Полный текст (1 102 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
وَلَنْ يَبْرَحَ الْمَرءُ فِي رَقْدَةٍ … يَغِطُّ إِلَى أْنْ يُوَافِي الْمُنوْنَا
فَتُوْقِظُهُ عِندَهَا رَوْعَة … تَقَطّعُ مِنْهُ هُنَاكَ الوَتِيْنَا
وَإذْ ذَاكَ يَدْرِي بِمَا كَانَ فِيْهِ … وَتَجْلُو الْحَقَائِقُ مِنْهُ الظُّنُونَا
انتهى.
تُغَازِلُنِي الْمَنِيَّةُ مِنْ قَرِيْبِ … وَتَلْحَظُنِي مُلَاحَظَةَ الرَّقِيْبِ
وَتَنْشُر لِي كِتَابًا فِيْهِ طَيِّي … بِخَطِ الدَّهْرِ أَسْطُرُه مَشِيْبِي
كِتابٌ فِي مَعَانِيهِ غُموضٌّ … يَلُوْحُ لِكُلِّ أَوَّابٍ مُنِيْبِ
أَرَى الأَعْصَارَ تَعْصُر مَاءَ عُوْدِي … وَقَدْمًا كُنْتُ رَيَّانَ القَضِيب ِ
أَدَالَ الشَّيبُ يَا صَاحِ شَبَابِي … فَعُوِّضْتُ البَغِيضَ مِن الْحَبِيبِ
وَبُدَّلْتُ التَّثَاقُلَ مِن نَشَاطِي … وَمِنْ حُسْنِ النَّضَارَةِ بِالشُّحُوبِ
كَذَاكَ الشَّمْسُ يَعْلُوهَا اصْفِرارٌ … إِذَا جَنَحَتْ وَمَالَتْ لِلْغُروبِ
تَحَارِبُنا جُنودٌ لَا تُجَارى … وَلا تُلَقى بِآسادِ الْحُرُوبِ
هِي الأَقْدَار وَالآَجَالُ تَأْتِي … فَتَنْزِلُ بِالْمُطَبِّبُ وَالطَّبِيْبِ
تَفَوق أَسْهُمًا عَن قَوْسِ غَيْبٍ … وَمَا أَغْراضُها غَيْرُ القُلوبِ
فَأِنِّى بِاحْتِراسٍ مِن جُنودٍ … مُؤيَّدَةٍ تُمَدُّ مِن الغُيُوبِ
وَمَا آسى عَلَى الدُّنْيَا وَلَكِن … عَلَى مَا قَدْ رَكِبْتُ مِن الذُّنُوْبِ
فَيَا لَهْفِي عَلَى طُوْلِ اغْتِرَارِي … وَيَا وَيْحي مِن اليَوْم العَصِيْبِ
إِذَا أَنَا لَمْ أَنُحْ نَفْسِي وَأَبْكِي … عَلَى حُوبَي بِتَهْتَانٍ سَكَوُبِ
فَمَنْ هَذَا الَّذِي بَعْدي سَيَبْكِي … عَلَيْهَا مِنْ بَعِيْدٍ أَوْ قَرِيْبِ؟
стр. 1052
آخر:
فَأَمْسَوا رَمِيْمًا فِي التُّرابِ وَعُطلتْ … مَجَالِسُهُمْ مِنْهُمْ وَأخليّ الْمَقَاصِرُ
وَحَلُّوا بِدَارٍ لَا تَزَاوُرَ بَيْنَهُمْ … وَأَنَّى لِسُكَانَ القُبُورِ التَّزَاوُرُ
فَمَا أَنْ تَرَى إِلاَّ قُبُورًا ثَوَوا بِهَا … مُسَطحَةً تَسْفِيْ عَلَيْهَا الأَعَاصِرُ
فَمَا صَرَفَتْ كَفَّ الْمَنِيَّةِ إِذْ أَتَتْ … مُبَادَرَةٌ تَهْوي إِلَيْهَا الذَّخَائِرُ
آخر:
فَإِنْ تَكُ مِن أَهْلِ السَّعَادَةِ وَالتُّقَى … فَإِنَّ لَهَا الْحُسْنى بِحُسْنِ فِعَالِهَا
تَفُوزُ بِجَنَّاتِ النَّعِيْمِ وَحُورُهَا … وَتُحْبَرُ فِي رَوْضَاتِها وَظِلَالِهَا
وُترزق مِمَّا تَشْتَهِي مِنْ نَعِيْمِهَا … وَتَشْرَبُ مِن تَسْنِيْمَهَا وَزلالِهَا
وَإِنَّ لَهُم يَومُ الْمَزِيْدِ لِمَوْعِدًا … زِيِادَةُ زُلْفَى غَيُرُهُم لَا يَنَالُهَا
وُجُوهٌ إِلَى وَجْهِ الإِلَهِ نَوَاظِرٌ … لَقَدْ طَالَ مَا بِالدَّمْعِ كَانَ ابْتِلالَهَا
تَجَلَى لَهَا الرَّبُ الرَّحِيمُ مُسَلّمًا … فَيزْدَادُ مِن ذَاكَ التَّجلي جَمَالُهَا
بِمَقْعَد صِدْق حَبَّذا الْجُارُ رَبَّهُمْ … وَدَار خُلُود لَمْ يَخَافُوا زَوَالُهَا
فَواكِهُهَا مِمَّا تَلَذُّ عُيُونُهُمْ … وَتَطَّرِدُ الأَنْهَارُ بَيْنَ خِلَالِهَا
عَلَى سُرُر مَوضُونَةٍ ثَم فُرْشُهُمْ … كَمَا قَالَ فِيْهَا رَبَّنَا وَاصِفًا لَهَا
بَطَائِنَهَا استَبْرَق كَيْفَ ظَنُّكُم … ظَوَاهِرهَا لَا مُنْتَهى لِجَمَالِهَا
انتهى
стр. 1053
آخر:
قال ﵀: في وصف العلم ووصية طلابه:
العِلمُ أَعْلَى وَأَحْلَى مَالَهُ اسْتَمَعَتْ … أَذْن وَأَعُرَبَ عَنْه نَاطِقٌ بِفَمِ
العِلمُ غايته القصوى وَرتبته … العلياءَ فَاسَعُوا إِلَيْهِ يَا ذَوي الْهِمَمِ
العِلمُ أَشْرَفُ مَطْلُوبٍ وَطَالِبُهُ … للهِ أَكَرمَ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمِ
العِلمُ نُورٌ مُبِيْنٌ يَسْتَضِيء بِه … أَهْل السَّعادة وَالْجَهَالِ فِي الظُلمِ
العِلمُ أَعْلَى حَيَاة لِلعِبَادِ كَمَا … أَهْل الْجِهِالِة أَمواتٌ بِجِهَلهِمِ
العِلمُ وَاللهِ مِيراثُ النُبُوةِ لَا … مِيرَاثَ يُشْبَهُه طُوبَى لِمقتَسِمِ
لأَنَّهُ إِرْثُ حَقِّ دَائمٍ أَبَدًا … وَمَا سِواهُ إِلَى الإِفُناءِ وَالعَدمِ
العِلمُ مِيزانُ شِرعِ اللهِ حَيْثُ بِهِ … قِوامُهُ وَبدونِ العِلْمِ لَمْ يقمِ
وَسُلطةُ العِلمِ تَنْقَادُ القُلُوبُ لِهَا … إِلَى الْهُدَى وَإِلَى مَرْضَاةِ ربِّهِمِ
وَيَذْهَبُ الدِّين وَالدُّنْيَا إِذَا ذَهَبَ العِـ … ـلمُ الَّذِي فِيْهِ مَنْجَاةٌ لِمُعْتَصِمِ
العِلمُ يَا صَاح يَسْتَغْفِرْ لِصَاحِبْه … أَهْل السَّمَواتِ وَالأَرْضِيْنَ مِن لَمِمِ
كَذاكَ تَسْتَغْفِرُ الْحِيَتانُ فِي لُجَجٍ … مِن البِحارِ لَهُ فِي الضَّوءِ وَالظَلَمِ
وَخِارجَ فِي طِلَابِ العِلمِ مُحْتَسبَا … مُجِاهدُ فِي سَبيلِ الله أَيَّ كَمِيِ
وَأَنَّ أَجْنِحَةَ الأمْلاكِ تَبْسُطُهَا … لِطَالبيه رِضًى مِنْهُمُ بِصُنعهمِ
وَالسَّالكون طَريق العِلم يَسلكهم … إِلَى الجنانِ طَريقًا بَارئ النَّسِمِ
والسَّامع العلم وَالواعَي ليحفظه … مؤديا ناشرا إياه فِي الأممِ
فَيَا نَضَارَتِه إذ كَانَ مُتَّصِفًا … بذَا بَدَعوةِ خيرِ الخلقِ كُلِّهُمِ
стр. 1054
كَفَاكَ فِي فَضْلِ أَهْل العِلمِ أنْ رُفُعُوا … من أجْلِهِ درجات فَوقَ غيرهمِ
وكَانَ فضل أبينا فِي القَدِيْمِ عَلَى … الأَملَاكِ بالعِلمِ مَن تَعِليم رِبِّهِمِ
كَذَاك يُوسُف لَمْ تظهر فضيلته … للعالمين بغير العِلمِ وَالحكمِ
وَقَدَّمَ الْمُصْطَفَى بِالعِلمِ حَامِلَهُ … أَعْظِم بِذِلِكَ تَقْدِيْمًا لِذِي قَدمِ
كَفَاهُمُوا أَنْ غَدَوا لِلوَحْي أَوْعِيَة … وَأضْحَتِ الآَيْ مِنْهُ فِي صَدُوُرهِمِ
وَأنْ غَدَوا وَكلاءِ فِي القِيامِ بِهِ … قَولاً وَفعِلا وَتعُلِيْما لِغيرهِمِ
وِخصَّهُم رَبُّنَا قَصْرًا بِخَشْيَتِه … وَعَقْلِ أَمْثَالِهِ فِي أَصْدَقِ الكِلمِ
وَمَعْ شِهَادِتِه جَاءَتْ شِهَادَتُهُم … حَيثُ اسَتجابوا وَأَهْل الجهِل فِي صَمَمِ
وَالعَالمِونَ عَلَى العِبَادِ فَضْلَهُم … كالبدر فضلا عَلَى الدري فاغتنمِ
وَبالمهم المهم ابدأ لتدركه … وقدم النص عَلَى الآراء فافتهمِ
قدم وَجوبا علوم الدِّين إن بها … يبين نَهْجِ الْهُدَى مِن مُوْجِب النَّقْمِ
وَكُلُّ كَسْرِ الفَتَى فَالدِّين جَابِرُهُ … وَالكَسْرُ فِي الدِّين صَعْب غَيْر مُلْتَئِمِ
مَا العِلمُ إِلاَّ كِتَابُ اللهُ أَوْ أَثْر … يَجْلو بِنُورِ هُدَاه كَل مُنْبَهِمِ
ما تَمُّ عِلْمٌ سِوى الوَحْيُ المبين وَما … مِنْهُ اسْتَمَدَ أَلا طُوبَى لِمُغْتَنِمِ
والكَتْمُ لِلعِلمِ فَاحذَر إِنْ كَاتَمَهُ … فِي لَعْنَةِ اللهِ وَالأقوام كُلّهمِ
وَمِنْ عُقُوبَتِه أنْ فِي الْمِعَادِ لهُ … من الجَحِيْم لجاما لَيْسَ كاللجمِ
وكاتم العلم عمن لَيْسَ يَحْمِلْهُ … مَاذَا بِكِتْمَانْ بَل صَوْنُ فَلَا تَلُمِ
وإِنَّمَا الكَتْم مَنْعُ العِلمِ طَالَبَهُ … مِن مُسْتَحِق لَهُ فَافْهَمْ وَلَا تَهِمِ
وَأَتْبِعِ العِلمَ بِالأعْمَالِ وَادعُ إِلَى … سَبِيْلِ رَبِّكَ بِالتِّبْيَانِ وَالْحِكَمِ
وَاصْبِر عَليَ لَاحِقٍ مِن فِتْنَةٍ وَأَذَى … فِيْهِ وَفي الرُّسِلِ ذِكْرَى فَاقتَدِه بِهِمِ
стр. 1055
لَوَاحِدَ بِكَ يَهْدِيْهِ الإِلَه لِذَا … خَيْرٌ غَدًا لَكَ مِن حُمُرِ مِن النَّعَمِ
وَاسْلُكْ سَواءَ الصِّراطِ الْمُسْتَقِيْم وَلا … تَعْدلْ وَقُلْ: رَبِّيَ الرَّحْمَنُ وَاستَقِمِ
يَا طالبَ العِلمِ لَاتَبْغَيِ بِهِ بَدَلاً … فَقَدْ ظَفَرْتَ وَربِّ اللوحِ وَالقَلَمِ
وَقَدِّسِ العِلمَ وَاعرِفْ قَدْرَ حُرْمَتِه … فِي القَوْلِ وَالفِعْلِ وَالأَدَبِ فَالتَزِمِ
واجْهَدْ بِعَزْمٍ قَويٍ لَا انْثِنَاءَ لَهُ … لَو يَعْلَمُ الْمَرءُ قَدْرَ العِلمِ لَمْ يَنَمِ
وَالنُّصْحُ فَابذُله لِلطلاَّبِ مُحْتَسِبًا … فِي السِّر وَالْجَهْرِ وَالأَسْتَاذَ فَاحْتَرِمِ
وَمَرْحَبًا قُلْ لِمَنْ يَأْتِيْكَ يَطْلُبه … وَفِيْهِم احفَظ وَصَايَا الْمُصْطَفَى بِهِمِ
وَالنِّيَة اجعَل لِوَجْهِ اللهِ خَالِصَةً … إِنَّ البناءَ بِدون الأَصْلِ لَمْ يَقُمِ
وَمَنْ يَكُنَ لِيقولَ النَّاس يَطْلُبُه … اخْسر بِصَفْقَتِهِ فِي مَوْقِفِ النَّدَمِ
وَمَنْ بِهِ يَبْتَغِيْ الدُّنْيَا فلَيْسَ لَهُ … يَوْمَ القِيَامَةِ مِنْ حَظٍّ وَلَا قِسمِ
إِيَّاكَ وَاحذر ممارات السَّفِيْهِ بِهِ … كَذَا مُبَاهَات أَهْلِ العِلمِ لَا ترمِ
فَإنََّ أَبْغَضَ كُلَّ الْخَلقِ أَجْمَعُهُم … إِلَى الإِلَهِ أَلَدُّ النَّاسِ فِي الْخِصْمِ
وَالعُجْبَ فاحْذَرهُ إِنَّ العَّجْبَ مُجْتَرفُ … أَعْمالَ صَاحِبِهِ فِي سَيْلِهِ العَرِمِ
انتهى.
آخر:
ضَيَّعْتَ عُمْرَكَ يَا مَغْرُورُ فِي غَفَلٍ … قُمْ لِلتَّلَاقِي فَأَنْتَ اليَوْم فِي مَهَلِ
واسْتَفْرِغِ الدَّمعَ مِمَّا فَاتَ مِن زَمِنٍ … وَانْدُبْ بِتَوبِةٍ عَلَى أَيَّامِكَ الأُولِ
بَادِر إِلَى صَالِحِ الأَعْمَالِ مُجْتَهِدًا … فَالنَّجْحُ فِي الْجِّدِ وَالْحِرْمَانُ فِي الكَسَلِ
كُنْ لَا محالةَ فِي الدُّنْيَا كَمُغْتَرِبٍ … عَلَى رَحِيْلٍ دَنَا أَوْ عَابر السُّبلِ
دَارُ الْخُلُودِ مَقَامًا دَارُ آخرةِ … إِنَّ الإِقَامةَ فِي الدُّنْيَا إِلَى أَجَلِ
стр. 1056
وَكُلُّ مَنْ حَلَّ فِي الدُّنْيَا فَمُرْتَحِلُ … يَوْمًا لمنْزِلة فِي إثْرِ مُرْتَحِلِ
هَلا اعْتَبَرتَ فَكَمْ حلوا وَكم رَحِلُوا … وإِنَّمَا النَّاس فِي حِلٍّ وَمرتَحَلِ
إذَا تَجَهَّم أَمر لَا مَرَدَّ لَهُ … لَمْ يُغْنِ عَنْكَ اقْتِنَاءُ الْمَالِ وَالْحُلُلِ
يَقُومُ عَنْكَ الأَطْبَّاءُ وَالصَّدِيْقُ إِذًا … وَقَد طَوَوا صُحُفَ التَّدْبِيْرِ وَالْخَيُلِ
فَيَدْرجُونَكَ فِي الأَكْفِانِ مُنْتزعًا … عَنْكَ الثِّيَابُ مِن الأَبْرادِ وَالْحُلَلِ
وَيودعُونَكَ تَحْتَ الأَرْضِ مُنْفَردًا … وَيَتْركُونَكَ مَحْجُوبًا مِن الْمُقِلِ
وَقَائِلُ مِنْهُمُ قَدْ كَانَ خَيْرَ أَبٍ … وَقَائِل مَنْهُم قَدْ كَانَ خَيْرَ وَلِي
فَبَعْدَ ذَلِكَ لَا يَدْرُونَ مَا فَقَدُوا … وَهَمُّهُم فِي اقْتِسَامِ الإرْثِ بِالْجَدَلِ
وَبَعْضُهُم مَعَ بَعْضٍ فِي مُخَاصَمَةٍ … وَإِنَّهُم بَيْنَ مَنْصُورٍ وَمُنْخَذِلِ
ويَأخُذُونَ قَرِيْبًا فِي مَعَايِشِهِمْ … لَا يَذْكُرُوْنَكَ فِي خِلْوٍ وَمُحْتَفَلِ
يَا أَيُّهَا الغرُّ لَا تَغُرُرْكَ صُحْبَتُهُمْ … خَيْرُ الْمُصَاحبِ عِنْديّ صَالِحُ العَمَلِ
فِيْمَ التَّغَافُلُ وَالأَيَّامُ دَائِرة … فِيْمَ التَّكَاسُلُ وَالأحوالُ فِي حَوَلِ
فِيْمَ العَويلُ لدى دَار خَلَتْ وَعَفَّتْ … فِيْمَ البُكَاءُ عَلَى الآَثَارِ وَالطُّلَلِ
فِيْمَ التَّصَابِي وَأَيَّام الصِبَا غَبَرَتْ … فِيْمَ النَّسْيبُ وَلَا إِبانَ لِلْغَزلِ
فكَيْفَ تَلْعَبُ وَالْخَمْسُونَ قَدْ كَمُلَتْ … وَكَيْفَ تَلْهُوْ وَنَارُ الشَّيْبِ فِي شُعَلِ
دَعْ ذِكْر لَيْلَى وَلِبنَى وَازَدِيَادِهِمَا … ثَم ارتِحَالِهما مِن هَذِه الْحلِلِ
تِلْكَ الغَوِانِي وَإنْ أَخْلَصْنَ خُلّتَها … وَاللهِ لَسْنَ بَرْيِئاتٍ مِن الدَّخِلِ
حُبُّ الأَحِبَّةِ حِرمَانِ وَمَنَدمَةٌ … فَالغُولُ عَاقِبْةً للشَّاربِ الثَّمِلِ
يَا رَبَّ صَلِّ وَسَلَّم دَائِمًا أَبَدًا … عَلَى نَبيِّكَ طَهَ سِيِّدِ الرُّسُلِ
стр. 1057
فصل
قال أحد العلماء: لا يكن هم أحدكم في كثرة العمل، ولكن ليكن همه في إحكامه واتقانه وتحسينه.
فإن العبد قد يصلي وهو يعصي الله في صلاته، وقد يصوم وهو يعصي الله في صيامه.
وقيل لآخر: كيف أصبحت فبكى، وقال أصبحت في غفلة عظيمة عن الموت مع الذنوب كثيرة قد أحاطت بي، وأجل يسرع كل يوم في عمري، وموئل لست أدري علاما أهجم ثم بكى.
وقال آخر: لا تغتم إلا من شيء يضرك غدا أي في الآخرة ولا تفرح بشيء لا يسرك غدا، وأنفع الخوف ما حجزك عن المعاصي، وأطال الحزن منك على ما فاتك من الطاعة، وألزمك الفكر في بقية عمرك.
وقال آخر: عليك بصحبة من تذكرك الله رؤيته، وتقع هيبته على باطنك، ويزيد في عملك منطقه. ويزهدك في الدنيا عمله، ولا تعصي الله ما دمت في قربه، يعظك بلسان فعله ولا يعظك بلسان قوله.
قال إسرافيل: حضرت ذي النون المصري وهو في الحبس وقد دخل الشرطي بطعام له، فقام ذو النون فنفض يده أي (قبضها عن الطعام) فقيل له: إن أخاك جاء به، فقال: إنه على يدي ظالم، قال: وسمعت رجلا سأله ما الذي أتعب العباد وأضعفهم؟ فقال: ذكر المقام وقلة الزاد، وخوف الحساب، ولم لا تذوب أبدان العمال وتذهل عقولهم، والعرض على الله جل وعلا أمامهم، وقراءة كتبهم بين أيديهم.
стр. 1058
والملائكة وقوف بين يدي الجبار ينتظرون أمره في الأخيار والأشرار، ثم مثلوا هذا في نفوسهم وجعلوه نصب أعينهم.
وقال: سقم الجسد في الأوجاع، وسقم القلوب في الذنوب، فكما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمه، كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع الذنوب.
وقال: من لم يعرف قدر النعم، سلبهامن حيث لا يعلم. ما خلع الله على عبد خلعة أحسن ولا أشرف من العقل ولا قلده قلادة أجمل من العلم ولا زينة بزينة أفضل من الحلم وكمال ذلك التقوى.
وقال آخر: أدركت أقواما يستحيون من الله في سواد الليل من طول الهجعة إنما هو على الجنب فإذا تحرك قال لنفسه: ليس لك قومي خذي حظك من الآخرة.
وقال أبو هاشم الزاهد: إن الله وسم الدنيا بالوحشة ليكن أنس المريدين به دونها، وليقبل المطيعون له بالإعراض عنها، وأهل المعرفة بالله فيها مستوحشون، وإلى الآخرة مشتاقون.
ونظر أبوهاشم إلى شريك القاضي يخرج من دار يحي بن خالد فبكى، وقال: أعوذ بالله من علم لا ينفع.
وقال أسود بن سالم: ركعتان أصليهما أحب إلي من الجنة بما فيها فقيل له هذا خطأ.
فقال: دعونا من كلامكم رأيت الجنة رضا نفسي، وركعتين أصليهما رضا ربي، ورضاء ربي أحبي إلي من رضا نفسي، تأمل ياأخي دقة هذا الفهم لله دره.
стр. 1059
وقال وهيب: الإيمان قائد، والعمل سائق، والنفس بينهما حرون، فإذا قاد القائد ولم يسق السائق لم يغن ذلك شيئا. وإذا ساق السائق ولم يققد القائد لم يغن ذلك شيئا، وإذا قاد القائد وساق السائق اتبعته النفس طوعا وكرها وطاب العمل.
قال بعضهم يوبخ نفسه ويعظها: يا نفس بادري بالأوقات قبل إنصرامها واجتهد في حراسة ليالي الحياة وأيامها.
فكأنك بالقبور قد تشققت وبالأمور وقد تحققت، وبوجوه المتقين وقد أشرقت وبرءوس العصاة وقد أطرقت قال تعالى وتقدس: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ يا نفس أما الورعون فقد جدوا وأما الخائفون فقد استعدوا، وأما الصالحون فقد فرحوا وراحوا وأما الواعظون فقد نصحوا وصاحوا.
العلم لايحصل إلا بالنصب والمال لا يجمع إلا بالتعب، أيها العبد الحريص على تخليص نفسه إن عزمت فبادر وإن هممت فثابر واعلم أنه لا يدرك العز والمفاخر من كان في الصف الآخر.
دَبُّوا إِلَى الْمجدِ وَالساعُونَ قَدْ بَلغُوا … جُهْدَ النُفُوسِ وَشَدُّوا دُوْنَه الأَزُرَا
وَسَاوَرا الْمجدَ حَتَّى مَلَّ أَكْثَرُهُم … وَعَانَقَ الْمَجْدَ مَن وَافِى وَمَنْ صَبَرا
لَا تَحْسَبِ الْمَجدَ تَمْرًا أَنْتَ آَكلُه … لَنْ تَبْلُغَ المجد حَتَّى تلعَق الصَّبِرَا
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم
اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين أن ظلم العبد نفسه يكون بترك ما
стр. 1060
ينفعها وهي محتاجة إليه وذلك فعل ماأمر الله به وبفعل ما يضرها، وذلك المعاصي كلها.
كما أن ظلم الغير كذلك إما بمنع حقه أو التعدي عليه، فإن الله أمر العباد بما ينفعهم ونهاهم عما يضرهم.
وجاء القرآن بالأمر بالإصلاح والنهي عن الفساد، والصلاح كله طاعة والفساد كله معصية.
وقد لا يعلم كثير من الناس ذلك على حقيقته فعلى المؤمن أن يأمر بكل مصلحة وينهي عن كل مفسدة.
وكل ما أمر الله به راجع إلى العدل وكل ما نهى عنه راجع إلى الظلم.
والظلم الذي حرمه الله على نفسه أن يترك حسنات المحسن فلا يجزيه به، أو يعاقب البري على ما لم يفعله من السيئات.
أو يعاقب هذا بذنب غيره، أو يحكم بين الناس بغير العدل ونحو ذلك مما ينزه الله جل وعلا عنه وذلك لكمال عدله وحمده.
ومن أسباب قوة الإيمان ونوره سماع القرآن وتدبره ومعرفة أحوال النبي ﷺ ومعجزاته.
والنظر في آيات الله والتفكر في ملكوت السموات والأرض والتأمل في أحوال نفس الإنسان ومثل رؤية أهل الإيمان والنظر في أحوالهم ونحو ذلك.
للهِ دَرُّ رِجَالٍ وَاصَلُوا السَّهَرا … وَاسْتَعْذَبُوا الوَجْدَ وَالتَّبْرِيْحَ وَالفِكَرا
فُهُمْ نُجُومُ الْهَدَي وَاللَّيْلُ يَعْرِفُهُم … إِذْا نَظَرْتَهُمُوا هُمْ سَادَةٌ بُرَرَا
كُلُّ غَدَا وَقتهُ بِالذِّكْرِ مُشْتَغِلا … عَمَّا سِوَاهُ وَللَّذَاتِ قَدْ هَجَرَا
стр. 1061
يُمْسي وَيُصْبِحُ فِي وَجْدٍ وَفي قَلَقٍ … مِمَّا جَنَاهُ مِن العِصيان مُنْذَعِرَا
يَقُولُ يَا سَيِّدِي قَدْ جِئْتُ مُعْتَرِفًا … بِالذَّنْبِ فَاغْفِرْهُ لِي يِا خَيْر مِن غَفَرَا
حَمَلْتُ ذَنْبَا عَظِيْمًا لَا أَطِيْقُ لَهُ … وَلَمْ أَطِعْ سَيِّدِي فِي كُلِّ مَا أَمَرَا
عَصَيْتُهُ وَهْوَ يُرخي سِتْرَهُ كَرَمًا … يَا طَالَما قَدْ عَفَا عَنِّي وَقَدْ سَتَرا
وَطَالَمَا كَانَ لِي فِي كُلِّ نَائِبَةٍ … إِذا اسْتَغَثْتُ بِهِ مِنْ كُرْبةٍ نَصَرا
وَأَنَّنِي تَائِبٌ مِمَّا جَنَيْتُ وَقَدْ … وَافَيْتُ بَابَكَ يَا مَوْلَايَ مُعْتَذرًا
لَعَلَّ تَقْبَلَ عَذْرِي ثم تَجْبُرُنِي … يَوْمَ الحِسَابِ إِذْا قَدَّمْتُ مُنْكَسِرا
وَقَدْ أَتَيْتُ بَذُل رَاجِيًا كَرَمًا … إِلَيْكَ يَا سَيِّدِي قَدْ جِئْتُ مُفْتَقِرَا
اللهم أجرنا من النار وأدخلنا الجنة مع الأبرار برحمتك يا عزيز يا غفار، اللهم استر عوراتنا وأمن روعاتنا وأقلنا من عثراتنا ولا تفضحنا بين يديك يا أرحم الراحمين وصلي الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
فصل
قال محمد بن مهدي: والله لا تجد فقد شيء تركته ابتغاء وجه الله، كنت أنا وأخي شريكين فأصبنا مالا كثيرا فدخل قلبي من ذلك شيء فتركته لله وخرجت منه فما خرجت من الدنيا حتى رد الله على ذلك المال عامته إلي وإلى ولدي، زوج أخي ثلاث بنات من بني، وزوجت ابنتي من ابنه ومات أخي فورثه أبي ومات أبي فورثته أنا، فرجع ذلك كله إلي وإلى ولدي في الدنيا.
عن عطاء الحسن الخرساني أنه كان يقول: إني لا أوصيكم بدنياكم أنتم مستوصون بها، وأنتم عليها حراص وإنما أوصيكم بآخرتكم فخذوا من دار الفناء لدار البقاء، واجعلوا الموت كشيء ذقتموه فوالله لتذوقنه واجعلوا
стр. 1062
الآخرة كشيء نزلتموه فوالله لتنزلنها.
وهي دار الناس كلهم ليس من الناس أحد يخرج لسفر إلا أخذ له أهبته، فمن أخذ لسفره الذي يصلحه اغتبط ومن خرج إلى سفر لم يأخذ له أهبته ندم، فإذا أضحى لم يجد ظلا، وإذا ظمئ لم يجد ماء يتروي به، وإنما سفر الدنيا منقطع وأكيس الناس من قام يتجهز لسفر لا ينقطع.
وقال آخر يوصي أخا له: اعلم أنك تلقى ما أسفلت ولا تلقى ما خلفت فمهد لنفسك فإنك لاتدري متى يفجؤك أمر ربك قال فأبكاني كلامه وهون علي الدنيا.
قيل للقمان الحكيم، ما بلغ بك ما نرى يريدون الفضل قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة وترك ما لا يغني.
عن جابر الجعفي، قال: قال لي محمد بن علي بن الحسين: يا جابر إني لمحزون وإني لمشتغل القلب، قلت وما حزنك وما شغل قلبك؟ قال: يا جابر إنه من دخل قلبه صافي خالص دين الله شغله عما سواه يا جابر ما الدنيا ما عسى أن تكون هل هو إلا مركب ركبته أو ثوب لبسته أو امرأة أصبتها.
يا جابر إن المؤمنين لم يطمئنوا إلى الدنيا لبقاء فيها، ولم يأمنوا قدوم الآخرة عليهم.
ولم يصمهم عن ذكر الله ما سمعوا بآذانهم من الفتنة، ولم يعمهم عن نور الله ما رأوا بأعينهم من الزينة، ففازوا بثواب الأبرار إن أهل التقوى أيسر أهل الدنيا مؤونة وأكثرهم لك معونة، وإن نسيت ذكروك وإن ذكرت أعانوك قوالين بحق، قوامين بأمر الله، فأنزل الدنيا كمنزل نزلت به وارتحلت منه.
стр. 1063
أو كمال أصبته في منامك فاستيقظت وليس معك منه شيء، واحفظ الله تعالى ما استرعاك من دينه وحكمته.
قال بعضهم: فكر في ذنبك وتب إلى ربك، ينبت الورع في قلبك، واقطع الطمع إلا من ربك، ذم مولانا الدنيا فمدحناها، وأبغضها فأحببناها، وزهدنا فيها فآثرناها، ورغبنا في طلبها، دعتكم إلى هذه الغرارة دواعيها فأجبتم مسرعين مناديها، خدعتكم بغرورها تتمرغون في زهراتها وزخارفها، قال الله جل وعلا: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا﴾ .
أتى الحسن بكوز من ماء ليفطر عليه فلما أدناه إلى فيه بكى وقال ذكرت أمنية أهل النار.
قولهم: ﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ﴾ وذكرت ما أجيبوا به ﴿إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ .
وقال كعب الأحبار: لأن أبكى من خشية الله فتسيل دموعي على وجنتي أحب إلي من أتصدق بوزني ذهبا.
وعن إبراهيم بن الأشعث قال: كنا إذا خرجنا مع الفضيل في جنازة لا يزال يعظ ويذكر ويبكي حتى لكأنه يودع أصحابه ذاهب إلى الآخرة حتى يبلغ المقابر فيجلس فكأنه بين الموتى جلس من الحزن والبكاء حتى يقوم وكأنه رجع من الآخرة يخبر عنها.
وكان يقول: الخوف أفضل من الرجاء ما دام الرجل صحيحا فإذا نزل به الموت فالرجاء أفضل من الخوف.
يقول: إذا كان في صحته محسنا عظم رجاؤه عند الموت وحسن ظنه
стр. 1064
أي بالله.
وإذا كان في صحته مسيئا ساء ظنه عند الموت ولم يعظم رجاؤه.
تَحَدِّثُنِي الآَمَالُ وَهِي كَذُوْبَةٌ … تُبَدِّلُ فِي تَحْدِيْثَهَا وَتُحَرِّفُ
بَأنِّي فِي الدُّنْيَا أَقْضِى مَآَرِبِي … وَبَعْدُ يَحِقُ الزُّهْدُ لِي وَالتَّقَشُّفُ
وَتِلكَ أَمَانِي لَا حَقَيِقَةَ عِنْدَهَا … أَفي فَرقِ الضَّديْنِ يُبْغَي التَّآَلُفُ
وقال محمد بن علي بن الحسين ﵁ لابنه: يا بني إياك والضجر والكسل فإنهما مفتاح كل شر إنك إن كسلت لم تؤد حقا، وإن ضجرت لم تصبر على حق.
وقال: ما من عبادة أفضل من عفة بطن أو فرج، وما من شيء أحب إلى الله من أن يسأل، وما يدفع القضاء إلا الدعاء وإن أسرع الخير ثوابا البر، وأسرع الشر عقوبة البغي.
وكفى بالمرء عيبا أن يبصر من الناس ما يعمى عليه من نفسه وأن يأمر الناس بما لا يستطيع التحول عنه، وأن يؤذي جليسه بما لا يعنيه.
كان الربيع بن خيثم إذا أصبح قال: مرحبا بملائكة الله اكتبوا بسم الله الرحمن الرحيم سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر.
وقال: إذا تكلمت فاذكر سمع الله إليك وإذا هممت فاذكر علمه بك وإذا نظرت فاذكر نظره إليك.
وإذا تفكرت فاذكر اطلاعه عليك فإنه يقول: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ .
رأى بعضهم رجلا يستمع إلى رجل يقع في عرض آخر فقال له: نزه سمعك عن استماع الخناء كما تنزه لسانك عن القول به، فإن المستمع شريك
стр. 1065
القائل، وإنما نظر في شر ما في وعائه فأفرغها في وعائك.
إِذَا أَخْبَرتَ عَن رَجُل بِريء … مِن الآَفَاتِ ظَاهُره صَحِيْحُ
فَسَلْهُم عَنْهٌ هَلْ هُوَ آَدمِيٌّ … فَإِنَّ قَالُوا نَعَمْ فَالقَوْلُ رِيْحُ
وَلَكِن بَعْضُنَا أَهْلُ اسْتِتَارٍ … وَعِنْدَ اللهِ أَجْمَعُنَا جَرِيْحُ
وَمِن إِنْعَامِ خَالِقِنَا عَلَيْنَا … بِأَنَّ ذُنُوبَنَا لَيْسَتْ تَفُوحُ
فَلَو فَاحَتْ لأَصْبَحْنَا هُرُوبًا … فُرَادَى فِي الفَلا مَا نَسْتَرِيْحُ
وَضَاقَ بِكُلِّ مُنْتَحِلٍ صَلاحًا … لِنَتْنِ ذُنوبِهِ البَلَدُ الفَسِيْحُ
المعاصي تنقسم إلى قسمين، قسم ذنوب جوارح ظاهرة مثل القذف والغيبة والظلم والاغتصاب والقتل والزنا واللواط والسرقة ونحو ذلك.
والقسم الثاني: وهي ذنوب القلوب وهن المهلكات القاصمات ومنها: الشرك والشك والنفاق والكفر والاغترار بالله والأمن من مكر الله والقنوط من رحمة الله.
ومنها احتقار الذنوب والتهاون بها والتسويف بالتوبة والإنابة والإصرار على المعاصي والرياء والتيه والكبر والعجب والخيانة والغدر والحسد والغل والحقد والبغض.
وسوء الظن والجفاء والقطيعة والعقوق والقسوة والشح والحرص والشره على ما لا ينبغي الحرص والشره عليه.
ومنها: الطغيان بالمال والقوة والجاه واحتقار النعم والاحتقار بمصائب الدين ومنها الاستهانة بعلم الله ونظره وسمعه واطلاعه.
ومنها قلة الحياء من الله وتقدس وقلة الحياء ممن على اليمين وعلى الشمال من الملائكة عند فعلك ما يكرهه الله ونحو ذلك من الذنوب
стр. 1066
التي لا يسلم منها إلا من عصمه الله.
موعظة
قال ابن الجوزي: يا عجبا كيف أنس بالدنيا مفارقها، وأمن النار واردها، كيف يغفل من لا يغفل عنه، كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته وسنته تهدم عمره، كيف يلهو من يقوده عمره إلى أجله وحياته إلى موته.
إخواني: الدنيا في إدبار وأهلها منها في استكثار، والزارع فيها غير التقي لا يحصد إلا الندم.
مَا أَفْضَحَ المَوْت لِلدُّنْيَا وَزينَتَها … جَدًّا وَمَا أَفْضَح الدُّنْيَا لأَهلِيْهَا
لَا تَرْجِعَنَّ عَلَى الدُّنْيَا بِلائِمَةٍ … فَعُذْرُهَا لَكَ بادٍ فِي مَسَاوِيْهَا
تَفني البَنِيْنَ وَتَفْنَي الأَهْل دَائِبَةً … وَنَسْتِنيمُ إِلَيْهَا لَا نُعَادِيْهَا
فَمَا يَزِيْدُكُمُوا قَتْلُ الَّذِي قَتَلَتْ … وَلَا العَدَاوَة إِلاَّ رَغْبَةً فِيْهَا
آخر
لِسَانَكِ للدُّنْيَا عَدُوٌ مُشَاحِن … وَقَلْبُكَ فِيْهَا لِلِّسَانِ مُبَايِنُ
وَمَا ضَرَّهَا مَا قُلْتَ فِيْهَا وَقَدْ صَفَا … لَهَا مِنْكَ وَدُّ فِي فُؤادَكَ كَامِنُ
آخر:
وَلَمْ أَرَ كَالدُّنْيَا نَذُم صُرُوفَهَا … وَنوسِعُهَا شَتْمًا وَنَحْنُ عَبِيْدُهَا
آخر:
يَذُمُونَ دُنْيَاهُم وَهُمْ يَحْلِبُونَهَا … وَلَم أَرَى كَالدُّنْيَا تُذَمُّ وَتُطْلَبُ
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 1067
فصل
اعلم وفقنا الله وإياك أن الصلاة عماد الدين وأجل مباني الإسلام بعد الشهادتين.
ومحلها من الدين محل الرأس من الجسد فكما أنه لا حياة لمن لا رأس له فكذلك لا دين لمن لا صلاة له.
جعلنا الله وإياكم من المحافظين عليها الخاشعين فيها الدائمين عليها المقيمين لها قال جل وعلا ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ وقال عز من قائل ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ﴾ وقال ﴿مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ .
فالإنابة هي الرجوع إلى الله، والتقوى هي امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، والإقامة للصلاة الإتيان بها على الوجه الذي أمر الله به.
قال جلا وعلا: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ وقال رسول الله ﷺ "صلوا كما رأيتموني أصلي" فالمصلي على الاتباع والاقتداء برسول الله ﷺ في صلاته على الوجه الذي نقله علماء الأمة من السلف والخلف ﵃ هو المصلي المعدود عند الله من المقيمين للصلاة والمحافظين عليها.
وللصلاة صورة ظاهرة وحقيقة باطنة لا كمال للصلاة ولا تمام لها إلا بإقامتهما جميعا.
стр. 1068
فأما صورتها الظاهرة فهي القيام والقراءة والركوع والسجود ونحو ذلك من وظائف الصلاة الظاهرة.
وأما حقيقتها الباطنة فمثل الخشوع والإخبات وحضور القلب وكمال الإخلاص.
والتدبر والتفهم لمعاني القراءة ومعاني التسبيح ونحو ذلك من وظائف الصلاة الباطنة.
فظاهر الصلاة حفظ البدن والجوارح وباطن الصلاة حفظ القلب.
ومن المحافظة على الصلاة والإقامة لها كمال الطهارة والاحتياط فيها في البدن والثوب والمكان.
قال ﵊ "الطهور شطر الإيمان" وفي الحديث الآخر "الطهور مفتاح الصلاة وإسباغ الوضوء وتثليثه من غير وسوسة ولا إسراف".
فإن الوسوسة في الطهارة والصلاة من عمل الشيطان يلبس بها على من ضعف عقله وقل علمه.
وقد وردت الأحاديث الصحيحة "أن من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه من أعضائه ودخل في الصلاة نقيا من الذنوب".
ومن المحافظة على الصلاة والإقامة لها المبادرة بها في أول مواقيتها وفي ذلك فضل وأجر عظيم.
وهو دليل على محبة العبد لربه وعلى المسارعة في مرضاته ومحابه قال ﷺ -
стр. 1069
"أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله".
وقبيح بالمؤمن العاقل أن يدخل عليه وقت الصلاة وهو على شغل من أشغال الدنيا فلا يتركه ويقول إلى فريضة الله التي كتبها الله عليه فيؤديها.
وما يفعل ذلك إلا من عظمت غفلته وقلت معرفته بالله وعظمته وضعفت رغبته فيما أعد الله لأوليائه في الدار الآخرة.
وأما تأخيرها عن وقتها فلا يجوز وفيه إثم عظيم.
ومن المحافظة على الصلاة والإقامة لها الخشوع وحضور القلب وتدبر القراءة وفهم معانيها واستشعار الخضوع والتواضع لله عند الركوع والسجود.
وامتلاء القلب بتعظيم الله وإجلاله وتقديسه عند التكبير والتسبيح وجميع أجزاء الصلاة.
والحرص والاجتهاد في دفع الخواطر والهواجيس في شئون الدنيا والإعراض عن حديث النفس في ذلك ويكون همه في الصلاة وحسن تأديتها كما أمر الله فإن الصلاة مع الغفلة وعدم الخشوع والحضور قليلة الجدوى فاجتهد في تدبر ماتقول من كلام ربك واحرص على الطمأنينة فيها فإن الذي لا يتم الركوع والسجود في الصلاة سارق لها كما ورد في الحديث وورد أن من حافظ عليها وأتمها تخرج بيضاء تقول حفظك الله كما حفظتني والذي لا يتم الصلاة تخرج سوداء مظلمة تقول ضيعك الله كما ضيعتني ثم تلف كما يلف الثوب الخلق فيضرب بها وجهه.
رأى رجل حاتم الأصم واقفا يعظ الناس فقال: يا حاتم أراك تعظ الناس أفتحسن أن تصلي قال نعم قال: كيف تصلي؟
стр. 1070
قال: أقوم بالأمر وأمشي بالسكينة وأدخل بالهيبة وأكبر بالعظمة وأقرأ بالترتيل وأجلس للتشهد بالتمام وأسلم على السنة. وأسلمها إلى ربي وأحفظها أيام حياتي وأرجع باللوم على نفسي وأخاف أن لا تقبل مني وأرجو أن تقبل مني وأنا بين الرجاء والخوف وأشكر من علمني وأعلم من سألني وأحمد ربي إذ هداني. قال له محمد بن يوسف: مثلك يصلح أن يعظ.
روي أن زين العابدين بن علي بن الحسين ﵃ كان يتغير عند الوضوء ويصفر لونه فإذا قام إلى الصلاة أخذته رعدة. فقيل له في ذلك فقال: أتدرون بين يدي من أقوم.
وقال أبو بكر الوراق: ربما انصرف من الصلاة وأنا استحي من الله جل وعلا ولا حياء رجل انصرف من الزنا.
والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 1071
مواعظ
عن أبي بكر بن عياش قال: قال لي رجل مرة وأنا شاب خلص رقبتك ما استطعت في الدنيا من رق الآخرة فإن أسير الآخرة غير مفكوك أبدا قال أبو بكر: فما نسيتها أبدا.
وكان يقوم الليل في قباء صوف وسراويل وعكازة يضعها في صدره فيتكئ عليها حين كبر فيحيي ليلته ويذكره حمل العصى بالسفر إلى الآخرة.
قال بعضهم:
حَمَلْتُ الْعَصَا لَا الضَّعْفَ أَوْجَبَ حَمْلَهَا … عَلَيَّ وَلَا أَنِّي نَحَلْتُ مِن الكِبَرْ
وَلَكِنَّني أَلْزَمْتُ نَفْسِي حَمْلَهَا … لأَعْلِمَهَا أَنَّ الْمُقِيْمَ عَلَى سَفَرْ
قال بعض أصحاب وكيع بن الجراح: كان لا ينام حتى يقرأ ثلث القرآن ثم يقوم في آخر الليل فيقرأ المفصل، ثم يجلس فيأخذ في الاستغفار حتى يطلع الفجر فيصلي ركعتين.
وعن عاصم قال: سمعت شقيق بن سلمة يقول وهو ساجد: رب اغفر لي رب اعف عني إن تعف عني تعف عني تطولا من فضلك وإن تعذبني تعذبني غير ظالم لي، قال ثم يبكي حتى أسمع نحيبه من وراء المسجد.
عن خيثمة قال: كان يعجبهم أن يموت الرجل عند خير يعمله إما حج وإما عمرة وإما غزاة وإما صيام رمضان.
قال الربيع بن أبي راشد وقد رأى رجلا مريضا يتصدق بصدقة فقسمها بين جيرانه فقال: الهدايا أمام الزيارة فلم يلبث الرجل إلا أياما حتى مات
стр. 1072
فبكى عند ذلك الربيع بن أبي راشد وقال: أحسن والله بالموت وعلم أنه لا ينفعه من ماله إلا ما قدم بين يديه.
قال أحمد بن عبد الله بن يونس كان معروف بن واصل التيمي إمام مسجد بني عمرو بن سعد قيل إنه كان يختم القرآن في كل ثلاث سفرا وحضرا وأنه أم قومه ستين سنة لم يسه في صلاته لأنها كانت تهمه.
وقال عبد الملك بن أبجر: ما من الناس إلا مبتلي بعافية لينظر كيف شكره أو مبتلي ببلية لينظر كيف صبره.
وفي الخبر يأتي على الناس زمان يكون هلاك الرجل على يد زوجته وأبويه وولده يعيرونه بالفقر ويكلفونه ما لا يطيق فيدخل في المداخل التي يذهب فيها دينه فيهلك. قلت: هذا حاصل في عصرنا فتأمل.
عن معمر مؤذن سليمان التيم قال: صلى إلى جنبي سليمان التيمي العشاء الآخرة وسمعته يقرأ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ .
قال فلما أتى على هذه الآية ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ جعل يرددها حتى خف أهل المسجد وانصرفوا قال فخرجت وتركته قال: وعدت لأذان الفجر فإذا هو في مقامه قال فتسمعت فإذا هو لم يجزها وهو يقول: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ .
وقيل له أنت أنت (أي يثنون عليه) قال: لا تقولوا هكذا لا أدري ما يبدو لي من ربي ، سمعت الله يقول: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾ .
ولما حضره الموت قال لابنه: يا معتمر حدثني بالرخص لعلي ألقى الله
стр. 1073
عز وجل وأنا حسن الظن به.
عن الأعمش قال: قال عمرو بن عتبة بن فرقد سألت الله ثلاثا فأعطاني اثنتين وأنا أنتظر الثالثة.
سألته أن يزهدني في الدنيا فما أبالي ما أقبل وما أدبر وسألته أن يقويني على الصلاة فرزقني منها وسألته الشهادة فأنا أرجوها.
كان طلحة بن مصرف يقول في دعائه: اللهم اغفر لي ريائي وسمعتي.
قال خليد العصري: كلنا قد أيقن بالموت وما نرى له مستعدا، وكلنا قد أيقن بالجنة وما نرى لها عالما وكلنا قد أيقن بالنار وما نرى لها خائفا، فعلام تعرجون، وما عسيتم تنتظرون الموت فهو أول وارد عليكم من الله بخير أو بشر.
إخواني: إنكم تغدون وتروحون في آجال قد غيبت عنكم لا تدرون متى تهجم عليكم فالوحا الوحا والنجا النجا فالطالب مسرع.
يَجِدُّ بِنَا صَرْفُ الزَّمَانِ وَنَهْزُلُ … وَنُوقَظُ بِالأَحْدَاثِ فِيْهِ وَنَغْفُلُ
وَمَا النَّاس إِلاَّ ظَاعِنٌ أَوْ مُوَدِّعٌ … وَمُسْتَلَبٌ مُسْتَعْجَلٌ أَوْ مُؤْجَّلُ
وَمَا هَذِهِ الأَيَّام إِلاَّ مَنَازِلٌ … إِذَا مَا قَطَعنَا مَنْزِلاً بَانَ مَنْزلُ
فَنَاءٌ مُلِحٌ مَا يُغِبُ جَمِيْعَنَا … إِذَا عَاشَ مِنَّا آَخِرٌ مَاتَ أَوَّلُ
وَكَم صَاحِبٍ لِي كُنْتُ أَكْرَهُ فَقْدَهُ … تَسَلَّمَهُ مِنِّي الفَنَاءُ الْمُعَجَّلُ
اسمعوا عظة الزمان إن كنتم تسمعون، وتأملوا تقلب الأحوال إن كنتم تبصرون.
قال يحيى بن معاذ: لو سمع الخلائق صوت النياحة على الدنيا من ألسنة الفناء لتساقطت القلوب منهم حزنا.
стр. 1074
ولو رأت العقول بعين الإيمان نزهة الجنة لذابت النفوس شوقا إليها.
ولو أدركت القلوب المحبة لخالقها لتخلعت مفاصلها ولها فسبحان من أغفل الخليقة عن كنه هذه الأشياء وألهاهم بالوصف عن حقائق هذه الأنباء.
مَن نَالَ من جَوْهَر الأَشْيَاءَ بُغْيَتَهُ … يِأسَى وَيَحْقِرُ قَومًا حَظُهُم عَرَضُ
إِنِّي لأَعْجَبُ مِن قَوْمٍ يَشفُهُمُ … حُبُّ الزَّخَارِفِ لَا يَدْرُونَ مَا الْغَرضُ
أَلَا عُقُول أَلَا أَحْلَامَ تَزْجُرُهُمُ … بَلَى عُقُولٌ وَأَحْلَامٌ بِهَا مَرَضُ
اللهم تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا وأجب دعوتنا، وثبت حجتنا، واهد قلوبنا، وسدد ألسنتنا، واسلل سخيمة صدورنا. واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 1075
فوائد ومواعظ
اعلم يا أخي أن الناس عند الموت ثلاثة أقسام: الأول: ذو بصيرة علم أن الإنسان وإن طال عمره في الدنيا فهو كخطفة برق لمعت في السماء ثم عادت للاختفاء.
فلا يثقل على العاقل اللبيب الخروج من الدنيا إلا بقدر ما يفوته من خدمة ربه ، والازدياد من ما يقربه إليه، والاشفاق مما يقول أو يقال له.
كما قال بعضهم لما قيل له لم تجزع قال: لأني أسلك طريقا لم أعهده وأقدم على ربي جل وعلا ولا أدري ماأقول وما يقال لي.
ومثل هذا الشخص لا ينفر من الموت بل إذا عجز عن العبادة ربما أشتاق إليه.
وقال بعضهم في مناجاته: إلهي إن سألتك الحياة في دار الممات فقد رغبت في البعد عنك، وزهدت في القرب منك.
فقد قال نبيك وصفيك ﷺ "من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه".
الثاني: رجل رديء البصيرة متلطخ السريرة منهمك في الدنيا منكر للبعث، قد رضي بالحياة الدنيا واطمأن بها ويئس من الآخرة.
فهذا مصيره كما ذكره الله: ﴿إن الذين لا يرجون لقاءنا ورضوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها والذين هم عن آياتنا غافلون أولئك مأواهم النار بما كانوا يكسبون﴾ .
стр. 1076
القسم الثاني: من خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا واعترفوا بذنوبهم وهؤلاء أيضا مصيرهم كما ذكر الله، قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم﴾ .
ثم اعلم أن طول العمر محبوب ومطلوب إذا كان في طاعة الله، لقوله ﵊ "خيركم من طال عمره وحسن عمله" وكلما كان العمر أطول في طاعة الله، كانت الحسنات أكثر والدرجات أرفع.
وأما طوله في غير طاعة، أو في المعاصي، فهو شر وبلاء، تكثر السيئات وتضاعف الخطيئات.
ومن زعم أنه يحب طول البقاء في الدنيا ليستكثر من الأعمال الصالحة المقربة إلى الله تعالى فإن كان مع ذلك حريصا عليها ومشمرا فيها ومجانبا لما يشغل عنها من أمور الدنيا فهو بالصادقين أشبه وإن كان متكاسلا عنها ومسوفا فيها أي الأعمال الصالحة فهو من الكاذبين المتعللين بما لا يغني عنه لأن من أحب أن يبقى لأجل شيء وجدته في غاية الحرص عليه مخافة أن يفوته ويحال بينه وبينه.
ولا سيما والعمل الصالح محله الدنيا ولا يمكن في غيرها لأن الآخرة دار جزاء وليست بدار عمل.
فتفكر يا أخي في ذلك عسى الله أن ينفعنا وإياك واستعن بالله واصبر واجتهد وشمر وبادر بالأعمال الصالحة قبل أن يحال بينك وبينها فلا تجد إليها سبيلا.
стр. 1077
وكن حذرا من مفاجأة الأجل فإنك غرض للآفات وهدف منصوب لسهام المنايا وإنما رأس مالك الذي يمكنك إن وفقك الله أن تشتري به سعادة الأبد هذا العمر.
قال الله جل وعلا: ﴿أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر﴾ الآية فإياك أن تنفق أوقاته وأيامه وساعاته وأنفاسه فيما لا خير فيه ولا منفعة فيطول تحسرك وندمك وحزنك بعد الموت.
إِذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ عُمْرَكَ فَاحْتَرِزْ … عَلَيْهِ مِن الإِنْفَاقِ فِي غَيٍرِ وَاجِبٍ
قال محمد بن القاسم خادم محمد بن أسلم قال محمد بن أسلم: مالي ولهذا الخلق كنت في صلب أبي وحدي.
ثم صرت في بطن أمي وحدي
ثم دخلت الدنيا وحدي.
ثم تقبض روحي وحدي.
ثم أدخل في قبري وحدي.
ثم يأتيني منكر ونكير فيسألاني وحدي، فإن صرت إلى خير صرت وحدي.
ثم يوضع عملي وذنوبي في الميزان وحدي.
وإن بعثت إلى الجنة بعثت وحدي.
وإن بعثت إلى النار بعثت وحدي، فمالي وللناس.
ثم تفكر ساعة فوقعت عليه الرعدة حتى خشيت أن يسقط قال وسمعته يحلف كذا وكذا مرة يقول: لو قدرت أن أتطوع حيث لا يراني ملكاي لفعلت. ولكني لا أستطيع ذلك، خوفا من الرياء، وكان يدخل بيته ويغلق
стр. 1078
بابه ويدخل معه كوزا من ماء فلم أدرِ ما يصنع. حتى سمعت ابنا له صغيرا يحكي بكاءه فنهته أمه فقلت لها: ما هذا البكاء؟ فقالت: إن أبا الحسن يدخل هذا البيت فيقرأ القرآن ويبكي فيسمعه الصبي فيحيكه أي يقلده.
وكان إذا أراد أن يخرج غسل وجهه واكتحل لئلا يرى عليه أثر البكاء.
بلغ يا أخي الذين يذكرون أعمالهم للناس من حج وصدقة وصيام رياء وسمعة. وكان يصل قوما ويعطيهم ويكسوهم فيبعث إليهم ويقول للرسول: انظر أن لا يعملوا من بعثه إليهم ويأتيهم هو بالليل فيذهب به إليهم ويخفي نفسه.
ولا يعلمون من الذي أعطاهم ولا أعلم أنه وصل أحدا بأقل من مائة درهم إلا أن لا يمكنه ذلك.
ودخلت عليه قبل موته بأربعة أيام فقال: يا أبا عبد الله أبشر بما صنع الله بأخيك من الخير قد نزل بي الموت وقد من الله عليّ أنه ليس عندي درهم يحاسبني الله عليه.
وقد علم ضعفي فإني لا أطيق الحساب، فلم يدع عندي شيئا يحاسبني الله عليه ثم أغلق الباب ولا تأذن لأحد علي حتى أموت.
واعلم أني أخرج من الدنيا وليس أدع ميراثا غير كسائي، وإنائي الذي أتوضأ فيه وكتبي.
وكانت معه صرة فيها نحو ثلاثين درهما، فقال: هذا لابني أهداه إليه قريب له ولا أعلم شيئا أحل لي منه لأن النبي ﷺ قال "أنت ومالك لأبيك".
فكفنوني منها وابسطوا علي جنازتي لبدي وغطوا علي بكسائي وتصدقوا بإنائي أعطوه مسكينا يتوضأ منه ثم مات باليوم الرابع ﵀.
стр. 1079
قيل إنه مرض قيس بن سعد بن عباده أحد الكرماء فاستبطأ إخوانه في عيادته فسأل عنهم فقالوا: إنهم يستحيون لما لك عليهم من الدين.
فقال: أخزي الله مالا يمنع الإخوان عن الزيارة.
ثم أمر مناديا ينادي من كان لقيس عليه مال فهو منه في حل.
فكسرت عتبة داره بالعشي لكثرة عواده.
وأتى رجل صديقا ودق عليه الباب فلما خرج قال: لماذا جئتني؟ قال: لأربعمائة درهم دين علي فدخل الدار ووزن له أربعمائة درهم وسلمها له ودخل الدار يبكي فقالت امرأته: هلا تعللت واعتذرت حين شق عليك الإجابة؟
فقال: إنما أبكي لأني غفلت عنه ولم أتفقد حاله حتى احتاج أن يفاجئني به.
وحكي عن حذيفة العدوي قال: انطلقت يوم اليرموك لطلب ابن عم لي ومعي شيء من ماء وأنا أقول إن كان به رمق سقيته ومسحت وجهه فإذا أنا به فقلت: أسقيك فأشار إلي نعم فإذا رجل يقول آه فقال ابن عمي: انطلق إليه.
فجئت إليه فإذا هو هشام بن العاص فقلت أسقيك فسمع هشام آخر يقول آه فقال: انطلق به إليه فجئت إليه فإذا هو قد مات.
ثم رجعت إلى هشام فإذا هو أيضا قد مات.
ثم رجعت إلى ابن عمي فإذا هو قد مات.
إِلَى كَمْ ذَا التَّرَاخِي وَالتَّمَادِي … وَحادي المَوْت بِالأرْوَاحِ حَادي
فَلَوْ كُنَّا جَمَادًا لَاتَّعَظْنَا … وَلَكِنا أَشَدُّ مِن الْجَّمَادِ
تُنَاديِنا الْمَنِيَّةُ كُلَّ وَقْتٍ … وَمَا نُصْغَي إِلَى قَولِ الْمُنَادَي
وَأَنْفَاسُ النُّفُوسِ إِلَى انتِقَاصٍ … وَلَكِن الذُّنُوبَ إِلَى ازْدِيَادِ
стр. 1080
إِذَا مَا الزَّرْعُ قَارَنَه اصفِرَارُ … فلَيْسَ دَوُاؤُه غَيْرَ الْحَصَادِ
كَأَنَّكَ بِالْمَشِيْبِ وَقد تَبَدَّي … وَبِالأُخْرَى مُنَادِيْهَا يُنَادِي
وَقَالُوا: قَدْ قَضَى فَاقْرَوْا عَلَيْهِ … سَلامَكُمُ إِلَى يَوْم التَّنَادِ
عن أبي معشر قال: رأيت عون بن عبد الله في مجلس أبي حازم يبكي ويمسح وجهه بدموعه.
فقيل له لم تمسح وجهك بدموعك قال: بلغني أنه لا تصيب دموع الإنسان مكانا من جسده إلا حرم الله ذلك المكان على النار.
وقال: قلب التائب بمنزلة الزجاجة يؤثر فيها جميع ما أصابها فالموعظة إلى قلوبهم سريعة وهم إلى الرقة أقرب.
فداووا القلوب بالتوبة فلرب تائب دعته توبته إلى الجنة حتى أوفدته عليها وجالسوا التوابين فإن رحمة الله إلى التوابين أقرب.
سمع المسعودي رجلا يقول أين الزاهدون في الدنيا الراغبون فيما عند الله فقال اقلب المعنى وضع يدك على من شئت.
عن صالح المري قال: كان عطاء السلمي قد أضر بنفسه حتى ضعف قال قلت له: إنك قد أضررت بنفسك وأنا متكلف لك شيئا فلا ترد كرامتي قال أفعل.
قال: فاشتريت سويقا من أجود ما وجدت وسمنا فجعلت له شريبة ولينتها وأرسلتها مع ابني وكوزا من ماء وقلت له لا تبرح حتى يشربها فرجع فقال قد شربها.
فلما كان من الغد جعلت له نحوها فرجعها ولم يشربها فأتيته فلمته
стр. 1081
فقلت: سبحان الله رددت علي كرامتي إن هذا مما يعينك، ويقويك على الصلاة وعلى ذكر الله.
قال: يا أبا بشر لا يسوءك الله قد شربتها أول مرة فلما كان الغد راودت نفسي على أن تسيغها فما قدرت ذلك.
إذا أردت أن أشربها ذكرت هذه الآية ﴿يتجرعه ولا يكاد يسيغه ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ﴾ .
فبكى صالح عند هذه وقال: قلت لنفسي أراني في واد وأنت في آخر.
وقال العلاء بن محمد: دخلت على السلمي وقد غشي عليه، فقلت لامرأته ما شأن عطاء، فقالت: سجرت جارتنا التنور فنظر إليه فخر مغشيا عليه.
وقال: إذا ذكرت أهل النار وما ينزل بهم من عذاب الله وعقابه تمثلت لي نفسي بهم.
فكيف لنفس تغل يدها إلى عنقها وتسحب في النار، ألا تصيح فتبكي.
وكيف لنفس تعذب ألا تبكي، وما أقل غناء البكاء عن أهله إن لم يرحمهم الله.
وقال له بشر بن منصور: ماهذا الحزن؟ قال: ويحك الموت في عنقي والقبر بيتي، وفي القيامة موقفي، وعلى جسر جهنم طريقي، وربي ما أدري ما يصنع بي، ثم تنفس فغشي عليه.
وقال عمر بن درهم لعطاء: حتى متى نسهو ونلعب وملك الموت في طلبنا لا يكف فصاح عطاء صيحة خر مغشيا عليه.
واجتمع الناس وقعد عمر عند رأسه فلم يزل على حاله حتى المغرب ثم
стр. 1082
أفاق فحمل.
قيل إن أبا عثمان المنتخب أنشد نور الدين أبياتا تتضمن ما هو متلبس به نور الدين في ملكه من المكوس والضرائب وفيها تخويف وتحذير شديد له كانت هذه الأبيات سببا لوضعها عن الناس:
مِثِّلْ وَقُوفَكَ أَيُّهَا الْمَغْرُوْرُ … يَوْم القيامة وَالسَّمَاءِ تمورُ
مَاذَا تَقُولُ إِذَا نُقِلْتَ إِلَى البِلىَ … فِرْدًا وَجَاءَكَ مُنْكَرٌ وَنَكِيْرُ
مَاذَا تَقُولُ إِذَا وَقَفْتَ بِمَوْقِفٍ … فَرْدًا ذَلِيْلاً وَالْحِسَابِ عَسِيْرُ
وَتَعَلَّقَتْ فِيْك الْخُصُوْمُ وَأَنْتَ فِي … يَوْمِ الْحِسَابِ مُسَلْسَلٌ مَجْرُوْرُ
وَتَفَرَّقَتْ عَنْكَ الْجُنُوْدُ وَأَنْتَ فِي … ضِيْقِ القُبُورِ مُوَسَّدُ مَقْبُورُ
وَوَدِِدُتْ أَنَّكَ مَا وَليْتَ وَلَايَةً … يَوْمًا وَلَا قَالَ الأَنَامَ أَمِيْرُ
وَبَقِيْتَ بَعْدَ الْعِزِّ رَهْنَ حَفِيْرَةً … فِي عَالَم المَوْتى وَأَنْتَ حَقِيْرُ
وَحُشِرتَ عِرْيَانًا حَزِيْنًا بَاكِيًا … قَلِقًا وَمَا لَكَ فِي الأَنَامِ مُجِيْرُ
أَرْضِيْتَ أَنْ تَحْيَا وَقَلْبُكَ دَارسٌ … عَافِي الْخَرَابِ وَجسمُكَ الْمَعْمُوْرُ
أَرَضيْتَ أَنْ يُحْظَي سِوَاك بِقُرْبِهِ … أَبَدًا وَأَنْتَ مُعَذَّبٌ مَهْجُوْرُ
مَهِّدْ لِنَفْسِكَ حُجَّةً تَنْجُو بِهَا … يَوْمَ الْمَعادِ وَيوْمَ تَبْدُو الْعُوْرُ
فلما سمع نور الدين هذه الأبيات بكى بكاء شديدا وأمر بوضع الضرائب والمكوس في سائر البلاد وكتب إلى الناس ليكون منهم في حل مما كان أخذ منهم ويقول لهم إنما صرف ذلك في قتال أعدائكم من الكفرة والذب عن بلادكم ونسائكم وأولادكم وكتب ذلك إلى سائل ممالكه وبلدانه سلطانه وأمر الوعاظ أن يستحلوا له من التجار والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
стр. 1083
فصل
قال محمد بن واسع: ما آسى من الدنيا إلا على ثلاث: صاحب إذا أعوججت قومني، وصلاة في جماعة يحمل عني سهوها وأفوز بفضلها، وقوت من الدنيا ليس لأحد فيه منة، ولا الله علي فيه تبعة.
كان بالكوفة رجل قد خرج عن دنيا واسعة وتعبد فقال الفضيل لعبد الله بن المبارك: إن ههنا رجلا من المتعبدين قد خرج عن دنيا واسعة فامض بنا إليه ننظر عقله.
فجاءوا إليه وهو عليل وعليه عباءة وتحت رأسه قطعة لبنة فسلم عليه ابن المبارك ثم قال له: يا أخي بلغنا أنه ما ترك عبد شيئا لله إلا عوضه الله ما هو أكثر منه فما عوضك؟
قال: الرضا بما أنا فيه فقال ابن المبارك حسبك، وقاما على ذلك.
وأوصى بعضهم أخا له في الله فقال: لا يلهينك الناس عن ذات نفس فإن الأمر يخلص إليك دونهم ولم أر شيئا أحسن طلبا ولا أسرع إدراكا من حسنة حديثةً لذنب قديم.
قال خليد العصري: كلنا قد أيقن بالموت وما نرى له مستعدا، وكلنا قد أيقن بالجنة وما نرى لها عاملا، وكلنا قد أيقن بالنار وما نرى لها خائفا، فعلام تعرجون وما عسيتم تنتظرون الموت فهو أول وارد عليكم من الله بخير أو شر فيا إخوتاه سيروا إلى ربكم سيرا جميلا.
وقال آخر: ابن آدم لو رأيت يسير ما بقي من أجلك، لزهدت في طول ما ترجو من أملك ولرغبت في الزيادة من عملك، ولقصرت من
стр. 1084
حرصك وحيلك وإنما يلقاك ندمك إذا زل بك قدمك، وأسلمك أهلك وحشمك وتبرأ منك القريب، وانصرف عنك الحبيب فلا أنت إلى دنياك عائد ولا في حسناتك زائد.
أَبَدًا تُفهِّمُنَا الْخُطُوبُ كُرُوْرَهَا … وَنَعُودُ فِي عَمَهٍ كَمَنْ لَا يَفْهَمُ
تَلْقَى مَسَامِعَنا العِظَاتُ كَأَنَّمَا … فِي الظِّل يَرْقُم وَعْظَه مِن يَرقُمُ
وَصَحَائِفُ الأَيَّامِ نَحْنُ سُطُورُهَا … يُقْرَا الأَخِيرُ وَيدْرج الْمتقدِّمُ
لِحْدُ عَلَى لَحْدِ يُهَالُ ضَرْيِحُهُ … وَبِأَعْظَمِ رَمِمٍ عَلَيْهَا أَعْظَمُ
مَنْ ذَا تَوقَّاه الْمَنُونُ وَقَبْلَنَا … عَادٌ أَطاحَهم الْحِمَامُ وَجُوْهُمُ
وَالتَّبعانِ تَلَاحَقَا وَمُحَرِّقٌ … وَالْمْنِذرَانِ وَمَالِكٌ وَمُتَمِّمُ
رأى مالك بن دينار رجلا يسيء في صلاته فقال: ما أرحمني لعياله.
فقيل له يسيء هذا صلاته وترحم عياله قال: إنه كبيرهم ومنه يتعلمون.
وقال سهل بن عبد الله: استجلب حلاوة الزهد بقصر الأمل، واقطع أسباب الطمع بصحة اليأس، وتعرض لرقة القلب بمجالسة أهل الذكر واستفتح باب الحزن بطول الفكر، وتزين لله بالصدق في كل الأحوال.
وإياك والتسويف فإنه يغرق الهلكى وإياك والغفلة فإن فيها سواد القلب، واستجلب زيادة النعم بعظيم الشكر.
كان السلف أحرص ما يكونون على أوقاتهم لأنهم يعرفون قيمة الوقت وأنه إذا فات لا يستدرك فهو أعز شيء يغار عليه أن ينقضي بدون عمل صالح.
فالوقت ينقضي وينصرم بنفسه، فمن غفل عن نفسه تصرمت أوقاته وعظم فواته واشتدت حسراته.
стр. 1085
فكيف حاله إذا علم عند تحقق الفوات مقدار ما أضاع، وطلب الرجوع فحيل بينه وبينه، وطلب تناول الفائت وكيف يرد الأمس الفائت في اليوم الجديد.
قال الله جل وعلا: ﴿وقالوا آمنا به وأني لهم التناوش من مكان بعيد﴾ ومنع مما يحبه ويرتضيه.
وعلى أن ما اقتناه ليس للعاقل مما ينبغي أن يقتنيه وحيل بينه وبين ما يشتهيه.
فيا لها من حسرة ما إلى رد مثلها من سبيل.
كان الحسن يقول: أصول الشر ثلاثة: الحرص، والحسد، والكبر.
فالكبر منع إبليس من السجود لآدم، والحرص أخرج آدم من الجنة، والحسد حمل ابن آدم على قتل أخيه.
وقال غيره: ليس لثلاث حيلة فقر يخالطه كسل، وخصومة يداخلها حسد، ومرض يداخله هرم.
ثلاثة ينبغي مداراتهم: الملك المسلط، والمرأة الحمقى، والمريض.
وقال آخر: لا نوم أثقل من الغفلة ولا رق أملك من الشهوة ولولا ثقل الغفلة لم تظفر بك الشهوة.
وقال آخر: يا ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يرده عليك الفوت، ومالك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت.
وكان يقول: ذنوب مزدحمة على عاقبة مبهمة.
إلهي ارحمني لقدرتك عليّ ولحاجتي إليك.
إلهي ضيعت بالذنب نفسي فارددها بالعفو علي يا أجود الأجودين.
يا من يغضب على من لا يسأل لا تمنع من قد سألك.
وقيل لآخر وهو يجود بنفسه قل، فقال: اللهم إني نصحت خلقك
стр. 1086
ظاهرا، وغششت نفسي باطنا، فهب لي غشي لنفسي، لنصحي لخلقك ثم خرجت روحه.
وقال آخر: من لم يزن أفعاله وأحواله في كل وقت بالكتاب والسنة ولم يتهم خواطره فلا تعده في ديوان الرجال.
وقال: حسن أدب الظاهر عنوان على حسن أدب الباطن لأن النبي ﷺ قال: "لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه".
وسئل عن الرجال فقال: القائمون بوفاء العهود قال الله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ .
من نظر في سير السلف عرف تقصيره وتخلفه عن درجات الرجال.
وقيل لحمدون ما بال كلام السلف أنفع من كلامنا قال: لأنهم تكلموا لعز الإسلام ونجاة النفوس ورضا الرحمن.
ونحن نتكلم لعز النفوس وطلب الدنيا ورضا الخلق.
قلت: فكيف لو رأى أهل هذا الزمان وما أصيبوا به من التكالب على الدنيا والافتنان بزخارفها ومغرياتها فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
يَا آمِنَ السَّاحَةِ لَا يَذْعَرُ … بَيْنَ يَدَيْكَ الفَزَعُ الأَكْبَرُ
وإِنَّمَا أَنْتَ كَمَحْبُوسِةٍ … حُمَّ رَدَاهَا وَهِي لَا تَشْعُرُ
وَالْمَرءُ مَنْصُوبٌ لَهُ حَتْفَهُ … لَو أَنَّه مِن عَمَهٍ يَبْصِرُ
وَهَذِهِ النَّفْسُ لَهَا حَاجَةٌ … وَالعُمْرُ عَن تَحْصِيِلِهَا يَقْصُرُ
وَكُلَّمَا تُزْجَرُ عَن مَطْلَبٍ … كَانَتْ بِهِ أكلف إِذْ تُزْجَرُ
وإِنَّمَا تَقْصُرُ مَغْلُوْبَةُ … كَالْمَاءِ عَن عُنْصُرهِ يَقْصُرُ
وَرُبَّمَا أَلْقَت مَعَاذِيْرَهَا … لَوْ أَنَّهَا وَيْحَهَا تُعْذَرُ
стр. 1087
وَنَاظِرُ المَوْت لَهَا نَاظِرٌ … لَوْ أَنَّهَا تَنْظُرُ إِذْ يَنْظُرُ
وَزَائِرُ المَوْتِ لَهُ طَلْعَةٌ … يُبْصِرُهَا الأَكْمَهُ وَالْمُبْصِرُ
وَرَوْعَةُ المَوْت لَهَا سَكْرَةٌ … مَا مِثْلُهَا مِن رَوْعَةٍ تُسْكِرُ
وَبَيْنَ أَطْبَاقِ الثَّرَى مَنْزِلٌ … يَنْزِله الأَعْظَم وَالأَحْقَرُ
يَتْرُك ذُوْ الفَخْرِ بِهِ فَخْرَهُ … وَصَاحِبُ الكِبْرِ بِهِ يَصْغُرُ
قَدْ مَلَأتْ أَرْجَاءَهُ رَوْعَةٌ … نَكِيْرُهَا الْمَعْرُوفُ وَالمُنْكَرُ
وَبَعْدُ مَا بَعْدُ وَأَعْظِمْ بِهِ … مِنْ مَشْهَدٍ مَا قَدْرُهُ يَقْدَرُ
يَرْجَف مِنْهُ الورى رجفة … ينهد مِنْهَا الملأ الأكبرُ
ولَيْسَ هذا الوصف مستوفيا … كل الَّذِي من وَصفه يذكرُ
وإِنَّمَا ذَا قطرة أُرسِلَتْ … مِنْ أَبْحُرٍ تَتْبَعُهَا أَبْحُرُ
وَقَدْ أَتَاكَ الثَّبْتُ عَنْهُ بِمَا … أَخْبَركَ الصَّادِقُ إِذْ يِخْبِرُ
فَاعْمَلْ لَهُ وَيكَ وَإلاَّ فَلَا … عُذْرٍ وَمَا مِثْلُكَ مَنْ يُعَذرُ
سِهَامُ الْمَنَايَا فِي الوَرَى لَيْسَ تَمْنَعُ … فَكُلُّ لَهُ يَوْمًا وَإن عَاشَ مَصْرَعُ
وَكُلُّ وَإن طَالَ الْمَدَى سَوْفَ يَنْتَهِي … إِلَى قَعْرِ لَحْدٍ فِي ثَرَى مِنْهُ يُوْدَعُ
فَقُلْ لِلَّذِي قَدْ عَاشَ بَعْدَ قَرينه … إِلَى مِثْلِهَا عَمَّا قَلِيْلُ سَتُدْفَعُ
فَكُلُّ ابْنِ أَنْثَى سَوفَ يُفْضِي إِلَى الرَّدَى … وَيَرْفَعُه بَعْد الأَرائِكِ شَرْجَعُ
وَيُدْرِكُهُ يَوْمًا وَإن عَاشَ بُرْهَةً … قَضَاءُ تَسَاوَى فِيْهِ عَوْدٌ وَمُرْضَعُ
فَلَا يَفْرَحَنْ يَوْمًا بُطُولِ حَيَاتِهِ … لَبِيْبٌ فَمَا فِي عَيْشِهِ الْمَرْءُ مَطْمَعُ
فَمَا الْعَيْشُ إِلاَّ مِثْلُ لَمْحَةِ بَارِقٍ … وَمَا المَوْتُ إِلاَّ مِثْل مَا الْعَيْن تَهْجَعُ
وَمَا النَّاس إِلاَّ كَالنَّبَاتِ فَيَابِس … هَشِيْمٌ وَغَضُّ إِثْر مَا بَادَ يَطْلَعُ
стр. 1088
فَتَبَا لدَار مَا تَزَالَ تعَلُّنَا … أََفَاوِيْقَ كَأْسٍ مَرَّةً لَيْسَ تَقْنِعُ
سَحَابُ أَمانِيْهَا جَهَامٌ وَبرْقُها … إِذَا شِيْمَ بَرْقٌ خُلَّبٌ لَيْسَ يَهْمَعُ
تَغُرُّ بنْيَها بِالْمُنَى فَتَقُودُهُمْ … إِلَى قَعْرِ مَهْوَاةِ بِهَا الْمَرْءُ يُوْضَعُ
فَكَمْ أهَلَكَت فِي حُبِّهَا مِن مُتَيَّمٍ … وَلَم يَحْظَ مِنْهَا بِالْمُنَى فَيُمَتَّعُ
تَمَنَيْهِ بِالآمَالِ فِي نَيْل وَصْلِهَا … وَعَنْ غَيّهِ فِي حُبِّهَا لَيْسَ يَنْزِعُ
أَضَاعَ بِهَا عُمْرًا لَهُ لَيْسَ رَاجِعًا … وَلَمْ يَنَلْ الأَمْرَ الَّذِي يُتَوَقَّعُ
فَصَارَ لَهَا عَبْدًا لِجَمْعٍ حُطَامِها … وَلَمْ يَهْنَ فِيْهَا بِالَّذِي كَانَ يَجْمَعُ
وَلَوْ كَانَ ذَا عَقْلٍ لأَغْنَتْهُ بُلْغَةٌ … مِن العَيْشِ فِي الدُّنْيَا وَلم يَكُ يَجْشَعُ
إِلَى أَنْ تُوَافِيْهِ الْمِنِيِّةُ وَهْوَ بَالْ … قَنَاعَةِ فِيْهَا آمِنًا لَا يُرَوَّعُ
مَصَائِبُها عَمَّتْ فلَيْسَ بِمُفْلَتٍ … شُجَاٌع وَلَا ذُو ذِلَّةٌ لَيْسَ يَدْفَعُ
وَلا سَابِحٌ فِي قَعْرِ بَحْرٍ وَطَائِرُ … يُدَوِّمُ فِي بُوْحِ الفَضَاءِ وَيَنْزِعُ
وَلَاذُوْ امْتِنَاعٍ فِي بُرُوجٍ مُشِيْدَةٍ … لَهَا فِي ذُرَى جَوِّ السَّمَاءِ تَرَفُّعُ
أَصَارَتْهُ مِنْ بَعْدِ الْحَيَاةِ بِوَهْدَةٍ … لَهُ مِنْ ثَرَاهَا آَخِرَ الدَّهْرِ مَضْجَعُ
تَسَاوَى بِهَا مَنْ حَلَّ تَحْتَ صَعِيْدَهَا … عَلَى قُرْبِ عَهْدٍ بِالْمَمَاتِ وَتُبَّعُ
فَسِيَّانِ ذُو فَقْرٍ بِهَا وَذُوُو الْغِنَى … وَذُوْ لَكَنْ عِنْدَ الْمَقَالِ وَمِصْقَعُ
وَمَنْ لَمْ يَخَفْ عِنْدَ النَّوَائِبِ حَتْفَهُ … وَذُوْ جُبُنٍ خَوْفًا مِن المَوْتِ يُسْرِعُ
وَذُوْ جَشَعٍ يَسْطُو بِنَابِ وَمَخْلَبٍ … وَكُلُّ بِغَاثٍ ذِلَّةً لَيْسَ يَمْنَعُ
وَمَنْ مَلَكَ الآَفَاتَ بَأْسًا وَشِدَّةً … وَمَنْ كَانَ مِنْهَا بِالضَّرُوْرَةِ يَقنَعُ
وَلَوْ كَشَفَ الأَجْدَاثَ مُعْتَبِرًا لَهُمْ … لِيَنظُرَ آَثَارَ البِلَى كَيْفَ يَصْنَعُ
لَشَاهَدَ أَحْدَاقًا تَسِيْل وَأَوْجُهَا … مُعَفَّرَةٌ فِي التُّرْبِ شُوْهًا تُفَزِّعُ
стр. 1089
غَدَتْ تَحْتَ أَطْبَاقِ الثَّرَى مُكْفَهِرَّةً … عَبُوسًا وَقد كَانَتْ مِن البَشَرِ تَلْمَعُ
فَلَمْ يَعْرِفِ الْمَوْلَى مِنْ الْعَبْدِ فِيْهِم … وَلَا خَامِلَا مِن نَابِهٍ يَتَرَفَّعُ
وَأَنَّى لَهُ عِلْمٌ بِذَلِكَ بَعْدَمَا … تَبَيَّنَ مِنْهُمْ مَا لَهُ الْعَيْنُ تَدْمَعُ
رَأَى مَا يَسُوءُ الطَّرْفَ مِنْهُمْ وَطَالَمَا … رَأَى مَا يَسُرُّ النَّاظِرِيْنَ وَيُمْتِعُ
رَأَى أَعْظُمًا لَا تَسْتَطِيْعُ تَمَاسُكًا … تَهَافَتْ مِنْ أَوْصَالِهَا وَتَقَطَّعُ
مُجَرَّدَةً مِن لِحْمِهَا فَهِيَ عِبْرَةٌ … لِذِي فِكْرَةٍ فِيْمَا لَهُ يَتَوقَّعُ
تَخَوَّنَهَا مَرُّ اللَّيَالِي فَأَصْبَحَتْ … أَنَابِيْبَ مِنْ أَجْوَافِهَا الرِّيْحُ تُسْمَعُ
إِلَى حَالَةٍ مُسْوَدَّةٍ وَجَمَاجِمٍ … مُطَأْطَأَةٍ مِنْ ذِلّةٍ لَيْسَ تُرْفَعُ
أُزِيْلَتْ عَن الأَعْنَاقِ فَهِي نَوَاكِسٌ … عَلَى التُّرْبِ مِنْ بِعد الوَسَائِدِ تُوْضَعُ
عَلَاهَا ظَلَامٌ لِلْبِلَى وَلَطَالَمَا … غَدَا نُورُهَا فِي حِنْدِسِ الظُّلْمِ يَلْمَعُ
كَأَن لَمْ يَكُنْ يَوْمًا عَلَا مَفْرِقًا لَهَا … نَفَائِسُ تِيْجَانٍ وَدُرٍ مُرَصَّعُ
تَبَاعَدَ عَنْهُم وَحْشَةً كُلُّ وَامِقٍ … وَعَافَهُمُ الأَهْلُونَ وَالنَّاسُ أجْمَعُ
وَقَاطَعَهُمْ مَنْ كَانَ حَالَ حَيَاتِهِ … بِوَصْلِهِمُ وَجدًا بِهِمْ لَيْسَ يَطْمَعُ
يُبَكِّيْهِمْ الأَعْدَاءُ مِنْ سُوءِ حَالِهِمْ … وَيَرْحَمُهُمْ مَنْ كَانَ ضِدًا وَيَجْزَعُ
فَقُلْ لِلّذِي قَدْ غَرُّهُ طُوْلُ عُمْرهِ … وَمَا قَدْ حَوَاهُ مِنْ زَخَارِفَ تَخْدَعُ
أَفِقْ وَانْظُرِ الدُّنْيَا بِعَيْنٍ بَصِيْرَةٍ … تَجِدْ كُلَّ مَا فِيْهَا وَدَائِعَ تَرْجِعُ
فأَيْنَ الْمُلُوكُ الصِّيْدُ قِدْمًا وَمَنْ حَوَى … مِنَ الأَرْضِ مَا كَانَتْ بِهِ الشَّمْسُ تَطْلَعُ
حَوَاهُ ضَرِيْحَ مِنْ فَضَاء بَسِيْطَهَا … يُقَصِرُ عَن جُثْمَانِهِ حِيْنَ يَذْرَعُ
فَكَمْ مَلَكَ أَضْحَى بِهَذَا مَذَلَّةٍ … وَقَدْ كَانَ حَيًّا للْمَهَابَةِ يُتْبَعُ
يَقُودْ عَلَى الْخَيْلِ العِتَاقِ فَوَارِسَا … يِسُدُّ بِهَا رَحْبَ الفَيَافِي وَيُتْرِعُ
стр. 1090
فَأَصْبَحَ مِنْ بَعْدِ التَّنَعُّمِ فِي ثَرَى … تَوَارَي عِظَامًا مِنْهُ بَهْمَاءُ بَلْقَعُ
بَعِيْدًا عَلَى قَرْبِ الْمَزَارِ إِيَابُهُ … فلَيْسَ لَهُ حَتَّى القِيَامَةَ مَرْجَعُ
غَرِيْبًا مِنْ الأَحْبَابِ وَالأَهْلِ ثَاوِيًا … بِأَقْصَى فَلَاةٍ خَرْقُهُ لَيْسَ يَرْقَعُ
تُلِحُّ عَلَيْهِ السَّافِيَاتُ بِمَنْزِلٍ … جَدِيْبٍ وَقدْ كَانَتْ بِهِ الأَرْضُ تَمْرِعُ
رَهِيْنَا بِهِ لَا يَمْلِكُ الدَّهْرَ رَجْعَةً … وَلا يَسْتَطِيْعَنَّ الْكَلَامَ فَيُسْمَعُ
تَوَسَّدَ فِيْهِ التُّرْب مِنْ بَعْد مَا اغْتِدى … زَمَانًا عَلَى فُرُشٍ من الْخِز يُرْفَعُ
كَذَلِكَ حُكْمُ اللهِ فِي الْخَلْقِ لَنْ تَرَى … مِنَ النَّاسِ حَيًّا شَمْلهُ لَيْسَ يُصْدَعُ
آخر: هذه قصيدة وعظية ألق لها سمعك:
أنِسْتُ بِلَاواءِ الزَّمَانِ وَذِلِّهِ … فَيَا عِزَّةَ الدُّنْيَا عَلَيْكَ سَلامُ
إِلَى كَمْ أَعَانِي تِيْهَهَا وَدَلالَهَا … أَلَمْ يَأَنْ عَنْهَا سَلْوةُ وَسَآمُ
وَقَد أَخْلَقَ الأَيَّامَ جِلْبَابِ حُسْنِهَا … وَأُضْحَتْ وَدِيبَاجُ البَهَاءِ مَسَامُ
عَلَى حِيْنَ شَيْبُ قَدْ أَلَمَّ بَمَفْرِقِي … وَعَادَ رُهَامُ الشَّعْرِ وَهْوَ ثَغَامُ
طَلائِعُ ضَعْفٍ قَدْ أَغَارَتْ عَلَى القُوى … وَثَارَ بِمْيَدَانِ الْمِزَاجِ قِتَامُ
فَلَا هِيَ فِِي بُرْجِ الْجَمَالِ مُقِيْمَةٌ … وَلَا أَنَا فِي عَهْدِ الْمُجُونَ مُدَامُ
تَقَطَّعَتْ الأَسْبَابُ بَيْنِي وَبَيْنَهَا … وَلَمْ يَبْقَ فِيْنَا نِسْبَةٌ وَلِئآمُ
وَعَادَتْ قَلُوصُ العَزْمِ عَنِّي كَلِيْلَةً … وَقَدْ جُبَّ مِنْهَا غَارِبٌ وَسَنَامُ
كَأَنِّي بِهَا وَالقَلْبُ زُمَّتْ رِكَابُه … وَقُوِّضَ أَبْيَاتٌ لَهُ وَخِيَامُ
وَسِيْقَتْ إِلَى دَارِ الْخُمُولِ حُمُولُهُ … يَحُنُّ إِلَيْهَا وَالدُّمُوعُ رُهَامُ
حَنِيْنَ عَجُولٍ غَرَّهَا البَوُّ فانْثَنَتْ … إِلَيْهِ وَفِيْهَا أَنَّه وَضُغَامُ
تَوَلَّتْ ليَالِ لِلمَسَرَّاتِ وَانْقَضَتْ … لِكُلِ زَمَانٍ غَايَةٌ وَتَمَامُ
следующие страницы →