النداء الأول: في الأدب مع رسول الله ﷺ
الآية (١٠٤) من سورة البقرة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
الشرح:
هذا نداء الله تعالى لعباده المؤمنين، ناداهم بعنوان الإيمان؛ لأن المؤمن حي بإيمانه، يسمع ويعقل ويقدر على الفعل والترك بخلاف الكافر، فإنه لا يسمع ولا يعقل ولا يفعل إن أمر، ولا يترك إن نهي، واعلم أيها القارئ لهذا النداء أن الله تعالى إذا نادى عباده المؤمنين إنما يناديهم ليأمرهم بما فيه سعادتهم وكمالهم، أو لينهاهم عما فيه شقاؤهم ونقصانهم أو ليبشرهم، أو ينذرهم، أو ليعلمهم ما ينفعهم، ولنستمع إلى عبد الله بن مسعود ﵁، وقد قال له رجل: اعهد إلى يا عبد الله، فقال له: إذا سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأعرها سمعك فإنه خير يؤمر به أو شر ينهى عنه. وقد نادى الله تعالى عباده المؤمنين في هذه الآية لينهاهم عن كلمة راعنا، ويرشدهم إلى كلمة انظرنا؛ وذلك لأن المنافقين من اليهود كانوا يقولون لرسول الله ﷺ راعنا وهى في لغتهم العبرية بمعنى الاستهزاء والسخرية، فكانوا بذلك يستهزؤون بالرسول ﷺ ويسخرون منه، والاستهزاء بالرسول والسخرية منة كفر، فنهى الله تعالى المؤمنين أن يقولوا للرسول ﷺ إذا جلسوا إليه يتعلمون الكتاب والحكمة راعنا وليقولوا بدلها وهى في العربية بمعناها أنظرنا بمعنى أمهلنا، ولا تعجل علينا حتى نحفظ أو نفهم ما تقول لنا. وأمرهم بالإصغاء والسماع عند تلقي العلم والمعرفة والتأدب في ذلك. وأعلمهم أن للكافرين وهم المستهزؤون برسول الله ﷺ والساخرون منه من اليهود وغيرهم عذابا أليما أي شديدا موجعا، وقد ينالهم في الدنيا فبل الآخرة، وفى هذه الآية
стр. 2
الكريمة بيان وجوب الأدب مع رسول الله ﷺ ، وحرمة الإساءة إليه بقول أو عمل هذا مع الجهل وعدم العلم، أما مع العلم بأن اللفظة أو الحركة فيها إساءة أدب مع رسول الله ﷺ فإن ذلك هو الكفر بعينه، والعياذ بالله تعالى، وكما أن إساءة الأدب مع رسول الله محرمة وقد تكون كفرا مع التعمد والقصد، فإن إساءة الأدب مع المربي والمعلم والمرشد والأمير محرمة أيضا، كما أن عيب المؤمن أو احتقاره أو الهزء به أو السخرية منه محرمة وفاعلها فاسق إن لم يتب من ذلك، ولنقرأ قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ألا فلنحذر إساءة الأدب مع الله ورسوله ﷺ فإذا ذكر الله تعالى أو تلي كتابه يجب أن نصغي ونخشع، ولا نرفع أصواتنا، أو نضحك، وإذا ذكر رسول الله ﷺ أو حديثه يجب أن نصغي ويظهر علينا إجلاله واحترامه وحبه وتقديره، وهذه ثمرة هذا النداء الإلهي الذي أكرمنا الله تعالي بحفظه وفهم معناه. فلنجتنيها ولننتفع بها، ولنحمد الله تعالي عليها ونشكره، وهو أهل الحمد والشكر والثناء.
وسلام علي المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 3
النداء الثاني: في الاستعانة بالصبر والصلاة
الآية (١٥٣) من سورة البقرة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾
الشرح:
اذكر أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد قول عبد الله بن مسعود ﵁ إذا سمعت الله تعالي يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فأعرها سمعك فإنه خير يأمر به أو شر ينهى عنه. أو بشري يزفها، أو خطر يحذر منه، فإذا أمرك فافعل وإذا نهاك فانته، وإذا بشرك فابشر واحمده، وإذا حذرك فاحذر وانج بفضله، واذكر أيها القارئ والمستمع أن نداء الله تعالي لك بإيمانك شرف لك وأي شرف!! وإلا فمن أنت حتى يناديك رب العالمين!! واذكر أن شرفك كان بالإيمان به تعالي وبلقائه وملائكته وكتبه ورسله وقضائه وقدره، إن الإيمان بمثابة الروح للإنسان، فالمؤمن بحق حي، والكافر ميت، فاحمد الله تعالي علي نعمة الإيمان واطلب التقوى وحققها تظفر بأعظم مطلوب ألا وهو ولاية الله تعالي لك، فإن من والاه الله أكرمه وما أهانه وأسعده وما أشقاه. واسمع قوله تعالى في أوليائه: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ أرأيت كيف بين الله تعالى من هم أولياؤه بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ ، فاعمل أيها المؤمن القارئ والمستمع على تحقيق التقوى. واعلم أن التقوى هي طاعة الله ورسوله بما أوجبا من الأوامر وما حرما من المناهي، وذلك بعد معرفة العبد المؤمن أوامر الله ورسوله ونواهيهما، وهذه المعرفة تتطلب جهدا كبيرا. كما أن النهوض بفعل الأوامر وهى كثيرة
стр. 4
وشاقة على النفس يتطلب جهدا أكثر من جهد المعرفة، وأما ترك المنهيات فإنه وإن كان لا جهد فيه ولا مشقة ولا معاناة، إلا أن النفس الأمارة بالسوء واللوامة معا تضغطان على العبد حتى ترغماه علي فعل المنهي إلا أن يجد العبد من الله عونا فإنه يسلم من التلوث بأوضار فعل المنهي عنه، ويحتفظ بطهارة روحه التي هي مفتاح دار سعادته.
وهنا أيها القارئ والمستمع يجد المؤمن نفسه في حاجة ماسة إلي عون إلهي كبير حتى يحقق التقوى المتوقفة علي العلم وكيفية العمل وأدائه علي الوجه المطلوب المحقق لزكاة النفس وطهارتها. وها هو ذا الرب ﵎ يرشدنا إلي طريق الحصول علي عونه لعباده المؤمنين فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فعلى كل مؤمن أن يستعين بالصبر وهو حبس النفس على طلب العلم حتى يعلم ما يحب ربه وما يكره، وكيف يؤدي المحبوب على الوجه الذي يرضي الله تعالي، وحبسها علي فعل الطاعات حتى تؤديها علي الوجه الذي يثمر زكاة النفس وطهارتها وحبسها بعيدة عن المحرمات والمنهيات، وحبسها على مجاري الأقدار فلا تسخط ولا تجزع ولكن ترضى وتصبر بهذا الصبر يستعين المؤمن والله معه ناصره ومؤيده، وكما يستعين المؤمن بالصبر يستعين بالصلاة كما أمره الله تعالي والاستعانة بالصلاة تكون بأدائها في أوقاتها مستوفاة الأركان والشروط وبأهم أركانها وهو الخشوع فيها. فقد كان النبي (صلي الله عليه وسلم) إذا حزبه١ أمر فزع إلي الصلاة. إذ الصلاة تولد نورا للقلب ولا تولده عبادة غيرها، وصاحب نور القلب لا يقع في غضب الله تعالي بترك واجب ولا بفعل مكروه، وهذا هو العون المطلوب بالصبر والصلاة. والله مع الصابرين بتأييدهم ونصرتهم بعد وقايتهم وحمايتهم من كل مكروه. فاللهم اجعلنا منهم وارض عنا كما رضيت عنهم.
وسلام علي المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 5
النداء الثالث: في أكل الحلال وشكر الله على ذلك
الآية (١٧٢) من سورة البقرة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾
الشرح:
لا تنس أيها القارئ الكريم سر نداء الله تعالي لعباده المؤمنين بوصف الإيمان وهو أنهم بإيمانهم الحق أحياء يسمعون ويعقلون ويقدرون علي الفعل والترك، وأذكر أن الله تعالي ما ناداهم إلإ ليأمرهم بما هو خير لهم، أو ينهاهم عما هو شر لهم، إذ بفعل المأمور وترك المنهي تتحقق تقوى الله ، وبالإيمان والتقوى تكون ولاية الله للعبد.
واسمع ما قال الله تعالي في دلك: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ لذا يجب علي المؤمنين إذا سمعوا نداء الله أن يصغوا ليسمعوا لأنه ناداهم ليأمرهم أو ينهاهم فإذا فعلوا المأمور وتركوا المنهي إيمانا واحتسابا تحققت لهم ولاية الله ففازوا بذهاب الخوف والحزن عنهم في الدنيا والآخرة وهم في الغرفات آمنون.
هل تدري أيها القارئ أن الله تعالي نادى المؤمنين في هذا النداء الثالث من سورة البقرة ناداهم ليأمرهم بالأكل من الطيبات مما رزقهم من أنواع المطاعم والمشارب للحفاظ علي حياتهم. إذ البنية البشرية استمرار حياتها وصلاحيتها متوقف علي الغذاء والماء والهواء. فالأمر هنا على هذا دال على الوجوب، إلا أن قوله ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ يشير إلى أنه لما حرم المشركون على أنفسهم أنواعا من اللحوم كلحم
стр. 6
السائبة١ والوصيلة٢ والحام٣ والبحيرة٤ وأنكر الله تعالي ذلك عليهم، أمر المؤمنين بالأكل من الطيبات وهي كل ما أحله الله تعالي من اللحوم وغيرها. وأمرهم بشكره علي نعمه التي أنعم بها عليهم من أنواع الطيبات من الرزق الحلال. فالشكر يكون بالاعتراف بالنعمة وحمد المنعم عليها وصرفها فيما أذن أن تصرف فيه، وذلك كنعمة العلم والمال والبدن، فشكر نعمة العلم العمل به، وتعليمه للناس، وشكر نعمة المال أن يصرف في طاعة الله لا في معصيته. وشكر نعمة البدن أن يسخر في عبادة الله، وفعل الصالحات والمسابقة في الخيرات، وأخيرا أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد إن الأمر بالأكل من الطيبات دال علي أن الأكل من المحرمات لا يجوز، والمحرمات قد بينها الله تعالي بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ وبقوله تعالي: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل﴾ وكالأكل الشرب، فالخمر محرمة بقول الله تعالي: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أي من شرب الخمر، ومال الميسر والأنصاب والأزلام، ومن ذلك مال الربا قل أو كثر ولنستمع إلى قول الرسول ﷺ يقول محذرا أو معلما ومنبها: " يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا" وأن الله تعالي أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ . وقال: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يارب يا رب ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذى بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟؟ "
أرأيت أيها القارئ والمستمع كيف يحرم آكل الحرام استجابة الدعاء، ومن لم يستجب الله دعاءه هلك ورب الكعبة. فالحذر الحذر أيها المؤمن من أكل الحرام وشربه ولباسه والاستمتاع به. واكتف بما احل الله تعالي لك عما حرم عليك فإنك عبده وتعبده فكيف يصح إذا أن تأكل ما حرم عليك وأنت عبده وعابده وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ . أما من لا يعبد الله تعالي فأكله الحرام وتركه سواء إذ ما بعد الكفر ذنب كما قيل، وهو كذلك.
وسلام علي المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 7
النداء الرابع: في القصاص والدية والعفو
الآية (١٧٨) من سورة البقرة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيم﴾
الشرح:
هل تدري أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد لماذا نادى الله تعالي عباده المؤمنين؟ إنه ناداهم ليعلمهم حكما شرعيا عليه مدار تحقيق الأمن والاستقرار في المجتمع الإسلامي المبارك، وهذا الحكم هو فرضه تعالي علي المؤمنين القصاص في القتلى. فقد كان حيان من العرب يرى أحدهما أنه أشرف من الثاني فيقتل الحر بالعبد، والرجل بالمرأة، فأبطل الله تعالى هذا الحكم الجاهلي، وأعلمهم أن العدل هو أن يقتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى. فكفوا عن ذلك الحكم الجاهلي، وأصبح الحر يقتل بالحر لا بالعبد، والعبد يقتل بالعبد لا بالحر، والأنثى تقتل بالأنثى لا بالرجل. وبقى الأمر هكذا حتى نزلت آية المائدة وهو قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ فأصبح الحكم العادل النافذ هو أن يقتل القاتل سواء قتل رجلا أو امرأة. حرا أو عبدا، إلا أن يعفو أهل القتيل عن القاتل فلا يطالبوا بقتله، إما لرضاهم بالدية، وإما لاختيارهم أجر الآخرة عن أجر الدنيا، فتركوا القصاص والدية معا. ثم أخبر تعالى المؤمنين بأن من عفي له من أخيه شئ بأن تنازل الولي عن القتل قصاصا ورضى بالدية فعلى المطالب بالدية أن يطلبها بالمعروف وهو الرفق واللين وعدم الشدة والعنف، وعلى مؤديها أن يؤديها بإحسان لا بالمماطلة والتأخير أو الانتقاص وعدم الوفاء. ثم أخبر تعالى عباده المؤمنين بأنه رحمة بهم خفف عنهم فخير ولى الدم
стр. 8
بين العفو، أو أخذ الدية، أو القصاص، في حين أن أهل الكتاب قد شدد عليهم فاليهود لا دية عندهم ولا عفو بل القصاص فقط، والنصارى لا قصاص ولا دية ولكن العفو فقط. وهذا بناء على ما علم الله تعالي من حالهم. فشرع لهم ما يناسبهم تأديبا وتربية لهم.
وقوله تعالي في آخر الآية ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي بعد أن رضى بالدية وقبلها وقتل القاتل ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ وهو عذاب الآخرة بحيث لا تقبل منه دية، وإنما يتعين قتله، إلا أن يرى الإمام عدم قتله ودفعه دية من قتل.
وأخيرا: اعلم أيها القارئ الكريم أن هناك خلافا بين فقهاء الإسلام من أهل السنة والجماعة وهي في المسائل الآتية:
١-في قتل الحر بالعبد حيث ذهب الجمهور أن الحر إذا قتل عبدا لا يقتل به، ولكن يدفع قيمته لمالكه، بحجة أن العبد يباع ويقوم بقيمة؛ فلذا من العدل أن لا يقتل حر به ولكن يعطى مالكه قيمة مثله. وذهب أبو حنيفة رحمة الله تعالي إلى أنه يقتل به الحر أخذا بظاهر الآية: ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ، والذي يظهر أن الأمر يرجع إلى الإمام فإن خاف فتنة واضطرابا أخذ بالآية وهي القصاص، وإن لم يخف ذلك أخذ بمذهب الجمهور وهو دفع قيمته لمالكه لا غير.
٢-ذهب البعض كالحسن البصري وعطاء وهما تابعيان إلي أن الرجل لا يقتل بالمرأة ولكن تدفع الدية، ورد هذا الجمهور وقالوا بالقصاص لآية المائدة: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ ولقول الرسول صلي الله عليه وسلم " المسلمون تتكافأ دماؤهم ".
٣-ذهب الجمهور إلى أن الجماعة إذا اشتركوا في قتل واحد يقتلون به لقول عمر رضى الله عنه في غلام قتله سبعة فقتلهم وقال: " لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم "، وقال غير الجمهور لا يقتل الجماعة بالواحد، وهذا أيضا قد يرد إلي الإمام حيث ينظر في عواقب الأمور ويحكم بما فيه خير الأمة وصلاحها.
تنبيه:
القصاص كما يكون في النفس يكون في الأعضاء؛ لآية المائدة: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْن وَالأَنْفَ بِالأَنْفِ....ِ﴾ والعفو يكون في النفس والأعضاء والدية كذلك. ودية الرجل الحر مائة بعير، أو ألف مثقال ذهبا أو اثنا عشر ألف درهم فضة، ودية المرأة على النصف من دية الرجل، ولمزيد البيان اقرأ أيها القارئ الكريم الفصل العاشر من الجنايات وأحكامها من كتاب منهاج المسلم للمؤلف.
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين
стр. 9
النداء الخامس: في فريضة الصيام وآثاره على نفس الصائم
الآية (١٨٣) من سورة البقرة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ أو السامع أنك بإيمانك منادى بهذا النداء الإلهي، وإنه لشرف لك وأي شرف فأصغ بأذنك تسمع، وأحضر جميع أحاسيسك وافهم، ووطن النفس على أن تعمل بما تعلم فإن في ذلك لحاقك بعظماء العباد، فقد روى مالك في الموطأ (أن من علم وعمل بما علم وعلمه غيره دعي في السماء عظيما) هذا النداء الموجه للمؤمنين والمؤمنات يحمل فرضية صيام رمضان، ولما كان في الصوم مشقة؛ لأن ترك المعتاد من الأكل والشرب شاق على النفس، لذا هونه الله تعالى على عباده المؤمنين بقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي المؤمنين الأولين أتباع الرسل ﵈. وهذا على حد قول العامة: " المصيبة إذا عمت خفت ".
والصيام معناه: الإمساك عن الأكل والشرب والجماع، وذلك من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بنية الصيام، وقد بين تعالى شهر الصيام بقوله ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ وبينه الرسولصلى الله عليه وسلم بقوله: " بنى الإسلام على خمس، شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت١، وصوم رمضان " ومن رحمة الله بعباده المؤمنين أن للمريض والمسافر أن يفطرا ويقضيا ما افطراه يوم الشفاء، والعودة إلى البلد كما أن الحائض والنفساء تفطران وتقضيان بعد الطهارة من الحيض ودم
стр. 10
النفاس؛ إذ قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وأما المريض الذي لا يرجى برؤه، والشيخ الكبير الهرم فإنهما لا يصومان ويطعمان من كل يوم مدا من طعام للفقراء والمساكين.
واعلم أيها القارئ أن الصيام من أفضل العبادات، وأعظمها أجرا؛ فقد أخبر النبي ﷺ " أن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك" والخلوف رائحة الفم المتغيرة بطول الصيام، وقال ﷺ : " من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" ورغب رسول الله ﷺ في صيام ستة أيام من شوال، وصيام التاسع والعاشر من شهر المحرم، ويوم التاسع من شهر ذي الحجة وهو يوم عرفة، فقال ﷺ " صيام عاشوراء يكفر ذنوب سنة، وصيام يوم عرفة يكفر ذنوب سنتين الماضية والآتية " ورغب في صيام ثلاثة أيام من كل شهر وهى الأيام البيض الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر وقال ﷺ : " إنها كصيام الدهر". كما كان ﷺ يصوم الاثنين والخميس.
واعلم أيها القارئ الكريم أن من أكل أو شرب أو جامع وهو صائم فسد صومه وأن من اغتاب أو نم أو سب مؤمنا بطل أجره، فاحذر مفسدات الصوم، ومبطلات أجره.
واعلم أن للصوم فوائد روحية واجتماعية وصحية، ومن الفوائد الروحية أن الصيام يعود على الصبر ويقوى عليه، ويعلم ضبط النفس ويساعد عليه ويوجد في النفس ملكة التقوى.
ومن الفوائد الاجتماعية أنه (يربى) الأمة على النظام والاتحاد وحب العدل والمساواة ويكون في الصائم عاطفة الرحمة وخلق الإحسان، كما يصون المجتمع من الشرور والمفاسد.
ومن الفوائد الصحية أنه يطهر الأمعاء، ويصلح المعدة، وينظف البدن من الفضلات والرواسب، ويخفف من وطأة السمن، وثقل البطن بالشحم. وفى الحديث الحسن "صوموا تصحوا ".
وأخيرا أيها القارئ لا تنس النية؛ فإنها شرط في صحة الصوم لقول الرسول ﷺ :
стр. 11
"لا صيام١ لمن لم يبيت الصيام بالليل" وقوله ﷺ : " إنما الأعمال٢ بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى" واعلم أن صيام رمضان تكفى فيه النية من أول ليلة منه إلا أن يفطر لعلة مرض أو سفر، فإنه يعيد النية ليلة بدئه الصيام.
واعلم أن من أكل أو شرب ناسيا أنه لا كفارة عليه، وأما من أكل أو شرب أوجامع متعمدا فإن عليه الفضاء والكفارة وهى صيام شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينا، أو عتق رقبة إن وجدت وقدر على ذلك٣.
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين
стр. 12
النداء السادس: في وجوب قبول شرائع الإسلام كلها، وحرمة اتباع الشيطان
الآية (٢٠٨) من سورة البقرة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
الشرح:
إن الإسلام دين كامل ومتكامل؛ لذا هو لا يقبل الزيادة فيه، ولا يسمح بالنقص منه، إذ الزيادة فيه تبطله، والنقص منه يفسده وأقرب مثال يوضح هذه الحقيقة صلاة المغرب ثلاث ركعات فلو زيد فيها ركعة أو سجدة بطلت، كما أنه لو نقصت منها ركعة أو سجدة بطلت كذلك؛ بإجماع علماء الإسلام.
لذا فلو أن فردا من الناس قال: أنا أقبل الإسلام وأدخل فيه إلا أن ما حرمه من المطاعم والمشارب لا أحرمه، أو قال آخر: أنا أدخل في الإسلام إلا أن الصيام لا اعترف به لأنه يضعف من قوتي البدنية، أو قال أخر: أقبله إلا أنى لا أعترف بما قرره الإسلام من أن المرأة لها نصف ما للذكر في الميراث، أو قال آخر: أنا أقر بالإسلام وأدخل فيه إلا أنى لا اعترف بحكم قطع يد السارق، أو رجم الزاني المحصن. فهل يقبل الإسلام من هؤلاء؟ والجواب: لا يقبل بدا؛ وهم كافرون مخلدون في النار إن ما ماتوا على هذا الكفر.
ومثال آخر: لو أن مسلما أبا أو جدا قال: أنا لا أعترف بأن المسلم إذا دعا الأولياء أو استغاث بهم، أو تقرب إليهم بذبح أو نذر هو مشرك وأصر على ذلك فإنه كافر، وإن هو استغاث بغير الله ودعا غير الله وتقرب إلى غيره بذبح أو نذر فهو مشرك لا يقبل منه إيمان ولا إسلام، ولو صلى وصام وحج واعتمر وجاهد ورابط.
وهذا النداء الإلهي الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْم
стр. 13
كَافَّةً وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ هذا النداء هو الذي قرر حرمة النقص في الدين أو الزيادة فيه؛ إذ هذه الآية الكريمة نزلت في عبد الله بن سلام رضى الله عنه وكان حبرا من أحبار اليهود في المدينة، ودخل في الإسلام عن علم وقناعة، وبشر على لسان رسول الله ﷺ بالجنة لرؤيا رآها. هذا العالم رأى في بداية إسلامه أن يبقى على تعظيم السبت. وأن يقرأ بشيء من التوراة في صلاته بحجة أن السبت فرضه الله تعالى تعظيما على اليهود، وأن التوراة كلام الله تعالى، وقبل أن يفعل إستأذن رسول الله ﷺ في ذلك، فنزلت هذه الآية تأمر المؤمن أن يدخل في الإسلام بكله، لا يبقى شيئا خارجا عنه حتى ولو كان تعظيم يوم السبت الذي كان تعظيمه شرعا وعبادة قبل الإسلام، أو تحريم لحوم الإبل وألبانها إذ كانت محرمة على اليهود، فرأى بعضهم ممن أسلموا أن يبقوا على ما كانوا عليه من تحريمها. فكانت هذه الآية الكريمة مانعة من كل ذلك ولا يسع المؤمن الحق إلا الدخول في الاستسلام الكامل لله تعالى؛ وذلك بقبول ما شرع وعدم التخير فيه بقبول بعض ورفض بعض. وبعد أن أمر الله عباده المؤمنين بالانقياد الكامل والطاعة التامة لله ورسوله في كل ما حواه الإسلام من الشرائع والأحكام العامة والخاصة، نهى المؤمنين عن اتباع خطوات الشيطان وهى ما يزينه ويحسنه للمرء بنوع من التحسين والتزيين حتى يقع فيه فينقطع عن الله تعالى فيهلك كما هلك الشيطان بكبره وعجبه بنفسه، فقال تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ ، وعلل لتحريم عدم اتباع خطواته بقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ أي بين العداوة ظاهرها لا تخفى على أحد من ذوى العقول الراجحة والفهوم السليمة. وكيف وهو يزين اللواط، والزنا، والربا، وقتل النفس، والحسد، والكبر، والعجب، وعقوق الوالدين، وأذية المسلمين، إلى غير هذا من كبائر الذنوب والفواحش.
اعلم أيها القارئ أن هذا النداء اشتمل على بيان طريق النجاة وطريق الهلاك؛ فطريق النجاة هو الإسلام الكامل لله تعالى، باعتقاد ما أمر باعتقاده، وقول ما أمر بقوله، وفعل ما أمر بفعله، واجتناب ما أمر باجتنابه من ذلك كله اعتقادا أو قولا أو عملا، وطريق الهلاك هو اتباع خطوات الشيطان بتحسين القبيح، وتقبيح الحسن، فإذا أصبح العبد يحب ما يحب الشيطان، ويكره ما يكره فقد التحق به وأصبح من أوليائه، وخسر نفسه وأهله. كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ . واذكر ما يحمله قول
стр. 14
الله تعالى ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ من الوعيد الشديد؛ لكل من زلت قدمه فزاد في الإسلام أو نقص منه، أو بدل فيه. وما أصاب المسلمين من خراب ودمار، وذل وصغار لما تركوا واجبات أوجبها الله، وارتكبوا محرمات حرمها الله. كاف في الدلالة على ما تحمله الآية من وعيد شديد.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 15
النداء السابع: في الإنفاق في سبيل الله قبل الفوات بالموت
الآية (٢٥٤) من سورة البقرة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
الشرح:
إن معنى هذا النداء أيها القارئ الكريم هو أن الله ﵎، نادى عباده المؤمنين به وبلقائه، وكتبه ورسله وقضائه وقدره، ناداهم بعنوان الإيمان؛ لأن المؤمن حي يسمع النداء ويجيب الداعي لما دعاه من أجله، وهنا ناداهم ليأمرهم بالإنفاق أي إنفاق المال حيث تعين الإنفاق، وذلك كالجهاد في سبيل الله، وسد حاجة الفقراء والمساكين، وكإعداد العدة للجهاد؛ لحماية الملة والعباد، وكالإنفاق لتحرير الرقيق، ومداوة المريض، وما إلى ذلك من مواطن الإنفاق في سبيل الله لا في سبيل الشيطان، وذكرهم رأفة بهم أن الإنفاق الذي أمرهم به هو من ماله تعالى الذي رزقهم إياه، وأنه بعضه لا كله؛ إذ قال لهم ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي من بعض المال الذي رزقناكموه فضلا منا وإحسانا إليكم. وإن قلت أيها القارئ الكريم: وهل للشيطان سبيل ينفق فيه المال؟ أجبتك قائلا: آي ورب الكعبة إنها كل ما ينفق في معصية الله تعالى هو إنفاق في سبيل الشيطان، وذلك كالإنفاق في القمار، واللهو، والباطل، وكالإنفاق في أكل وشرب ولبس الحرام، وكالإسراف في الأكل والشرب وغيرهما، كل هذا الإنفاق هو في سبيل مرضاة الشيطان، ولذا فهو يأمر به ويزينه لفاعله.
وهل تدرى أيها القارئ ما يدل عليه قوله تعالى في هذا النداء وهو قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ إنه دل على أن الله تعالى رحمة بعباده المؤمنين وشفقة عليهم استعجلهم في
стр. 16
النداء الثامن: في بيان مبطلات ثواب الصدقة كالمن والأذى والرياء
الآية (٢٦٤) من سورة البقرة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ .
الشرح:
اذكر أيها القارئ الكريم ما سبق أن عرفته في سر نداء الله تعالى عباده المؤمنين بعنوان الأيمان ألا وهو أن المؤمن حي يسمع ويبصر، ويقدر على الفعل والترك، لأن الإيمان الصحيح وهو تصديق الله ورسوله في كل ما أخبر به من شأن الغيب والشهادة هي بمثابة الروح للجسم، فالجسم يتحرك ويقبل ما يراد به ما دامت الروح فيه، فإذا فارقته مات. اذكر هذا أيها القارئ أو السامع لتعي عن الله تعالى ما خاطبك به. وهو نهيه لك عن إبطال صدقاتك، وهو تعطيلها عن تزكية نفسك وتطهيرها؛ لأن الصدقة عبادة تزكى النفس إذا خلت من الموانع المبطلة لها. ومن الموانع للصدقة من تزكية نفس المؤمن المتصدق ما ذكر الله تعالى وهى:
١-المن وهو من كبائر الذنوب؛ لأن المنان أحد ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؛ لحديث مسلم: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المسبل١ إزاره والمنان الذي لا يعطى شيئا إلا منه، والمنفق٢ بالحلف الكاذب " وحقيقة المن أنه ذكر الصدقة وتعدادها على من تصدق بها عليه من المؤمنين على وجه التفضل عليه. والمنان
стр. 17
النداء الثامن: في بيان مبطلات ثواب الصدقة كالمن والأذى والرياء
الآية (٢٦٤) من سورة البقرة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ .
الشرح:
اذكر أيها القارئ الكريم ما سبق أن عرفته في سر نداء الله تعالى عباده المؤمنين بعنوان الأيمان ألا وهو أن المؤمن حي يسمع ويبصر، ويقدر على الفعل والترك، لأن الإيمان الصحيح وهو تصديق الله ورسوله في كل ما أخبر به من شأن الغيب والشهادة هي بمثابة الروح للجسم، فالجسم يتحرك ويقبل ما يراد به ما دامت الروح فيه، فإذا فارقته مات. اذكر هذا أيها القارئ أو السامع لتعي عن الله تعالى ما خاطبك به. وهو نهيه لك عن إبطال صدقاتك، وهو تعطيلها عن تزكية نفسك وتطهيرها؛ لأن الصدقة عبادة تزكى النفس إذا خلت من الموانع المبطلة لها. ومن الموانع للصدقة من تزكية نفس المؤمن المتصدق ما ذكر الله تعالى وهى:
١-المن وهو من كبائر الذنوب؛ لأن المنان أحد ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم؛ لحديث مسلم: " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ولهم عذاب أليم: المسبل١ إزاره والمنان الذي لا يعطى شيئا إلا منه، والمنفق٢ بالحلف الكاذب " وحقيقة المن أنه ذكر الصدقة وتعدادها على من تصدق بها عليه من المؤمنين على وجه التفضل عليه. والمنان
стр. 18
من الناس هو الذي لا يعطى شيئا إلا منه على من أعطاه إياه. فاحذر المن أيها المؤمن؛ فإنه مبطل لأجر الصدقة، وموجب لغضب الله تعالى.
٢-الأذى لغة هو كل ما يؤذى الإنسان في دينه أو عرضه أو بدنه أو ماله، وهو هنا أي الأذى المبطل للصدقات هو التطاول على المتصدق وإذلاله بالكلمة النابية، أو التي تمس كرامته وتحط من شرفه وقدره وهو المؤمن ولى الله تعالى. والله يقول في الحديث الذي رواه البخاري " من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب " والمعاداة هي مولدة الأذى وأشده وأقبحه.
٣-الرياء وهو أن يرى العبد عمله للناس رجاء أن يحمدوه عليه، أو يدفع به مذمتهم إذا خاف ذلك منهم، وهو في هذه الحال مراء، والرياء مبطلة للعمل مفسدة له فلا تزكوا به النفس البشرية، كالمن والأذى سواء بسواء في إبطال الصدقات لقوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ فالرياء في الصدقات مبطل لها كالمن والأذى؛ إلا أن الرياء عامة تكون في الصدقات وغيرها في سائر العبادات كالصلاة، والذكر، وقراءة القرآن، والحج، والعمرة، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر؛ لذا فهو أخطر من المن والأذى، وغالبا ما تكون الرياء ممن ضعف إيمانه بالله واليوم الآخر لقوله تعالى في الآية: ﴿وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إذ المؤمن بالله واليوم الآخر لا يتعمد بطلان عمله بالمراءاة ولا بغيرها. وقوله تعالى في الآية: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍْ﴾ والصفوان هو الحجر الأملس ﴿عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ﴾ من المطر، وهو المطر الشديد ﴿فَتَرَكَهُ صَلْدا﴾ أي ليس عليه شئ؛ لأن المطر أزال التراب وبقى الصفوان أملس كما كان. وقوله تعالى: ﴿لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي ينتفعون به وذلك لعجزهم عن الانتفاع بصدقاتهم بعد أن أبطلها المن والأذى والرياء. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ﴾ أي إلى ما يكملهم ويسعدهم في الدنيا والآخرة؛ وفى هذا إشارة إلى أن المنان والمؤذي للمؤمنين والمرائي هم قريبون من الكفر إن لم يكونوا كفارا لنعم الله، وذلك بترك شكرها وصرفها فيما يحب المنعم .
ألا فلنحذر أيها المؤمنون كل ما يبطل صدقاتنا بأن تصبح لا تزكى أنفسنا ولا تطهرها، ونحن نعلم حكم الله تعالى في الناس أبيضهم وأسودهم، عربهم وعجمهم، وهو فوز أصحاب النفوس الزكية، وخيبة وخسران أصحاب النفوس المدساة الخبيثة التي لم تطهر بالإيمان وصالح الأعمال، إذ قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ أي ينتفعون خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ .
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
стр. 19
النداء التاسع: في وجوب إخراج الصدقة من طيب المال، وحرمة إخراجها من خبيثة
الآية (٢٦٧) من سورة البقرة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي الرحيم يحتوى على ما يلي من التعاليم الإلهية المسعدة للإنسان المؤمن، المزكية له وهى:
١-وجوب إخراج الصدقة من طيب المال.
٢-حرمة إخراجها من خبيثة.
٣-بيان وجوب الزكاة مما كسبه المؤمن من الأنعام، وهى الإبل والبقر والغنم، إن بلغت النصاب وحال عليها الحول. ومما كسبه من الدنانير والدراهم أو ما يقوم مقامها من العمل المتداولة اليوم بين الناس إن بلغت النصاب وحال عليها الحول.
٤-بيان وجوب الزكاة من الخارج من الأرض وهو الحبوب كالبر والشعير والذرة والزيتون والزبيب والتمر، إن بلغ نصابا، وكان مقتاتا مدخرا، أما ما لم يكن مقتاتا كالفلفل والبصل والثوم فلا زكاة فيه، وكذلك ما لا يدخر وإن كان مقتاتا كالبطيخ والقثاء والرمان والتين والتفاح والبرتقال، إلا أنه يستحب التصدق من كل خارج من الأرض مما لا تجب فيه الزكاة لعدم توفر شرطي الزكاة فيه وهو الاقتيات والادخار.
стр. 20
الخارج منه؟
فعلمه أن من ملك خمسة من الإبل زكاها بشاة من الغنم، ومن ملك عشرا زكاها بشاتين، ومن ملك خمسة عشر زكاها بثلاث، ومن ملك عشرين زكاها بأربع شياه، ومن ملك خمسا وعشرين زكاها ببنت مخاض أوفت سنة ودخلت في الثانية، وإن من ملك ثلاثين بقرة وجب عليها فيه عجل يتبع أمه أوفى سنة. ومن ملك أربعين من الغنم وجب فيها شاة، وما زاد على ما ذكر يطلب من كتب الفقه المطولة وهذا جدول مختصر لها.
العدد ... الإبل ... العدد ... البقر ... العدد ... الغنم
٢٥ ... فيها بنت مخاض ... ٣٠ ... فيها عجل ... ٤٠ ... فيها شاة
٣٦ ... بنت لبون ... ٤٠ ... فيها مسنة ... ١٢١ ... فيها شاتان
٤٦
... حقة أوفت ٣ سنوات ... فوق
٤٠ ... فى كل ٤٠ مسنة
وفى كل ٣٠ عجل ... إذا بلغت
٢٠١ ... ففيها ٣ شياه
٦١ ... جذعة أوفت ٤ سنوات ... ... ... وفوق
ذلك ... في كل مائة شاة واحدة
٧٦ ... بنتا لبون ... ... ... ...
٩١ ... حقتان ... ... ... ...
١٢٠ ... ففى كل ٤٠ بنت لبون
وفى كل ٥٠حقة ... ... ... ...
واعلم أيها القارئ أن ما بين الفريضتين يسمى وقصا١، وأنه لا زكاة فيه مثاله في
стр. 21
الخمس من الإبل شاة حتى تبلغ عشرا، ما بين الخمسة والعشر لا زكاة فيه، وهكذا فالغنم في الأربعين شاة وفى المائة وواحدة وعشرين شاتان، فالعدد ما بين الأربعين إلى مائة وعشرين وقص لا زكاة فيه أي معفو عنه فاذكرها ولا تنساها فإنه لابد منها.
هذا وهل فهمت من النداء قول الله تعالى: ﴿وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ إن معناه حرمة إخراج الزكاة أو الصدقة من رديء المال وفاسدة ذاك الذي لو أعطيته أنت ما قبلته ورددته على صاحبه، اللهم إلا أن تغمض عينيك وتقبله حتى لا تغضب عليك من أعطاكه، وهو معنى قوله تعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ﴾ . وأخيرا أذكر ما ذكرنا الله تعالى به في هذا النداء الكريم إذ قال تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾ حتى لا تسول لك نفسك أن الله في حاجة إلى صدقة متصدق، فتمن ذلك عليه، أو أن الله فرض الصدقة لأجل أن يحمد من المتصدق عليهم، لا، لا، فإنه تعالى غنى حميد بإفضاله وإنعامه على خلقه حميد بصفات الجلال والكمال فيه، إذ له الحمد في السموات والأرض وله الحمد في الآخرة. وهو العزيز الحكيم.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين
стр. 22
النداء العاشر: في الأمر بالتقوى وترك ما بقى من الربا
الآيات (٢٧٨_ ٢٧٩_ ٢٨٠) من سورة البقرة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ (٢٧٩) وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٨٠) ﴾
الشرح:
اعلم أيها القارئ أو المستمع لهذا النداء العزيز أن هذا النداء وجه للمؤمنين ليأمرهم بأمرين عظيمين: الأول: تقوى الله ، وذلك بطاعته وطاعة رسوله ﷺ ؛ إذ الله تعالى لا يتقى غضبه وعقابه إلا بالاستسلام والانقياد له وذلك بحب ما يحب، وكره ما يكره، وفعل ما يأمر به، وترك ما ينهى عنه، والثاني: ترك ما بقى من الربا بعد تحريمه بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا﴾ فمن بقى له شيئ من فوائد الربا فليتركها لمن هي في ذمته.
ولخطورة هذا الموقف وصعوبته على النفس البشرية: ذكرهم بإيمانهم؛ إذ الإيمان الصحيح هو بمثابة الطاقة الدافعة فقال لهم: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فإن إيمانكم قدرة قوية تحملكم على تقوى الله وترك ما بقى من الربا عند المدينين لكم. وفى الآيتين بعد هذه حذرهم مهددا لهم بسوء عاقبة الاستمرار في هذه المعصية الكبيرة فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ أي ما أمرتكم به من التقوى وترك ما بقى لكم من الربا ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وهل من حارب الله ورسوله يفوز وينتصر لا، والله بل يخسر وينكسر، ثم أرشدهم لحل مشكلة تحدث لهم بعد توبتهم وهى أن رؤوس أموالهم مع أرباحهم تبقى عند المدينين لهم فكيف يصنعون بها. فأرشدهم إلى أخذ رؤوس أموالهم التي هي تحت يد المدينين وترك الأرباح التي كانت لهم بحكم التعامل
стр. 23
الربوي المحرم. وإن من كان معسرا من المدينين لهم فلينتظروه حتى ييسر الله عليه ويدفع لهم رأس مالهم، وإن هم تكرموا بترك ذلك المال صدقة منهم على المعسر فذاك خير إن كانوا يعلمون ثمرة الإحسان بعد الإساءة والتوبة بعد الذنب، فقال ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ .
هل عرفت أيها المؤمن القارئ أو المستمع عظم ذنب المرابي وآكل الربا، وأزيدك معرفة بقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ﴾ - أي من قبورهم - ﴿إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ﴾ أي يضربه الشيطان ضربا غير منتظم، والمس اللمس ومن لمسه الشيطان يصرع فورا. فالمرابي يقوم يوم القيامة من قبره كالمجنون الذي كلما قام صرعه الجان.
ويقول الرسول صلى الله عليه وسله: " لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه " ويقول " اجتنبوا السبع الموبقات " ويذكر منها أكل الربا. فإذا عرفت أيها القارئ عظم ذنب آكل الربا. فاعرف ما هو الربا حتى تجتنبه وتدعو المؤمنين إلى اجتنابه إنه نوعان:
الأول: ربا الفضل: وهو بيع ربوى بآخر مع فضل زيادة. والربويات هي الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح، ويقاس على البر الذرة وكل مقتات مدخر فإذا باع أحدا ذهبا بذهب، أو فضة بفضة وجب أن يكون المقدار متساويا وأن يكون في مجلس واحد أي يد بيد، وكذا إن باع قمحا بقمح وإن اختلف الجنس كأن يباع ذهب بفضة، أو قمح بشعير مثلا فيجوز التفاضل ولكن بشرط أن يكون يدا بيد.
الثاني: ربا النسيئة: أي التأخير وهو أن يعطى المرء لآخر مالا يسدده بعد عام مثلا على أن يزيد فيه، فإذا أعطاه ألفا يردها بعد العام ألف ومائة مثلا وكلما تأخر السداد زاد في رأس المال؛ حتى يصبح أضعافا مضاعفة كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ .
وأخيرا اعلم أيها القارئ أن سر علة تحريم الربا هي أنه يقطع التراحم بين المؤمنين، وكل ما يؤدى إلى القطيعة بين المؤمنين فهو حرام؛ لأن المؤمنين يجب أن يعيشوا إخوانا متعاونين متحابين، يقرض بعضهم بعض القروض طويلة الأجل، ولا يرجو من ذلك سوى الأجر والمثوبة من الله تعالى؛ لأن القرض في الأجر كالصدقة بل أعظم منها، كما أن المضاربة وهى أن يعطى المؤمن أخاه مالا يتجر فيه والربح بينهما فيها فائدتان: الأولى: نماء المال. والثانية: عون الفقير على الكسب والربح. ومثل المضاربة المشاركة شفى الزراعة والصناعة في تنمية المال، وإفاضته بين المؤمنين لذا حرم الله الربا وأحل البيع.
فلله الحمد وله المنة، وصلى الله وسلم على نبيه وآله وسلم تسليما كثيرا.
стр. 24
النداء الحادي عشر: في مشروعية كتابة الديون والإشهاد عليها
الآية (٢٨٢) من سورة البقرة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن المال قوام الأعمال. واسمع قول الله تعالى فيه: ﴿وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً﴾ ، إذ حرم إعطاء المال لغير الراشدين كالنساء والأطفال وقاصرى العقول وعادمي البصيرة في التصرف المالي، فإذا عرفت هذا فهيا بنا نشرح آية الدين ونبين ما احتوت عليه من أحكام تتعلق بالديون، الأخذ بها بعد معرفتها يحفظ على المسلم ماله ويصون كرامته.
стр. 25
وأول أحكام الديون هو: كتابة الدين إذا كان مؤجلا لثلاثة أيام فأكثر ودل على هذا الحكم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ .
وثاني أحكامها: مشروعية بيع السلم إذ قوله إلى أجل مسمى دال عليه وبيع السلم هو أن يبيع العبد أخاه تمرا أو قمحا إلى أجل فيأخذ البائع الثمن. ويدفع السلعة عند حلول الأجل على شرط أن يكون السلم معلوم الكيل أو الوزن، لقول رسول الله ﷺ " من أسلف في تمر فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ".
وثالث الأحكام: أن يكتب الدين وإن على الكاتب أن يعدل فيما يكتب فلا يزيد ولا ينقص ولا يبدل ويغير لقوله تعالى: ﴿فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ﴾ .
ورابع الأحكام: أن من يحسن الكتابة إذا أحتيج إليه ليكتب بين متداينين وجب عليه أن يكتب لقوله تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ﴾ أي شكرا لله تعالى على تعليمه الكتابة.
وخامس أحكام هذه الآية. أن الذي يملى على الكاتب هو الذي عليه الحق ليكون إملاؤه اعترافا بالحق وتقريرا له. لقوله تعالى: ﴿وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ ، كما نهاه أن ينقص من الدين شيئا إذ قال تعالى: ﴿وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾ .
وسادس أحكامها: إن كان الذي عليه الحق قاصرا لسفه أو خوف فليملل وليه بالعدل، أي بالقسط بلا زيادة في الدين ولا نقص منه.
وسابع الأحكام: الإشهاد على صك الكتابة ويشهد رجلان فإن تعذر وجود رجلين فرجل وامرأتان إذ قال تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ .
وثامن الأحكام: حرمة رفض الشهود الشهادة إذا دعوا إليها، وتوقف حق المرء على شهادتهما إذ قال تعالى: ﴿وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ أي لآداء الشهادة.
وتاسع الأحكام: الحث على كتابة الدين قليلا كان أو كثير إذ قال الله تعالى: ﴿وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ﴾
стр. 26
وعاشر الأحكام: العفو عن عدم الكتابة في التجارة الحاضرة كأن يشترى المرء قنطارا تمرا أو سكرا على أن يسدد الثمن بعد يوم أو أيام مثلا فإنه لا تتعين كتابة هذا الدين.
وحادي عشر الأحكام: وجوب الإشهاد على البيع فمن باع دارا أو بستانا أو سيارة فليكتب ويشهد على الكتابة إذ قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾
وثاني عشر الأحكام: أن لا يضار كاتب ولا شهيد كأن يدعى الكاتب أو الشاهد إلى مكان بعيد أو إلى وقت يعطل فيه عمله، أو يضيع فيه حقوقه إذ قال تعالى: ﴿وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ﴾ ، ومن الإضرار بالكاتب والشهيد أن يطلب إليهم أن يكتبوا باطلا أو يشهدوا زورا.
وثالث عشر الأحكام: الأمر بتقوى الله ووعد الله تعالى للمتقين بأن يعلمهم ما ينفعهم في دنياهم وأخراهم بما يؤتيهم من نور في قلوبهم يفرقون به بين الحق والباطل والرابح والخاسر إذ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً﴾
بعد هذه الأحكام التي اشتملت عليها آية الدين العظيمة فإليك بعض البيانات الهامة:
١-شهود المال لا يقلون عن إثنين، وأما شهود الزنا فهم أربعة لا يقلون عنها.
٢-لا يشهد الصغير ولا العبد المملوك.
٣-إن وجد شاهد فقط تتمم الشهادة باليمين.
٤-خير الشهود الذي يأتى بشهادته قبل أن يسألها للحديث في ذلك.
٥-أول من جحد أدم فجحد بنوه لذا شرع الله الكتابة في البيوع والديون لحديث أبى داود.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 27
النداء الثاني عشر: التحذير من طاعة بعض أهل الكتاب حتى لا يفسدوا على المؤمن دينه
الآيتان (١٠٠ _ ١٠١) من سورة آل عمران
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم ٍ﴾ .
الشرح:
اذكر أيها القارئ الكريم أن الله تعالى ما ينادى المؤمنين إلا ليأمرهم بما فيه سعادتهم في دنياهم وأخراهم، أو لينهاهم عما فيه خسارتهم وشقاؤهم في دنياهم وأخراهم، أو ليبشرهم بما يزيد حبهم في الله وطاعة له وحبا فيه، أو ليحذرهم وينذرهم بما فيه خطر أو شر، وذلك لأنهم إن اتقوه كانوا أولياءه، وأولياؤه تعالى لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفى الآخرة، وهذا هو الفوز العظيم.
وها هو ذا ﵎ ناداهم ليخبرهم محذرا لهم في طاعة بعض أهل الكتاب من اليهود والنصارى؛ فإنهم إن أطاعوهم كفروهم بردتهم عن الإيمان، فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولا ﴿إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ وهم الحاقدون على الإسلام والمسلمين، المغتاظون لظهور الإسلام وانتشار نوره في المشرق والمغرب، إن تطيعوهم فيما يزينون لكم ويحسنون من الباطل والكفر الخفى، وفيما يقبحون لكم من أحكام الإسلام، وعباداته، وآدابه، وأخلاقه، بدعوى أنها منافية للديمقراطية والحرية الشخصية، أو أنها تعوق عن التقدم الحضارى، أو أنها كانت فيما مضى صالحة، أما اليوم فنحن في
стр. 28
عصر الذرة وغزو الفضاء، فإنها تخلف أصحابها وتقعد بهم دون الحضارة والتقدم هؤلاء وهم طائفة اليهود والنصارى ممن يدعون العلم والمعرفة، وهم يحملون العداء للإسلام وأهله، هؤلاء إن تطيعوهم فتعتقدوا صحة ما يزينون لكم، وتأخذون بما يقدمون لكم من توجيهات وإرشادات ظاهرها أنها في صالحكم وباطنها فيها خزيكم، وذلكم هؤلاء إن تطيعوهم يردوكم بعد إيمانكم كافرين إذا فالحذر الحذر أيها المؤمنون وخذوا بهذه النصائح القرآنية الغالية، فإنكم تنجون من كيد أعدائكم الماكرين بكم، الطالبين بعدكم عن مصدر عزتكم وقوتكم وسيادتكم وقيادتكم.
واعلموا أن في الآية الكريمة بعد هذه مباشرة أكبر حصن لكم، وأعظم سور لمناعتكم من أعدائكم الكائدين لكم من هذا الفريق الذي تقدمت صفاته وهم أهل الحقد والتغيظ على الإسلام وأهله؛ لشعورهم أن الإسلام هو سبيل النجاة، وأن ما هم عليه من اليهودية أو النصرانية هو طريق الخسران في الدنيا والآخرة. وإنما منعهم من الإسلام حب الرئاسة، والمصالح المادية التي يعيشون عليها بين أتباعهم والشهوات المسيطرة على نفوسهم؛ لأن الإسلام يحرم منها ويبعد عن ساحتها؛ لذا هم مصرون على الكفر وتكفير المؤمنين ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا. ومثل هؤلاء بعض رجالات الرافضة في كونهم يبغضون أهل السنة والجماعة، ويبذلون الغالي والرخيص في صرف أهل السنة والجماعة عن سبيل النجاة إلى سبيل الهلاك بالتشيع القائم على تكفير خيرة الأصحاب أبى بكر وعمر وعثمان وغيرهم، وتحريف معان آيات الله، وأحاديث رسول الله ﷺ تصحيحا لمذهبهم الباطل، لحمل الأجيال على اعتناقه ليهلكوا معهم ويحرموا الجنة دار السلام مثلهم، لأن الذى يكفر مؤمنا فهو كافر فما بالك بالذي يكفر من رضى الله عنهم وأنزل ذلك في كتابه في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ وهم ألف وأربعمائة من أصحاب رسول الله ﷺ وعلى رأسهم العشرة المبشرون بالجنة، فكيف يرضى عنهم اليوم ويخبر برضاه عنهم ويكفرون بعد موت نبيهم، إن هذا اتهام لله بأنه لا يعلم الغيب وأنه كالإنسان يرضى اليوم ويغضب غدا. وهذا هو الكفر بعينيه كما يقال. فتنبه أيها المؤمن القارئ المستمع لهذا النداء ...
أما الحصن المانع من الوقوع في الكفر الذي يدعوا إليه الحاقدون عن الإسلام من يهود ونصارى، ورافضة، فهو في قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى
стр. 29
عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ . ومعنى هذه الآية أنه من العجيب أن يكفر مؤمن تتلى عليه آيات الله، وبين يديه رسوله يوجهه ويرشده ويحميه من مظلات الفتن. ومعنى هذا أن المناعة كل المناعة للمؤمن من الزيغ والكفر في العمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ فعلى المؤمنين أن يحيوا عهد رسول الله ﷺ وذلك بأن يتعاهدوا في مدنهم وقراهم على الاجتماع كل ليلة في بيوت ربهم من صلاة المغرب إلى صلاة العشاء يتعلمون الكتاب والحكمة ويعملون بما يعلمون بجد وصراحة وصدق، وأما المسافر فإنه يأتى مسجد أهل البلد الذي سافر إليه ويشهد معهم الصلاتين، ويسمع معهم الكتاب والحكمة، ويعمل بهما ويعلمهما، وبذلك يعظم ويفوز.
وأخيرا يخبر تعالى عباده المؤمنين مبشرا لهم بأن من يعتصم بالله أي بكتابه وسنة رسوله فقد هدى إلى صراط مستقيم، فلا يضل ولا يشقى.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 30
النداء الثالث عشر: في الأمر بتقوى الله والموت على الإسلام
الآية (١٠٢) من سورة آل عمران
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونٍَ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي يحمل أمرين عظيمين من التكليف، ولولا الله ما قدر مؤمن على النهوض بهما، إلا أن العبد إذا صدق ربه وأخلص النية والعمل له، ولجأ في صدق إليه ، فإن الله لا يخيبه بل يسدده ويعينه حتى يأتى بهذين المطلبين العظيمين اللذان هما تقوى الله حق تقاته، والموت على الإسلام، إذ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونٍَ﴾ .
واعلم أيها المؤمن أن الأمر بالتقوى أمر به تعالى عباده المؤمنين في عشرات الآيات، وإنما قوله هنا حق تقاته. هذا الذي حير عقول العلماء إذ ليس في قدرة العبد ذلك، إذ لو ذاب العبد وتحلل وتبخر من خشية الله تعالى ما كان ذلك وافيا بتقوى الجبار الذي يقول للشيء كن فيكون، والذي الأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه. والذي يحبى ويميت ويعز ويذل، وهو على كل شئ قدير.
وقد ذكر أهل العلم من السلف الصالح أن تقوى الله حق تقاته هي أن يذكر تعالى فلا ينسى، وأن يطاع فلا يعصى، وأن يشكر فلا يكفر، والذي يخفف على المؤمن همه في تقوى الله حق تقاته هو قول الله تعالى في سورة التغابن: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم﴾ فهذه الآية كالمخصصة لعموم قوله تعالى في هذه الآية ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ والحمد لله.
стр. 31
ولنعلم أيها المؤمن أن العبد إذا حمل هم تقوى الله حق تقاته فأصبح يذكر ولا ينسى، ويشكر ولا يكفر، ويطيع ولا يعصى، وذلك في أغلب أوقاته، وأكثر أحواله، فإنه بحمد الله تعالى يحقق المطلوب منه وهو أن يتقى الله حق تقاته في حدود طاقته البشرية وخوفه الإنساني.
واذكر أيها المؤمن أن تقوى الله هي طاعته، وطاعة رسوله، بفعل الأوامر واجتناب النواهي في حدود الطاقة البشرية، إلا أن هذه الطاعة متوقفة على معرفة الأوامر وكيف تفعل، ومعرفة النواهي وبما تترك. وهنا يتعين طلب العلم وهو معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته معرفة تثمر حبه تعالى في القلب، وخشيته في النفس، ومعرفة أوامره ونواهيه، ومعرفة محابه ومكارهه، ليحب العبد ما يحب ربه ويكره ما يكره، وبهذه التقوى تتحقق للعبد ولاية الرب ومتى ظفر العبد بهذا المطلب السامي؛ وهو ولاية الله تعالى فقد فاز بالسعادة في الدارين وتلك أمنية العاملين، وهدف الساعين، من المؤمنين.
كان هذا بيان تقوى الله حق تقاته، وأما بيان قوله تعالى: ﴿وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فإن الله تعالى لما أمرنا بتقواه حق التقوى، نهانا أن نموت على غير الإسلام، كاليهودية، أو النصرانية، أو غيرهما من الأديان الباطلة، وهل يملك المرء أن يموت على الإسلام أو غير الإسلام؟ والجواب: أن على العبد أن يسلم قلبه ووجهه لله تعالى، فلا يتقلب قلبه إلا في طاعة الله وطلب مرضاته، ولا يوجه وجهه راغبا وراهبا، إلا إلى الله ، ويستمر على ذلك، فإنه لا يموت إلا على تلك الحال وهى الإسلام، ومعنى هذا أن الاستمرار على طاعة الله ورسوله مع العزم على الموت على الإسلام سيؤدى قطعا بالعبد إلى أن يموت مسلما وكيف وهو يكره أن يعود إلى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار، وذلك لما يوجده الإيمان الصحيح الذي يرضى صاحبه أن يقتل ويصلب ويحرق ويمزق ولا يرضى أن يكفر بعد إيمانه وطاعته لربه وحصوله على رضاه.
فاذكر هذا أيها المؤمن وواصل طريق تقواك لله، فإنك ضامن أن لا تموت إلا على الإسلام بمشيئة الرحمن ﷻ ، وعظم سلطانه.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 32
النداء الرابع عشر: في حرمة اتخاذ البطانة من غير المؤمنين، وبيان أثرها السيئ
الآية (١١٨) من سورة آل عمران
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ .
الشرح:
اذكر أيها القارئ والمستمع الكريمان ما سبق من أسرار نداءات الرحمن في كتابه للمؤمنين به وبلقائه، إن منها إنذارهم وتحذيرهم من كل ما يرديهم أو يشقيهم. وها هو تعالى هنا يناديهم ليمنعهم ويحرم عليهم اتخاذ بطانة من غير المؤمنين كاليهود، والنصارى، والمشركين، يطلعونهم على بواطن أمورهم، وأسرار دولتهم وبخاصة الأسرار الحربية والمالية، فإن في هذا خطرا عظيما على الدولة المسلمة، وقد يؤدى بها إلى التلاشي بعد الفرقة والهزيمة، والعياذ بالله من كل شر وسوء يصيب الإسلام وأهله ودولتهم. فلنتأمل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ فالبطانة من يطلع على بواطن الأمور وخفاياها، ومن دوننا هم قطعا الكفار، وسواء كانوا أهل كتاب أو مشركين، ولنتأمل قوله ﴿لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً﴾ أي لا يقصرون في إفساد أموركم عنكم بشتى الوسائل تحت شعار العلم والمعرفة، أو النصح والتوجيه، ولنتأمل قوله تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ أي أحبوا حبا عظيما كل ما يوقعكم في العنت والمشقة، حتى تحرموا سعادة الدنيا وهناءها وتصبحوا عالة عليهم، ومحتاجين إليه لتذلكم الحاجة، وتهينكم بين أيديهم. ولنتأمل قوله تعالى: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أي قد ظهرت
стр. 33
البغضاء وهى شدة بغضهم لكم لأنكم مسلمون وهم كافرون. وقال بأفواههم ولم يقل بألسنتهم إشارة إلى أنهم إذا تكلموا لكم ناصحين ومعلمين يتشدقون بالكلام، فتمتلئ أفواههم به إظهارا للرغبة في نفعكم وخيركم، والمتأمل الواعي البصير يعرف هذا من كلامهم، وما تخفى صدورهم من التغيظ عليكم والبغض لكم أكبر مما يظهر من كلامهم ولنتأمل قوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فلننظر، فتتجلى لنا نعمة الرحمن الرحيم بعباده المؤمنين، إنها منته تعالى علينا، حيث منعنا من اتخاذ البطانة من غيرنا صرف للشر والأذى عنا، وإبقاء على نورنا وهدايتنا وكرامتنا. إنه يعقب على نعمة البيان والهداية بقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ﴾ الكاشفة لنا عن مخبئات أعدائنا لنا من الحسد والكره والغيظ والبغض. إن كنا نعقل عنه ما ينزله علينا ويخاطبنا به إكراما منه لنا فلله الحمد والمنة. ألا فليعلم هذا كل مسئول في دولة الإسلام وليعمل به ولا يعرض عنه ولا يتنكر له. فإن المناعة التامة للحفاظ على دولة الإسلام وقوتها وامتداد ظلها في العالمين.
ولنورد أخيرا ما يثبت به ما بيناه من هداية هذه الآية الكريمة الحاملة للنصيحة والتوجيه الرباني لأمة الإسلام، فهذا البخاري يروى في صحيحه تعليقا أن النبي ﷺ قال: " ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كان له بطانتان: بطانه تأمره بالخير وتحضه عليه، وبطانه تأمره بالسوء وتحضه عليه، والمعصوم من عصمه الله "، من هنا وجب على كل من ولى أمر المسلمين أن يعرف هذا ويحذر من بطانة السوء فلا يقبل اقتراحاتها ولا توجيهاتها، ويقبل مل تقدمه البطانة الصالحة ويشكرها عليه ويقربها منه ويدنيها إليه. وهذا عمر رضى الله عنه قال له أحد رجاله: إن هاهنا رجلا من نصارى الحيرة لا أحد أكتب ولا أخط بالقلم منه أفلا يكتب عنك؟ فقال: لا آخذ بطانة من دون المؤمنين. وجاء أيضا أبو موسى الأشعرى بحساب نصراني لعمر رضى الله عنه فانتهزه وقال: لا تدنهم وقد أقصاهم الله، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله ولا تأمنهم وقد خونهم الله.
قل لي أيها المؤمن أبعد هذا يجوز اتخاذ بطائن من أهل غير الإسلام، يطلعون على بواطن أمور الدولة والأمة؟ والجواب لا، لا وليس معنى هذا أن لا نستخدم غير المؤمنين إذا دعت الحاجة إلى إستخدامهم، وإنما لا نطلعهم على بواطن أمورنا ولا نضعهم في مقاعد التكريم والإكبار والإجلال ونترك أهل العلم والإيمان.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 34
النداء الخامس عشر: في النهى عن أكل الربا والأمر بتقوى الله
الآية (١٣٠) من سورة آل عمران
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
الشرح:
اعلم أيها المؤمن زادك الله علما ووفقني وإياك للعمل بما نعلم فإن العلم بلا عمل كشجر بلا ثمر ورضى الله عن على بن أبى طالب، إذ قال: " العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل ". وإن قلت لي ماذا أعلم؟ قلت لك اعلم عظم ذنب آكل الربا واحذره، فإن الله تعالى ما توعد أهل الإيمان بعذاب النار كما توعد آكل الربا؛ إذ قال تعالى: ﴿اوَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وها هو ذا تعالى في هذا النداء الخامس عشر من نداءات الله تعالى لعباده المؤمنين ينهاهم عن أكل الربا ويأمرهم بالتقوى ويطمعهم في الفلاح الذي هو النجاة من النار ودخول الجنة، فيقول لهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ إذ كان الرجل يستقرض من أخر مالا إلى أجل معين فإذا حل الأجل ولم يجد سدادا يقول لمن أقرضه أخر وزد فيؤخر ويزيد فيه، فإذا حل الأجل ولم يجد سدادا فيقول له أخر وزد أيضا وهكذا حتى يصبح القرض الذي كان مائة درهم _ مئات الدراهم. وهذا هو ربا النسيئة الذي يتضاعف. أما ربا الفضل فإنه تحصل فيه الزيادة فور البيع بأن يبيعه قنطارا بر بقنطار ونصف برا. ويبيعه ألف درهم بألف وعشرة مثلا وهكذا في كل الربويات، وهى الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح وما يلحق بها من كل مقتات مدخر، إذ هذه الربويات لا تباع إلا كيلا بكيل أو وزنا بوزن بلا زيادة إلا أن تختلف أجناسها كبيع فضة بذهب أو بر بشعير أو تمر بملح
стр. 35
مثلا فلا بأس بالزيادة على شرط أن يتم البيع في مجلس واحد لقول الرسول ﷺ : " إذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد ها وها..".
واعلم أيها المؤمن أن ربا البنوك اليوم أكثر ظلما وأعظم ذنبا من ربا الجاهلية الذي حرمه الله تعالى في هذه الآية وفى غيرها من آيات البقرة؛ لأن ربا البنوك من وضع اليهود، واليهود لا رحمة عندهم، ولا شفقة في نفوسهم على غير بنى جلدتهم، فإن البنك إذا أقرض امرؤا ألفا إلى أجل يكتبها عليه ألفا ومائة، وإذا تأخر سدادها رفع قيمتها حتى تكون أضعافا مضاعفة، أما ربا الجاهلية من العرب فإنه لا يزيد عليه شيئا إذا سلم الدين في وقته الذي حل عليه، وإنما يزيد عليه إذا حل الأجل ولم يسدد فقط.
لعلك أيها القارئ الكريم ترى أن الربا إذا كان غير مضاعف لا بأس به، لما قد يفهم من هذه الآية: ﴿لا تَأْكُلُوا الرِّبا أَضْعَافاً مُضَاعَفَةً﴾ إياك أن يعلق بذهنك هذا المعنى؛ فإنه غير وارد أبدا. وإنما الآية ذكرت حال المرابين في عصر الجاهلية فعاتبتهم على ذلك. أما بعد أن حرم الله الربا فإنه حرمه تحريما مطلقا لا فرق بين كثيره وقليله واسمع رسول الله ﷺ يقرر هذه الحقيقة فيقول: " درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ست وثلاثين زنية" ١. ويقول ﷺ : " الربا ثلاثة وسبعون بابا أيسرها أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم" ٢. ألا فليجتنب المؤمن الربا وليبتعد عنه. وليذكر ما يساعده على ذلك من قول الرسول ﷺ " اجتنبوا السبع الموبقات" فيسأل عنها فيقول " الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات" ٣. وهل تدرى ما علة تحريم الربا؟
إنها ما يلي:-
١-المحافظة على مال المسلم حتى لا يؤكل بالباطل.
٢-توجيه المسلم إلى استثمار ماله في أوجه المكاسب الشريفة الخالية من الاحتيال والخديعة، والغش، كالفلاحة، والصناعة، والتجارة.
٣-سد الطرق المفضية بالمسلم إلى عداوة أخيه المسلم وبغضه وكرهه.
стр. 36
٤-فتح أبواب البر في وجه المسلم ليتزود لآخرته فيقرض أخاه المسلم بلا فائدة وينتظر ميسرته بلا فائدة وييسر عليه أمره ويرحمه ابتغاء مرضاة الله؛ وفى هذا ما يشيع المودة بين المسلمين ويقوى روح الإخاء والحب والتصافى بينهم.
فاذكر هذا أيها المؤمن وعلمه غيرك من إخوانك المؤمنين.
وأخيرا: هل عرفت لما جاء الأمر بتقوى الله تعالى بعد النهى عن أكل الربا في هذا النداء؟ إذ قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ؟ إنه من اجل إرهاب النفوس وإخافتها على الإصرار على أكل الربا؛ لأن الله تعالى لرحمته بعباده لم يأذن لأحد منهم أن يأكل مال أخيه بغير حق، وتقوى الله تكون بامتثال أمره واجتناب نهيه، ومن امتثل أمر الله فاتقاه وأطاعه فلم يأكل الربا، فقد تهيأ للفلاح وهو كما عرفت الفوز بدخول الجنة بعد النجاة من النار.
ألا فلنطع الله فلا نأكل الربا، ونتقى الله فلا نعصيه في أمر، أو في نهى، لنظفر بأعظم ربح، ونغنم أفضل غنم ألا وهو الفلاح. جعلنا الله من أهله الفائزين به الناجين من النار الساكنين الجنة دار الأبرار.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 37
النداء السادس عشر: في حرمة طاعة الكفار وما يترتب عليها من هلاك وخسران
الآية (١٤٩، ١٥٠) من سورة آل عمران
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ .
الشرح:
اذكر أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي لعباده المؤمنين يحمل تحذيرا لهم وإنذارا من الوقوع في فتنة الكفر بعد الإيمان، والضلال بعد الهداية، بل والموت بعد الحياة، إذ الكافر ضال بكفره ميت، والعياذ بالله من الكفر بعد الإيمان، والموت بعد الحياة. إنه لم تمت تلك الهزيمة للمؤمنين في معركة أحد الخالدة، بسبب معصية بعضهم لرسول الله ﷺ وما من حقهم أن يعصوه، وما عصوه كفرا به ولا استخفافا بطاعته، ولكن زين لهم الشيطان وحسنت لهم نفوسهم ترك المراكز الدفاعية التي أنزلهم الرسول بها وحذرهم من تركها ومغادرتها مهما كانت الظروف والأحوال، إلا أنهم لما شاهدوا العدو فارا منهزما وإخوانهم في صفوف القتال يجمعون الغنائم هبطوا من جبل الرماة وجروا وراء العدو يجمعون الغنائم كإخوانهم، وما إن أخلوا مراكزهم الدفاعية حتى مال إليها العدو واحتلها وسلط عليم وابل السهام والنبال فهزمهم، وفروا هاربين تاركين رسولهم، تسيل دماؤه، وهو يدعوهم: إلى عباد الله، إلى عباد الله. كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ﴾ الأول: غم فوات النصر والغنيمة. والثاني: القتل وجراحات نبيهم ﷺ إذ جرح في وجهه وكسرت رباعيته ﷺ ، وهنا في هذه الحالة المحزنة المخيفة قال من قال من المنافقين، ارجعوا إلى دينكم وإخوانكم فلو كان محمد
стр. 38
نبيا ما قتل عمه وكثير من أصحابه، وجرح هو وكسرت رباعيته... ومنهم من قال: استكينوا لأبى سفيان وأصحابه واستأمنوهم، أي اطلبوا أمنكم منه؛ لأنهم الغالبون إلى غير هذا مما هو رغبة في العودة إلى الكفر بعد الإيمان، والعياذ بالله الرحمن.
وفى هذا نزلت الآية الكريمة وما بعدها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ . فدلت أولا على أن الذين نادوا بالعودة إلى دين الآباء، والاستكانة إلى قائد المشركين، وطلب الأمن منه، هم كفار في الباطن مؤمنون في الظاهر، وهم المنافقون ورؤساءهم كابن أبى وإخوانه.
وثانيا: أن طاعة الكافر والأخذ برأيه أو توجيهه وإرشاده تؤدى بمن أطاعه إلى الكفر حتما، ومن كفر بعد إيمانه فقد خسر خسرانا مبينا، وليس هذا خاصا بزمان دون زمان أو مكان دون مكان، بل طاعة الكافر تؤدى المطيع حتما إلى الكفر، _ إذ الكافر لا يأمر ولا يدعو ولا يهدى إلا إلى ما هو فيه وعليه. من الضلال والكفر، والخبث، والشر، والفساد.
وثالثا: أن الطاعة الواجبة وهى المنجية من الخسران في الدنيا والآخرة هي طاعة الله، ورسوله، وأولى الأمر من المؤمنين، لا طاعة الكافرين والمنافقين؛ لأن من طلب النصر على العدو فليطلبه من الله مولاه القوى القدير العزيز، الحكيم، العليم، الخبير، لا من عدوه وعدو مولاه، وهو الكافر الضال الحائر الهالك المتهالك، فهل مثل هذا يطلب منه النصر؟ ولنعد تلاوة الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ . أي أطيعوه وأطلبوا النصر منه، فإنه ينصركم وهو خير الناصرين ألا فليعلم هذا عباد الله اليوم وليؤمنوا بالله وليتقوه فيصبحوا حقا عبيده، وهو مولاهم الحق الذي لا مولى لهم سواه، ويومئذ إن أصابهم خوف، أو حلت بهم هزيمة لمخالفتهم هدى ربهم ونبيه ﷺ فليطلبوا النصر منه فإنه ينصرهم ولا يذلهم ولا يخزيه وهو مولاهم، وهم لا مولى لهم سواه.
ألا فليعلم هذا كل مؤمن ومؤمنة، وليطيعوا ربهم، ونبيهم وولى أمرهم منهم.. ولا يقبلوا طاعة غيرهم من أهل الكفر، والنفاق، والشرك، والجهل، من العرب أو
стр. 39
العجم على حد سواء وليطلبوا نصر الله على من عاداهم أو حاربهم أو سالمهم فإن الله لا يخلف وعده في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ألا فلنقبل على الله في صدق ولنثق في وعده فإن الله لا يخلف وعده.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 40
النداء السابع عشر: في حرمة التشبه بالكافرين والمنافقين في عقائدهم وسلوكهم
الآية (١٥٦) من سورة آل عمران
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
الشرح:
من مظاهر رحمة الله بالمؤمنين وإكرامه لهم؛ لأنهم أولياؤه بإيمانهم به وبلقائه وتقواهم له بفعل أوامره، واجتناب نواهيه من مظاهر إكرامه لهم انه لم يرض لهم أن يتشبهوا بأعدائه وأعدائهم وهم الكفرة المشركون والمنافقون، إذ ناداهم بعنوان الإيمان قائلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . ونهاهم عن التشبه بالكافرين والمنافقين بقوله: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والكفر اقبح ذنب وأسوأه أي لا تكونوا مثلهم في الكفر والنفاق، وفيما يتولد عنه من الظلم والخبث والشر والفساد وسوء الأخلاق، ومن ذلك قولهم لإخوانهم في الكفر والنفاق إذا ضربوا في الأرض أي خرجوا مسافرين شفى تجارة وغيرها وأصابهم حادث من خوف أو جوع أو مرض فماتوا أو خرجوا غزاة مقاتلين فقتلوا في المعارك الجهادية وهم من المؤمنين الصادقين بوصفهم مؤمنين في الظاهر وهم كافرون في الباطن؛ إذ النفاق هو إظهار الإيمان وإخفاء الكفر في النفس، فقالوا لإخوانهم المنافقين في مجالسهم الخاصة لو كان فلان وفلان وفلان عندنا ما خرجوا مسافرين غزاة مقاتلين، وما ماتوا وما قتلوا، فينتج لهم هذا القول حسب سنة الله تعالى الحسرة والندم والحزن والألم في نفوسهم، كما قال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾