنا أن نشير إلى أنَّ الهروي (ت: ٤٠١هـ) في "الغريبين" (٥) أسبق من الزمخشري (ت: ٥٣٨هـ) في"أساس البلاغة"، وإن كان اتجاه المصنِّفَيْن مختلفاً، فالهروي يضع معجماً في غريب الحديث، والزمخشري يضع معجماً لمفردات اللغة، ذلك أنَّ حقل التصنيف اللغوي يستوعب الاتجاهين معاً.
يبدأ معجم ابن الأثير بحرف الهمزة، ويندرج تحته عنوان بارز: "باب الهمزة مع الباء"، وتحت هذا العنوان مادة أَبب، ثم مادة أبد، ثم مادة أبر،
стр. 34
فمادة أبس، فمادة أَبض، وهكذا تبقى، ويراعي ترتيب الأوائل فالثواني فالثوالث داخل المادة الواحدة إن تَوافَرَتْ معها مادة من الأحاديث تُوَفَِّي ذلك.
٢ ـ دأب ابن الأثير على أن يكتفي بشرح اللفظة الغريبة التي تدخل في المادة اللغوية التي عقدها، فإن ورد غريبان أو أكثر في الحديث نفسه اكتفى بغريب الباب، وإن أراد المُراجِع معرفة باقي غريب الحديث الذي أورده فَلْيتتبَّعْ مَظانَّه في سائر المواد وَفْقَ حرفه الهجائي:
ففي حديث أُصَيْل الخزاعي (١) حين قَدِم عليه المدينة قال له: كيف تَرَكْتَ مكة؟ قال: تركتُها وقد أحْجَنَ ثُمامُها، وأَعْذَق إذخِرُها، وأَمْشَرَ سَلَمُها. فقال: "إيهاً أُصَيْلُ، دعِ القلوبَ تَقِرُّ" فقد اختار من نص الحديث لفظة"إيه"لأنها هي المَعْنِيَّة في ترتيب المواد وفق حروف المعاجم، فيشرحها بقوله: "أي: كُفَّ واسكت، ثم يُوَزِّع الألفاظ الغريبة في هذا الحديث على الحروف الهجائية المختلفة. وفي حديث صلاة الأوَّابين (٢) "حين تَرْمَضُ الفِصال" شرح لفظة"الأوَّابين"وأحجم عن شرح"تَرْمَضُ الفِصال".
وفي حديث سليمان (٣) : "احشروا الطير إلا الشَّنقاءَ والرَّنقاء والبُلَتَ"، شرح"البُلَتَ"بقوله: "طائر مُحْرِق الريش"، ولم يشرح الباقي.
بيد أنَّ ابن الأثير في أحيان نادرة يضطر إلى شرح ألفاظ الحديث
стр. 35
مجتمعةً"فإنَّه إذا فُرِّقَ لا يكاد يُفهم الغرض منه"وذلك كما في الحديث (١) : "وإنَّ ممَّا يُنْبِتُ الربيعُ ما يَقْتُلُ حَبَطاً أو يُلِمُّ، إلا آكلة الخَضِر فإنها أكلَتْ، حتى إذا امتدَّتْ خاصِرتاها استقبلَتْ عينَ الشمسِ فثَلَطَتْ وبالَتْ ثم رَتَعَتْ....".
وفي حديث الكوثر (٢) : "طِينُه المِسْكُ، ورَضْراضُه التُّوم" يقول: "الرَّضْراض: الحصى الصِّغار، والتُّوم: الدُّرُّ".
٣ ـ وقد يرى أحد علماء الغريب رأياً في جذر لفظةٍ من ألفاظ الغريب، فيورد ابن الأثير المادة اللغوية وَفْقَ مذهب من يخالفه، وَيُعَقِّب على ذلك بما يراه من وجهته صحيحاً. فقد أورد حديث حذيفة (٣) "لَتَبْتَلُنَّ لها إماماً" أي: لَتَخْتارُنَّ"
ثم قال: "هكذا أورده الهرويُّ في هذا الحرف، وجعل أصله من الابتلاء: الاختبار، وغيرُه ذكره في الباء والتاء واللام، وكأنه أشبه".
وقد يكون لِلَفْظِ الغريب روايتان أو أكثر، فيحرص ابن الأثير على ذِكْرِ هذه الروايات مكررةً بحسب مواردها اللغوية، بناءً على أنَّ المُراجِع قد يستحضر روايةً معينة، ولا يستحضر غيرها، فيعود إلى موضعها ليجدَها. فقوله ﷺ (٤) : "أعوذ بك من الحَوْر بعد الكَوْن"شرحه في مادة (كون) ثم قال: "ويروى بالراء: الكَوْر، وقد تقدم" (٥) .
стр. 36
٤ ـ ومن الطبيعي أن تَحْظَى بعض المواد اللغوية بغزارة أحاديثها وشواهدها، واختلاف دلالتها واستعمالاتها ومقاصدها، فتجد في المادة اللغوية الواحدة عشرات النصوص من أحاديث الغريب، وذلك من مثل: هود، خلف، ركب، دين، دخل، سمع، وفي مقابل ذلك قد لا يتوافر في بعض المواد أكثر من حديث غريب واحد في المادة من مثل: رصح، رصغ، رتت، رتم، رثأ.
وقد يورد مادةً لغويةً ولا يذكر ضمنَها أيَّ حديث، وإنما يشير إلى تكرار ذكر لفظة معينة، فيتحدث عنها مفردةً، كقوله في"هَلُمَّ (١) : "قد تكرر في الحديث ذكر"هَلُمَّ"ومعناه: تعال، ومنه لغتان، فأهل الحجاز يُطْلقونه على الواحد والجميع والاثنين والمؤنث، بلفظ واحد مبني على الفتح، وبنو تميم تُثَنِّي وتجمع وتؤنث فتقول: هلُمَّ وهَلُمّي وهَلُمَّا وهَلُمُّوا".
وكقوله (٢) : "تكرر ذكر التوكل في الحديث، يقال: تَوَكَّل بالأمر إذا ضَمن القيام به، ووكَلْتُ أمري إلى فلان أي: ألجأته إليه، واعتمدت فيه عليه. وكقوله (٣) : "قد تكرر ذكر"المُزْن"وهو الغيم والسَّحاب، واحدته مُزْنة. وقيل: هي السحابة البيضاء".
٥ ـ ومن معالم منهجه أنه يحرص على تعيين موارده التي يستقي منها، وذلك شأن المحقق الذي يسبر هذه الموارد، ويقف على أقوال صاحبها؛ ليُمَكِّنَ المُراجعَ من مراجعة المسائل العلمية في مظانِّها، ويدرس ما هو مبثوث
стр. 37
فيها من أقوال. ففي الحديث (١) "أتاكم أهل اليمن هم أرقُّ قلوباً وأبخَعُ طاعة" يقول: "أي: أبلغُ وأنصحُ في الطاعة من غيرهم. قال الزمخشري: "هو من بَخَع الذبيحة إذا بالغ في ذبحها، وهو أن يقطع عَظْمَ رقبتها ويبلُغ بالذبح البِخَاع -بالباء- وهو العِرْقُ الذي في الصُّلب، والنَّخْع بالنون دون ذلك. هكذا ذكره في كتاب"الفائق في غريب الحديث"، وكتاب"الكشاف"في تفسير القرآن، ولم أجده لغيره، وطالما بحثت عنه في كتب اللغة والطب والتشريح فلم أجد البِخَاع بالباء مذكوراً في شيء منها".
وعرض لحديث علي (٢) ﵁ "فبعث الله السكينة، وهي ريح خَجُوجٌ فتطوَّقَتْ بالبيت"، ويقول: "وأصل الخَجِّ الشَّق، وجاء في كتاب"المعجم الوسيط"للطبراني عن علي ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: السكينة ريحٌ خجوج".
وذكر حديث جرير (٣) : "حتى رأيت وجه رسول الله ﷺ يتهلل كأنَّه مُذْهَبَةٌ"يقول: هكذا جاء في سنن النسائي، وبعض طرق مسلم، والرواية بالدال المهملة والنون، فإن صحَّت الرواية فهي من الشيء المُذْهَب".
وقد يُعَيِّن موارده من خلال تحديد المصنِّف الذي أخرج الأثر، فقد أورد حديث (٤) ابن عباس ﵁"أرض الجنة مَسْلوفة". ثم قال: "هكذا
стр. 38
أخرجه الخطابي والزمخشري عن ابن عباس، وأخرجه أبو عبيد عن عُبيد بن عمير الليثي، وأخرجه الأزهري عن محمد بن الحنفية".
ويذكر حديث (١) أسيد بن مظعون "طِرْت بغنائها وفُزْت بحيائها" يقول: هكذا ذكره الدارقطني من طرق في كتاب"ما قالت القرابة في الصحابة"، وفي كتاب"المؤتلف والمختلف"، وكذلك ذكره ابنُ بَطَّة في الإبانة".
ومن الطبيعي أن يستقي ابن الأثير جُلَّ النصوص التي يستشهد بها على مادته اللغوية، من الحديث الشريف نفسه، وكان من منهجه أن يسوق شواهد عديدة منه، تتفق وحديثَ الباب الذي انطلق منه، وكان يحرص على بيان الصلة التي تربط بين هذه الشواهد.
ففي مادة (أشر) يورد في الخيل حديث (٢) : "ورجل اتخذها أشَراً وبَذَخاً" ثم يقول: الأشَرُ: البطَر، ومنه حديث الزكاة"كأَغَذِّ ما كانت وأسمَنِه وآشَرِه". أي: أبطرِه وأنشطِه، ومنه حديث الشعبي: "اجتمع جوارٍ فأَرِنَّ وأَشِرْنَ".
وفي مادة (حثل) يورد حديث (٣) : "لا تقوم الساعة إلا على حُثالةٍ من الناس" ثم يقول: "الحُثالة الرديء من كل شيء". ومنه الحديث: "كيف أنت إذا بَقِيتَ في حُثالة من الناس" يريد: أراذلهم، ومنه الحديث: "أعوذ بك من أن أبقى في حَثْلٍ من الناس".
وفي مادة (نضب) يورد حديث (٤) : "ما نضب عنه البحر وهو حيٌّ
стр. 39
فمات فكُلوه". يقول: "نَضَبَ الماءُ: إذا غار ونَفِد"، ومنه الحديث: "كنَّا على شاطئ النهر بالأهواز وقد نَضَبَ عنه الماء". وقد يُستعار للمعاني، ومنه حديث: "نَضَبَ عُمْرُه"أي نَفِدَ".
وفي مادة (دأل) يورد حديث خزيمة (١) : "إنَّ الجنة محظورٌ عليها بالدآليل". ويقول: "أي: بالدواهي والشدائدِ. وهذا كقوله: "حُفَّت الجنةُ بالمكاره".
وفي مادة (نكر) يورد حديث أبي سفيان (٢) : "إنَّ محمداً لم يُناكِرْ أحداً قطُّ إلا كانت معه الأهوالُ". ويقول: "أي: لم يحارب، والأهوالُ: المخاوِفُ"
ولم يكن ابن الأثير يحرص على أن يستشهد على معنى الغريب الذي عقد له المادة اللغوية بالقرآن الكريم، ومن هنا ندرت الشواهد القرآنية في"النهاية". ومن ذلك استشهاده بقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾ [الإسراء الآية: ٢٠] على مادة الحَظْر بمعنى المنع (٣) .واستشهاده بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيّاً﴾ [يوسف الآية: ٨٠] على مادة (خلص) (٤) أي: تميَّزُوا عن الناس متناجِين.
وقد يركن إلى بعض القراءات المتواترة أو الشاذة ليُجلي المعنى الذي يذهب إليه في شرح غريبه. ففي مادة (طيف) يقول (٥) : "وأصل الطَّيف الجنون، ثم استعمل في الغضب ومَسِّ الشيطان ووسوسته، ويقال له: طائف.
стр. 40
وقد قرئ بهما قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ [الأعراف الآية: ٢٠١] (١) ، وفي الحديث (٢) : "أنشدك اللهَ لمَّا فعلتَ كذا"، يقول: أي: إلا فَعَلْته، وتُخَفف الميم وتكون"ما"زائدة. وقُرئ بهما قولُه تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق الآية: ٤] (٣) أي: ما كل نفس إلا عليها حافِظ، وإن كلُّ نفسٍ لعليها حافظ".
وفي حديث فَضالة (٤) : "حتى يقول الأعراب مجانينُ أو مجانُون". يقول: "المجانين جمع تكسير لمجنون، وأمَّا مجانون فشاذٌّ كما شَذَّ شياطون في شياطين، وقد قُرئ: "واتَّبَعوا ماتتلو الشياطون" (٥) .
أما شواهده من الشعر العربي الفصيح، فقد عني بها ابن الأثير عناية واضحة، وكان يوردها في المادة اللغوية التي عقدها، فيشرحها أو يُوردها ليؤكِّد معنىً ذهب إليه في شرح غريبه، ومن ذلك قوله في مادة (بدر) في حديث المبعث"فرجَعَ بها ترجُفُ بوادِرُه". (٦) هي جمع بادِرَة، وهي لَحْمَةٌ بين المَنكِب والعنق، والبادِرَة من الكلام الذي يسبق الإنسان إليه في الغضب. ومنه