← Акыда

Акыда · id 12105

موقف أصحاب الأهواء والفرق من السنة النبوية ورواتها جذورهم ووسائلهم وأهدافهم قديما وحديثا

محمد بن مطر الزهراني

Полный текст (56 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

" جذور وأصول المبتدعة وتطورها التاريخي " وقد أخبر الصادق المصدوق ﷺ فيما صح عنه- "أن أهل الكتابين- اليهود والنصارى- افترقوا على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين ملة، وأن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة، كلها في النار إلا واحدة، قالوا: ومن هي يا رسول الله؟، قال: من كان على ما أنا عليه وأصحابي ... ". ١ أو كما قال ﷺ . قال شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية- ﵀: (وأما تعيين الفرق الهالكة، فأقدم من بلغنا أنه تكلم في تضليلهم يوسف بن أسباط ثم عبد الله بن المبارك- وهما إمامان جليلان من أجلاء أئمة المسلمين- قالا: أصول البدع أربعة: الخوارج، والروافض، والقدرية، والمرجئة، فقيل لابن المبارك: والجهمية؟، فأجاب بأن أولئك ليسوا من أمة محمد ﷺ ، وكان يقول- ابن المبارك-: إنّا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية) . قال ابن تيمية- ﵀: (وهذا الذي قاله اتبعه عليه طائفة من العلماء من أصحاب أحمد وغيرهم، قالوا: الجهمية كفار، فلا يدخلون في الاثنتين وسبعين فرقة، كما لا يدخل فيهم المنافقون

стр. 2

الذين يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام وهم الزنادقة) .أ. هـ١. وهذه الطوائف الخمس هي أصول المبتدعة والطوائف والفرق المنحرفة في تاريخ أمتنا الإسلامية إذ عنها تفرع كل شر وكل انحراف عن دين الإسلام. والمتأمل لتاريخ تلك الطوائف والفرق الضالة التي نشأت بين المسلمين يجد أن طائفة من رؤسائها ينتمون إلى تلك الطوائف والأديان التي كانت قبل الإسلام مثل اليهودية والنصرانية والمجوسية، والصابئة وغيرها من الأديان والفلسفات التي سحقها الإسلام وحرر منها العباد. وهذه أمثلة على ذلك: ا- عبد الله بن سبأ اليهودي الصنعاني، وأمره متواتر ومشهور في التاريخ، وهو أس ورأس الفتن التي حدثت في صدر الإسلام وما بعد ذلك٢. ٢- بشر بن غيَّاث المريسي، كان يهودياً ثم صار بعد إظهاره الإسلام رأساً في الزندقة٣. ٣- عبد الله بن المقفَّع، كان مجوسياً وكتبه شاهدة على مجوسيته، اتهم بالزندقة فقتله والي البصرة سفيان بن معاوية المهلبي٤.

стр. 3

٤- إبراهيم بن سيار النَّظَّام، كان برهمياً، ذكر الذهبي عن بعض السلف أنه قال: كان النظام يخفي برهميته بالاعتزال ليفسد دين الإسلام١. ٥- سوسن النصراني، الذي أخذ عنه معبد الجهني القدري مقالته - في القدر، وقد تظاهر سوسن بالإسلام ثم عاد إلى نصرانيته٢. ٦- الجهم بن صفوان، رأس كل الضلالات وأُسُّ كل البليات، وحسبنا أن نعلم أن هذا الرجل الذي كان من شواذ المبتدعة في مطلع القرن الثاني الهجري قد ترك من الأثر في الفرق الإسلامية الثنتين وسبعين مالا يعادله أثر أحد غيره، حتى أن الشيعة والخوارج والقدرية كلها قد تأثرت به في قليل أو كثير ولاسيما في صفات الله تعالى. أما المنتسبون للسنة وأهمهم الأشعرية والماتريدية، فهم على أصوله في كثير من أصول الاعتقاد، ولو لم يكن إلا متابعتهم له في الإيمان. هذا مع أنه ليس بإمام يحتج بقوله، ولا عالم يعتد بخلافه ولا شهد له أحد بخير، بل شهد عليه بعض من عاصره بالجهل البالغ في أحكام الشريعة حتى الجليُّ منها وذكروا أنه لم يحج البيت، ولم

стр. 4

يجالس العلماء قط، وإنما جالس جهم أصحاب الأهواء وعلى" رأسهم شيخه الجعد بن درهم الذي قتله الوالي الأموي خالد بن عبد الله القسري من أجل زندقته وقوله: (لم يتخذ الله إبراهيم خليلاً ولم يكلم موسى تكليماً) .... وجالس جهم أيضاً بعض الملاحدة من المنتسبين إلى فلسفات الأمم الجاهلية الموتورة، ولما أراد الله فتنته اتصل بطائفة من الزنادقة الهنود يقال لهم السمنيِّة ودخل معهم في جدال بغير علم ولا بصيرة من عقل وأدى به نقاشه معهم إلى ترك الصلاة مدة ثم خرج بنظريته للإله بأنه هذا الهواء مع كل شيء وفي كل شيء ولا يخلو منه شيء١. أما تاريخ ظهور هذه الفرق وتطورها تاريخياً وعقدياً، فيلخص ذلك شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية ﵀، فيقول٢: ( ... أولها ظهوراً الخوارج، فان التكلم ببدعتهم ظهر في زمانه ﷺ ، ولكن لم يجتمعوا وتصير لهم قوة إلا في خلافة أمير المؤمنين علي ﵁.... ثم قال: وفي الصحيحين عن أبي سعيد٣ ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ يقسم الفيء جاء عبد الله ذو

стр. 5

الخويصرة التميمي- في رواية أتاه ذو الخويصرة رجل من تميم- فقال: أعدل يا رسول الله، فقال: "ويلك من يعدل إذا لم أعدل؟، قد خبت وخسرت إن اأعدل ". فقال عمر بن الخطاب ﵁: ائذن لي فأضرب عنقه، قال: "دعه فإن له أصحاباً يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية..... " الحديث. وفي مسلم١ عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال- عن الحرورية لما خرجوا عليه وقالوا: لا حكم إلا لله-: كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول الله ﷺ وصف ناساً إني لأعرف صفتهم في هؤلاء، يقولون الحق بألسنتهم لا يجاوز هذا منهم- وأشار إلى حلقه- من أبغض خلق الله اليه، منهم رجل أسود احدى يديه طبي٢ شاة أوحلمة ثدي. فلما قتلهم علي ﵁، قال: انظروا فنظروا فلم يجدوا شيئاً، قال: ارجعوا فوالله ما كذبت ولا كُذيِتُ- مرتين أو ثلاث-، ثم وجدوه في خربة فأتوا به حتى وضعوه بين يديه.... " الحديث. وهذه العلامة التي ذكرها رسول الله ﷺ هي علامة أول من يخرج منهم وليسوا مخصوصين بأولئك القوم، فإنه قد أخبر في غير هذا

стр. 6

الحديث، أنهم لا يزالون يخرجون إلى زمان الدجال، وقد اتفق المسلمون على أن الخوارج ليسوا مختصين بذلك العسكر. وهؤلاء أصل ضلالهم إعتقادهم في أئمة الهدى وجماعة المسلمين أنهم خارجون عن العدل وأنهم ضالون، وهذا هو ما أخذ الخارجين عن السنة من الروافض ونحوهم. ثم قال الشيخ ﵀: ثم ظهر في زمن علي ﵁ التكلم بالرفض، ولكن لم يجتمعوا ويصير لهم قوة إلا بعد مقتل الحسين ﵁، بل لم يظهر اسم الرفض ويعلن إلا حين خروج زيد بن علي بن الحسين بعد المائة الأولى، وذلك أنه لما أظهر الترحم على أبي بكر وعمر ﵄ رفضه الرافضة، فسموا رافضة، واعتقدوا أن أبا جعفر- محمد بن علي الباقر- هو الإمام المعصوم، واتبعه- زيد- آخرون فسموا (زيدية) نسبة إليه. ثم في أواخر عصر الصحابة نبغ التكلم ببدعة القدر والإرجاء، فردَّها من كان حيا من الصحابة حينئذ، كابن عمر وابن عباس وجابر بن عبد الله وأبي سعيد وواثلة بن الأسقع وغيرهم. ولم يصر لهم سلطان واجتماع حتى كثرت المعتزلة والمرجئة بعد ذلك. ثم في أواخر عصر التابعين ظهر القول ببدعة الجهمية نفاة الصفات، ولم يكن لهم اجتماع وسلطان إلا بعد المائة الثانية في إمارة أبي العباس الملقب بالمأمون، فإنه أظهر التجهُّم وامتحن الناس

стр. 7

عليه وعرَّب كتب الأعاجم من الروم واليونانيين وغيرهم،..... وفي زمنه ظهرت (الخرمية) ١ وهم زنادقة منافقون يظهرون الإسلام ويبطنون خلافه، وأصل مذهبهم المزدكية الإباحية التي ظهرت قبل الإسلام، وتفرع الخرمية بعد ذلك إلى القرامطة والباطنية والإسماعيلية وأكثر هؤلاء ينتحلون الرفض في الظاهر، وصارت الرافضة الإمامية في زمن بني بويه بعد المائة الثالثة فيهم عامة، هذه الأهواء المضلة.. فيهم الخروج والرفض والقدر والتجهُّم. أ. هـ. ٢

стр. 8

هذه نبذة مختصرة عن نشأت وتطور أصول الفرق المنحرفة المتلبسة بالإسلام، وقد اكتفيت بذكر تطورها تاريخياً وعقدياً خلال الثلاثة قرون الأولى لأمرين: الأول: أن ما بعد ذلك امتداد لذلك التطور في تلك الفترة، إذ أن تلك الفترة هي فترة التأسيس والتقعيد لتلك الفرق وغيرها. والثاني: أن المراد من هذه الدراسة الموجزة الوقوف على جذورها التاريخية وأصولها الإعتقادية، وهذا يكفي فيه معرفة نشأتها وتطورها في تلك القرون الثلاثة. ومن أراد مزيداً من التفصيل فليرجع إلى الكتب التالية: ١- الفصل في الملل والأهواء والنحل لأبي محمد بن حزم. ٢- الملل والنحل للشهرستاني. ٣- الفرق بين الفرق للقاضي عبد القاهر البغدادي. ٤- منهاج السنة النبوية ومجموع الفتاوى للحافظ شيخ الإسلام ابن تيمية، وغير ذلك من كتبه وكتب غيره.

стр. 9

" موقف الطوائف والفرق من السنة النبوية ورواتها " وإذا تأملنا المنهج الذي نهجته تلك الطوائف والفرق في خط سيرها التاريخي والاعتقادي، تأملنا موقفها من السنة النبوية وحملتها من أهل السنة والجماعة، الذين كانوا على ما كان عليه الرسول ﷺ وأصحابه، إذا تأملنا كل ذلك أدركنا مدى الربط بين تلك الفرق الضالة- التي تسترت بالإسلام لإفساده- وبين أصولها التي نشأت منها وقد سبق القول أن أصولها راجع إما إلى اليهود والنصارى، وإما إلى المجوس والصابئة الفلاسفة أو غيرها من أعداء الإسلام الذين أضرمت نار الحقد قلوبهم على هذا الدين الذي نسخ تلك الأديان وبين بطلانها نقلاً وعقلاً. وعندما لم يجد هؤلاء الأعداء حيلة للقضاء على هذا الدين الخاتم، لجأوا إلى الحيلة والدس على الإسلام وأهله، فأظهر قوم منهم الإسلام واستمالوا ضعاف الإيمان وغوغاء الناس وجهلتهم إلى ما أحدثوا لهم من آراء وعقائد منحرفة. ولما كان هذا الدين هو الكتاب والسنة، والكتاب لم يمكنهم تحريفه، وكانت السنة هي المبينة للكتاب ولا يمكن فهمه والعمل به إلا بالسنة الموضحة والمبينة له كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية. عند ذلك لجأ هؤلاء الأعداء إلى الطعن في السنة النبوية ونقلتها وذلك من خلال ما أحدثوه من مقولات وقذفوا بها إلى من اغتر بظاهر إسلامهم وما زينوه من الأهواء والآراء المنحرفة، ويمكن تلخيص تلك المقولات فيما يلي:

стр. 10

١- رد السنة مطلقاً كما هو رأى الجهمية والرافضة والباطنية وأتباع النَّظَّام وأبي الهذيل العلاّف، من المعتزلة وغيرهم. ٢- رد غير المتواتر من السنة كما هو رأى جمهور المعتزلة ووافقهم متكلموا الأشاعرة في رده في العقائد وقبوله في الأحكام وهذا تناقض صريح. وحجة هذين القولين: أن السنة لم تدون في حياته ﷺ كما دوِّن القرآن، مما يدل على أنها ليست بحجَّة، أو أن كثيراً منها يخالف عقولهم، وأنه دخلها ما ليس منها لأن الرواة لا يأمن عليهم الكذب والغلط والخطأ والنسيان. ومن زعم منهم قبوله للمتواتر فقط أو قبول غيره في الأحكام دون العقائد مجمعون على ردَّ ما خالف عقولهم من السنة أو تأويله على وفق أهوائهم. وما أدري أيُّ عقل يحاكمون السنة إليه-، فعقولهم القاصرة المتناقضة مختلفة وغير متفقة، وإذا اتفق اثنان خالفهم الثالث، وإذا اتفق ثلاثة خالفهم الباقون. ٣- الطعن في رواة السنة عموماً كما هو رأى الروافض الذين لا يستثنون من الصحابة إلى نفراً يسيراً، أو في بعضهم كمن اشترك في الفتنة كما هو معروف عن الخوارج والمعتزلة ومن نحى نحوهم. والحق أن مراد أكثر مؤسسي هذه المذاهب ردُّ دين الإسلام فلم يجدوا حيلة إلا ردَّ السنة بعقولهم أو الطعن في رواتها بأهوائهم. إذ بالطعن في رواة السنة تردُّ السنة وبردُّ السنة بالعقل والطعن في نقلتها يردُّ الكتاب الذي لا يمكن فهمه والعمل به إلا بالسنة، وبذلك يحصل مقصود أعداء الإسلام من ردِّ دين الإسلام أو إفساده وتحريفه،

стр. 11

وهذا ما نفَّذه فعلاً كثير من تلك الطوائف المنحرفة كالرافضة والباطنية والجهمية والمعتزلة وغيرهم. قال الإمام أبو زرعة- فيما رواه عنه الحافظ أبو بكر الخطيب بسنده-: (إذا رأيت الرجل ينتقص أحداً من أصحاب رسول الله ﷺ ، فاعلم أنه زنديق، وذلك أن رسول الله ﷺ عندنا حق والقرآن حق، وإنما أدى إلينا هذا القرآن والسنن أصحاب رسول الله ﷺ ، وإنما يريدون أن يجرحوا شهودنا ليبلطلوا الكتاب والسنة، والجرح بهم أولى وهم زنادقة) ١. وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية- ﵀ عن الإمام مالك إمام دار الهجرة قوله ﵁: (إنما هؤلاء أقوام أرادوا القدح في النبي ﷺ فلم يمكنهم ذلك، فقدحوا في أصحابه حتى يقال رجل سوء ولو كان رجلاً صالحاً لكان أصحابه صالحين) ٢. والناظر بعين البصيرة فيما أثير من شبه وشكوك حول السنة النبوية ورواتها، قديماً وحديثاً لا يكاد يجد شيئاً من تلك الشبه والشكوك يخرج عن هذين الأمرين- أعني- رد السنة بالعقل والطعن في رواتها بالهوى. ومن أمعن النظر في تاريخ الصراع بين الإسلام وأعدائه لا يجد فيما ذكره الأعداء المعاصرون- خلال القرنين الماضيين- شيئاً جديداً من الشبه والشكوك التي لم يكن لها أصل عند تلك الطوائف المنحرفة

стр. 12

التي نشأت في تاريخ أمتنا الإسلامية برعاية وعناية أسلاف هؤلاء الأعداء المعاصرين من يهود ونصارى ومجوس وصابئة وفلاسفة. وإنما يجد أن هؤلاء الأعداء المعاصرين يؤكدون على تلك الشبه والشكوك وقد يصوغونها بأساليب جديدة ويلبسونها أثواباً عصرية لكي تروج علينا مرة أخرى. ومما يؤكد ذلك أننا نلحظ عناية المبشرين والمستشرقين- يهود ونصارى- بإحياء تراث تلك الطوائف الضالة المنتسبة إلى الإسلام، فطبعوا ونشروا الكثير من كتب المعتزلة والجهمية والصوفية والمتكلمين والباطنيين من رافضة وقرامطة ونصيرية ودروز وغيرهم١. ومن أراد التأكد من أن الشبه والشكوك التي يثيرها أعداء الإسلام اليوم هي نفس الشبه والشكوك التي أثارها أسلافهم فليراجع المصادر التالية: أولاً: مصادر قديمة، منها: ا- الرد على الجهمية والزنادقة للإمام أحمد والدارمي. ٢- خلق أفعال العباد للإمام البخاري صاحب الجامع الصحيح. ٣- تأويل مختلف الحديث لابن قتيبة.

стр. 13

٤- منهاج السنة النبوية، لشيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من كتبه ... ٥- العواصم والقواصم لمحمد بن إبراهيم الوزير اليماني المتوفى سنة ٨٤٠ هـ. ٦- الروض الباسم في الذب عن سنة أبي القاسم، للمؤلف. نفسه. وغيرها.. ثانياً: مصادر حديثة، وهي على أنواع: أ- الردود عليهم ومنها: ١- كتاب السنة ومكانتها في الإسلام للدكتور مصطفى السباعي. ٢- الإستشراق والمستشرقون له أيضاً. ٣- دراسات في الحديث النبوي للدكتور محمد مصطفى الأعظمي. ٤- منهج النقد عند المحدثين له أيضاً. ب- كتب صنائعهم وأذنابهم من أبناء جلدتنا، مثل كتب طه حسين وأحمد أمين وأبي ريَّة وغيرهم. ج- كتب المستشرقين أنفسهم، مثل كتب جلدتسيهر ومرغليوث وشاخت وربسون وكايتاني وغيرهم.

стр. 14

" أمثلة من كيد الأعداء. قديماً وحديثاً " لكي تتضح الصورة أكثر للمخطط الإفسادي اليهودي النصبراني المجوسي أورد مثالين من دسائس أعداء هذا الدين لنرى مدى الترابط الوثيق بين أعداء هذا الدين بالأمس وأعدائه اليوم، وأن جذورهم واحدة كما أن أهدافهم ووسائلهم واحدة أيضاً، وإن عرضت بأشكال وألوان مختلفة، وأن اختلاف تلك الوسائل إنما هو اختلاف تنوع وليس اختلاف تضاد. وهذان المثالان هما: الأول: فتنة ابن سبأ في صدر الإسلام. الثاني: التخطيط الصهيوني الصليبي الحديث. أما الأول فمهندسه عبد الله بن سبأ اليهودي الصنعاني، ويعرف بابن السوداء، لأن أمه كانت حبشية سوداء، وقد استفاد ابن سبأ من التقاء المخططين المجوسي والصليبي من قبل الذي نتج عنه مقتل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁. وتاريخ اليهود الأسود المشبوه معروف في حرب الله ورسله، وهم الذين قتلوا يحيي وزكريا وغيرهما وحاولوا صلب المسيح ابن مريم ﵊. ولما لم يفلحوا في إيقاف زحف دعوة المسيح عيسى بن مريم ﵇ رغم مقاومتهم لها، عند ذلك لجأوا إلى الكيد والدس حيث أمروا شاؤول اليهودي- الذي تسمى فيما بعد ببولس الأول- أن

стр. 15

يتظاهر بالدخول في دين المسيح ثم يبدأ يفسر ويحرف ما جاء به عيسى، وقد تم لهم ما أرادوا، حيث قام شاؤول بدوره خير قيام، فأفسد في النصرانية بما عجز عنه اليهود كلهم في مقاومتها بالقوة. وعندما جاء رسول الله ﷺ بالرسالة الخاتمة قاومه اليهود بالكيد والدس، فأخذوا يلقون الشكوك والشبهات حول رسالته ﷺ في المدينة وبين القبائل العربية خارج المدينة، ثم دخلوا معه في القتال بالسلاح- بعد نقضهم العهد الذي بينه وبينهم- كما حصل في بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، ثم أخيراً معركة خيبر، وفي تلك المعارك كلها كان النصر لرسول الله ﷺ عليهم وكانت الهزيمة حليفهم. وعندما لم يفلحوا في التشكيك في هذا الدين الذي نسخ ما قبله من الأديان بما في ذلك اليهودية، وعندما رأوا تلك الفتوحات العظيمة وذلك التوسع الهائل في انتشار دين الإسلام وإقبال الناس عليه. عند ذلك تداعى شياطين اليهود مرة أخرى في صنعاء اليمن فخططوا ودبروا أمرهم واستلهموا من تاريخهم الأسود في حرب الله ورسله تلك الفعلة التي قام بها شاؤول اليهود مع دعوة المسيح بن مريم عليه وعلى أمه الصلاة والسلام، فرشَّح المجتمعون لهذه المهمة مع رسالة خاتم الأنبياء شاؤول الجديد عبد اللة بن سبأ١،

стр. 16

فتظاهر بالإسلام، وذلك في أول خلافة عثمان ﵁ وقيل في آخر خلافة عمر ﵁، وأخذ ينتقل بين الأمصار الإسلامية لبث سمومه وأفكاره المنحرفة. وقد ساق الإمام ابن جرير الطبري قصة فتنة ابن سبأ في تاريخه من عدة طرق وهي طويلة أقتطف منها ما يهمنا فيما نحن بصدده، وهو معرفة جذور أعدائنا ووسائلهم وأهدافهم مع الربط بين القديم منها والحديث. .... قال- بعد ذكر الأسانيد- كان عبد الله بن سبأ يهودياً من أهل صنعاء، فأسلم زمن عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالتهم، فبدأ بالحجاز ثم البصرة ثم الكوفة ثم الشام، فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه، حتى أتى مصر فاعتمر فيهم، فقال لهم فيما يقول؟ لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع، ويكذب بأن محمداً يرجع، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ فمحمد أحق بالرجوع من عيسى، قال: فَقُبِل ذلك عنه، فوضع لهم الرجعة فتكلموا فيها، ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف نبي، ولكل نبي وصي وكان علي وصي محمد، ثم قال: فمحمد خاتم الأنبياء، وعلي خاتم الأوصياء، ثم قال بعد ذلك: ومن أظلم ممن لم يجز وصية رسول الله ﷺ ، ووثب على وصي رسول الله ﷺ ، وتناول أمر الأمة ... ، ثم قال لهم بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق وهذا وصي لرسول الله ﷺ فانهضوا في هذا الأمر فحركوه،

стр. 17

ابدأوا بالطعن على أمرائكم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر١ تستميلوا الناس، وادعوهم إلى هذا الأمر فبث دعاته وكاتب من كان قد استفسد في الأمصار وكاتبوه ودعوا في السر إلى ما عليه رأيهم وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجعلوا يكتبون إلى الأمصار بكتب يضعونها في عيوب ولاتهم، ويكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك ويكتب أهل كل مصر منهم إلى مصر آخر بما يضعون، فيقرؤه أولئك في أمصارهم، وهؤلاء في أمصارهم، حتى تناولوا بذلك المدينة، وأوسعوا الأرض إذاعة وهم يريدون غير ما يظهرون ويسِّرون غير ما يبدون، فيقول أهل كل مصر: إنا لفي عافية مما ابتلي به هؤلاء إلا أهل المدينة، فإنهم جاءهم ذلك عن جميع الأمصار، فقالوا: إنا في عافية مما فيه الناس.... الخ٢ القصة ... ولم يقف ابن سبأ عند هذا الحد، بل صعد الفتنة ضد خليفة المسلمين عثمان حتى تمكن من جمع أتباعه من العراق ومصر فحاصر بهم المدينة، ودخلوا على عثمان خليفة المسلمين، فقتلوه رضي الله

стр. 18

عنه وأرضاه وهو صائم يتلو كتاب الله، وذلك في شهر ذي الحجة من سنة خمس وثلاثين للهجرة. وهنا نقف وقفة لنرى أن هذا الهدف الذي كان قد حدده ابن سبأ لأتباعه إنما هو هدف مرحلي، وأن هدفه الأعظم لم يتحقق بعد، لكنه قطع شوطاً كبيراً للوصول إلى هدفه ذلك، ومن هنا بدأ ابن سبأ يخطط لإكمال مهمته الشاؤولية الإبليسية، فهو لم يكن هدفه كما كان يظهر للناس أن يتولى علي بن أبي طالب ﵁ الخلافة إنفاذاً للوصية كما زعم، وإنما كان يعمل لإفساد هذا الدين وتحريفه، ولمّا يكتمل له ذلك. ولذلك نجده يستغل أول فرصة سانحة عند خروج عائشة ﵂ ومعها جمع من المسلمين وعلى رأسهم طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام إلى البصرة للمطالبة بدم عثمان من القتلة، الذين كان أكثرهم من أهل العراق نجد أن ابن سبأ وأتباعه يستغلون هذه المناسبة لإشعال نار الفتنة مرة أخرى، وذلك لما علم باتفاق الفريقين على الصلح، وعرف أن الاتفاق سيكون على رأسه هو وأتباعه، لمّا علم بذلك دبَّر مكيدته مع أتباعه، حيث أرسل مجموعتين من أتباعه تخرج تحت جنح الظلام فتضرب إحداهما معسكر طلحة والزبير ومن معهما، والأخرى تضرب معسكر علي ﵁ ومن معه، وهنا ظن كل فريق أن الآخر غدر به فنشبت الحرب بين الفريقين ووقعت موقعة الجمل ولله فيما قدر وقضى حكمة بالغة.

стр. 19

ولم يزل أمر السبئية يتطور ويستفحل حتى قالوا بألوهية علي ﵁، ثم تقعَّد مذهبهم وتأسس على تلك المبادئ التي أسسها ابن سبأ، والمتفحص فيها يجد أنها دين آخر اختلقه ابن سبأ وألصقه بآل البيت ظلماً وزوراً. وحتى يقبل ما جاء به من الضلال، أسس في مذهبه وأتباعه الطعن على الصحابة ﵃ بالردة والكفر وكتم الوصية وتسعة أعشار القرآن إلى آخر ما أحدثوه في سب أصحاب رسول الله ﷺ الذين هم صفوة خلق الله بعد الأنبياء والرسل. ولا زالت الأمة الإسلامية تعاني من آثار تلك الفتنة السبئية إلى يومنا هذا وإلى أن يشاء الله سبحانه لأن الحركات الباطنية والرافضية كلها من نتاج تلك السبئية البغيضة ولا زالت معاول هدمها عاملة في الأمة الإسلامية، نسأل الله أن يريح الأمة من شرهم وفتنتهم، ونخلص في هذا المثال الذي ضربناه مثلاً لتلك الفرق والطوائف الضالة قديماً بما يلي: ا- الجذور يهودية.. ٢- التخطيط سري ومنظم ومبرمج في مراحل.... ٣- الوسائل إلقاء الشكوك وإثارة الشبهات وتحريف الكلم عن مواضعه. ٤ - الهدف: إفساد دين الإسلام وتحريفه. المثال الثاني: التخطيط الصهيوني الصليبي الحديث: بعد أن رأينا ذلك المثال القديم وعرفنا من خلال دراسته الموجزة

стр. 20

جداً ذلك التخطيط الرهيب من قبل أعداء هذا الدين الذين ركزوا خططهم فيما أثاروه من شكوك وشبهات حول السنة النبوية المطهرة ورواتها الذين هم واسطة الأمة إلى نبيها في تبليغ رسالته إليهم، وذلك لينفذوا من خلال ذلك إلى رد دين الإسلام أو إفساده وتحريفه، ولكن الله تكفل بحفظ دينه الذي جعله خاتم الأديان وناسخاً لها، فقال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ ١. وقال سبحانه: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ ٢. أنتقل إلى المثال الثاني وهو مثال حي لا زالت الأمة منذ قرنين تقريباً تعايشه وتصطلي بناره، لنرى أن الجذور واحدة والوسائل والتخطيط متشابهة بل ومتطابقة أحياناً، ثم نجد أن الهدف لهؤلاء الأعداء قديماً وحديثاً هو إفساد دين الإسلام وتحريفه.

стр. 21

" كيف تم التحالف بين هذين المخططين في العصر الحاضر " لا شك أن التحالف بين اليهود والنصارى ضد المسلمين هو مصداق لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾ ١. وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ٢. وقد عرف في التاريخ القديم والحديث أن هناك عداء تقليدياً بين اليهود والنصارى وذلك منذ ادعى اليهود قتل المسيح وصلبه ﵇، وقد بلغ ذلك العداء قمته قديماً عندما اعتنقت الدولة البيزنطية العقيدة المسيحية فعملت بعد ذلك على قتل اليهود وتشريدهم وملاحقتهم. ولكن هذا العداء التقليدي كان يختفي ويحل محله الوئام إذا كان عدو الطرفين الإسلام والمسلمين، ولذلك رأينا ذلك التحالف اليهودي الصليبي المجوسي بأجنحته الثلاثة المتناحرة المتعادية بالأمس يقف صفاً واحداً أمام زحف الفتح الإسلامي الذي نسخ أديانهم وسحق دولهم.

стр. 22

ولكن رغم ذلك كان اليهود على الدوام موضع نقمة وهوان من المسيحيين المتعصبين ضدهم، فقد طردوا من انجلترا عام ١٢٩٠م ومن فرنسا سنة ١٣٩٠م، ومن النمسا سنة ١٤٢٠م، ومن اسبانيا سنة ١٤٩٢م وذلك من قبل محاكم التفتيش التي اقيمت ضد المسلمين واليهود على السواء ثم أخرجوا أيضاً من ألمانيا عام ١٧١٩م ومن روسيا سنة ١٧٢٧م ثم جاء هتلر فقتل منهم عشرات الألوف. وأمام هذا الاضطهاد العنيف من قبل المسيحيين أخذ اليهود في التفكير بجد للتخلص من سيطرة الكنيسة المتعصبة ضدهم، فسلكوا الخطوات التالية١: ١- تظاهر كثير من حاخاماتهم وعلمائهم بالدخول في النصرانية. ٢- إنشاء المنظمات السرية كالصهيونية والماسونية وغيرها التي كانت ترفع شعارات الحرية والوحدة والمساواة. ٣- إحداث الثورات ضد الكنيسة أو استغلالها إذا قام بها غيرهم ومن ذلك ما سمي بالثورة الإصلاحية التي قام بها مارتن لوثر ضد الكنيسة الغربية الكاثوليكية في مطلع القرن السادس عشر الميلادي وكذلك الثورة الفرنسية التي قام بها نابليون الأول عام ١٧٨٩م، والتي كانت تنادي بنفس شعارات الماسونية، الحرية والوحدة والمساواة. ٤- السعي للسيطرة الاقتصادية على الدول الأوربية، فكانوا

стр. 23

يسيطرون على تجارة الذهب وإنشاء الشركات والمصارف المالية والسيطرة على الثروات المعدنية الثمينة، وما سيطرة الروتشيلديين على الاقتصاد الأوربي منذ أواخر القرن الثامن عشر بخفية على أحد١. أما النتائج التي حصل عليها اليهود من وراء هذه الخطوات، هي: ١- علمنة الحياة في أوربا حيث أُقصي الدين المسيحي عن الحياة تماماً حيث أنه لم يبقى للدين أي أثر في حياة الرجل الغربي. ٢- تمكن اليهود من تبوء مناصب ومواقع رفيعة في الحكومات الغربية لم يكونوا يحلموا بها في عصور الاضطهاد. ٣- السيطرة التامة على الاقتصاد الغربي وثرواته، بل وعلى اقتصاد وثروات العالم. ٤- كسر حدة العداء لليهود عند الأوربيين أو عند أكثرهم. ٥- تمكن اليهود من إحياء التحالف اليهودي النصراني مرة أخرى؟ ضد الإسلام والمسلمين.

стр. 24

" أهم معالم سياسة المخطط الصهيوني الصليبي الجديدة واتجاهاتها وأسسها " اتعظ أعداء الإسلام من هزائمهم العسكرية أمام زحف الإسلام، وآخرها تلك الحروب الصليبية التي خاضوها مدة قرنين كاملين مع الإسلام، ثم أخيراً خرجوا من ديار الإسلام يجرون وراءهم ذيول الهزيمة، فلجأوا إلى تفكير ذكي اتعظ بتلك الهزائم العسكرية المتلاحقة، ونقب عن السر العظيم لصلابة المسلمين ووثباتهم المفاجئة لكل حساباته فوجد أن السر في الإسلام نفسه ولا شيء سواه. فحوَّل الصراع من حرب المسلمين إلى حرب العقيدة الإسلامية ذاتها وغيَّر ملامح المعركة، فلم يعد ميدانها الرئيسي الأرض، ولكنه الأدمغة، ولم تعد وسيلتها الوحيدة السيف، بل الفكر، ولم تعد جيوشها الأساطيل والفرق، ولكنها المؤسسات والمناهج بالدرجة الأولى. وأول من لفت أنظار العالم الغربي الصليبي إلى هذه الخطة هو القديس لويس التاسع ملك فرنسا، وقائد الحملة الصليبية الثانية، الذي هُزم وأُسر في المنصورة، ثم افتدى نفسه وعاد إلى بلاده ليوصي بني ملته بنصيحته الغالية.

стр. 25

يقول المؤرخ "جوانفيل " الذي رافق لويس التاسع: إن خلوته في معتقله بالمنصورة أتاحت له فرصة هادئة ليفكر بعمق في السياسة التي كان أجدر بالغرب أن يتبعها إزاء العرب المسلمين..... وهذه أهم بنود نصيحة لويس التاسع: أولاً: تحويل الحملات الصليبية العسكرية إلى حملات صليبية سلمية تستهدف ذات الغرض لا فرق بين الحملتين، إلا من حيث نوع السلاح الذي يستخدم في المعركة. ثانياً: تجنيد المبشرين الغربيين في معركة سلمية لمحاربة تعاليم الإسلام ووقف انتشاره ثم القضاء عليه معنوياً، واعتبار هؤلاء المبشرين في تلك المعارك جنوداً للغرب. ثالثاً: العمل على استخدام مسيحي الشرق في تنفيذ سياسة الغرب. رابعاً: العمل على إنشاء قاعدة للغرب في قلب الشرق العربي يتخذها الغرب نقطة ارتكاز له، ومركزاً لقواته الحربية، ولدعوته السياسية والدينية!!، ومنها يمكن حصار الإسلام والوثوب عليه كلما اتيحت الفرصة لمهاجمته١. وقد عين لويس التاسع لإنشاء هذه القاعدة الأراضي الممتدة على ساحل البحر الأبيض المتوسط وتشمل فلسطين والأردن ولبنان والأراضي المقدسة. ومما يؤكد هذا التحول في سلاح المعركة ما قاله جلادستون رئيس

стр. 26

الوزراء البريطاني آنذاك، وهو يستعرض خطته الاستعمارية للعالم الإسلامي أمام مجلس العموم البريطاني حيث قال: ما دام هذا القرآن موجوداً بين يدي المسلمين فلن تستطيع أوربة السيطرة على الشرق، ولا تكون هي نفسها في أمان١. ومن هذا المنطلق الماكر بدأت مخططات التحالف الصهيوني الصليبي لإخراج الأمة الإسلامية من دينها وتعريتها من مقومات وجودها، وحملها على العلمانية، وانتظمت جيوش الغزو الجديد في أربعة أجنحة كبرى٢، هي: ١- قوى الاحتلال المباشر. ٢- المستشرقون. ٣- المبشرون (كما يسمون) !! ٤- الطوائف اليهودية والنصرانية والباطنية في العالم الإسلامي. أولاً: قوى الاحتلال المباشر: قدمت جيوش الاحتلال العسكري إلى العالم الإسلامي تقودها عقليات غير العقلية البربرية الصليبية فهي تتمتع بقسط كبير من الدهاء وهي تعرف سلفاً أن لها مهمة أجدادها، وأن نجاح هذه المهمة يتوقف على الدقة في تنفيذ الخطة الجديدة. وقد قطفت أول ثمرات الخطة عندما استطاعت أن تحارب جيوش الدولة العثمانية دولة الخلافة الإسلامية بأناس مسلمين

стр. 27

ساروا في ركاب اللنبي قائد الجيش الإنجليزي ولورنس رجل الاستخبارات الإنجليزي والجنرال بيجو قائد الجيش الفرنسي حتى دخلوا القدس ثم دمشق، وهي أول حرب صليبية في التاريخ يكون قوامها مغفلين منتسبين إلى الإسلام. وبمقتضى اتفاقية "سايكس- بيكو" وزيري خارجية بريطانيا وفرنسا في عام ١٩١٨م توزعت عسكر الصليبيين الجدد العالم الإسلامي عدا أجزاء قليلة، وابتدأت دوائر الاستعمار تنفذ مخططها المرسوم، وتتلخص جهود هذا الجناح فيما يلي: ١- القضاء على الحركات الإسلامية الجهادية التي كانت تخرج ضد هذا المستعمر الغريب على عقيدتهم وبلادهم، وكذلك القضاء على الروح الجهادية عند المسلمين. ومن الأمثلة على ذلك قمعهم للحركات الجهادية التي قامت ضدهم في كل من الجزائر وليبيا وبلاد الشام والهند وغيرها كثير. أما القضاء على الروح الجهادية عند المسلمين فأوضح مثال على ذلك ما فعلته بريطانيا في شبه القارة الهندية، حيث تبنت الحركة القاديانية المنحرفة عن الإسلام، والتي من مبادئها إلغاء فريضة الجهاد، ولما لم تنجح هذه الحركة في إقناع المسلمين بذلك، تبنت بريطانيا الطرق الصوفية، وهي كثيرة في الهند- وهذا دليل على ما ذكرت في مطلع هذه الرسالة من أن الحركات الصوفية وغيرها أصلها نابع من تخطيط أعداء الإسلام من يهود ونصارى ومجوس وصابئة للقضاء على هذا الدين- فعملت بريطانيا على تطوير الجماعات

стр. 28

الصوفية، بحيث تؤدي الأثر المطلوب منها، وفعلاً قامت بعض الحركات الصوفية في الهند باستبدال زيارة المساجد والترحال من بلد إلى بلد آخر بالجهاد في سبيل الله، ضد أعداء الله من الإنجليز وغيرهم، وكذلك اكتفت بتعلم بعض الآداب والأخلاق بدلاً من تعلم العقيدة الصحيحة وتعلم الأحكام الشرعية ونشر العلم بها بين الناس، وإذا نوقشوا في ذلك قالوا: نحن لا زلنا في مرحلة تزكية النفس.... ٢- إلغاء المحاكم الشرعية وإحلال القوانين الوضعية محلها. وقد بلغ بهم النشاط في هذا أنه لا تكاد جيوش الاحتلال تضع أقدامها على أرض إسلامية حتى تبادر بهذا العمل لأنهم يدركون نتائجه الهامة. وأول قطر بدأ فيه إلغاء الشريعة الإسلامية كما يقول الأستاذ المودودي هو الهند، فحتى سنة ١٧٩١م كانت الشريعة الإسلامية هي الحاكمة في الهند، ولكن الإنجليز تدرجوا في إلغائها حتى تم ذلك لهم، يلي ذلك الجزائر التي بدأ إلغاء الشريعة فيها بعد الاحتلال الفرنسي سنة ١٨٣٠م، ثم مصر التي أدخل- إسماعيل الخديوي عميل فرنسا- القانون الفرنسي فيها، ولم تأت سنة ١٨٨٣م حتى كان نصيب الشريعة لا يتجاوز الأحوال الشخصية إلا قليلاً، ثم أدخل الفرنسيون قانونهم في تونس سنة ١٩٠٦م ليتدخل حتى في الأحوال الشخصية، وفي سنة ١٩١٣م وضعوا في المغرب قانوناً مدنياً مماثلاً لما في تونس١.

стр. 29

أما في بلاد الشام والعراق فقد تأخر إلغاء الشريعة فيها إلى ما بعد إلغاء الخلافة العثمانية الإسلامية على يد اليهودي المتسمى مصطفى أتاتورك. ٣- القضاء على التعليم الإسلامي والأوقاف الإسلامية. أدرك المستعمرون أن أعظم وسيلة لإبعاد المسلمين عن دينهم هو أن يكونوا جهلاء به، واتعظوا بما لا قوه من مقاومة على أيدي طلبة العلم في الهند والجزائر وليبيا وغيرها حيث تزعَّم تلك الحركات الجهادية علماء الشريعة وطلابهم. فوضعوا المخططات الماكرة لتقليص التعليم الديني تدريجياً وإحلال التعليم اللاديني محله، وأشهر هذه المخططات مخطط كرومر ودنلوب في مصر الذي انتهج سياسة بعيدة المدى دقيقة الخطى في القضاء على الأزهر ومعاهده، وكتاتيب القرآن. ووضع نموذجاً خبيثاً للدس على الإسلام وتشويه تاريخه خلال المنهج التعليمي، ولا أدل على نجاح هذه الخطة من بقاء آثارها إلى اليوم ليس في مصر وحدها بل في الدول العربية عامة ١. وفي العراق وضع المستر "كوك " خطة مماثلة حولت علماء الإسلام الذين كانوا يقودون الأمة في الجهاد ضد الكفار وعلى رأسهم جنود المستعمر البريطاني حولتهم إلى مجرد موظفين بمديرية الأوقاف، وبحجة تنظيم الأوقاف إدارياً ومنهجياً قضي على التعليم الديني

стр. 30

الذي كان يعيش على أموال الأوقاف بل أقفلت الجوامع التي كان القرآن يحفظ فيها١. وفي بلاد المغرب كان الفرنسيون يحولون الجوامع والزوايا إلى إصطبلات للخيول ومخازن للسلاح بعد طرد طلابها في الوقت الذي كان فيه التعليم اللاديني يدعَّم بكل وسيلة، وبلغ هذا العمل قمته بالجامعات والكليات- الأنجيلية واليسوعية التي سميت فيما بعد بالجامعات الأمريكية- التي بُنِيت في اسلامبول والقاهرة وبيروت ولاهور وغيرها.. تلك التي كانت- ولا يزال ما بقي منها- لا دينية صرفة، بل كانت وكراً للاستخبارات الغربية وحرباً على الإسلام والمسلمين٢. ثانياً: المستشرقون٣: المستشرقون أدمغة الحملات الصليبية الحديثة، وشياطين الغزو الثقافي للعالم الإسلامي، ظهروا في حلبة الصراع في فترة كان المسلمون فيها يعانون من الإفلاس الحضاري والخواء الروحي، وفقدان الذات، مما جعل الفرصة سانحة لأولئك الأحبار والرهبان

стр. 31

وجنود الصليبيين الموتورين، كي يثأروا لهزائمهم الماضية وينفثوا أحقادهم الدفينة. وأقتضت خطة وجودهم في عصر يعبد العلم ويضفي عليه قداسة الوحي في العصور السابقة أن يخلعوا عن كواهلهم مسوح الرهبان والأحبار وسلاح الميدان، ويرتدوا لباس العلم ومسوح المعرفة، ثم جندوا آلاف المخطوطات ومئات المؤسسات الثقافية المختلفة، لمعركة استئصال الإسلام وعكفوا في صوامع البحث يديرون الصراع المرير بخبث ودهاء. وما كان ليغيب عن بالهم أن القضاء على الأشلاء الباقية من الكيان الإسلامي الضخم وسد كل الطرق التي قد تهيئ لبعث الحياة فيها لا تتم إلا بسلب الأمة ذاكرتها متمثلة في تراثها العظيم وفي الوقت نفسه شن حرب نفسية شرسة لإبادة ما يزال عالقاً في أذهان المسلمين من عقائده ومفهوماته، وإن لم تكن الإبادة التامة فلتكن الزعزعة والتفتيت. وتتلخص جهودهم العملية في هذه الفقرات التي يقتضي المقام إيجازها١: ا- الطعن في حقيقة الإسلام وحقيقة القرآن والنبوة. فقالوا عن الإسلام: إنه تطوير محرف لليهودية والنصرانية، أو هو جزء من مجموعة الأديان الشرقية تولد من احتكاك الوثنية العربية بأديان فارس والهند.

стр. 32

وقالوا: إن القرآن من وضع محمد- ﷺ أو هو من إملاء راهب نسطوري تعلم محمد على يديه مدة طويلة في الشام١ أو.... أو. أما. نبوة محمد- ﷺ فقد قالوا عن تلقي الوحي أنه نوبات من الصرع والهستريا أو نوع من العبقرية الشعرية في أحسن تقدير، أو أن محمد لم يكن إلا اللسان المعبر عن المذهب الذي كان يعتقد الراهب بحيرا "وكان يمليه عليه في الصحراء العربية ويكتبه ثم يدعي أنه وحي من الله "١. أما الطعن في السنة فقالوا: إن محمداً في حياته كان يعد كل ما يتكلم به قرآناً، وبعد موته ونشوب النزاع السياسي بين المسلمين احتاجت الأطراف المتنازعة إلى تأييد آرائها، وإذ لم تجد ما تؤيدها به من القرآن نسبت كل فرقة إلى محمد أقوالاً كثيرة لصالحها، ومن مجموع هذه الأقوال كتب علماء المسلمين بعد ثلاثة قرون تقريباً- أي بعد أن يكون كل شيء قد ضاع واختلط- كتباً سميت كتب الحديث والسنة وألزموا المسلمين الإيمان بها كالقرآن فاعتقدها المسلمون- باستثناء اليسار طبعاً- وسموا أتباعها أهل السنة تمييزاً لهم عن اليساريين- والمستشرقون يسمون الرافضة باليسار الإسلامي- ثم يعمدون إلى النقد المفصل للسنة فيطعنون في كبار رواتها وحفاظها بدئاً بالصحابة كأبي هريرة وغيره، وكبار الأئمة من

стр. 33

بعدهم كالزهري وعروة وغيرهما١. ٢- القول بأن الإسلام استنفذ أغراضه: وهي دعوى تأتي في صور شتى، منها وصف الإسلام بأنه دعوة أخلاقية جاءت لإنقاذ المجتمع العربي من عاداته السيئة كعبادة الحجارة ووأد البنات والسلب والنهب وشرب الخمر...... الخ. وتارة يوصف بأنه حركة اجتماعية تهدف إلى تغيير البنية الاجتماعية القبلية والاستبدال بها تركيباً اجتماعياً قومياً متحضراً للعرب. وبعض المستشرقين- الشيوعيين منهم- يقولون: إن الإسلام ثورة غير ناضجة ضد الطبقة التي كانت تسود المجتمع المكي تولدت من الصراع بين الطبقة الكادحة مثل محمد وبلال وصهيب ... والطبقة الرأسمالية أمثال الوليد بن المغيرة وأمية بن خلف. وأقوال أخرى كثيرة مؤداها: اعتبار الإسلام ظاهرة معينة في فترة زمنية محددة يجب أن تدرس وينظر إليها كما لو كان قطعة من الأحافير القديمة لا علاقة لها مطلقاً بالواقع المعاصر.

стр. 34

٣- القول بأن الإسلام طقوس وشعائر روحية أو على أحسن الأحوال دين بالمفهوم الغربي الكنسي الضيق، فلا دخل له بأمور الحكم والحياة الإجتماعية، والنشاط الاقتصادي. ٤- القول بأن الفقه الإسلامي مأخوذ من القانون الروماني. وهذه الدعوى مركبة على الدعوى السابقة هدفها إسقاط توحيد الألوهية من جهة وتهوين شأن الأخذ من القوانين الوضعية من جهة أخرى، فما دام الفقه القديم مستقى من أصول أوربية فما المانع اليوم من الاقتباس من القوانين الأوربية الحديثة كالقانون الفرنسي أو الأمريكي أو البريطاني ... الخ. ٥- الإدعاء بأن الشريعة الإسلامية لا تتلاءم مع الحضارة الحديثة. وهذا الإدعاء مغالطة تقوم على استغلال الشعور بالنقص والإحساس بالتخلف الذي وخز الأمة الإسلامية عند احتكاكها بالحضارة الأوربية، فقالوا: إن الإسلام دين قبلي صحراوي وشعائره وتشريعاته لا تنسجم مع الحياة العصرية المتمدنة، بل إن هذه الشريعة نفسها هي سبب التخلف وداء الشرق العضال، وأن السبيل إلى التطور والحضارة لهو نبذ محمد وكتابه١.- ٦- الدعوة إلى نبذ اللغة العربية وهجر حروفها وأساليبها:! وهي دعوى موازية للدعوى السالفة، وتحتج بالحجة نفسها-

стр. 35

أي عدم ملاءمتها للحضارة- وغرضها مسخ الأمة وقطع صلتها بدينها نهائياً١. ومنها تفرع القول بأن النحو العربي غير علمي، وافتعال التضاد بين قواعد النحو واللغة وبين أساليب القرآن بقصد هدم الإثنين. والزعم بأن الشعر الجاهلي وكثيراً من شعر صدر الإسلام منحول، لأن اللغة والتفسير يستمدان الشواهد منه٢. ٧- إثارة ما سُميَّ "بقضية تحرير المرأة": وهي دعوى ركز عليها أولئك لعلمهم بنتائجها المتعددة التي منها الطعن في الشريعة ذاتها، لأنها سبب احتقار المرأة بزعمهم، ونشر الإباحية والإنحلال في المجتمع الإسلامي، والقضاء على الأسرة الذي يؤدي إلى تجهيل النشىء بدينه ويتيح لهم الفرصة لتربية أبناء المسلمين كما يشاؤون. وقالوا: إن الإسلام يحتقر المرأة لذاتها، ولا يجعل لها قيمة معنوية سوى الاستمتاع المجرد في حين يتاح للرجل كل وسائل اللذة بالتسري وغيره.

стр. 36

ومزاعم أخرى كثيرة كان الواقع السيء يمدهم بأدلتها. ويسهل لهم إثارتها١. ٨- تهوين شأن الحضارة الإسلامية وتشويه تاريخها: يزعم المستشرقون أن أعظم مآثر المسلمين الحضارية هو نقل التراث اليوناني- نقله فقط وحفظه من الضياع- وأن روائعهم العمرانية مقتبسة من الفن البيزنطي ... الخ. أما تشويه التاريخ الإسلامي، فلم يدعوا وسيلة لذلك إلا سلكوها حتى سلبوه كل فضائله، وحصروه في الناحية السياسية ليصبح سلسلة من المشاحنات والمؤامرات والدسائس، ثم كرسوا الحديث عن الحكام في موضوعات الحريم والجواري والشعراء، وعمدوا إلى عظمائهم في الحرب والسلم فوصفوهم بالجمود والتزمت ومعادات التحضر، واتخذوا من الخزعبلات المدسوسة في التراث مصادر لتشويه سيرهم، ومن هنا بذلوا جهودهم لترجمة ونشر تلك الخزعبلات ومنح الدرجات العليا للباحثين فيها، وكان ثمرة ذلك كله أن مفهوم الحضارة الإسلامية لا يتجاوز عند غالبية المثقفين معنى كلمة "فول كلور"٢.

стр. 37

٩- بعث الحركات الهدامة والطوائف الضالة وتضخيم أدوارها، وسيأتي الحديث عن هذه الفقرة عند الكلام عن الجناح الرابع من أجنحة المخطط الصهيوني الصليبي لسلخ الأمة الإسلامية من دينها. ١٠- نبش الحضارات القديمة واحياء معارفها: تخصص عدد من المستشرقين في هذا المضمار، فعكفوا على دراسة اللغات البائدة والتنقيب عن آثار الغابرين، ولفقوا من رفات هش ما أسموه التاريخ الحضاري للعرب، ثم مدوا آثار تلك الحضارات إلى العصر الحاضر. فبدا الفتح الإسلامي وحضارته نشازاً في هذه السلسلة، أو في أحسن الأحوال عاملاً بين عوامل عدة، ومن أمثلة ذلك: بعث الفرعونية في مصر والفينيقية والآشورية في الهلال الخصيب، والحميرية في اليمن، واختلقوا القومية الطورانية لحساب الجمعيات السرية التركية. ونتج عن ذلك نتائج خطيرة: منها: تحسين سمعة الجاهلية وتمجيد طواغيتها الغابرين وبث النعرات الانفصالية وقطع صلة الأمة بماضيها الحقيقي أو على الأقل اشغالها عنه وتهيئة النفوس لتقبل إمكان قيام الحياة المتحضرة بدون الإسلام، كما عاشت تلك الحضارات قبله. ١١- وأخيراً- وضع منهج لا ديني للبحث العلمي: لو لم يكن من ثمرة جهودهم إلا ذلك المنهج لكفى، فإن

стр. 38

جامعات العالم الإسلامي المعاصرة تدرس التراث الإسلامي وفق ذلك المنهج الذي يتمسح بالموضوعية، والحياد العلمي وهو أبعد ما يكون عنهما، ومع كون هذا المنهج لا دينياً فهو في الوقت نفسه غير علمي لأنه غالباً يدور على هذه الأسس: ١- يعمل المستشرقون على إخضاع النصوص للفكرة التي يفرضونها حسب أهوائهم والتحكم فيما يرفضونه من النصوص وكثيراً ما يحرفون النص تحريفاً مقصوداً ويقعون في سوء الفهم- وعن عمد أحياناً- حين لا يجدون مجالاً للتحريف. ٢- يتحكم المستشرقون في المصادر التي يختارونها، فهم ينقلون من كتب الأدب ما يحكمون به في تاريخ الحديث النبوي، ومن كتب التاريخ ما يحكمون به في تاريخ الفقه-، ويصححون ما ينقله الدميري في كتاب "الحيوان "، ويكذبون ما يرويه الإمام مالك في الموطأ، ويهاجمون صحيح البخاري، ويمجدون كتاب الأغاني وألف ليلة وليلة١. وعلى الرغم من ذلك، فقد سرت عدوى هذا المنهج في أبناء المسلمين إلى حد يثير الريبة والعجب وقبل أن نختتم الكلام عن أساليب المستشرقين ينبغي أن نشير إلى أن أعمالهم تسير وفق خطة

стр. 39

مدروسة، ولذا فهي تتغير تبعاً لمقتضيات التغير بعد تقييم نتائج المرحلة السابقة ولذا لا غرابة أن تختفي من كتبهم الأساليب الاستفزازية والطعن المكشوف، إذ يبدو أن خطة "احتواء الفكر الإسلامي " هي المعمول بها حالياً. وأياً ما كانت النتائج فإن ما اضطلع به هؤلاء من مهمة تدمير المقومات الإسلامية من خلال الطعن في السنة النبوية ورواتها ليمهدوا الأرض الفكرية لقيام الحياة اللادينية في بلاد الإسلام قد آتت أكلها في أكثر من ميدان. ثالثاً: المبشرون١: كما أن للمستشرقين والمبشرين أهدافاً مشتركة فإن لهم وسائل متداخلة، ويمكن القول بأن ميدان المستشرقين الأساسي هو الثقافة والفكر، بينما يركز المبشرون جهودهم في النواحي الاجتماعية كالجمعيات الخيرية والإغاثة والمستشفيات والنواحي التربوية كالمدارس والمراكز الثقافية. ء وليس غريباً أن يجهل المسلمون الدوافع الحقيقية للتبشير، فقد كان يجهلها بعض أتباع الإرساليات التبشيرية أنفسهم، إذ لم يكن الجميع يدركون أبعاد الخطة الجديدة ومراميها، بل كانت العقلية الصليبية التي استثيروا بها من بلادهم لا توحي لهم بكل ذلك.

стр. 40

هذا ما اضطر القس زويمر- رئيس مؤتمر القدس التبشيري عام ١٩٣٥م- إلى إيضاح ذلك، فقال: "أيها الإخوان الأبطال والزملاء الذين كتب الله لهم الجهاد في سبيل المسيحية واستعمارها لبلاد الإسلام، فأحاطتهم عناية الرب بالتوفيق الجليل المقدس، لقد أديتم الرسالة التي نيطت بكم أحسن الأداء، ووفقتم لها أسمى توفيق، وإن كان يخيل إليَّ أنه مع إتمامكم العمل على أكمل الوجوه، لم يفطن بعضكم إلى الغاية الأساسية منه ". "إني أقركم على أن الذين أدخلوا من المسلمين في حظيرة المسيحية لم يكونوا مسلمين حقيقيين لقد كانوا كما قلتم "أحد ثلاثة: إما صغير لم يكن له من أهله من يعرفه ما هو الإسلام، أو رجل مستخف بالأديان، لا يبغي غير الحصول على قوته، وقد اشتد به الفقر وعرت عليه لقمة العيش، وآخر يبغي الوصول إلى غاية من الغايات الشخصية، ولكن مهمة التبشير التي ندبتكم دول المسيحية لها في البلاد المحمدية ليست هي إدخال المسلمين في المسيحية، فإن في هذا هداية لهم وتكريما، وإنما مهمتكم أن تخرجوا المسلم من الإسلام ليصبح مخلوقاً لا صلة له بالله، وبذلك تكونون أنتم بعملكم هذا طليعة الفتح الاستعماري في الممالك الإسلامية، وهذا ما قمتم به في الأعوام السالفة خير قيام.... " ١.
следующие страницы →