← Тараджим

Тараджим · id 12101

منهج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في التأليف

عبد المحسن العباد

Полный текст (44 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

منهج شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب في التأليف إعداد: عبد المحسن بن حمد العباد البدر بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله ربِّ العالَمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارك على عبده ورسوله نبيِّنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. أمَّا بعد، فإنَّ الكتابةَ والتأليف عن شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ جوانبها كثيرة متعدِّدة، وهذه المحاضرة عن جانب منها، وهو منهجه ﵀ في التأليف١، وقبل الدخول في الموضوع أذكر بين يديه لَمحات قصيرة عن الشيخ ﵀ ودعوته. الأولى: الشيخ الإمام هو محمد بن عبد الوهاب ابن سليمان بن علي التميمي، وُلد في (١١١٥هـ) ،

стр. 2

وتوفي سنة (١٢٠٦) ، من قبيلة بني تميم الذين أخبر الرسول ﷺ أنَّهم أشدُّ الناس على الدَّجَّال، أخرجه البخاري (٢٥٤٣) ، وهو دالٌّ على استمرار بقاء هذه القبيلة حتى زمن الدجَّال، وأنَّهم أشدُّ الناس عليه، وكما كانت هذه القبيلة في آخر الزمان أشدَّ الناس على الدجَّال الأعظم، فإنَّ شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب وأبناءه وأحفاده وتلاميذه وتلاميذهم وتلاميذ تلاميذهم من أشدِّ الناس على الدجَّالين الذين ظهروا في أزمانهم من أهل الزيغ والضلال. الثانية: أنَّ الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ من الأئمَّة المجدِّدين الذين أظهر الله بهم الدِّين ونصر بهم الحقَّ في القرن الثاني عشر من الهجرة وما بعده، وهو نعمة من الله ، أنعم بها على الجزيرة العربية وغيرها، حيث قُضي في بلاد

стр. 3

اليمامة وما تبعها من البلاد على مظاهر الشرك والبدع، وظهر فيها التوحيد، وقد كانت تلك البلاد قبل زمن الشيخ ﵀ لا تختلف عن البلاد الأخرى، التي لا تزال مفتونة بأصحاب القبور ودعائهم وطلب الحاجات منهم، فجزاه الله عن الإسلام والمسلمين في هذه البلاد وغيرها أحسن جزاءٍ، وأثابه أتمَّ مثوبة. الثالثة: دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ مبنيَّةٌ على اتِّباع الكتاب والسنَّة والسير على ما كان عليه سلف الأمَّة من أصحاب رسول الله ﷺ ومن تبعهم بإحسان، ولَم يأت بشيء جديد يخالف ذلك، ولهذا فلا توصَف دعوته ومَن استفاد منها بالوهابية؛ لأنَّ النِّسَب إلى الأشخاص إنَّما تكون لِمَن أتى بشيء جديد، وهو لَم يأت بشيء جديد، وإنَّما يلمزهم بالوهابية

стр. 4

بعض الذين لَم يُوفَّقوا لسلوك المسلك القويم والصراط المستقيم؛ تنفيراً من الاستفادة بهذه الدعوة المباركة، المبنيَّة على الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمَّة. الرابعة: ومن أعظم الآثار الحميدة لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ المبنيَّة على الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمَّة، قيام دولة على هذا الأساس، أول إمام فيها الإمام محمد بن سعود ﵀ الذي ناصر الشيخ الإمام، وحكَّم شرعَ الله في ولايته، واستمرَّت الولاية في هذه الأسرة إلى عصرنا هذا، وقد مضى عليها ما يقرب من ثلاثة قرون، ومن المعلوم أنَّ استمرار هذا البقاء لهذه الدولة في تلك القرون سببُه القوي بتوفيق الله الاستفادة من هذه الدعوة المباركة المبنيَّة على تحكيم الشرع واتِّباع الكتاب

стр. 5

والسنَّة، وهو السبب الأقوى لاستمرارها في المستقبل، ثبَّتها الله على هذا الحقِّ، وأعانها على القيام به على الوجه الذي يرضيه . ومن محاسن الدولة السعودية الحاضرة اهتمامها بالمشتغلين بالعلم من أحفاد الشيخ الإمام وإسناد ولايات الإفتاء والقضاء والدعوة والإرشاد إليهم. وقد نشأت دعوات حديثة لم تقم على منهج صحيح وطريقة سليمة، اشتدَّ حرصُ أصحابها على الظفر بولاية ولم يفرحوا بها، بخلاف هذه الدولة التي مكَّنها الله في الأرض لِمَا قامت عليه من الحقِّ والهدى، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ ، وقد قال الله : ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ .

стр. 6

الخامسة: أنَّ من الحاقدين على دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ مَن يحمل بعض الأحاديث الواردة في الفتن التي فيها أنَّ نجداً فيها الزلازل والفتن، وأنَّ منها يطلع قرنُ الشيطان، من الحاقدين مَن يحملها على اليمامة، التي اشتهرت في الأزمان المتأخرة باسم نجد؛ لصدِّ الناس عن الاستفادة من هذه الدعوة المباركة، وما يزعمونه من ذلك الحمل باطل؛ لأنَّه قد جاء في بعض الأحاديث وفي كلام أهل العلم ما يبين أنَّ المراد بها العراق، وقد ذكر الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀ في تخريجه أحاديث فضائل الشام ودمشق للرَّبَعي (ص:٩ ـ ١٠) وفي السلسلة الصحيحة (٢٢٤٦) طرقاً لحديث عبد الله بن عمر ﵄ في ذلك، وفي بعضها ما يبيِّن المراد، وهو العراق، وقال في السلسلة الصحيحة:

стр. 7

"وإنَّما أفضتُ في تخريج هذا الحديث الصحيح وذكر طرُقه وبعض ألفاظه؛ لأنَّ بعض المبتدعة المحاربين للسنَّة والمنحرفين عن التوحيد يطعنون في الإمام محمد بن عبد الوهاب مجدد دعوة التوحيد في الجزيرة العربية، ويحملون الحديث عليه باعتباره من بلاد نجد المعروفة اليوم بهذا الاسم، وجهلوا أو تجاهلوا أنَّها ليست هي المقصودة بهذا الحديث، وإنَّما هي العراق كما دلَّ عليه أكثرُ طرق الحديث، وبذلك قال العلماء قديماً، كالإمام الخطابي وابن حجر العسقلاني وغيرهم، وجهلوا أيضاً أنَّ كون الرجل من بعض البلاد المذمومة لا يستلزم أنَّه هو مذموم أيضاً إذا كان صالحاً في نفسه، والعكس بالعكس، فكم في مكة والمدينة والشام من فاسق وفاجر، وفي العراق من عالِم وصالح، وما أحكمَ قول سلمان الفارسي لأبي الدرداء حينما دعاه أن

стр. 8

يُهاجر من العراق إلى الشام: (أما بعد، فإنَّ الأرض المقدَّسة لا تُقدِّس احداً، وإنَّما يُقدِّسُ الإنسانَ عملُه") . وقال ابن حجر في الفتح (١٣/٤٧) بعد أن نقل كلاماً للخطابي: "وقال غيرُه: كان أهل المشرق يومئذ أهل كفر، فأخبر النَّبيُّ ﷺ أنَّ الفتنة تكون من تلك الناحية، فكان كما أخبر ... وأوَّل الفتن كان من قبل المشرق، فكان ذلك سبباً للفرقة بين المسلمين، وذلك مِمَّا يُحبُّه الشيطان ويفرح به، وكذلك البدع نشأت من تلك الجهة، وقال الخطابي: نجد من جهة المشرق، ومن كان بالمدينة كان نجْدُه باديةَ العراق ونواحيها، وهي مشرق أهل المدينة، وأصل النجد ما ارتفع من الأرض، وهو خلاف الغور، فإنَّه ما انخفض منها، وتهامة كلها من الغور، ومكة من تهامة".

стр. 9

وقال قبل ذلك في الفتح (٦/٣٥٢) عند شرح حديث: "رأس الكفر نحو المشرق": "وفي ذلك إشارة إلى شدَّة كفر المجوس؛ لأنَّ مملكة الفرس ومن أطاعهم من العرب كانت من جهة المشرق بالنسبة إلى المدينة، وكانوا في غاية القسوة والتجبر، حتى مزَّق مَلِكُهم كتاب النَّبيِّ ﷺ كما سيأتي في موضعه، واستمرَّت الفتن من قِبَل المشرق كما سيأتي بيانه واضحاً في الفتن". وقال النووي في شرح صحيح مسلم (٢/٣٤) : "والمراد بذلك اختصاص المشرق بمزيد من تسلط الشيطان ومن الكفر، كما قال في الحديث الآخر: (رأسُ الكفر نحو المشرق) ، وكان ذلك في عهده ﷺ حين قال ذلك، ويكون حين يخرج الدجَّال من المشرق، وهو فيما بين ذلك منشأ الفتن العظيمة ومثار الكفرَة الترك الغاشمة العاتية الشديدة البأس".

стр. 10

وقد مرَّ في كلام ابن حجر قريباً أنَّ ظهور البدع كان من تلك الجهة، أي جهة المشرق، ومن أمثلة ذلك أنَّ الخوارج والشيعة والقدرية والجهمية كان خروجهم من تلك الجهة، ومجيء التتار للقضاء على الخلافة العباسية وسقوط بغداد كان من المشرق، وفي آخر الزمان خروج الدجال من تلك الجهة، فإنَّه كما جاء في صحيح مسلم (٢١٣٧) يخرج من خلة بين الشام والعراق، وفي صحيحه أيضاً (٢٩٤٤) : "يتبع الدجال من يهود أصبهان سبعون ألفاً عليهم الطيالسة". وكما أنَّ تلك الجهة منشأ كثير من البدع، ومنها ظهور كثير من الشرور، فإنَّ فيها كثيرين من أهل العلم الذين ردُّوا على المبتدعة، ومنها محدِّثون وفقهاء كبار، ومن هؤلاء أصحاب الكتب الستة: محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج

стр. 11

النيسابوري، وأبو داود السجستاني، وأبو عيسى الترمذي، وأبو عبد الرحمن النسائي، وابن ماجه القزويني، وقد ألَّف الشيخ محمد أشرف سندهو المتوفى سنة (١٣٧٣هـ) رسالة أوضح فيها ما يتعلق بهذا الموضوع، سمَّاها: "أكمل البيان في شرح حديث نجد قرن الشيطان". الأولويات في التأليف عند الشيخ الإمام دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ مبنيَّةٌ على كتاب الله وسنَّة رسوله ﷺ ، وبيان العقيدة السليمة المستمدَّة من هذين الينبوعَين الصافيين، ولهذا كانت الأولويات في التأليف عنده في بيان العقيدة، والعناية بمعاني كلام الله ، ومعرفة أحاديث الرسول ﷺ ، وبيان الأحكام الفقهية المستندة إلى النصوص الشرعية، وكان أولى

стр. 12

اهتمامه وجلُّ عنايته في إيضاح توحيد العبادة الذي أُرسلَت الرسل وأُنزلت الكتبُ من أجله، كما قال الله : ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ، وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ، فألَّف في التوحيد كتباً عديدة، أهمها كتاب التوحيد الذي هو حقُّ الله على العبيد، وكتاب الأصول الثلاثة وأدلتها، وكتاب كشف الشبهات. منهجه في تأليف كتاب التوحيد كتاب التوحيد الذي هو حق الله على العبيد، هو أهمُّ وأوسع كتب الشيخ ﵀ في العقيدة، وقد اشتمل على ستة وستين باباً، أوَّلها: باب فضل التوحيد وما يُكفِّرُ من الذنوب،

стр. 13

وآخرها: باب ما جاء في قول الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية، وقبل الباب الأول ترجم بكتاب التوحيد، وأورد فيه خمس آيات وحديثاً وأثراً، وهذه الآيات هي قول الله : ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالأِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ ، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ، وقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ ، وقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ ، وقوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ الآيات، وعقَّب الآيات من سورة الأنعام بأثر ابن مسعود ﵁ بشأنها، ثم أورد حديث معاذ بن جبل ﵁ المتفق على صحته في بيان حق الله على العباد وحق العباد على الله، ومن منهجه في تأليفه:

стр. 14

١ ـ أنَّ الكتابَ من أوَّله إلى آخره يسوق فيه الشيخ الإمام آيات وأحاديث وآثاراً عن سلف هذه الأمَّة، من الصحابة ومن بعدهم مِمَّن سار على نهجهم وطريقتهم، وصنيعه هذا شبيه بصنيع الإمام البخاري ﵀ في كتابه الجامع الصحيح، وعلى الأخصِّ كتاب التوحيد الذي هو آخر الكتب في صحيح البخاري، فإنَّ طريقةَ البخاري في ذلك أنَّه يورد آيات وأحاديث وآثاراً، وقد بلغت أبواب كتاب التوحيد من صحيح البخاري ثمانية وخمسين باباً، أوَّلها: باب ما جاء في دعاء النَّبيِّ ﷺ أمَّته إلى توحيد الله ﵎، وقد أورد فيه حديث معاذ بن جبل ﵁ في بيان حقِّ الله على العباد وحق العباد على الله، وعدة أبواب كتاب التوحيد عند الإمام البخاري وأبواب التوحيد عند الإمام محمد بن عبد الوهاب متقاربة، وهي في

стр. 15

الصحيح ثمانية وخمسون، وعند الإمام محمد بن عبد الوهاب ستة وستون. ٢ ـ أنَّه عند إيراده الآيات والأحاديث والآثار يقدِّم الآيات ثم الأحاديث ثم الآثار، إلاَّ إذا كان الأثر متعلِّقاً بآية أو بحديث، فإنَّه يقدِّمه من أجل ذلك التعلق. ٣ ـ هذا الكتاب مشتمل على الآيات والأحاديث والآثار، وبذلك علا قدرُ الكتاب وارتفعت منزلته، وليس للشيخ ﵀ فيه كلام إلاَّ ما يورده في آخر كلِّ باب من مسائل مستنبطة من الآيات والأحاديث والآثار، وهي تدلُّ على قوة فهم الشيخ ﵀ ودقَّة استنباطه، وفيها شحذ أذهان طلاَّب العلم في معرفة المواضع التي استنبطت منها هذه المسائل. ٤ ـ أنَّ أبواب هذا الكتاب متضمِّنةٌ تقرير

стр. 16

التوحيد، الذي هو إفراد الله بالعبادة، والتحذير مِمَّا يُنافي أصل التوحيد، وهو الشرك بالله، أو يُنافي كمالَه، وهو الشرك الأصغر والبدع، ومن أبواب كتاب التوحيد في تقرير التوحيد باب فضل التوحيد وما يُكفِّر من الذنوب، وباب من حقق التوحيد دخل الجنة بلا حساب ولا عذاب، وباب الدعاء إلى شهادة أن لا إله إلاَّ الله، وباب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلاَّ الله. ومن الأبواب فيما يُنافي أصل التوحيد وهو الشرك، باب من الشرك أن يستغيث بغير الله أو يدعو غيره، وباب ما جاء في الذبح لغير الله، وباب من الشرك النذر لغير الله، وباب من الشرك الاستعاذة بغير الله، وباب قول الله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ الآية، وباب قول الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .

стр. 17

ومن الأبواب فيما يُنافي كمال التوحيد وهو البدع والشرك الأصغر: باب ما جاء أنَّ سبب كفر بني آدم وتركهم دينهم هو الغلو في الصالحين، وباب ما جاء من التغليظ فيمَن عبَد اللهَ عند قبر رجل صالح، فكيف إذا عَبَدَه؟! وباب ما جاء أنَّ الغلوَّ في قبور الصالحين يصيِّرها أوثاناً تُعبد من دون الله، وباب ما جاء في حماية المصطفى ﷺ جَناب التوحيد وسدّه كل طريق يوصل إلى الشرك، وباب قول: ما شاء الله وشئت. منهجه في تأليف كتاب الأصول الثلاثة وأدلَّتها الأصول الثلاثة التي هي موضوع هذا الكتاب هي معرفة العبد ربه ودينه ونبيّه محمداً ﷺ ، ولهذه الأصول الثلاثة أهميَّة كبرى؛ فإنَّها التي يُسأل عنها

стр. 18

الميت في قبره، فقد روى الإمام أحمد (١٨٥٣٤) بإسناد حسن عن البراء بن عازب ﵁ حديثاً طويلاً وفيه: "فيأتيه ـ أي المؤمن ـ ملَكان فيجلسانه، فيقولان له: مَن ربُّك؟ فيقول: ربي الله، فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ "، وفيه: "ويأتيه ـ أي الكافر ـ مَلَكان فيُجلسانه، فيقولان له: مَن ربُّك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! فيقولان له: مَا دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! فيقولان له: مَا هذا الرجل الذي بُعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري! ". وأيضاً فقد ورد ذكرُ هذه الثلاثة مجتمعة في بعض الأحاديث، منها ما يدلُّ على أنَّها من كمال الإيمان، وهو حديث العباس بن عبد المطلب في صحيح مسلم (٥٦) أنَّه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم

стр. 19

يقول: "ذاق طعم الإيمان مَن رضي بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً"، وفي صحيح مسلم أيضاً (١٨٨٤) عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "يا أبا سعيد! من رضي بالله ربًّا، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبيًّا، وجبت له الجنة" الحديث، وقد وردت أيضاً في أدعية الأذان في صحيح مسلم (٣٨٦) عن سعد بن أبي وقاص ﵁ عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "من قال حين يسمع الأذان: أشهد أن لا إله إلاَّ الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمداً عبده ورسوله، رضيتُ بالله ربًّا، وبمحمد رسولاً، وبالإسلام ديناً، غفر له ذنبه". وهو كتاب نفيس، لا يستغني عنه الخاص والعام؛ لِمَا اشتمل عليه من بيان هذه الأصول الثلاثة وأدلتها، وقد قال فيه: "فإذا قيل لك: ما الأصول الثلاثة التي يجب على الإنسان معرفتها؟

стр. 20

فقل: معرفة العبد ربه ودينه ونبيَّه محمداً ﷺ ، فإذا قيل لك: مَن ربُّك؟ فقل: ربي الله الذي ربَّاني وربَّى جميع العالَمين بنعمه، وهو معبودي ليس لي معبود سواه، والدليل قوله تعالى: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ ، وكلُّ ما سوى الله عالَم، وأنا واحد من ذلك العالَم، فإذا قيل لك: بمَ عرفتَ ربَّك؟ فقل: بآياته ومخلوقاته، ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، ومن مخلوقاته السموات السبع والأرضون السبع ومَن فيهنَّ وما بينهما"، واستدلَّ لذلك من القرآن، ثم قال: "والربُّ هو المعبود، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، قال ابن كثير رحمه الله تعالى:

стр. 21

"الخالقُ لهذه الأشياء هو المستحقُّ للعبادة"، ثم ذكر جملة من أنواع العبادة وأدلتها، ثم قال: "الأصل الثاني: معرفة دين الإسلام بالأدلة، وهو الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله، وهو ثلاث مراتب: الإسلام والإيمان والإحسان، وكلُّ مرتبة لها أركان"، ثم ذكر أركان الإسلام الخمسة، وأركان الإيمان الستة، والركن الواحد للإحسان، وذكر الأدلة على ذلك. ثم قال: " الأصل الثالث: معرفة نبيِّكم محمد ﷺ ، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، وهاشم من قريش، وقريش من العرب، والعرب من ذرية إسماعيل بن إبراهيم الخليل عليه وعلى نبيِّنا أفضل الصلاة والسلام، وله من العمر ثلاث وستون سنة، منها أربعون قبل النبوة، وثلاث وعشرون نبيًّا ورسولاً، نبِّئَ بـ ﴿ (اقْرَأْ﴾ ، وأُرسل

стр. 22

بالمدثر، وبلده مكة، وهاجر إلى المدينة، بعثه الله بالنذارة عن الشرك ويدعو إلى التوحيد"، ثم ذكر جُملاً أخرى تتعلَّق بالرسول ﷺ ورسالته واستدلَّ على ذلك، وقد ذكر ﵀ نسبَه الشريف على سبيل الإجمال، ويدلُّ لشرف نسبه ﷺ ما رواه مسلم في صحيحه (٢٢٧٦) عن واثلة بن الأسقع ﵁ قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم"، وقريش هم أولاد فهر بن مالك، وهو الأب الحادي عشر للرسول ﷺ ، وآباؤه ﷺ إلى عدنان واحد وعشرون، وهو المتفق عليه في نسبه، وما وراءه مختلف فيه، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كِلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن

стр. 23

غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مُدرِكَة بن إلياس بن مُضَر بن نزار بن مَعَدّ بن عدنان، وهذا النسب أورده الإمام البخاري في صحيحه في مطلع باب مبعث النَّبيِّ ﷺ في كتاب مناقب الأنصار، وأورد بعده الحديث (٣٨٥١) عن ابن عباس ﵄ قال: "أُنزل على رسول الله ﷺ وهو ابن أربعين، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة، ثم أُمر بالهجرة، فهاجر إلى المدينة، فمكث بها عشر سنين، ثم توفي ﷺ "، وانظر هذا النسب في الطبقات الكبرى لابن سعد (١/٥٥) ، ففيه نسبة قريش إلى فهر بن مالك الأب الحادي عشر للرسول ﷺ ، وانظر ما قيل في نسبه ﷺ من عدنان إلى إسماعيل في فتح الباري (٦/٥٣٨ ـ ٥٣٩) . والحاصل أنَّ كتاب الأصول الثلاثة وضعه الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ مختصراً

стр. 24

واضح العبارات، مستدلاًّ لما يذكره بالكتاب والسنة، وهو من أوَّل ما ينبغي أن يُلقَّنه الصبيان، ويُعلَّمه العوام، ويستفيد منه الخاص والعام. منهجه في تأليف كتاب كشف الشبهات اسم الكتاب مُطابقٌ لموضوعه، فالشيخ ﵀ أورد فيه الشبهات التي ذكرها أهلُ البدع، ملبِّسين بها على الدعوة إلى الحقِّ والصراط المستقيم، ومخالفين فيها لِما كان عليه سلف هذه الأمَّة من الصحابة ومَن سار على نهجهم، وذلك بتعلُّقهم بالأولياء والصالحين، وجعلهم وسائط بينهم وبين الله، يَدعونهم ويَستغيثون بهم، فجمع الشيخ ﵀ جُملاً كبيرة من هذه الشُّبَه، فيذكر الشبهة ثم يذكر الجواب عليها، مستدلاًّ على ذلك بنصوص الكتاب والسنَّة وما كان عليه سلف

стр. 25

الأمَّة، وكتابه هذا متمِّمٌ لكتبه الأخرى في العقيدة، التي أوضح فيها ما يجب اعتقاده وفقاً لنصوص الكتاب والسنَّة، فإنَّه بهذا الكتاب أجاب على ما يُورَد على العقيدة الصحيحة من شبهات، مبيِّناً بطلانها ومخالفتها للحقِّ والهدى الذي كان عليه سلف هذه الأمَّة. منهجه في تفسير القرآن الكريم ليس للشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ تفسير كامل للقرآن الكريم، وإنما وُجد له تفسير لبعض سُوَر القرآن، منها ما يكون تفسيراً لسورة كلِّها، مثل سورة الفاتحة وسورة الجن والفلق والناس، أو تفسيراً لبعض الآيات من السُّوَر، وهي إمَّا كثيرة مثل سورة يوسف، وإمَّا قليلة لا تتجاوز آية أو ثلاث آيات مثل سورة يونس وسورة المؤمنون.

стр. 26

ومنهجه في الغالب مبنيٌّ على الاستنباط من الآية أو الآيات وذِكْر المسائل المستنبطة متسلسلة، مثل أول آية فسَّرها من سورة البقرة، وهي قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ ، فقد استنبط منها إحدى وخمسين مسألة، وهو دالٌّ على قوَّة فهم الشيخ ودقَّة استنباطه وعنايته بالفقه في الدِّين، فقد ثبت في الصحيحين من حديث معاوية ﵁ قوله ﷺ : "مَن يُرد الله به خيراً يفقِّهه في الدِّين". ومن الآيات ما يذكر المسائل المستنبطة منها بغير سرد، بل يقول: فيها كذا وفيها كذا، كما في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ﴾ ، والآيات الثلاث التي بعدها، وأحياناً يأتي بتفسير الكلمات والجمل من السورة، كما في سورة الجن، وأحياناً يأتي بتفسير قصة من قصص الأنبياء

стр. 27

في سورة، ثم يأتي بالكلام على القصة في سور أخرى، كما فعل في أول تفسير سورة القصص، فإنَّه تكلَّم على قصة موسى وهارون في هذه السورة، ثم ذكر بعدها الكلام على قصتهما في سور القرآن الأخرى. وهذا مثال من أمثلة تفسير الشيخ واستنباطه المسائل من الآيات، قال ﵀ في تفسير الآيات الثلاث من سورة المؤمنون: "قوله : ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً﴾ الآيتين، فيه مسائل: الأولى: أنَّ الله أمر الرسلَ بهذا مع اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم، فيدلُّ على أنَّه من عظيم الأمور. الثانية: أنَّ الرسلَ إذا أُمروا بذلك، فغيرهم أولى بالحاجة إلى ذلك، فأفاد أنَّ هذا يحتاج إليه أعلم

стр. 28

الناس حاجة شديدة. الثالثة: إذا فُرض هذا على الرسل مع اختلاف الأزمنة والأمكنة، فكيف بأمَّة واحدة، نبيُّها واحد، وكتابها واحد؟! الرابعة: أنَّ الخطاب للرسل عام للأمم، بدليل قوله: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ﴾ . الخامسة: الأمر بالأكل من الطيبات، ففيه ردٌّ على الغلاة الذين يمتنعون عنها، وفيه ردٌّ على الجفاة الذين لا يقتصرون عليها. السادسة: الأمر بإصلاح العمل مع الأكل من الطيبات، ففيه ردٌّ على ثلاث طوائف: أولهم: الآكلون الطيبات بلا شكر، والشكر هو العمل المرضي. وثانيهم: من يعمل العمل غير الخالص، مثل المرائي وقاصد الدنيا.

стр. 29

وثالثهم: الذي يعمل مخلصاً لكنه على غير الأمر. السابعة: المسألة العظيمة التي سيق الكلام لأجلها، وهي فرض الاجتماع في المذهب وتحريم الافتراق، فإذا فرضه على الأنبياء مع اختلاف الأزمنة والأمكنة فكيف بأمَّة واحدة، ونبيُّها واحد، وكتابها ودينها واحد؟! الثامنة: ذكره سبحانه فعلهم الذي صدر عنهم بعد ما عرفوا الوصية العظيمة بالاجتماع والنهي عن الافتراق، وأنَّهم تقطَّعوا أمرهم بينهم زبراً، كلُّ حزب بما لديهم فرحون، فذكر أنَّهم قابلوا الوصيَّةَ بعدما سمعوها بما يُضادُّها غاية المضادة، وهو أنَّهم تركوا الاجتماع وتفرَّقوا، ثم بعد ذلك كلُّ فرقة صنَّفت لها كتباً غير كتب الآخرين، ثمَّ كلُّ فرقة فرحت بما تركت من الهدى، وفرحت بما ابتدعته من الضلال، كما قال الشاعر:

стр. 30

حلفَتْ لنا أن لا تخون عهودها ... فكأنَّها حلَفتْ لنا أن لا تفي انتهى كلامه ﵀. وهذا البيت جرى مجرى المثل، ومثله قول الشاعر: مواعيد عرقوب كانت لها مثلاً ... وما مواعيده إلاَّ الأباطيل وهذا المنهج الذي سلكه الشيخ ﵀ غالباً في التفسير ـ وهو سرد المسائل المستنبطة من كلِّ آية أو آيات ـ هو المنهج الذي سلكه في كتاب التوحيد، حيث يورد في آخر كلِّ باب المسائل المستنبطة من الآيات والأحاديث والآثار الواردة فيه، كما مرَّت الإشارة إلى ذلك عند ذكر منهجه في ذلك الكتاب العظيم.

стр. 31

وقد طُبع تفسير الشيخ ﵀ لسور وآيات من القرآن الكريم ضمن مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، التي جُمعت وطُبعت بعناية جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وذلك في مجلد تبلغ صفحاته تسعاً وثمانين وثلاثمائة صفحة. منهجه في التأليف في الحديث والأثر وقد كانت عناية الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في الأحاديث والآثار عظيمة، واهتمامه كبيراً، فقد ألَّف فيه مؤلَّفات عديدة في موضوعات مختلفة، فله مجموع في الحديث يشتمل على ما يُقارب (٤٦٠٠) من الأحاديث والآثار، يورد فيه الأحاديث والآثار معزوة إلى مصادرها، وينقل غالباً كلام أهل العلم في الحكم عليها، بدأه بكتاب

стр. 32

الطهارة، وأول حديث فيه حديث بئر بُضَاعة، وهو يختلف في البدء عن المنتقى والمحرر والبلوغ؛ فإنَّها جميعاً بدأت بحديث ماء البحر، وآخر المجموع الدعاوى والبينات ثم الشهادات ثم الجامع ثم الطب. وله كتاب أحاديث في الفتن والحوادث، يشتمل على مائتي حديث. وله كتاب فضل الإسلام، يشتمل على اثني عشر باباً، فيها آيات وأحاديث وآثار، بلغ عدد الأحاديث والآثار ثمانية وأربعين معزوة إلى مصادرها، وبعض الآثار لا يعزوها إلى مصدر، وقد علَّق ﵀ فيه على حديث الثلاثة الذين أرادوا التبتل والانقطاع للعبادة، وقال النَّبيُّ ﷺ في آخره: "فمن رغب عن سنتي فليس منِّي"، بقوله (ص: ١٠) : "فتأمَّل! إذا كان بعض الصحابة أراد

стр. 33

التبتل للعبادة قيل فيه هذا الكلام الغليظ وسمي فعله رغوباً عن السنة، فما ظنُّك بغير هذا من البدع، وما ظنُّك بغير الصحابة؟! ". وله كتاب أصول الإيمان، يشتمل على اثني عشر باباً، واثنين وأربعين ومائة حديث. وله كتاب الكبائر، يشتمل على خمسة وعشرين ومائة باب، وثمانية وخمسين ومائتي حديث وأثر، وهو كلُّه آياتٌ وأحاديث وآثار. وله كتاب فضل القرآن تعلمه وتعليمه، ويشتمل على آيات وأحاديث وآثار، بلغ عدد الأحاديث والآثار ثمانية وخمسين. ومِمَّا لا شكَّ فيه أنَّ هذا الاهتمام والعناية بحديث رسول الله ﷺ والآثار عن السلف الصالح من أعظم أسباب نجاح دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ وانتشارها وبقائها وعموم

стр. 34

نفعها، وهكذا ينبغي أن تكون عناية الدعاة إلى الله بالكتاب والسنة وكلام السلف الصالح؛ لأنَّ استدلالهم لِمَا يقولون بالآيات والأحاديث والآثار من أعظم أسباب قبول الناس منهم والإصغاء إليهم والاستفادة من دعوتهم. منهجه في التأليف في الفقه جرت عادة كثير من العلماء في مختلف العصور أنَّهم يدرسون الفقه على مذهب من مذاهب أهل السنة مع العناية بمعرفة الدليل، ثم لا يزالون يترقَّون في العلم حتى يتمكَّنوا من معرفة الراجح والمرجوح والأخذ بما دلَّ عليه الدليل، وإن كان القول الراجح في غير المذهب الذي درسوه، ولهذا يُنسبُ بعض أهل العلم الذين برَّزوا فيه إلى المذاهب التي نشؤوا عليها واعتنوا بها وإن لم يكونوا

стр. 35

مقلِّدين فيها، كابن عبد البر من المالكية، والذهبي وابن كثير من الشافعية، وابن تيمية وابن القيم من الحنابلة، وعلى هذا المنوال كان شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀، فقد نشأ على دراسة المذهب الحنبلي، ولكنه يأخذ بالقول الذي دلَّ الدليل عليه ولو كان في غير المذهب الحنبلي، كما هو شأن العلماء المحققين، وهذه هي الطريقة المثلى؛ لاشتمالها على توقير العلماء والاستفادة من علمهم والتوسط بين الجفاء والغلو فيهم، قال ابن القيم في كتاب الروح (ص:٣٩٥ ـ ٣٩٦) : "فمَن عرض أقوال العلماء على النصوص ووَزَنها بها وخالف منها ما خالف النصَّ لم يهدر أقوالَهم ولم يهضِم جانبَهم، بل اقتدى بهم، فإنَّهم كلَّهم أَمَروا بذلك، فمُتَّبعُهم حقًّا مَن امتثل ما أوصوا به لا مَن خالفهم؛ فخلافهم في القول الذي جاء النصُّ

стр. 36

بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أَمَروا ودَعوا إليها من تقديم النصِّ على أقوالهم، من هنا يتبيَّن الفرقُ بين تقليد العالِم في كلِّ ما قال، وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه، فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه ولا طلب لدليله من الكتاب والسنة، بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه ويقلده به، ولذلك سمِّي تقليداً، بخلاف مَن استعان بفهمه، واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنَّه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول، فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره، فمَن استدلَّ بالنجم على القبلة فإنَّه إذا شاهدها لَم يبق لاستدلاله بالنجم معنى، قال الشافعي: (أجمع الناسُ على أنَّ مَن استبانت له سنة رسول الله ﷺ لم يكن له أن يدَعَها لقول أحد".

стр. 37

ومن أشهر ما ألَّفه الشيخ في الفقه كتاب آداب المشي إلى الصلاة، الذي يشتمل على فقه الصلاة والزكاة والصيام، وقد اشتهر بهذا الاسم الذي هو اسم أول باب فيه، وهو من تسمية الشيء ببعضه، ولم يُورد قبله ما يتعلَّق بأحكام الطهارة اكتفاءً برسالة شروط الصلاة وأركانها وواجباتها. قال الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع ﵀ في أول تعليقه على كتاب آداب المشي إلى الصلاة: "لم يذكر المصنف ﵀ كتاب أحكام الوضوء وشروط الصلاة قبل باب آداب المشي إلى الصلاة؛ اكتفاء برسالة شروط الصلاة المتضمِّنة لذلك كلِّه، وقد جرت العادة بقراءتها قبل هذا الكتاب، فكأنَّها جزء منه". وبالمقارنة بين كتاب آداب المشي إلى الصلاة وكتاب كشاف القناع عن متن الإقناع في عدة

стр. 38

مواضع، تبيَّن أنَّ كثيراً مِمَّا في هذا الكتاب مطابقٌ لِمَا جاء فيه. ومن منهجه في تأليف هذا الكتاب ما يلي: ١ ـ أنَّه يذكر المسائل الفقهية فيه بعبارات واضحة، مثل قوله في أوَّل باب الجنائز: "يجوز التداوي اتفاقاً، ولا يُنافي التوكل، ويُكره الكيُّ، وتُستحبُّ الحمية، ويحرم بمحرَّم أكلاً وشرباً، وصوت ملهاة؛ لقوله ﷺ : (لا تداووا بحرام) ، وتحرم التميمة، وهي عَوذة أو خَرَزَة تعلَّق، ويُسنَّ الإكثار من ذكر الموت والاستعداد له وعيادة المريض، ولا بأس أن يُخبرَ المريضُ بما يجدُ من غير شكوى بعد أن يَحمدَ اللهَ، ويجب الصبر، والشكوى إلى الله لا تنافيه، بل هي مطلوبة، ويحسن الظن بالله وجوباً، ولا يتمنَّى الموت لضرٍّ نزل به، ويدعو العائد للمريض بالشفاء".

стр. 39

٢ ـ أنَّه يذكر كثيراً الحكم مقروناً بدليله، مثل قوله في باب الجنائز: "ويُسارَع في قضاء دَيْنه وإبراء ذمَّته من نذر أو كفارة؛ لقوله ﷺ : (نفس المؤمن معلَّقةٌ بدَيْنه حتى يُقضى عنه) ، حسنه الترمذي". وأحياناً يذكر الحكمَ ويشير إلى الدليل، ولا يذكره اختصاراً، مثل قوله في الجنائز: "ولا يمشي بالنعل في المقبرة للحديث، قال أحمد: وإسناده جيد". ٣ ـ أنَّه أحياناً يشير إلى الاختلاف في المسألة ويصير إلى ترجيح ما هو أحوط، مثل قوله في باب صلاة الجماعة: "وتجزئ تكبيرة الإحرام عن تكبيرة الركوع؛ لفعل زيد بن ثابت وابن عمر، ولا يُعرف لهما مخالفٌ من الصحابة، وإتيانه بهما أفضل خروجاً من خلاف من أوجبه". ٤ ـ أنَّه يشرح بعض الكلمات في الأدعية، مثل: التحيات لله والصلوات والطيبات، ومثل: سبحانك

стр. 40

اللهمَّ وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك". ٥ ـ بعد أن أورد السلام على أصحاب القبور، استطرد بذكر جملة من آداب السلام والاستئذان والعطاس والتثاؤب. وأمَّا كتاب أحكام تمنِّي الموت، فلا تصحُّ نسبته إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀، وهو مشتمل على أمور مخالفة لدعوة الشيخ المبنية على نصوص الكتاب والسنة وما كان عليه سلف الأمة، ولهذا فرح به بعضُ المخالفين لهذه الدعوة، وفيهم من عُني بطباعته وتوزيعه، وقد أوضح عدم صحَّة نسبة الكتاب إلى الشيخ ﵀ الشيخ صالح الفوزان في رسالة بعنوان: "إبطال نسبة كتاب أحكام تمني الموت إلى شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب".
следующие страницы →