← Сира

Сира · id 12103

منهجية التأليف في السيرة عند ابن كثير

عبد الرحمن السنيدي

Полный текст (76 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

مقدمة: جاء ابن كثير في عصر نشط فيه التأليف في كل فن من فنون الدراسات الدينية والعربية، ومن الطَّبَعي أن يكون التأليف في ميدان السيرة النبوية مواكباً لهذا النشاط الذي استقى موارده ونصوصه من الثروة الضخمة من الكتب والآراء والروايات التي سجلها العلماء والمحدثون والحفاظ قبل ذلك العصر. لقد شهد القرن الثامن الهجري في مصر والشام المملوكيتين، ظهور عدة مؤلفين في مجال السيرة النبوية، أخرجوا مؤلفاتهم في هذا الفن على نحوٍ مفرد أو ضمن مؤلف موسوعي كبير. ومن هؤلاء المؤلفين "عبد المؤمن بن خلف الدمياطي" (ت:٧٠٥هـ) وله كتاب: "المختصر في سيرة سيد البشر"، وكتاب "أسماء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم" (١) ، وشيخ ابن كثير كمال الدين بن الزملكاني (ت:٦٢٧هـ) .

стр. 2

وله كتاب في مولد النبي ﷺ ، أشار إليه ابن كثير، وذكر أنه تضمن شيئاً في فضائل النبي ﷺ وأنه عقد فصلاً في هذا الباب فأورد فيه أشياء حسنة، ونبَّه على فوائد مهمة، وترك أشياء أُخر حسنة (١) . ومن المؤلفين كذلك، ابن سيد الناس: محمد بن محمد بن سيد الناس الأندلسي الإشبيلي، ولد بالقاهرة سنة (٦٧١هـ) ، وتفقه على مذهب الشافعي، من شيوخه، والده، وابن دقيق العيد (ت:٧٠٢هـ) (٢) والحافظ المزي، وشيخ الإسلام ابن تيمية (٣) . ألَّف في السيرة "عيون الأثر في فنون المغازي والسير". ومن ميزات هذا الكتاب تلك الدراسة النقدية التي جاءت في مقدمة الكتاب عن أبرز من ألَّف في السير والمغازي من الرواة الإخباريين، وهما: ابن إسحاق والواقدي (٤) ، إضافة إلى شرحه للغريب من الألفاظ وذكره للفوائد والتعليق على بعض المتون (٥) .

стр. 3

ومن المؤلفين الشاميين قطب الدين عبد الكريم بن عبد النور الحلبي (ت:٧٣٥هـ) وله "المورد العذب الهني في الكلام على سيرة عبد الغني" (١) . ومحمد بن أحمد بن عبد الهادي (ت:٧٤٤هـ) وهو من تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيمية، والمزي، والذهبي، وقد ألف في السيرة جزءاً في مولد النبي ﷺ ، وجزءاً في المعجزات والكرامات (٢) . ليس مهماً رصد ما ألف في السيرة في عصر ابن كثير بقدر ما يهمنا معرفة مدى التنوع والجدة في العرض ومقدرة أولئك المؤلفين على تنقية الروايات وتمحيصها وتجاوز صناعة الجمع والاقتباس إلى النقد والتقويم. لقد شهدت بلاد الشام ظهور مدرسة اجتهادية تأسست على علوم الحديث والسنة وعلى صحيح المنقول وصريح المعقول، مثَّلها الإمام المجتهد ابن تيمية (ت:٧٢٨هـ) وتلاميذه وأبرزهم الذهبي وابن القيم وابن كثير. إضافة إلى الإمام الحافظ المزي (ت:٧٤٢هـ) وغيرهم من الأئمة المجتهدين، وقد جمع رموز هذه المدرسة بين التمسك بالنصوص والعقلية النقدية.

стр. 4

ومن مصنفات الذهبي وابن القيم، وكذلك ابن كثير تتجلى تأثيرات هذه المدرسة حيث يلمس الدارس العناية بتنقية الأخبار وتمحيصها ونقد متونها، فالذهبي: أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان (ت:٧٤٨هـ) ، يُعدُّ من أبرز علماء عصره الذين ألفوا في تاريخ الإسلام على نحوٍ عام، وقد جاء ما دونه في السيرة النبوية مضمناً في كتابه الشامل "تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام" موزعة على جزأين: الأول "المغازي"، والثاني "السيرة النبوية"، وهو الترجمة النبوية، وقد قدَّم المغازي؛ لأنَّ من منهجيته تقديم الحوادث التي أسهم فيها صاحب الترجمة على الترجمة ذاتها (١) ، وينبه الذهبي على ما ينتاب بعض الأسانيد من ضعف ونكارة، كقوله بعد إيراده رواية البراء في خبر سواد بن قارب، هذا حديث منكر بالمرة، ومحمد بن تراس وزياد مجهولان لا تقبل روايتهما وأخاف أن يكون موضوعاً على أبي بكر بن عياش، ولكن أصل الحديث مشهور (٢) . ومن نقده الموجه للمتن: نقده لرواية عبد الرحمن بن غزوان (٣) بسنده إلى أبي موسى الأشعري في سفر النبي ﷺ إلى الشام بصحبة أبي طالب،

стр. 5

وأشياخ من قريش ولقائه بحيرى الراهب (١) ، وهو نقد مشهور، استند إلى معايير تاريخية وعقلية وحلل الخبر تحليلاً علمياً من جميع جوانبه في أحداثه وألفاظه ودلالاته، واستخدم عقله والأدلة التاريخية ليثبت بطلانه (٢) ، وهي خطوات تنبئ عن تمكن الذهبي العلمي ورسوخ قدمه في ميدان نقد متون الروايات. وفي كتبه الأخرى ناقش الذهبي العديد من الروايات في ميدان السيرة النبوية، ففي ميزان الاعتدال، ردَّ رواية عمر بن حَكَّام عن شعبة بسنده إلى أبي سعيد الخدري وفيها أن ملك الروم أهدى إلى رسول الله ﷺ هدايا فكان فيها جرة زنجبيل. قال الذهبي: هذا منكر من وجوه: أحدها: أنه لا يعرف أن ملك الروم أهدى شيئاً إلى رسول الله ﷺ . ثانيها: أن هدية الزنجبيل من الروم إلى الحجاز شيء ينكره العقل فهو نظير هدية التمر من الروم إلى المدينة النبوية (٣) . ورد قول من قال: إن سلمان الفارسي صاحب رسول الله ﷺ عُمِّر ثلاثمائة سنة، يقول معقباً على هذا القول: "ومجموع أمره وأحواله وغزوه وهمته وتصرفه وغرسه للجريد وأشياء مما تقدم تبيِّن بأنه ليس بمعمر ولا

стр. 6

هرم فقد فارق وطنه وهو حَدَث ولعله قدم الحجاز وله أربعون سنة أو أقل. فلعله عاش بضعاً وسبعين وما أراه بلغ المائة" (١) . وقد نظر الذهبي إلى الموضوعات على أنها عبء كبير على السيرة، وأخذ على القاضي عياض (ت:٥٤٤هـ) مؤلف كتاب "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" ما في كتابه من أحاديث مفتعلة واهية، حيث قال عنه: "حشاه بالأحاديث المفتعلة، عمل لا نقد له في الحديث ولا ذوق، والله يثيبه على حسن قصده، وينفع بشفائه، وقد فعل، وكذا فيه من التأويلات البعيدة ألوان، ونبينا ﷺ غني بمدحه التنزيل عن الأحاديث، وبما تواتر من الأخبار عن الآحاد، وبالآحاد النظيفة الأسانيد عن الواهيات، فلماذا يا قوم التشبع بالموضوعات فيتطرَّق إلينا مقال ذوي الغل والحسد ولكن من لا يعلم معذور" (٢) . ويرى الذهبي أن الموضوعات والأخبار الواهية لا يلتفت إليها بل تروى للتحذير منها: "فمن دلَّسها أو غطى تبيانها فهو جانٍ على السُنَّة خائن لله ورسوله، فإن كان يجهل ذلك، فقد يعذر بالجهل ولكن سلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" (٣) . وقد عاصر ابن كثير كذلك، ابن القيم: محمد بن أبي بكر بن أيوب الزرعي (٦٩١-٧٥١هـ) .

стр. 7

ويعد ابن كثير من أقرانه وأصحابه، يقول عنه: "كنت من أصحب الناس له وأحب الناس إليه" (١) ، وهذا القول يبين أن الشيخين إنما كانا صاحبين يلازمان أمثال ابن تيمية والمزي، لكن بعض المعاصرين يرى أن ابن كثير من تلاميذ ابن القيم (٢) ، وعلى كلٍ فثمة عناصر جمعت بين الرجلين، ثقافة ومنهجاً، بالإضافة إلى التلمذة، على شيخ الإسلام ابن تيمية وقد كان الشيخان ضمن بعثة العلماء إلى الحج سنة ٧٣١هـ (٣) . ألف ابن القيم في السيرة كتابه المتميز "زاد المعاد في هدي خير العباد" ويعدُّ موسوعة جمعت بين علوم شتى من السيرة والفقه والتوحيد واللطائف في التفسير والحديث والفقه وغير ذلك. ويرى بعض الباحثين أنه أول كتاب في فقه السيرة، تميز هذا الكتاب بالموضوعات التي طرقها والآفاق التي نقل قارئه إليها من خلال كتابه، والجوانب الجديدة التي تناولها (٤) ، وقد تميز كذلك بنقده لمتون كثيرة يرويها كُتَّابُ السيرة ورواتها. فمن ذلك رواية يونس بن بكير عن سلمة بن عبد يسوع، أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ

стр. 8

وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل:٣٠] يعني النمل، باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب. قال ابن القيم: ذلك غلط على غلط فإن هذه السورة مكية باتفاق وكتابه إلى نجران بعد مرجعه من تبوك (١) . ورَدَّ رواية الترمذي أن رسول الله ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعبد الله ابن رواحة بين يديه ينشد (خلوا بني الكفار عن سبيله.. الأبيات..) . قال ابن القيم: هذا وهم، فإن ابن رواحة قتل في هذه الغزوة (مؤتة) وهي قبل الفتح بأربعة أشهر (٢) . ويرد ابن القيم على رواية عرض أبي سفيان على رسول الله ﷺ الزواج من ابنته أم حبيبة ﵂ قائلاً: "إن أهل التاريخ أجمعوا على أن رسول الله ﷺ تزوج أم حبيبة قبل إسلام والدها بزمن طويل"، ويرد على من ذهب إلى أن النبي ﷺ تزوج أم حبيبة بعد الفتح، فيقول: "هذا باطل عند من له أدنى علم بالسيرة وتواريخ ما قد كان" (٣) . وثمة روايات أخرى حاكمها ابن القيم محاكمة نقدية كاشفاً ما فيها من تناقضات وأوهام كرواية البيهقي التي أسندها إلى محمد بن إسحاق، وفيها أن رسول الله ﷺ أبلغ حذيفة بالمنافقين الذين حاولوا المكر بالنبي

стр. 9

صلى الله عليه وسلم وهو عائد من تبوك، وفي الخبر قال: ادع عبد الله بن أبي وسعد أبي السرح، والروايات التي ذهبت إلى القول بأنَّ سَرِيَّة الخبط وأميرها أبو عبيدة بن الجراح إنما وقعت في رجب سنة ثمان للهجرة (١) .

стр. 10

تمهيد: الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، أما بعد: فقد مر جمع السيرة النبوية وتدوينها بمراحل، في كل مرحلة برز مجموعة من الرواة والكتاب والمصنفين الذين تصدوا للتأليف في هذا الفن ذي الصلة بذات المصطفى ﷺ وتاريخ حياته. لقد كانت السيرة النبوية محط أنظار المسلمين في القرن الأول، وجاء تدوين أخبارها بصورة أولية على يد مجموعة من علماء التابعين، كعروة ابن الزبير (ت:٩٤هـ) والزهري (ت:١٢٤هـ) ثم جاء ابن إسحاق (ت:١٥١هـ) ليُخْرِج عملاً تاريخياً يشمل السِّيَرْ والمغازي، ويعني ذلك فترة الرسالة بأكملها. وجاء من بعد ابن إسحاق من عني بالمغازي كالواقدي (ت:٢٠٧هـ) . وشهدت المراحل التي تلت التدوين الأَوَّلي وعَمَلَي ابن إسحاق والواقدي تنوعاً في مجالات التأليف في السيرة واتجاهاً نحو الكتابة في موضوعات جديدة في محيط السيرة أبرزها دلائل النبوة وأعلامها. ولعل من أبرز المصنفين في تلك الموضوعات الحافظ المشرقي أبا بكر البيهقي (٤٥٨هـ) صاحب كتاب "دلائل النبوة ومعرفة أحوال الشريعة" وهو

стр. 11

كتاب جامع لا يقتصر على الدلائل كما قد يوحي بذلك العنوان حيث شمل المبعث والمغازي واستوعب مراحل السيرة كافة. وإلى جانب البيهقي برز مجموعة من العلماء في القرنين الخامس والسادس تناولوا جوانب من السيرة بإفراد كأبي نعيم الأصبهاني والبغوي والتيمي الأصبهاني ثم ابن الجوزي، وفي الأندلس ظهرت مؤلفات لعدد من العلماء في السيرة النبوية بمراحلها التاريخية أو في جوانب منها كجوامع السيرة لابن حزم، والدرر لابن عبد البر، والشفا "وهو في الشمائل" للقاضي عياض (ت:٥٤٤هـ) . وإن قراءة سريعة لما أُلِّف عن السيرة النبوية في القرنين الخامس والسادس الهجريين عصر البيهقي والبغوي وابن الجوزي في المشرق والقاضي عياض وابن المقري الغرناطي في المغرب والأندلس، لتقودنا إلى مجموعة من الملحوظات منها: أن معظم مَنْ ألَّف فيها هم من كبار علماء عصرهم وممن عرفوا بجمع الآثار والسنن، كما نلحظ ذلك التنوع في مجالات التأليف في السيرة حيث نجد المؤلف الشامل إلى جانب المؤلف المتخصص في أحد الموضوعات، كما نجد المؤلف المختصر الموجز، إلى جانب المؤلف المتبسط، كما اتسم معظم تلك المؤلفات بالجمع بين مرويات أهل المغازي والسير وبين الروايات والأخبار المنتشرة في دواوين السنة وغيرها من المجامع والأجزاء الحديثية. وقد تلا أولئك العلماء الحُفَّاظ مجموعة من العلماء المحققين الموسوعيين في القرن الثامن الهجري، كالذهبي وابن القيم وابن كثير،

стр. 12

وقد تميزوا بقدرتهم العلمية القوية وعنايتهم بالحديث والأثر، وامتلاك الأدوات المنهجية والوعي النقدي مما هيأهم للقيام بجهد يتجاوز مجرد الجمع والتدوين إلى غربلة ما جمع من روايات وأخبار ومراجعتها وبناء فقه مستنبط من وقائع السيرة العطرة، وغير ذلك من سمات الإسهام النوعي المتميز في مجال كتابة السيرة النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة وأتمّ التسليم. ويلفت نظر الباحث في هذا الواقع الجهد الذي قام به ابن كثير في كتابه "السيرة النبوية"، حيث نرى عناية بجمع الروايات من مصادرها وعناية بالأسانيد ونقدها، واستيعاباً لجهد من سبقه من العلماء، هذا الجهد الجمعي اللافت للنظر في مراجعة ونقد متون المرويات التي يوردها في السيرة، هذا ما سوف تحاول هذه الدراسة الإجابة عنه. ومن الله نستمد العون والتوفيق.

стр. 13

ابن كثير والسيرة النبوية: ليس ابن كثير فقيهاً مغموراً خامل الذكر، ولا هو ذاك المؤرخ غير المشهور الذي تجهل مكانته ولا تعرف مؤلفاته، ولا هو ممن يحيط به طوق الإهمال والنسيان، فنحن أمام عالم موسوعي جمع بين العديد من العلوم والفنون وذاعت بعض كتبه خاصة التفسير وكتاب "البداية والنهاية" بين المسلمين قديماً وحديثاً. كما كتب عنه عدد من الباحثين (٢) ، مما يجعلنا نقتصدُ في الترجمة لهذا العلَم الموسوعي، والإمام المفسر المؤرخ.

стр. 14

ولد إسماعيل بن عمر بن كثير سنة سبعمائة أو بعدها بيسير، وقد عانى من اليتم منذ صغره حيث توفي والده سنة (٧٠٣هـ) ، نشأ بدمشق (١) ، وتتلمذ على يد مجموعة من علمائها من أبرزهم: ـ كمال الدين بن الزملكاني شيخ الشافعية بالشام (ت:٧٢٧هـ) (٢) . ـ إبراهيم بن عبد الرحمن الفزاري (ت:٧٢٩هـ) (٣) . ـ جمال الدين أبو الحجاج المزي (ت:٧٤٢هـ) (٤) . ـ ابن تيمية تقي الدين أحمد بن عبد الحليم (ت:٧٢٨هـ) (٥) . ورغم أن الغالب على الحياة العلمية والدراسات الدينية في بلاد الشام طابع التقليد ومحاكاة السابقين والعكوف على الشروح والمختصرات إلا أن تلك البلاد حظيت بوجود مدرسة حديثية جمعت بين الاتباع السلفي والعلم الراسخ والعقلية النقدية، مثلها شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام المزي العالم المحدث ثم الذهبي وابن القيم وابن كثير نفسه، فتكوَّن ﵀ في ظل هذه المدرسة التي أثرت في تكوينه العلمي واتجاهات البحث عنده.

стр. 15

لازم ابن كثير والد زوجته الحافظ المزي (١) صاحب ابن تيمية والمحدث المشهور. كما أخذ عن شيخه ابن تيمية وكانت له به خصوصية ومناضلة عنه واتباع له في كثير من آرائه (٢) ، وفي كتابه "البداية والنهاية" يبدو ابن كثير معجباً بشيخه مسجلاً لكثير من مواقفه السياسية في حرب المغول، وكذلك مواقفه في المسائل الدينية وخصوماته الحادة بين المخالفين (٣) ، ويذكر ابن قاضي شهبة (٨٥٤هـ) أن ابن كثير كان يفتي برأي ابن تيمية في مسائل الطلاق وامتحن بسبب ذلك وأوذي (٤) . يُعَدُّ ابن كثير من فقهاء المذهب الشافعي، وكذلك شيخاه المزي والذهبي بخلاف صاحبه ابن القيم (كما يصفه بذلك) (٥) . وقد التفوا حول علاَّمة السنة في وقته (ابن تيمية ٦٦١-٧٢٨هـ) مما أزعج المذهبيين المتمسكين بالمذهب على حساب السنة والأثر، يتجلى

стр. 16

ذلك في قول الشيخ عبد الوهاب السبكي (ت:٦٨٣هـ) صاحب طبقات الشافعية: إن المزي والذهبي وكثيراً من أتباعهم أضرَّ بهم ابن تيمية (١) . إن الخيط الذي جمع بين ابن تيمية وابن القيم الحنبليين والمزي والذهبي وابن كثير الشافعيين، ليس العامل الإقليمي، بل ارتباطهم بمدرسة الحديث والأثر التي ترى أن مصدر العقائد والأحكام هو الكتاب والسنة، وهذه المدرسة هي التي منحت الذهبي وابن كثير تلك المنزلة والمكانة بين المؤلفين في السيرة والتاريخ، فرأينا تميزاً نوعياً في التأليف ومعالجات نقدية للروايات والآراء. مارس ابن كثير التدريس في الجامع الأموي بدمشق وفي المدرسة النورية وفي عدة مساجد في دمشق وتولى مشيخة دار الحديث الأشرفية كما مارس الإفتاء والخطابة (٢) ، هذا إلى جانب النشاط التأليفي الذي يعدُّ الظاهرة الأهم في حياة ابن كثير، حيث ألف وجمع العديد من المصنفات التي يذكر بعض الباحثين أنها تربو على (٦٠) كتاباً (٣) . ومع كثرة مصنفاته إلا أن ما ناله من شهرة ومكانة إنما يرجع إلى كتابيه: "تفسير

стр. 17

القرآن العظيم" و"البداية والنهاية". وبعد حياة حافلة بالعطاء والإنتاج توفي ابن كثير في موطنه دمشق عام (٧٧٤هـ) (١) .

стр. 18

السيرة النبوية عند ابن كثير: تعد السيرة النبوية من الفنون الأساسية التي لا يستغني عن دراستها عالم أو فقيه، وفي نظر ابن كثير فإن الأيام النبوية مشتملة على علوم جمة، وفائدة مهمة، لا يستغني عنها عالم (١) . وما ذاك إلا لأن موضوع السيرة الجوهري هو تاريخ حياة النبي ﷺ ومعرفة مراحل دعوته وجهاده، وتعاليمه وهديه، ومعلوم أن الفقيه أو العالم يتعامل مع النصوص والأحكام التشريعية التي جاء بها محمد بن عبد الله ﷺ ، ومن مهامه ووظائفه، فهم الشريعة، وشرحها للناس، وإنزال الأحكام الشرعية على الوقائع المتجددة والمتغيرة، ومن الوسائل والأدوات المعينة على ذلك، فهم السيرة وواقعها التاريخي ومراحلها التي تزامنت مع نزول الأحكام والتشريعات. فإذن لا غرابة أن يؤلف ابن كثير في السيرة النبوية، السيرة المطولة في "البداية والنهاية" والسيرة الموجزة وهي كتاب "الفصول في سيرة الرسول ﷺ ". ومسألة أخرى حدت بابن كثير إلى الاهتمام بالسيرة والتوسع فيها وتقصي رواياتها في كتابه الضخم "البداية والنهاية" فالمؤلف يرى في

стр. 19

تاريخ السيرة واسطة عقد تاريخ الأمة المؤمنة التي يبدأ تاريخها منذ عهد آدم ﵇. يضم كتاب ابن كثير "البداية والنهاية" سيرة مطولة، تضم السيرة بسياقها التاريخي المعروف ثم الشمائل والدلائل والفضائل والخصائص. وقبل أن نبدأ في استعراض أهم عناصر هذه السيرة لا بد من الإشارة إلى أن "البداية والنهاية" هو عبارة عن موسوعة تاريخية شاملة تؤرخ لبدايات الخلق، ثم الأنبياء، ثم السيرة التي استغرقت نحواً من ستة أجزاء من الكتاب حسب طبعة مركز البحوث والدراسات العربية والإسلامية بدار هجر (١) ، التي تضم (٢١) جزءاً بما فيها جزء الفهارس والجزآن (١٩،٢٠) وقد خُصِّصَا "للفتن والملاحم وأشراط الساعة". وقد جاء الكتاب ثمرة عوامل أثرت في مكوناته واتجاهه الموسوعي وطابعه العام ومنهجه التاريخي والنقدي. ومن تلك العوامل:

стр. 20

ـ سعة اطلاع مؤلفه (ابن كثير) على كثير من المصادر، ومنها دواوين السنة وكتب السير والمغازي وكتب الدلائل وكتب التاريخ العام. ـ تأثر ابن كثير بمنهج مؤرخي الإسلام الذين كتبوا في التاريخ العام كابن جرير وابن الأثير وابن الجوزي. ـ انتماؤه إلى عصر ساد فيه النمط الموسوعي في التأليف. ـ إيمان ابن كثير بوحدة الأمة الإسلامية وإدراكه لأثر الرسالة المحمدية في الحركة التاريخية لهذه الأمة. ـ انتماء المؤلف إلى مدرسة الحديث والأثر، حيث يتضح أثر خلفية المؤلف في الحديث وعلومه في جانب من أقسام الكتاب ومنها السيرة النبوية وتاريخ الخلفاء الراشدين، وتراجم العلماء والأئمة وآرائه في الرجال والآراء والمذاهب. افتتح ابن كثير، قسم السيرة في البداية والنهاية بهذا العنوان: "كتاب سيرة الرسول ﷺ وذكر أيامه وغزواته وسراياه والوفود إليه، وشمائله وفضائله ودلائله الدالة عليه" (١) . فبدأ بالنسب النبوي، وقد سرد ابن كثير مروياته ومقتبساته من مصادره المختلفة وفق نظام عرض تاريخي متدرج فانتقل من المولد ومتعلقاته إلى المبعث الذي عنون له هكذا:

стр. 21

(كتاب مبعث رسول الله ﷺ وذكر شيء من البشارات بذلك) (١) ، ومما تناوله هنا أبواب بدء الوحي ومجادلة المشركين لرسول الله ﷺ (٢) ، وهجرة من هاجر من أصحاب النبي ﷺ إلى الحبشة (٣) ، كما تناول بدء إسلام الأنصار (٤) ثم الهجرة من مكة إلى المدينة (٥) ووقائع السنة الأولى الهجرية (٦) . وبعد ذلك انتقل إلى كتاب المغازي (٧) في الأجزاء (٥، ٦، ٧) وتلا ذلك كتاب الوفود (٨) ، ثم كتاب حجة الوداع (٩) ، وأخيراً تناول الآيات المنذرة بوفاة النبي ﷺ (١٠) ، واحتضاره ووفاته ﵊، وأعقب ذلك أبواباً في زوجات النبي ﷺ (١١) ، وخدامه وكتابه (١٢) ، وأبواباً في آثار النبي ﷺ وما اختص به من ثياب وسلاح (١٣) ، وهكذا سار ابن

стр. 22

كثير في ترتيبه للموضوعات التاريخية من السيرة إلى نمط من سبقه كابن إسحاق والواقدي والطبري وابن الأثير، واستفاد من البيهقي في تنظيم الأبواب (١) ، علاوة على استفادته من مواده ونصوصه. وفي الوقت الذي حافظ فيه على الوحدة الموضوعية لكل حادثة فإنه يُذَكِّر بالسنة التي تندرج فيها الأحداث التي يسوقها، وذلك في الأحداث التي وقعت بعد الهجرة (٢) . وبعد أن استعرض الموضوعات التاريخية والجوانب الأسرية في حياة النبي ﷺ تناول ابن كثير ما سماه بـ (متعلقات السيرة) وهي في مفهومه (الشمائل، والدلائل، والفضائل، والخصائص) (٣) ، ثم ساق رواياتها وأبوابها. وقد أشار في مفتتح كتاب الشمائل إلى أنَّ أهمَّ المصادر المصنفة في هذا الجانب، كتاب الشمائل للترمذي (٤) ، وعندما تناول الدلائل قسمها إلى دلائل معنوية ودلائل حسية. فأما الدلائل المعنوية: فتتمثل في القرآن الكريم (٥) ، وأخلاق النبي ﷺ وخلقه (٦) .

стр. 23

وهنا أحال على ما ذكره ابن تيمية في الجواب الصحيح من أن سيرة النبي ﷺ وأخلاقه وأقواله وأفعاله من آياته أي من دلائل نبوته، ونقل منه ثمان صفحات حول هذا الموضوع (١) . ثم انتقل إلى دلائل النبوة الحسية وقد قسمها إلى قسمين سماوية وأرضية، فمن الدلائل السماوية وأعظمها انشقاق القمر فرقتين (٢) . كذلك ذكر من آياته السماوية استسقاءه ﵊ ربه لأمته (٣) ، ثم تناول الدلائل الأرضية سواءً ما يتعلق بالجمادات أو الحيوانات (٤) . ثم تناول ابن كثير ما أخبر به ﷺ من الكائنات المستقبلة في حياته وبعده فوقعت طبق ما أخبر به سواءً بسواء (٥) ، وقد أورد أولاً ما جاء من هذا القبيل في القرآن، ثم انتقل إلى الأحاديث والآثار، ثم تناول الأخبار بالغيوب المستقبلة مورداً أخباراً كثيرة أيضاً تندرج تحت هذا الموضوع، ثم عقد ابن كثير باباً طويلاً عنوانه:

стр. 24

(التنبيه على ذكر معجزات لرسول الله ﷺ مماثلة لمعجزات جماعة من الأنبياء قبله أو أعلى منها خارجاً عما اختص به من المعجزات العظيمة التي لم تكن لأحدٍ قبله منهم ﵈ . ويقوم هذا الكتاب على الموازنة بين معجزات الأنبياء السابقين ومعجزات محمد ﷺ ويعكس ذلك تأثره بكُتَّاب الدلائل النبوية كأبي نعيم الأصبهاني (١) وابن حامد: أبي محمد عبد الله بن حامد الفقيه صاحب كتاب "دلائل النبوة" (٢) . وأخيراً يختم ابن كثير سيرته بقصيدة لجمال الدين يحيى بن زكريا الصرصري (ت:٦٥٦هـ) في الموازنة (٣) بين معجزات الأنبياء السابقين ومعجزات محمد ﷺ . وفي ثنايا سيرة ابن كثير تلك ثمة مظاهر تكشف لنا عن طبيعة هذه السيرة وسماتها العامة ومن ذلك جمع الروايات من مصادر مختلفة وتقصي ما ورد في كل موضوع من موضوعات السيرة، وشمولية هيكل السيرة عنده، وعدم اقتصاره على الموضوعات التي شكلت الهيكل الأساس للسيرة عند كُتَّاب السير الأوائل.

стр. 25

كما يظهر في سيرة ابن كثير نقد الأسانيد والمتون كأحد المظاهر المميزة لهذه السيرة (وسوف نتناول ذلك لاحقاً) . لا يقتصر التأليف في السيرة عن ابن كثير على السيرة في "البداية والنهاية"، فهناك كتاب "الفصول في سيرة الرسول ﷺ " وهو كتاب مختصر موجز قياساً إلى السيرة الواردة في "البداية والنهاية"، وقد صنفه لشعوره بحاجة أهل العلم لمعرفة الأيام النبوية والتواريخ الإسلامية، كما يبدو أن هذه السيرة جزءٌ من مشروع لعرض التاريخ الإسلامي بصورة موجزة، هذا ما يبدو لنا من قول ابن كثير: إنه لا يجمل بأولي العلم إهمال معرفة الأيام النبوية والتواريخ الإسلامية وهي مشتملة على علوم جمة وفوائد مهمة لا يستغني عنها عال ولا يعذر في العُرُوِّ منها، وقد أحببت أن أعلق تذكرة في ذلك لتكون مدخلاً إليه وأنموذجاً وعوناً له وعليه، وهي مشتملة على ذكر نسب رسول الله ﷺ ، وسيرته وأعلامه، وذِكر أعلام الإسلام بعده إلى يومنا هذا (١) . لقد طبعت هذه السيرة في القاهرة سنة ١٣٥٧هـ تحت عنوان (الفصول في اختصار سيرة الرسول) دون تحقيق، ثم طبع الكتاب بتحقيق الدكتور محمد العيد الخطراوي، ومحيي الدين مستو، بيروت، ١٣٩٩هـ، ثم توالت طبعات هذا الكتاب.

стр. 26

وأخرج عدد من الباحثين موضوعات الأنبياء بما فيها الشمائل من "البداية والنهاية" في كتب مستقلة. فقد عمد مصطفى عبد الواحد إلى "البداية والنهاية" وحقق قسم السيرة في أربعة أجزاء، ويذكر أنه اتجه إلى نشر السيرة النبوية لابن كثير، وهي ذلك القسم الذي أفرده ابن كثير لأخبار العرب في الجاهلية، وسيرة النبي ﷺ ، وتاريخ دعوته حتى وفاته. على اعتبار أن هذا القسم هو السيرة النبوية (المطولة) التي أشار إليها ابن كثير في تفسيره (١) . وفي رأي (إسماعيل عبد العال) فإن هذا الكتاب المحقق ليس هو الذي أفرده ابن كثير في السيرة، وعبارته واضحة حين قال: (أفردناه موجزاً وبسيطاً، وإذا كان الموجز منهما مستقلاً عن "البداية والنهاية" فإن البسيط يكون كذلك) (٢) . ونميل إلى القول بأن كتاب ابن كثير المفرد في السيرة والذي من سماته الإيجاز والتبسيط كما يقول ابن كثير (٣) هو "الفصول في سيرة الرسول" ولعل مما يقوي ذلك أنه أورد في بعض طبعات التفسير المحققة قول ابن كثير: (الذي أفردناه موجزاً ومقتصاً) (٤) ، والإيجاز والاقتصاص إنما ينطبقان فقط على كتاب الفصول وقد راجعت ثلاث طبعات

стр. 27

للتفسير (١) إلا أنها لم تورد عبارة مطولة في وصف كتابه المفرد في السيرة وفي ثنايا كتاب "البداية والنهاية" وعندما يحيل ابن كثير إلى السيرة فمرادُه ذلك القسم من "البداية والنهاية"، ومن صور إحالاته عليه قوله: (كما سيأتي في بيان ذلك في السيرة) و (كما ذكرنا في السيرة وذكرنا بأسانيده في أول السيرة) و (تقدم بسطه وبيانه في أول السيرة) (٢) . كذلك نرجح أن يكون كتاب السيرة الذي خضع للإيجاز والاقتصاص هو كتاب السيرة الوارد في "البداية والنهاية" المتسم بطوله وجامعيته وشموله لجوانب السيرة كافة والمستوعب للروايات والآراء في مجال السيرة الجامع بين هيكل السيرة التاريخي وهيكلها عند كُتَّاب الشمائل والدلائل. كذلك أخرج مصطفى عبد الواحد شمائل الرسول ودلائل نبوته وفضائله وخصائصه في كتاب مستقل (٣) ، وكذلك فعل عبد القادر الأرناؤوط (٤) ، وهناك باحثون ومحققون آخرون (٥) ، أخرجوا أقساماً من

стр. 28

السيرة والمعجزات من "البداية والنهاية" وتلك المستخرجات وغيرها تتفاوت في مدى عنايتها بالأخبار والروايات التي يوردها ابن كثير وفي مدى وفائها بمتطلبات المنهج العلمي المتبع في أعمال التحقيق ومدى تمكن أولئك المحققين من تجاوز المرحلة الأولية المطلوبة في التحقيق أي: تجاوز مجرد وضع المقدمات والفهارس العامة.

стр. 29

مراجعات ابن كثير ونقده: يسير ابن كثير في سيرته على منهج جامعي الروايات من مختلف الموارد، أولئك الذين يروون في تصانيفهم جميع ما يروى في هذا الباب أو الموضوع. وعند تشخيص أصول روايات ابن كثير نجد أنها تنتمي إلى مجموعة من المصادر المتنوعة فمنها مصادر عرفت بمنهجيتها الدقيقة وتمحيصها للروايات كالصحيحين للبخاري ومسلم، وفيها مصادر لا تخلو من روايات ضعيفة وأحاديث. قال بعض العلماء بوضعها كالمسند للإمام أحمد وهو من أهم مصادر ابن كثير (١) ، وهناك مصادر من كتب الدلائل (٢) حملت روايات موضوعة واهية، ومثلها كتب الهواتف (٣) وكتب الفتن (٤) والملاحم.

стр. 30

أضف إلى ذلك كتب المغازي والسير وفيها المراسيل والمنقطعات وفيها ما ورد بدون إسناد، وبين ما جمعه ابن كثير آراء وأقوال لبعض كتاب السيرة والدلائل وغيرهم، وإزاء هذه الروايات والنقول كان لا بد أن يُعنى ابن كثير بنقدها سنداً ومتناً. ومجال دراستنا تلك إنما هو نقد المتن عند ابن كثير مع أن نقد الإسناد ودراسته وهو النقد الخارجي ليس مقطوع الصلة بالنقد الداخلي "نقد المتن" فاشتراط ضبط الراوي إنما يراد به صيانة متن الحديث، والوقوف على المتن ومعرفة سلامته أو نكارته سبيل للتحقق من ضبط الراوي (١) ، ودارسو الأسانيد ركزوا على قضايا في شخصياتهم لها أثر فيما يروون، فتناولوا مسألة ضبط الراوي ويقظته، ورسوخ ما حفظ في ذاكرته، ونظروا إلى مجموعة من الاعتبارات الموضوعية، لا مجرد هيئة الراوي وعبادته، ومن تلك الاعتبارات الخصائص الذهنية التي أشرنا إليها ومدى دقة الراوي وأهليته لحمل الرواية وكذلك اتجاهاته السياسية والفكرية. ولعل مما يعبر عن ذلك ما ورد عن الإمام مالك بن أنس وهو قوله: "لا يؤخذ العلم عن أربعة، ومنهم رجل له فضل وصلاح وعبادةٌ لا يعرف ما يحدث"، وروي عنه قوله: "أدركت عند هذه الأساطين سبعين (وأشار إلى مسجد رسول الله ﷺ كلهم يقولون: قال رسول الله ﷺ . فما أخذت عنهم شيئاً وإن

стр. 31

أحدهم لو اؤتمن على بيت مال لكان أميناً إلا أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن" (١) . لقد أخضع ابن كثير قدراً من رواياته في أبواب السيرة للمراجعة والنظر ومن جوانب تلك المراجعات شرح وتوضيح ما يحتاج إلى توضيح والتعقيب على ما يحتاج إلى تعقيب وشرح الألفاظ الغريبة في المتن. ومن ذلك على سبيل المثال ما ورد في رواية ابن إسحاق أن النبي ﷺ قال: (من يقضي عني ديني ويكون خليفتي في أهلي) قال ابن كثير مفسراً وشارحاً لذلك القول: يعني إذا مت وكأنه خشي إذا قام بإبلاغ الرسالة إلى مشركي العرب أن يقتلوه (٢) . كذلك وضح ابن كثير معاني بعض الألفاظ الواردة في باب كيف بدأ الوحي (٣) ، وشرح غريب حديث أم معبد في صفة النبي ﷺ (٤) . وفسر ما ذهب إليه ابن إسحاق من أن عدد المسلمين في الحديبية (٧٠٠) (٥) ـ مخالفاً بذلك الروايات الصحيحة ـ حيث أرجع ابن كثير ذلك إلى أن ابن إسحاق تبنى ذلك الرأي اعتماداً على أن عدد البدن (٧٠) وكل منها عن عشرة على اختياره، وعقب على ذلك بالقول أنه

стр. 32

لا يلزم أن يكون كل من حضر الحديبية قد اهدى، وأنهم جميعاً كانوا محرمين (١) . إن مفهوم المراجعة يشمل صوراً عدة: منها الشرح وتوضيح النص وتفسير اللفظ الغريب وغير ذلك من الصور، لكن أهم صور المراجعات ما يتصل بنقد مضمون المتن (٢) ومحتواه فهو جهد دال على عقلية الناقد وتميزه واستيعابه لعلوم كثيرة وتجاوزه لدور الناقل الذي تغيب شخصيته وراء الأسانيد والمتون حيث راجع ابن كثير متون مرويات كثيرة مُبْدِياً ملحوظاته عليها. ومن ذلك على سبيل مراجعة رواية ابن جرير في إسلام سعد بن أبي وقاص وفيها: أن محمد بن سعد بن أبي وقاص سأل والده: أكان أبو بكر أولكم إسلاماً؟ قال: لا، ولقد أسلم قبله أكثر من خمسين (٣) . وما ورد في تفسير قول عمرو بن عبسة السُلمي لقد رأيتني وأنا ربُع الإسلام وإنه سأل النبي ﷺ من معك على هذا؟ فقال: حر، وعبد، حيث فسر بعض الرواة قوله حر وعبد بأبي بكر وبلال ﵄ وهو تفسير فيه نظر (عند ابن كثير) فقد أسلم جماعة قبل عمرو بن عبسة،

стр. 33

كذلك راجع ابن كثير قول عمرو بن عبسة كما في الرواية (لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام) وذكر أن المسلمين كانوا آنذاك يستسرون لا يطلع على أمرهم كثير أحد من قراباتهم دع الأجانب، دع أهل البادية الأعراب (١) . والله أعلم. ومن الروايات التي راجعها ابن كثير ونقدها رواية ابن إسحاق في هجرة أبي موسى الأشعري (٢) ﵁، وخبر المؤاخاة بين النبي ﷺ وعلي بن أبي طالب (٣) . والمؤاخاة بين جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل (٤) ، وكون غزوة ذات الرقاع قبل الخندق عند بعض كتاب المغازي والسير (٥) ، وما ورد أن النبي ﷺ قرن في حجة الوداع خشية أن يُصَدّ عن البيت، وأن النبي ﷺ حج وأصحابه مشاةً من المدينة إلى مكة قد ربطوا أوساطهم (٦) ومشيهم خليط من الهرولة ورواية أسماء بنت عميس في رد الشمس لعلي بن أبي طالب (٧) ﵁.

стр. 34

وانتقد روايات وأقوالاً أوردها بعض كُتاب المغازي والسير مثل خبر تأخر هجرة سعد بن أبي وقاص إلى المدينة عند موسى بن عقبة (١) وخبر عروة في أن عثمان هو الذي زوج أم حبيبة بنت أبي سفيان من النبي ﷺ ، وهو خبر غريب ـ في رأي ابن كثير ـ لأن عثمان كان قد رجع إلى مكة قبل ذلك ثم هاجر إلى المدينة وصحبته زوجته رقية بنت محمد ﷺ (٢) . كذلك صحح ما ذهب إليه محمد بن إسحاق من أنّ سورة الضحى أول السور نزولاً بعد فتور الوحي للمرة الأولى وذكر أن الصواب سورة المدثر وإنما نزلت سورة الضحى بعد فترة أخرى (٣) . وصَوَّب ابن كثير ما ذكره ابن إسحاق من أنّ هرقل اسم للملك عند الروم فذكر أنّ اسم الملك عندهم قيصر (٤) ، كذلك رد قول من زعم أن عمر بن الخطاب عندما أسلم كان تمام الأربعين من المسلمين حيث سبقه المهاجرون إلى الحبشة وكانوا فوق الثمانين (٥) ، وصوب وناقش آراء مجموعة من كتاب السيرة النبوية مثل ابن هشام (ت:٢١٨هـ) (٦) ، وأبي

стр. 35

نعيم (ت:٤٣٠هـ) (١) ، والبيهقي (ت٤٥٨هـ) (٢) ، والسهيلي (ت٥٨١هـ) (٣) ، والقاضي عياض (ت:٥٤٤هـ) (٤) . هذا إلى جانب عدد كبير من الرواة والمحدثين والمؤرخين وقد لفت نظره انسياق بعضهم إلى جمع الروايات دون تمييز بين صحيحها وسقيمها وخصّ بذلك أبا جعفر الطبري (ت:٣١٠هـ) (٥) ، وابن عساكر: علي بن الحسن بن هبة الله (ت:٥٧١هـ) ، يقول عن الأخير: "العجب من الحافظ ابن عساكر مع جلالة قدره واطلاعه على صِناعة الحديث أكثر من غيره من أبناء عصره بل ومن تقدمه كيف يورد هذا وأحاديث كثيرة من هذا النمط ثم لا يبين حالها ولا يشير إلى شيء من ذلك إشارة لا ظاهرة ولا خفية" (٦) . لم تقتصر تعقيبات ابن كثير ومراجعاته على ما يرويه كتاب السيرة والمغازي وما يذكره المؤلفون والمصنفون في هذين الفنين، بل انتقد وراجع متوناً وردت في مصنفات حديثية ومنها نصوص وردت في

стр. 36

البخاري ومسلم أو أحدهما، كرواية شريك بن عبد الله في الإسراء (١) ، وما رواه مسلم من حديث المعتمر بن سليمان عن أبيه أن المسلمين كانوا يوم هوازن (حنين) ستة آلاف، وإنما كانوا اثني عشر ألفاً (٢) ، ورواية أبي هريرة في بدء الخلق (٣) والتي أخرجها مسلم (٤) وغيره، وهي رواية يرى بعض الأئمة أنها متلقاة عن كعب الأحبار ومما يقدح فيها أنه ليس فيها ذكر خلق السموات وفيها ذكر خلق الأرض وما فيها في سبعة أيام وهذا خلاف ما جاء في القرآن؛ لأن الأرض خلقت في أربعة أيام ثم خلقت السموات في يومين (٥) . تأتي مراجعات ابن كثير لمتون هذه الروايات وغيرها تجسيداً لمقولة: صحة السند ليست موجبة لصحة الحديث، يقول ابن كثير نفسه: (والحكم بالصحة أو الحسن على الإسناد لا يلزم منه الحكم بذلك على المتن؛ إذ قد يكون شاذاً أو معللاً) (٦) ، وفي تعقيبه على إحدى الروايات

стр. 37

يذكر أن (هذا الإسناد جيد قوي، لكن فيه نكارة من جهة قول الراوي) (١) . ولا شك أن مكانة الصحيحين عظيمة، مما جعل ابن كثير ﵀ يحاول توجيه بعض المآخذ على بعض الروايات التي أشكلت على العلماء وهي قليلة في الصحيحين، ومن ذلك: متن حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس في الإسراء برسول الله ﷺ والعروج به. فعند قوله: "إنه جاءه ثلاثة نفر وذلك قبل أن يوحى إليه"، وظاهر هذا الكلام يخالف ما عرف من أن الإسراء بعد البعثة النبوية. قال ابن كثير معلقاً على ذلك: (الجواب أن مجيئهم أول مرة، كان قبل أن يوحى إليه فكانت تلك الليلة ولم يكن فيها شيء ثم جاءته الملائكة ليلة أخرى بعدما أوحي إليه فكان الإسراء قطعاً بعد الإيحاء" (٢) . وفي قوله: (ثم دنا الجبار رب العزة فتدلى) يذكر أنَّ ذلك من فهم الراوي وقد أقحمه في الرواية (٣) .

стр. 38

وفي قوله رواية عن النبي ﷺ : (ثم استيقظت فإذا أنا في الحجر) قال ابن كثير: إن ذلك معدود في غلطات شريك أو محمول على أن الانتقال من حال إلى حال يسمى يقظة كما سيأتي في حديث عائشة (١) . ومن ذلك أيضاً رواية ابن عباس في مسلم، وفحواها أن أبا سفيان عرض على النبي ﷺ أم حبيبة بنت أبي سفيان (٢) . ومعلوم أن أبا سفيان إنما أسلم عام الفتح وقد جاء إلى المدينة قبيل الفتح وهو على الشرك وهي عند النبي ﷺ كما أن أم حبيبة تزوجت النبي ﷺ قبل ذلك، وبعد وفاة زوجها عبيد الله بن جحش بأرض الحبشة. وهذه الرواية من الأحاديث المشهورة بالإشكال كما يقول النووي (٣) (ت:٦٧٦هـ) ، لدرجة أن ابن حزم زعم أن عكرمة بن عمار وضعه. قال ابن كثير: "وهذا القول منه لا يتابع عليه" وبعد أن أورد أقوالاً في توجيه الرواية خلص إلى أنّ الأحسن في هذا أنه أراد أن يزوجه ابنته

стр. 39

الأخرى عزَّة لما رأى في ذلك من الشرف له، واستعان بأختها أم حبيبة كما في الصحيحين وإنما وهم الراوي هذا بتسمية أم حبيبة (١) .

стр. 40

مقاييس ابن كثير في نقد المتن: راجع ابن كثير متون المرويات والأقوال في موضوع السيرة آخذاً بعين الاعتبار الخطوات التي كان العلماء يقومون بها وهم ينقدون النصوص والمرويات. ومن هذه القواعد عرض المتن على القرآن الكريم ثم على السنة المتواترة ثم على الإجماع ثم على العقل (٢) . إن ممارسة هذا الفن وقراءة النصوص واستظهارها عوامل مكنت العلماء الراسخين من رد روايات وأحاديث بالنظر إلى المروي وألفاظ الحديث. قال ابن دقيق العيد (ت:٧٠٢هـ) : وأهل الحديث كثيراً ما يحكمون بذلك ـ أي بالوضع ـ باعتبار أمور ترجع إلى المروي وألفاظ الرسول ﷺ ، وحاصله يرجع إلى أنه حصلت لهم لكثرة محاولة ألفاظ الرسول ﷺ هيئة نفسية أو ملكة يعرفون بها ما يجوز من ألفاظ الرسول ﷺ وما لا
следующие страницы →