← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 120

مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار

عبد العزيز السلمان

Полный текст (1 102 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار خُطَبْ وَحِكَم وَأَحْكَام وَقَوَاعِدْ وَمَواعِظْ وَآدَابْ وَأَخْلَاق حِسَان تَأْلِيفُ الفَقِير إلى عَفْوِ رَبِّهِ عَبدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ السّلمانِ المدرس في معهد إمام الدعوة بالرياض سابقاً

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (فائدة عظيمة النفع لمن وفقه الله) ما أنعم الله على عبد نعمة أفضل من أن عرفه لا إله إلا الله، وفهمه معناها، ووفقه للعمل بمقتضاها، والدعوة إليها. أشرف الأشياء قلبك ووقتك فإذا اهملت قلبك وضيعت وقتك، فما بقي معك؟ كل الفوائد ذهبت فانتبه لنفسك. (فصل) فائدة وقف قوم على عالم فقالوا إنا سائلوك أفمجيبنا أنت قال: سلوا ولا تكثروا، فإن النهار لن يرجع والعمر لن يعود، والطالب حثيث في طلبه، قالوا: فأوصنا، قال: تزودوا على قدر سفركم فإن خير الزاد ما أبلغ البغية، ثم قال: الأيام صحائف الأعمار فخلدوها أحسن الأعمال، فإن الفرص تمر مر السحاب، والتواني من أخلاق الكسالى والخوالف، ومن استوطن مركب العجز عثر به، وتزوج التواني بالكسل فولد بينهما الخسران اهـ قال بعضهم: شعرا: تَزَوَجَتَ البَطَالَةُ بالتَّوَانِي … فأَوْلَدَهَا غُلامًا مَعْ غُلامَهْ فأَمَّا الإِبْنُ سَمَّوْهُ بفَقْرٍ … وأمَّا البنْتُ سَمَّوهَا نَدَمَه آخر: الذِّكر أَصْدَقُ قَوْلٍ فَافْهَمْ الْخَبَرَا … لأَنَّهُ قَوْلٌ مِن قَدْ أَنشأ البشرا فاعمل به إن ترد فهما ومعرفة … ياذا النهي كي تنال العز والفخرا وتحمد الله في يوم المعاد إذا … جاء الحساب وعم الخوف وانتشرا لله در رجال عاملين به … فيما يدق وما قد جل واشتهرا

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ملاحظة: لا يسمح لأي إنسان أن يختصره أو يتعرض له بما يسمونه تحقيقا لأن الاختصار سبب لتعطيل الأصل والتحقيق أرى أنه اتهام للمؤلف، ولا يطبع إلا وقفا لله تعالى على من ينتفع به من المسلمين. فوائد عظيمة النفع جدا لبعض العلماء رحمهم الله تعالى: (١) الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما أعمالا صالحة تربح وتحمد العاقبة الحميدة إن شاء الله تعالى. (٢) الملائكة يكتبان ما تلفظظ به فاحرص على أن لا تنطق إلا بما يسرك يوم القيامة من ذكر الله وما والاه. (٣) اعلم أن قصر الأمل عليه مدار عظيم وحصن قصر الأمل ذكر الموت، وحصن حصنه ذكر فجأة الموت وأخذ الإنسان على غرة وغفلة وهو في غرر وفتور عن العمل للآخرة، فاحفظ هذه الفوائد واعمل بها تفلح وتربح إن شاء الله. ومن أراد طباعته ابتغاء وجه الله تعالى لا يريد به عرضاً من الدنيا، فقد أُذن له في ذلك وجزى الله خيراً من طبعه وقفاً لله، أو أعان على طبعه، أو تسبب لطبعه وتوزيعه على إخوانه المسلمين، فقد ورد عنه ﷺ أنه قال: «إن الله يدخل في السهم الواحد ثلاثة نفر الجنة: صانعه يحتسب في صنعته الخير والرامي به، ومنبله» الحديث، رواه أبو داود. وورد عنه ﷺ أنه قال: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له» الحديث رواه مسلم. وعن زيد بن خالد ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «من جهز غازيا في

стр. 4

سبيل الله فقد غزا ومن خلف غازيا في أهله بخير فقد غزا» متفق عليه. وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله ﷺ : «إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونره وولدا صالحا تركه أو مصحفا ورثه أو مسجدا بناه أو بيتا لابن سبيل بناه أو نهرا أجراه او صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته» رواه ابن ماجه وابن خزيمة. ورواه البزار من حديث أنس إلا أنه قال: «سبع تجري للعبد بعد موته وهو في قبره من علم علما أو كرى نهرا أو حفر بئرا أو غرس نخلا أو بنى مسجدا أو ورث مصحفا أو ترك ولدا يستغفر له بعد موته» .

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الواحد القهار العزيز الغفار مقدر الأقدار ومصرف الأمور على ما يشاء ويختار ومكور الليل على النهار. الواحد الأحد الفرد العليم الحكيم الذي أيقظ من خلقه من اصطفاه فأدخله في جملة الأخيار ووفق من اختار من عبيده فجعله من الأبرار. وبصر من أحبه من خلقه للحقائق فزهدوا في هذا الدار فاجتهدوا في مرضاته والتأهب لدار القرار. وبعد فإني لما نظرت في غفلتي عن اكتساب الزاد المبلغ ليوم المعاد ورأيت أوقاتي قد ضاعت فيما لا ينفعني في معادي ورأيت استعصاء نفسي عما يؤنسني في رمسي لا سيما والشيطان والدنيا والهوى معها ظهير. فعزمت إن شاء الله تعالى على أن أجمع في هذا الكتاب ما تيسر من المواعظ والنصائح والخطب والحكم والأحكام والفوائد والقواعد والآداب وفضائل الأخلاق المستمدة من الكتاب والسنة ومن كلام العلماء الأوائل والأواخر المستمد منهما ما أرجو من الله العلي أن يستغني به الواعظ والخطيب والمرشد وغيرهم راجيا من الله الحي القيوم ذي الجلال والإكرام الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد القوي العزيز الرءوف الرحيم اللطيف الخبير أن ينفع به وأن يأجر من يطبعه وقفا لله تعالى أو يعين على طباعته أو يتسبب لها وسميته «مفتاح الأفكار للتأهب لدار القرار» عبد العزيز بن محمد بن سلمان

стр. 6

بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٨١] . وقال ﵎: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] الآية. وقال ﵎: ﴿وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ . وقال جل وعلا: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الزمر: ٥٨] . وقال تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَّا أَسْلَفَتْ﴾ [يونس: ٣٠] وقال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] . وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٠] الآيات. وقال جل وعلا: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] . وقال تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون﴾ [الزمر: ٤٨] . وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِن قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾

стр. 7

[سبأ: ٥٣] . وقال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُم مَّلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] . وقال تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٥٣] . وقال تعالى: ﴿ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين﴾ . وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مَّعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء: ١] . وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨] . وقال تعالى: ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ وَجَاءتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ لَقَدْ كُنتَ فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢] . وقال تعالى: ﴿أَزِفَتْ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾ [النجم: ٥٨] . وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَن شَاء اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآباً إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَاباً قَرِيباً يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ [النبأ: ٤٠] . وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى﴾ [النازعات: ٣٥] . وقال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥] . وقال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣] .

стр. 8

الأحاديث وعن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» . متفق عليه، وعن ابن عمر قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: «كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل، وكان ابن عمر ﵄ يقول: «إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك ومن حياتك لموتك» . رواه البخاري، وقال ﷺ : «أكثروا ذكر هادم اللذات، يعني الموت» رواه الترمذي. وقال حديث حسن، وقال ﷺ : «بادروا بالأعمال سبعا، هل تنتظرون إلا فقرًا منسيا أو غنى مطغيًا أو مرضًا مفسدًان أو هرمًا مفندًا أو موتًا مجهزًا أو الدجال فشر غائب ينتظر أو الساعة فالساعة أدهى وأمر» . رواه الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: «لا يتمنى أحدكم الموت إما محسنًا فلعله يزداد وإما مسيئًا فلعله يستعتب» متفق عليه. وفي رواية مسلم عن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: «لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه إنه إذا مات ابن آدم انقطع عمله وإنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرًا» . وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه فإن كان لا بد فاعلاً فليقل اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» . متفق عليه. ١- "موعظة " إخواني إن في مواعظ الأيام والليالي لعبرة لذوي البصائر ركائب أموات تزعج عن مقصورات القصور ثم تحمل إلى مضائق القبور، فكم قد شاهدتم

стр. 9

من شخصيات في الأرض، قد وضعت، وكم قد عاينتم من أبدان ناعمة قد لفت وإلى مضيق الألحاد قد زفت فيا لها من غاية يستبق إليها العباد ويا له من مضمار يتناوبه جواد بعد جواد ويا له من هول شديد يعقبه أهوال شداد فتنة قبور وحشر في موقف مهيل موقف فيه تنقطع الأنساب وتخضع فيه الرقاب وتنسكب فيه العبرات وتتصاعد فيه الزفرات ذلك موقف تنشر فيه الدواوين، وتنصب فيه الموازين، ويمد فيه الصراط، وحينئذ يقع الامتياز فناج مسلم ومكردس في النار. شعرًا: قُمْ فِي ظَلامِ اللَّيْلِ وَاقْصُدْ مَهَيْمنًا … يَرَاكَ إِليه في الدُّجَى تَتَوَسَّلُ وَقُلْ يَا عَظْيْمَ العَفْوِ لَا تَقْطَع الرَّجا … فَأَنْتَ الْمُنَى يَا غَايِتِي وَالْمُؤَمَّلُ فَيَا رَبَّ فاقْبَل تَوْبَتِي بِتَفَضُلٍ … فَمَا زَلْتَ تَعْفُو عَنْ كَثِيْرٍ وَتَمْهَلُ فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَعْفُو وَأَنْتَ ذَخِيْرَتِي … لِمَنْ أَشْتَكِى حَالِي وَمَنْ أَتَوَسَّلُ حَقِيْقٌ لِمَنْ أَخْطَأَ وَعَادَ لِمَا مَضَى … وَيَبْقَى عَلَى أَبْوَابِهِ يَتَذَلَّلُ وَيَبْكِي عَلَى جِسْمٍ ضَعِيْفٍ مِن البِلَى … لَعَلَّ يَجُودُ السَّيْدُ الْمُتَفَضِّلُ رَجَوْتُ إِلَهِي رَحْمَةً وَتَفَضُّلاً … لِمَنْ تَابَ مِن زَلاَّتِهِ يَتَقَبَّلُ اللهم اجعلنا من المتقين الأبرار وأسكنا معهم في دار القرار، اللهم وفقنا بحسن الإقبال عليك والإصغاء إليك ووفقنا للتعاون في طاعتك والمبادرة إلى خدمتك وحسن الآداب في معاملتك والتسليم لأمرك والرضا بقضائك والصبر على بلائك والشكر لنعمائك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله أجمعين.

стр. 10

(فصل) قال بعض العلماء: من عجيب ما نقدت من أحوال الناس كثرة ما ناحوا على خراب الديار وموت الأقارب والأسلاف والتحسر على الأرزاق بذم الزمان وأهله وذكر نكد العيش فيه. وقد رأوا من انهدام الإسلام وموت السنن وظهور البدع وارتكاب المعاصي وتقضي العمر في الفارغ الذي لا يجدي والقبيح الذي يوبق ويؤذي. فلا أجد أحدًا منهم ناح على دينه ولا بكى على فارط عمره ولا آسى على فائت دهره. وما أرى لذلك سببًا إلا قلة مبالاتهم في الأديان وعظم الدنيا في عيونهم. ضد ما كان عليه السلف الصالح يرضون بالبلاغ وينوحون على الدين اهـ. وكتب بعضهم إلى صديق له يشاوره في شيء من أمر الدنيا فكان الجواب: اطلب الدنيا على قدر مكثك فيها، واطلب الآخرة على قدر حاجتك إليها. وقال يحيى بن معاذ: لست آمركم بترك الدنيا آمركم بترك الذنوب، ترك الدنيا فضيلة وترك الذنوب فريضة وأنتم إلى إقامة الفريضة أحوج منكم إلى الحسنات. وقال: لا تكن ممن يفضحه يوم موته ميراثه ويوم حشره ميزانه. وقال إبراهيم الخواص: دواء القلب في خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين. وقال: على قدر إعزاز المرء لأمر الله يلبسه الله من عزه، ويقيم له العز في قلوب المؤمنين.

стр. 11

وقال في الفنون لقد عظم الله الحيوان لا سيما ابن آدم حيث أباحه الشرك عند الإكراه وخوف الضرر على نفسه فقال جل وعلا: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] . من قدم حرمة نفسك على حرمته حتى أباحك أن تتوقى وتحامي عن نفسك بذكره بما لا ينبغي له سبحانه. فحقيق أن تعظيم شعائره وتوقر أوامره وزواجره وعصم عرضك بإيجاب الحد بقذفك وعصم مالك بقطع مسلم في سرقته. وأسقط شطر الصلاة لأجل مشقتك وأقام مسح الخف مقام غسل الرجل إشفاقًا عليك من مشقة الخلع واللبس وأباحك الميتة سدة لرمقك وحفظًا لصحتك، وزجرك عن مضارك بحد عاجل ووعيد آجل، وخرق العوائد لأجلك وأنزل الكتب إليك. أيحسن بك مع هذا الإكرام أن تُرى على ما نهاك منهمكًا وعما أمرك متنكبًا وعن داعيه معرضًا ولسنته هاجرًا ولداعي عدوك فيه مطيعا. يعظمك وهو هو وتهمل أمره وأنت أنت وهو حط رتب عباده لجلك وأهبط إلى الأرض من امتنع من سجدة يسجد لأبيك. هل عاديت خادمًا طالت خدمته لك لترك صلاة، هل نفيته من دارك للإخلال بفرض أو لارتكاب نهي، اهـ. قلت وفي وقتنا هل أخرجت الملاهي والمنكرات من بيتك؟ هل منعت الأجانب والأجنبيات سواقين وخدمات من بيتك؟

стр. 12

فائدة وقف قوم على عالم فقالوا إنا سائلوك أفمجيبنا أنت قال سلوا ولا تكثروا، فإن النهار لن يرجع والعمر لن يعود، والطالب حثيث في طلبه، قالوا فأوصنا، قال تزودوا على قدر سفركم فإن خير الزاد ما أبلغ البغية، ثم قال الأيام صحائف الأعمار فخلدوها أحسن الأعمال، فإن الفرص تمر مر السحاب، والتواني من أخلاق الكسالى والخوالف، ومن استوطن مركب العجز عثر به، وتزوج التواني بالكسل فولد بينهما الخسران اهـ. اللهم يا هادي المضلين ويا راحم المذنبين، ومقيل عثرات العاثرين، نسألك أن تلحقنا بعبادك الصالحين الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين آمين يا رب العالمين. اللهم يا عالم الخفيات، ويا رفيع الدرجات، يا غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا أنت إليك المصير. نسألك أن تذيقنا برد عفوك، وحلاوة رحمتك، يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. [فصل في بعض ذكر فوائد ذكر الموت] اعلم أن في ذكر الموت فوائد عديدة من ذلك أنه يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي. ثانيًا: يذهب الفرح والسرور بالدنيا، ويزهد فيها، ويهون المصائب. ثالثًا: التأثر في مشاهدة المحتضرين الذين تخرج أرواحهم، فإن في النظر إليهم ومشاهدة سكراتهم عند نزع أرواحهم، وشخوص أبصارهم عند

стр. 13

نزعها، وعجزهم عن الكلام، عند تسلل الروح من الجسد. وتأمل صورهم بعد خروج الروح ما يقطع عن النفوس لذاتها ويطرد عن القلوب مسراتها ويمنع الجفون من النوم ويمنع الأبدان من الراحة، ويبعث على الجد والاجتهاد في العمل للآخرة. فروي أن الحسن البصري دخل على مريض يعوده فوجده في سكرات الموت، فنظر إلى كربه وشدة ما نزل به فرجع إلى أهله بغير اللون الذي خرج به من عندهم. فقالوا له الطعام فلم يأكل: وقال: فو الله لقد رأيت مصرعًا لا أزال أعمل له حتى اللقاء. الرابع: مما يلين القلوب القاسية زيارة القبور. فإنها تبلغ من القلوب ما لا يبلغه الأول والثاني والثالث لأنها تذكر بالآخرة. وَلَمْ أَرَى كَالْمَواتِ أَفْجَعَ مَنْظَرًا … وَلَا وَاعِظِي جُلاَّسِهم كَالْمَقَابِرِ آخر: وَعَظَتْكَ أَجْدَاثٌ وَهُنْ صُمُوْتُ … وَأَصْحَابُهَا تَحْتَ التُرَابِ خُفُوْتُ الخامس: زيارة المستشفيات والمستوصفات فإنها تلين القلوب وتحث الإنسان على حمد الله وشكره، وعلى الجد والاجتهاد فيما يعود نفعه على الإنسان في الآخرة. وينبغي للإنسان أن يقوي ظنه بالله ويستحضر رحمته ورأفته ولطفه بعباده ولا سيما عند الاحتضار. قال ﷺ : «لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله» . رواه مسلم

стр. 14

وفي حديث أبي هريرة عن رسول الله ﷺ أنه قال: «قال الله : أنا عند ظن عبدي بي» . الحديث متفق عليه. ولا ريب أن حسن الظن برب العالمين الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى الحليم الكريم الجواد الرحمن الرحيم الرءوف بالعباد الغني عنا وعن أعمالنا وعن تعذيبنا وعقابنا. من أعظم ما نتقرب به إليه ومن أجزل ما نتوجه به عليه. أي عبادة أعظم من حسن ظننا برب العالمين مع الخوف من معاملته إيانا بعدله. فالعاقل يكون بين الخوف والرجاء لكن يغلب الرجاء عند الاحتضار ويحسن الظن بالكريم الغفار ويستحضر أنه قادم على أكرم الأكرمين. وأجود الأجودين البر الرحيم. وإن حصل أن يتلى عند المحتضر آيات الرجاء وأحاديث الرجاء ليقوي ظنه بالله تعالى أجود الأجودين وأكرم الأكرمين. ومن آيات الرجاء قوله جل وعلا وتقدس: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣] . وقال تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: ١٥٦] . وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [الفرقان: ٧٠] . وقوله: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ

стр. 15

وَمَن يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً﴾ [النساء: ٤٨] . ومن أحاديث الرجاء ما ورد عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قدم على رسول الله بسبي فإذا امرأة من السبي تسعى إذا وجدت صبيًا في السبي أخذته فالزقته ببطنها فأرضعته. فقال رسول الله ﷺ : «أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار قلنا لا يا رسول الله فقال: الله أرحم بعباده من هذه بولدها» . متفق عليه. وورد عنه ﷺ أنه قال: «فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله» . متفق عليه. وقال ﷺ : «لما خلق الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي تغلب غضبي وفي رواية غلبت غضبي وفي رواية سبقت غضبي» . متفق عليه. وروي عن الإمام أحمد أنه لما حضرته الوفاة قال لولده عبد الله: الق علي أحاديث الرجاء. لأن المؤمن إذا سمع آيات الرجاء وأحاديث الرجاء قوي حسن ظنه بربه واشتاق إلى لقاء سيده ومولاه الذي هو أرحم به من والديه وأولاده فعند ذلك تهون عليه سكرات الموت إذا أراد الله. إِذَا اشْتَكَتْ مِنْ كَلالِ السَّيْرِ أَوْ عَدَهَا … وَصْلَ الْمُحبِّ فَتَحْيَا عِنْدَ مِيْعَادِ والمهم أنه يحرص كل الحرص على تقوية حسن ظنه برب العالمين ثم اعلم أن للموت سكرات قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾ [ق: ١٩] . وقيل إن الأعضاء يسلم بعضها على بعض ففي تذكرة القرطبي عن أنس

стр. 16

مرفوعًا «إن العبد ليعالج كرب الموت وإن مفاصله ليسلم بعضها على بعض يقول السلام عليك تُفارقني وأفارقك إلى يوم القيامة» . أي يودع بعضها بعضًا. خُلقْنَا لأِحْدَاث الليالي فَرائِسًا … تُزَفُ إِلِى الأَجْدَاثِ مِنَّا عَرَائِسًا تُجَهِّزُ مِنَّا لِلْقُبُورِ عَسَاكِرًا … وَتُرْدِفُ أعوادَ الْمُنايَا فَوارِسًا إِذَا أمَلٌ أرْخَى لَنَا مِنْ عِنَانِهِ … غَدَا أَجَلٌ عَمَّا نُحَاوِلُ حَابِسًا أَرَى الْغُصْنَ لَمَّا اجْتُثُّ وَهو بِمَائِهِ … رَطيبًا وَمَا أنْ أَصْبَحَ الْغُصْن يَابِسًا نَشِيدُ قُصورًا لِلْخُلُودِ سَفَاهَةً … وَنَصْبِر مَا شِئْنَا فَتورًا دَوَارسًا اللهم وفقنا لصالح الأعمال، ونجنا من جميع الأهوال، وأمنا من الفزع الأكبر يوم الرجف والزلزال، واغفر لنا ولوالدينا، ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين. (فصل) اعلم وفقنا الله وإياك وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه أن كثرة ذكر الموت تردع عن المعاصي وتلين القلب القاسي، وتذهب الفرح بالدنيا وزينتها وزخارفها ولذاتها. وتحثك على الجد والاجتهاد في الطاعات وإصلاح أحوالك وشئونك والتنسخ من حقوق الله وحقوق خلقه، وتنفيذ الوصايا وأداء الأمانات والديون. قال بعضهم فضح الدنيا والله هذا الموت فلم يترك فيها لذي عقل فرحًا.

стр. 17

وقال آخر ما رأيت عاقلاً قط إلا وجدته حذرًا من الموت حزينًا من أجله. وقال آخر من ذكر الموت هانت عليه مصائب الدنيا. وقال آخر: من لم يخفه في هذه الدار ربما تمناه في الآخرة فلا يؤتاه. وقال آخر يوصي أخًا له: يا أخي احذر الموت في هذه الدار من قبل أن تصير إلى دار تتمنى بها الموت فلا يوجد. وقال آخر: وأما ذكر الموت والتفكر فيه، فإنه وإن كان أمرًا مقدرًا مفروغًا منه، فإنه يكسبك بتوفيق الله التجافي عن دار الغرور، والاستعداد والإنابة إلى دار الخلود، والتفكر والنظر فيما تقدم عليه وفيما يصير أمرك إليه. ويهون عليك مصائب الدنيا ويصغر عندك نوائبها، فإن كان سبب موتك سهلاً وأمره قريبًا فهو ذاك، وإن كانت الأخرى كنت مأجورًا مع النية الصالحة فيما تقاسيه، مثابًا على ما تتحمله من المشاق. واعلم أن ذكر الموت وغيره من الأذكار إنما يكون بالقلب وإقبالك على ما تذكره. قال الله جلا جلاله وتقدست أسماؤه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧] . فأي فائدة لك رحمك الله في تحريك لسانك إذا لم يخطر بقلبك. وإنما مثل الذكر الذي يعقب التنبيه، ويكون معه النفع والإيقاظ من الغفلة والنوم أن تحضر المذكور قلبك وتجمع له ذهنك وتجعله نصب عينيك من ولد أو أهل أو مال أو غير ذلك، فتعلم علمًا لا يشوبه شك أنك مفارقة إما في الحياة أو في الممات، وهذه سنة الله الجارية في خلقه وحكمه المطرد. وتُشعْر هذا قلبك وتفرغ له نفسك فتمنعها بذلك عن الميل إلى ذلك المحبوب والتعلق به والهلكة بسببه.

стр. 18

فَعُقْبَى كَلِّ شَيءٍ نَحْنُ فِيِهِ … مِن الْجَمْع الكثيفِ إِلَى شَتَاتِ وَمَا حُزْنَاهُ مِن حِلِّ وَحُرْمٍ … يُوَزَّعُ فِي البَنِيْنِ وَفِي البَنَاتِ وَفِيْمَنْ لَمْ نَؤَهِّلْهُمْ بِفَلسٍ … وقِيْمَةِ حَبّةٍ قَبْلَ الْمَمَاتِ وَتَنْسَانَا الأَحِبَّةُ بَعْدَ عَشْر … وَقَد صِرْنَا عِظامًا بَالِيَاتِ كَأَنَّا لَمْ نُعَاشِرهُم بِوُدِّ … وَلَمْ يَكُ فيهِمُ خِلِّ مُؤاتِ والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم. (فصل) واعلم رحمك الله أن مما يعنيك على الفكرة في الموت ويفرغك له ويكثر اشتغال فكرك به تذكر من مضى من إخوانك وخلانك وأصحابك وأقرانك وزملائك وأساتذتك ومشايخك الذين مضوا قبلك وتقدموا أمامك. كانوا يحرصون حرصك ويسعون سعيك، ويأملون أملك، ويعملون في هذه الدنيا عملك وقصت المنون أعناقهم وقصمت ظهورهم وأصلابهم، وفجعت فيهم أهليهم وأحباءهم وأقرباءهم وجيرانهم فأصبحوا آية للمتوسمين وعبرة للمعتبرين. ويتذكر أيضًا ما كانوا عليه من الاعتناء بالملابس ونظافتها ونضرة بشرتهم، وما كانوا يسحبونه من أردية الشباب وأنهم كانوا في نعيم يتقلبون، وعلى الأسرة يتكئون، وبما شاءوا من محابهم يتنعمون. وفي أمانيهم يقومون ويقعدون، لا يفكرون بالزوال، ولا يهمون بانتقال، ولا يخطر الموت لهم على بال، قد خدعتهم الدنيا بزخارفها، وخلبتهم وخدعتهم برونقها، وحدثتهم بأحاديثها الكاذبة، ووعدتهم بمواعيدها المخلفة الغرارة.

стр. 19

فلم تزل تقرب لهم بعيدها، وترفع لهم مشيدها، وتلبسهم غضها وجديدها، حتى إذا تمكنت منهم علائقها، وتحكمت فيهم رواشقها، وتكشفت لهم حقائقها، ورمقتهم من المنية روامقها. فوثبت عليهم وثبة الحنق وأغصتهم غصة الشرق، وقتلتهم قتلة المختنق، فحكم عليهم من عيون باكية، ودموع جارية، وخدود دامية، وقلوب من الفرح والسرور لفقدهم خالية. وأنشدوا في هذا المعنى: وَرَيَّانَ مِن مَاءِ الشَّبَابِ إِذَا مَشَىْ … يَمِيْدُ عَلَى حُكْم الصِّبَا وَيَمِيْدُ تَعَلْقَ مِن دُنْيَاهُ إِذَا عَرَضَتْ لَهُ … خَلوبًا لألْبابِ الرِّجَالِ تَصِيْدُ فَأَصْبَحَ مِنْهَا فِي حَصِيْدٍ وَقَائِم … وَلِلْمَرْءِ مِنْهَا قَائمٌ وَحَصِيْدُ خَلَا بِالأمانِي واسْتَطَابَ حَدِيْثَها … فَيَنْقُصُ مِن أَطْمَاعِهِ وَيَزِيْدُ وَأدْنَتْ لَهُ الأَشْيَاءَ وَهيَ بَعَيْدَةٌ … وَتَفْعَلُ تُدْنِي الشَّيءَ وَهْوَ بَعَيِْدُ أتِيْحَتْ لَهُ مِن جَانِب الْمَوتِ رَمْيَةً … فَراحَ بِهَا الْمَغْرُوْرُ وَهْوَ حَصِيْدُ وَصَارَ هَشِيْمًا بَعْدَمَا كَانَ يَانِعًا … وَعَادَ حَدِيْثا يَنْقَضِيْ وَيَبِيْدُ كَأَنْ لَمْ يَنَلْ يَومًا مِن الدَّهْرِ لَذَّةً … وَلَا طَلَعَتْ فِيْهِ عَلَيْه سُعُوْدُ تَبَارَكَ مَن يُجْرِيْ عَلَى الْخَلْقِ حُكْمَهُ … فَلَيْسَ لِشَيءٍ مِنْهُ عنه مَجِيْدُ انتهى اللهم اسلك بنا مسلك الصادقين الأبرار، وألحقنا بعبادك المصطفين الأخيار، وأتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار. اللهم أحي قلوبًا أماتها البعد عن بابك، ولا تعذبنا بأليم عقابك يا أكرم من سمح بالنوال وجاد بالإفضال، اللهم أيقظنا من غفلتنا بلطفك وإحسانك، وتجاوز عن جرائمنا بعفوك وغفرانك، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين

стр. 20

الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فصل) ثم اعلم أيها الأخ أنه ما من ساعة تمر على العبد لا يذكر الله فيها إلا تأسف وتحسر على فواتها بغير ذكر الله ولذلك ينبغي للعاقل أن يجعل معه شيئًا يذكره لذكر الله كلما غفل عنه. ويُقال إن العبد تعرض عليه ساعات عمره في اليوم والليلة فيراها خزائن مصفوفة أربع وعشرين خزانة فيرى في كل خزانة أمضاها في طاعة الله ما يسره. فإذا مرت به الساعات التي غفل فيها عن ذكر الله رآها فارغة ساءه ذلك وتندم حين لا يفيده الندم. وأما الساعات التي كان يذكر الله فيها فلا تسأل عن سروره فيها وفرحه بها حتى يكاد أن يقتله الفرح والسرور. قال بعضهم أوقات الإنسان أربعة لا خامس لها النعمة، والبلية، والطاعة، والمعصية. ولله عليك في كل وقت منها سهم من العبودية. فمن كان وقته الطاعة لله فسبيله شهود المنة من الله عليه أن هداه ووفقه للقيام بها. ومن كان وقته المعصية فعليه بالتوبة والندم والاستغفار. ومن كان وقته النعمة فسبيله الشكر والحمد لله والثناء عليه. ومن كان وقته البلية فسبيله الرضا بالقضاء والصبر والرضا رضى النفس عن الله، والصبر ثبات القلب بين يدي الرب. اهـ. العمر إذا مضى لا عوض وما حصل لك منه لا قيمة له. فعمر الإنسان

стр. 21

هو ميدانه للأعمال الصالحة المقربة من الله تعالى والموجبة له جزيل الثواب في الآخرة. ولكن ما يعرف قدر العمر إلا نوادر العلماء. قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿ادْخُلُواْ الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٣٢] . وقال ﵎: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] . وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ﴾ [الذاريات: ١٦] . وهذه هي السعادة التي يكدح العبد ويسعى من أجلها وليس له منها إلا ما سعى كما قال جل وعلا وتقدس: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] . فكل جزء يفوته من العمر خاليًا من عمل صالح. يفوته من السعادة بقدره ولا عوض له منه. فالوقت لا يستدرك وليس شيء أعز منه وكل جزء يحصل له من العمر غير خال من العمل الصالح يتوصل به إلى ملك كبير لا يفني ولا قيمة لما يوصل إلى ذلك لأنه في غاية الشرف والنفاسة. ولأجل هذا عظمت مراعاة السلف الصالح ﵃ لأنفاسهم ولحظاتهم وبادروا إلى اغتنام ساعاتهم وأوقاتهم ولم يضيعوا أعمارهم في البطالة والتقصير ولم يقنعوا لأنفسهم إلا بالجد والتشمير فلله درهم ما أبصرهم بتصريف أوقاتهم. تَبْغِي الوُصُولَ بِسَيْرٍ فِيِهِ تَقْصِيْرُ … لَا شَكَّ أَنَّكَ فِيْمَا رُمْتَ مَغْرُوْرُ قَدْ سَارَ قَبْلَكَ أَبْطَالٌ فَمَا وَصِلُوا … هَذَا وَفِي سَيْرِهم جَدُّ وَتَشْمِيْرُ قال بعضهم أدركت أقوامًا كانوا على ساعاتهم أشفق منكم على دنانيركم ودراهمكم فكما لا يخرج أحدكم دينارًا ولا درهمًا إلا فيما يعود

стр. 22

نفعه عليه فكذلك السلف لا يحبون أن تخرج ساعة بل ولا دقيقة من أعمارهم إلا فيما يعود نفعه عليهم ضد ما عليه أهل هذا الزمان من قتل الوقت عند المنكرات. تَبًا لِطَالِبِ دُنْيَا لَا بَقَاءَ لَهَا … كَأَنَّمَا هِي فِي تَعْرِيْفَهَا حُلمُ صَفَاؤُهَا كَدَرٌ سُرُوْرُهَا ضَرَرٌ … أَمَانُهَا غَرَرٌ أَنْوَارُهُا ظُلَمُ شَبَابُهَا هَرَمٌ رَاحَاتُهَا سَقَمٌ … لَذَّاتُهَا نَدَمٌ وُجْدَانُهَا عَدَمُ لَا يَسْتَفِيْقُ مِن الأَنْكَادِ صَاحِبُهَا … لَوْ كَانَ يَمْلِكُ مَا قَد ضُمِّنَتْ إِرْمُ فَخَلِّ عَنْهَا وَلَا تَرْكَنْ لِزَهْرَتِهَا … فَإِنَّهَا نِعَمٌ فِي طَيِّها نِقَمُ وَاعْمَلْ لِدَارِ نَعِيْمٍ لَا نَفَادَ لَهَا … وَلَا يُخَافُ بِهَا مَوْتٌ وَلا هَرَمُ انتهى آخر: رَفَعْتَ عَرْشَكَ فِي الدَّنْيَا وَتُهْتَ بِهِ … وَمَا بِهَا لِلَبيْب تُرْفَعُ العُرُشُ وَبِتّ فِيْهَا عَلَى فُرْشٍ مُلَيَّنَةٍ … وَلَوْ عَقَلْتَ لَمَا لَانَتْ لَكَ الفُرشُ وَظِلْتَ تَسْعَى لآِمال وَتَفْرشُهَا … وَلِلْمَوَارِيْثِ مَا تَسْعَى وَتَفْتَرِشُ كَمْ كَانَ قَبْلَكَ مِنْ مَأسُوْرِ رَغْبَتِهِ … بِالحِرْصِ تُلْدَغُ جَنْبَاهُ وَتُنَتَهشُ يَمسِي وَيُصْبَحُ فِي حِلٍّ وَفِي ظَعْنٍ … يَضُمُّ هَذَا إِلَى هَذَا وَيَحْتَوِشُ عَطْشَان لِلْمَالِ مُحْمَاة جَوَانِحُهُ … أَلْقَى عَلَى صَدْرِهِ لِسَانِهُ العَطَشُ حَتَّى إِذَا قِيْلَ قَد تَمَّتْ مَطَالِبُهُ … وَطَافَ مِن حَوْلِهِ أَهْلُوْه وَاْحَتوشُوا مَدَّتْ إِليه يَدٌ لِلْمَوْتِ بِاطِشَةٌ … خَشْنَاءُ لَا دَهَشَ فِيْهَا وَلَا رَعَشُ فَقصَّعَتْهُ وَقِدْمًا كَانَ ذَا جَيْدٍ … وَأجْهَشَتْهُ وَلَمَّا يَدْرِ مَا الْجَهَشُ

стр. 23

فَبَاتَ مُسْتَلَبًا وَبَاتَ وَارثُهُ … وَقَدْ تَغَطَوْا بِذَاكَ الْمَالِ وَافْتَرَشُوا أَمَا سَمِعَتَ بِأَمْلَاكٍ مَضَوا قِدَمًا … شُمُّو الأنْوفِ بِرَوض الملك قَد عَرَشُوا إِنْ دُوفِعُوا دَفَعُوا أَوْ زُوحِمُوا زَحَمُوا … أَوْ غُوْلِبُوا غَلبُوا أَوْ بُوْطِشُوا بَطشُوا جَاءَتْهُمُوا وَجُنُودُ اللهِ غَالِبَةٌ … كَتَائِبٌ لِلْمَنَايَا كِلُهَا حَبَشُ فَضَعْضَعَتْ جَنَبَاتٍ عِزِّهمِ وَرَمَتْ … مَنَارَهُم بِظَلاِمِ مَا بِهِ غَبَشُ لَطَالَمَا أَكلُوا وَطَالَمَا شَرَبُوا … وَطَالَمَا رَفَعُوا الآجَامَ واعْتَرشُوا مَرُوا وَلا أَثَر مِنْهم بِدَارِ همُوا … وَلا حَسِيْسَ وَلا رِكْزٌ وَلا وَقَشُ قَدْ كَانَ لِلْقَوْمِ آمالٌ مَبَسَّطةٌ … فَأَصْبَحُوا قبضُوا الآمال وَانكَمَشُوا اللهم اشف قلوبنا من أمراض المعاصي والآثام وأملأها من خشيتك وأقبل بها إلى طاعتك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فصل) اعلم أنه ينبغي للإنسان المبادرة إلى الأعمال الصالحة، وأن ينتهز فرصة الإمكان قبل هجوم هادم اللذات. وأن يستعين بالله ويتوكل عليه ويسأله العون في تيسير الأعمال الصالحة وصرف الموانع الحائلة بينه وبينها. وليحرص على حفظ القرآن، وتدبره وتفهمه، والعمل به، وكذلك السنة، ويحرص على أداء الصلاة في جماعة. ويحرص على مجالس الذكر، ويحفظ لسانه عن الغيبة والنميمة والسعاية والكذب وجميع الأعمال والأخلاق السيئة.

стр. 24

ويتهيأ للرحيل، ويتفقد نفسه بما عليه، وما له فإن كان عنده حقوق لله كزكاة أو لخلقه كأمانات أو عواري أو وصايا أداها بسرعة خشية أن يفجاءه الموت وهي عنده. فإذا لم تؤدها أنت في حياتك، فمن بعدك من أولاد أو إخوان يبعد اهتمامهم بذلك، لأنهم يهتمون ويشتغلون بما خلفته لهم وضيعت بسببه نفسك. فالله الله البدار بالتفتيش على النفس، والمبادرة بالتوبة والإكثار من الاستغفار. ومما يحثك على ذلك ذكر مرارة الموت الذي سماه رسول الله ﷺ هادم اللذات، وتذكر شدة النزع والتفكر في الموتى الذي حبسوا على أعمالهم ليجازوا بها فليس فيهم من يقدر على محو خطيئة، ولا على زيادة حسنة. وعاد بعضهم مريضًا فقال له كيف تجدك؟ قال: هو الموت. قال له: وكيف علمت انه الموت؟ قال: أجدني اجتذب اجتذابًا، وكأن الخناجر في جوفي، وكأن جوفي تنور محمى يتلهب: قال له: فاعهد (أي أوصى) ، قال: أرى الأمر أعجل من ذلك فدعا بدواة وصحيفة قال: فو الله ما أتى بها حتى شخص بصره فمات. وقال إبراهيم بن يزيد العبدي: أتاني رياح القيسي فقال: يا أبا إسحاق انطلق بنا إلى أهل الآخرة نحدث بقربهم عهدًا. فانطلقت معه، فأتى المقابر فجلسنا إلى بعض تلك القبور، فقال: يا أبا إسحاق ما ترى هذا متمنيًا لو مُنيَّ، قلت: أن يرد والله إلى الدنيا فيستمتع من طاعة الله ويصلح. قال: فها نحن ثم نهض فجد واجتهد، فلم يلبث إلا يسيرًا حتى مات.

стр. 25

(فصل) أعلم رحمنا الله وإياك وجميع المسلمين أن في القبر وظلمته، وضيقه ووحشته وطرح الميت فيه غير ممهد ولا موسد قد باشر التراب وواجه البلى وترك الدنيا وزينتها للورى. ونبذ منها ما كان في يديه في العراء مع حبيب تركه وقريب أسلمه، ونصير أفرده، وترك كل ما كان عهده إن ذلك لما يفطم النفوس عن الشهوات، وإن كانت صعبة الفطام، ويقطعها عن اللذات، وإن كان قطعها بعيد المرام، إذا بحث عن الحقيقة ونظر بعين البصيرة وسمع النداء من قريب فبينما الإنسان في رخاء العيش مسرورًا فيما بين يديه غافلاً عن يوم صرعته قد فتح للهوى بابه، وأرسل عليه حجابه، ولم يبال بمن لامه في ذلك أو عابه، إذ هجمت عليه المنية، فهتكت أستاره، وكسفت أنواره، وشتت شمله وطمست أعلامه وآثاره. فأخرجته من ذلك القصر المشيد، والمنزل المنجد والمتاع المزخرف المنضد، إلى حفرة من الأرض ظلماء ضيقة الجوانب مملوءة من الرعب والفزع والخوف والقلق والذعر. فحذار حذار وبدار بدار قبل أن تصرع هذا المصرع فيفت في عضدك ويسقط في يدك وترمى بك عن أهلك وولدك في مهواة تزدحم فيها الأهوال، وتنقطع فيها الآمال. قد جمعت فيها جمعًا ورصعت فيها رصعًا وتركت فيه للهوام والديدان طعمًا، ومرعى. ولعلك ممن يرغب في تبديل المنازل وإن كانت حسانًا، ولا ترى لربك

стр. 26

عز وجل فيها تفضلاً وامتنانًا. فانظر الآن كم بين المنزلتين وكم قدر ما بين الوحشتين إلا أن يدركك الله برحمته فتتسع من القبر أقطاره وتمتد فيه أنواره وأنشدوا في هذا المعنى: مَنْ كَانَ يُوْحِشُهُ تَبْدِيْلُ مَنْزِلِه … وَأَنْ يُبَدِّلَ مِنْهَا مَنْزِلاً حَسَنًا مَاذَا يَقُولُ إِذَا ضَمَّتْ جَوَانِبَهَا … عَلَيْهِ وَاجْتَمَعَتْ مِن هَاهُنَا وَهُنَا مَاذَا يَقُوْلُ إِذَا أَمْسَى بِحُفْرَتِهِ … فَرْدًا وَقَد فَارَقَ الأهْلِيْنَ وَالسَّكَنَا هُنَاكَ يَعْلَمُ قَدْرَ الوَحْشَتَيْنِ وَمَا … يَلْقَاهُ مَن بَاتَ بِالَّلْذَاتِ مُرْتَهِنًا يَا غَفْلَةً وَرِمَاحُ الْمَوْتِ شَارِعَةٌ … وَالشَّيْبُ أَلْقَى بِرَأْسِي نَحْوَه الرَّسَنَا وَلَمْ أُعِدْ مَكَانًا لِلَّنِزَالِ وَلا … أَعْدَدْتُ زَادًا وَلَكِنْ غَرَّةُ ومُنَا إَنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ تَوالَى جُوْدُهُ أَبَدًا … وَيَعْفُ مَن عَفْوُهُ مِن طَالِبِيْهِ دَنَا فَيَا إِلَهِي وَمُزْنُ الْجُودِ وَاكِفَهٌ … سَحًا فَتُمْطِرُنَا الإِفْضَالُ وَالْمِنَنَا آنِسْ هُنَالِكَ يَا رَحْمَنُ وَحْشَتَنَا … وَالْطُفْ بِنَا وَتَرَفَّقْ عِنْدَ ذَاكَ بِنَا نَحْنُ العُصَاةُ وَأَنْتَ اللهُ مَلْجَؤُنَا … وَأَنْتَ مَقْصَدُنَا الأَسْنَى وَمَطْلَبُنَا فَكُنْ لَنَا عِنْدَ بَأْسَاهَا وَشِدَّتَها … أَوْلَى فَمَنْ ذَا الَّذِي فِيْهَا يَكُوُن لَنَا اللهم اسلك بنا مناهج السلامة وعافنا من موجبات الحسرة والندامة ووفقنا للاستعداد لما وعدتنا وأدم لنا إحسانك ولطفك كما عودتنا وأتمم علينا ما به أكرمتنا برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

стр. 27

شعرًا تَذَكَّرْ وَلَا تَنْسَ الْمِعَادَ وَلا تَكُنْ … كَأَنَّكَ مُخْلَى لِلمَلاعِبِ مُمْرَجُ وَلَا تَنْسَ إِذْ أَنْتَ المُوَلْوَلُ حَوْلَهُ … ونَفْسُكَ مِن بَيْنَ الْجَوَانِحُ تَخْرُجُ وَلَا تَنْسَ إِذْا أَنْتَ الْمُسَجَّى بِثَوْبِهِ … وَإِذْ أَنْتَ فِي كَرْبِ السِّيَاقِ تُحَشْرجُ وَلَا تَنْسَ إِذْ أَنْتَ الْمُعَزَّى قَرِيْبُهُ … وَإِذْ أَنْتَ فِي بِيْضٍ مِن الرَّيْطِ مُدْرَجُ وَلَا تَنْسَ إِذْ يَهْدِيْكَ قَوْمٌ إِلَى الثَّرَى … إِذْا مَا هَدَوْكَاهُ انْثَنَوا لَمْ يُعَرِّجُوا وَلَا تَنْسَ إِذْ قَبْرٌ وإِذْ مِن تُرَابِه … عَلَيْكَ بِه رَدْمٌ وَلِبْنٌ مُشَرَّجُ وَلَا تَنْسَ إِذْ تُكْسَى غَدًا مِنْهُ وَحْشَةً … مَجَالِسُ فِيْهِنَّ العَنَاكِبُ تَنْسِجُ وَلَا بُدَّ مِنْ بَيْتِ انقطاعٍ وَوَحْدَةٍ … وَإنْ سَرَّكَ البَيْتُ العَتِيْقُ الْمُدَبَّجُ أَلَا رُبَّ ذِيْ طِمْرٍ غَدًا فِي كَرَامَةٍ … وَمَلْكٍ بِتِيْجَانِ الْهَوَانِ مُتَوَّجُ لَعَمْرُكَ مَا الدَّنْيَا بِدَارِ إِقَامَةٍ … وَإنْ زَخْرَفَ الغَاوُوْنَ فِيْهَا وَزَبْرَجُوا اللهم وفقنا توفيقًا يقينا عن معاصيك وأرشدنا إلى السعي فيما يرضيك وأجرنا يا مولانا من خزيك وعذابك وهب لنا ما وهبته لأوليائك وأحبابك واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فصل) فائدة – قال ابن القيم ﵀: لشهادة أن لا إله إلا الله عند الموت تأثير عظيم في تكفير السيئات وإحباطها لأنها شهادة من عبد موقن بها عارف بمضمونها قد ماتت منه الشهوات ولانت نفسه المتمردة وانقادت بعد إبائها، وأقبلت بعد إعراضها.

стр. 28

وذلت بعد عزها وخرج منها حرصها على الدنيا فضولها واستخذت بين يدي ربها وفاطرها ومولاها الحق أذل ما كانت له وأرجى ما كانت لعفوه ومغفرته ورحمته، وتجرد منها التوحيد بانقطاع أسباب الشرك وتحقق بطلانه. فزالت منها تلك المنازعات التي كانت مشغولة بها، واجتمع همها على من أيقنت بالقدوم عليه والمصير إليه، فوجه العبد وجهه بكليته إليه، وأقبل بقلبه وروحه وهمه عليه، فاستسلم لله وحده ظاهرًا وباطنًا واستوى سره وعلانيته. فقال لا إله إلا الله مخلصًا من قلبه، وقد تخلص من التعلق بغيره والالتفات إلى ما سواه، قد خرجت الدنيا كلها من قلبه وشارف القدوم على ربه، وخمدت نيران شهوته، وامتلأ قلبه من الآخرة، فصارت نصب عينيه، وصارت الدنيا وراء ظهره. فكانت تلك الشهادة الخالصة خاتمة عمله فطهرته من ذنوبه وأدخلته على ربه لأنه لقي ربه بشهادة صادقة خالصة وافق ظاهرها باطنها وسرها علانيتها فلو حصلت له الشهادة على هذا الوجه في أيام الصحة لاستوحش من الدنيا، وأهلها وفر إلى الله من الناس وأنس به دون من سواه. لكنه شهد بها بقلب مشحون بالشهوات وحب الحياة وأنس بها ونفس مملوءة بطلب الحظوظ والالتفات إلى غير الله فلو تجردت كتجردها عند الموت لكان لها نبأ آخر وعيش آخر سوى عيشها البهيمي والله المستعان. اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا وبين معصيتك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا، اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا وقواتنا ما أحييتنا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين

стр. 29

الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فصل) وعن أنس بن مالك أن معاذ بن جبل ﵁ دخل على رسول الله ﷺ فقال كيف أصبحت، يا معاذ قال أصبحت مؤمنا بالله حقًا – قال: «إن لكل قول مصداقا ولكل حق حقيقة فما مصداق ما تقول؟» . قال: يا نبي الله ما أصبحت صباحًا قط إلا ظننت أني لا أصبح، ولا خطوة خطوة إلا ظننت إني لا أتبعها أخرى وكأني أنظر إلى كل أمة جاثية تدعى إلى كتابها معها نبيها وأوثانها التي كانت تعبد من دون الله، وكأني أنظر إلى عقوبة أهل النار وثواب أهل الجنة، قال ﵊ "عرفت فألزم". وبلغ زين العابدين من الدنيا أفضل ما تسعى إليه همةُ رجل، فرفضها ونبذها قائلاً «هذا سرور لولا أنه غرور، ونعيم لولا أنه عن قريب عديم، وملك لولا أنه هلك، وغنى لولا أنه فنى، وأمر جسيم لولا أنه ذميم، وارتفاع لولا أنه اتضاع وحسب امرئ من الدنيا لقيمات يقيم بها صلبه، وثوب يستر به عورته، وصحة يستقوي بها على طاعة الله» . واعلم يا أخي أن الأجل قريب وهو مستور عنك وهو في يد غيرك، يسوقه حثيث الليل والنهار، وإذا انتهت المدة حيل بينك وبين العدة، فاحتل قبل المنتهى وأكرم أجلك بحسن صحبة الصادقين، وإذا آنستك السلامة فاستوحش بالعطب، فإنه الغاية وإذا فرحت بالعافية فاحسب حسابًا للبلاء، وإذا بسطك الأمل فاقبض نفسك عنه بذكر الأجل، فهو الموعد وإليه المورد.

стр. 30

كتب بعضُ الحكماء إلى رجل من إخوانه: يا أخي أحذر الموت في هذه الدار قبل أن تصير إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده. وكان عمر بن عبد العزيز يجمع كل ليلة الفقهاء فيتذاكرون الموت والقيامة والآخرة ثم يبكون حتى كأن بين أيديهم جنازة. وقال إبراهيم التيمي: شيئان قطعًا عني لذة الدنيا ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله . وقال كعب من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا وهمومها. وقال شريح: إني أصاب بالمصيبة فأحمد الله تعالى أربع مرات أحمده إذ لم تكن أعظم منها، وأحمده إذا رزقني الصبر عليها، وأحمده إذ وفقني لاسترجاع ما أرجو فيه من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني. وقال حاتم الأصم: مصيبة الدين أعظم من مصيبة الدنيا، ولقد ماتت لي بنت فعزاني أكثر من عشرة آلاف وفاتتني صلاة الجماعة فلم يعزني أحد. وقال آخر: كن حذرًا من أربع غارات، الأولى: غارة ملك الموت على روحك، الثانية: غارة الورثة على مالك، الثالثة: غارة الدود على جسمك في قبرك، والرابعة: غارة الخمصاء على حسناتك، فعليك في الاستعداد والاحتياط والإكثار من الباقيات الصالحات والمداومة على ذكر الله ليلاً ونهارًا وسرًا وجهارًا. كان محمد بن سيرين يدخل السوق نصف النهار يُكبر ويسبح ويذكر الله، فقال له رجل: يا أبا بكر في هذه الساعة، قال: إنها ساعة غفلة ينبغي الذكر والتذكير فيها. وقال بعض العلماء: إني لأقرأ القرآن فأنظر في آية فيحار عقلي فيها وأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم وهم يتلون كلام الرحمن، أما

стр. 31

لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه وتلذذوا به واستحلوا المناجة به لذهب عنهم النوم فرحًا وسروا بما رزقهم الله ووفقهم له. شعرًا: فَشَمِّرْ وَلُذْ بِاللهِ وَاحْفَظْ كِتَابَهُ … فَفِيْهِ الْهُدَى حَقًا وَلِلخَيْرِ جَامِعُ هو الذُّخْرُ لِلمَلْهُوفِ وَالكَنْزُ وَالرَّجَا … وَمْنْهُ بِلا شَكِّ تُنَالُ الْمَنَافِعُ بِهِ يَهْتَدِي مَن تَاهَ فِي مَهْمَهِ الْهَوَى … بِه يَتَسَلَّى مَنْ دَهَتهُ الفَجَائِعُ والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وسلم. (فائدة) إذا علم العبد أن الله تعالى رحيم به ورءوف به وناظر إليه فكل ما يرد عليه من أنواع البلايا والرزايا والمصائب ينبغي له أن يصبر ويحتسب ولا يكترث بذلك فإنه لم يتعود من الله إلا خيرًا له. فليحسن ظنه بربه وليعتقد أن ذلك خيرًا له وأن له في ذلك مصالح خفية لا يعلمها إلا الله كما قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] فقد يحب الإنسان الشهرة والعافية والغناء ويكون شرًا له كما في قصة قارون وثعلبة: وَخَفَّفَ عَنِّي مَا أَلاقِي من العَنَا … بِأَنَّكَ أَنْتَ الْمُبْتَلي وَالْمُقَدِّرُ وَمَا لاِمْرِءٍ عَمَّا قَضَى اللهُ مَعْدِلٌ … وَلَيْسَ لَهُ مِنْهُ الَّذِي يَتَخَيَّرُ

стр. 32

(فائدة) قيل من علامات التوفيق دخول أعمال البر عليك من غير قصد لها، وصرف المعاصي عنك مع السعي إليها، وفتح باب اللجاء والافتقار إلى الله تعالى في كل الأحوال، واتباع السيئة الحسنة، وعظم الذنب في قلبك وإن كان من صغائر الذنوب والإكثار من ذكر الله وشكره وحمده والاستغفار. ومن علامات الخذلان تعسر الطاعات عليك مع السعي فيها، ودخول المعاصي عليك مع هربك منها، وغلق باب الالتجاء إلى الله وترك التضرع له وترك الدعاء، وإتباع الحسنة بالسيئات، واحتقارك لذنوبك وعدم الاهتمام بها وإهمال التوبة منها والاستغفار ونسيانك لربك. ذم الإنسان نفسه واحتقاره لها لما يتحققه من عيوبها وآفاتها مطلوب منه لأنه يؤديه إلى التفتيش عليها ومحاسبتها بدقة ويؤديه أيضًا إلى الحذر من غرورها وشرورها، فتصلح بسبب ذلك أعماله وتصدق أحواله وتستقيم، بإذن الله أموره وإلا فسدت عليه واعتلت لدخول الآفات عليها ولا يصدنه عن ذلك مدح المادحين وثناء المتملقين؛ لأنه يعلم من عيوب نفسه ما لا يعمله غيره. المؤمن الحقيقي هو الذي إذا مدح وأثنى عليه وذكر طرفًا من محاسنه استحيا من الله تعالى استحيا تعظيم وإجلال أن يثنى عليه بصفة ليست فيه. فيزداد بذلك مقتًا لنفسه واستحقارًا لها ونفورًا عنها ويقوى عنده رؤية إحسان الله تعالى إليه وشهوده فضله عليه ومنته في إظهار المحاسن عليه ويشكر الله ويحمده على ما أولاه من نعمه التي لا تعد ولا تحصى. قيل إن رجلاً أخرج من السجن وفي رجله قيد وهو يسأل الناس فقال

стр. 33

لإنسان عاقل أعطني كسرة خُبزة فقال لو قنعت بالكسرة لما وضع القيد في رجلك، ورأى رجل رجلاً من الحكماء يأكل ما تساقط من البقل على رأس الماء. فقال لو خدمت السلطان لم تحتج إلى أكل هذا، فقال الحكيم وأنت لو قنعت بهذا لم تحتج إلى خدمة السلطان، وقال رجل لآخر كيف حالكم مع السلطان، فقال كما قال الله جل وعلا: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] . (فائدة) الأسباب الجالية لمحبة الله لعبده المؤمن نذكر ما تيسر منها إن شاء الله: (١) قراءة القرآن بالتدبر والتفهم لمعانيه والتفطن لمراد الله منه. (٢) الإحسان في عبادة الله والإحسان إلى عباد الله، قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤] . (٣) التقوى، قال الله تعالى: ﴿واللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ . (٤) طهارة الباطن والظاهر، قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] . (٥) التقرب إلى الله بالنوافل بعد أداء الفرائض فإنها توصل إلى محبة الله لعبده كما في الحديث: «ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه» . الحديث. (٦) دوام ذكر الله على كل حال في كل مكان إلا في المحلات المستقذرة كالخلاء ونحوه ويكون ذلك باللسان والقلب والعمل. (٧) إيثار محبة على محابه عند غلبات الهوى. (٨) مطالعة القلب لأسمائه وصفاته وأفعاله ومشاهدتها وتقلبه في رياض

стр. 34

هذه المعرفة ومباديها فمن عرف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله أحبه لا محالة. (٩) مشاهدة بره وإحسانه ونعمه الظاهرة والباطنة. (١٠) إنكسار القلب بين يديه والتضرع والتذلل له وإظهار الافتقار إليه وإظهارالعجز والمسكنة والتلهف إلى رحمته ورأفته ولطفه. (١١) مجالسة التالين للقرآن العاملين به والذاكرين الله كثيرًا. (١٢) القتال في سبيل الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٤] . (١٣) إتباع النبي ﷺ قال الله جل وعلا: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾ [آل عمران: ٣١] . (١٤) الصبر، قال تعالى: ﴿وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦] . (١٥) الخلوة به سبحانه وقت النزول الإلهي أي وقت التجلي الإلهي، وهو في الاسحار قبل الفجر لمناجاته وتلاوة كلامه والوقوف بالقلب والقالب بين يديه ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة. (١٦) مباعدة العوائق والحوائل وكل سبب يحول بين القلب وبين الله . قال رجل لطاوس: أوصني قال أوصيك أن تحب الله حبًا حتى لا يكون شيء أحب إليك منه، وخفه خوفًا حتى لا يكون شيء أخوف إليك منه، وارج الله رجاء يحول بينك وبين ذلك الخوف وارض للناس ما ترضى لنفسك. اللهم يا حي يا قيوم يا بديع السموات والأرض نسألك أن توفقنا لما فيه صلاح ديننا ودنيانا وأحسن عاقبتنا وأكرم مثوانا واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصبحه أجمعين.

стр. 35

(فصل) المراقبة في ثلاثة أشياء: مراقبة الله في طاعته بالعمل الذي يرضيه ومراقبة الله عند ورود المعصية بتركها ومراقبة الله في الهم والخواطر والسر والإعلان قال تعالى: ﴿وَرَبُّكَ يَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [القصص: ٦٩] وقال النبي ﷺ : «أن تعبد الله كَأَنَّكَ تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك» . قالت أسماء بنت عميس: إنا لعند علي بن أبي طالب بعد ما ضربه ابن ملجم، إذ شهق ثم أغمى عليه ثم أفاق فقال: مرحبًا مرحبًا، الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الجنة فقيل له ما ترى، قال هذا رسول الله وأخي جعفر وعمي حمزة وأبواب السماء مفتحة والملائكة ينزلون يسلمون علي ويبشرون وهذه فاطمة قد طاف بها وصائفها من الحور وهذه منازلي في الجنة "لمثل هذا فليعمل العاملون". عن كثير بن زيد قال: كبر حكيم بن حزام حتى ذهب بصره ثم اشتكى فاشتد وجعه فقلت لأحضرنه ولأنظرن ما يتكلم به فإذا هو يهمهم ويقول لا إله إلا الله أحبك وأخشاك حتى مات. انتهى. ولما حضرت أبا هريرة الوفاة بكى قالوا ما يبكيك، قال: بعد السفر وقلة الزاد وضعف اليقين وخوف الوقوع من الصراط في النار. ولما حضرت معاذ بن جبل الوفاة قال: أعوذ بالله من ليلة صباحها إلى النار ثم قال مرحبًا بالموت زائر مغيب وحبيب جاء على فاقة اللهم إني كنت أخافك وأنا اليوم أرجوك. اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب الدنيا وطول البقاء فيها لكري الأنهار ولا لغرس الأشجار ولكن لطول ظمأ الهواجر وقيام ليل الشتاء ومكابدة

стр. 36

الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر ثم قبض ﵀. ولما حضرت أبا الدرداء الوفاة جعل يجود بنفسه ويقول ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه ثم قبض ﵀. ثم أعلم: أن الألم المصيب للبدن إنما يدرك بواسطة الروح، وإذا وصل الألم إلى نفس الروح فلا تسأل عن كربه وألمه حتى قالوا إنه أشد من ضرب بالسيوف ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض. والسبب في أنه لا يقدر على الصياح مع شدة الألم لزيادة الوجع والكرب حتى قهر كل قوة وضعف كل جارحة فلم يبق له قوة الاستغاثة والاستعانة. أما العقل فقد غشيه وشوشه وأما اللسان فقد أبكمه وأما الأطراف فقد خدرها وضعفها فإن بقيت فيه قوة سمعت له خوارًا وغرغرة من صدره وحلقه حتى يبلغ بها إلى الحلقوم. فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها وتغلق أبواب التوبة قال ﷺ : «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» رواه الترمذي وقال حديث حسن. فالموفق من يكون الموت نصب عينيه لا يغفل عنه ساعة فيستعد للموت. ويفتش على نفسه ويتفقدها من قبل الصلوات ومن قبل حقوق الله وحقوق خلقه هل أقام الصلاة على الوجه الأكمل؟ هل أدى الزكاة كاملة مكملة؟ هل أبرأ ذمته من حقوق الآدميين؟. هل أدى الأمانات إلى أهلها؟ هل نفد ما عنده من وصايا ووكالات؟

стр. 37

هل عنده أشياء معارة كتب أو نحوها يرجعها؟ هل عنده كتب زائدة يفرقها على طلبة العلم العاملين بعلمهم؟ ويتلف إن كان عنده آلات لهو لا تقبض روحه وهي عنده. قال بعضهم إن علامة قصر الأمل! المبادرة في العمل قبل حلول الأجل ومن ادعى قصر الأمل وهو يعتني بالدنيا فهو كاذب في دعواه. فالتوفيق أن يكون الموت أمامه في كل لحظة لا يغفل عنه أبدًا إن أصبح أضمر أنه لا يمس وإن أمسى قدر أنه لا يصبح. مديم العمل بطاعة الله شاكرًا له على توفيقه لذلك ملازمًا لذكر الله ليلاً ونهارًا سرًا وجهارًا. ولكن لا يتيسر هذا إلا لمن فرغ قلبه عن الغد وما يكون فيه وعن الدنيا وأشغالها وزخارفها وجميع متعلقاتها. إلا ما كان عونًا على الآخرة وأداء لما وجب عليه من حقوق نسال الله الإعانة والتوفيق والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم. (فصل) فيا أيها الغافل المهمل المفرط وكلنا كذلك، انتبه وتصور صرعة الموت لنفسك وتصور نزعه لروحك وتصور كربه وسكراته وغصصه وغمه وقلقه. وتصور بدو الملك لجذب روحك من قدميك ثم الاستمرار لجذب الروح من جميع بدنك فنشطت من أسفلك متصاعدة إلى أعلاك حتى إذا بلغ منك الكرب والوجع والألم منتهاه وعمت الآلام جميع بدنك وقلبك وجل محزون منتظر إما البشرى من الله بالرضا وإما بالغضب. فبينما أنت في كربك وغمومك وشدة حزنك لارتقا بك إحدى البشريين إذ سمعت صوته إما بما يسرك وإما بما يغمك فيلزم حينئذ غاية الهم

стр. 38

والحزن أو الفرح والأنس والسرور قلبك حين انقضت من الدنيا مدتك وانقطع منها أثرك وحملت إلى دار من سلف من الأمم قبلك. وتصور نفسك حين استطار قلبك فرحًا وسرورًا أو مليء رعبًا وحزنًا وعبرة وبزيارة القبر وهول مطلعه وروعة الملكين منكر ونكير وسؤالهما لك في القبر عن ثلاثة أسئلة ما فيها تخيير، الأول من ربك، والثاني ما دينك، والثالث من نبيك؟ فتصور أصواتهما عند ندائهما لك لتجلس لسؤالهما لك فيه فتصور جلستك في ضيق قبرك وقد سقط كفنك عن حقويك والقطن من عينيك. ثم تصور شخوصك ببصرك إليهما وتأملك لصورتيهما فإن رأيتهما بأحسن صورة أيقن قلبك بالفوز والنجاة والسرور وإن رأيتهما بأقبح صورة أيقنت بالعطب والهلاك. شعرًا: وَلِلمَرْءِ يَوْمٌ يَنْقَضِي فِيْهِ عُمْرُهُ … وَمَوْت وَقَبْرُ ضَيْقٌ فِيْهِ يُوْلَجُ وَيَلْقَى نَكِيرًا فِي السُّؤَالِ وَمُنْكَرًا … يَسُومَانِ بِالتَّنْكِيلِ مِن يَتَلَجْلجُ آخر: تَفَكَّرْ فِي مَشِيْبِكَ وَالْمَآبِ … وَدَفْنِكَ بَعْدَ عِزِّكَ فِي التُّرَابِ إِذَا وَافَيْتَ قَبْرًا أَنْتَ فِيْهِ … تُقِيْمُ بِه إلى يَوم الْحِسَابِ وَفِي أَوْصَالِ جِسْمِكَ حِيْنَ تَبْقَى … مُقَطَّعَةً مُمُزَّقَةً الإِهَابِ فَلولَا القَبْرُ صَارَ عَلَيْكَ سِتْرًا … لأَنْتَنَتِ الأَبَاطِحُ وَالرَّوَّابِي خلقْتَ مِن التُّرَابِ فَصِرْتَ حَيًا … وَعُلَّمْتَ الفَصِيْحَ مِن الْخِطَابِ فَطَلَّقْ هَذه الدُّنْيَا ثَلاثًا … وَبَادْر قَبلَ مَوْتِكَ بِالْمَتَابِ

стр. 39

نَصَحْتُكَ فَاسْتَمَعْ قَوْلِي وَنُصْحِي … فَمِثْلُكَ قَدْ يُدَلُّ عَلَى الصَّوابِ خُلِقْنَا لِلْمَاتِ وَلَو تُرِكْنَا … لَضَاقَ بِنَا الفِسْيحُ مِن الرِّحَابِ يُنَادى فِي صَبِيْحَةِ كل يَوم … لِدُوْا لِلمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ ثم تصور كيف يكون شعورك إن ثبتك الله جل وعلا ونظرت إلى ما أعد الله لك وقولهما لك هذا منزلك ومصيرك فتصور فرحك وسرورك بما تعاينه من النعيم وبهجة الملك وإيقانك بالسلامة مما يسوؤك. وإن كانت الأخرى فتصور ضد ذلك من إنتهارك ومعاينتك جهنم وقولهما لك هذا منزلك ومصيرك فيا لها من حسرة ويا لها من ندامة ويا لها من عثرة لا تقال. ثم بعد ذلك الفناء والبلاء حتى تنقطع الأوصال وتتفتت العظام ويبلى جسدك ويستمر حزنك فيا حسرة روحك وغمومها وهمومها. حتى إذا تكاملت عدة الأموات وقد بقي الجبار الأعلى منفردًا بعظمته وجلاله وكبريائه ثم لم يفجاك إلا نداء المنادي للخلائق للعرض على الله جل وعلا. قال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] يأمر الله ملكًا أن ينادي على صخرة بيت المقدس أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء. فتصور وقوع الصوت في سمعك ودعائك إلى العرض على مالك الملك فيطير فؤادك ويشيب رأسك للنداء لأنها صيحة واحدة للعرض على الرب جل وعلا قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] .

стр. 40

فبينما أنت في فزع من الصوت إذ سمعت بانشقاق الأرض فخرجت مغبرًا من غبار قبرك قائمًا على قدميك شاخصًا ببصرك نحو النداء قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً﴾ [ق: ٤٤] وقال: ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [القمر: ٧] . فتصور تعريك ومذلتك وانفرادك بخوفك وأحزانك وهمومك وغمومك في زحمة الخلائق خاشعة أبصارهم وأصواتهم ترهقهم الذلة قال تعالى: ﴿وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ [طه: ١٠٨] . وقال تعالى: ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٧] . اللهم ثبتنا على قولك الثابت في الحياة وفي الآخرة وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. (فصل) ثم تصور إقبال الوحوش من البراري منكسة رءوسها لهول يوم القيامة فبعد توحشها وإنفرادها من الخلائق ذلت ليوم النشور قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] . وتصور تكوير الشمس وتناثر النجوم وانشقاق السماء من فوق الخلائق مع كثافة سمكها فيا هول صوت ذلك الانشقاق. والملائكة على حافات ما يتفطر من السماء قال الله تعالى: ﴿وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧] . وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] وقال تعالى:
следующие страницы →