Полный текст (1 102 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
الساعات ومزاحمة العلماء بالركب عند حلق الذكر ثم قبض ﵀.
ولما حضرت أبا الدرداء الوفاة جعل يجود بنفسه ويقول ألا رجل يعمل لمثل مصرعي هذا ألا رجل يعمل لمثل يومي هذا ألا رجل يعمل لمثل ساعتي هذه ثم قبض ﵀.
ثم أعلم: أن الألم المصيب للبدن إنما يدرك بواسطة الروح، وإذا وصل الألم إلى نفس الروح فلا تسأل عن كربه وألمه حتى قالوا إنه أشد من ضرب بالسيوف ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض.
والسبب في أنه لا يقدر على الصياح مع شدة الألم لزيادة الوجع والكرب حتى قهر كل قوة وضعف كل جارحة فلم يبق له قوة الاستغاثة والاستعانة.
أما العقل فقد غشيه وشوشه وأما اللسان فقد أبكمه وأما الأطراف فقد خدرها وضعفها فإن بقيت فيه قوة سمعت له خوارًا وغرغرة من صدره وحلقه حتى يبلغ بها إلى الحلقوم.
فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها وتغلق أبواب التوبة قال ﷺ : «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» رواه الترمذي وقال حديث حسن.
فالموفق من يكون الموت نصب عينيه لا يغفل عنه ساعة فيستعد للموت.
ويفتش على نفسه ويتفقدها من قبل الصلوات ومن قبل حقوق الله وحقوق خلقه هل أقام الصلاة على الوجه الأكمل؟ هل أدى الزكاة كاملة مكملة؟ هل أبرأ ذمته من حقوق الآدميين؟.
هل أدى الأمانات إلى أهلها؟ هل نفد ما عنده من وصايا ووكالات؟
стр. 37
هل عنده أشياء معارة كتب أو نحوها يرجعها؟ هل عنده كتب زائدة يفرقها على طلبة العلم العاملين بعلمهم؟ ويتلف إن كان عنده آلات لهو لا تقبض روحه وهي عنده. قال بعضهم إن علامة قصر الأمل! المبادرة في العمل قبل حلول الأجل ومن ادعى قصر الأمل وهو يعتني بالدنيا فهو كاذب في دعواه.
فالتوفيق أن يكون الموت أمامه في كل لحظة لا يغفل عنه أبدًا إن أصبح أضمر أنه لا يمس وإن أمسى قدر أنه لا يصبح.
مديم العمل بطاعة الله شاكرًا له على توفيقه لذلك ملازمًا لذكر الله ليلاً ونهارًا سرًا وجهارًا.
ولكن لا يتيسر هذا إلا لمن فرغ قلبه عن الغد وما يكون فيه وعن الدنيا وأشغالها وزخارفها وجميع متعلقاتها.
إلا ما كان عونًا على الآخرة وأداء لما وجب عليه من حقوق نسال الله الإعانة والتوفيق والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
(فصل)
فيا أيها الغافل المهمل المفرط وكلنا كذلك، انتبه وتصور صرعة الموت لنفسك وتصور نزعه لروحك وتصور كربه وسكراته وغصصه وغمه وقلقه.
وتصور بدو الملك لجذب روحك من قدميك ثم الاستمرار لجذب الروح من جميع بدنك فنشطت من أسفلك متصاعدة إلى أعلاك حتى إذا بلغ منك الكرب والوجع والألم منتهاه وعمت الآلام جميع بدنك وقلبك وجل محزون منتظر إما البشرى من الله بالرضا وإما بالغضب.
فبينما أنت في كربك وغمومك وشدة حزنك لارتقا بك إحدى البشريين إذ سمعت صوته إما بما يسرك وإما بما يغمك فيلزم حينئذ غاية الهم
стр. 38
والحزن أو الفرح والأنس والسرور قلبك حين انقضت من الدنيا مدتك وانقطع منها أثرك وحملت إلى دار من سلف من الأمم قبلك.
وتصور نفسك حين استطار قلبك فرحًا وسرورًا أو مليء رعبًا وحزنًا وعبرة وبزيارة القبر وهول مطلعه وروعة الملكين منكر ونكير وسؤالهما لك في القبر عن ثلاثة أسئلة ما فيها تخيير، الأول من ربك، والثاني ما دينك، والثالث من نبيك؟
فتصور أصواتهما عند ندائهما لك لتجلس لسؤالهما لك فيه فتصور جلستك في ضيق قبرك وقد سقط كفنك عن حقويك والقطن من عينيك.
ثم تصور شخوصك ببصرك إليهما وتأملك لصورتيهما فإن رأيتهما بأحسن صورة أيقن قلبك بالفوز والنجاة والسرور وإن رأيتهما بأقبح صورة أيقنت بالعطب والهلاك.
شعرًا:
وَلِلمَرْءِ يَوْمٌ يَنْقَضِي فِيْهِ عُمْرُهُ … وَمَوْت وَقَبْرُ ضَيْقٌ فِيْهِ يُوْلَجُ
وَيَلْقَى نَكِيرًا فِي السُّؤَالِ وَمُنْكَرًا … يَسُومَانِ بِالتَّنْكِيلِ مِن يَتَلَجْلجُ
آخر:
تَفَكَّرْ فِي مَشِيْبِكَ وَالْمَآبِ … وَدَفْنِكَ بَعْدَ عِزِّكَ فِي التُّرَابِ
إِذَا وَافَيْتَ قَبْرًا أَنْتَ فِيْهِ … تُقِيْمُ بِه إلى يَوم الْحِسَابِ
وَفِي أَوْصَالِ جِسْمِكَ حِيْنَ تَبْقَى … مُقَطَّعَةً مُمُزَّقَةً الإِهَابِ
فَلولَا القَبْرُ صَارَ عَلَيْكَ سِتْرًا … لأَنْتَنَتِ الأَبَاطِحُ وَالرَّوَّابِي
خلقْتَ مِن التُّرَابِ فَصِرْتَ حَيًا … وَعُلَّمْتَ الفَصِيْحَ مِن الْخِطَابِ
فَطَلَّقْ هَذه الدُّنْيَا ثَلاثًا … وَبَادْر قَبلَ مَوْتِكَ بِالْمَتَابِ
стр. 39
نَصَحْتُكَ فَاسْتَمَعْ قَوْلِي وَنُصْحِي … فَمِثْلُكَ قَدْ يُدَلُّ عَلَى الصَّوابِ
خُلِقْنَا لِلْمَاتِ وَلَو تُرِكْنَا … لَضَاقَ بِنَا الفِسْيحُ مِن الرِّحَابِ
يُنَادى فِي صَبِيْحَةِ كل يَوم … لِدُوْا لِلمَوْتِ وَابْنُوا لِلْخَرَابِ
ثم تصور كيف يكون شعورك إن ثبتك الله جل وعلا ونظرت إلى ما أعد الله لك وقولهما لك هذا منزلك ومصيرك فتصور فرحك وسرورك بما تعاينه من النعيم وبهجة الملك وإيقانك بالسلامة مما يسوؤك.
وإن كانت الأخرى فتصور ضد ذلك من إنتهارك ومعاينتك جهنم وقولهما لك هذا منزلك ومصيرك فيا لها من حسرة ويا لها من ندامة ويا لها من عثرة لا تقال.
ثم بعد ذلك الفناء والبلاء حتى تنقطع الأوصال وتتفتت العظام ويبلى جسدك ويستمر حزنك فيا حسرة روحك وغمومها وهمومها.
حتى إذا تكاملت عدة الأموات وقد بقي الجبار الأعلى منفردًا بعظمته وجلاله وكبريائه ثم لم يفجاك إلا نداء المنادي للخلائق للعرض على الله جل وعلا.
قال تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾ [ق: ٤٢] يأمر الله ملكًا أن ينادي على صخرة بيت المقدس أيتها العظام البالية والأوصال المتقطعة واللحوم المتمزقة والشعور المتفرقة إن الله يأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء.
فتصور وقوع الصوت في سمعك ودعائك إلى العرض على مالك الملك فيطير فؤادك ويشيب رأسك للنداء لأنها صيحة واحدة للعرض على الرب جل وعلا قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات: ١٤] .
стр. 40
فبينما أنت في فزع من الصوت إذ سمعت بانشقاق الأرض فخرجت مغبرًا من غبار قبرك قائمًا على قدميك شاخصًا ببصرك نحو النداء قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعاً﴾ [ق: ٤٤] وقال: ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ [القمر: ٧] .
فتصور تعريك ومذلتك وانفرادك بخوفك وأحزانك وهمومك وغمومك في زحمة الخلائق خاشعة أبصارهم وأصواتهم ترهقهم الذلة قال تعالى: ﴿وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً﴾ [طه: ١٠٨] . وقال تعالى: ﴿خُشَّعاً أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ [القمر: ٧] .
اللهم ثبتنا على قولك الثابت في الحياة وفي الآخرة وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فصل)
ثم تصور إقبال الوحوش من البراري منكسة رءوسها لهول يوم القيامة فبعد توحشها وإنفرادها من الخلائق ذلت ليوم النشور قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ [التكوير: ٥] .
وتصور تكوير الشمس وتناثر النجوم وانشقاق السماء من فوق الخلائق مع كثافة سمكها فيا هول صوت ذلك الانشقاق.
والملائكة على حافات ما يتفطر من السماء قال الله تعالى: ﴿وَانشَقَّتِ السَّمَاء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ وَالْمَلَكُ عَلَى أَرْجَائِهَا﴾ [الحاقة: ١٧] . وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انشَقَّتِ السَّمَاء فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ﴾ [الرحمن: ٣٧] وقال تعالى:
стр. 41
﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ﴾ [الانشقاق: ١] .
قيل تذوب كما تذوب الفضة في السبك وتتلون كما تتلون الأصباغ التي يدهن بها، فتارة حمراء وتارة صفراء وزرقاء وخضراء وذلك من شدة الأمر وهول يوم القيامة وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ﴾ [المعارج: ٨] قيل كالفضة المذابة أو الرصاص المذاب وقال تعالى: ﴿يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً﴾ [المزمل: ١٧] .
فتصور وقوفك مفردًا عريانًا حافيًا وقد أدنيت الشمس من رءوس الخلائق ولا ظل لأحد إلا ظل عرش رب العالمين، فبينما أنت على تلك الحال المزعجة اشتد الكرب والوهج من حر الشمس ثم ازدحمت الأمم وتدافعت وتضايقت واختلفت الأقدام وانقطعت الأعناق من شدة العطش والخوف العظيم.
وانضاف إلى حر الشمس كثرة الأنفاس وازدحام الأجسام والعطش تضاعف ولا نوم ولا راحة وفاض عرقهم على الأرض حتى استنقع ثم ارتفع على الأبدان على قدر مراتبهم ومنازلهم عند ربهم بالسعادة والشقاوة.
ثم تصور مجيء جهنم تقاد ولها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها قال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣] .
فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا لركبته يقول يا رب نفسي نفسي فتصور ذلك الموقف المهيل المفزع الذي قد ملأ القلوب رعبًا وخوفًا وقلقًا وذعرًا يا له من موقف ومنظر مزعج.
وأنت لا محالة أحدهم فتوهم نفسك لكربك وقد علاك العرق والفزع والرعب الشديد والناس معك منتظرون لفصل القضاء إلى دار السعادة أو إلى
стр. 42
دار الشقاء، قال تعالى: ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى: ٧] .
فتصور أصوات الخلائق وهم ينادون بأجمعهم منفرد كل واحد بنفسه ينادي نفسي نفسي قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: ١١١] . وقال تعالى: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ﴾ [عبس: ٣٥] .
فتصور نفسك وحالتك عندما يتبرأ منك الولد والوالد والأخ والصاحب لما في ذلك اليوم من المزعجات والقلاقل والأهوال التي ملأت القلوب من الخوف والفزع والرعب والذعر.
ولولا عظم هول ذلك اليوم ما كان من الكرم والمروءة والحفاظ أن تفر من أمك وأبيك وأخيك وبنيك ولكن عظم الخطر وشدة الكرب والهول اضطرك إلى ذلك فلا تلام على فرارك منهم ولا لوم عليهم إذا فروا منك قال الله تعالى: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس: ٣٧] . وقال تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ١] .
فبينما أنت في تلك الحالة مملوء رعبًا قد بلغت القلوب الحناجر من شدة الأهوال والمزعجات والخوف العظيم إذ ارتفع عنق من النار يلتقط من أمر بأخذه فينطوي عليهم ويلقيهم في النار فتبتلعهم ثم تصور الميزان وعظمته وقد نصب لوزن الأعمال وتصور الكتب المتطايرة في الأيمان والشمائل وقلبك واجف مملوءًا خوفًا متوقع أين يقع كتابك في يمينك أو في شمالك أو وراء ظهرك.
стр. 43
اللهم وفقنا لصالح الأعمال وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فصل)
فالأتقياء يعطون كتبهم بأيمانهم والأشقياء بالشمال أو من وراء الظهر، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً﴾ [الانشقاق: ٩] ، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاء ظَهْرِهِ فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُوراً وَيَصْلَى سَعِيراً﴾ [الانشقاق: ١٢] .
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيهْ﴾ [الحاقة: ١٩] ، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيهْ وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيهْ﴾ [الحاقة: ٢٦] . الآيات.
فيا لها من مواقف ويا لها من أهوال ويا لها من خطوب مجرد تصورها يبكي المؤمن بها حقًا.
عن الحسن: «أن رسول الله ﷺ كان رأسه في حجر عائشة فنعس فتذكرت الآخرة فبكت فسالت دموعها على خد النبي ﷺ فاستيقظ بدموعها فرفع رأسه فقال: ما يبكيك فقالت يا رسول الله ذكرت الآخرة هل تذكرون أهليكم يوم القيامة قال: والذي نفسي بيده في ثلاثة مواطن فإن أحدًا لا يذكر إلا نفسه: إذا وضعت الموازين ووزنت الأعمال حتى ينظر ابن آدم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند الصحف حتى ينظر أبيمينه يأخذ أم بشماله، وعند الصراط".
وعن أنس بن مالك قال: يُؤتى بابن آدم يوم القيامة حتى يوقف بين
стр. 44
كفتي الميزان ويوكل به ملك فإن ثقل ميزانه نادى الملك بصوت يُسْمع الخلائق سعد فلان بن فلان سعادة لا يشقى بعدها أبدًا وإن خف ميزانه نادى بصوت يسمع الخلائق شقي فلان بن فلان شقاوة لا يسعد بعدها أبدًا.
وتصور بينما أنت واقف مع الخلائق الذين لا يعلم عددهم إلا الله جل وعلا وتقدس إذ نودي باسمك على رءوس الخلائق من الأولين والآخرين أين فلان بن فلان هلم إلى العرض على الله .
فقمت أنت لا يقوم غيرك لما لزم قلبك من العلم من أنك المطلوب فقمت ترتعد فرائصك وتضطرب رجلاك وجميع جوارحك وقلبك من شدة الخوف والذهول في أشد الخفقان مرتفعًا إلى الحنجرة.
قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ [غافر: ١٨] .
فتصور خوفك وذلك وضعفك وانهيار أعصابك وقواك متغيرًا لونك مرعوبًا مذعورًا مرتكضًا مزعجًا قد حل بك الغم والهم والاضطراب والقلق والذهول لما أصابك ورأيت من الشدائد والكروب والمحزنات ما الله به عليم.
قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُم بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ [الحج: ٢] . فيا له من يوم قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً﴾ [المزمل: ١٧] والآية بعدها.
وتصور وقوفك بين يدي بديع السموات والأرض الذي الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، القوي العزيز وقلبك خائف مملوء من الرعب محزون وجل وطرفك خائف خفي خاشع ذليل.
وجوارحك مرتعدة، بيدك صحيفة محصًا فيها الدقيق والجليل لا تغادر
стр. 45
صغيرة ولا كبيرة فقرأتها بلسان كليل وقلب منكسر وداخلك من الخجل والجبن والحياء من الله الذي لم يزل إليك محسنًا وعليك ساترًا.
فبأي لسان تجيبه حين يسألك عن قبيح فعلك وعظيم جرمك وبأي قدم تقف غدًا بين يديه وبأي طرف تنظر إليه وبأي قلب تحتمل كلامه العظيم الجليل ومساءلته وتوبيخه.
وتصور نفسك بصغر جسمك بين يدي من السموات السبع والأرض كخردلة في كفه الكبير المتعالى شديد المحال الذي ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها وقلوب العباد بين إصبعين من أصابعه لا إله إلا هو القوي العزيز.
وتصور نفسك بهذه الهيئة والأهوال محدقة بك من جوانبك ومن خلفك فكم من كبيرة قد نسيتها أثبتها عليك الملك وكم من بلية أحدثتها فذكرتها وكم من سريرة قد كنت كتمتها قد ظهرت وبدت.
وكم من عمل قد كنت تظن أنه قد خلص لك وسلم فإذا هو بالرياء قد حبط بعد ما كان أملك فيه عظيمًا فيا حسرة قلبك وتأسفك على ما فرطت في طاعة ربك قال تعالى: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ﴾ [الزمر: ٥٦] . وقال تعالى: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] .
حتى إذا كرر عليك السؤال بذكر البلايا ونشرت مخبآتك التي طالما أخفيتها وسترتها عن مخلوق مثلك لا يملك لنفسه ولا لغيره ضرًا ولا نفعًا وقد ظهرت قلة هيبتك لله وقلة حيائك منه وظهرت مبارزتك له بفعل ما نهاك عنه.
فما ظنك بسؤال من قد امتلأ سمعك من عظمته وجلاله وكبريائه وسائر صفات كماله وكيف بك إن ذكرك مخالفتك له وركوبك معاصيه وقلة اهتمامك بنهيه ونظره إليك وقلة اكتراثك في الدنيا بطاعته.
стр. 46
وماذا تقول إن قال لك يا عبدي ما أجللتني أما استحييت مني أما راقبتني؟ استخففت بنظري إليك ألم أحسن إليك ألم أنعم عليك ما غرك مني؟
شبابك فيما أبليته وعمرك فيما أفنيته ومالك من أين اكتسبته وفيم أنفقته وعلمك ماذا عملت فيه؟
وورد عن النبي ﷺ أنه قال: «ليقفن أحدكم بَيْنَ يدي الله ﵎ ليس بينه وبين حجاب يحجبه ولا بينه وبينه ترجمان يترجم عنه فيقول ألم أنعم ألم آتك مالا؟ فيقول بلى. فيقول ألم أرسل إليك رسولا؟ فيقول بلى، ثم ينظر عن يمينه فلا يرى إلا النار ثم ينظر عن شماله فلا يرى إلا النار فليتق أحدكم النار ولو بشق تمرة فإن لم يجد فبكلمة طيبة» . رواه البخاري.
فأعظم به موقفًا وأعظم به من سائل لا تخفى عليه خافية وأعظم بما يداخلك من الخجل والغم والحزن والأسف الشديد على ما فرطت في طاعته وعلى ركوبك معصيته وعلى أوقات ضاعت عند الملاهي والمنكرات، قال الله تعالى عن حال المجرمين المفرطين: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُؤُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢] وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ [سبأ: ٥٢] . الآية.
وكيف تثبت رجلاك عند الوقوف بين يديه وكيف يقدر على الكلام لسانك عندما يسألك الحي القيوم إلا أن يثبتك جل وعلا ويقدرك على ذلك، فإذا تبالغ فيك الجهد من الغم والحزن والحياء والخجل بدا لك منه أحد أمرين إما الغضب أو الرضا عنك.
فإما أن يقول يا عبدي أنا سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فقد غفرت لك كبير جرمك وكثير سيئاتك وتقبلت منك يسير إحسانك
стр. 47
فيستطير قلبك بالبهجة والفرح والسرور فيشرق ويستنير لذلك وجهك.
فتصور نفسك حين ما يقال لك وتهدأ نفسك ويطمئن قلبك وينور وجهك بعد كآبته وتكسفه من الحياء من السؤال.
وتصور رضاه عنك حينما تسمعه منه فثار في قلبك فامتلأ سرورًا وكدت أن تموت من الفرح فأي سرور أعظم من السرور والفرح برضا الله .
اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بعبادك الصالحين واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فصل)
وتصور نفسك وقد بدا لك منه الرضا والرحمة والمغفرة فتكاد روحك أن تطير من بدنك فرحًا فكيف لو سمعت من الله الرضا عنك والمغفرة لك فأمن خوفك وسكن حذرك وتحقق أملك ورجاؤك بخلود الأبد وأيقنت بفوزك ونعيمك أبدًا لا يفنى ولا يبيد وطار قلبك فرحًا وابيض وجهك وأشرق وأنار.
ثم خرجت إلى الخلائق مستنير الوجه قد حل بك أكمل الجمال والحسن كتابك بيمينك وقد شخصت أبصار الخلائق إليك غبطة لك وتأسفًا على أن ينالوا من الله مثل ما نلت.
وتصور نفسك إن لم يعف عنك ربك وأيقنت بالهلاك وذهب بك إلى جهنم مسود الوجه تتخطى الخلائق بسواد وجهك وكتابك في شمالك أو من وراء ظهرك تنادي بالويل والثبور والملك آخذ بعضدك ينادي هذا فلان بن
стр. 48
فلان قد شقي شقاء لا يسعد بعده أبدًا.
وتصور الصراط وهو الجسر المنصوب على متن جهنم قدامك وتصور ما يحل بك من الوجل والخوف الشديد حين رفعت طرفك فنظرت إليه بدقته وحوضه وجهنم تضطرب وتتغيض وتخفق بأمواجها من تحته.
فيا له من منظر ما أفظعه وأهوله وسماعك شهيقها وتغيظها وقصف أمواجها وجلبة ثورانها من أسفلها وقد اضطررت على المشي عليه وقد مرت عليك صفته.
ثم قيل لك وأنت تنظر إلى الجسر بفظاظته وفظاعته وقيل للخلق معك اركبوا الجسر الذي هو الصراط فتصور حالتك وخفقان قلبك ورجفان جسمك مما عاينت من المزعجات والكروب والشدائد والأهوال وعظائم الأمور وقلة المأكل والمشرب والراحة.
ولما قيل اركب طار عقلك رعبًا وخوفًا ثم إذا رفعت رجلك وأنت تنتفض لتركب الجسر فوقع قدمك على حدته ودقته فازداد فزعك وازداد رجفان قلبك ورفعت رجلك الأخرى وأنت مضطرب تتمروج من شدة الخوف العظيم وقد أثقلتك الأوزار وأنت حاملها على ظهرك وأنت تنظر إلى الناس يتهافتون من بين يديك ومن ورائك.
فتصور مرورك عليه بضعفك وثقلك وأوزارك وقلة حيلتك وأنت مندهش مما تحتك وأمامك ممن يئنون ويزلون وقد تنكست هاماتهم وارتفعت أرجلهم وآخرون يختطفون بالكلاليب وتسمع العويل والبكاء والأصوات المزعجات المناديات بالويل والثبور.
فيا له من منظر فظيع ومرتقى ما أصعبه ومجاز ما أضيقه ومكان من أهوله وموقف ما أشقه وكأني بك مملوء من الذعر والرعب والقلق ملتفتًا يمينًا
стр. 49
وشمالاً إلى من حولك من الخلق وهم يتهافتون قدامك في جهنم وأنت تخشى أن تتبعهم إلى قعر جهنم.
فتصور هذا بعقلك ما دمت في قيد الحياة قبل أن يحال بينك وبينه فلا يفيدك التفكير لعلك أن تتلافى تفريطك وتحاسب نفسك قبل أن يفوت الأوان فتبوء بالفشل والخيبة والحرمان.
وتصور حالتك إن بؤت بالخسران وزلت رجلك عن الصراط ووقعت فيما كنت تحاذر وتخاف وطار عقلك ثم زلت رجلك الأخرى فنكست على هامتك وعلت رجلاك فلم تشعر إلا والكلوب قد دخل في جلدك ولحمك.
فجذبت به وبادرت إليك النار ثائرة غضبانة لغضب مولاها وقد غلب على قلبك الندم والتأسف على أوقات ضيعتها فيما يسخط الله.
وتصور سماعك لنداء النار بقوله : ﴿هَلِ امْتَلَأْتِ﴾ [ق: ٣٠] وسمعت إجابتها له ﴿هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: ٣٠] . وهي تلتهب في بدنك لها قصيف في جسدك ثم لم تلبث أن تفطر جسمك وتساقط لحمك وبقيت عظامك محترق تطلب منهم ماء أو نحوه فأجابوك بالرد والخيبة فتقطع قلبك حسرة وأسفًا.
قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الْمَاء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللهُ قَالُواْ إِنَّ اللهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [الأعراف: ٥٠] فيا خيبة من هذا حاله وهذا مآله.
لقد تقطع قلبك حزنًا إذ خيبوا أملك فيهم وبما رأيت من غضبهم عليك لغضب ربك ففزعت إلى الله بالنداء بطلب الخروج منها فبعد مدة الله أعلم بها جاء الجواب: ﴿اخْسَؤُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] .
فلما سمعت النداء بالتخسئة لك ولأمثالك بقي نفسك من شدة الضيق
стр. 50
والألم والحسرة مترددًا في جوفك لا مخرج له فضاقت نفسك ضيقًا شديدًا لا يعلم مداه إلا الله.
وبقيت قلقًا تزفر ولا تطيق الكلام ثم أتاك زيادة حسرة وندامة حيث أطبق أبواب النار عليك وعلى أعدائه فيها فانقطع الأمل كليًا.
فيا إياسك ويا إياس سكان جهنم حين سمعوا وقع أبوابها تطبق عليهم قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: ٩] .
فعلموا عند ذلك أن لا فرج أبدًا ولا مخرج ولا محيص لهم من عذاب الله خلود فلا موت وعذاب لا زوال له عن أبدانهم ودوام حرق قلوبهم.
أحزان لا تنقضي وهموم وغموم لا تنفد وسقم لا يبرأ وقيود لا تحل وأغلال لا تفك قال تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] .
وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ وَلَهُم مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ كُلَّمَا أَرَادُوا أَن يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [الحج: ٢٢] .
ثم أطلعت النار على ما في جوفك فأكلت ما فيه وأنت تنادي وتستغيث فلا ترحم حتى إذا طال فيها مكثك واشتد بك العطش.
فذكرت الشراب في الدنيا فزعت إلى الجحيم فتناولت الإناء من يد الخازن الموكل بعذابك فلما تناولته تمزعت كفك من تحته واحترقت من حرارته ثم قربته إلى فمك والألم بالغ منك كل مبلغ فشوى وجهك وتساقط لحمه.
стр. 51
ثم تجرعته فسلخ حلقك ثم وصل إلى جوفك فقطع أمعاءك قال الله جل وعلا: ﴿وَسُقُوا مَاء حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءهُمْ﴾ [محمد: ١٥] . وقال جل وعلا وتقدس: ﴿وَيُسْقَى مِن مَّاء صَدِيدٍ يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾ [إبراهيم: ١٧] .
ثم ذكرت شراب الدنيا وبرده ولذته فبادرت إلى الحميم لتبرد به كبدك كما تعودت في الدنيا فسقيت فقطع أمعاءك والحميم شراب كالنحاس المذاب يقطع الأحشاء والأمعاء ثم بادرت إلى النار رجاء أن تكون أهون منه ثم اشتد عليك حريق النار فرجعت إلى الحميم قال الله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ [الرحمن: ٤٤] وقال في الآية الأخرى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ﴾ [غافر: ٧٢] .
فقدر نفسك مع الضائعين والخاسرين لعلك أن تلحق بالأبرار والمقربين وتصور حالتك لما اشتد بك الكرب والعطش وبلغ منك كل مبلغ وذكرت الجنان وما فيها من النعيم المقيم والعيش السليم.
وهاجت الأحزان وهاجت غصة في فؤادك إلى حلقك أسفًا على ما فات من رضا الله وحزنًا على نعيم الجنة.
ثم ذكرت شرابها وبرد مائها وذكرت أن فيها بعض القرابة من أب أو أم أو ابن أو أخ أو غيرهم من القرابة أو الأصدقاء في الدنيا فناديتهم بقلب محزون.
لا يرحم بكاؤهم ولا يجاب دعاؤهم ولا يغاثون عند تضرعهم ولا تقبل توبتهم ولا تقال عثرتهم غضب الله عليهم فلا يرضى عنهم أبدًا فمثل نفسك بهذا الوصف إن لم يعف عنك ربك لعلك أن تستيقظ فتستدرك.
стр. 52
فلو رأيت المعذبين وقد أكلت النار لحومهم ومحت محاسن وجوههم واندرس تخطيطهم فبقيت العظام محترقة مسودة وقد قلقوا من شدة تكرر العذاب الأليم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ﴾ [الحجر: ٥٠] .
وهم ينادون بالويل والثبور ويصرخون بالبكاء والعويل قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ [فاطر: ٣٧] ، وقال: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً﴾ [الفرقان: ١٤] .
فلو رأيتهم لذاب قلبك فزعًا ورعبًا من سوء خلقهم ولخرجت روحك من نتن رائحتهم فيكف لو نظرت نفسك وأنت فيهم وقد زال من قلبك الأمل والرجاء ولزمك القنوط والإياس فمثل نفسك لعلك أن تتأثر فتستعد للقاء الله.
ونظرت إلى النار وهي تشتعل في أجزاء بدنك فتدخل أذنيك وعينيك ولا تقدر على إبعادها عنك لملازمتها لك قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾ [الفرقان: ٦٦] . فهناك يغلب على قلبك التأسف والحسرات والندامة قال جل وعلا وتقدس: ﴿وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ [مريم: ٣٩] .
فتصور تلك الأهوال والعظائم بعقل فارغ وعزيمة صادقة وراجع نفسك ما دمت في قيد الحياة وتب إلى الله توبة نصوحًا عن ما يكره مولاك وتضرع إليه وابك من خشيته لعله يرحمك ويقيل عثرتك فإن الخطر عظيم والبدن ضعيف والموت منك قريب.
انتهى بتصرف من كلام المحاسبي ﵀.
стр. 53
مَثِّلْ وُقُوفَكَ يَوْمَ الْحَشْرِ عِريَانا … مُسْتَعْطِفًا قَلِقَ الأحْشَاءِ حَيْرانَا
النَّارُ تَزْفُر مِنْ غَيْظٍ وَمِن حَنَقٍ … عَلَى العُصَاةِ وَتَلْقَ الرَّبَ غَضْبَانَا
اقْرَأ كِتَابَكَ يَا عَبْدِي عَلَى مَهَلٍ … وَانْظُرْ إِليه تَرَى هَل كَانَ مَا كَانا
لَمَّا قَرَأت كِتابًا لَا يُغَادِر لِي … حَرفًا وَمَا كَانَ فِي سِرٍّ وَإعْلانَا
قال الجليل خُذُوْهُ يَا مَلَائِكَتِي … مُرُوا بِعَبْدِي إِلَى النِّيْرَانِ عَطْشَانًا
يَا رَبِّ لَا تَخْزِنَا يَوْمَ الْحِسَابِ وَلا … تَجْعَلْ لَنَارِكَ فِيْنَا اليَوْمَ سُلْطَانَا
اللهم ارزقنا أنفسًا تقنع بعطائك، وترضى بقضائك، وتصبر على بلائك، وتوقن بلقائك وتشكر لنعمائك وتحب أوليائك وتبغض أعداءك واغفر لنا ولوالدينا وجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
٢-[موعظة]
لله در أقوام تركوا الدنيا فأصابوا، وسمعوا منادي الله فأجابوا، وحضروا مشاهد التقى فما غابوا، واعتذروا مع التحقيق ثم تابوا وأنابوا، وقصدوا باب مولاهم فما ردوا ولا خابوا.
قال عمرو بن ذر لما رأى العابدون الليل قد هجم عليهم، ونظروا إلى أهل الغفلة قد سكنوا إلى فرشهم ورجعوا إلى ملاذهم.
قاموا إلى الله فرحين مستبشرين بما قد وهب الله لهم من السهر وطول التهجد.
فاستقبلوا الليل بأبدانهم، وباشروا ظلمته بصفاح وجوههم، فانقضى عنهم الليل، وما انقضت لذتهم من التلاوة، ولا ملت أبدانهم من طول العبادة،
стр. 54
فأصبح الفريقان وقد ولى الليل بربح وغبن.
فاعملوا في هذا الليل وسواده، فإن المغبون من غبن الدنيا والآخرة، كم من قائم لله تعالى في هذا الليل قد اغتبط بقيامه في ظلمة حفرته.
[فصل]
ويقابل دار الأشقياء التي تقدمت قريبًا دار أخرى دار قرار ونعيم وسرور وحبور وأمن وصحة وحياة أبدية فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
دار جعلها الكريم جل وعلا دار ضيافة، يُكرم فيها عباده الأخيار الذين وفقهم لخدمته والعمل بطاعته.
ولا تظن هذه الضيافة محدودة، ولا أن الكرامة فيها تنتهي بل كل ما تحبه وتتمناه أمامك إن كنت من أهل العفو والتجاوز فتوهم إن تفضل الله عليك بالعفو والتجاوز (أي تصور ممرك على الصراط) .
ونورك يسعى بين يديك وعن يمينك، وكتابك بيمينك مبيض الوجه.
قال الله جل وعلا: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ [آل عمران: ١٠٦] وقد أيقنت برضاه عنك وأنت على الصراط مع زمرة العابدين ووفود المتقين.
والملائكة تنادي: سلم سلم، والوجل مع ذلك لا يفارق قلبك ولا قلوب المؤمنين، تنادي وينادون: ﴿رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التحريم: ٨] .
فتدبر حين رأوا المنافقين طفئ نورهم، وهاج الوجل في قلوبهم، فدعوا بتمام النور والمغفرة.
стр. 55
فتوهم أي تصور وتخيل وتمثل نفسك، وأنت تمر خفيفًا مع الوجل وتصور ممرك على قدر خفة أوزارك وثقلها وقد انتهيت إلى آخره.
فغلب على قلبك النجاة، وقد عاينت نعيم الجنان وأنت على الصراط، فحن قلبك على جوار الله ، واشتاق إلى رضا الله.
حتى إذا صرت إلى آخره خطوات بأحد رجليك إلى العرصة (أي عرصة القيامة) التي بين آخر الجسر وبين باب الجنة، فوضعتها على العرصة التي بعد الصراط، وبقيت القدم الأخرى، على الصراط، والخوف والرجاء قد اعتليا في قلبك وغلبا عليك.
ثم ثنيت بالأخرى، فجزت الصراط كله واستقرت قدماك على تلك العرصة، وزلت عن الجسر ببدنك، وخلفته وراء ظهرك.
وجهنم تضطرب من تحت من يمر عليها، وتثب على من زل عنه مغتاظة تزفر عليه وتشهق إليه.
ثم التفت إلى الجسر فنظرت إليه باضطرابه، ونظرت إلى الخلائق من فوقه، وإلى جهنم من تحته تثب وتزفر على الذين زلزلوا عن الصراط.
لها في رءوسهم وأنحائهم قصيف، فطار قلبك فرحًا إذ نجوت بضعفك من النار وخلفت النار وجسرها من وراء ظهرك متوجهًا إلى جوار ربك.
ثم خطوت آمنًا إلى باب الجنة امتلأ قلبك سرورًا وفرحًا، فلا تزال في ممرك بالفرح والسرور حتى توافي أبوابها.
فإذا وافيت بابها استقبلك بحسنه، فنظرت إلى حسنه ونوره وحسن صورة الجنة وجدرانها.
وقلبك مستطير فرح مسرور متعلق بدخول الجنة حين وافيت بابها أنت وأولياء الرحمن.
стр. 56
فتوهم –أي: تخيل وتصور- نفسك في ذلك الموكب، وهم أهل كرامة الله ورضوانه، مبيضة وجوههم، مشرقة برضا الله، مسرورون فرحون مستبشرون، وقد وافيت باب الجنة بغبار قبرك، وحر المقام ووهج ما مر بك.
فنظرت إلى العين التي أعدها الله لأوليائه وإلى حسن مائها، فانغمست فيها مسرورًا، لما وجدت من برد مائها وطيبه، فوجدت لها بردًا وطيبًا، فذهب عنك بحزن المقام.
وطهرك من كل دنس وغبار، وأنت مسرور لما وجدت من طيب مائها لما باشرته، وقد أفلت من وهج الصراط وحره، لأنه قد يوافي بابها من أحرقت النار بعض جسده بلفحها وقد بلغت منه.
فما ظنك وقد انفلت من حر المقام ووهج أنفاس الخلائق، ومن شدة توهج حر الصراط فوافيت باب الجنة بذلك، فلما نظرت إلى العين قذفت بنفسك فيها.
فتوهم –أي: تصور وتخيل- فرحة فؤادك لما باشر برد مائها بدنك بعد حر الصراط، ووهج القيامة، وأنت فرح لمعرفتك أنك إنما تغتسل لتتطهر لدخول الجنة والخلود فيها.
فأنت تغتسل منها دائبًا، ولونك متغير حسنًا، وجسدك يزداد نضرة وبهجة ونعيمًا، ثم تخرج منها في أحسن الصور وأتم النور، اللهم ثبت محبتك في قلوبنا وقوها، اللهم ألهمنا ذكرك وشكرك وارزقنا محبة أوليائك وبغض أعدائك وهجرانهم والابتعاد عنهم واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
стр. 57
(فصل)
فتوهم –أي: تصور وتخيل- فرح قلبك حين خرجت منها فنظرت إلى كمال جمالك، ونضارة وجهك وحسنه، وأنت عالم موقن بأنك تتنظف للدخول إلى جوار ربك.
ثم تقصد إلى العين الأخرى، فتتناول من بعض آنيتها فتوهم نظرك إلى حسن الإناء، وإلى حسن الشراب، وأنت مسرور بمعرفتك أنك إنما تشرب هذا الشراب لتطهر جوفك من كل غل، وجسدك ناعم أبدًا.
حتى إذا وضعت الإناء على فيك ثم شربته، وجدت طعم شراب لم تذق مثله، ولم تعود شربه، فيسلس من فيك إلى جوفك، فطار قلبك سرورًا لما وجدت من لذته، ثم نقي جوفك من كل آفة.
فوجدت لذة طهارة صدرك من كل طبع كان فيه ينازعه إلى الغموم والهموم والحرص والشدة والغضب والغل، فيا برد طهارة صدرك، ويا روح ذلك على فؤادك.
حتى إذا استكملت طهارة القلب والبدن، واستكمل أحباء الله ذلك معك، والله مطلع يراك ويراهم.
أمر مولاك الجواد المتحنن خزان الجنة من الملائكة، الذين لم يزالوا مطيعين خائفين منه مشفقين وجلين من عقابه إعظامًا له وإجلالاً، وهيبة له، وحذرًا من نقمه، وأمرهم أن يفتحوا باب جنته لأوليائه.
فانحدروا من دارها، وبادروا من ساحاتها، وأتوا باب الجنة فمدوا أيديهم ليفتحوا أبوابها.
وأيقنت بذلك، فطار قلبك سرورًا، وامتلأت فرحًا وسمعت حسن
стр. 58
صرير أبوابها، فعلاك السرور، وغلب على فؤادك، فيا سرور قلوب المفتوح لهم باب جنة رب العالمين.
فلما فتح لهم بابها، هاج نسيم طيب الجنان، وطيب جَرْى مائها، فنفح وجهك، وجميع بدنك وثارت أراييح الجنة العبقة الطيبة.
وهاج ريح مسكها الأذفر، وزعفرانها المونع، وكافورها الأصفر، وعنبرها الأشهب، وأرياح طيب ثمارها وأشجارها، وما فيها من نسيمها.
فتداخلت تلك الأراييح في مشامك حتى وصلت إلى دماغك، وصار طيبها في قلبك، وفاض من جميع جوارحك.
ونظرت بعينك إلى حسن قصورها، وتأسيس بنيانها من طرائق الجندل الأخضر من الزمرد، والياقوت الأحمر، والدر الأبيض، قد سطع منه نوره وبهاؤه وصفاؤه.
فقد أكمله الله في الصفاء والنور، ومازجه نور ما في الجنان، ونظرت إلى حجب الله، وفرح فؤادك لمعرفتك أنك إذا دخلتها فإن لك فيها الزيادات، والنظر إلى وجه ربك، فاجتمع طيب أراييح الجنة وحسن بهجة منظرها، وطيب نسيمها، وبرد جوها.
فتصور نفسك إن تفضل الله عليك بهذه الهيئة، فلو مت فرحًا لكان ذلك يحق لك، حتى إذا فتحوا بابها، أقبلوا عليك ضاحكين في وجهك ووجوه أولياء الله معك.
ونادوكم ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ٥٤] فتوهم حسن نغماتهم، وطيب كلامهم، وحسن تسليمهم، في كمال صورهم، وشدة نورهم.
ثم أتبعوا السلام بقولهم: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ، فأثنوا عليهم بالطيب والتهذيب من كل دنس ودرن وغل وغش، وكل آفة
стр. 59
في دين أو دنيا، ثم أذنوا لهم على الله بالدخول في جواره.
ثم أخبروهم أنهم باقون فيها أبدًا، فقالوا: ﴿طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ [الزمر: ٧٣] ، فلما سمعت الأذن وأولياء الله معك بادرتم الباب بالدخول، فكظت الأبواب من الزحام.
فتصور نفسك إن عفا الله عنك في تلك الزحمة مبادرًا مع مبادرين، مسرورًا مع مسرورين، بأبدان قد طهرت ووجوه قد أشرقت وأنارت فهي كالبدر، قد سطع من أعراضهم كشعاع الشمس.
فلما جاوزت بابها، وضعت قدميك على تربتها، وهي مسك أذفر، ونبت الزعفران المونع، والمسك مصبوب على أرض من فضة، والزعفران نابت حولها.
فذلك أول خطوة خطوتها في أرض البقاء بالأمن من العذاب والموت، فأنت تتخطى في تراب المسك، ورياض الزعفران، وعيناك ترمقان حسن بهجة الدر، من حسن أشجارها، وزينة تصويرها.
فبينما أنت تتخطى في عرصات الجنان، في رياض الزعفران، وكثبان المسك، إذ نودي في أزواجك وولدانك وخدامك وغلمانك وقهارمتك، أن فلانًا قد أقبل، فأجابوا واستبشروا لقدومك، كما يبشر أهل الغائب في الدنيا بقدومه.
اللهم أعطنا من الخير فوق ما نرجو وأصرف عنا من السوء فوق ما نحذر. اللهم علق قلوبنا برجائك واقطع رجاءنا عمن سواك. اللهم إنك تعلم عيوبنا فاسترها وتعلم حاجاتنا فاقضها كفى بك وليًا وكفى بك نصيرًا يا
стр. 60
رب العالمين اللهم وفقنا لسلوك سبيل عبادك الأخيار واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
(فصل)
فبينما أنت تنظر إلى قصورك، إذ سمعت جلبتهم وتبشيشهم، فاستطرت لذلك فرحًا، فبينما أنت فرح مسرر بغبطتهم لقدومك لما سمعت إجلابهم فرحًا بك.
إذ ابتدرت القهارمة إليك وقامت الولدان صفوفًا لقدومك، فبينما أتت القهارمة مقبلة إليك، إذ استخف أزواجك للعجلة، فبعثت كل واحدة منهم بعض خدمها لينظر إليك مقبلاً.
ويسرع بالرجوع إليها بقدومك، لتطمئن إليه فرحًا، وتسكن إلى ذلك سرورًا، فنظر إليك الخدم قبل أن تلقاك قهارمتك.
ثم بادر رسول كل واحدة منهن إليها فلما أخبرها بقدومك، قالت كل واحدة لرسولها: أنت رأيته، من شدة فرحها بذلك، ثم أرسلت كل واحدة منهن رسولاً آخر.
فلما جاءت البشارات بقدومك إليهن، لم يتمالكن فرحًا، فأردن الخروج إليك مبادرات إلى لقائك لولا أن الله كتب القصر لهن في الخيام إلى قدومك، كما قال مليكك: ﴿حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ﴾ [الرحمن: ٧٢] .
فوضعهن أيديهن على عضائد أبوابهن، وأذرعهن برءوسهن، ينظرن متى
стр. 61
تبدو لهن صفحة وجهك؛ فيسكن طول حنينهن، وشدة شوقهن إليك، وينظرون إلى قرير أعينهن، ومعدن راحتهن، وأنسهن إلى ولي ربهن وحبيب مولاهن.
فتوهم ما عاينت، حين فتحت أبواب قصورك، ورفعت ستوره، من حسن بهجة مقاصيره، وزينة أشجاره، وحسن رياضه، وتلألؤ صحنه. ونور ساحاته.
فبينما أنت تنظر إلى ذلك، إذ بادرت البشرى من خدامك ينادون أزواجك هذا فلان بن فلان قد دخل من باب قصره، فلما سمعن نداء البشراء بقدومك ودخولك، توثبن من الفرش على الأسرة في الحجال.
وعينك ناظرة إليهن في جوف الخيام والقباب، فنظرت إلى وثوبهن مستعجلات، قد استخفهن الفرح، والشوق إلى رؤيتك.
فتخيل تلك الأبدان الرخيمة الرعبوبة الخريدة الناعمة، يتوثبن بالتهادي والتبختر.
فتصور كل واحدة منهن، حين وثبت في حسن حللها وحليتها بصباحة وجهها، وتثني بدنها بنعمته.
فتوهم إنحدارها مسرعة بكمال بدنها، نازلة عن سريرها إلى صحن قبتها، وقرار خيمتها، فوثبن حتى أتين أبواب خيامهن وقبابهن.
ثم أخذن بأيديهن عضائد أبواب خيامهن للقصر، الذي ضرب عليهن إلى قدومك، فقمن آخذات بعضائد أبوابهن.
ثم خرجن برءوسهن ووجوههن، ينحدرن من أبواب قبابهن، متطلعات،
стр. 62
ينظرن إليك، مقبلات قد ملئن منك فرحًا وسرورًا.
وتخيل نفسك بسرور قلبك وفرحه، وقد رمقتهن على حسن وجوههن، وغنج أعينهن.
فلما قابلت وجوههن حار طرفك، وهاج قلبك بالسرور، فبقيت كالمبهوت الذاهل من عظيم ما هاج في قلبك من سرور ما رأت عيناك، وسكنت إليه نفسك.
فبينما أنت ترفل إليهن، إذ دنوت من أبواب الخيام، فأسرعن مبادرات قد استخفهن العشق، مسرعات يتثنين من نعيم الأبدان، ويتهادين من كمال الأجسام.
ثم نادتك كل واحدة منهن: يا حبيبي ما أبطأك علينا؟ فأجبتها بأن قلت: يا حبيبة ما زال الله يوقفني على ذنب كذا وكذا حتى خشيت أن لا أصل إليكن.
فمشين نحوك في السندس والحرير، يثرن المسك، وشوقًا وعشقًا لك.
فأول من تقدمت منهن مدت إليك بنانها ومعصمها وخاتمها وضمتك إلى نحرها فانثنيت عليها بكفك وساعدك حتى وضعته على قلائدها من حلقها، ثم ضممتها إليك وضمتك إليها.
فتوهم نعيم بدنها لما ضمتك إليها كاد أن يداخل بدنك بدنها من لينه ونعيمه.
فتوهم ما باشر صدرك من حسن نهودها، ولذة معانقتها ثم شممت طيب عوارضها، فذهب قلبك من كل شيء سواها حتى غرق في السرور، وامتلأ فرحًا، لما وصل إلى روحك من طيب مسيسها، ولذة روائح عوارضها.
فلما استمكنت خفة السرور من قلبك، وعمت لذة الفرح جميع بدنك،
стр. 63
وموعد الله في سرورك، فناديت بالحمد لله الذي صدقك الوعد، وأنجز لك الموعد. ثم ذكرت طلبك إلى ربك إياهن بالدءوب والتشمير.
فأين أنت في عاقبة ذلك العمل الذي استقبلته وأنت تلتثمهن وتشم عوارضهن ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلْ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: ٦١] .
اللهم إنا نعوذ بك من الشك بعد اليقين، ومن الشيطان الرجيم، ومن شدائد يوم الدين، ونسألك رضاك والجنة، ونعوذ بك من سخطك والنار، اللهم ارحمنا إذا عرق الجبين واشتد الكرب والأنين، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين وصلى الله على محمد وعلى آله أجمعين.
(فصل)
فتوهم صعودها على السرير بعظيم بدنها ونعيمه، حتى استوت عليه جالسة، ثم ارتقيت على السرير، فاستويت عليه معها، فقابلتك وأنت مقابلها، فيا حسن منظرك إليها جالسة في حالها وحُليها بصباحة وجهها ونعيم جسمها! الأساور في معاصمها، والخواتم في أكفها، والخلاخيل في أسواقها، والقلائد في عنقها، والأكاليل من الدر والياقوت على قصتها وجبينها، والتاج من فوق ذلك على رأسها، والذوائب من تحت التاج، قد حل من مناكبها، وبلغ أردافها، ترى وجهك في نحرها، وهي تنظر إلى وجهها في نحرك.
وقد تدلت الأشجار بثمارها من جوانب حجلتك، واطردت الأنهار حول قصرك، واستعلى الجداول على خيمتك بالخمر والعسل واللبن والسلسبيل.
وقد كمل حسنك وحسنها، وأنت لابس الحرير والسندس، وأساور
стр. 64
الذهب واللؤلؤ على كل مفصل من مفاصلك، وتاج الدر والياقوت منتصف فوق رأسك، وأكاليل الدر مفصصة بالنور على جبينك.
وقد أضاءت الجنة وجميع قصورك من إشراق بدنك ونور وجهك، وأنت تعاين من صفاء قصورك جميع أزواجك وخدمك وجميع أبنية مقاصيرك.
وقد تدلت عليك ثمار أشجارك، واطردت أنهارك من الخمر واللبن من تحتك، والماء والعسل من فوقك، وأنت جالس مع زوجتك على أريكتك، وقد فتحت مصاريع أبوابك، وأرخيت عليك حجال خيمتك، وحفت الخدام والولدان بقبتك، وسمعت زجلهم بالتقديس لربك .
وأنت وزوجك بأكمل الهيئة وأتم النعمة، وقد حار فيها طرفك تنظر إليها متعجبًا من جمالها وكمالها، طرب قلبك بملاحتها، وأنس قلبك بها من حسنها، فهي منادمة لك على أريكتك، تنازعك وتعاطيك الخمر والسلسبيل والتسنيم في كاسات الدر وأكاويب قوارير الفضلة.
فتوهم الكأس من الياقوت والدر في بنانها، وقد قربت إليك ضاحكة بحسن ثغرها، فسطع نور بنانها في الشراب، مع نور وجهها ونحرها، ونور الجنان، ونور وجهك وأنت مقابلها، واجتمع في الكأس الذي في بنانها نور الكأس، ونور الشراب، ونور وجهها، ونور نحرها، ونور ثغرها، انتهى بتصرف.
وقال ابن القيم:
فَاسْمَعْ صِفَاتِ عَرَائِس الْجَنَّاتِ ثُمَّ … اخْتَر لنَفْسُكَ يَا أَخَا العِرْفَانِ
حُوْرٌ حِسَانٌ قَدْ كَمَلْنَ خَلائِقًا … وَمَحَاسِنًا مِنْ أَجْمَلِ النِّسْوَانِ
стр. 65
حَتَّى يَحَارُ الطَّرْفِ فِي الْحُسْنِ الَّذِي … قَدْ ألْبِسَتْ فَالطَّرْفُ كَالْحَيْرَانِ
وَيَقولُ لَمَّا أَنْ يُشَاهِدَ حُسْنَهَا … سُبْحَان مُعْطِي الْحُسْنِ وَالإِحْسَانِ
وَالطَّرْفُ يَشْرَبُ مِن كِئوسِ جَمَالِهَا … فَتَراهُ مِثْلَ الشَّارِب النَّشْوَانِ
كملت خلائقها وأكمل حسنها … كالبدر ليل الست بعد ثمان
والشمس تجري في محاسن وجهها … والليل تحت ذوائب الأغصان
فتراه يعجب وهو موضع ذاك من … ليل وشمس كيف يجتمعان
فيقول سبحان الذي ذا صنعه … سبحان متقن صنعة الإنسان
وكلاهما مرآة صاحبه إذا … ما شاء يبصر وجهه يريان
فيرى محاسن وجهه في وجهها … وترى محاسنها به بعينان
حمر الخدود ثغورهن لآليء … سود العيون فواتر الأجفان
والبدر يبدو حين يبسم ثغرها … فيضيء سقف القصر بالجدران
ولقد روينا أن برقًا ساطعًا … يبدو فيسأل عنه من بجنان
فيقال هذا ضوء ثغر ضاحك … في الجنة العليا كما تريان
لله لاثم ذلك الثغر الذي … في لثمه إدراك كل أمان
ريانة الأعطاف من ماء الشبا … ب فغصنها بالماء ذو جريان
لما جرى ماء الشباب بغصنها … حمل الثمار كثيرة الألوان
فَالوَرد والتُّفَاحُ والرُّمَان فِي … غُصْنٍ تَعَالَى غَارِسُ البُسْتَانِ
وَالقَدُّ مِنْهَا كَالقَضِيْبِ اللذن في … حُسْنِ القوام كأَوْسَطِ القُضْبَانِ
إلى أن قال ﵀:
وَإْذَا بَدتَ فِي حُلَّةٍ مِن لُبْسِهَا … وَتَمَايَلَتْ كَتَمَايُلِ النَّشْوَانِ
стр. 66
تَهْتَزُّ كَالغْصَنِ الرَّطِيْبِ وَحَمْلُه … وَرْدٌ وَتفَاحٌ عَلَى رُمَّانِ
وَتَبَخْتَرَتْ فِي مَشْيِهَا وَيَحقُ ذَا … كَ لِمْثْلِهَا فِي جَنَّةِ الْحَيَوانِ
وَوَصَائِفٌ مِن خَلْفِهَا وَأَمَامِهَا … وَعَلَى شَمَائِلهَا وَعَن أَيْمَانِ
كَالبَدْرِ لَيْلَةَ تِمِّهِ قَدْ حُفَّ فِي … غَسَقِ الدُّجَى بِكَواكِبِ الْمِيزَانِ
فَلِسَانُهُ وَفُؤادُهُ والطَّرفُ فِي … دَهَشٍ وَإِعْجَابٍ وَفِي سُبْحَانِ
فَالقَلبُ قَبْلَ زِفَافِهَا فِي عُرْسِهِ … وَالعُرَسُ إثْرَ العُرْس مُتَّصِلانِ
حَتَّى إِذَا مَا وَاجَهَتْهُ تَقَابَلا … أَرَأَيْتَ إِذْ يَتَقَابَلُ القَمَرَانِ
فَسلِ الْمُتَيَّم أَيْنَ خَلَّفَ صَبْرَهُ … فِي أَيْ وَادٍ أَمْ بِأيّ مَكَانِ
وَسَلِ الْمُتَيَّم كَيْفَ حَالَتُه وَقَدْ … مُلِئَتْ لَهُ الأُذْنَانِ وَالعَيْنَانِ
مِن مَنِطقٍ رَقَّتْ حَوَاشِيْهِ وَوَجْـ … ـه كَمْ بِهِ لِلشَّمْسِ مِن جَرَيَانِ
وَسَلْ الْمُتَيَّمَ كَيْفَ عِيْشَتَه إذًا … وَهُمَا عَلَى فُرَشَيْهِمَا خَلَوَانِ
يَتَسَاقَطَانِ لَئِالئًا مَنْثُورَةً … مِن بَيْنَ مَنْظُومٍ كَنَظْمِ جُمَانِ
وَسَلِ الْمُتَيَّم كَيْفَ مَجْلِسُه مَعَ الْـ … مَحْبُوب فِي رَوْحٍ وَفِي رَيْحَانِ
وَتَدورُ كَاسَات الرَّحِيْقِ عَلَيْهِمَا … بأكُفٍ أَقْمارٍ مِن الولْدَانِ
يَتَنَازَعَانِ الكَأسَ هَذا مَرَّةَ … وَالْخُودُ أُخْرَى ثُمَّ يَتَكِئَانِ
فَيَضُمُّهَا وَتَضُمُّهُ أَرَأَيْتَ مَعْـ … شُوْقَيْنِ بَعدَ البُعْدِ يَلْتَقِيَانِ
غَابَ الرَّقِيْبُ وَغَابَ كُلْ مَنْكَدٍ … وَهُمَا بِثَوْبِ الوَصْلِ مُشْتَمِلانِ
أَتْرَاهُمَا ضَجرَيْنِ مِن ذَا العَيْشِ لَا … وَحَياةِ رِبِّكَ مَا هُمَا ضَجرَان
وَيزَيْدُ كُلُّ مِنْهُمَا حُبًا لِصَا … حِبْهِ جَدِيْدًا سَائر الأَزْمَانِ
وَوَصَالُهُ يَكْسُوه حُبًّا بَعْدَهُ … مُتَسَلْسِلاً لَا يَنْتَهِي بِزَمَانِ
стр. 67
فَالوَصْلُ مَحْفُوف بحب سابق … وبلاحق وكلاهما صنوان
فرق لطيف بَيْنَ ذاك وبين ذا … يدريه ذو شغل بهذا الشان
ومزيدهم في كل وقت حاصل … سبحان ذي الملكوت والسلطان
يا غافلاً عما خلقت له انتبه … جد الرحيل ولست باليقظان
سار الرفاق وخلفوك مع الأولى … قنعوا بذا الحظ الخسيس الفان
ورأيت أكثر من ترى متخلفًا … فتبعهم فرضيت بالحرمان
لكن أتيت بخطتي عجز وجهـ … ـل بعد ذا وصحبت كل أمان
منتك نَفْسُكَ بالحوق مع القعو … د عن المسير وراحة الأبدان
ولسوف تعلم حين ينكشف الغطا … ماذا صنعت وكنت ذا إمكان
وقال ابن القيم ﵀:
فَيَا سَاهيًا فِي غَمْرِة الجَّهْلِ والْهَوَى … صَرِيْعَ الأَمَانِي عَنْ قَرِيبٍ سَتَنْدَمُ
أَفِقْ قَدْ دَنَى الوَقْتُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ … سِوَى جَنَّةٍ أَوْ حَرِّ نَارٍ تَضَرَّمُ
وَبِالسُّنَّةِ الغَرَّاءِ كُنْ مُتَمَسِّكًا … هِي العُرْوَةُ الوُثْقَى الَّتِي لَيْسَ تُفْصَمُ
تَمَسَّكْ بِهَا مَسْكَ البَخِيْل بِمَالِهِ … وَعَضَّ عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ تَسْلَمُ
وَدَعْ عَنْكَ مَا قَدْ أَحْدَثَ النَّاسُ بَعْدَهَا … فَمَرْتَعُ هَاتِيْكَ الْحَوَادثِ أَوْخَمُ
وَهَيِّئ جَوابًا عِنْدَمَا تَسْمَعُ النِّدَا … مِنْ اللهِ يَوم العَرْضِ مَاذَا أَجَبْتُمُ
بِهِ رُسُلِيْ لَمَّا أَتَوْكُمْ فَمِنْ يَكُنْ … أَجَابَ سوَاهُمْ سَوْفَ يُخْزَى وَيَنْدَمُ
وَخُذْ مِن تُقَى الرَّحْمَنِ أَعْظَمَ جُنَّةٍ … لِيَوْمٍ بِهِ تَبْدُو عِيَانًا جَهَنَّمُ
وَيُنْصَبُ ذَاكَ الْجِسْرُ مِنْ فَوْقَ مَتْنِهَا … فَهَاوٍ وَمَخْدُوْشٌ وَنَاجٍ مُسَلَّمُ
وَيَأْتِي إِلَهُ العَالَمِيْنَ لِوَعْدِهِ … فَيَفْصِلُ مَا بَيْنَ العِبَادِ وَيَحْكُمُ
стр. 68
وَيَأْخُذُ لِلمَظْلُومِ رَبُّكَ حَقَّهُ … فَيَا بُؤْسَ عَبْدٍ لِلْخَلائِقِ يَظْلِمُ
وَيَنْشُرُ دِيْوَانُ الْحِسَابِ وَتُوْضَعُ الْـ … ـمَوازِيْنُ بِالقِسْط الَّذِي لَيْسَ يَظْلِمُ
فَلا مُجْرِمٌ يَخْشَى ظَلَامَةَ ذَرَّةٍ … وَلَا مُحْسِنٌ مِن أَجْرِه ذَاكَ يَهْضَمُ
وَتَشْهَدُ أَعْضَاءُ الْمُسِيء بِمَا جَنَى … كَذَاكَ عَلَى فِيْهِ الْمَهَيْمِنُ يَخْتُمُ
فَيَا لَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ حَالُكَ عِنْدَمَا … تَطَايَرُ كُتْبُ العَالَمِيْنَ وَتُقْسَمُ
أَتَأْخُذُ بِاليُمْنَى كَتَابَكَ أَمْ تَكُنْ … بِالأُخْرَى وَرَاءَ الظَّهْرِ مِنْكَ تَسَلَّمُ
وَتَقْرَأ فِيْهَا كَلَّ شِيء عَمِلْتَهُ … فَيْشْرَقُ مِنْكَ الوَجْهُ أَوْ هُوَ يَظْلِمُ
تَقُوْلُ كِتَابِي فَاقْرَؤُهْ فَإِنَّهُ … يُبَشِّرُ بِالفَوْزِ العَظِيْمِ وَيَعْلَمُ
وَإِنْ تَكُنْ الأُخْرَى فَإِنَّكَ قاَئِلٌ … أَلا لَيْتَنِي لَمْ أوْتَه فَهُوَ مَغْرَمُ
فَبَادِرْ إذًا مَا دَامَ فِي العُمْرِ فُسْحَةٌ … وَعَدْلُكَ مَقْبُوْلٌ وَصَرْفُكَ قَيِّمُ
وَجُدَّ وَسَارِعْ وَاغْتَنِمْ زَمَنَ الصِّبَا … فَفِي زَمْن الإمْكَانِ تَسْعَى وَتَغْنَمُ
وَسِرْ مُسْرِعًا فَالْمَوتُ خَلْفَكَ مُسْرِعًا … وَهَيْهَاتَ مَا مِنْهُ مَفَرٌ وَمَهْزَمٌ
اللهم ألهمنا القيام بحقك، وبارك لنا في الحلال من رزقك، ولا تفضحنا بين خلقك، يا خير من دعاه داع وأفضل من رجاه راج يا قاضي الحاجات ويا مجيب الدعوات هب لنا ما سألناه وحقق رجاءنا فيما تمنيناه وأملناه يا من يملك حوائج السائلين ويعلم ما في ضمائر الصامتين، أذقنا برد عفوك، وحلاوة مغفرتك، يا أرحم الراحمين وصل الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
стр. 69
(فصل)
قال ابن الجوزي ﵀: الحذر الحذر من المعاصي فإنها سيئة العواقب، والحذر الحذر من الذنوب خصوصًا ذنوب الخلوات، فإن المبارزة لله تعالى تسقط العبد من عينه سبحانه ولا ينال لذة المعاصي إلا دائم الغفلة، فأما المؤمن اليقظان فإنه لا يلتذ بها، لأنه عند التذاذه يقف بإزائه علمه بتحريمها وحذره من عقوبتها، فإن قويت معرفته رأى بعين علمه قرب الناهي وهو الله فيتنغص عيشه في حال التذاذه فإن غلبه سكر الهوى كان القلب متنغصًا بهذه المراقبات وإن كان الطبع في شهوته فما هي إلا لحظة ثم خزي دائم وندم ملازم وبكاء متواصل وأسف على ما كان مع طول الزمان حتى إنه لو تيقن العفو وقف بإزائه حذار العتاب فأف للذنوب ما أقبح آثارها وأسوء أخبارها انتهى.
٣- (موعظة)
عباد الله اعتاد الناس أن من طلب شيئًا من نفائس الدنيا لا يهدأ ولا ينام، بل يسعى للوصول إليه، ليله ونهاره، سعي النشيط الهمام، وكلما سد في وجهه باب، قرع بابًا آخر، وإن تعدد الأبواب، كما هو دأب الحريص المقدام، وكلما نظر إلى قدر ما يطلب هان عليه السعي، وما يلقاه من مصاعب ومتاعب وآلام والعجيب أنه لا يمل ولا يسأم، وإن واصل السعي سنين، وأعجب من ذا أنه لا ينثني عن مطلوبه، وإن مس شرفه وأهين، وإن استصعب عليه الوصول، استعان بذوي الوجاهة المحترمين، ولا يزال هذا يواصل السعي حتى يصل مبتهجًا إلى ماله من مرام. أنت تطلب الجنة يا هذا
стр. 70
ولا نفيس أنفس منها لأنها لا تفنى ولا تبيد، ولأن لك فيها ما اشتهت نفسك، ولذت عينك دون أي تقييد، ولأنك خالد فيها أبدًا دون أن يكدر، بأي مكدر، ذلك العيش الرغيد فهل شمرت عن ساق وسعيت للوصول إليها، كما تسعى فقط لذلك الفاني من الحطام، المشاهد أنك لا تسعى لتلك الجنة ولا يخطر لك السعي إليها على بال، ولو أنك ساويتها في السعي إليها بأي مطلوب دنيوي لكنت من عظماء الرجال، ولكن يا للأسف لم يكن من ذلك شيء، والسعي للجنة لا يكون بالكلام، ولا بالأماني والأحلام، ولكن بصالحات الأعمال، وهل تزهدت أنت في شيء كما تزهدت في تلك الأعمال الفخام، ولذلك أجرى الله العادة أن من خاف شيئًا من مؤلمات الدنيا يبعد عنه ويفر، كل الفرار، ويذهب هدوؤه وطمأنينته، وربما ذهب نومه اضطرارًا لا اختيارًا ولا يطمئن بعض الاطمئنان إلا إذا احترس منه بكل ما يقدر عليه من أعوان، وأنصار، يفعل كل ذلك لئلا يصل إليه من الأذى ما يكدر عليه حياته، وصفوها، جهنم يا هذا أعظم مخوف فهل عملت الاحتياط لها كما تحتاط لمخوفات هذه الدار.
الذي يتبادر منك ويظهر أن إيمانك بها ضعيف، وأنك لم تعمل أي احتياط لها، فلو كان إيمانك قوي في قوله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ [الفجر: ٢٣] . لسعيت جهدك في الأعمال الصالحات، التي تحول بينك وبينها ولأزعجك وأقلقك ولم تهنأ بنوم ولا طعام وشراب، وأمامك تلك العقبات، شعرًا:
وَكَيْْفَ تَنَامُ العَيْنَ وَهِيَ قَرِيْرَةٌ … وَلَمْ تَدْرِ فِي أَيْ الْمَكَانَيْنَ تَنْزِلُ
اللهم وفقنا لصالح الأعمال، ونجنا من جميع الأهوال، وأمنا من الفزع
стр. 71
الأكبر يوم الرجف والزلزال، واغفر لنا ولوالدينا، ولجميع المسلمين الأحياء منهم والميتين برحمتك يا أرحم الراحمين، وصل الله على محمد وآله وصحبه أجمعين.
وصايا وفوائد ومواعظ وآداب
أوصى بعضهم، فقال إذا عصيت الله بموضع بأن حصل منك ذنب فاعمل في ذلك الموضع طاعة كاستغفار وذكر لله ونحو ذلك فكما يشهد عليك يشهد لك.
قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] . وكلما تذكرت ذنبًا صدر منك فتب عقب ذكرك إياه توبة نصوحًا وأكثر من الاستغفار.
قال الله جل وعلا: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣٥] . وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾ [النساء: ١١٠] .
احرص على أن تنوي فعل الخير، وإذا حدثتك نفسك بشر فاعزم على تركه لله.
فعن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: قال: الله : «إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها» . ومما أوصى به بعضهم قال عليك بذكر الله قائمًا وقاعدًا وعلى جنبك في السر والعلانية وفي الملا.
стр. 72
قال الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١] . وقال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٣٥] . وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] .
وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُواْ اللهَ كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلَحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥] .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يقول الله : «أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حين يذكرني، إن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ، ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرًا، تقربت إليه ذراعًا، وإن تقرب إلي ذراعًا تقربت إليه باعًا، وإن أتاني يمشي أتيته هرولة» .
احرص على صيانة الوقت وثابر على إتيان جميع ما يقربك إلى الله من الأعمال وبالأخص الإكثار من كلمة الإخلاص وهي لا إله إلا الله.
واعلم أنها كلمة التوحيد والتوحيد لا يماثله شيء، وهي كلمة الإسلام، ومفتاح دار السلام، وهي كلمة الحق، ودعوة الحق.
وهي أعلا كلمة وأشرف كلمة وأحسن كلمة وأفضل كلمة وأنجى كلمة وما أنعم الله على عبد نعمة أفضل من أن عرفه لا إله إلا الله وفهمه معناها ووفقه للعمل بمقتضاها وعليك بالقيام بما افترض الله عليك وملازمته على الوجه الأكمل الذي أمرك الله جل وعلا أن تقوم به.
قال الله جل وعلا: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [هود: ١١٢] . وفي حديث سفيان بن عبد الله قال: قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا غيرك قال: «قل آمنت بالله ثم استقم» . رواه مسلم.
وفي حديث ثوبان عن النبي ﷺ قال: «استقيموا ولن تحصوا واعلموا
стр. 73
أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن» . وفي رواية للإمام أحمد "سددوا وقاربوا ولا يحافظ على الصلاة إلا مؤمن". وعليك بمراعاة أقوالك كما تراعي أعمالك فإن أقوالك من جملة أعمالك قال الله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ كِرَاماً كَاتِبِينَ يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٢] .
وقال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨] واحذر الإقامة بين أظهر الكفار فإن ذلك تشجيعًا للكفار وإهانة لدين الإسلام وإعلاء لكلمة الكفر.
قال النبي ﷺ : «أنا برئ من كل مسلم يقيم بَيْنَ أظهر المشركين لا ترآءى ناراهما» رواه أبو داود والترمذي. وقال ﷺ : «من جامع المشرك وسكن معه فإنه مثله» . رواه أبو داود.
وعليك بتلاوة القرآن بتفهم وتدبر وتفكر ونظر فيما تتلوه إلى ما حمد فيه من النعوت والصفات التي وصف الله جل وعلا بها من أحبه من عباده فاتصف بها.
وما ذمه الله في القرآن من الصفات فاجتنبها فإن الله جل وعلا ما أنزلها في كتابه وذكرها لك وعرفك بها إلا لتعمل بها.
فإذا قرأت القرآن فاجمع قلبك وحضره وفكر فيما تتلو وما أشكل عليك فطالع معناه في التفسير إن كنت تحسن ذلك وإلا فأسأل أهل الذكر.
قال الله جل وعلا وتقدس: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٣] . ولا أفضل من تلاوة كلام الله فأفضل الكلام كلام الملك العلام جل وعلا وتقدس.
وكل ذكر ورد فضله في خبر أو أثر فهو بعد كلام الله فالتسبيح
стр. 74
والتهليل والتكبير والتحميد بعد التلاوة وبعدهن الصلاة على رسول الله ﷺ . وعليك بمجالسة من تنتفع بمجالسته في دينك من علم تستفيده أو عمل يكون فيه أو خلق حسن يكون عليه تكسبه من صحبته.
وعليك بالبذاذة فإنها من الإيمان وهي ترك الزينة وعدم الترفه ورثاثة الهيئة والرضا بالدون من الثياب لما ورد في الحديث: «إن البذاذة من الإيمان» وفي الحديث الآخر: «إن الله يحب المتبذل الذي لا يبالي ما لبس» وفي الحديث الآخر: «ومن ترك لبس ثوب جمال وهو يقدر عليه -أحسبه قال تواضعًا- كساه الله حلة الكرامة» رواه أبو داود. ومن يرتضي أدنى اللباس تواضعًا سيكسى الثياب العبقريات في غد.
اللهم يا حي يا قيوم طهر قلوبنا من النفاق وعملنا من الرياء وألسنتنا من الكذب وأعيننا من الخيانة إنك تعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور وأغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين وصل الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
[فائدة عظيمة النفع]
اعلم أن من كان داؤه المعصية، فشفاؤه الطاعة، ومن كان داؤه الغفلة، فشفاؤه اليقظة، ومن كان داؤه كثرة الأشغال، فشفاؤه في تفريغ المال.
فمن تفرغ من هموم الدنيا قلبه، قل تعبه، وتوفر من العبادة نصيبه، واتصل إلى الله مسيره، وارتفع في الجنة مصيره، وتمكن من الذكر والفكر والورع والزهد والاحتراس من وساوس الشيطان، وغوائل النفس.
ومن كثر في الدنيا همه، أظلم طريقه، ونصب بدنه، وضاع وقته، وتشتت شمله، وطاش عقله، وانعقد لسانه عن الذكر، لكثرة همومه وغمومه،
стр. 75
وصار مقيد الجوارح عن الطاعة، من قلبه في كل واد شعبة، ومن عمره لكل شغل حصة.
فاستعذ بالله من فضول الأعمال والهموم فكل ما شغل العبد عن الرب فهو مشئوم، ومن فاته رضى مولاه فهو محروم، كل العافية في الذكر والطاعة، وكل البلاء في الغفلة والمخالفة، وكل الشفاء في الإنابة والتوبة، وانظر أو أن طبيبًا نصرانيًا نهاك عن شرب الماء البارد لأجل مرض في جسدك لأطعته في ترك ما نهاك عنه، وأنت تعلم أن الطبيب قد يصدق وقد يكذب وقد يصيب وقد يخطئ وقد ينصح وقد يغش، فما بالك لا تترك ما نهاك عنه أنصح الناصحين وأصدق القائلين وأوفى الواعدين لأجل مرض القلب الذي إذا لم تشف منه فأنت من أهلك الهالكين.
تَْغِي الوُصُولَ بِسَيْرَ فِيه تَقْصِيْرُ … لَا شَكَّ أَنَّكَ فِيْمَا رُمْتَ مَغْرِوْرُ
قَدْ سَارَ قَبْلَكَ أَبْطَالُ فَمَا وَصَلُوا … هَذا وَفِي سَيْرِهِم جِدٌ وَتَشْمِيْرُ
يَا مُدَّعِي الْحُبَّ فِي شَرْعِ الغَرامِ وَقَد … أَقَامَ بَيِّنَةً لَكِنَّهَا زُوْرُ
أَفْنَيْتَ عُمْرَكَ فِي لَهْوٍ وَفِي لَعِبٍ … هَذَا وَأَنْتَ بَعِيْدُ الدَّارِ مَهْجُوْرُ
لَوْ كَانَ قَلْبُكَ حَيًّا ذُبْتَ مِن كَمَدٍ … مَا لِلْجِرَاحِ بِجِسْمِ الْمَيْتِ تَأْثِيْرُ
وقال ابن القيم ﵀ إن الذي يحسم مادة رجاء المخلوقين من قلبك هو الرضى بحكم الله وقسمه لك.
فمن رضي بحكم الله وقسمه لم يبق لرجاء الخلق في قلبه موضع.
والذي يحسم مادة الخوف هو التسليم لله فإن من سلم لله واستسلم له وعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه.
وما أخطأه لم يكن ليصيبه وعلم أنه لن يصيبه إلا ما كتب الله له لم يبق
следующие страницы →