مقدمة
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ ٢ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ ٣.
أما بعد٤:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدى هدي محمد رسول الله ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
وإن الله إنما خلق الخلق لعبادته وحده لا شريك له، ونصب لهم دلائل معرفته وتوحيده فأعطى الفطر والعقول، ثم بعث الرسل وأنزل الكتب ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ ٥.
وما من الأنبياء نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر٦ حتى كان نبينا ﷺ الذي اختاره ربه وأجتباه ليرسله إلى أمة جعلها خير أمة أخرجت للناس. فكان الذي آتاه الله وحياً يتلى، ليخرج الناس به من الظلمات إلى النور كما قال تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ ٧.
стр. 2
فكان هذا الكتاب لهذه الأمة هو الحجة البالغة، والمعجزة الباهرة، والنعمة التامة فهو حبل الله المتين، والذكر الحكيم، والصراط المستقيم، وهو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، ولا يشبع منه العلماء، ولا يخلق عن كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، وهو الذي لم تنته الجن إذ سمعته أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً﴾ ١. هو الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أجر، ومن دعا إليه فقد هدى إلى صراط مستقيم.
ففتح الله به آذانا صما، وأعينا عميا، وقلوبا غلفا، وأمر بالاعتصام به، والاهتداء بهديه، وتدبر آياته، والعمل بما فيه، وتكفل لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل فى الدنيا، ولا يشقى في الآخرة فقال: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى﴾ ٢ وأتم النعمة بأن تكفل بحفظه فقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ٣.
ولقد علم المسلمون أن هذا الكتاب العزيز هو مكمن قوتهم، ومصدر عزتهم، وسبب نجاتهم، وانبرى العلماء الأكفاء منهم لتفسير كتاب الله، وبيان ما يشتمل عليه من أنواع العلوم والهدى.
وكان الأسوة في ذلك البيان هو رسول الله ﷺ حيث كان "خلقه القرآن" تحليلاً لما أحل، وتحريماً لما حرم، وهدياً ومنهجاً، فكان ذلك من قبيل بيانه للناس الذي أمره الله به بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ٤.
ثم تأسى به أصحابه الكرام، أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، وغرر الزمان الذين لم تكتحل عين الزمان بمثلهم أصحاباً. فأخذوا بالقرآن، واعتصموا به، وأقبلوا عليه تعلماً وتعليماً واهتداءً، فزكت نفوسهم، وتهذبت أخلاقهم، واستقامت أمورهم، ثم تلاهم في ذلك التابعون وتابعوهم بإحسان فنهجوا نهجهم وسلكوا سبيلهم وعكفوا على كتاب ربهم وسخروا العلوم لخدمته
стр. 3
وبذلوا جهدهم في تفسيره، وإيضاح دلالاته، واستنباط فوائده وأحكامه، وكلما ادلهمت عليهم الخطوب، وتكالبت الشرور، وجدوا في كتاب ربهم النجاة والمنعة، وصدق الله ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ ١.
وقد كان من العلماء الأعلام، أئمة الهدى الذين أعز الله بهم دينه، وأعلى بهم كلمته الإمام المجدد، شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب ﵀ الذي ألهمه الله رشده، ونور بصيرته، وعرفه بكتابه فعمل به، ودعا إليه وبينه، واستنبط كثيراً من أحكامه، ولفت الأنظار إليه، وذم من أعرض عنه، وابتغى الهدى من غيره.
حيث نشأ ﵀ في زمن انتشرت فيه الجهالة في كثير من الأنحاء، وبعد الناس عن كتاب ربهم، وتمسكوا بأقوال متبوعيهم غير المعصومين في حين أعرضوا عن كتاب الله زاعمين أنهم لا يستطيعون فهمه مباشرة، فضيقوا على أنفسهم، وحجروا على غيرهم تفسير كتاب الله، فإذا فسر لهم آية رمقته عيونهم، ومقتته قلوبهم، واشمأزت منه نفوسهم.
فقام الشيخ بكتاب الله يدعو إليه، ويبين معانيه وأحكامه، وما تضمنه من عقيدة وأحكام وعبر، ويستنبط منه الفوائد، ويؤلف في ذلك، ويدعم رسائله وفتاواه بنصوص الوحي المطهر، حتى ظهر دين الله، وارتفعت رايته، وثاب المسلمون إلى رشدهم، وعادوا إلى كتاب ربهم، ونهلوا من معينه، وطبقوه في واقع حياتهم، فكان منهج الشيخ في التفسير والاستنباط- ذلك المنهج الذي كان من ثمراته تلك الدعوة الإصلاحية المباركة التي ما زالت تؤتي ثمارها- جديرا بالاهتمام والدراسة.
ولذ ارأيت أن يكون موضع رسالتي في مرحلة الماجستير بعنوان "منهج شيخ الإسلام الشيخ محمد بن عبد الوهاب في تفسيره مع تحقيق جزء من تفسيره"- وذلك لما أراه من أهمية هذا الموضوع، وفائدته، وحيويته.
стр. 4
هذا وتتلخص أسباب اختيار الموضوع فيما يلي:
١- خدمة لكتاب الله ببيان منهج من المناهج القويمة في فهم كتاب الله وتفسيره والاستنباط منه والاهتداء بهديه.
٢- رغبة في إلقاء الضوء على جانب مهم من جوانب حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب العلمية، وهو الجانب التفسيري ذلكم الجانب الذي لم يلق العناية اللازمة من الباحثين مع أصالته وأهميته بالرغم من كثرة ما كتب فيما يتعلق ببيان جوانب مشرقة من حياة الشيخ.
٣- قيمة تفسير الشيخ العلمية.
وإنما تظهر قيمه لما تميز به من ميزات قد ذكرتها في موضع آخر وألخصها هنا فيما يلي:
١- سلفية الشيخ ومنهجه القويم في الاعتقاد والتفسير، ومعلوم ذلكم التلازم الوثيق بين استقامة هذين الجانبين.
ولذا اصطبغ تفسيره بالصبغة السلفية فلا تحريف ولا تأويل، وإنما تمش مع النصوص وإجراء لها على ظواهرها مع الأيمان بمعانيها والاستفادة العلمية والعملية منها. فكان موضع ثقة وقبول من أهل الاعتقاد الصحيح.
٢- اهتمامه في تفسيره واستنباطاته بالربط بين الواقع وبين المعاني المفهومة من الآيات فى سبيل إصلاح المجتمع وعلاجه من أدوائه، وربط الناس بكتاب الله ليأخذوا منه مباشرة ويهتدوا بهداه. وقد ظهر هذا الجانب في تفسيره ومنهجه نصاً واستقراء ومن ذلك قوله: اعلم أن الله سبحانه عالم بكل شيء يعلم ما يقع على خلقه، وأنزل هذا الكتاب المبارك الذي جعله تبياناً لكل شيء وتفصيلاً لكل شيء وجعله هدى لأهل القرن الثاني عشر ومن بعدهم، كما جعله هدى لأهل القرن الأول ومن بعدهم١.
стр. 5
٣- الشمولية في استنباطاته بالتعرض لمعظم ما يذكر في الآية، وإن كان ذلك على وجه الاختصار أحياناً إذ الغرض هو التنبيه والإعلام، ولفت الأنظار إلى تلك المسائل المستنبطة والتي تتضمنها الآية.
كما أردت أن أحقق جزءاً من تفسير الشيخ واستنباطاته يشتمل على تفسير "سورة يوسف وسورة الحجر وسورة النحل" وذلك لتوالى هذه السور في المخطوطات التي بين يدي، ولتفسير الشيخ إياها كاملة. ليكون ذلك مثالاً قريباً لتفسيرات الشيخ واستنباطاته وليتبين من خلالها منهجه المتكامل.
لهذا كله أحببت أن أكتب في هذا الموضوع مستعيناً بالله ومتبرئاً من الحول والقوة ة إلا به.
وقد قسمت البحث إلى قسمين:
أولاً: قسم الدراسة.
ويشتمل على مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب:
أما المقدمة فهي هذه.
وأما التمهيد فقد بينت فيه ما يلي:
أولاً: البيئة من حول الشيخ.
ثانياً: اسم الشيخ ومولده وأسرته ونشأته.
ثالثاً: رحلاته العلمية.
رابعاً: نبذه عن دعوته الإصلاحية والمراحل التي مرت بها.
خامساً: علاقة دعوته بالقرآن وتفسيره.
سادساً: قيمة تفسيره العلمية.
سابعاً: مشائخه.
ثامناً: تلاميذه.
تاسعاً: مؤلفاته.
عاشراً: وفاته.
حادي عشر: ثناء العلماء عليه مفسراً.
وأما الأبواب فهي كما يلي:
الباب الأول: تفسير الشيخ القرآن بالمأثور.
ويشتمل على ثلاثة فصول:
стр. 6
الفصل الأول: تفسيره القرآن بالقرآن.
الفصل الثاني: تفسيره القرآن بالسنة.
الفصل الثالث: تفسيره القرآن بأقوال السلف من الصحابة والتابعين.
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: تفسيره القرآن بأقوال الصحابة.
المبحث الثاني: تفسيره القرآن بأقوال التابعين.
المبحث الثالث: موقفه من اختلاف السلف في التفسير.
الباب الثاني: التفسير بالرأي أو بالمعقول.
ويشتمل على خمسة فصول:
الفصل الأول: نظرته إلى العقل ومكانته من الشرع.
الفصل الثاني: نظرته إلى التفسير بالرأي.
الفصل الثالث: توفر أدوات التفسير بالرأي المحمود لديه.
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: معرفته باللغة ومدى اهتمامه بها في تفسيره.
المبحث الثاني: معرفته بالنحو والإعراب ومدى اهتمامه به في تفسيره.
المبحث الثالث: معرفته بالبلاغة ومدى اهتمامه بها في تفسيره.
الفصل الرابع: مظاهر التفسير بالرأي لدى الشيخ.
ويشتمل على ثلاثة مباحث.
المبحث الأول: التفسير الإفرادي.
المبحث الثاني: التفسير الإجمالي.
المبحث الثالث: الاستنباط المباشر من الآيات.
الفصل الخامس: السمات العامة لتفسيره بالرأي.
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: تمشيه مع روح الشريعة الإسلامية.
المبحث الثاني: تمشيه مع تفسيرات السلف وأقوالهم.
стр. 7
الباب الثالث: أهم الأغراض التي تناولها الشيخ أو حققها من خلال تفسيره:
ويشتمل على ستة فصول:
الفصل الأول: التركيز على العقيدة من خلال تفسيره.
ويشتمل على ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: اهتمامه بالعقيدة من خلال تفسيره بصفة عامة.
المبحث الثاني: أهم المباحث العقدية التي بينها من خلال تفسيره.
المبحث الثالث: استنباطه جوانب حماية العقيدة من خلال تفسيره.
الفصل الثاني: اهتمامه في تفسيره بالردود على المخالفين.
الفصل الثالث: الاتجاه الإصلاحي في تفسيره.
الفصل الرابع: اهتمامه بالفقه والتأصيل في تفسيره.
ويشتمل على مبحثين:
المبحث الأول: اهتمامه بالفقه في تفسيره.
المبحث الثاني: اهتمامه بالتأصيل في تفسيره.
ويشتمل على مطلبين:
المطلب الأول: اهتمامه بالتأصيل العام في تفسيره.
المطلب الثاني: اهتمامه بأصول الفقه في تفسيره.
الفصل الخامس: القصص في تفسير الشيخ ومدى اهتمامه به.
ويشتمل على أربعة مباحث:
المبحث الأول: نظرته إلى القصص واهتمامه به.
المبحث الثاني: طريقته في دراسة القصص والاستنباط منها.
المبحث الثالث: المنهج الموضوعي في تفسير القصص عنده.
المبحث الرابع: موقفه من القصص الإسرائيلي.
الفصل السادس: ما ذكره من علوم القرآن في تفسيره.
واشتمل على ما يلي:
١- علم القراءات.
٢- علم فضائل القرآن.
٣- علم قصص القرآن.
٤- علم أسباب النزول.
٥- تعرضه للنسخ في القرآن الكريم.
стр. 8
وقد التزمت في بحث كل جزئيه من الجزئيات أن أدلل عليها من تفسيرات الشيخ نصاً أو استقراء.
ثانياً: قسم التحقيق.
فقد قدمت له بمقدمة بينت فيها ما يلي:
أولاً: اسم الكتاب المحقق جزؤه وتوثيق نسبته إلى مؤلفه.
ثانياً: وصف النسخ المخطوطة.
ثالثاً: منهجي في التحقيق.
ثم شرعت فى تحقيق النص ويشتمل على تحقيق السور الثلاث "يوسف والحجر والنحل".
ثم ختمت البحت بخاتمة بينت فيها أهم نتائج البحث.
وذيلت الرسالة بعمل فهارس عامة على النحو التالي:-
١- فهرس الآيات القرآنية. وقد اكتفيت فيه بفهرس الآيات المستشهد بها أو الواردة في غير موضعها. أما الواردة في موضعها من التحقيق فلم أفهرسها لتسلسلها مع معرفة سورها.
٢- فهرس الأحاديث والآثار.
٣- فهرس الأعلام.
٤- فهرس المراجع العامة.
٥- فهرس الموضوعات.
هذا وقد بذلت جهدي لإظهار هذه الرسالة بالمظهر اللائق على اعتراف مني بالتقصير وحسبي أني لفت الأنظار إلى جانب مهم من جوانب حياة الشيخ محمد بن عبد الوهاب "﵀".
فإن أصبت ووفقت فذلك من فضل الله فله الحمد والمنة، وإن أخطأت فمن نفسي وأستغفر الله.
هذا وفي الختام أشكر الله أولاً وآخراً على ما من به من التوفيق والسداد والنعم العظيمة التي لا تحصى وأسأله المزيد والقبول.
ثم أشكر الجامعة الإسلامية التي كان لنا شرف الانتماء إليها وتلقي العلم الشرعي المستمد من كتاب الله وسنة رسوله على منهج السلف الصالح في أحضانها.
стр. 9
وأسأل الله لها مزيد التوفيق والثبات على منهجها السني.
كما أسأله أن يجزي كل من ساهم فى إنجاز هذه الرسالة أو كان له بها أي علاقة خير الجزاء.
وأسأله تعالى آن يلهمنا رشدنا ويقينا شرور أنفسنا ويختم بالصالحات أعمالنا.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
الطالب
مسعد بن مساعد الحسيني
стр. 10
ال تمهيد
تناول كثير من الباحثين دراسة جوانب عديدة من حياة الشيخ الخاصة والعامة فدرسوا بيئته ونشأته ودعوته الإصلاحية دراسات مستفيضة جلت جوانب كثيرة منها١، ولم تحظ أي دعوة إصلاحية في العصر الحديث بمثل ما حظيت به هذه الدعوة من الدراسة والتحليل، ولا نكاد نجد دراسة لأحوال جزيرة العرب في القرن الثاني عشر الهجري إلا وتعرضت لذكر هذه الدعوة والقائم بها.
فلا حاجة بي إذاً إلى الإفاضة في ذكر تلك الجوانب التي استبانت إذ لست هنا بمقام المؤرخ، وإنما أحببت أن أعطي القارئ إلمامه بهذا العلم الهمام، ونشأته، وأصل دعوته، وما يتعلق بذلك لتتبين له المنزلة العلمية لمن أنا بصدد دراسة منهجه في التفسير. مع الإحالة إلى بعض المراجع الموسعة لمن أحب التوسع والاستزادة.
فأقول وبالله التوفيق:-
стр. 11
أولاً: البيئة من حول الشيخ١:
درس كثير من الباحثين البيئة التي قام فيها الشيخ بدعوته، واتفق أهل التحقيق منهم على أن العصر الذي نشأ فيه قد انتشرت فيه الضلالة، وعمت الجهالة، وطمست فيه أنوار الهداية، وذلك بطمس أسها وملاكها وهو توحيد العبادة وعدم تحققه في قلوب كثير من العباد، حيث ارتكس كثير من الناس في أوحال الشرك، وارتدوا إلى الجاهلية، لغلبة الجهل عليهم وقلة أو عدم المرشد لديهم، واستعلاء ذوي الأهواء والضلال عليهم. فنبذوا كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وراء ظهورهم معرضين عن تدبرهما والاهتداء بهما متبعين لأهوائهم وما كان عليه آباؤهم وأجدادهم ولسان حالهم يقول: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ ٢.
فعدلوا عن عبادة رب العباد إلى عبادة العباد، إذ عدلوا إلى عبادة الأولياء والصالحين، وتقديسهم، والتبرك بهم، ودعائهم في تفريج الكربات وقضاء الحاجات، وتقديم القرابين والنذور لهم، وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون.
وكما عبد الأولياء والصالحون، فقد عبدت الأغوار والأشجار والأحجار في كثير من الأقطار.
ولم تكن غير نجد من البلدان بأحسن حالا منها، بل عمها طغيان الجهالة والضلالة، فنحو ما في نجد كان يوجد في سائر الأقطار والبلدان في جدة واليمن
стр. 12
وحضرموت وما جاورها، ومصر وصعيدها، والشام ونواحيها والموصل وبلاد الأكراد. كما لم يسلم الحرمان الشريفان من ذلك الطغيان، بل أصابها ما أصاب غيرها، فكان طوائف من الوفود والأعراب يأتون فيها من الفسوق والضلال والعصيان ما يملأ القلب أسى وحزناً إذ عبدت المآثر والقبور وارتكبت المحارم وانتهكت الحدود، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وأما العلماء فإنهم ما بين مقتصر على درسه وحلقته لا يتجاوزها إلى مجتمعه لعلاجه، أو متأسف عاجز، أو مجامل للعامة والرؤساء مشفق على مركزه خائف زواله بالإنكار عليهم، أو صاحب مصلحة في الضلالة كما يزين له الشيطان – والعياذ بالله- أو جاهل بأصل الدين وحقيقته.
فكان الناس في أمس الحاجة إلى عناية إلهية تنقذهم مما هم فيه من ضلال وغي وتعيدهم إلى رشدهم ودينهم القويم.
فتجلت تلك العناية الإلهية في ذلك المرشد الموفق، والمصلح المسدد، الذي ألهمه الله رشده ونور بصيرته وهو الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي عرف حقيقة التوحيد وأصله وأنه أعظم ما دعا إليه القرآن وهو الغاية من خلق الناس وبعث الرسل كما يتبين ذلك من القرآن في غير موضع كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ١. وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ ٢. وقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ ٣، وعرف ما عليه كثير من الناس من أعمال مضادة للتوحيد ومناقضة أو قادحة فيه، فقام بدعوته إلى الله، وبين للناس ولفت أنظارهم إلى ما تضمنه كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ، من دلائل التوحيد، ونصب أعلامه وجاهد في سبيل ذلك حتى عاد للعقيدة نقاؤها وصفاؤها.
стр. 13
ثانياً:- نسب الشيخ ومولده وأسرته ونشأته.
نسبه:
هو الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد بن بريد بن محمد بن بريد بن مشرف الوهيبي التميمي١.
وأما أمه فهي بنت محمد بن عزاز المشرفي الوهيبي التميمي. فهي من عشيرته الأدنين٢.
مولده:
ولد الشيخ سنة "١١١٥" خمس عشرة وألف ومائه من الهجرة النبوية في بلدة "العيينة" من بلدان نجد٣.
أسرته ونشأته:
نشأ الشيخ في أسرة علمية دينية. وذلك أن "آل مشرف" الذين ينتمي إليهم الشيخ قد برز منهم علماء أفذاذ، وقضاة، كانت لهم المكانة العلمية الظاهرة.
والمتتبع للمصادر التاريخية يلحظ بوضوح أنه منذ القرن العاشر الهجري لمعت أسماء علماء من "آل مشرف" المذكورين، منهم القاضي: عبد القادر بن بريد المشرفي، وأحمد بن مشرف، تلميذ أبي النجا الحجاوي، مصنف الإقناع وزاد المستنقع وغيرهما٤.
أما إذا انتقلنا إلى أسرته الأقربين فإنا نجد أن جده الشيخ سليمان بن علي قد تولى القضاء في روضة سدير، ثم في العيينة، وكان فقيهاً غزير المعرفة، علامة زمانه، ومرجع علماء نجد في زمنه. وقد ألف منسكا سماه "تحفة الناسك في أحكام المناسك" ٥.
стр. 14
وأما أبوه الشيخ عبد الوهاب:-
فقد ولد في "العيينة" في كنف والده، فتلقى العلم والفقه على يديه كما تلقى عن غير من العلماء حتى تضلع في الفقه، فولي قضاء "العيينة" بعد أبيه، ثم أنتقل منها إلى "حريملاء" ونشأ الشيخ في بيت أبيه الذي كان من الطبيعي أن يكون ملتقى طلاب العلم وخواص العلماء الذين لا تخلو مجالسهم من مسائل علمية ومناقشات بصفته منزل القاضي فكان يحضر تلك المجالس، إضافة إلى قربه مما يعرض لأبيه من قضايا شرعية، وما يحكم به على مرأى منه ومسمع فكان لهذا الأثر في حياة الشيخ وشغفه بالعلم وتزوده منه١.
وأما عمه الشيخ إبراهيم بن سليمان:-
فكان على قدر من العلم والفقه، وقد تلقى عن والده، وكان كثير الإقامة مع أخيه عبد الوهاب قال البسام: وقد ولي القضاء في بلدة "أشيقر" ورأيت له حكماً في بعض عقاراتها٢.
وفى هذه الأسرة الدينية العريقة ولد الشيخ ونشأ فأنبته الله نباتاً حسناً إذ ترعرع في كنف والده، فحفظ القرآن قبل بلوغه العاشرة من عمره، وكان حاد الفهم، وقاد الذهن، ذكيًا، سريع الكتابة والحفظ.
فقرأ على أبيه الفقه فبرز فيه.
وجد في طلب العلم وأدرك وهو في سن مبكرة حظاً وافراً من العلم، حتى إن والده كان يتوسم فيه مخايل النجابة والذكاء، ويتعجب من فهمه وإدراكه ويذكر أنه استفاد منه بعض الفوائد. وقد كتب إلى بعض إخوانه رسالة نوة فيها بشأن ابنه، وأثنى عليه، وعلى حفظه وفهمه وإتقانه، وذكر فيها أن ابنه بلغ الاحتلام قبل أن يكمل اثنتي عشرة سنة من عمره، وأنه رآه حينئذٍ أهلاً للصلاة بالجماعة لمعرفته بالأحكام فقدمه ليؤم الناس، وزوجه وهو
стр. 15
ابن اثنتي عشرة سنة بعد البلوغ.
ثم استأذن أباه في الحج فأذن له فحج ثم قصد مدينة الرسول " ﷺ " وأقام فيها قرابة شهرين ثم عاد إلى نجد فلزم أباه، وأخذ في القراءة عليه في الفقه على مذهب الإمام أحمد١.
وكان "﵀" في صغره كثير المطالعة في كتب التفسير والحديث وكلام العلماء في أصل الإسلام، فشرح الله صدره لمعرفة التوحيد وتحقيقه، ومعرفة نواقضه المضلة عن طريقه. وتبين له ما وقع فيه كثير من الناس من البدع والشركيات وتقديس الأشجار والأحجار والمشاهد وما إلى ذلك. فكان ينهى عن ذلك وينكره، ويستدل عليه بالآيات البينات، ويحث الناس على تدبرها وفهمها فاستحسنه منه كثير من الناس، إلا أنهم لم ينهوا عما فعل الجاهلون٢.
فلما رأى أن القول لا يغني وحده صمم على مزيد من التزود بالعلم، الذي يكون معه سلاحاً في وجه قوى الشر والطغيان٣، فلم تقف طموحه وآماله عند مجرد الأخذ عن أبيه في بلده بل رغب في الرحلة في طلب العلم.
стр. 16
ثالثاً- رحلاته العلمية:
بعد أن نهل الشيخ من منهل أبيه الذي يغلب عليه الجانب الفقهي تطلع إلى المزيد وذلك بالسير على منهج الأسلاف في الرحلة في طلب العلم الشرعي مهما كلف ذلك من مشقة وعناء.
فبدأ هذه الرحلات الميمونة بحج بيت الله الحرام، فلما قضى حجه سار إلى المدينة النبوية فقضى بها زمناً أخذ فيه العلم عن علمائها المشهورين في ذلك الزمان، ومنهم الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف النجدي ثم المدني، الذي أجازه من طريقين١، كما أجازه في كل ما حواه ثبت الشيخ عبد الباقي أبي المواهب الحنبلي قراءة وتعلماً وتعليماً من صحيح البخاري بسنده إلى مؤلفه، وكذا صحيح مسلم وشروح كل منهما، وسنن الترمذي وسنن أبى داود وسنن ابن ماجة وسنن النسائي الكبرى وسنن الدرامي وكتب القراءات واللغة ... إلى غير ذلك مما ثبت في ثبت الشيخ عبد الباقي٢.
وكان أول ما سمع من الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي من الحديث الحديث المسلسل بالأولية المروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قال رسول الله ﷺ : "الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء" ٣.
كما سمع منه مسلسل الحنابلة المروي عن ابن عدي عن حميد عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أراد الله بعبده خيراً استعمله".
قالوا: كيف يستعمله؟
стр. 17
قال: "يوفقه لعمل صالح قبل موته" ١.
ثم وصل الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي حبل الشيخ بحبل المحدث الشيخ محمد حياة السندي وعرفه به وبأهله، فأقام الشيخ عنده وأخذ عنه، وتأثر به كثيراً٢.
قال ابن بشر٣: وحكي أن الشيخ محمداً وقف يوماً عند الحجرة النبوية عند أناس يدعون ويستغيثون عند حجرة النبي ﷺ ، فرآه محمد حياة فأتى إليه فقال الشيخ: ما تقول في هؤلاء؟ قال: ﴿إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ٤.
فأقام الشيخ في المدينة ما شاء الله يأخذ عن علمائها، ثم خرج منها إلى نجد، فقصد بلدة العيينة، وأقام بها قرابة سنة ثم تجهز إلى البصرة٥.
وفي البصرة:
سمع الحديث والفقه من جماعة كثيرين، وقرأ بها النحو وأتقنه، وكتب الكثير من الحديث واللغة٦.
وكان من أشهر من أخذ عنه الشيخ من علماء البصرة عالم يدعى الشيخ: "محمد المجموعي" ٧.
стр. 18
وكان الشيخ في أثناء مقامه في البصرة ينكر ما يرى ويسمع من الشرك والبدع، ويحث على طريق الهدى والاستقامة، ويبين دلائل التوحيد، ويعلن للناس أن الدعوة كلها لله ولا يجوز صرف شيء منها لغير الله، ويبين لهم أن دعاء الصالحين ليس من محبتهم في شيء، وإنما محبتهم باتباعهم فيما كانوا عليه من الهدى والدين١.
وقد كان لدعوته قبول حسن لدى شيخه المجموعي، إذ قرر الشيخ له توحيد العبادة، ومعنى لا إله إلا الله، فانتفع شيخه بذلك حتى لقد قال ابن بشر:
أخبرني شيخنا القاضي عثمان بن منصور الناصري قال: أخبرني رجل في مجموعة البصرة بأن أولاد ذلك العالم الذي قرأ عليه الشيخ محمد هم أحسن أهل بلدهم بالصلاح، ومعرفة التوحيد، وهذا – والله أعلم- ببركة اجتماع بوالدهم٢.
ثم رحل الشيخ إلى الأحساء:
قال الشيخ عبد الرحمن بن حسن: "ثم إن شيخنا "رحمه الله تعالى" بعد رحلته إلى البصرة رحل إلى الأحساء ثم رجع من الأحساء إلى البصرة" ٣.
ومن العلماء الذين أخذ عنهم الشيخ في الأحساء الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف الشافعي الأحسائي، وأجازه بما في ثبت الشيخ عبد الباقي، كما لقي الشيخ عبد الله بن فيروز وغيرهم٤.
стр. 19
ثم إن الشيخ في البصرة استمر على ما كان عليه من النصح والإرشاد، وبيان التوحيد الخالص، والتحذير مما يشو به من بدع وشركيات، مما لم يرق لأهل المصالح من علماء السوء وأعداء التوحيد الذين وشوا به عند ملأ البصرة وأعيانها فآذوه أشد الأذى وأخرجوه في وقت الهاجرة١.
قال ابن بشر: فلما خرج وتوسط في الدرب فيما بينها وبين بلد "الزبير" أدركه العطش، وأشرف على الهلاك، وكان ماشياً على رجليه وحده، فوافاه صاحب حمار مكارى يقال له أبو حميدان فسقاه وحمله على حماره حتى وصل "الزبير" ٢.
ويذكر الشيخ عبد الرحمن بن حسن أن الشيخ خرج من البصرة إلى نجد قاصداً الحج فحج "﵀"، فلما قضى حجه وقف في الملتزم وسأل الله أن يظهر هذا الدين بدعوته وأن يرزقه القبول من الناس، فخرج قاصداً المدينة مع الحجاج يريد الشام فعرض له بعض سراق الحجيج فضربوه وسلبوه، وأخذوا ما معه، وشجوا رأسه وعاقه ذلك عن مسيره مع الحجاج، فقدم المدينة بعد أن خرج الحاج منها ثم رجع منها إلى نجد٣.
وعندما تيمم نجدا قصد بلدة حريملاء إذ كان أبوه قد انتقل إليها، فاستقر معه فيها بما حمله من علم سني جم من جراء تنقله خلال رحلاته العلمية، بين كثير من مراكز العلم في زمنه كالمدينة والبصرة والأحساء وغيرها.
وقبل هذه المرحلة وأثناءها أخذ الشيخ عن مشائخ فضلاء وعلماء أجلاء في نجد والمدينة والبصرة والأحساء، وحصل على إجازات منهم، وكتب كثيراً من كتب السنة وكتب ابن تيمية وابن القيم، وكان ينكر ما يراه مخالفاً للإسلام إنكاراً لفت الأنظار إليه، وجعله مستهدفاً بالأذى والإخراج
стр. 20
كما حصل له في البصرة١.
وعندما استقر بالشيخ المقام في نجد لم تنقطع صلته بالعلم بل كان كما يذكر الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف يقرأ على والده، وبعد فراغه من القراءة يخلو بنفسه ويعكف على دراسة الكتاب والسنة وتفاسير علماء السلف الأجلاء وشروحهم بتدبر وإمعان، فبلغ ﵀ الغاية القصوى، والطريقة المثلى في معرفة معاني الكتاب والسنة، واستنباط ما فيها من الأسرار الشرعية، والأحكام الدينية، وأكب معهما على مطالعة مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم، فأزداد بهما علماً وتحقيقاً وعرفاناً، وبصيرة في كتاب الله تعالى وإدراكاً لمعانيه وأسراره والاهتداء به في شئون الحياة٢.
وفي هذه الفترة كان مستمراً على إنكار ما يفعله الجهال من البدعيات والشركيات في الأقوال والأفعال، حتى توفي والده سنة "١١٥٣" ثلاث وخمسين ومائه وألف من الهجرة النبوية. فحينئذ شمر عن ساعد الجد للقيام بدعوته الإصلاحية٣.
стр. 21
رابعاً: نبذة عن سير دعوته والمراحل التى مرت بها:-
كان الشيخ "﵀" في كل مكان حل فيه يبين التوحيد ودلائله من الكتاب والسنة وأقوال السلف لمن حوله وينكر ما يرى من الشركيات والبدع، وذلك لما علمه من منافاتها لما عليه سلف الأمة، ولما فيها من قدح في العقيدة الصحيحة أو منافاة لها.
ولما توفي والده استمر الشيخ في الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجهر بذلك، وأخذ يقرره للعام والخاص، ويزجر من يرتكب شيئاً من المنكرات فذاع ذكره في جميع بلدان العارض، في حريملاء والعيينة والدرعية والرياض ومنفوحه، وصار له أنصار ومعارضون كما هي سنة الله تعالى الجارية في الصراع بين الحق والباطل١.
وكان في "حريملاء" عبيد كثر تعديهم وفسقهم، فأراد الشيخ أن يمنعوا، فتآمروا على قتله، وتسوروا عليه الجدار، فرآهم بعض أهل البلد فصاحوا بهم فهربوا ثم لما لم يجد الشيخ مناصرة ومؤازرة قوية توجه إلى "العيينة" وأميرها يومئذ عثمان بن حمد بن معمر فتلقاه بالإجلال والاحترام، فعرض عليه الشيخ دعوته، وبين له التوحيد، ورغبه فيه، فاتبعه وناصره، وألزم الخاصة والعامة أن يمتثلوا أمره٢.
وكان في "العيينة" وما حولها كثير من القباب والمساجد والمشاهد المبنية على قبور الصحابة، وكثير من الأشجار التي يقدسونها ويتبركون بها.
فأمر الشيخ بتغيير تلك المنكرات، فخرج هو والأمير فقطعوا الأشجار، وهدموا المشاهد وعدلوا القبور على السنة٣.
وهكذا استمرت الأمور على أحسن حال، فعلت كلمة الحق، وأحببت سنة المصطفى ﷺ ، وأقيمت الحدود وعاد للعقيدة صفاؤها وأثرها.
стр. 22
وعاد الناس إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ وتدبرهما وتطبيقهما في واقع الحياة١.
فبم يرق ذلك لعلماء السوء وأرباب المصالح بل أنكرته قلوبهم، وما أنكرت إلا التوحيد وتطبيق القرآن، ولسان حالهم يقول: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢. فتألبوا على الإنكار عليه ومخاصمته ومحاربته، وإثارة الشبهات حول دعوته: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ٣. فكتبوا إلى علماء الأحساء والبصرة والحرمين يشوهون الحقائق، ويؤلبون على الشيخ ويغرون به العامة والخاصة، وخصوصاً الحكام، حتى وشوا به إلى حاكم الأحساء سليمان بن محمد بن غرير الحميدي٤.
فكتب سليمان هذا إلى عثمان بن معمر يأمره بقتل الشيخ أو إجلائه عن بلده وشدد عليه، وهدده بقطع ما كان يبعث به إليه من خراج.
فلما ورد كتابه على عثمان عظم الأمر في عينه، وعز عليه مخالفة أمير الأحساء، فأمر الشيخ بالخروج من العيينة٥.
فخرج الشيخ منها محفوفاً برعاية الله سنة سبع أو ثمان وخمسين ومائة وألف، وتوجه إلى الدرعية، حيث كان له أنصار وتلاميذ، فنزل أول ليلة على عبد الله بن سويلم ثم انتقل في اليوم التالي إلى دار تلميذه الشيخ: أحمد بن سويلم٦.
стр. 23
فلما سمع أميرها الإمام محمد بن سعود بذلك، وشرح الله صدره لنصرة التوحيد قام مسرعاً فأتى الشيخ في بيت أحمد بن سويلم فسلم عليه ورحب به وقال: أبشر ببلاد خير من بلادك، وأبشر بالعز والمنعة.
فقال الشيخ:- وأنا أبشرك بالعز والتمكين، وهذه كلمة "لا إله إلا الله" من تمسك بها، وعمل بها ونصرها ملك بها البلاد والعباد، وهي كلمة التوحيد، وأول ما دعت إليه الرسل من أولهم إلى آخرهم.
وبين له ما كان عليه الرسول " ﷺ "، وما دعا إليه، وما كان عليه صحابته "﵃ أجمعين" من بعده، وما أمروا به، وما نهوا عنه، وأن كل بدعة ضلاله، وما أمرهم الله به من الجهاد في سبيله وأغناهم به وجعلهم إخوانا.
ثم أخبره بما عليه أهل نجد في زمنه من مخالفة لشرع الله بالشرك به تعالى والبدع والاختلاف، وإعراض عن القرآن وتفهمه والعمل به.
فتحقق الإمام معرفة التوحيد، وعاهد الشيخ على النصرة والتأييد، فهيأ الله لهذه الدعوة المباركة قوة السنان والسلطان، كما هيأ لها قوة الإيضاح والبيان١.
فقام الشيخ بالدعوة إلى الله بلسانه وبيانه معلماً، وواعظاً، ومدرساً، وبقلمه مؤلفاً، ومكاتباً، وبنفسه مجاهداً في سبيل الله، نصرة لدينه وإعلاء لكلمته، يؤازره هذا الإمام الراشد وأعوانه حتى آتت هذه الدعوة المباركة ثمارها، وعاد للعقيدة صفاؤها ودورها في الحياة فاستبان الناس الحق ووضح لهم الصواب وانكشفت عنهم غياهب الجهل والشك والارتياب.
وعادوا إلى كتاب ربهم وسنة نبيهم ﷺ قراءةً وتفهماً وتدبراً وإستنباطاً واستدلالاً واهتداءً بهما.
وما تزال هذه الدعوة المباركة تؤتي ثمارها كل حين بإذن ربها منتشرة
стр. 24
في الأفاق، ملاقية القبول عند كل من عرف حقيقتها، وتجرد عن الهوى إذ ليست هي إلا الدعوة إلى دين الله الخالص الخالي من كل البدع والشوائب فالحمد لله على فضله وإحسانه، وجزى الله الدعاة إليها ومناصريهم وأتباعهم بإحسان خير الجزاء.
стр. 25
خامساً:- علاقة دعوته بالقرآن الكريم وتفسيره ١:
إن علاقة دعوة الشيخ بالقرآن الكريم علاقة تلازم وارتباط، فلا يمكن أن تنفك عنه أبداً، وذلك أنها دعوة سلفية سنية، ومن المعلوم أنه من مقتضيات ذلك ولوازمه، بل من أساسياته ومما لا تكون الدعوة سلفية إلا به الاعتماد على كتاب الله تعالى، والإيمان به هدى وبياناً، ومنهجاً وبرهاناً، فهي دعوة نابعة من القرآن وداعية إليه. فلذا كتب لها البقاء والذيوع والانتشار لإيوائها إلى هذا الركن الشديد.
فيجد الناظر- بكل وضوح- أن حامل لواء هذه الدعوة ارحمه الله يحث دائماً على النظر في كتاب الله تعالى وتدبرّه، والاهتداء بهديه، والتزود منه والاعتماد عليه، وينزله المنزلة العظمى معتقداً ومنهجاً، جملة وتفصيلاً.
- ويرى أنه هدى يعتصم به من الضلالة، ورحمة يعتصم به من الهلكة، فلا يضل من اتبعه ولا يشقى، وأنه يفصل الأمور أي يبينها ويوضحها، وأنه كاف عما سواه من الكتب٢، وقد ترجم في كتاب "فضل الإسلام" بـ "باب وجوب الاستغناء بمتابعته" يعني القرآن٣.
فلذا كله- وغيره مما ذكر كثير من هذا القبيل- يحث على معرفة تفسيره وفهم معانيه وتدبره، وأن يكون أعظم ما عند المسلم في غير ما موضع. من تفسيره، وكتبه، وفتاواه، ورسائله يعرف ذلك من ألقى عليها نظرة ولو سطحية عابرة.
- فمن حثه على تأمل القرآن قوله: "فيجب على كل إنسان يخاف الله والنار أن يتأمل كلام ربه الذي خلقه، هل يحصل٤ لأحد من الناس أن يدين الله بغير
стр. 26
دين النبي ﷺ . لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى﴾ الآية١، ودين النبي " ﷺ " التوحيد، وهو معرفة "لا اله إلا الله محمد رسول الله" والعمل بمقتضاهما٢.
- ومن ذلك أيضاً إشارته على من قبل نصيحته من إخوانه ألا يصير في قلبه أجل من كتاب الله، ويظن أن القراءة فيه أجل من قراءة القرآن٣.
واعتماد الشيخ على القرآن في دعوته ظاهر جلي كما قلت تصريحاً واستقراء.
- ومن ذلك أنه يدعو من يخالفه إلى التحاكم لكتاب الله كقوله: وأنا أدعو من خالفني إلى أحد أربع: إما إلى كتاب الله، وإما إلى سنة رسول الله ﷺ ، وإما إلى إجماع أهل العلم، فإن عاند دعوته إلى المباهله ... ٤.
- وقوله: والقائل إنه يطلب الشفاعة- أي من النبي ﷺ مباشرة- بعد موته يورد علينا الدليل من كتاب الله أو من سنة رسول الله أو من إجماع الأمة والحق أحق أن يتبع٥.
- ومن الأمثلة الظاهرة على ارتكاز الدعوة على القرآن، وفهم تفسيره ومعانيه، والتزود به، قول الشيخ في وصيته العامة إلى من يصل إليه من المسلمين: وقد يكون لأعداء التوحيد علوم كثيرة وكتب وحجج كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ ٦، فإذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لابد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج كما قال تعالى: ﴿وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية٧
стр. 27
فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير لك سلاحاً تقاتل به هؤلاء الشياطين الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك : ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ ١. ولكن إذا أقبلت على الله وأصغيت إلى حجج الله وبيناته فلا تخف ولا تحزن: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً﴾ ٢. والعامي من الموحدين يغلب ألفاً من علماء المشركين، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٣، فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان، وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح، وقد من الله علينا بكتابه الذي جعله تبياناً لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، فلا يأتي صاحب باطل بحجة إلا وفي القرآن ما ينقضها ويبين بطلانها كما قال تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ ٤، قال بعض المفسرين: هذه الآية عامة في كل حجة يأتي بها أهل الباطل إلى يوم القيامة.
ثم يقول: ومن أعجب ما جرى من الرؤساء المخالفين أني لما بينت لهم كلام الله وما ذكر أهل التفسير في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية٥، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّه﴾ ٦، وقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ٧، وما ذكر الله من إقرار الكفار في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ الآية٨ وغير ذلك. قالوا القرآن لا يجوز العمل به لنا ولأمثالنا ولا بكلام الرسول ولا بكلام المتقدمين ... إلى آخر ما ذكر "﵀" ٩.
стр. 28
- ومن حثه أيضاً على التمعن في كتاب الله، وفهم التوحيد منه قوله: "قيل: إن أول آية نزلت قوله سبحانه بعد إقرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ١ قف عندها ثم قف ثم قف ترى العجب العجيب، ويتبين لك ما أضاع الناس من أصل الأصول، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً﴾ الآية٢، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ الآية٣، وكذلك قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية٤، وغير ذلك من النصوص الدالة على حقيقة التوحيد ... ٥.
- وبمقابل ذلك نجد أن الشيخ "﵀" يذم فن يتبع غير كتاب الله ويعرض عنه فيقول عند قول الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ الآية٦:كون أناس من أهل الكتاب إذا وقعت المسألة وأرادوا إقامة الدليل عليها تركوا كتاب الله٧.
ويقول ذاماً لكتب علم الكلام: ... مع أنك إذا طالعت في كتاب من كتب الكلام مع كونه يزعم أن هذا- أي الإيمان بتوحيد الأسماء والصفات وتنزيه الله تعالى- واجب على كل أحد، وهو أصل الدين تجد الكتاب من أوله إلى آخره لا يستدل على مسألة منه بآية من كتاب الله ولا حديث رسول الله ﷺ اللهم إلا أن يذكره ليحرفه عن مواضعه٨.
كما يذم ذماً بالغاً- في غير موضع- الذين يحجرون على أنفسهم ويعرضون عن القرآن بحجة أنه لا يفهمه إلا المجتهد، ولذا حرموا الهدى والعياذ بالله٩.
وكل ما تقدم- وغيره كثير- إنما هو في بيان علاقة دعوته بالقرآن وتفسيره من خلال نصوصه وتصريحه، وأما إذا ما نظرت إلى كتبه ومؤلفاته
стр. 29
واستقرأت موضوعاتها فإنك تجدها مليئة بالاستدلال بكتاب الله وتفسيره.
فانظر مثلاً إلى أعظم مؤلفاته وهو "كتاب التوحيد" تجده مشحوناً بالاستدلال بالآيات القرآنية، بل بالترجمة بها أحياناً والاستنباط منها كما يظهر من المسائل في آخر كل باب وكذا الحال في بقية كتبه ورسائله كرسالة "كشف الشبهات" و "القواعد الأربع" إذ استدل على كل قاعدة منها بآية قرآنية وكذا الأصول الثلاثة وغيرها مما يتبين به حقيقة الأمر، وأن دعوته ﵀ مرتكزة على كتاب الله ونابعة منه ومحيلة إليه وإلى تفسير السلف لمعانيه وبيان فوائده وأحكامه.
فلا غرو إذاً أن يهتم هو بتفسير بعض السور والآيات، ويركز جل اهتمامه على تفسير الآيات المتعلقة بالعقيدة مباشرة، وإن كان القرآن كله مقرراً للعقيدة ومبيناً لها.
стр. 30
سادساً:- قيمة تفسير الشيخ العلمية.
لتفسير الشيخ "﵀" قيمه علمية لا يستهان بها، وتلك القيمة لما تميز به هذا التفسير من ميزات قد لا تتوفر في كثير من كتب التفاسير منها:
١- سلفية مؤلفه ومنهجه القويم في الاعتقاد وبالتالي الاتجاه والدعوة والأسلوب فقد درس تفاسير السلف وأقوالهم وكتبهم وتضلع من ذلك كما تشير إليه مصادر ترجمته، وكما تشعر به مؤلفاته ورسائله ودعوته كلها.
فلذا كان من الطبيعي أن يصطبغ تفسيره بتلك الصبغة السلفية، فلا تحريف ولا تأويل؛ ولذا يأنس إليه كل ذي التماس لهذا المنهج وانتماء إليه.
وكم يسر طالب العلم الحق عندما يجد من يثق فيه معتقداً وعلماً يفسر له آية من كتاب الله، إذ سيطمئن إلى تفسيره لهذه الآية على وجهها، ويأمن من أن يدس له السم في العسل- كما يقال- من حيث لا يشعر.
٢- اهتمامه البالغ بالتعرض للآيات المتعلقة بالعقيدة مباشرة، تفسيراً واستنباطاً، إذ فاق اهتمامه بها اهتمام كثير من المفسرين ففسر تلك الآيات مستفيداً من أقوال المحققين من السلف، ومستنيراً بها، فاجتمع في تفسيره من الاستنباطات العقدية الكثير جداً، مما لم يبلغه كثير من التفاسير، ولم يهتم به كثير من المفسرين.
٣- ما يلمح في تفسيره من اهتمام بالنواحي الإصلاحية للحياة، ومعالجة للمجتمع بآيات الكتاب العزيز، الذي جعله الله تبياناً لكل شيء، بربطه به، ولفت الأنظار إلى تدبر كتاب الله الذي يسره لكل مدكر، فلم يقف عند مجرد سرد أقوال المفسرين بل استفاد منها مع ما آتاه الله من الفهم، ومعرفة شأن القرآن، وأحوال المجتمع.
٤- الشمولية في الاستنباط إذ لا يقصر النظر على جانب واحد في الآية بل يستنبط كل ما يظهر تعرض الآية له أوجله. ولا أريد أن استبق الأمور فكل هذه الميزات والجوانب سيأتي إيضاحها في موضعها من الدراسة إن شاء الله تعالى.
стр. 31
وأختم ما يحضرني من ميزات تفسير الشيخ بما ذكره الدكتور: فهد الرومي بقوله:
٥- ذلكم التأثير العجيب الذي يشعر به قارئ مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب "﵀" إذا قرأها بتمعن وتأمل وتجرد فلا يكاد يقرأ فيها حتى يحس بتدفق تأثيرها في قلبه، ويشعر بسريانها في كوامنه، وما تزال تدب في مشاعره دبيب الوعي في النائم عند استيقاظه حتى يجد نفسه وقد أشرف على حقيقة كان يجهلها، أو على الأقل غابت عن ذهنه١.
وقد قال بنحو قوله من قبل الأستاذ مسعود الندوي، حيث قال عن مؤلفات الشيخ ﵀: "ولكن هناك جوهرة ثمينة أخرى في مكتوباته ونادراً ما نراها في التراث الإسلامي كله.. وإن سمحتم نعبر عنها "بالروح ".. فإن كل سطر من سطوره مملوء بالتأثير، ولعل سببه كامن في ذلك الشعور الديني الوقاد الذي كان يقض مضجعه طوال حياته.. ٢.
وهذا هو ما استطعت بيانه مما يبين قيمة تفسيره مع هذه العجالة وقد يتبين لناظر في تفسيره غيري أكثر مما تبين لي.
стр. 32
سابعاً- مشائخه:
تلقى الشيخ "﵀" العلم عن عدد من علماء عصره في وطنه والأقطار التي رحل إليها في طلب العلم ومنهم:
١- والده الشيخ عبد الوهاب بن سليمان.
وقد نشأ والده في بيت علم وفضل، وتلقى العلم على يد أبيه علامة نجد في زمنه وغيره من العلماء حتى أدرك في الفقه خاصة، وتولى قضاء العيينة زمناً ثم انتقل منها عام "١١٣٩هـ" تسع وثلاثين ومائة وألف إلى قضاء حريملاء إلى أن توفي سنة "١١٥٣هـ" ثلاث وخمسين ومائة وألف "﵀" وقد ربى ابنه تربية علمية دينية كما بينته سابقاً. وقرأ ابنه عليه في الفقه والحديث والتفسير١.
٢- عمه الشيخ إبراهيم بن سليمان.
وقد ولد سنة "١٠٧٠" سبعين وألف من الهجرة في بلدة "العيينة"، وأخذ العلم عن أبيه وعن غيره من العلماء فنال منه حظاً وافراً وخصوصاً في الفقه وكتب منه شيئاً كثيراً وقد ولي قضاء بلدة "أشيقر" وتوفي سنة "١١٤١" إحدى وأربعين ومائة وألف من الهجرة "﵀" ٢.
٣- الشيخ عبد الله بن إبراهيم بن سيف من آل سيف رؤساء بلده "المجمعة" وهو من أفاضل الفقهاء قرأ على علماء المدينة ثم ارتحل إلى الشام فقرأ على شيخ الحنابلة هناك العلامة أبي المواهب ثم عاد إلى المدينة فسكن بها حتى توفي سنة "١١٤٠" أربعين ومائة وألف من الهجرة النبوية٣ "﵀" وقد قرأ عليه الشيخ فأجازه من طريقين، وروى عنه الحديث المسلسل بالأولية والحديث المسلسل بالحنابلة كما تقدم٤.
стр. 33
٤- العلامة الكبير والمحدث الشهير الشيخ محمد حياة بن إبراهيم السندي المدني. ولد بالسند ثم تنقل في طلب العلم حتى استقربه المقام في المدينة النبوية فلازم الشيخ أبا الحسن محمد بن عبد الهادي السندي "صاحب الحواشي على دواوين السنة الستة" وأجازه الشيخ عبد الله بن سالم البصري وغيره.
وكان عالماً جليلاً متحرراً للدليل. وله مصنفات كثيرة منها "شرح الترغيب والترهيب" و "تحفة المحبين في شرح الأربعين" وغيرهما١.
وقد كان له الأثر الحسن في حياة الشيخ محمد العلمية، يبين هذا قول الشيخ عبد الرحمن بن حسن "وكان له أكبر الأثر في توجيهه إلى إخلاص توحيد العبادة، والتخلص من رق التقليد الأعمى والاشتغال بالكتاب والسنة٢.
وتوفي الشيخ "محمد حياة السندي" بالمدينة سنه "١١٦٣" ثلاث وستين ومائة وألف من الهجرة٣، وقيل غير ذلك "﵀".
وقد أخذ الشيخ عن غير هؤلاء العلماء ومنهم:
٥- مسند الحجاز العلامة المحقق "عبد الله بن سالم البصري أصلاً المكي مولد الشافعي المتوفى سنه "١١٣٤" أربع وثلاثين ومائه وألف من الهجرة بمكة المكرمة "﵀" ٤.
٦- الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني صاحب "كشف الخفا" المتوفى سنة "١١٦٢" اثنتين وستين ومائة وألف من الهجرة "﵀" ٥.
стр. 34
٧- الشيخ علي أفندي بن صادق الداغستاني المتوفى سنة "١١٩٩" تسع وتسعين ومائه وألف من الهجرة. رحمه الله١.
وقد أخذ الشيخ عنه في المدينة وأجازه بمثل ما أجازه به الشيخ/ عبد الله بن إبراهيم النجدي بما في ثبت أبي المواهب الحنبلي٢.
٨- الشيخ عبد اللطيف العفالقي الأحسائي.
وقد ذكر صاحب "التوضيح عن توحيد الخلاق" وأحمد بن حجر آل بوطامي أنه أجاز الشيخ بمثل ما أجازه به الشيخ عبد الله بن إبراهيم النجدي بما في ثبت أبي المواهب الحنبلي أيضاً٣.
٩- الشيخ محمد المجموعي.
وقد أخذ الشيخ عنه بالبصرة كما تقدم ذكره٤.
وقد أخذ الشيخ عن غير هؤلاء من العلماء.
ثامناً- تلاميذه.
إن من الطبيعي لدعوة سلفية إصلاحية كدعوة الشيخ كان لها أنصار كثير، أن يتوافد أنصارها- وخصوصاً من طلبة العلم- إلى هذا الإمام المجدد لينهلوا من علمه، ويكونوا بقربه.
стр. 35
ولذا فقد كثر تلاميذ الشيخ جداً وصعب حصرهم، وسأكتفي هنا بذكر بعض المشهورين منهم وهم:-
١- ابنه الشيخ حسين..
أخذ عن أبيه حتى أدرك، وصار له معرفة تامة في أصول العلم وفروعه، وولي قضاء الدرعية زمناً فحمد قضاؤه، وعدله، وكان له دروس واستفاد بعلمه خلق كثير منهم ابناه علي وعبد الرحمن، وسعيد بن حجي وغيرهم.
وتوفي سنة "١٢٢٤" أربع وعشرين ومائتين وألف من الهجرة في "الدرعية" رحمه الله١.
٢- ابنه الشيخ عبد الله..
أخذ عن أبيه وغيره، وكان آية في العلم ومعرفته، ومعرفة فنونه، ولي القضاء بعد أبيه، وكان مرجعاً للعلماء والقضاة، وله دور بارز في نشر الدعوة بعد أبيه والرد على أعدائها كما ألف جملة من المصنفات المشهورة منها "جواب أهل السنة في نقض كلام الشيعة والزيدية" و"مختصر السيرة" و"الفصول النافعة في المكفرات الواقعة" وغيرها.
وأخذ عنه العلم خلق كثير منهم بنوه الشيخ سليمان وعلي وعبد الرحمن والشيخ عبد الرحمن بن حسن وغيرهم.
وتوفى سنه "١٢٤٢" اثنتين وأربعين ومائتين وألف من الهجرة في "مصر" رحمه الله٢.
٣- ابنه الشيخ علي..
أخذ العلم عن أبيه وغيره. وقال فيه ابن بشر: "كان عالماً جليلاً ورعاً كثير الخوف من الله، وكان يضرب به المثل في بلد الدرعية بالورع والديانة، وله معرفة في الفقه والتفسير وغير ذلك، وراودوه على القضاء فأبى
стр. 36
عنه١" أ. هـ.
وقال الشيخ عبد الرحمن بن عبد اللطيف: "الغالب على الظن أن الشيخ علي توفي سنة "١٢٤٥هـ" بمصر رحمه الله٢.
٤- ابنه الشيخ إبراهيم.
قال ابن بشر: "رأيت عنده حلقة في التدريس، وله معرفة في العلم، ولكنه لم يل القضاء٣".
وقال الشيخ عبد الرحمن بن قاسم" ولم أقف له على وفاة ولكنه موجود سنة "١٢٥١هـ" في مصر وتوفي فيها٤ ﵀.
٥- الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب.
أخذ العلم عن جده الشيخ، وعن عمومته والشيخ حمد بن ناصر بن معمر وغيرهم في شتى الفنون. وكان فقيهاً، محدثاً بارعاً في الفنون كلها وله مؤلفات شهيرة منها "كتاب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد" و "قرة عيون الموحدين وتأسيس التقديس في الرد على داود بن جرجيس" وغيرها.
وقد ولي القضاء في الدرعية وأخذ العلم عنه خلق كثير من القضاة والفقهاء منهم الشيخ عبد الرحمن بن ناصر بن بشر والشيخ حمد بن عتيق وغيرهما. وتوفي سنه "١٢٨٥" خمس وثمانين ومائتين وألف من الهجرة في الرياض "﵀" ٥.
٦- الشيح حمد بن ناصر بن عثمان بن معمر.
وكان عالماً جليلاً أخذ عن الشيخ وعن سليمان بن عبد الوهاب، وأخذ العربية عن الشيخ حسين بن غنام، وأخذ عنه ابنه عبد العزيز والشيخ عبد الرحمن بن حسن والشيخ عبد الله أبابطين وغيرهم.
стр. 37
وقد ولي قضاء الدرعية زمناً، ثم أرسله الإمام سعود بن عبد العزيز قاضياً ومعلماً في مكة المكرمة، فأقام فيها حتى توفي سنة "١٢٢٥" خمس وعشرين ومائتين وألف من الهجرة "﵀".
وله في الدرر السنية رسائل وأجوبه تدل على جلالة قدره وعلمه. وله رسالة قيمة اسمها "الفواكه العذاب في الرد على من لم يحكم السنة والكتاب" ١.
٧- الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن إبراهيم الحصين الناصري التميمي.
وكان عالماً فقيهاً أخذ عن الشيخ وأبنائه والشيخ حمد بن معمر المتقدم ذكره وغيرهم، وعنه جمع من العلماء منهم الشيخ عبد الله أبابطين والشيخ إبراهيم بن سيف وغيرهما.
وقد ولي القضاء في ناحية "الوشم" زمناً.
وتوفي سنة "١٢٣٧هـ" سبع وثلاثين ومائتين وألف من الهجرة. "﵀" ٢.
٨- الشيخ سعيد بن حجي.
رحل إلى الدرعية، وأخذ عن الشيخ، وابنيه الشيخ عبد الله، والشيخ حسين، والشيخ حمد بن ناصر بن معمر وغيرهم. فلما تفقه عينه الإمام عبد العزيز بن محمد قاضياً في حوطة بني تميم وما حولها، فقام بالقضاء والإفتاء والتدريس فيها حتى توفي سنة "١٢٢٩" تسع وعشرين ومائتين وألف من الهجرة "﵀" ٣.
هذا وللشيخ "﵀" تلاميذ آخرون كثير أصبحوا علماء أجله وفقهاء وقضاة قال ابن بشر بعد أن ذكر جمعاً ممن أخذ عن الشيخ: أخذ عنه من القضاة ممن لا يحضرني الآن عده عدد كثير، وأخذ عنه ممن لم يل القضاء من الرؤساء والأعيان ومن دونهم الجم الغفير٤"أ. هـ رحم الله الجميع رحمة واسعة.
стр. 38
تاسعاً: مؤلفاته:
كما نشر الشيخ فكراً سلفياً سنياً، نابعاً من كتاب الله وسنة رسوله " ﷺ " وفهمهما، وتطبيقهما، وما يتعلق بهما، فقد ترك كذلك ثروة علمية قيمة في فنون شتى، لقيت قبولاً وانتشاراً بين أهل الاعتقاد الحسن، والمهتمين بدعوة الشيخ وعلمه، وهي دالة على ما كان لدى الشيخ من معرفة، وما جمع من علوم.
ومؤلفاته ما بين مؤلف مستقل، ومختصر من كتاب قيم أو منتخب منه.
وقد قام الباحث الدكتور: "أحمد محمد الضبيب" بعمل سجل بيبلوغرافي لما نشر من مؤلفات الشيخ، كما قامت جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بجمع ما أمكن من مؤلفاته في مجموعة واحدة، كما ذكر غير واحد من الباحثين والمؤلفين مؤلفات الشيخ ودرسوها.
ونظراً لطبع جل مؤلفاته، وتعدد طبعات الكثير منها، فسأقتصر فيما طبع على الإحالة إلى موضعه من المجموعة فقط. وسأتناول ذكر هذه الكتب حسب فنونها فأقول:
أولاً: مؤلفاته فيما يتعلق بالقرآن وعلومه.
١- فضائل القرآن.
ويقع ضمن مجموعة المؤلفات/القسم الرابع كمقدمة لاستنباط القرآن.
٢- استنباط القرآن.
وقد شمل معظم تفسيره وهو ضمن مجموعة المؤلفات/القسم الرابع.
كما أنه يوجد له تفسير لآيات أخر لم يشملها هذا التفسير وأعظم مجموعة منها ما هو موجود في الدرر السنية لابن قاسم/المجلد الرابع/ الجزء العاشر/ كتاب تفسير القرآن. ولأذكر هنا ما شمله هذان السفران من آيات فسرها الشيخ أو استنبط منها، وهو جل ما اعتمدت عليه في دراسة المنهج.
стр. 39
١- كلام في الاستعاذة. "الدرر" ص "٢٦".
٢- تفسير سورة الفاتحة. الاستنباط "٧-١٨" الدرر ص "٢٧- ٣٣".
٣- استنباط من سورة الفاتحة. الاستنباط "١٨" الدرر ص "٣٣".
٤- استنباط من سورة الفاتحة. الدرر "٣٣- ٣٥".
- سورة البقرة:
الآيات "٢-٥" في الدرر ص "٣٩، ٤٠".
الآيات "١٠٢، ١٠٩، ١١٠" الاستنباط "٢١- ٢٩" الدرر "٤٢- ٤٤".
الآيات "١٢٤-١٤١" الاستنباط ص "٣٠-٤٢" الدرر ص "٤٥- ٤٩".
كلام يتعلق بالآية "١٢٤" أيضاً الدرر ص "٤٥".
الآيات "١٣٩-١٤١" الاستنباط ص "٢٨، ٢٩" الدرر ص "٤٤، ٤٥".
الآيتان "١٤٠، ١٤١" الاستنباط ص "٤٢- ٤٤" الدرر ص "٤٩، ٥٠".
ذكر ما اشتملت عليه سورة البقرة من تقرير أصول الدين. الدرر ص "٥٤-٥٦".
- سورة آل عمران:
الآية "١٨" الدرر ص "٥٦".
الآيات "٧٩- ٨٣" الاستنباط ص "٤٥- ٤٧" الدرر ص "٥٧، ٥٨".
الآية "٩٧" الدرر ص "٥٨".
الآيات "١٠٠- ١٠٨" الاستنباط ص "٤٨- ٥١" الدرر ص "٥٩".
- سورة النساء:
الآيات "٢٦- ٢٨" الدرر ص "٦٢".
الآيات "٩٧-١٠٠" الدرر ص "٦٢".
سورة الأنعام:
الآيات"٤٠- ٤٥" الاستنباط ص "٥٣- ٥٥" الدرر ص "٦٣، ٦٤".
الآيات "٥٠- ٥٥" الاستنباط ص "٥٦- ٥٨" الدرر ص "٦٤، ٦٥".
الآيات"٧١.- ٧٣" الاستنباط ص "٥٩- ٦١" الدرر ص "٦٥، ٦٦".
الآيات "٧١- ٧٣" مرة أخرى الاستنباط ص "١ ٦- ٦٣" الدرر ص "٦٦، ٦٧".