← Сира

Сира · id 12103

منهجية التأليف في السيرة عند ابن كثير

عبد الرحمن السنيدي

Полный текст (76 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

البخاري ومسلم أو أحدهما، كرواية شريك بن عبد الله في الإسراء (١) ، وما رواه مسلم من حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه أن المسلمين كانوا يوم هوازن (حنين) ستة آلاف، وإنما كانوا اثني عشر ألفاً (٢) ، ورواية أبي هريرة في بدء الخلق (٣) والتي أخرجها مسلم (٤) وغيره، وهي رواية يرى بعض الأئمة أنها متلقاة عن كعب الأحبار ومما يقدح فيها أنه ليس فيها ذكر خلق السموات وفيها ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام وهذا خلاف ما جاء في القرآن؛ لأن الأرض خلقت في أربعة أيام ثم خلقت السموات في يومين (٥) . تأتي مراجعات ابن كثير لمتون هذه الروايات وغيرها تجسيداً لمقولة: صحة السند ليست موجبة لصحة الحديث، يقول ابن كثير نفسه: (والحكم بالصحة أو الحسن على الإسناد لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن؛ إذ قد يكون شاذاً أو معللاً) (٦) ، وفي تعقيبه على إحدى الروايات

стр. 37

يذكر أن (هذا الإسناد جيد قوي، لكن فيه نكارة من جهة قول الراوي) (١) . ولا شك أن مكانة الصحيحين عظيمة، مما جعل ابن كثير ﵀ يحاول توجيه بعض المآخذ على بعض الروايات التي أشكلت على العلماء وهي قليلة في الصحيحين، ومن ذلك: متن حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس في الإسراء برسول الله ﷺ والعروج به. فعند قوله: "إنه جاءه ثلاثة نفر وذلك قبل أن يوحى إليه"، وظاهر هذا الكلام يخالف ما عرف من أن الإسراء بعد البعثة النبوية. قال ابن كثير معلقاً على ذلك: (الجواب أن مجيئهم أول مرة، كان قبل أن يوحى إليه فكانت تلك الليلة ولم يكن فيها شيء ثم جاءته الملائكة ليلة أخرى بعدما أوحي إليه فكان الإسراء قطعاً بعد الإيحاء" (٢) . وفي قوله: (ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى) يذكر أنَّ ذلك من فهم الراوي وقد أقحمه في الرواية (٣) .

стр. 38

وفي قوله رواية عن النبي ﷺ : (ثم استيقظت فإذا أنا في الحجر) قال ابن كثير: إن ذلك معدود في غلطات شريك أو محمول على أن الانتقال من حال إلى حال يسمى يقظة كما سيأتي في حديث عائشة (١) . ومن ذلك أيضاً رواية ابن عباس في مسلم، وفحواها أن أبا سفيان عرض على النبي ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان (٢) . ومعلوم أن أبا سفيان إنما أسلم عام الفتح وقد جاء إلى المدينة قبيل الفتح وهو على الشرك وهي عند النبي ﷺ كما أن أم حبيبة تزوجت النبي ﷺ قبل ذلك، وبعد وفاة زوجها عبيد الله بن جحش بأرض الحبشة. وهذه الرواية من الأحاديث المشهورة بالإشكال كما يقول النووي (٣) (ت:٦٧٦هـ) ، لدرجة أن ابن حزم زعم أن عكرمة بن عمار وضعه. قال ابن كثير: "وهذا القول منه لا يتابع عليه" وبعد أن أورد أقوالاً في توجيه الرواية خلص إلى أنّ الأحسن في هذا أنه أراد أن يزوجه ابنته

стр. 39

الأخرى عزَّة لما رأى في ذلك من الشرف له، واستعان بأختها أم حبيبة كما في الصحيحين وإنما وهم الراوي هذا بتسمية أم حبيبة (١) .

стр. 40

مقاييس ابن كثير في نقد المتن: راجع ابن كثير متون المرويات والأقوال في موضوع السيرة آخذاً بعين الاعتبار الخطوات التي كان العلماء يقومون بها وهم ينقدون النصوص والمرويات. ومن هذه القواعد عرض المتن على القرآن الكريم ثم على السنة المتواترة ثم على الإجماع ثم على العقل (٢) . إن ممارسة هذا الفن وقراءة النصوص واستظهارها عوامل مكنت العلماء الراسخين من رد روايات وأحاديث بالنظر إلى المروي وألفاظ الحديث. قال ابن دقيق العيد (ت:٧٠٢هـ) : وأهل الحديث كثيراً ما يحكمون بذلك ـ أي بالوضع ـ باعتبار أمور ترجع إلى المروي وألفاظ الرسول ﷺ ، وحاصله يرجع إلى أنه حصلت لهم لكثرة محاولة ألفاظ الرسول ﷺ هيئة نفسية أو ملكة يعرفون بها ما يجوز من ألفاظ الرسول ﷺ وما لا

стр. 41

يجوز أن يكون من ألفاظه (١) ، ويعد ابن القيم ـ وهو ممن نهل من المدرسة نفسها التي نهل منها ابن كثير ـ من أوائل العلماء الذين أصَّلوا بعض القواعد التي يمكن بواسطتها نقد متن الحديث (٢) . لم يُهْمِل العلماء المسلمون إذن نقد المتن من خلال استخدام بعض القواعد والمقاييس التي رصدها بعض الباحثين أمثال: مسفر غرم الله الدميني في كتابه "مقاييس نقد متون السنة" (٣) ، وعصام البشير في كتابه "أصول منهج النقد عند أهل الحديث" (٤) ، ومحمد طاهر الجوابي في كتابه "جهود المحدثين في نقد متن الحديث النبوي" (٥) ، لكن هذا النوع من النقد ليس كلاً مباحاً لكل طالب، وليس باباً مفتوحاً لكل طارق. قال ابن القيم ـ في إجابة على سؤال فحواه: هل يمكن معرفة الحديث الموضوع دون النظر في سنده؟: "إنما يَعْلمُ ذلك من تضلع في معرفة السنن الصحيحة واختلطت بلحمه ودمه، وصار له فيها ملكة، وصار له اختصاص شديد بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة الرسول

стр. 42

صلى الله عليه وسلم وهديه فيما يأمر به وينهى عنه ويخبر عنه ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه ويشرعه للأمة، بحيث كأنه مخالط للرسول ﷺ كواحد من أصحابه (١) . على أي حال جاء نقد ابن كثير للمتن ـ كما سيتضح لاحقاً ـ في ضوء القواعد الموضوعة في هذا الباب، تلك القواعد التي جاءت حصيلة جهة تراكم عبر السنين والعصور، وفي السطور الآتية نأتي على أبرز المعايير التي سلكها ابن كثير وهو ينقد متون مروياته في مجال السيرة النبوية.

стр. 43

عرض الرواية على رواية أصح منها: ثمة روايات انتقدها ابن كثير مشيراً إلى معارضتها ما هو أصح منها كرواية ابن إسحاق في إسلام أبي طالب عم الرسول ﷺ قبل وفاته، قال ابن كثير ـ بعد أن نقد الرواية من جهة الإسناد ـ: عارضه ما هو أصح منه وهو ما رواه البخاري ﵀، ثم ساق روايته وفيها حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب (٢) ، ثم أورد روايات أخرى معارضة لمضمون رواية ابن إسحاق من الصحيحين ومسند الإمام أحمد ومسند البزار وسنن الترمذي ومغازي يونس بن بكير (٣) .

стр. 44

كذلك راجع ابن كثير رواية ابن إسحاق وفيها أن أبا موسى الأشعري ممن هاجر من مكة إلى الحبشة، وما ورد في المسند عن الإمام أحمد من أن أبا موسى كان من المهاجرين إلى الحبشة من مكة وكذلك رواية أبي نعيم والبيهقي في الدلائل، وفيها عن أبي موسى: "أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب على أرض النجاشي". وهي مروية بإسناد صحيح، وقارن تلك الروايات برواية البخاري ومسلم في هجرة أبي موسى الأشعري وفيها أنهم بلغهم مخرج رسول الله ﷺ وهم باليمن فخرجوا مهاجرين في بضعة وخمسين رجلاً في سفينة فألقتهم السفينة إلى النجاشي. ونقل ابن كثير عن البيهقي قوله: "ولعل الراوي قد وهم في قوله أمرنا رسول الله أن ننطلق.. والله أعلم" (١) . وقد رد ابن كثير روايات لابن إسحاق وموسى بن عقبة، معارضاً إياها براويات صاحبي الصحيح مثل رواية ابن إسحاق في وقت نزول سورة "الضحى" (٢) ، وقول موسى بن عقبة، عن جميع من استشهد يوم أحد من المهاجرين والأنصار أنهم تسعة وأربعون رجلاً. حيث عقَّب على ذلك بقوله: "ثبت في الحديث الصحيح عند البخاري عن البراء أنهم قتلوا من المسلمين سبعين رجلاً" (٣) .

стр. 45

لا غرابة أن يستخدم ابن كثير هذا المقياس الأصيل الذي يتجلى في مراجعة الرواية في ضوء الروايات الأخرى في الموضوع نفسه، إذ إن لهذا المنهج أثراً في كشف مميزات وعيوب المتن والإسناد، فالمقارنة بين الروايات سنداً ومتناً وسيلة لسبر غور الرواية (١) وتصنيفها بحسب ما يكتنفها من قوة أو ضعف، ومن ثم إلباسها المسمَّى المناسب لحالها.

стр. 46

استدعاء تاريخ التشريع: بوسعنا أن نجد في سيرة ابن كثير أمثلة تدل على متابعته لتواريخ التشريعات وما نزل من الأحكام، ويهمنا هنا أن نذكر أن ابن كثير بحكم ثقافته في هذا الجانب نقد بعض المتون مستخدماً معرفته بتواريخ نزول هذا الحكم أو ذاك. فقد ناقش ابن كثير رواية ابن هشام في خبر قدوم الأعشى الشاعر على رسول الله ﷺ في سياق أحداث العهد المكي، ومما ناقشه ابن كثير ما جاء في الرواية أن أهل مكة ذكروا له أنه يحرم الخمر، ومعلوم أن تحريمها بالمدينة بعد وقعة بني النضير. وفي الراوية أن الأعشى خرج إلى رسول الله ﷺ يريد الإسلام وقال يمدح النبي ﷺ قصيدة مطلعها: ألم تَغْتَمِضْ عيناك ليلة أرمدَا ... وبتَّ كما باتَ السليم مسهَّدا

стр. 47

قال ابن هشام: فلما كان قريباً من مكة اعترضه بعض المشركين من قريش، فسأله عن أمره؟ فأخبره أنه يريد رسول الله ﷺ لِيُسْلم، فقال له: يا أبا بصير إنه يحرم الزنى، فقال الأعشى: والله إن ذلك لأمر مالي فيه من أرب، فقال: يا أبا بصير إنه يحرم الخمر. فقال الأعشى: أما هذه فوالله إن في النفس منها لعلالات (١) ، ولكني منصرف فأتروى منها عامي هذا ثم آتيه فأُسلم. قال ابن كثير: هكذا أورد ابن هشام هذه القصة هنا ـ في سياق أحداث العهد المكي ـ وهو كثير المؤاخذات لمحمد بن إسحاق ﵀، وهذا مما يؤاخذ به ابن هشام ﵀ فالخمر إنما حرمت بالمدينة بعد وقعة النضير كما سيأتي بيانه فالظاهر أن عزم الأعشى على القدوم للإسلام إنما كان بعد الهجرة وفي شعره ما يدل على ذلك، وهو قوله: ألا أيهذا السائلي أينَ يمَّمْت ... فإنَّ لي لها في أهل يَثْرِب مَوعِدا وكان الأنسب والأليق بابن هشام أن يؤخر ذكر هذه القصة إلى ما بعد الهجرة ولا يوردها هنا (٢) . والله أعلم. وعند البحث في تاريخ غزوة بني لحيان والتي صلى فيها المسلمون صلاة الخوف، إنما شرعت بعد الخندق ولو كانت صلاة الخوف مشروعة يوم الخندق لفعلوها. وكأنَّ ابن كثير هنا يرجح ما ذكره ابن

стр. 48

إسحاق وغيره من أهل المغازي في أن غزوة بني لحيان إنما كانت سنة ست من الهجرة، لتلك القرينة التي أشرنا إليها (١) . وكذلك تاريخ غزوة ذات الرقاع حيث يرى ابن إسحاق أنها في السنة الرابعة، وأن النبي ﷺ صلى بها صلاة الخوف (٢) . ويرى الواقدي أنها في المحرم سنة خمس، وقد ذهب البخاري إلى أنها في سنة سبع بعد خيبر (٣) ، وفي معرض ترجيحه لكون ذات الرقاع بعد الخندق سنة خمس أشار ابن كثير إلى أن صلاة الخوف إنما شرعت بعد الخندق (٤) . ويستدعي ابن كثير تاريخ تشريع تحريم المسلمات على المشركين عندما يناقش قول ابن إسحاق: وكان رسول الله ﷺ بمكة لا يُحل ولا يحرم مغلوباً على أمره وأنه لم يقدر على أن يفرق بين ابنته زينب وزوجها أبي العاص بن الربيع. حيث يعقب ابن كثير على ذلك بالقول: إنما حرم الله المسلمات على المشركين عام الحديبية سنة ست من الهجرة (٥) .

стр. 49

كذلك استدعى ابن كثير تاريخ تحريم الكلام في الصلاة وتاريخ فرض الحجاب عند مناقشته لبعض الروايات (١) ، ورد ابن كثير رواية من روى أن ملكاً من وراء الحجاب أذَّن ليلة الإسراء برسول الله ﷺ ، وأن هذا الملك قَدَّم النبي ﷺ فأَمَّ بأهل السماء ومنهم آدم ونوح؛ لأنَّهُ لو كان النبي سمع الأذان ليلة الإسراء لأوشك أن يأمر به بعد الهجرة في الدعوة إلى الصلاة (٢) . والله أعلم. ولا جدال في أن ابن كثير هنا وضع نصب عينيه ما ورد من روايات في تشريع الأذان بعد الهجرة وقد ورد فيها أنَّ المسلمين هموا أن يتخذوا ناقوساً ليضرب به للناس لجمعهم عند الصلاة، كما ورد أنهم تشاوروا في المناداة للصلاة (٣) .

стр. 50

استدعاء الحقائق والمعلومات التاريخية: ثمة حقائق ومعلومات تاريخية، مشهورة مقررة عند كُتَّاب السير والمغازي وغيرهم من المحدثين والمؤرخين يظهرها ابن كثير لردِّ روايات وأقوال تنطق بضد ما يفهم من تلك الحقائق، وقد مر بنا رواية شريك ابن عبد الله ورواية ابن عباس في عرض أبي سفيان ابنته أم حبيبة على رسول الله ﷺ .

стр. 51

ومن الروايات التي أنكرها ابن كثير استناداً إلى أن أحوال النبي ﷺ مشهورة ومعروفة تلك المرويات المنكرة التي لا تتوافق مع أحوال نبوية مقطوع بوقوعها بكيفية محددة، ومن ذلك ما روي عن أبي سعيد أنه قال: "حج النبي ﷺ وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة وقد ربطوا أوساطهم ومشيهم خليط من الهرولة". قال ابن كثير: "حديث منكر ضعيف الإسناد"، ثم علّق على ما قاله البزار (١) : "معناه أنهم كانوا في عمرة إن ثبت الحديث؛ لأنه ﵇: إنما حجَّ حجَّة واحدة وكان راكباً وبعض أصحابه مشاة". قلت ـ ابن كثير ـ: لم يعتمر النبي ﷺ في شيء من عُمرة ماشياً لا في الحديبية ولا في القضاء ولا الجِعِرَّانة ولا في حجة الوداع وأحواله ﷺ أشهر وأعرف من أن تخفى على الناس بل هذا الحديث منكر شاذ لا يثبت مثله (٢) . كذلك عقب ابن كثير على رواية عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: إنما قرن رسول الله ﷺ في حجة الوداع خشية أن يُصدَّ عن البيت، قال ابن كثير: هذا حديث غريب سنداً ومتناً، ثم انبرى يناقش متنه قائلاً: "من الذي يصده ﵊ وقد أظهر الله الإسلام وفتح البلد الحرام وقد نودي برحاب منى أيام الموسم الماضي أن لا يحج بعد العام

стр. 52

مشرك ولا يطوفن بالبيت عريان، وقد كان معه ﵊ في حجة الوداع قريب من أربعين ألفاً" (١) . وراجع ابن كثير رواية بعض المفسرين التي مالت إلى القول بأن أبا طالب هو المقصود بقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام:٢٦] . قال ابن كثير: "وفيه نظر، ثم اختار القول بأن المراد هم المشركون الذين ينهون الناس عن محمد، وأبو طالب لم يكن بهذه المثابة بل كان يصد الناس عن أذية رسول الله ﷺ ، وأصحابه بكل ما يقدر عليه من فعال ومقال ونفس ومال، ولكن مع هذا لم يقدر الله له الإيمان لما له تعالى في ذلك من الحكمة". وواضح من هذا الكلام أن ابن كثير يستند في تعقيبه على الرواية المذكورة إلى حقيقة مشهورة في مصادر السيرة الأصلية فحواها أن أبا طالب كان يذود عن رسول الله ﷺ إلى جانب قرائن أخرى منها أنَّ الخطاب قصد به جماعة من المشركين المذمومين كما جاء في نهاية الآية (٢) . وثمة روايات عقب عليها ابن كثير لمناقضتها ومخالفتها لحقائق تاريخية مشهورة في مصادر السيرة والمغازي، كرواية مسلم في أن سعد بن عبادة

стр. 53

هو المشير على رسول الله ﷺ يوم بدر بالمضي لمواجهة قريش (١) ، والصواب سعد بن معاذ ويذكر ابن كثير أن المشهور أن سعد بن عبادة رده ﷺ من الطريق، قيل: لاستنابته على المدينة، وقيل: لدغته حية (٢) . وراجع قول أبي بكر بن أبي شيبة أن أول من كتب الوحي بين يدي رسول الله ﷺ أبي بن كعب، قال ابن كثير: كأنّه يعني بالمدينة وإلا فالسور المكية لم يكن أبي بن كعب حال نزولها. وقد كتبها الصحابة بمكة (٣) . وعَدَّ ما ورد في رواية المعتمر بن سليمان عن أبيه عن السميط عن أنس من أن عدد المسلمين يوم حنين كانوا ستة آلاف، وأنهم حاصروا الطائف (٤٠) ليلة من غرائب هذه الرواية والصواب أن عدد المسلمين (اثنا عشر ألفاً) كما في الروايات المشهورة وأن حصار الطائف لم يصل إلى شهر بل كان دون العشرين ليلة (٤) . وفي كتاب "دلائل النبوة" في باب إخباره ﷺ عن الغيوب المستقبلة عقب ابن كثير على رواية البيهقي بسنده عن ثعلبة بن يزيد، وفيها أن أصحاب علي ﵁ سألوه أن يستخلف فقال: (أترككم كما ترككم رسول الله ﷺ .

стр. 54

قال ابن كثير: المشهور أن علياً لَمَّا طُعِن أوصى إلى ابنه الحسن وأمره أن يركب الجنود (١) وهو بهذا يلمح إلى بطلان تلك الرواية وتهافتها. ووقف ابن كثير كما وقف غيره من العلماء عند الكتاب المزعوم بأن رسول الله ﷺ وضع الجزية عن اليهود الخيابرة، وهو كتاب اغتر به بعض العلماء ومنهم أبو علي بن خيرون فقال بإسقاط الجزية عنهم. يذكر ابن كثير أنَّه وقف على الكتاب فإذا هو مكذوب فإن فيه شهادة سعد بن معاذ وقد مات قبل خيبر وفيه شهادة معاوية بن أبي سفيان ولم يكن أسلم يومذاك، وفيه وضع الجزية ولم تكن قد شرعت بعد (٢) . وهكذا يضع ابن كثير يده على تناقضات يحملها هذا الكتاب المزعوم مع حقائق تاريخية مقررة مما يؤكد زيف الكتاب.

стр. 55

المحاكمة العقلية للمتون: في أثناء مراجعته لبعض المتون والأقوال يقوم ابن كثير بمحاكمة عقلية لبعض النصوص، التي يرد في متونها ألفاظ وعبارات لا تدخل في دائرة التصور. وتأتي مراجعته تلك في ضوء ما اكتسبه من علوم وفي ضوء مسلمات عقلية يؤكدها الحس والمشاهدة وهنا لا بدَّ من التنبيه

стр. 56

على أن ما ثبت في الحديث من معجزات ونحوها لا تدخل أساساً تحت طائلة المراجعة والنظر، كما أن العقل الخالي من علوم الشرع ليس بوسعه النظر في المتون من هذه الزاوية. وضع ابن كثير عدداً من المتون تحت دائرة المراجعة العقلية، والتساؤل الذي يفضي إلى الرد والاستبعاد، ففي فصل "ذكر أول من أسلم ثم ذكر متقدمي الإسلام من الصحابة"يقول عن الحديث المنسوب إلى علي ﵁: "أنا الصديق الأكبر صليت قبل الناس بسبع سنين"؟. الحديث منكر بكل حال، ولا يقوله علي ﵁ وكيف يمكن أن يصلي قبل الناس بسبع سنين هذا الأمر لا يتصور أصلاً (١) . ويقول ابن كثير تعليقاً على رواية أبي داود الطيالسي في حفر الخندق "كان الناس يحملون لبنة لبنة" حمل اللبن في حفر الخندق لا معنى له، والظاهر أنه اشتبه على الناقل" (٢) . ويراجع قول من قال: إن تأخير الصلاة يوم الخندق وقع نسياناً، فيذكر: "أنه يبعد أن يقع هذا (النسيان) من جمع كبير، مع شدة حرصهم على المحافظة على الصلاة، كيف وقد روي أنهم تركوا يومئذٍ الظهر والعصر والمغرب حتى صلوا الجميع في وقت العشاء" (٣) .

стр. 57

وحيث إن مجموعة من المصنفين في الخصائص والمعجزات انساقوا وراء الأحاديث غير الصحيحة والموضوعة، فثمة أحاديث وروايات نشط قلم ابن كثير في تفنيدها سنداً ومتناً، وكان من وسائله النقدية المناقشة العقلية وإثارة التساؤل حول الرواية وهذا ينطبق على رواية رد الشمس بعد مغيبها لعلي بن أبي طالب ﵁ بدعوة النبي ﷺ ، حيث تطرق إليها في باب (دلائل النبوة الحسية) . وبعد ما ذكر ابن كثير أن الحديث ضعيف ومنكر من جميع طرقه، قال: "ومثل هذا الحديث لا يقبل فيه خبر واحد إذا اتصل سنده؛ لأنه من باب ما تتوافر الدواعي على نقله فلا بد من نقله بالتواتر والاستفاضة لا أقل من ذلك، ونحن لا ننكر هذا في قدرة الله تعالى" (١) . ومما أورده ابن كثير التساؤل التالي إزاء متن الرواية المتضمن أن الموجب لرد الشمس هو فوات صلاة العصر على علي ﵁: "أيجوز أن ترد الشمس لأبي الحسن حين فاتته صلاة العصر ولا ترد لرسول الله ﷺ ولجميع المهاجرين والأنصار وعلي فيهم حين فاتتهم صلاة الظهر والعصر والمغرب يوم الخندق؟ وأيضاً مرة أخرى حين عرس رسول الله ﷺ والمهاجرون والأنصار حين قفل من غزوة خيبر، فذكر نومهم عن صلاة

стр. 58

الصبح وصلاتهم لها بعد طلوع الشمس فلم يرد الليل على رسول الله ﷺ وعلى أصحابه ﵃ (١) . وفي باب ما أخبر به ﷺ من الكائنات المستقبلة في حياته وبعدها فوقعت طِبق ما أخبر سواءً بسواء. يقف ابن كثير: مراجعاً للرواية الواردة عند أبي داود الطيالسي ومما جاء فيها. رؤية النبي ﷺ لبني أمية يخطبون على منبره فساءه ذلك، فنزلت: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ [الكوثر] ، ونزلت: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ، سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر] ، وفي الرواية حمل المقصود بألف شهر على مدة ملك بني أمية قال القاسم (٢) : فحسبنا ذلك فإذا هو ألف شهر لا يزيد يوماً ولا ينقص (٣) . وهو حديثٌ منكر كما صرح بذلك الحافظ المزي وفي معرض نقده لمتن الرواية وضح ابن كثير أن مجموع سنوات الدولة الأموية لا يطابق

стр. 59

ألفاً كما يزعم القاسم بن الفضل، وأشار إلى أنه يلزم مما ذكره أن تكون دولة عمر بن عبد العزيز مذمومة وهذا لا يقوله أحد من أئمة الإسلام فإنهم مُصَرِّحون بأنه أحد الخلفاء الراشدين، ونبه ابن كثير على أن تفضيل ليلة القدر ـ وهي ليلة عظيمة ـ على دولتهم لا يلزم منه ذم تلك الدولة، فليتأمل هذا، فإنه دقيق يدل على أن الحديث في صحته نظر؛ لأنه إنما سيق لذمِّ أيامهم (١) . ويراجع ابن كثير بعض مقررات العلماء واجتهاداتهم قبله من كتاب السيرة مدخلاً إياها دائرة المناقشة العقلية. ومن ذلك: تعقيبه على السهيلي (ت:٥٨١هـ) ذلك أنه بعد إيراده حديث: (أحد جبل يحبنا ونحبه وهو على باب من أبواب الجنة، عير يبغضنا ونبغضه وهو على باب من أبواب النار) . قال السهيلي مقوياً لهذا الحديث وقد ثبت أنه ﵊ قال: (المرء مع من أحب) قال ابن كثير في (غزوة أحد) : هذا من غريب

стр. 60

صنع السهيلي فإن هذا الحديث إنما يراد به الناس ولا يسمى الجبل امرأً (١) . ويرد على بعض أقوال كتاب السيرة قبله مما بنوه على اجتهادهم كالبيهقي عندما يقول: "هذه الرواية تدل على أن قبورهم ـ الرسول ﷺ وصاحبيه ﵄ مسطحة؛ لأن الحصباء لا تثبت إلا على المسطح". يعقب ابن كثير: هذا عجيب من البيهقي ﵀ فإنه ليس في الرواية ذكر الحصباء بالكلية وبتقدير ذلك فيمكن أن يكون مسطحاً وعليه الحصباء مغروزة بالطين ونحوه (٢) .

стр. 61

أقوال شيوخه: مر بنا القول بِأن ابن كثير ينتمي إلى مدرسة شامية عنيت بعلوم الحديث والسنة وجعل نقد الرواية في مقدمة أولوياتها، ولذلك لا غرابة أن يعول ابن كثير على آراء شيوخه من أعلام هذه المدرسة في نقد بعض الروايات، خاصة العلماء الثلاثة: ابن تيمية والمزي والذهبي. فقد أورد ابن كثير رأي ابن تيمية فيما ورد عند أبي داود وغيره أن من كُتَّاب النبي ﷺ كاتباً اسمه (السجل) وهو رأي يذهب إلى أن الخبر

стр. 62

موضوع وإن كان في سنن أبي داود، وقد عرض ابن كثير هذا الرأي على شيخه المزي فقال: وأنا أقوله (١) . قال ابن القيم: سمعت شيخنا أبا العباس بن تيمية، يقول: هذا الحديث موضوع ولا يعرف لرسول الله ﷺ كاتب اسمه السجل قط، وليس في الصحابة من اسمه السجل، وكُتَّاب النبي ﷺ معروفون، لم يكن فيهم من اسمه السجل (٢) . وأورد ابن كثير رأي شيخه المزي فيما أورده القاضي عياض في كتابه (الشفا) حيث ذكر أنه كان للنبي ﷺ حمار يسمى (زياد بن شهاب وأن رسول الله ﷺ كان يبعثه ليطلب بعض الصحابة) حيث أنكر المزي ذلك إنكاراً شديداً (٣) ، كما عرض عليه ما أورده السهيلي من حكاية الحمار الذي كلم النبي ﷺ وأنه من نسل سبعين حماراً كل منها ركبه نبي. فقال الشيخ المزي ﵀: "ليس له أصل وهو ضحكة" (٤) . وبعد أن يناقش رواية رد الشمس يذكر أن ممن صرح بوضعه شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي والعلامة أبا العباس ابن تيمية (٥) ، وفي موضع

стр. 63

آخر يقول: "صرح بوضعه شيخاي الحافظان الكبيران أبو الحجاج المزي وأبو عبد الله الذهبي) (١) .

стр. 64

ما أهمل ابن كثير نقده من متون: بذل ابن كثير جهداً ملحوظاً في جمع مرويات السيرة من مصادر شتى، كما بذل جهداً مماثلاً في أسانيدها ومتونها، كما مر بنا، ومع ذلك لا بد من القول بأنَّ هناك روايات ساقها ابن كثير دون مراجعة ونظر، لم ينقد متونها، ولم يوضح لنا رأيه فيها. مع أنه ينبه أحياناً على عيوب الإسناد وأحوال رجاله. والمتأمل في المرويات التي يسوقها ابن كثير يلمس حاجتها إلى وقفات نقدية استناداً إلى حقائق تاريخية وعقلية وأسلوبية. ومن ذلك ظاهرة الأشعار التي يرويها ابن إسحاق في السيرة في مرحلة ما قبل المبعث وفي مرحلة الدعوة بمكة وأبرزها قصيدة أبي طالب اللامية وقد أورد منها ما يزيد على (٩٠) بيتاً وقال عنها: هذه قصيدة عظيمة بليغة جداً لا يستطيع أن يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع وأبلغ في تأدية المعنى منها جميعاً (٢) ، والذي نفهمه من هذا الكلام أن ابن كثير يؤيد نسبتها إلى أبي طالب، ولكنه لم يذكر قرائن أسلوبية أو لغوية جلية تؤيد نسبتها إلى عصر السيرة المكية، ولم

стр. 65

يورد طرقاً أخرى للقصيدة مع أن الأموي أوردها في مغازيه مطولة لكن هل رواها عن ابن إسحاق أو عن غيره (١) ؟ وهناك أشعار يرويها ابن إسحاق عن عبد المطلب (٢) وورقة بن نوفل (٣) وأمية بن أبي الصلت (٤) ، وهي في أمس الحاجة إلى قراءة نقدية من جانب ابن كثير، ومعلوم أن ظاهرة الأشعار في السيرة من الظواهر التي استأثرت باهتمام قدماء النقاد اللغويين كابن سلام الجمحي (ت:٢١٣هـ) ، الذي يذكر أن ابن إسحاق هجن الشعر وأفسده وحمله كلَّ غثاء، وكان من علماء الناس بالسير فنقل الناس عنه الأشعار وكان يعتذر منها ويقول: لا علم لي بالشعر، إنما أوتى به فأحمله، وانتقد بشكل خاص الشعر القديم المحمول عن عاد وثمود وأشعار الرجال الذين لم يقولوا شعراً قط. وفي موضع آخر يذكر أن قصيدة أبي طالب اللامية زيد فيها وطولت (٥) ، ويقول ابن هشام مهذب سيرة ابن إسحاق.. بعدما أورد القصيدة اللامية لأبي طالب: هذا ما صح لي من القصيدة، وبعض أهل

стр. 66

العلم ينكر أكثرها (١) ، وكأَنَّ ابن سلام وابن هشام قد فتحا بذلك باب النقاش حول تلك القصيدة الطويلة وهو نقاش كان الأولى بكتاب السيرة المتأخرين كابن كثير الإسهام فيه. ويلحظ أن بعض الأشعار التي يوردها ابن كثير تتناقض مع وقائع تاريخية كالشعر المنسوب إلى العباس بن مرداس السلمي ﵁ في باب هواتف الجان، حيث ينقل ابن كثير عن أبي نعيم خبر العباس وصنمه ضمار، حيث يذكر أنه سمع هاتفاً من جوف الصنم ثم سمع هاتفاً وهو في إبله بطرف العقيق، وذلك بعد رجوع الناس من الأحزاب، وفي القصيدة: ووجهت وجهي نحو مكة قاصداً ... أبايع نبي الأكرمين المباركا (٢) فكيف يذهب العباس بن مرداس إلى مكة ليبايع النبي ﷺ بعد الأحزاب كما جاء في هذا الخبر المزعوم المتناقض؟ وثمة ظاهرة أخرى في كتب السيرة تأصَّلت قبل ابن كثير وأصبحت أساسية في كتب السيرة والدلائل وهي هواتف الجان المبشرة برسول الله ﷺ وقد ألف فيها محمد بن جعفر الخرائطي (ت:٣٢٧هـ) ، وابن أبي الدنيا (ت:٢٨١هـ) (٣) وقد ورد عند ابن كثير أخبار أسطورية في هذا الباب، كرواية الخرائطي عن شيخه عبد الله بن محمد البلوي في قصة جارية دوس وغلامها اللَّذَيْنِ أخبرا بخروج خير الأنبياء ومنع خبر السماء، وخبر

стр. 67

ثلاثة نفر من قريش مع صنم لهم (١) ، هي أخبار أسطورية يرويها وضاعون أمثال عبد الله البلوي وعمارة بن زيد (٢) ، وخبر تنبؤ الكاهن سطيح لأربعة من قريش منهم هاشم بن عبد مناف بما يكون بعدهم وقد تنبأ بخروج فتى يدعو إلى الرشد ومن يلي بعده من الخلفاء (٣) ، في عبارات مسجوعة متكلفة يظهر فيها أثر الوضع وعنصر الخيال، وأسلوب الأسطورة والحكاية الخرافية. والحق أن ابن كثير نبه على ما يلابس بعض الروايات من ضعف أو وضع ونكارة لكن يبدو أن الولع بالغريب، واحتذاء الآخرين ومضامين بعض الأخبار المحتوية على فتن وملاحم قادمة، وطبيعة الاتجاه الجمعي الذي من أبرز مظاهره حشد أكبر قدر من الروايات ولو جاء ذلك على حساب التجويد المنهجي وتطبيق المعايير المعتبرة في الصناعة الحديثية كل هذه عوامل جَرَّت ابن كثير إلى سياق بعض الأخبار الأسطورية وتضمينها كتابه، فهو يقول بعد ذكره لإحدى حكايات سطيح: "هذا أثر غريب كتبناه لغرابته وما تضمن من الملاحم" (٤) ، ويقول في خبر قدوم هامة بن هيم حفيد إبليس المزعوم وهو خبرٌ موضوع (٥) ، "حديث غريب

стр. 68

جداً بل منكر أو موضوع، لكن مخرجه عزيز أحببنا أن نورده كما أورده". (يعني البيهقي) (١) . ويقول عن حديث مخاطبة الحمار للنبي ﷺ أنكره غير واحد من أئمة الحفاظ الكبار ثم يسوق الحديث (٢) ، وهو خبر موضوع نبه على نكارته في موضوع سابق عند الحديث عن أفراس النبي ﷺ ومراكيبه (٣) . كذلك ساق ابن كثير روايات هي بأمس الحاجة إلى نقد متونها، ففي موضوع المولد يورد ما رواه ابن إسحاق عن المرأة التي تعرضت لعبد الله والد النبي ﷺ . كذلك يأتي برواية مشابهة عن تعرض امرأة أخرى من خثعم لعبد الله والد النبي ﷺ (٤) ، وهي حكايات نسجها وضاعون ثم إنها منكرة سنداً ومتناً ومن يقرأ رواياتها المختلفة يدرك مدى الاختلاف والاضطراب في سوقها، ومثل ذلك الاضطراب والاختلاف ينبغي أن يطرح من دراسات السيرة الجادة (٥) . وفي المولد النبوي ذاته أورد ابن كثير (حديثاً غريباً مطولاً) ومما جاء فيه: أنه لما حمل برسول الله ﷺ ، نطقت كل دابة كانت لقريش تلك الليلة: قد حمل برسول الله ورب الكعبة، ومما جاء فيه أن الله فتح لمولده

стр. 69

أبواب السماء وجناته في حديث طويل (١) ، أورده ابن كثير على ما فيه في نهاية سيرته معللاً ذلك بقوله: "ليكون الختام نظير الافتتاح" فهل جاء اختفاء المقاييس النقدية لصالح اعتبارات تتعلق بمسألة التناسب بين الفصول والأبواب والرغبة في التماثل بين الافتتاح والختام؟ وثمة أخبار أخرى كان مطلوباً تفعيل قواعد النقد الحديثي إزاءها وتجاوز صناعة النقل والجمع لتكون سيرة ابن كثير معبرة عن قواعد المنهج النقدي المشار إليه على نحو دقيق. إن تلك الأخبار يدفع بها الرواة والنقلة بغيرة شد انتباه العامة بهذه الموارد القصصية الأسطورية وهو اتجاه فاسد، يؤدي إلى إفراغ السيرة النبوية من دلالاتها، وقد نبه غير واحد من أئمة المسلمين على خطورة تلك الموضوعات.. يذكر البيهقي أن الاعتماد على الآثار الصحيحة، وتمييز الصحيح من غيره مما يقطع الطريق على أهل البدع أن يجدوا مغمزاً فيما يعتمد عليه أهل السنة (٢) ، كما مر بنا تساؤل الذهبي عندما يقول: فلماذا يا قوم نتشبع بالموضوعات فيتطرق إلينا مقال ذوي الغل والحسد ولكن من لا يعلم معذور؟ كما يذكر أن النبي ﷺ غني بمدحه التنزيل والأحاديث المتواترة والآحاد النظيفة (٣) .

стр. 70

وابن كثير نفسه يذكر أن هناك أخباراً في موضوع وفاة النبي ﷺ ، فيها نكارة وغربة شديدة ولا سيما ما يورده القصاص المتأخرون وغيرهم فكثير منها موضوع لا محالة وفي الأحاديث الصحيحة والحسنة المروية في الكتب المشهورة غنية عن الأكاذيب وما لا يعرف سنده (١) .

стр. 71

الخاتمة: تناول البحث مراجعات ابن كثير ونقده لمتون مرويات السيرة النبوية من خلال استقراء ودراسة سيرته المضمنة في كتاب "البداية والنهاية". وقد اتضح لنا أنّ ابن كثير راجع متوناً كثيرة في مجال السيرة النبوية آخذاً بعين الاعتبار الخطوات التي كان العلماء يقومون بها وهم ينقدون النصوص والمرويات، ومما برز عند ابن كثير من معايير في باب نقد المتن استدعاء تاريخ التشريعات وزمن نزول الأحكام والمحاكمة العقلية للمتون. ومع أن البحث أبرز حقيقة وجود جهد لابن كثير في نقد المتون، إلا أنه ساق بعض الأخبار والروايات التي تساهل المؤلفون قبله في إيرادها ونقلها دون أن ينقد متنها وأن يراجع معطياتها.

стр. 72

مصادر ومراجع ... المصادر والمراجع ـ ابن قيم الجوزية، حياته وآثاره: بكر أبو زيد، الرياض، مكتبة المعارف، ط٢، ١٤٠٥هـ. ـ ابن كثير ومنهجه في التفسير، إسماعيل عبد العال، القاهرة، مكتبة الملك فيصل الإسلامية، ط٤، ١٩٨٤م. ـ أصول منهج النقد عند أهل الحديث: عصام البشير، بيروت، مؤسسة الريان، ط٢، ١٤١٢. ـ أعيان العصر وأعوان النصر للصفدي، تحقيق علي أبو زيد، دمشق، دار الفكر، ط١، ١٤١٨هـ. ـ الإمام ابن كثير، سيرته ومؤلفاته ومنهجه في كتابة التاريخ: مسعود الندوي، دمشق، دار ابن كثير، ط١، ١٤٠٤هـ. ـ البداية والنهاية: لابن كثير، تحقيق عبد الله بن عبد المحسن التركي بالتعاون مع مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر، القاهرة، دار هجر، ط١، ١٤١٧هـ. ـ الجامع الصحيح: للإمام مسلم، إستانبول، تركيا، نشر المكتبة الإسلامية (د. ت) . ـ الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: لابن حجر، تحقيق محمد سيد جاد الحق، القاهرة، دار الكتب الحديثة (د. ت) .

стр. 73

ـ الذهبي ومنهجه في كتابة تاريخ الإسلام: بشار عواد معروف، القاهرة، مطبعة عيسى البابي الحلبي، ط١. ـ الذيل على طبقات الحنابلة: لابن رجب الحنبلي، بيروت، دار المعرفة. ـ السيرة النبوية الصحيحة: أكرم ضياء العمري، المدينة المنورة، مكتبة العلوم والحكم، ١٤٢٠هـ. ـ السيرة النبوية: لابن كثير، تحقيق: مصطفى عبد الواحد، بيروت، دار المعرفة ١٣٩٦هـ. ـ الفصول في سيرة الرسول ﷺ : لابن كثير، تحقيق محمد عيد الخطراوي ومحيي الدين مستو، دمشق، دار الكلم الطيب، ط٩، ١٤٢٠هـ. ـ القاموس المحيط: للفيروزابادي، بيروت، مؤسسة الرسالة، ط٢، ١٤٠٧هـ. ـ الكفاية في علم الرواية: لأبي بكر أحمد بن علي، بيروت، دار الكتاب العربي، ١٤٠٥هـ. ـ المستدرك على الصحيحين: للحاكم، بيروت دار المعرفة (د. ت) . ـ المعالم الأثيرة في السنة والسيرة: محمد حسن شراب، بيروت، الدار الشامية، ١٤١١هـ. ـ المغازي من تاريخ الإسلام للذهبي، تحقيق: محمد محمود حمدان، القاهرة، دار الكتاب العربي، ط١، ١٤٠٥هـ.

стр. 74

ـ الموضوعات لابن الجوزي: تحقيق توفيق حمدان، بيروت، ١٤١٥هـ. ـ تاريخ الإسلام، السيرة النبوية: تحقيق عمر تدمري، بيروت، دار الكتاب، ط١، ١٤٠٧هـ. ـ تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي للسيوطي، تحقيق: عزت علي عطية وموسى محمد علي، القاهرة، دار الكتب الحديثة (د. ت) . ـ جهود المحدثين في نقد متن الحديث النبوي الشريف: محمد طاهر الجوابي، نشر مؤسسات عبد الكريم، تونس. ـ دراسات في منهج النقد عند المحدِّثين: محمد علي العمري، الأردن، دار النفائس، ١٤٢٠هـ. ـ دلائل النبوة ومعرفة أحوال صاحب الشريعة للبيهقي: تحقيق: عبد المعطي قلعجي، بيروت، ١٤٠٥هـ. ـ دلائل النبوة: لأبي نعيم، تحقيق محمد رواس قلعجي وعبد البر عباس، بيروت، دار النفائس، ط٢، ١٤٠٦هـ. ـ زاد المعاد في هدي خير العباد لابن القيم: تحقيق: شعيب وعبد القادر الأرناؤوط، بيروت، ط١، مؤسسة الرسالة، ١٣٩٩هـ. ـ سير أعلام النبلاء: (أجزاء مختلفة) منها ج١: تحقيق: شعيب الأرناؤوط، بيروت، ١٤١٤هـ، ج٨ تحقيق شعيب الأرناؤوط ونذير حمدان، بيروت، ١٤١٧هـ. ـ سيرة النبي ﷺ : لابن هشام، تحقيق: محيي الدين عبد الحميد، القاهرة،

стр. 75

دار الفكر ١٣٥٦هـ. ـ صحيح البخاري: للإمام البخاري، تركيا، المكتبة الإسلامية، (د. ت) . ـ صحيح السيرة النبوية: إبراهيم العلي، عمان، دار النفائس، ط٢، ١٤١٦هـ. ـ طبقات الشافعية الكبرى للسبكي، تحقيق: عبد الفتاح الحلو ومحمود الطناحي، القاهرة، ١٣٨٥هـ. ـ طبقات الشافعية لابن شهبة، بيروت، مؤسسة الرسالة، ١٤٠٨هـ. ـ طبقات الشعراء: لابن سلام، الناشر جوزيف هل بيروت، دار الكتب العلمية، ط٢، ١٤٠٨هـ. ـ طبقات المفسرين: للداودي، بيروت، دار الكتب العلمية، ط١، ١٤٠٣هـ. ـ عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير: لابن سيد الناس، ط٢، بيروت، دار الجيل، ١٩٧٤م. ـ فتح الباري بشرح صحيح البخاري: لابن حجر، بيروت، دار الفكر، (د. ت) . ـ مصادر السيرة النبوية وتقويمها: فاروق حمادة، الدار البيضاء، دار الثقافة، ١٤٠٠هـ. ـ معجم ما ألف عن رسول الله ﷺ : صلاح الدين المنجد، بيروت، دار
следующие страницы →