Полный текст (44 стр.). Показаны 36–44 · переход к 41.
стр. 36
بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أَمَروا ودَعوا إليها من تقديم النصِّ على أقوالهم، من هنا يتبيَّن الفرقُ بين تقليد العالِم في كلِّ ما قال، وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه، فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب لدليله من الكتاب والسنة، بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه ويقلده به، ولذلك سمِّي تقليداً، بخلاف مَن استعان بفهمه، واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنَّه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول، فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره، فمَن استدلَّ بالنجم على القبلة فإنَّه إذا شاهدها لَم يبق لاستدلاله بالنجم معنى، قال الشافعي: (أجمع الناسُ على أنَّ مَن استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدَعَها لقول أحد".
стр. 37
ومن أشهر ما ألَّفه الشيخ في الفقه كتاب آداب المشي إلى الصلاة، الذي يشتمل على فقه الصلاة والزكاة والصيام، وقد اشتهر بهذا الاسم الذي هو اسم أول باب فيه، وهو من تسمية الشيء ببعضه، ولم يُورد قبله ما يتعلَّق بأحكام الطهارة اكتفاءً برسالة شروط الصلاة وأركانها وواجباتها.
قال الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع ﵀ في أول تعليقه على كتاب آداب المشي إلى الصلاة: "لم يذكر المصنف ﵀ كتاب أحكام الوضوء وشروط الصلاة قبل باب آداب المشي إلى الصلاة؛ اكتفاء برسالة شروط الصلاة المتضمِّنة لذلك كلِّه، وقد جرت العادة بقراءتها قبل هذا الكتاب، فكأنَّها جزء منه".
وبالمقارنة بين كتاب آداب المشي إلى الصلاة وكتاب كشاف القناع عن متن الإقناع في عدة
стр. 38
مواضع، تبيَّن أنَّ كثيراً مِمَّا في هذا الكتاب مطابقٌ لِمَا جاء فيه.
ومن منهجه في تأليف هذا الكتاب ما يلي:
١ ـ أنَّه يذكر المسائل الفقهية فيه بعبارات واضحة، مثل قوله في أوَّل باب الجنائز: "يجوز التداوي اتفاقاً، ولا يُنافي التوكل، ويُكره الكيُّ، وتُستحبُّ الحمية، ويحرم بمحرَّم أكلاً وشرباً، وصوت ملهاة؛ لقوله ﷺ : (لا تداووا بحرام) ، وتحرم التميمة، وهي عَوذة أو خَرَزَة تعلَّق، ويُسنَّ الإكثار من ذكر الموت والاستعداد له وعيادة المريض، ولا بأس أن يُخبرَ المريضُ بما يجدُ من غير شكوى بعد أن يَحمدَ اللهَ، ويجب الصبر، والشكوى إلى الله لا تنافيه، بل هي مطلوبة، ويحسن الظن بالله وجوباً، ولا يتمنَّى الموت لضرٍّ نزل به، ويدعو العائد للمريض بالشفاء".
стр. 39
٢ ـ أنَّه يذكر كثيراً الحكم مقروناً بدليله، مثل قوله في باب الجنائز: "ويُسارَع في قضاء دَيْنه وإبراء ذمَّته من نذر أو كفارة؛ لقوله ﷺ : (نفس المؤمن معلَّقةٌ بدَيْنه حتى يُقضى عنه) ، حسنه الترمذي".
وأحياناً يذكر الحكمَ ويشير إلى الدليل، ولا يذكره اختصاراً، مثل قوله في الجنائز: "ولا يمشي بالنعل في المقبرة للحديث، قال أحمد: وإسناده جيد".
٣ ـ أنَّه أحياناً يشير إلى الاختلاف في المسألة ويصير إلى ترجيح ما هو أحوط، مثل قوله في باب صلاة الجماعة: "وتجزئ تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع؛ لفعل زيد بن ثابت وابن عمر، ولا يُعرف لهما مخالفٌ من الصحابة، وإتيانه بهما أفضل خروجاً من خلاف من أوجبه".
٤ ـ أنَّه يشرح بعض الكلمات في الأدعية، مثل: التحيات لله والصلوات والطيبات، ومثل: سبحانك
стр. 40
اللهمَّ وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك".
٥ ـ بعد أن أورد السلام على أصحاب القبور، استطرد بذكر جملة من آداب السلام والاستئذان والعطاس والتثاؤب.
وأمَّا كتاب أحكام تمنِّي الموت، فلا تصحُّ نسبته إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وهو مشتمل على أمور مخالفة لدعوة الشيخ المبنية على نصوص الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، ولهذا فرح به بعضُ المخالفين لهذه الدعوة، وفيهم من عُني بطباعته وتوزيعه، وقد أوضح عدم صحَّة نسبة الكتاب إلى الشيخ ﵀ الشيخ صالح الفوزان في رسالة بعنوان: "إبطال نسبة كتاب أحكام تمني الموت إلى شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب".
стр. 41
اختصاره الكتب
عُني كثير من العلماء باختصار الكتب المطوَّلة، بغية تقريبها لطلبة العلم، ومنهم شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، فقد اختصر عدة كتب مطوَّلة، بقي الآن بعضها، مثل مختصر سيرة الرسول ﷺ ، ومختصر زاد المعاد، ومختصر الإنصاف والشرح الكبير، واختصاره هذا يدلُّ على قراءته تلك الكتب المطولة، ثم إبراز مختصراتها لتقريب الوصول إلى الفائدة منها، وإنَّما جمع بين مختصر الإنصاف والشرح الكبير في مؤلف واحد؛ لأنَّ كلاًّ منهما شرح لكتاب المقنع، والإنصاف شرح له في حدود مذهب الحنابلة دون مجاوزته إلى أقوال أخرى، بخلاف الشرح الكبير، فإنَّه شرح على طريقة المغني، يذكر فيه أقوال الصحابة والتابعين وأقوال الأئمَّة الآخرين.
стр. 42
وأقول في الختام: إنَّ بعضَ مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ من جملة المقررات الدراسية في المملكة العربية السعودية من زمن طويل، وكنت مِمَّن درس "الأصول الثلاثة" و"كشف الشبهات" و"آداب المشي إلى الصلاة" في المرحلة الابتدائية فيما بين عام (١٣٦٨ ـ ١٣٧١هـ) ، ثم كتاب التوحيد بعد المرحلة الابتدائية، وكان للتعليم قبل إنشاء وزارة المعارف مديرية عامة، مقرها مكة المكرمة، وكان مديرها العام الشيخ العلامة محمد بن عبد العزيز بن مانع ﵀، وهو من أهل العلم والفضل، وقد وُضعت مناهج التعليم في ذلك الوقت، ولَمَّا أُنشئت وزارة المعارف بعد وفاة الملك عبد العزيز ﵀ في عهد الملك سعود ﵀، كان خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز ـ حفظه الله ـ أول وزير للمعارف، فأقرَّ مناهج
стр. 43
التعليم، ثم تعاقب على الوزارة بعده أربعة وزراء والمناهج التعليمية على ما هي عليه لم يُوجَّه إليها تهمة في هذه العهود المتتابعة، وقبل سنتين تقريباً، وبمناسبة الحملة الحاقدة على هذه البلاد المباركة من أعداء الإسلام، اتَّهم بعضُ الذين يميلون إليهم مناهجَ التعليم بأنَّها سبب التطرُّف والتكفير، وما تبع ذلك من تدمير وتفجير، وهذه المناهج بريئة من هذه التهم، ومتَّهمها هو المتَّهم، ثم لماذا تأخَّر هذا الاتهام إلى هذا الوقت، ولَم تُتَّهم في عهد الملك عبد العزيز والعهود بعده؟! ومن المعلوم أنَّ الكثيرين من العلماء والأمراء والوزراء وغيرهم قد درسوا هذه المناهج ولم يحصل لهم منها إلاَّ الخير والسلامة.
هذا، وإن تنازلنا عن شيء من أصولنا تحقيقاً لرغبة أعدائنا من الكفار والمنافقين بتغيير المناهج وإخلائها من عقيدة الولاء والبراء يسخط ربَّنا ولا يُرضي أعداءَنا، كما قال الله عنهم: ﴿وَدُّوا لَوْ
стр. 44
تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ ، وقال: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ ، وقال: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ ، وفي صحيح ابن حبان عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَن التمس رضا الله بسخط الناس ﵁ وأرضى عنه الناسَ، ومَن التمس رضا الناس بسخط الله سخط الله عليه وأسخط عليه الناسَ".
وأسأل الله أن يحفظَ هذه البلاد وسائر بلاد المسلمين من شرِّ الأشرار وكيد الكفار، وأن يجزي شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب خير الجزاء على ما قام به من الدعوة إلى الله ونصرة الدين الحنيف، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وصحبه.