٤-فتح أبواب البر في وجه المسلم ليتزود لآخرته فيقرض أخاه المسلم بلا فائدة وينتظر ميسرته بلا فائدة وييسر عليه أمره ويرحمه ابتغاء مرضاة الله؛ وفى هذا ما يشيع المودة بين المسلمين ويقوى روح الإخاء والحب والتصافى بينهم.
فاذكر هذا أيها المؤمن وعلمه غيرك من إخوانك المؤمنين.
وأخيرا: هل عرفت لما جاء الأمر بتقوى الله تعالى بعد النهى عن أكل الربا في هذا النداء؟ إذ قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ؟ إنه من اجل إرهاب النفوس وإخافتها على الإصرار على أكل الربا؛ لأن الله تعالى لرحمته بعباده لم يأذن لأحد منهم أن يأكل مال أخيه بغير حق، وتقوى الله تكون بامتثال أمره واجتناب نهيه، ومن امتثل أمر الله فاتقاه وأطاعه فلم يأكل الربا، فقد تهيأ للفلاح وهو كما عرفت الفوز بدخول الجنة بعد النجاة من النار.
ألا فلنطع الله فلا نأكل الربا، ونتقى الله فلا نعصيه في أمر، أو في نهى، لنظفر بأعظم ربح، ونغنم أفضل غنم ألا وهو الفلاح. جعلنا الله من أهله الفائزين به الناجين من النار الساكنين الجنة دار الأبرار.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 37
النداء السادس عشر: في حرمة طاعة الكفار وما يترتب عليها من هلاك وخسران
الآية (١٤٩، ١٥٠) من سورة آل عمران
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ .
الشرح:
اذكر أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي لعباده المؤمنين يحمل تحذيرا لهم وإنذارا من الوقوع في فتنة الكفر بعد الإيمان، والضلال بعد الهداية، بل والموت بعد الحياة، إذ الكافر ضال بكفره ميت، والعياذ بالله من الكفر بعد الإيمان، والموت بعد الحياة. إنه لم تمت تلك الهزيمة للمؤمنين في معركة أحد الخالدة، بسبب معصية بعضهم لرسول الله ﷺ وما من حقهم أن يعصوه، وما عصوه كفرا به ولا استخفافا بطاعته، ولكن زين لهم الشيطان وحسنت لهم نفوسهم ترك المراكز الدفاعية التي أنزلهم الرسول بها وحذرهم من تركها ومغادرتها مهما كانت الظروف والأحوال، إلا أنهم لما شاهدوا العدو فارا منهزما وإخوانهم في صفوف القتال يجمعون الغنائم هبطوا من جبل الرماة وجروا وراء العدو يجمعون الغنائم كإخوانهم، وما إن أخلوا مراكزهم الدفاعية حتى مال إليها العدو واحتلها وسلط عليم وابل السهام والنبال فهزمهم، وفروا هاربين تاركين رسولهم، تسيل دماؤه، وهو يدعوهم: إلى عباد الله، إلى عباد الله. كما قال الله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمّاً بِغَمٍّ﴾ الأول: غم فوات النصر والغنيمة. والثاني: القتل وجراحات نبيهم ﷺ إذ جرح في وجهه وكسرت رباعيته ﷺ ، وهنا في هذه الحالة المحزنة المخيفة قال من قال من المنافقين، ارجعوا إلى دينكم وإخوانكم فلو كان محمد
стр. 38
نبيا ما قتل عمه وكثير من أصحابه، وجرح هو وكسرت رباعيته... ومنهم من قال: استكينوا لأبى سفيان وأصحابه واستأمنوهم، أي اطلبوا أمنكم منه؛ لأنهم الغالبون إلى غير هذا مما هو رغبة في العودة إلى الكفر بعد الإيمان، والعياذ بالله الرحمن.
وفى هذا نزلت الآية الكريمة وما بعدها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ . فدلت أولا على أن الذين نادوا بالعودة إلى دين الآباء، والاستكانة إلى قائد المشركين، وطلب الأمن منه، هم كفار في الباطن مؤمنون في الظاهر، وهم المنافقون ورؤساءهم كابن أبى وإخوانه.
وثانيا: أن طاعة الكافر والأخذ برأيه أو توجيهه وإرشاده تؤدى بمن أطاعه إلى الكفر حتما، ومن كفر بعد إيمانه فقد خسر خسرانا مبينا، وليس هذا خاصا بزمان دون زمان أو مكان دون مكان، بل طاعة الكافر تؤدى المطيع حتما إلى الكفر، _ إذ الكافر لا يأمر ولا يدعو ولا يهدى إلا إلى ما هو فيه وعليه. من الضلال والكفر، والخبث، والشر، والفساد.
وثالثا: أن الطاعة الواجبة وهى المنجية من الخسران في الدنيا والآخرة هي طاعة الله، ورسوله، وأولى الأمر من المؤمنين، لا طاعة الكافرين والمنافقين؛ لأن من طلب النصر على العدو فليطلبه من الله مولاه القوى القدير العزيز، الحكيم، العليم، الخبير، لا من عدوه وعدو مولاه، وهو الكافر الضال الحائر الهالك المتهالك، فهل مثل هذا يطلب منه النصر؟ ولنعد تلاوة الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ﴾ . أي أطيعوه وأطلبوا النصر منه، فإنه ينصركم وهو خير الناصرين ألا فليعلم هذا عباد الله اليوم وليؤمنوا بالله وليتقوه فيصبحوا حقا عبيده، وهو مولاهم الحق الذي لا مولى لهم سواه، ويومئذ إن أصابهم خوف، أو حلت بهم هزيمة لمخالفتهم هدى ربهم ونبيه ﷺ فليطلبوا النصر منه فإنه ينصرهم ولا يذلهم ولا يخزيه وهو مولاهم، وهم لا مولى لهم سواه.
ألا فليعلم هذا كل مؤمن ومؤمنة، وليطيعوا ربهم، ونبيهم وولى أمرهم منهم.. ولا يقبلوا طاعة غيرهم من أهل الكفر، والنفاق، والشرك، والجهل، من العرب أو
стр. 39
العجم على حد سواء وليطلبوا نصر الله على من عاداهم أو حاربهم أو سالمهم فإن الله لا يخلف وعده في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ألا فلنقبل على الله في صدق ولنثق في وعده فإن الله لا يخلف وعده.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 40
النداء السابع عشر: في حرمة التشبه بالكافرين والمنافقين في عقائدهم وسلوكهم
الآية (١٥٦) من سورة آل عمران
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ .
الشرح:
من مظاهر رحمة الله بالمؤمنين وإكرامه لهم؛ لأنهم أولياؤه بإيمانهم به وبلقائه وتقواهم له بفعل أوامره، واجتناب نواهيه من مظاهر إكرامه لهم انه لم يرض لهم أن يتشبهوا بأعدائه وأعدائهم وهم الكفرة المشركون والمنافقون، إذ ناداهم بعنوان الإيمان قائلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ . ونهاهم عن التشبه بالكافرين والمنافقين بقوله: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ والكفر اقبح ذنب وأسوأه أي لا تكونوا مثلهم في الكفر والنفاق، وفيما يتولد عنه من الظلم والخبث والشر والفساد وسوء الأخلاق، ومن ذلك قولهم لإخوانهم في الكفر والنفاق إذا ضربوا في الأرض أي خرجوا مسافرين شفى تجارة وغيرها وأصابهم حادث من خوف أو جوع أو مرض فماتوا أو خرجوا غزاة مقاتلين فقتلوا في المعارك الجهادية وهم من المؤمنين الصادقين بوصفهم مؤمنين في الظاهر وهم كافرون في الباطن؛ إذ النفاق هو إظهار الإيمان وإخفاء الكفر في النفس، فقالوا لإخوانهم المنافقين في مجالسهم الخاصة لو كان فلان وفلان وفلان عندنا ما خرجوا مسافرين غزاة مقاتلين، وما ماتوا وما قتلوا، فينتج لهم هذا القول حسب سنة الله تعالى الحسرة والندم والحزن والألم في نفوسهم، كما قال تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ﴾
стр. 41
أي حسب سنته ﴿حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ فنهى الله ﵎ عباده المؤمنين عن التشبه بحال الكافرين والمنافقين الظاهرة والباطنة حتى في السلوك النفسي الخفي، كهذا الذي هو قولهم لإخوانهم لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، لما ينتج ذلك من الحسرة التي هي ألم يأخذ بخناق النفس بسبب فوت مرغوب، أو فقد محبوب، والله تعالى لا يحب لأوليائه وصالحي عباده المؤمنين به وبلقائه والمطيعين له، ولرسوله، لا يحب لهم ما يؤذيهم من حزن أو حسرة أو ندم، فلذا تهاهم عن التشبه بالكافرين بقوله: ﴿لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ ثم ذكرهم بقوله: ﴿وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ ليعلمهم أن الله تعالى هو الذي بيده الحياة والموت فقد يحيى المسافر والغازي، ويميت ١ المقيم في داره وبين أهله، والقاعد عن القتال دون غيره. إذ الأمر له وهو على كل شئ قدير، فلا معنى إذا لما يردده أولئك الكافرون من قولهم: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، إلا أن يجعل الله تعالى ذلك حسرة في قلوبهم.
ألا فليحذر المؤمنون مثل هذا القول فإنه قول باطل، ويجلب الألم والحسرة والعياذ بالله تعالى، كما يحذرون كل تشبه بالكافرين في الزي والسلوك وحتى التفكير والهم بالأمور للفوارق بين المؤمنين والكافرين في الاعتقاد، والقول والعمل والصفات الظاهرة والباطنة. وختم تعالى توجيهه لعباده المؤمنين بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ تأكيدا لنهيه لعباده المؤمنين عن التشبه بالكافرين في الظاهر والباطن لما فيه من الضرر والفساد وسوء الحال والمآل فأعلمهم أنه بصير بأعمالهم الظاهرة والباطنة ألا فليعلموا ذلك وليحذروا التشبه بأعدائهم وإلا فستحل العقوبة بهم كما حلت بغيرهم، لأن لله تعالى سننا لا تتبدل ولا تتجول...
هذا ولنذكر قول الرسول ﷺ : " من تشبه بقوم فهو منهم " فمن تشبه بالصالحين فهو صالح، ومن تشبه بالفاسدين فهو فاسد، لأن سنة الله تعالى في أن من رغب في شئ وطلبه بجد ورغبة حصل عليه، وفاز به، وما تشبه أحد بآخر إلا لرغبة في نفسه أن يكون مثله فهو كائن إذا لا محالة وصدق رسول الله ﷺ القائل: " من تشبه بقوم فهو منهم ".
стр. 42
وأخيرا أيها القارئ أو المستمع لهذا النداء وما حواه من النهى عن التشبه بالكافرين في الاعتقاد والقول والعمل والفهم وحتى الذوق، فاحذر أن يراك الله تعالى تتعمد التشبه بالكافرين، فإن عذاب الله شديد، واذكر قوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ولا تغفل عنه ولا تنسه.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 43
النداء الثامن عشر: في الأمر بالصبر والمصابرة والرباط، والتقوى رجاء الفلاح
الآية (٢٠٠) من سورة آل عمران
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
الشرح:
اذكر أيها القارئ الكريم أن الله تعالى ينادى المؤمنين؛ لأنهم أحياء بإيمانهم بالله ربا، وبمحمد رسولا، وبالإسلام دينا، والحى إذا نودي سمع، وإذا أمر طاع، وإذا نهى أنتهي، وإذا أنعم عليه شكر، وإذا أوذي في الله صبر، والكافر لا نصيب له من هذه المظاهر الحيوية، وذلك لكفره بالله، ورسوله ودينه.
واذكر ما ناداهم لأجله في هذا النداء وهو الصبر والمصابرة، والرباط والتقوى وإليك بيانها:
١-الصبر: وهو حبس النفس على ما تكره وله ثلاث مواطن، الأول: الصبر على طاعة الله، ورسوله، وأولى الأمر من المؤمنين، والثاني: الصبر عن ترك ما حرم الله ورسوله من الأقوال والأفعال والصفات. والثالث: الصبر على البلاء الذي يبتلى به الله تعالى عباده المؤمنين تكفيرا لذنوبهم، أو رفعا لدرجاتهم، والصبر على البلاء معناه الرضا به والتسليم لله تعالى فيا ابتلاه به، وآية ذلك عدم الجزع والسخط، والإكثار من حمد الله تعالى على قضائه، وابتلائه.
٢-المصابرة: وهى الصبر في وجه العدو الصابر، لذا كانت المصابرة أشد من الصبر، لأنها صبر في وجه عدو صابر. فأيهما لم يثبت على صبره سقط وهلك. ولذا كان النجاح والغلبة لأيهما أطول صبرا. يؤكد هذا قول وفر بن الحارث في اعتذاره عن
стр. 44
الانهزام إذ قال شعرا:
سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا
٣-المرابطة: وهى لغة مصدر رابط يرابط رباطا مرابطة، وهى في الشرع ربط النفس والخيل والعتاد الحربي في الثغور الإسلامية، وهى الأماكن التي يخشى أن يتسرب منها العدو إلى بلاد المسلمين، وهى غالبا تكون على السواحل البحرية، والأماكن الخالية من المدن كما تكون في حدود بلاد العدو المتصلة بالبلاد الإسلامية والرباط فرض كفائي إذا قام به من يؤمن حدود بلاد المسلمين ويرهب عدوهم سقط الواجب عن الباقين إذ هو كالجهاد، ويتعين على من عينه الإمام عليه وفيه يقول الله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾
وللرباط فضل عظيم، فقد روى البخاري عن انس رضى الله عنه قوله: " رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها " وروى مسلم عنه ﷺ : " رباط يوم وليلة خير من صيام شهر وقيامه " وإن من مات مرابطا جرى عليه عمله الذي كان يعمله وأجرى عليه رزقه، وأمن الفتان أي في قبره.
واعلم أن الجيوش الإسلامية اليوم إن هم أقاموا الصلاة في ثكناتهم، واتقوا الله فلم يعصوه بترك واجب أو فعل مكروه، ثم نووا الرباط في سبيل الله لحماية بلاد المسلمين فإنهم مرابطون، ويجرى لهم كما ورد في فضل الرباط والمرابطين.
٤-التقوى: وهى تقوى الله بالخوف منه والخشية من عقابه، وأليم عذابه الحاملة للعبد على طاعة الله وطاعة رسوله بفعل الأوامر واجتناب النواهي، في السراء والضراء والمنشط والمكره، والعسر واليسر هذه التقوى هي التي بها وبالإيمان يتحقق للعبد ولاية الرحمن وما بعد ولاية الرحمن من مطلب أسمى ومقام أعلى. إذ أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون لا في الدنيا، ولا في البرزخ، ولا في يوم القيامة. ولهم البشرى في الحياة الدنيا وفى الآخرة.
وبعد اذكر أيها القارئ الكريم هذه الأوامر الأربعة التي تضمنها هذا النداء الكريم، اذكر وعد الله تعالى لأهلها وهو الفلاح. وما هو الفلاح، إنه الفوز العظيم المتمثل في دخول الجنة بعد النجاة من النار. واذكر هذه الأوامر الأربعة
стр. 45
سرها أن تزكى النفس وتطهرها من أوضار الذنوب والآثام، وإذا زكت النفس وطهرت استحقت الفلاح، واقرأ لذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ واذكر للفوز قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
ألا فلنذكر هذا أيها القارئ والمستمع، ولا ننسه. والله ولى من تولاه.
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 46
النداء التاسع عشر: في تحريم إرث النساء ومنعهن حتى يسلمن ما أخذن من المهور
الآية (١٩) من سورة النساء
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن لهذه الآية سبب اقتضى نزولها وهو ما رواه البخاري عمن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال: " كانوا إذا مات الرجل – عن زوجته – كان أولياؤه أحق بامرأته إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاء زوجها، وإن لم يشاءوا لم يزوجوها فهم أحق بها من أهلها " فنزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ....﴾
فنادى الله تعالى عباده المؤمنين بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لينهاهم عما كانوا متعارفين عليه في الجاهلية، وهو أن الرجل إذا مات وترك زوجة ورثها أكبر أولاده وهى كارهة لذلك قطعا، ثم هو إن شاء تزوجها، أو زوجها غيره وأخذ المهر له، وإن شاء أبقاها حتى تعطيه ما أخذت من مهر من والده. فحرم تعالى هذا الإرث الجاهلي الجائر، فقال: ﴿لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً﴾ فأصبحت المرأة إذا مات زوجها ترث منه ما أعطاها الله وهو الثمن، إن كان له ولد، وإلا فترث الربع، ثم تبقى في بيته حتى تكمل عدتها أربعة أشهر وعشرا، ثم تذهب حيث شاءت. وكما حرم تعالى إرث الزوجة حرم عضلها أي منعها أيضا، وهو أن يكده الرجل امرأته
стр. 47
لدمامتها، أو سوء خلقها فيضايقها ويؤذيها حتى تفتدى منه بمال، ثم يطلقها فقال تعالى: ﴿وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾ أي من مال، وهو المهر. هذا إن لم ترتكب الزوجة فاحشة الزنا، أو تترفع عن الزوج وتتكبر عليه وتبخسه حقه في الطاعة والمعاشرة بالمعروف، أما إن ارتكبت فاحشة واضحة بينة لا شك فيها ونشزت نشوزا، أو أعرضت عن الزوج إعراضا فإن للزوج أن يضايقها حتى تفادى نفسها منه بمثل المهر.
ثم وجه تعالى عباده المؤمنين إلى ما فيه خير الزوجين فقال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي على كل مؤمن أن يعاشر زوجته بالمعروف، وهو الإحسان إليها وعدم الإساءة إليها بقول أو فعل، إن كره المؤمن زوجته فليصبر عليها، ولا يطلقها فلعل الله تعالى يجعل في بقائها خيرا، كأن تنجب له ولدا ينفعه الله تعالى به، أو تذهب تلك الكراهة عن نفسه، ويصبح تحبها وتحبه يودها وتوده، وهذا المراد من قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً﴾ ، وصدق الله العظيم، وله الحمد والمنة على إرشاده وتوجيهه لعباده المؤمنين إلى ما فيه خيرهم وصلاحهم، ويزيد هذا الإرشاد الرباني وضوحا قول الرسول ﷺ في رواية مسلم وهو قوله ﷺ : " لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقا رضى منها آخر "، ومعنى يفرك: يبغض. إي لا يجوز للمؤمن أن يبغض امرأته، فإنه إن كره منها خلقا من أخلاقها فسيرضى منها خلقا آخر.
هذا وأذكر أيها القارئ الكريم أو المستمع المستفيد ما حملته هذه الآية من هدايات إلهية وهى:
١-إبطال قانون الجاهلية الذي كان يسمح لولد الزوج إذا مات والده أن يرث امرأة أبيه فيتزوجها، أو يزوجها، ويأخذ مهرها أو يسترد منها ما مهرها أبوه ويطلقها. وما أقبح هذه العادة الجاهلية، والحمد لله على نعمة الإسلام الذي دفع هذا الظلم وأبطل قانون الجاهلية الجائر الفاسد، وأبدله بقانون الرحمة الإلهية لعباد الله المؤمنين.
٢-حرمة عضل الزوجة والتضييق عليها حتى تفدى نفسها بما أخذته من المهر أو أكثر إذ هذا الصنيع مظهر من مظاهر الظلم والاعتداء وفساد القلوب والأخلاق.
٣-الإذن للمؤمن بان يأخذ فدية من امرأته إذا كرهته وأساءت إليه ولم تعاشره
стр. 48
بالمعروف فمتى أتت بفاحشة أو أساءت العشرة مع زوجها، وأظهرت كراهيتها له، للزوج الحق في أن يطلقها بفداء، وهو ما يسمى بالخلع، فيطلقها مقابل مبلغ مالي، قد يزيد على المهر الذي تسلمته منه يوم عقد نكاحها.
٤-لفظ (عسى) في اللغة معناه الترجي، وقد يقع المرجو، وقد لا يقع، إلا إذا كان القائل (عسى) الله فإن عسى تفيد وقوع المرجو، وعدم تأخره وذلك لعلم الله تعالى وقدرته وحكمته ورحمته.
لذا قوله تعالى: ﴿فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً﴾ يجعل المؤمن يأخذ بما يوجبه عليه ربه تعالى، ويصبر على المرأة التي كرهها ولا يلبث أن يزول ذلك الكره، ويحل محله الرضا، والحب، والخير الكثير.
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 49
النداء العشرون: في حرمة أكل أموال المؤمنين بالباطل وحرمة قتل النفس بغير حق
الآية (٢٩) من سورة النساء
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً﴾ .
الشرح:
هل تذكر أيها القارئ أن المراد بالمؤمنين الذين ناداهم الله هم الذين آمنوا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا، وأنهم بإيمانهم أهل لأن يكلفوا وينهضوا بالتكاليف، فيفعلون منها ما يفعل، ويتركون منها ما يترك، وذلك لكمال حياتهم فها هو ذا تعالى قد ناداهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ لينهاهم عن أكل أموالهم بينهم بالباطل، أي بدون حق كالإرث، أو التجارة، أو العمل، أو الصدقة على مستحقيها، لفقره أو مسكنته، أو لوجوبها كالنفقة على الزوجة، والولد، والوالدين، وهو معنى قوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ أي بدون حق يقتضي الأكل، وعبر بالأكل، لأن الغالب في الأموال يؤكل بها، وإلا فكل مال أخذ بغير حق حرام سواء أكل به وشرب، أو بنى به وسكن، أو ركب به ولبس أو فرش، واستثنى تعالى مال التجارة فقال: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ فإن التاجر قد يشترى الشاة من صاحبه بعشرة برضاه، ويبيعها بعشرين، أو يشترى الدار بمائة ألف، وقد يبيعها بمائة وخمسين منه فلا يقولن قائل قد أكل فلان مال أخيه؛ لأنه باعه الشاة بعشرة، فكيف يبيعها بعشرين وقد أخذ عشرة بغير حق، والجواب أن الله قد أباح ربح التجارة بقوله: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ . نعم لو أشترى منه ما اشتراه بدون رضاه، فلا يحل له ذلك الربح ولو قل والرسول ﷺ يقول: " البيعان بالخيار ما لم يتفرقا " بأن يرد أحدهما البضاعة لمن ابتاعها منه أو
стр. 50
يتفرقا من المجلس فيذهب كل إلى سبيله فحينئذ قد تم البيع وأصبح للمشترى أن يبيع بما شاء وما ضر البائع إن اشتراها بعشرة، وباعها بعشرين، لهذه الآية الكريمة: ﴿لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ .
ولنعلم أن إباحة ربح التجارة مشروط بشرط التراضي بين البائع والمشترى؛ لقول رسول الله ﷺ : " إنما البيع عن تراض " فإن لم يحصل تراض بينهما، فالبيع باطل، ومن أخذ تجارة بغير رضا صاحبه فربحه باطل، حرام، وعليه أن يرده إلى صاحب البضاعة التي أخذها بدون رضا بائعها.
فلنذكر هذا أيها المؤمنين. ولنعلم أن أكل أموال المؤمنين بالباطل له صور منه:
١-السرقة: إذ حرم الله السرقة وحكم بقطع يد السارق.
٢-الربا فمن أعطى أخاه قرضا فلا يحل له أن يأخذ منه زائدا عن قرضه ولو كان درهما واحدا.
٣-الغش كأن يبيعه سلعة فاسدة وهو لا يدرى فسادها لأنه مستور أو خفي وقد حدث مرة أن دخل رسول الله ﷺ سوق المدينة فوجد صرة (كيسا) فيها طعام فأدخل يده في وسطها فوجد بها بللا، فعاب على البائع، وقال له: " لم لا تجعل المبتل منه ظاهرا حتى يعلمه المشترى يا فلان إن من غشنا فليس منا، المكر والخداع في النار ".
٤-القمار فكل مال القمار حرام لأنه بغير حق.
٥-أكل العربون وهو أن المشترى لصاحب السلعة بعضا ويقول له إن أتمت الثمن أخذت البضاعة وإن لم آتك فالبضاعة لك وما دفعته أيضا هو لك فأكل هذا العربون حرام، لأنه بغير حق.
وقوله تعالى في هذا النداء: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ فإنه نص قطعي في تحريم قتل المؤمن أخاه صغيرا أو كبيرا، سليما أو مريضا، وكذا قتل المؤمن نفسه بأي (وسيلة) ولو بأن يمتنع من الماء أو الطعام حتى يموت، فضلا عن أن يشرب سما أو يلقى بنفسه في بئر، أو من رأس جبل، أو بناء عالي، كذلك قتل النفس التي حرم الله قتلها في هذه الآية وفى غيرها من الآيات القرآنية بقوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّم
стр. 51
اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ وقد أعلن الرسول ﷺ عن حكم تحريم أكل أموال المؤمنين وقتلهم في أعظم مشهد إنه يوم عرفة إذ جاء في خطبته الطويلة الشاملة قوله ﷺ : " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ". ثم قال: " اللهم اشهد فقد بلغت ... " ولنعلم أيها المؤمنون أن جريمة قتل النفس لا تفوقها جريمة سوى الكفر، والشرك، ودونهما جريمة الزنا، والعياذ بالله تعالى.
وأخيرا إن جريمة الانتحار الشائعة في ديار الكفار قد ظهرت أيضا في ديار المسلمين فلنذكر وعيدا لأصحابها على لسان رسول الله ﷺ في الصحيح إذ قال: فداه أبى وأمي ونفسي والعالم أجمع قال: " من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة " وقال ﷺ : " من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يجأ بها بطنه يوم القيامة في نار جهنم خالدا مخلد فيها أبدا ". وقال ﷺ : " ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدا مخلدا أبدا ".
وقال ﷺ : " ومن تردى من جبل فقتل نفسه فهو مترد في نار جهنم خالدا مخلدا فيها أبدا "
ألا فلنستعذ بالله من أكل أموال المؤمنين ومن قتل أنفسهم. فإن الله كان بنا رحيما لذا حرم ما حرم علينا.
ولله الحمد والمنة، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 52
النداء الحادي والعشرون: في حرمة الصلاة حال السكر وحرمة الصلاة والمكث في المسجد حال الجنابة ومشروعية التيمم للعذر
الآية (٤٣) من سورة النساء
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء يحوى أحكاما عدة ومعرفتها واجبة وهاأنذا أفصلها لك تفصيلا، فاحفظ النداء أولا ثم أقبل على معرفة ما فيه من أحكام فقهية ضرورية، واعمل بها وعلمها غيرك، تظفر بشرف العظمة في السماء لما رواه مالك (أن من علم وعمل بما علم وعلمه غيره دعي في السماء عظيما) وإليك بيان الأحكام:
١-حرمة الصلاة حال السكر. وهذا الحكم نسخ بآية تحريم شرب الخمر من سورة المائدة فلم يجز شرب الخمر بحال من الأحوال. وعلى فرض أن من شربها فاسق فلا يدخل في الصلاة وهو سكران إذ وضوءه باطل فلا تصح صلاته.
٢-حرمة الصلاة على الجنب والحائض والنفساء إلا بعد الغسل أو التيمم. وكذلك دخول المسجد. ولا بأس بالمرور فيه بدون جلوس. وهذان الحكمان دل عليهما قوله تعالى: ﴿لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُباً إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ أي غسل الجنابة.
٣-المريض، والمسافر، والذي انتقض وضوءه ببول أو غائط، أو ضراط، أو فساء، والجنب بجماع أو احتلام هؤلاء إذا لم يجدوا ماء للوضوء أو الغسل عليهم أن
стр. 53
يتيمموا ويصلوا أو يدخلوا المسجد دل على هذين الحكمين قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّب﴾ .
٤-بيان كيفية التيمم وهو أن يضع المتيمم كفيه قائلا بسم الله على التراب الطاهر فإن لم يكن فعلى حجر فطرى ليس مصنوعا ويمسح وجهه ثم يضع يديه أيضا على التراب أو الحجر ويمسح كفيه. وكان ابن عمر يمسح مع كفيه ذراعيه وهو جائز. ودل على كيفية التيمم هذه قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُ﴾
وقوله تعال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً غَفُوراً﴾ فيه إظهار لرحمة الله بالمؤمنين وعفوه عن مسيئهم؛ إذ الآية نزلت فيمن صلوا وهم سكارى قبل تحريم الخمر. رحمة بهم فلم ينزل بهم عقوبة وغفر لهم ذلك الذنب الذي ارتكبوه بغير قصد.
وإن سألت عن كيفية الاغتسال فاعلم أن الجنب يصب الماء على كفيه قائلا بسم الله، ناويا رفع الحدث الأكبر أي الغسل من الجنابة، ثم يغسل فرجيه القبل والدبر وما حولهما، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، وهو أن يغسل كفيه ثلاثا، ثم يتمضمض ثلاثا ثم يستنشق ويسنثر ثلاثا ثم يغسل وجهه ثلاثا ثم يغسل يده اليمنى إلى المفرق ثلاثا ثم اليسرى ثلاثا ثم يمسح رأسه، وأذنيه مرة واحدة، ثم يغسل رجله اليمنى، ثم اليسرى إلى الكعبين، وهذا هو الوضوء فاعرفه. ثم يخلل شعر رأسه بكفيه، ثم يغسل رأسه كله ثلاث مرات ويغسل أذنيه ظاهرا وباطنا ثم يغسل شقه الأيمن من رأسه إلى قدمه، ثم الأيسر كذلك، بحيث يعمم الماء على كل جسده فلا يترك لمعة أبدا، بهذا عرفت كيفية الغسل والوضوء معا.
وأخيرا أيها القارئ الكريم هل تعرف معنى الجنب؟ إنه الرجل أو المرأة إذا جامع، أو احتلم فخرج المنى أصبح جنبا أي به جنابة. وهل عرفت معنى الغائط؟ إنه مكان التغوط أي التبول والخرء، وهل عرفت معنى أو لامستم النساء؟ إنه الجماع. وهل عرفت موجبات الوضوء أو نواقضه؟ إن الوضوء يجب من الخارج من السبيلين القبل والدبر وهو البول والخرء، والريح والضراط، ومن مس المرأة بشهوة، وكذا مس الذكر، والنوم الثقيل. فهذه موجبات الوضوء وهى نواقضه أيضا فاعرف هذا. واعلم أن من تيمم لعدم وجود الماء أو لمرض يمنعه من مس الماء، أو الحصول عليه، فإنه يتيمم لكل صلاة، وإن تيمم للفرض صلى به النوافل القبلية والبعدية معا، فاعرف هذا زادك الله علما.
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 54
النداء الثاني العشرون: في وجوب طاعة الله وطاعة الرسول ﷺ وأولى الأمر من المؤمنين، ورد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسله
الآية (٥٩) من سورة النساء
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلا﴾ .
الشرح:
اذكر أيها القارئ أنك أهل لنداء الله تعالى لك، ولسائر المؤمنين، والمؤمنات، وأن سبب هذا التأهيل هو الإيمان بالله ربا وإلها، وبمحمد نبيا ورسولا، وبالإسلام شرعا ودينا مع ضرورة الإيمان بباقي الأركان وهى الإيمان بالملائكة، والكتب والرسل، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
وهل تدرى لم نادى الرب ﵎ عباده المؤمنين في هذا النداء؟ إنه ناداهم ليأمرهم بأمرين عظيمين أنيطت بهما سعادة الدنيا والآخرة معا.
فالأول: طاعة الله وطاعة رسوله وطاعة أولى الأمر من المؤمنين وهم الأمراء والعلماء.
والثاني: رد المختلف فيه والمتنازع عليه إلى كتاب الله وهو القرآن الكريم وإلى سنة رسوله الأمين محمد ﷺ تسليما، وإليك بيان وجه السعادة فيما أمر الله بطاعته، والرد إليه:
стр. 55
١-طاعة الله ، وطاعته تعالى تتحقق بفعل الأمر وترك النهى، ولا فرق بين ما كان من الأمر، للوجوب، وما كان للندب والإرشاد، وكذلك النهى لا فرق بين ما كان منه للتحريم وما كان للكراهة، وذلك أن الله تعالى لا يأمر ولا ينهى إلا من أجل إكمال عباده وإسعادهم وإبعاد الشقاوة عنهم والخسران في الحياتين، لأنه ربهم ووليهم وليس في حاجة إليهم، ومن هنا فإنه لا يأمرهم إلا بما يحقق سعادتهم وكمالهم، ولا ينهاهم إلا عما يسبب شقاؤهم وخسرانهم في الدارين.
ومن هنا أيها القارئ الكريم وجب أن تعلم أن معرفة أوامر الله تعالى، ومعرفة نواهيه من أوجب الواجبات وألزمها، وأن من لم يعرف ذلك لا يمكنه أن يطيع الله بحال من الأحوال، فهو إذا خاسر لا محالة في الدنيا والآخرة فلنذكر هذا ولنعلم المؤمنين به.
٢-طاعة رسول الله ﷺ وهى كطاعة الله تعالى لا تتحقق إلا بمعرفة أوامره ونواهيه ﷺ ، ولا فرق بين ما كان للوجوب والندب، وما كان للتحريم والكراهة، وإن كانت أوامره ونواهيه ﷺ مستوحاة من الكتاب الكريم إلا أن الله أمر بطاعته طاعة استقلالية، إذ قال تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ فكرر الأمر بالطاعة لعلمه تعالى أن الأمة قد تعجز عن إدراك الأحكام الشرعية والهدايات القرآنية ما لم يكن الرسول ﷺ مبينا لها آمرا بها ناهيا. وكيف وقد قال عز من قائل: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ وهو ﷺ قد قال: " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله " ومن هنا وجبت طاعته ﷺ على كل مؤمن ومؤمنة في الأمر والنهى، على حد سواء ولاسيما ما كان منها للوجوب والتحريم، ووجب معرفة أوامره ونواهيه لأمته وإلا فطاعته متعذرة على المؤمن الجاهل بها.
٣-طاعة أولى الأمر من المؤمنين إذ أمر الله تعالى بها في هذا النداء بقوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وقيد ﴿مِنْكُمْ﴾ يخرج به طاعة الكافر إذ لا طاعة لحاكم كافر إلا في حالة الإكراه الشديد المقتضى للقتل أو أشد العذاب، لقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ﴾ وأولوا الأمر يتناول الأمراء والعلماء والوالدين والمربين الصالحين، إلا أن طاعتهم ليست مطلقة بل هي مقيدة بالمعروف. فمن أمر
стр. 56
منهم بالمعروف وهو ما عرفه الشارع صالحا نافعا أو ضارا فاسدا، فهذا الذي إذا أمر به الأمير أو العالم أو الوالد أو المربى تجب فيه الطاعة فعلا أو تركا. إذ قال تعالى وهو يخاطب رسوله:﴾ وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ ﴿أي على المؤمنات طاعتك في المعروف، وأما غير المعروف لو أمرتهن به فلا طاعة لك فيه، وهذا من باب الهداية القرآنية، وإلا حاشا رسول الله ﷺ أن يأمر بغير المعروف.
ومن هنا فطاعة أولى الأمر لا تجب إلا فيما كان معروفا في الشرع مأمورا به أو منهيا عنه وهذا رسول الله ﷺ يقرر هذا الحكم فيقول: " من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعصى الأمير فقد عصاني " وفى الوالدين يقول تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ... ﴾ كان ذلك الأمر الأول وهو طاعة الله وطاعة رسوله وأولى الأمر.
وأما الأمر الثاني: فهو رد المختلف فيه إلى الكتاب والسنة وهو رد واجب من رفضه على علم فقد فسق وظلم وتعرض للكفر والعياذ بالله إذ قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ أيها المؤمنون حكاما أو محكومين علماء أو جاهلين) أي في حليته أو حرمته، في وجوبه أو عدم وجوبه، في جوازه وإباحته أو عدم ذلك فردوه إلى القرآن والسنة النبوية الصحيحة. والذي يقوم بالتحقيق والمعرفة هم العلماء علماء الشرع الفقهاء والعارفون بالكتاب والسنة، لا الجهال، والذين لا علم لهم حتى ولو كانوا الحاكمين. وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ فيه إشارة أفصح من عبارة وهى أن الذين يرفضون الرد إلى الكتاب والسنة فيما اختلف في حكمه ما هم بالمؤمنين بالله واليوم الآخر، ومن لم يؤمن بالله واليوم الآخر فهو كافر. وأخيرا وإتماما للنصح والتوجيه يقول تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ أي أحسن عاقبة فهو خير حالا ومآلا.
والحمد لله والشكر له على هدايته وتعليمه وإنعامه.
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 57
النداء الثالث والعشرون: في وجوب أخذ الحذر من العدو والتصرف بحكمة حال الحرب واشتداد القتال
الآية (٧١) من سورة النساء
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً﴾
الشرح:
تعلم أيها المؤمن أنه ما نادى الله تعالى عباده المؤمنين إلا ليبين لهم طريق سعادتهم وكمالهم، وعزهم وسيادتهم وقيادتهم؟ لأنهم أولياؤه وهو وليهم، وأن ما يأتى بعد النداء لا يكون إلا أمرا منجيا ومسعدا، أو نهيا مبعدا عن الشقاوة والخسران في الدارين، أو نذارة تخيف وترهب فتحمل المؤمنين على مواصلة فعل الخيرات، واجتناب المنكرات، ولا غرابة ولا عجب في هذا؛ لأن الولي لا يريد لأوليائه إلا نجاتهم وسعادتهم والمؤمنون المتقون أولياء الله، والله وليهم، إذ قال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ يخرجهم من ظلمات الشرك والكفر والنفاق، وكبائر الذنوب وفواحش القول والعمل لتبقى أنفسهم زكية طاهرة يرضاها تعالى، ويعطيها مناها وقد أخبر بذلك في قوله: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ وبينهم بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ وبين تحقيق مناهم لهم فقال: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ أي الحاملة للبشارات ذلك هو الفوز العظيم.
والآن هل تدرى لم نادى الله تعالى عباده المؤمنين في هذا النداء الثالث والعشرين من نداءاته لهم في كتابه الحكيم؟ إذ ناداهم ليأمرهم بأخذ الحذر من عدوهم، وعدو المؤمنين وهو كل كافر من الإنس والجن، وعدوهم هو من يريد هلاكهم وخسرانهم وذلهم وضعفهم وحقارتهم، ولا يكون هذا العدو إلا كافرا ظالما، والحذر يكون بتوقى المكروه بالأسباب المشروعة الممكنة، فمن الأسباب المشروعة الممكنة لتوقى
стр. 58
مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ هذا أولا، وثانيا: عدم الاستجابة لما يزينه للعبد، وتركه والإعراض عنه. وثالثا:لزوم الطهارة ما أمكن ذلك، ورابعا: قراءة القرآن في المنزل وصلاة النافلة فيه، وخامسا: تطهير المنزل من الصور، خاصة ما يعرض في الآلات كالفيديو والتلفاز من صور العواهر والكفار، وأصوات المزامير المختلفة بهذا يتقى الشيطان وإخوانه، ومن الأسباب الممكنة لتوقى شر العدو من الإنس:
١- عدم حسن الظن به أي بالعدو الكافر دائما وأبدا.
٢- إعداد العدة الحربية بحسب القدرة على ذلك لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ .
٣- إسناد أمر القيادات الحربية إلى ذوى الكفاءات من القدرة البدنية والعلمية الحربية والإيمانية الروحية.
٤- وجود خبرة عسكرية كاملة وقيادة رشيدة مؤمنة حكيمة عليمة.
٥- وجوب أخذ الأهبة، والاستعداد التام في أيام السلم، وأيام الحرب على حد سواء؛ لآية الأنفال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ وهذا يعرف بالسلم المسلح.
٦- وحدة الكلمة ووحدة الصف؛ إذ الفرقة محرمة بقول الله تعالى: ﴿وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ .
٧- طاعة الله وطاعة رسوله بصورة عامة، وذلك بفعل الأوامر واجتناب المناهى في الحرب والسلم معا، إن الذنوب موجبة للعقوبة من الله تعالى، وقد تكون هزيمة بالعدو، والعياذ بالله.
٨- في حال الهجوم يجب القيام بما يلي:
أ- الثبات وعدم التقهقر. ب- ذكر الله تعالى بالقلب واللسان.
وهذا لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ .
ولنراجع معاني هذه الآية الكريمة في النداء (٤٥) من سورة الأنفال فإن بيانها هناك واف مفيد.
وصلى الله وسلم على نبينا وآله وصحبه وسلم وعلى المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 59
النداء الرابع والعشرون: في وجوب التثبت والتبين في الأمور التي يترتب على الخطأ فيها ضرر بالغ عظيم
الآية (٩٤) من سورة النساء
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾
الشرح:
اذكر أيها القارئ الكريم ما قد سبق أن علمته، وهو أن الله تعالى لا ينادى عباده المؤمنين إلا ليأمرهم بما فيه سعادتهم وكمالهم وينهاهم عما فيه شقاؤهم وخسرانهم، وذلك لولايتهم له حيث آمنوا به وبلقائه، وبكل ما أمرهم أن يؤمنوا به واتقوه بفعل أوامره واجتناب نواهيه، إذ بذلك تطهر أرواحهم وتزكو نفوسهم، والله يحب التوابين إليه والمتطهرين من أجله.
ولك أن تعلم أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد أن ما شرعه الله تعالى من عباداته؛ إنما شرعه لتزكية نفوس عباده وتطهيرها ليقبلها ويرضى عنها وأن ما حرمه على عباده ونهاهم عنه سواء كان اعتقادا أو قولا أو عملا إنما حرمه عليهم ونهاهم عنه من أجل أن لا تخبث أرواحهم وتتدسى نفوسهم فيكرهها ويبغضها، ولا يأذن له بدخول الجنة حتى لا تنعم برضاه والنظر إلى وجهه الكريم فيها. واقرأ لهذه الحقيقة قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا، وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ . وقوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ فالأبرار وهم المطيعون لله تعالى ولرسوله ﷺ في نعيم الجنة، وذلك لبرورهم، إذ البرور هو الطاعة. والفجار في جحيم
стр. 60
النار لفجورهم وهو معصية الله ورسوله المنتجة لخبث النفس، وتدسيتها وعفنها، الأمر الذي يسخط الله تعالى عليها ومن سخط الله عليه حرم عليه دخول الجنة دار الأبرار وأدخل النار دار العذاب والبوار، أعاذنا الله تعالى منها.
إذا عرفت هذا سهل عليك أن تفهم قوله تعالى في هذا النداء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي غزاة ماشين لطلب العدو الكافر المحارب ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أي تثبتوا ولا تتعجلوا ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ﴾ أي سلم عليكم أو أسلم بأن نطق بالشهادتين ﴿لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وتقتلوه رغبة في المال الذي عنده من غنم يسوقها أو غيرها من أنواع المال، فلا تفعلوا مرة أخرى مثل هذا، وإن كانت لكم رغبة في الغنيمة ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ لا غنيمة واحدة فاطلبوها برضاه لا بسخطه واذكروا حالكم قبل إسلامكم فإنكم كنتم مثل هذا الذي قتلتموه، لا تملكون إلا النطق بالشهادتين ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ أي بنعمة الهداية إلى الإسلام ومعرفة قواعده وشرائعه. إذا ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ إن حصل لكم مثل هذا الموقف وراقبوا الله تعالى في أقوالكم وأعمالكم فلا تخرجوا عن طاعته بحال من الأحوال ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾
هذا واذكر أيها القارئ أن هذه الآية نزلت في حادثة معينة، وإليك قصتها كما هي فانظرها واعتبر بها كما أعتبر بها الأولون، فتثبت في كل خبر تسمعه، وفى كل عمل تشاهده فلا تسارع في الحكم على الأشياء بدون ترو ولا بصيره، فإنك تسلم من الأخطاء الضارة والمهلكة. روى البخاري مختصرا، وروى البزار مطولا عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: " بعث النبي ﷺ سرية فيها المقداد بن الأسود فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقى رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. وأهوى إليه المقداد فقتل، فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله والله لأذكرن ذلك للنبي ﷺ فلما قدموا إلى رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله إن رجلا شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد. فقال: ادعوا لي المقداد. فدعوه فجاء فقال له: يا مقداد أقتلت رجلا يقول لا إله إلا الله فكيف لك بلا إله إلا الله غدا فقال: فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾ إلى أخر الآية، وقال الرسول ﷺ للمقداد: كان رجلا مؤمنا يخفى إيمانه مع قوم كفار فأظهر
стр. 61
إيمانه فقتلته، وكذلك كنت تخفى إيمانك بمكة قبل".
وأخيرا إن هداية هذه الآية عظيمة؛ حيث أوجبت على كل مؤمن التثبت والتبين في كل قول يقوله أو يسمعه، وفى كل عمل يقوم به، أو يراه ويشاهده حتى لا يقول غير الحق، ولا يخبر بغير الحق ولا يعمل غير ما هو صالح ولا يشهد بغير ما هو متأكد بصحة ما رآه وعلمه مخافة أن يرتكب خطأ يهوى به في النار، أو يقع به عن مواكب الصالحين، ولاسيما فيما فيه هدر دم وإزهاق روح، أو إشاعة فاحشة فالتثبت التثبيت أيها المؤمن، والله يحفظ من يحفظه، وينصر من ينصره.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 62
النداء الخامس والعشرون: في وجوب العدل في الشهادة وحرمة اتباع الهوى المانع من العدل فيها
الآية (١٣٥) من سور ة النساء
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي له شأن عظيم، إذ هو يوجب العدل في القضاء، والشهادة، والقول، والعمل، والاعتقاد، فعلى من قضى بين اثنين أن يعدل في حكمه، وأن من شهد أن يعدل في شهادته، وأن من قال مخبرا أو آمرا، أن يعدل في قوله أو أمره، إذ على العدل قامت السموات والأرض وها هو ذا الرب ﵎ ينادى المؤمنين ويأمرهم قائلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل هذا في الحكم بين الناس. ﴿شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ أي أدوا الشهادة لله؛ لأن الشهادة على عبده كالشهادة له . إذا أدوها عادلة لا حيف فيها ولا جور، ولو كانت الشهادة على أنفسكم لأنكم عبيد الله فلا تظلموا أنفسكم؛ لأن ذلك لا يرضاه سيدكم لكم، وظلم النفس يكون باقتراف الذنب بالحيف في الشهادة وعدم العدل فيها إذا فاعدلوا ولو كانت الشهادة على أنفسكم؛ أو الوالدين والأقربين، فليشهد أحدكم على نفسه بأنه فعل أو ترك، وعلى أبيه وأمه وأقربائه، أنهم فعلوا أو قالوا أو أخذوا أو تركوا، فلا تحمله طاعة والديه، وواجب الإحسان إلى أقربائه، أن يكتم الشهادة عليهم أو يبدلها خائفا فيها جائرا ولا تراعوا في آداء الشهادة فقرا ولا غنى كما لم تراعوا قربا
стр. 63
أو بعدا، فالله أولى بالفقراء بالإحسان إليه، وأولى بالغنى أن يأخذ منه غناه. فلا يميلن أحدكم مع الفقير رحمة به، ولا مع الغنى طمعا فيه، وليوكل ذلك لله تعالى، فهو أولى به.
بعد هذا الإرشاد والتوجيه إلى إقامة العدل في القضاء والشهادة. نهى تعالى المؤمنين عن إتباع الهوى فقال: ﴿فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى﴾ والهوى هو ميل النفس إلى ما تحبه وما يزينه الشيطان لها، فترغب فيه وتطلبه كحب السمعة والمال والجاه واللذات. فنهى تعالى عباده المؤمنين عن إتباع الهوى حتى لا يجوروا في قضائهم وشهاداتهم، ثم حذرهم في لي اللسان بالشهادة حتى لا تأتى عادلة، ومن الإعراض عنها بأن يكتموها فلا يؤدوها، أو يعرضوا عن بعضها فلا تكون كافية في إحقاق الحق وإبطال الباطل. فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ أي لا يخفى عليه أمركم، عدلتم أو جرتم، أتممتم أو نقصتم، فاحذروا رقابته تعالى لكم وجزاءه إن عدلتم بالخير، أو جرتم بالعذاب، فما أحسن هذا التذييل في الآية الكريمة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ . فاذكروا هذا ولا تنسوه فإنه يعينكم على تقوى الله بامتثال أمره واجتناب نهيه فتكملوا وتسعدوا.
واعلم أيها القارئ الكريم أن الله تعالى أمر بالعدل في القضاء والحكم في غير هذه الآية، أيضا فاسمع قوله تعالى: ﴿ِانَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ وقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ كما نهى تعالى عن كتمان الشهادة في قوله: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ ومما يؤكد أمر حرمة الظلم والجور في الحكم والشهادة قول الرسول ﷺ وهو يخاطب أصحابه: " ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: الشرك بالله وعقوق الوالدين وكان متكئا فجلس فقال: ألا وقول الزور ألا وشهادة الزور ومازال يكررها حتى قال الحاضرون من أصحابه: ليته سكت " أي تمنوا سكوته خشية أن ينزل أمر عظيم لا يطاق ويقول ﷺ مخبرا أمته معلمها لتكمل وتسعد: " خير الشهود الذي يأتى بشهادته قبل أن يسألها " وبناء على هذا فشر الشهود من يكتم شهادته فيضيع حق أخيه المؤمن، والعياذ بالله تعالى.
стр. 64
وأخيرا إليك أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد هذه الصورة الجليلة في بيان العدل والشهادة بالقسط، يقول عبد الله بن رواحه شهيد مؤته رضى الله عنه وأرضاه وقد بعثه رسول الله ﷺ يخرص على أهل خيبر ثمارهم وزروعهم فأرادوا أن يرشوه ليرفق بهم. فقال لهم: والله لقد جئتكم من عند أحب الخلق إلى ولأنتم أبغض إلى من أعدائكم من القردة والخنازير. وما يحملني حبي إياه وبغضي لكم على أن لا أعدل فيكم فقالوا بهذا قامت السموات والأرض. لنتأمل جميعا هذا الموقف الذي وقفه عبد الله بن رواحه صاحب الرسول ﷺ وهو موقف يجب أن يقفه كل مؤمن، فلا تغرنه الحياة الدنيا فيحيف أو يجور أو يأخذ رشوة مالية مهما كانت الظروف والأحوال اللهم أحينا على ما أحييته وأمتنا على ما أمته عليه. إنك رب العالمين وولى المتقين.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 65
النداء السادس والعشرون: في وجوب الثبات على الإيمان وتقويته والتحذير من ضده وهو الكفر
الآية (١٣٦) من سور ة النساء
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي يشمل المؤمنين حق الإيمان وهم ممن آمنوا بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولا، فناداهم ربهم تعالى بعنوان الإيمان الذي هو صفتهم، ناداهم ليأمرهم بالثبات على إيمانهم وبتقويته وزيادته، حتى يبلغوا أعلى مستوى فيه، وهو اليقين، ويشمل المنافقون وهم مؤمنون في الظاهر كافرون في الباطن؛ وما أكثرهم في المدينة أيام نزول هذه السورة القرآنية الكريمة سورة النساء أمرهم بأن يؤمنوا الإيمان الحق، وهو الإيمان بالله وبرسوله ولقائه، وبالملائكة والكتب، والرسل، واليوم الآخر، والقضاء والقدر. إذ الإيمان الظاهر دون الباطل كفر ونفاق، فمن رحمة الله بالعباد ناداهم بعنوان الإيمان، وأمرهم بالإيمان الحق لينجوا ويسعدوا.
كما يشمل هذا النداء مؤمني اليهود الذين يؤمنون ببعض الرسل ويكفرون ببعض. فقد روى عن أن عبد الله بن سلام، وأسدا وأسيدا ابني كعب وثعلبة بن قيس، وسلام بن أخت عبد الله بن سلام، وسلمة ابن أخيه، ويامين بن يامين أتوا رسول الله ﷺ وقالوا: يا رسول الله إنا نؤمن بك وبكتابك وبموسى والتوراة ونكفر بما سواه من الكتب والرسل، فقال لهم النبي ﷺ : "بل آمنوا بالله ورسوله محمد وكتابه القرآن، وبكل كتاب كان قبله "، فقالوا: لا نفعل فنزلت هذه الآية فآمنوا كلهم، فهنيئا لهم ولمن قبل دعوة الحق مثلهم.
стр. 66
والآن قد عرفت أيها القارئ أن هذا النداء الإلهي قد شمل ثلاث طوائف:
الأولى: المؤمنون بحق وهم أهل الإيمان والإسلام والإحسان من أمة محمد ﵊.
والثانية: المؤمنون في الظاهر, الكافرون فى الباطن، وهم المنافقون، وقد انقرضوا فلم يمت رسول الله ﷺ وبالمدينة منافق، إذ جلهم آمنوا ودخلوا في رحمة الله، ومات منهم عدد على نفاقه فهو في نار جهنم والثالثة: هم من اليهود الذين كانوا بالمدينة وقد آمن منهم من نزلت الآية فيهم وقد تقدم ذكرهم وأسماؤهم فانظر إلى إعجاز القرآن وبلاغته إذ لفظ آمنوا تناول ثلاث طوائف، لذا قيل القرآن حمال الوجوه. أما قوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ﴾ فالمراد به القرآن والرسول هو محمد ﷺ وسر تضعيف الزاي هو أن القرآن ما نزل جملة واحدة ولكنه نزل منجما نجما١ بعد نجم في ظرف ثلاث وعشرين سنة تقريبا بحسب ما تدعو إليه حالة الدعوة وأهلها. وسر عدم تضعيف الزاى في قوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ﴾ أن المراد بالكتاب الكتب التي نزلت قبل القرآن وهى التوراة والزبور والإنجيل إذ (أل) في الكتاب للجنس، أي دالة على متعدد كلفظ الإنسان فإنه دال على عدد لا يحصيه إلا الله . فسر عدم تضعيف الزاى والعدول عن نزل إلى أنزل هو أن الكتب السابقة نزلت جملة واحدة بخلاف القرآن العظيم فإنه نزل منجما في خلال نيف وعشرين سنة.
أما قوله تعالى في هذا النداء: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فقد اشتمل على أركان الإيمان الستة الوارد بعضها في آية البقرة إلا ركن القضاء والقدر المذكور في سورة القمر فلم يذكر في هذه الآية الكريمة ولنعلم أن الكفر يلزم ولو بعدم الإيمان بركن واحد بل ولو بجزء من ركن، كمن آمن بالرسل، ولم يؤمن بواحد منهم أو آمن بالكتب ولم يؤمن بواحد منهم بل لو لم يؤمن بآية واحدة يكفر بها. وقوله تعال: ﴿فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً﴾ أي عن طريق الهدى الموصل بسالكه إلى سعادة الدنيا والآخرة.
وفى هذه الجملة من هذا النداء وعيد شديد وتهديد عظيم، إذ من ضل ضلالا بعيدا لا يعود إلى الهدى بخلاف الضلال القريب، فإن صاحبه يرجى له أن يعود إلى الحق فينجو ويسعد، ينجو من النار ويدخل الجنة دار الأبرار، والضلال البعيد سببه الكفر بعد الإيمان وأما الكفر المتوارث الذي لم يسبقه إيمان فضلال صاحبه قريب، ولذا متى بلغته الدعوة ووجهت إليه آمن وأسلم ونجا من عذاب الله فلنذكر ولنتأمل والله ولى التوفيق.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 67
النداء السابع والعشرون: في حرمة اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، والتحذير من ذلك
الآية (١٤٤) من سور ة النساء
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ .
الشرح:
اذكر أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد أن نداء الله تعالى الموجه إلى عباده المؤمنين سببه ولايته تعالى للمؤمنين، لأنهم آمنوا به وبلقائه وبكل ما أمرهم بالإيمان به من ملائكته وكتبه ورسله وقضائه وقدره، واتقوه فيما أمرهم به ففعلوه، وفيما نهاهم عنه فتركوه فهو يناديهم بعنوان الإيمان المنبئ بحياتهم وكمالهم، ليأمرهم، أو ينهاهم، أو يرشدهم، أو يحذرهم، أو يبشرهم، بما يزيد في طاقة إيمانهم وصالح أعمالهم، ويحذرهم مما يقعد بهم عما خلقوا له من تزكية أنفسهم بذكر الله تعالى وشكره. ليتأهلوا للنزول في منازل الأبرار بدار السلام بعد نهاية عملهم بموتهم ومفارقة أرواحهم أبدانهم.
ناداهم تعالى في هذا النداء الكريم لينهاهم عن اتخاذ الكافرين أولياء لهم دون إخوانهم المؤمنين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ومعنى اتخاذهم أولياء: أن يحبوهم ويقربوهم، ويأخذوا بنصحهم وإرشادهم وتوجيهيهم مع نصرتهم ومد يد العون لهم. دون إخوانهم المؤمنين ومثل هذا التحريم لموالاة الكافرين دون المؤمنين ما جاء في قوله تعالى من سورة آل عمران وهو قوله : ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا
стр. 68
مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ إلا أن هذا التحريم معه استثناء، وهو أن يكون المؤمن في دار الكفار قائما بينهم أذن له أن يداريهم بلسانه بالكلمة الملينة للجانب، المبعدة للبغضاء بشرط أن يكون قلبه مطمئن بالإيمان، كما قال ابن عباس ﵁: التقاة هي أن يتكلم بلسانه وقلبه مطمئن بالإيمان، ولا يقتل، ولا يأتى مأثما ولنعلم أن هذا الاستثناء لا يبيح أبدا موالاة الكافرين، إذ هو مؤقت بحال الضعف والخوف ولم يتجاوز مداراتهم بالكلمة اللينة المبعدة لغيظهم وبغضهم، أما حبهم ونصرتهم فلا استثناء فيهما أبدا إلا أن يؤمنوا بالله ويدخلوا في الإسلام.
ولنذكر الوعيد والتهديد في الآيتين. إذ في الأولى قال تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ أي حجة واضحة على تعذيبكم بما شاء من أنواع العذاب_ وأنتم أولياؤه، فكيف لو كان النداء للمؤمنين في الظاهر وهم المنافقون، فإن الله تعالى إن لم يكفوا عن موالاة الكافرين، فإنه سينزل فيهم قرآنا ويسلط رسوله والمؤمنين عليهم فيعذبونهم ويخزنوهم ويقتلونهم أما إذا كان النداء موجها لأولياء الله المؤمنين ظاهرا وباطنا. فإنه يحذرهم من موالاة الكافرين دائما وأبدا، وفى كل الأزمنة والظروف فإن هم لم يحذروا تحذيره، ولم يرهبوا وعيده، عذبهم بما شاء، ولقد عذب المؤمنين في ديار الأندلس بتعذيبهم بأبشع أنواع العذاب إذ قتلوا وشردوا وأبعدوا عن ديارهم، وذلك بسبب موالاتهم للكافرين وطلب نصرتهم على إخوانهم ولقد عذب المؤمنين في شتى ديارهم لعدم طاعته تعالى في معاداة الكافرين، إذ تشبهوا بهم وأحبوهم وناصروهم وأخذوا بإرشادهم ونصائحهم؛ حتى أذلوهم وأهانوهم، وإلى اليوم والمسلمون، أذلاء مهانون للكافرين لعلة فسقهم عن طاعة الله تعالى وطاعة رسوله، إذ أخذوا بقوانين الكافرين وحكموا بها المؤمنين حبا في الكافرين وموالاة لهم.
أما الوعيد والتحذير في الآية الثانية (آية آل عمران) فقد قال تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ ومعنى يحذركم نفسه أي يخوفكم عقابه وعذابه إن أنتم لم تمتثلوا أمره، ولم تجتنبوا نهيه، وذلك بموالاتكم الكافرين بعدم بغضهم، وبمناصرتكم لهم على إخوانكم المؤمنين في أي مجال من مجالات الحياة؛ إذ الذي يوالى أعداء الله قد عادى الله، وقطع حبل ولايته به، فكيف يكون حال هذا العبد الذي كان الله وليه فأصبح الله عدوه والعياذ بالله إن حاله لا تكون إلا الذل
стр. 69
والهوان والضعف والصغار إذ مصيره كمصير غيره إلى الله ومن صار أمره إلى الله وقد عصاه، وفسق عن أمره، وخرج عن طاعته، فأحب ما كره وكره ما أحب ووالى من عادى، وعادى من والى. فكيف يكون مصيره إنه خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
ألا فلنتق الله المؤمنون بامتثال أمره واجتناب نهيه. وقد نهانا عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وحذرنا بقوله: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً﴾ ؟ فهل بقى لنا من عذر؟ والجواب: لا، والأكبر من ذلك فقد أرانا نقمته وعذابه الذي حذرنا منه في شتى بلاد العالم الإسلامي شرقا وغربا، أما سلط علينا الكفار فاستعمرونا واستغلونا وأذاقونا مر العذاب..
ألا فلنتق الله قبل أن يعود الخزى والعذاب مرة أخرى بأشد من الأول ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 70
النداء الثامن والعشرون: في وجوب الوفاء بالعهود وفى المنة بحلية بهيمة الأنعام إلا ما استثنى منه
الآية (١) من سور ة المائدة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ .
الشرح:
ينادى الرب ﵎ عباده المؤمنين به وبلقائه، وبرسوله، وبوعده لأوليائه، وهم أهل طاعته، وبوعيده لأعدائه، وهم أهل الكفر به والفسق عن أمره، يناديهم بعنوان الإيمان، لأنه يريد أن يكلفهم بما لا يقدر عليه إلا المؤمنون لكمال حياتهم بإيمانهم وولاية ربهم. فما الذي كلفهم به يا ترى؟ والجواب أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد إنه كلفهم بأمر عظيم ألا وهو الوفاء بالعقود والعهود وأولها الوفاء بالعهود، التي بينهم وبينه ؛ إذ قال تعالى من سورة النحل: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ....﴾ وقال من هذه السورة (المائدة) ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ فنعمة الله تعالى هي الإيمان به، والإسلام، والإحسان، وميثاقه تعالى الذي أخذه عليهم هو أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا. فكل من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله فقد قطع لله تعالى على نفسه عهدا وميثاقا، بأن يعبد الله تعالى وحده، وبما جاء به رسوله محمد ﷺ من الشرائع والأحكام، وهكذا كل من نذر لله نذرا فقد قطع على نفسه عهدا فليوف به إن كان صياما صام، وإن كان قياما قام، وإن كان رباطا رابط، وإن كان صدقة تصدق، وإن عجز كفر كفارة يمين، واستغفر الله وتاب إليه، ومثل عهود الله تعالى في وجوب الوفاء
стр. 71
بها عهود الناس فيما بينهم، إذ الكل أمر تعالى بالوفاء به لاسيما العهود الموثقة بالإيمان، وما كان متعلقا بحقوق الناس. كحقوق النكاح، والبيع، والشراء، والإيجار، وكالأمانات مطلقا، فمن أؤتمن أمانة وجب عليه أدائها وحرم عليه إضاعتها أو خيانتها، لأمر الله تعالى بذلك كما في قوله تعالى: ﴿ِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
ولنذكر أيها القارئ في هذا الأمر الإلهي بالوفاء بالعقود ما قاله الحسن البصري أحد سادات التابعين فقد قال: " يعنى عقود الدين "، وهى ما عقد المرء على نفسه من بيع وشراء وإجارة وكراء، ومناكحة وطلاق، ومزارعة، ومصالحة، وتمليك، وتخيير، وعتق، وتدبير، فقد شمل هذا القول سائر أنواع العقود والعهود ألا فلنذكر هذا ولا ننسه وأما قوله تعالى في هذا النداء: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ فإنه تذكير بالنعمة لتشكر ولا تكفر والمراد من بهيمة الأنعام هي الأزواج الثمانية: الإبل، والبقر، والغنم، وهى: ضان وماعز، والكل ذكر وأنثى.
وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي تحريمه منها وهو الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، إذ جاء هذا في هذه السورة وبعد آيات محدودة. إذ قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ أي أدركتم فيه الروح فذبحتموه، ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ وهو ما ذبح لغير الله تعالى، كالذبح للأصنام والأضرحة والقبور أو الجان وما إلى ذلك.
وقوله تعالى في هذا النداء: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ هو إضافة إلى تحريم ما حرم على عباده المؤمنين من اللحوم الفاسدة المخبثة للنفس الملوثة لها؛ إذ حرم على المحرم بحج أو عمرة أن يصيد، لما في الصيد من اللهو والغفلة عن ذكر الله، وعليه فلا يحل للمحرم أن يصيد ولا أن يأكل ما صاده وهو محرم أو صاده له غيره بأمره له أو برضاه عنه. فما صاده المحرم وما صيد له هو محرم كسائر المحرمات، الأكل مما أنزل الله تعالى في كتابه، أو على لسان رسوله، إذ نهى النبي ﷺ من أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور. وقوله تعالى في هذا النداء العظيم: ﴿إِنَّ
стр. 72
اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ أي يبيح ويمنع، ويحل ويحرم، يبيح ما يريد إباحته، ويمنع ما يريد منعه، ويحل ما يريد حله، ويحرم ما يريد تحريمه، وكل ذلك تابع لعلمه وحكمته ورحمته وقدرته، فلذا الحلال ما أحل الله ورسوله، والحرام ما حرم الله ورسوله ولا يحل لمؤمن أن يحرم ما أحل الله ورسوله، ولا أن يحل ما حرم الله ورسوله.
فلنذكر هذا أيها القارئ والمستمع حتى تقدر على طاعة الله ورسوله بالوفاء بالعقود، ومنها أن نشكر الله تعالى على نعمه، ولا نحرم ما أحل لعباده، ولا نحل ما حرم عليهم ولنفوض ذلك لله الذي يحكم ما يريد لعلمه الذي أحاط بكل شئ وحكمته التي لا يخلو منها شئ، ورحمته التي وسعت كل شئ، وقدرته التي لا يعجزها شئ. ولنقل آمنا بالله. والحمد لله.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 73
النداء التاسع والعشرون: في تحريم استحلال شعائر الله إلا ما نسخ منها، وفى إباحة الصيد بعد التحلل، ووجوب التعاون على البر والتقوى، وحرمة التعاون على الإثم والعدوان .
الآية (٢) من سور ة المائدة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي قد تضمن أمورا ذات خطر وشأن عظيم، وإليك بيانها بالتفصيل:
١-تحريم استحلال شعائر الله تعالى وهى أعلام دينه من سائر ما فرض وأوجب ونهى وحرم، فلا يستحل ترك صلاة، ولا صيام، ولا حج ولا اعتمار، ولا زكاة، ولا جهاد، ولا بر الوالدين، ولا صلة أرحام، ولا يستحل ما حرم الله من ربا وزنا، وكذب وغش وسرقة، وخيانة، وسب، وهتك عرض، إلى غير هذا مما هو واجب في الإسلام أو حرام، إذ كل ذلك من أعلام الدين وشرائعه.
٢-إن ما نسخ من شعائر الدين هو الشهر الحرام وهو رجب كان محظورا القتال فيه، ثم نسخة الله تعالى بقوله: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ ، وكذا سائر الأشهر الحرم، قد نسخ القتال فيها إذا قاتلنا العدو فيها. ومن المنسوخ هدي المشركين
стр. 74
وقلائدهم، والمشركون أنفسهم حرم عليهم دخول المسجد الحرام، فكيف يبقى لهم قلائدهم التي كانوا يقلدون بها الإبل ليهدوها إلى الحرم والهدى ما يهدونه إلى الحرم والقلائد جمع قلادة ما يعلقونه على البعير أو الشاة إيذانا بأنه مهدى إلى الحرم فلا يتعرض له، وقد يعلق أحدهم لحاء من شجر الحرم فيحترم لذلك ولا يتعرض له. كان هذا قبل الإسلام، ثم نسخ في الإسلام.
٣-حرمة التعرض لقاصد البيت الحرام للعبادة والتقرب، للحصول على رضوانه إلا أن يكون هذا القاصد كافرا أو مشركا فإنه لا يؤذن له بدخول الحرم.
٤-إباحة الصيد لمن تحلل من إحرامه من المؤمنين؛ لأن المحرم لا يحل له الصيد حال إحرامه، كما لا يحل له أن يأكل ما صيد له، وهو محرم وهذا الحكم باق لم يطرأ عليه نسخ.
٥-حرمة الاعتداء على العدو. فمن كان له عدو لا يجوز له أن تحمله عداوته على ظلمه والاعتداء عليه. إلا أن يظلم العدو فحينئذ يرد ظلمه واعتداؤه ولا حرج، وهذا معنى قوله تعالى في النداء: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ وهذا تم في الحديبية إذ صد المشركون الرسول ﷺ والمؤمنين عن العمرة، وتم صلح بينهم، المعروف بصلح الحديبية، فحذر الله تعالى المؤمنين من أن يحملهم بغضهم وعداؤهم للمشركين الذين منعوهم من المسجد الحرام أن يعتدوا عليهم بعد أن تم الصلح بينهم.
٦- وجوب التعاون بين المؤمنين على البر والتقوى. أي على فعل الخيرات كالصدقات والمعونات المختلفة كالقرض والسلفة، والإحسان والمعروف، إذ كل هذا من البر، وأما التعاون على التقوى وهى طاعة الله ورسوله في الأمر والنهى فهو تعاون على إقامة الدين بكامله بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإن ترك واجب أو حق من الحقوق وجب على المؤمنين أن يتعاونوا على إقامة الواجب الذي ترك، وعلى إحقاق الحق الذي هدر بينهم، لأنهم أمة واحدة.
٧- حرمة التعاون على الإثم والعدوان، أما الإثم فهو كل كبيرة من كبائر الذنوب كالزنا، والربا والسرقة والغيبة والنميمة، وترك الواجبات، وارتكاب المحرمات في المناكح والمطاعم والمشارب والملابس وغيرها، تلك هي الإثم الذي يحرم التعاون على إيجاده أو بقائه بين المؤمنين، أما العدوان فهم الظلم وهو الاعتداء على أرواح الناس، أو
стр. 75
أعراضهم، أو أموالهم، فلا يحل إعانة ظالم بحال من الأحوال، بل ولا الركون غليه، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ والركون يكون بالميل إليه، والرضا بظلمه، وعدم نهيه عنه.
٨-الأمر بتقوى الله ؛ إذ قال تعالى في أخر النداء: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ والأمر بالتقوى معناه الأمر بطاعة الله ورسوله، وأولى الأمر من المؤمنين، وتتحقق التقوى بفعل ما يأمر الله به ويأمر به رسوله من الواجبات والمندوبات، وبترك ما نهى الله عنه، ونهى عنه رسوله من الاعتقادات الباطلة، والأقوال السيئة، والأفعال الضارة الفاسدة، وختم الله تعالى مضمون هذا النداء العظيم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ؛ ليحذر المؤمنين من عدم النهوض بما تضمنه هذا النداء من الأوامر والنواهي فإنهم إن أهملوا ما كلفوا به ستنزل بهم عقوبة الله فيندمون ولا ينفعهم ندم. ألا فلنحذر عذاب الله يا عباد الله، والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب!!!
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.