النداء الثمانون: في بيان حكم المهاجرات من دار الكفر إلى دار الإيمان، وكيفية معاملتهن مع أزواجهن
الآية (١٠، ١١) من سورة الممتحنة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن لهذا النداء سببا نزل به، وهو أن ما تم بين رسول الله ﷺ ، والمشركين من صلح في الحديبية في السنة السادسة، جاء من بين مواده: أن من جاء إلى رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة من الرجال رده إلى مكة ولو كان مسلما مهاجرا فارا بدينه، ومن جاء المشركين من المدينة لم يردوه إليه ﷺ ولم ينص، في بنود الاتفاقية على النساء وأثناء ذلك جاءت أم كلثوم بنت عقبه بن أبى معيط مهاجرة من مكة إلى المدينة فلحق بها أخواها عمار والوليد ليرداها إلى قريش، فنزل هذا النداء الكريم، فلم يردها عليهما النبي ﷺ لخلو هذا من مواد الاتفاقية – اتفاقية صلح الحديبية – فأنزل الله تعالى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يا من أمنتم بالله ربا وإلها،
стр. 212
وبمحمد نبيا ورسولان وبالإسلام دينا وشرعا حكيما، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ أي من دار الكفر إلى دار الإسلام ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ أي غلب على ظنكم أنهن مؤمنات ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ وكيفية امتحان هي أن يقال لها احلفي بالله أي قولي بالله الذي لا إله إلا هو ما خرجت إلا رغبة في الإسلام لا بغضا لزوجي ولا عشقا لرجل مسلم في هذه البلاد.
وقوله نعالي: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُن﴾ وذلك لأن الإسلام فصم تلك العصمة التي كانت بين الزوج وزوجته، إذ حرم الله نكاح المشركات وإنكاح المشركين، ولهذا لم يأذن الله تعالى في ردهن إلى أزواجهن الكافرين وقوله تعالى: ّ ﴿َ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ أي إذا جاء زوجها المشرك يطالب بها أعطوه ما انفق عليها من مهر، والذي يعطيه هو إمام المسلمين أو جماعة المسلمين.
وقوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُن﴾ أي تتزوجوهن ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُن﴾ أي مهورهن مع باقي شروط النكاح: وهى الولي فإن لم يكن لها ولى فالقاضى وليها أو ذو الرأي من عشيرتها إذا لم يوجد في البلد قاضى شرعي وانقضاء عدتها إذا كانت مدخولا بها وقوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ أي إذا اسلم الرجل: وكذا إذا ارتدت امرأة مسلمة ولحقت بدار الكفر فإن العصمة قد انقطعت بينهما ولا يحل إمساكها، وفائدة ذلك أنها لو كانت تحت الرجل نوة له أن يزيد رابعة لأن الإسلام قطع العصمة وذلك لقوله تعالى: ﴿ِ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ والعصم جمع عصمة والعصمة هي المانع من أن تتزوج المرأة زوجا أخر وهى في عصمة زوجها. وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ أي اطلبوا من المرتدة ما أنفقتم عليها من مهر يؤدى لكم. ﴿وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا﴾ أي وليطلب أي المشركون ما أنفقوا من مهور على أزواجهن اللاتي أسلمن وهاجرن إليكم.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ . أي فاقبلوه وارضوا به فإنه حكم عادل رحيم.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم﴾ أي عليم بخلقه وحاجاتهم، حكيم في
стр. 213
قضائه عليهم وقد بينه لهم، فليسلم له الحكم وليرض به فإنه قائم على أساس المصلحة للجميع.
وقوله تعالى فى هذا النداء الكريم ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ أي وإن ذهب بعض نسائكم إلى الكفار مرتدات – والعياذ بالله – وطالبتم بالمهور فلم يعطوكم، ثم غزوتم وغنمتم فأعطوا من الغنيمة قبل قسمتها، أعطوا الذي ذهبت زوجته إلى دار الكفر ولم يحصل على تعويض أعطوه مثل ما أنفق.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ أي خافوا عقابه فأطيعوه في أمره ونهبه ولا تعوه. وطبقوا هذه الأحكام التي بينها لكم في هذا النداء حرفيا لما في ذلك من العدل والرحمة والخير الكثير: واعلم أيها القارئ ما يلي:
١-وجوب امتحان المهاجرة فإن علم إسلامها فلا يحل إرجاعها إلى زوجها الكافر.
٢-حرمة نكاح المشركة.
٣-لا يجوز الإبقاء على عصمة الزوجة المشركة.
٤-من ذهبت زوجته ولم يرد عليه شئ، ثم غزوتم وغنمتم فأعطوه ما أنفق من مهر من الغنيمة قبل قسمتها، وإن لم تكن غنيمة، فجماعة المسلمين وإمامهم يعطونه.
٥-وجوب تقواه تعالى بتطبيق شرعه وإنفاذ أحكامه والرضا بها.
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين
стр. 214
النداء الحادي الثمانون: في حرمة موالاة اليهود
الآية (١٣) من سورة الممتحنة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الريم أن هذا النداء الذي ختمت به سورة الممتحنة هو كالنداء الذي افتتحت به إذ الأول حرم موالاة الكفار والمشركين لأنهم أعداء الله ورسوله والمؤمنين، وحرم في هذا موالاة أهل الكتاب من اليهود والنصارى لأنهم أيضا أعداء الله ورسوله والمؤمنين. والموالاة المحرمة هي النصرة والمودة إذ ليس من المعقول ولا المقبول أن شخصا يعادى ربه الذي خلقه ورزقه وحفظه طوال حياته يعاديه فلا يذكره ولا يشكره، ولا يطيعه في أمر ولا نهى، ويعاكسه شر معاكسه إذ هو يحب كل ما يكره الله تعالى، ويكره كل ما يحب الله تعالى، والعياذ بالله من هذا المخلوق الذي عادى خالقه وتحداه، وحارب رسوله وأولياءه من هنا كانت موالاة الكفار من الذنب العظيم ولا توجد في قلب مؤمن صادق الإيمان محبة عبد يحاد الله تعالى ورسوله والمؤمنين، واسمع قوله تعالى في هذا الشأن: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ﴾ ١ أي الذين نفى تعالى وجود مودة لكافر في قلوبهم ولو كان أقرب قريب ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَان﴾ كتابة راسخة ثابتة لا تحول ولا تول ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ أي ببرهان وهدى ونور. ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي منها ولا يموتون فيها وزيادة شفى الأنعام عليهم أنه رضى عنهم ورضوا عنه. ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾
стр. 215
لا حزب الشيطان إذ طاعته للخمن وليس للشيطان فيها نصيب.
ثم ختم تعالى على البيان بهذا الإعلان فقل: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . أي الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار، وحزب الشيطان وهم الكفرة والمشركون والفسقة والمجرمون هم الخاسرون حيث يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. إذ قال تعالى فيهم: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ .
والأن مع هذا النداء الإلهي إذ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يا من أمنتم بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا ﴿لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي لا تتولوهم بالنصرة والمودة. نهاهم الرب ﵎ عن موالاة اليهود بصورة خاصة إذ هم الذين غضب الله عليهم، وعلة غضب الله تعالى عليهم هي أنهم عرفوا الحق وأعرضوا عنه، وعرفوا ما حرم اله تعالى وفعلوه وعرفوا الهدى وتركوه واتبعوا الضلال والتزموه فهذه بعض موجبات غضب الله تعالى عليهم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي من السعادة فيها بدخول الجنة بعد النجاة من النار ويأسهم سببه ما عرفوه من التوراة والإنجيل من قضاء الله وحكمه فيهم وفى أمثالهم ممن عرفوا الحق وأعرضوا عنه، وعرفوا محاب الله وكرهوها، وعرفوا مساخط الله تعالى وأحبوها وأتوها وفعلوها، فلما غرقوا في خضم الجرائم والموبقات من الشرك والكفر واستباحة محارم الله يومها يئسوا من النجاة من النار ودخول الجنة. وشبه تعالى يأسهم بيأس الكفار من أصحاب القبور، هم الذين كفروا يعنى وماتوا على ذلك فإنهم يأسوا من دخول الجنة لأنهم ماتوا على الكفر. وكما يئس أصحاب القبور من العودة إلى الدنيا بعد موتهم وكما يئس أقرباؤهم من عودتهم إلى الحياة بعد موتهم إذ الكل يأس وقنوط. وهؤلاء اليهود المغضوب عليهم يئسوا من سعادة الآخرة بالنجاة من النار ودخول الجنة. كما يئس الكفار من أصحاب القبور، كما بيناه آنفا فاذمره، واستعذ بالله من غضبه وعقابه.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 216
النداء الثاني الثمانون: في لوم وعتاب من يقول ولا يفعل، وأن ذلك من موجبات مقت الله تعالى للعبد. وفى بيان حب الله تعالى للمجاهدين في سبيله الثابتين في المعارك
الآيات (٢، ٣، ٤) من سورة الصف
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوص ٌ﴾ .
الشرح:
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ هذا النداء نزل في جماعة من المؤمنين جلسوا يتحدثون فقالوا لو نعلم أحب الأعمال إلى الله تعالى لفعلناه. فلما علموه ضعفوا عنه، ولم يعملوا نظير هذا ما جاء في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَة﴾ ١ أي جبنوا عن القتال وقعدوا عنه إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، إذ المؤمنون فى كل زمان ومكان موجد بينهم من تكون حاله كحال أولئك الذين نزلت فيهم هذه الآيات، والقرآن كتاب هداية وإصلاح، والمؤمنون في حاجة إلى ذلك في كل عصر ومصر. فقوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ أي لم تعدون ولا توفون، فهذا توبيخ وتقريع لكل من يعد ولا يفي. وقد أعلم الرسول ﷺ أمته أن آية المنافق ثلاث " إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اأؤتمن
стр. 217
خان " فجعل خلف الوعد من علامات النفاق، فلذا كان قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ﴾ استفهام معناه التأنيب والتوبيخ ومثل من يعد ولا يفي أي يخلف ما وعد به من يقول فعلت وهو لم يفعل أيضا إذ قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ يحمل معنى لم تقولون فعلنا وأنتم لم تفعلوا كقول الرجل قاتلت ولم يقاتل، وطعنت وهو لم يطعن أو أعطيت وهو لم يعط وقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ﴾ أي أن قولكم نفعل كذا ولم تفعلوا مما يمقت عليه صاحبه أشد المقت أي يبغض أشد البغض والعياذ بالله من مقته وبغضه وغضبه.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوص﴾ . فيه إشارة واضحة إلى أن الذين وبخهم بقوله: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ . كانوا قد وعدوا بالجهاد، ثم تخافوا عنه ولم يفوا بما وعدوا. كما يحمل إشارة أخرى إلى الذين انهزموا يوم أحد وفروا من المعركة. ولما كان تعالى يمقت أشد المقت المخلفين للوعد العظيم ذي الأثر الكبير كالوعد بالجهاد ولم يجاهدوا فإنه تعالى يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا متراصا لا فرجة فيه حال الزحف كالبنيان المرصوص أي المتلاصق بعضه ببعض لا فرجة ولا خلل بين أجزائه.
ولنستمع إلى الرسول ﷺ وهو يخبر بضحك الله تعالى إلى بعض عباده الصالحين فيقول: " ثلاثة يضحك الله إليهم: الرجل يقوم من الليل والقوم إذا صفوا للصلاة، والقوم إذا صفوا للقتال "، وكان بعض السلف يكرهون القتال على الخيل ويستحبون القتال على الأرض لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوص﴾ . وكان صاحب هذا الحديث وهو أبو بحرية يقول: إذا رأيتموني ألتفت في الصف أي صف القتال فجؤوا فى لحى " ١ وهذا عين ما جاء في حرمة تولى المجاهد عن الصف، وخروجه منه لغير سبب يقتضي ذلك إذ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ
стр. 218
فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ١
وأخيرا خلاصة هذا النداء ولا ننسه وهى:
١-حرمة الكذب وخلف الوعد، إذ قول القائل أفعل كذا ولم يفعل، وهو كذب وخلف وعد، ولذا كان قوله من المقت الذي هو أشد البغض، ومن مقته الله فقد أبغضه أشد البغض وكيف يفلح من مقته الله؟
٢-فضيلة الجهاد في سبيل الله وفضيلة الوحدة والاتفاق. وحرمة الخلاف الممزق للصفوف.
٣- اذكر أن الصف في الصلاة يجب رصه بعدم الفرج فيه وأنه مما يحب الله تعالى فنطلب ذلك فى صفوف الصلاة كما في صفوف الجهاد. والله رءوف بالعباد
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 219
النداء الثالث الثمانون: في عرض بضاعة أغلى بضاعة إذ هي الحنة وبيان الثمن المحصل لها وهو الإيمان والجهاد
الآيات (١٠، ١١، ١٢) من سورة الصف
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم ُ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا عرض وترغيب وتشويق إلى ما يذكر بعده كقول المرء للآخر هل لك في كذا، أو هل لك إلى كذا فالاستفهام في هذا النداء هو أدلكم على تجارة وصفها كذا ... من هذا الباب وذلك أنهم قالوا: لو نعلم أحب الأعمال إلى الله لفعلناها. فناداهم الرب ﵎ قائلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، أي يا من آمنتم بالله ولقائه والقرآن وما فيه والرسول محمد ﵊ وما جاء به: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ﴾ وهو عذاب الدنيا تسلط العدو عليكم وقهركم، ومن الفقر والخوف. ومن عذاب الآخرة وهو النار وبئس المصير. والعذاب هو كل ما يقطع عذوبة الحياة ولذاذتها، والأليم الموجع أشد إيجاع، بعد هذا الترغيب بين لهم ما يدفعونه من مال ليستلموا البضاعة فقال في بيان الثمن المطلوب للحصول على السلعة الغالية: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أي بألوهيته ولقائه ووعده ووعيده، وتؤمنون برسوله وما جاء به ويدعو إليه ﷺ ، ﴿وَتُجَاهِدُونَ﴾ أي أعداء الله تعالى وأعداءكم وهو كل كافر ومشرك يعلن الحرب عليكم، ويعاديكم ويعادى ربكم بأن يعبد غيره، ويتبع سبيلا غير سبيله.
стр. 220
وقوله تعالى: ﴿بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ قدم جهاد المال على جهاد النفس، لأن العدة مقدمة على من يحملها في هذا الباب فالمال لإعداد عدة الحرب، والعدة سلاح على اختلافه وطعام وشراب ومركوب للغزاة والمجاهدين، وثنى بجهاد النفس وهو بذل أقصى الجهد والطاقة البدنية وقوله في سبيل الله وقدمه على المال والنفس إذ قال تعالى: ﴿ِوَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ لأن الجهاد إذا لم يرد به إعلاء كلمة الله، فهو لغير الله وهو باطل مذموم والمراد من إعلاء كلمة الله أن يعبد الله وحده ويحكم شرعه في عباده ويرفع الظلم عن أوليائه وهم المؤمنون المتقون وقوله عز من قائل: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ يريد تعالى أن الدخول في هذه الصفقة التجارية خير لكم من تركها والإعراض عنها حرصا على بقائكم وبقاء أموالكم مع أنه لا بقاء لشئ في هذه الحياة الدنيا، بعد أن بين لهم الثمن وهو الإيمان والجهاد بين لهم الجزاء فقال: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ وأوقع بيان السلعة موقع الجزاء إذ قوله فى بيان الثمن ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ....﴾ فالفعلان مرفوعان، وفعلا البضاعة يغفر لكم ويدخلكم مجزومان على تقدير: إن تؤمنوا وتجاهدوا يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجرى من تحتها الأنهار على تقدير إن تعطوا الثمن المطلوب تعطوا البضاعة الموضوعة لذلك والمهيأة له.
وقوله تعالى: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ هذا من أجزاء السلعة التي عرضت للبيع بثمن غال ألا وهو الإيمان والجهاد. الإيمان الحق والجهاد في سبيل الله تعالى لا غيره.
وقوله تعالى فى هذا النداء: ﴿ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيم﴾ . أي الحصول على السلعة المذكورة بالثمن المذكور هو الفوز العظيم، وخلاصة هذا الربح العظيم الذي لا يعادله ربح، والله إن النجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار مع رضوان الرحمن.
وهنا ربح دنيوي أخر ذكره تعالى في قوله: ﴿وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيب﴾ .
وهذا فائدة زائدة عل السلعة وهى نصرهم على أعدائهم وأعداء ربهم وفتح قريب أم القرى وغيرها من عواصم الدنيا.
стр. 221
وختم هذا الإنعام والإكراه بقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وبشر يا رسولنا الذين آمنوا بنا وبرسولنا وبدعوتنا بشرهم بحصول ما ذكرناه كاملا غير منقوص. وقد تم لهم كاملا والحمد لله. فقد نصرهم على أعدائهم وفتح لهم مكة وكثيرا من عواصم العالم كعاصمتى الفرس والروم.
وأخيرا اذكر أيها القارئ الكريم ما قد بين لك واذكر أخيرا ما بلى:
١-فضل الجهاد بالمال والنفس وأنه أعظم تجارة رابحه في هذه الدنيا.
٢-تحقيق بشرى الله للمؤمنين التي أمر رسوله أن يبشرهم بها. فكان هذا دليلا وبرهانا ساطعا على صحة الإسلام وسلامة دعوته. وفوز أهله ونجاحهم إذ هم أقاموا دينا وعبدوا به الله تعالى عقائد وعبادات وآداب وأخلاقا وأحكاما وقوانين ثابتة محققة للأمن والرخاء والصفاء.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 222
النداء الرابع والثمانون: في وجوب نصرة دين الله وأهله ائتساء بمن دعوا إلى ذلك فأجابوا ففازوا بالنصر والغلبة
الآية (١٤) من سورة الصف
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ .
الشرح:
أذكر أيها القارئ الكريم أن الله نعالي لا ينادى عباده المؤمنين به وبلقائه وبرسوله وما جاء به من الدين الحق ويدعو إليه، لا يناجيهم إلا ليأمرهم أو ينهاهم أو يبشرهم، أو ينذرهم أو يعلمهم ما ينفعهم وهذا مقتضى الولاية التي بينهم وبينه . فلذا لا يأمرهم إلا بما يزكى أنفسهم. ولا ينهاهم إلا عما بدسي أنفسهم، ولا يبشرهم إلا بما يزيد في طاقة إيمانهم بعد شرح صدورهم وذهاب الغم والهم عنهم وإبعاد والحزن والخوف عنهم. إذ أولياؤه نفى عنهم الخوف والحزن في الحيوات الثلاث الحياة الدنيا وحياة البرزخ، وهى الحياة بين الحياتين الأولى الفانية والآخرة الخالدة والحياة الآخرة وهى الخالدة الباقية. في قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ ١ وبين الرسول ﷺ بشرى الحياة الدنيا، وأنها الرؤية الصالحة يراها أو ترى له.
وهيا بنا بعد أن نستعرض ما جاء شفى هذا النداء الإلهي العظيم إذ قال تعالى:
стр. 223
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي بالله رب وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا فحيوا بذلك وأصبحوا أهلا للنداء وما يؤمرون به وينهون عنه. ﴿كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ ، إي التزموا بنصرة ربكم وإلهكم الحق الذي لا رب غيره ولا إله سواه، التزموا بنصرته في دينه ونبيه وأوليائه المؤمنين المتقين فقولوا كما قال الحواريون لما دعاهم عيسى عبد الله ورسوله لنصرته قائلا: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ ؟ أي من ينصرني في حال كوني متوجها إلى الله أنصر دينه وأولياءه فأجابوا قاثلين ﴿نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّه﴾ . فكونوا أنتم أيها المسلمون مثلهم في نصرة دين الله ونبيه وعباده المؤمنين. وقد أجابوا رضوان الله تعالى عليهم. ﴿َخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ . فلم يجيبوا ونحن مع الأسف منهم واأسفاه ... واحسرتاه.... واحزناه....على ما فرطنا في جنب الله.
وقوله تعالى في ختام هذا النداء: ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ . فقوله ﴿فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ﴾ أي بعيسى وما جاء به من الحق والهدى، وهو أن عيسى عبد الله ورسوله، وليس بإله ولا ابن إله، ولا ثالث ثلاثة مع الله، وليس هو بساحر ولا دجال ولا مفتر كذاب، ولا هو بابن زنى. وكفرت طائفة أخرى فاليهود قالوا عبسى ابن زنى وقالوا ساحر وكفروا به وبما جاء به واحتالوا على المؤمنين الموحدين من أتباع عيسى ﵇ فأفسدوا عقائدهم وحرفوا دينهم مكرا بهم وحسدا لهم على فوزهم بالدين الحق والولاية الإلهية حرموا هم منها والعياذ بالله. وقوله تعالى: ﴿فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ﴾ أي الكافرين ﴿فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ أي غالبين عالين منصورين إلى أن احتال اليهود أعداء الله الحسدة على إفساد الدين الصحيح الذي جاء به عيسى ﵇ وهو الإسلام القائم على عبادة الله تعالى وحده بما شرع من أنواع العبادات الروحية والبدنية، وحينئذ لم يبق من المؤيدين إلا أنصار قليلون هنا وهناك، وعلا الكفر والتثليث. وظهر الشرك في ربوع الأرض، واستمر الوضع كذلك إلى أن بعث الله رسوله محمدا ﷺ فانضم إلى الإسلام من انضم من النصارى فأصبحوا بالإسلام ظاهرين على عدوهم من المشركين المؤلهين لعيسى الحيارى في تقويمه إذ مرة يقولون هو ابن الله، ومرة يقولون ثالث ثلاثة مع الله. وضللهم وتركهم في هذه المتاهات الانتفاعيون من الرؤساء والجاهلون المقلدون من المرءوسين، كما فعل
стр. 224
نظراؤهم في الإسلام، إذ حولوه إلى طوائف وشيع. إلا أن الإسلام تعهد الله تعالى بحفظه على يوم القيامة. فمن أراده وطلبه في صدق وجده سليما صحيحا صافيا كما هو في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ومن لم يرده ولم يطلبه، ورضى بالضلال والجهل والفسق والكفر فهو فيها إلى أن يهلك ويمسي في أصحاب السعير. ولا يهلك على الله إلا هالك.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 225
النداء الخامس والثمانون: في وجوب حضور صلاة الجمعه إذا نودي لها وحرمة البيع والشراء وسائر الأعمال بعد النداء
الآيتان (٩، ١٠) من سورة الجمعة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
الشرح:
اذكر أيها القارئ الكريم أن الله تعالى ينادى عباده المؤمنين بعنوان الإيمان؛ لأن المؤمنين أحياء بإيمانهم يسمعون النداء ويجيبون من ناداهم لكمال حياتهم. وها هو ذا نادى عباده المؤمنين من هذه الأمة المسلمة له وجوهها وقلوبها فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بي وبرسولي وبلقائي وما عندي لأوليائي، وما لدى لأعدائي ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ﴾ أي إذا أذن المؤذن قائلا حي على الصلاة، وذلك من يوم الجمعة وهو اليوم الفاضل الذي فازت به أمة الإسلام وحرمه اليهود لعنادهم وحرمه النصارى لجهلهم وضلالهم؛ إذ هو أفضل الأيام خلق الله أدم وأدخله الجنة وأخرجه منها، وفيه تقوم الساعة. وفيه ساعة لا يوافقها مؤمن يصلى ويسأل الله شيئا إلا أعطاه إياه ويقول فيه الرسول ﷺ : " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة ثم راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة (بعيرا) ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة،
стр. 226
ومن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإمام أي ليرقى المنبر ويخطب الناس حضرت الملائكة يستمعون الذكر ".
وقوله تعالى: ﴿فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ أي امشوا إلى أداء صلاة الجمعة بعد سماع الخطبة. وهذا المشى يسبقه أمور منها الغسل، ولبس الثياب الجديدة أو النظيفة الخاصة بها، ومنها مس الطيب ومنها السواك. وهذا الإمام أحمد ﵀ يروى في مسنده الصحيح الحديث التالي. يقول ﷺ : " من اغتسل يوم الجمعة، ومس من طيب أهله، إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج حتى يأتي المسجد فيركع ما بدا له، ولم يؤذ أحدا ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلى كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة الأخرى ". وروى أصحاب السنن أن النبي ﷺ على المنبر قال: " ما على أحدكم لو اشترى ثوبين ليوم الجمعة سوى ثوبي مهنته ".
وقوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ أي اتركوا البيع والشراء إذ لفظ البيع يطلق على الشراء. ولهذا يحرم أي عقد يتم والإمام على المنبر يوم الجمعة. كما يحرم أي عمل كتجارة أو حياكة أو صناعة أو زراعة. أو طهى طعام وما إلى ذلك من سائر الأعمال وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي إن ترك الأعمال من بيع وشراء وغيرها من سائر الأعمال والذهاب إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة خير ثوابا وخير عاقبة في الدنيا والآخرة.
وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ﴾ أي أديت وفرغ منها ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ أي لقضاء حوائجكم كالبيع والشراء وسائر الأعمال المأذون فيها من المباحات. وقوله: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ أي اطلبوا ما تحتاجون إليه من أمور دنياكم ومعاشكم فقد أذن الله تعالى لكم فيه بعد أن منعكم منه عند سماع النداء والإمام على المنبر وقال: ﴿من فَضْلِ اللَّهِ﴾ إذ كل رزق يحصل عليه العبد هو من عطاء الله وفضله، وما للعبد إلا إتيان الأسباب الموضوعة لذلك، فلذا لا يطلب المحرم سواء كان طعاما أو شرابا أو لباسا أو غيرها، إذ ذاك لم يأذن الله فيه فهو ليس من فضله تعالى، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً﴾ أي أثناء تفرقكم وانتشاركم في أعمالكم طلبا لفضل الله تعالى في هذه الحال اذكروا الله بقلوبكم وألسنتكم ولا تنسوه واذكروه ذكرا كثيرا، وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . أي اذكروا الله كثيرا
стр. 227
رجاء أن تفلحوا في سعيكم وعملكم وتعودون بحاجاتكم بعد السعي والطلب؛ لأن فى ذكر الله العون الكبير والوقاية العظمى من الخيبة والخسران، وفلاح المؤمن لا يقصر على الدنيا بل هو في الدنيا والآخرة، وفلاح الآخرة معناه الفوز بالحنة بعد النجاة من النار.
وأخيرا اذكر أيها القارئ ما يلي:
١-وجوب صلاة الجمعه ولا يسقط هذا الواجب إلا على المرأة والعبد والمريض والممرض له والمسافر.
٢-حرمة البيع والشراء وسائر الأعمال إذا جلس الإمام على المنبر وشرع المؤذن يؤذن الأذان الأخير.
٣-لا تفهم من قوله تعالى: ﴿فَاسَعَوْا﴾ أن السعي هنا الجري والهرولة لا، لا وإنما هو المشى إليها بسكينة ووقار كما بين ذلك رسول الله ﷺ ١. وإطلاق السعي على غير السرعة والهرولة كثير، من ذلك فلان يسعى على عائلته ليس معناه أنه يجرى وإنما يعمل. ومنه فلان سعى في الإصلاح بين فلان وفلان ليس معناه أنه يجرى. هذا واذكر ما علمت ولا تنسه واعمل وعلم وبارك الله فيك.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 228
النداء السادس والثمانون: في حرمة الانشغال بالمال والولد عن عبادة الله تعالى ووجوب الزكاة والترغيب في الصدقات، والتحذير من فجاءة الموت قبل التوبة
الآيات (٩، ١٠، ١١) من سورة المنافقون
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي له خطورته وشأنه العظيم فقد نادى الرب ﵎ عباده المؤمنين لكمال حياتهم بإيمانهم ناداهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا، ناداهم ليقول لهم ناهيا لهم: ﴿لا تُلْهِكُمْ﴾ أي لا تشغلكم أموالكم كثرت أو قلت وأي نوع كان من المال سواء كان مال تجارة أو صناعة أو زراعة أو غير ذلك لا تشغلكم عن عبادة الله تعالى وسواء كانت العبادة صلاة أو حجا أو جهادا، ولا يلهكم أولادكم أيضا عن عبادة الله تعالى لا عن صلاة ولا حج ولا جهاد ولا عن ذكر الله تعالى، وكل عبادة هي ذكر لله ، إذ لا تخلو عبادة من ذكر الله حتى الصيام فإنه ذكر لله تعالى بالقلب، إذ لولا ذكر الله لأكل الصائم أو شرب.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي بأن ألهته أمواله أو أولاده أو هما معا عن
стр. 229
عبادة الله تعالى التي تعبد بها عباده من أداء الفرائض والواجبات على اختلافها، فأولئك البعداء هم الخاسرون يوم القيامة بحرمانهم من الجنة ونعيمها، ووجودهم في دار العذاب حيث لا أهل ولا مال ولا ولد. كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ .
وقوله تعالى لهم: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي من مال وعلم وكل خير رزقه العبد من الجاه فإنه ينفق منه في قضاء حاجات من يعجز عن قضائها إلا بالواسطة وإن كان المطلوب الأول في هذا الأمر أداء الزكاة والصدقات الواجبة كالجهاد والإنفاق المتعين كالإنفاق على الوالدين والزوجة والولد وقرى الضيف وما إلى ذلك. والحمد لله إنه تعالى لم يقل وأنفقوا ما رزقناكم بل قال مما أي من بعض ما رزقناكم فالزكاة نصابها اثنان ونصف في المائة، وفى الحبوب من عشرة أوسق أي قناطير. قنطار، إن كانت تسقى بماء العيون والمطر. أما إن كانت تسقى بالسنى والدلو، والمكائن فنصف العشر ففي عشرة قناطير نصف قنطار لا غير، وفى هذا الأمر الإلهي دليل على وجوب تعجيل إخراج الزكاة إذا وجبت وحال حولها، وكذلك سائر العبادات إذا دخل وقتها.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي من قبل أن ينتهي اجله ويأتي ملك الموت ليقبض روحه وفى هذا دليل قاطع على وجوب أداء الواجبات في أوقاتها وسواء كانت زكاة أو صلاة أو حجا أو غيرها كقضاء الديون من قدر على سدادها، وذلك لعدم العلم بساعة الوفاة، والموت قد يأتى بغتة. فكم من نائم مات في نومه، وكم من مسافر مات في سفره، وكم من راكب مات في ركوبه، وكم من صحيح مرض ومات في مرضه، وقوله تعالى: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي يقول المحتضر الذي حضره الموت متمنيا على الله أن يؤخره إلى وقت يمكنه فيه أن يصدق ويؤدى الحقوق وقوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ هذا مفاد تمنيه وهو أن يتصدق بماله، ويكون من الصالحين بان يحج ويعتمر، ويصل الرحم ويرحم الفقراء، ويساهم في مشاريع الخير كبناء المساجد ودور اليتامى والإنفاق على الجهاد وما إلى ذلك. إلا أن هذا التمني وهذا الطلب لا يجديه شيئا أبدا، لأن حضور ملك الموت لقبض الروح لا يرده أحد إلا الله والله قد قضى وحكم فلم يبق مجال للطلب والتمنى. وإنما هذا من تمنى الحسرة والندامة، وهما لا
стр. 230
ينفعان بل يزيدان من الكرب والحزن. وكيف والله يقول: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ ، فإذا كان تعالى القوى القدير لا يؤخرها فهل يؤخرها غيره من المخلوقين المربوبين العجزة الهالكين.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ . يحض به تعالى المؤمنين على إصلاح أعمالهم والتزود لأخرتهم بإعلامهم بأنه مطلع على أعمالهم خبير بها سواء ما كان منها صالحا أو فاسدا. إلا فليراقب العبد ربه فيصحح معتقده، ويحسن عمله. ويلازم ذكر ربه بقلبه ولسانه.
وأخيرا أيها القارئ الكريم إليك خلاصة ما حواه هذا النداء الإلهي الكريم فاحفظه وانتفع به:
١-حرمة التشاغل بالمال والولد إذا كان يحملك ذلك على إضاعة بغض الفرائض أو ترك الحقوق والواجبات كذكر الله تعالى وفعل الخيرات.
٢-حرمة تأخير الحج مع القدرة عليه، والتشاغل عنه بالمال والولد، أو تسويفا أو مماطلة.
٣-وجوب الزكاة وحرمة تأخيرها عن وقتها.
٤-الندب إلى فعل الخيرات كالصدقات ونوافل العبادات من صيام وصلاة وغيرهما.
٥-لا تنس ذكر الدار الآخرة فإن الموت اللازم طريقها فاذكر هذا، والله يتولى الصالحين.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 231
النداء السابع والثمانون: في التحذير من فتنة المال والزوجة والولد وبيان فضل العفو والصفح والغفران، وعلاج شح النفس
الآيات (١٤، ١٥، ١٦) من سورة التغابن
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
الشرح:
اذكر أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي يحمل تحذيرا عظيما من فتنة المال والولد، والزوجة أيضا، إنه من ولاية الله تعالى لعباده المؤمنين المتقين ناداهم بعنوان الإيمان: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، لأنهم بإيمانهم أحياء يسمعون ويجيبون ناداهم ليخيرهم محذرا منذرا فيقول ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ﴾ ؛ لأن من للتبغيض مثل ﴿أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ، لا كل ما رزقناكم واعلم أن الفرق بيتن العدو والصديق أن العدو يخملك على ما يضرك ويخسرك، والصديق يحملك علة ما ينفعك ويريحك، ولما كان الأمر خفيا ومختلطا قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ﴾ أي أن تطيعوهم في التأخير عن فعل الخير كترك الهجرة، أو الجهاد، أو صلاة الجماعة، أو التصدق بفضل المال على الفقراء والمحتاجين، وما إلى ذلك من الصالحات المزكية للنفس، ولنذكر هنا سبب نزول هذه الآيات لتزداد وضوحا في فهم
стр. 232
هذا التحذير الإلهي العظيم، إنه روى أن إناسا كان لخم أزواج وأولاد عاقوهم عن الهجرة من مكة إلى المدينة فترة من الزمن، فلما تغلبوا عليهم وهاجروا، ووجدوا الذين سبقوهم إلى الهجرة قد تعلموا وتفقهوا في الدين فتأسفوا عن تخلفهم. فهموا بأزواجهم وأولادهم الذين عاقوهم عن الهجرة فترة طويلة فهموا أن يعاقبوهم بنوع من العقاب كتجويعهم أو ضربهم، أو تثريب وعتاب شديدين فأنزل الله تعالى هذه الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ﴾ أي من بعضهم لا كلهم إذ منهم من يساعد على طاعة الله ورسوله ويكون عونا عليها والمرأة في هذا كالرجل فمن النساء الصالحات من يكون زوجها وولدها عدوا لها يحاولون صرفها عن طاعة الله ورسوله ﷺ وهو في النساء كثير، والواقع شاهد. كم من امرأة يأمرها زوجها بكشف وجهها، ويمنعها من التصدق بمالها، ويصرفها عن بر والديها إلى غير ذلك.
وقوله: ﴿وَإِنْ تَعْفُوا﴾ أي عن أزواجكم أو أولادكم الذين فتنوكم في دينكم فلا تؤاخذوهم بضرب أو أي عقاب، ﴿وَتَصْفَحُوا﴾ فتعرضوا عنهم وتعطوهم صفحة وجوهكم فلا تسبوا ولا تشتموا ﴿وَتَغْفِرُوا﴾ أي لهم ما حصل منهم من أذى وهم صرفوكم عن الهجرة زمنا فاتكم فيه خير كثير من العلم والفقه وصحبه الحبيب ﷺ . وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . فاغفروا يغفر لكم وارحموا يرحمكم، ثم قال تعالى مخبرا عن حقيقة علمية ثابتة يجهلها العباد وهى أن المال والولد فتنة يمتحن الله تعالى بها عباده أي يبتليهم ويختبرهم ليعلم الصادق في الطاعة من الكاذب والبار بحق من الفاجر، ومن يحب الله ورسوله أو يحب ماله وولده فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ . آي فآثروا ما عند الله تعالى على ما عندكم من مال وولد. وأحسنوا التصرف فيهم فلا تعصوا الله لأجلهم، لا بترك واجب ولا بفعل محرم، واحذروا أن تسيئوا التصرف فيحملكم حبهم على التفريط في طاعة الله ورسوله. واعلموا أن ما عندكم ينفذ وما عند الله باق فآثروا الباقي على الفاني.
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ هذا من إحسان الله تعالى إلى عباده المؤمنين إنه لما أخبرهم أن أموالهم وأولادهم فتنة وحذرهم أن يؤثروهم على طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ علم تعالى أن بعض المؤمنين سيزهد في المال والولد،وأن بعضا
стр. 233
سيعانون أتعابا ومشقة شديدة في التوفيق بين خدمة المصلحتين فأمرهم أن يتقوه في حدود ما يطيقون فقط، وخير الأمور الوسط فلا يفرط في ماله وولده ولا يفرط في علة وجوده وسبب نجاته وسعادته التي هي عبادة الله تعالى التي خلق من أجلها وعليها مدار نجاته من النار ودخوله الجنة دار الأبرار.
وقوله تعالى: ﴿وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْراً لأَنْفُسِكُمْ﴾ . هذا أمره تعالى لعباده المؤمنين لما خفف عنهم أمر التقوى بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ، أمر بالسمع والطاعة لله ولرسوله والإنفاق في سبيله تعالى، وأعلمهم أن ذلك خير لهم إذ بهذا تتم سعادتهم في الدارين.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ أي ومن يحفظه الله تعالى من شح نفسه فقد أفلح بالفوز بالجنة والنجاة من النار، وفى هذا الخبر إشارة صريخة إلى أن وقاية النفس تتطلب من الله تعالى ثم بالإنفاق في سبيل الله تعالى فسؤال الله تعالى أن يقي العبد شح نفسه الذي فطرت عليه، ثم الإنفاق في سبيل الله بهما يحفظ العبد من شح النفس المهلك وبهذا أمر رسول الله ﷺ في قوله: " إياكم والظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم " وكان عبد الرحمن ابن عوف رضى الله عنه إذا طاف بالبيت يدعو بقوله اللهم قني شح نفسي لا يزيد على ذلك؛ لأن شح النفس هو الذي يحمل على السرقة والزنى والكذب والخيانة وخلف الوعد وإضاعة الأمانة.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 234
النداء الثامن والثمانون: في مشروعية الطلاق السني وبيان العدة وعدم إخراج المطلقة من البيت حتى تنتهي عدتها إلا أن تؤذى ومشروعية الإشهاد على الطلاق والرجعة
الآيتان (١، ٢) من سورة الطلاق
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء يحمل أحكاما شرعية لابد للمؤمن من معرفتها والتقيد بها، واعلم أن النداء وإن كان موجها أولا للنبي ﷺ فهو لأمته ﷺ وإنما بدئ برسول الله ﷺ لشرفه وعلو مقامه. حتى يسهل على المؤمنين تطبيق الأحكام التي تضمنها النداء وهى:
١-أن تطلق المرأة من أجل رفع الضرر عنها أو عن زوجها أو أن تطلق في طهر لم يجامعها فيه الزوج حتى لا تطول مدة عدتها فتتأذى في ذلك. وهذا ما دل عليه قوله تعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي لقبل عدتهن أي الأول عدتهن وذلك بأن يكون الطلاق في طهر لا في حيض، وأن يكون الزوج ما جامعها في
стр. 235
ذلك الطهر بذلك تقصر مدة العدة وتقل وفى هذه الرحمة بالمؤمنات.
٢-وجوب إحصاء العدة أي حفظ مدتها حتى يمكن للزوج أن يراجع فيها إن أراد المراجعة. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ﴾ ، أي خافوه فامتثلوا أوامره وقفوا عند حدوده فلا تعتدوها.
٣-لا يجوز إخراج المطلقة من بيت زوجها الذي كانت فيه حتى تنقضي عدتها لما في ذلك إعطاء فرصة للزوج لعله يراجعها، اللهم إلا أن تأتى المطلقة بفاحشة مبينة كزنا ظاهر، أو تكون بذيئة اللسان فتؤذى أهل البيت بأذى لا يطيقونه ففي هذه الحال يجوز إخراجها من بيتها. دل على هذا قوله تعالى: ﴿رَبَّكُمْ لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ . وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ﴾ أي المذكورات من الطلاق لأول الطهر وإحصاء العدة، وعدم إخراجهن من بيوتهن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾ أي من يتجاوز حدود الله فلم يقف عندها فقد ظلم نفسه بذلك وتعرض لعقوبة الله تعالي عاجلا أو أجلا. وقوله تعالي: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْراً﴾ أي شرع الله تعالى ما شرعه من الطلاق في أول العدة، ومن عدم إخراج المطلقة من بيتها، ومن إحصاء العدة بمعرفة يوم وقع الطلاق فيه ومعرفة متى تنتهي. كل هذا من أحل قد يجعل الله تعالى في قلب المطلق رغبة في مراجعة مطلقته فيراجعها. بخلاف لو لم يضع الله تلك الحدود فإن الرجل قد يرغب في المراجعة ولا يقدر عليها.
٤-إذا بلغت المطلقة أجلها أي قرب نهاية عدتها هنا على الزوج أن يراجع فيمسكها بمعروف وإحسان لا إنه يراجعها بمكر بها ويؤذيها انتقاما منها، أو يفارقها بمعروف، فيعطيها باقي مهرها إن بقى منه شئ، وأن يمتعها بشيء، وأن لا يذكرها بسوء أبدا. دل على هذا قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ .
٥-كما يشهد الزوج على الزواج يشهد على الطلاق وعلى الرجعة أيضا إلا أن الإشهاد على عقد النكاح بدونه، وأما في الطلاق والرجعة فهو مطلوب ولكن ليس واجبا، وليكن الشهود عدولا والعدل من لم يعرف بكبيره من كبائر الذنوب دل على هذا قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ أي عدلوا
стр. 236
فيها ولا تجوروا أو تحيفوا ولتكن شهادتكم لله تعالى لا للمشهود عليه ولا للمشهود له. بل لله وحده لا شريك له. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ . إن هذه الأحكام المذكورة يؤمر بها ويطبقها عبد يؤمن بالله واليوم الآخر. وأما غيره فما هو أهل لذلك؛ لأنه كافر والكافر ميت وفى هذا حث وحض على تطبيق هذه الأحكام المتعلقة بالطلاق لما فيها من الخير لكل من المطلق والمطلقة هذا واعلم أن هناك خلاصة لما تقدم فخذها بعناية وهى:
١-أن السنة في الطلاق أن يكون في طهر لم يمسها فيه، وأن يكون بلفظ واحد لا بالثلاث.
٢-أن العدد أربع؛ عدة من تحيض فهي ثلاثة قروء أي حيضات وعدة من لا تحيض لكبر أو صغر وهى ثلاثة أشهر، وعدة الحامل وهى وضع حملها ولو يوما وليلة، وعدة الوفاة وهى أربعة شهور وعشرا.
٣-الطلاق في الحيض وفى طهر جامعها فيه طلاق بدعي كثير من أهل العلم لا يعدونه طلاقا.
٤-الطلاق قبل الدخول لا عدة فيه على المطلقة لقول الله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ وقد مضى هذا في نداء من نداءات سورة الأحزاب فارجع إليه.
اللهم علمنا ما جهلنا وانفعنا بما تعلمنا ولك الحمد الشكر
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 237
النداء التاسع والثمانون: في وجوب وقاية النفس والأهل من النار وذلك بالإيمان وطاعة الله ورسول ﷺ وبيان وصف النار
الآية (٦) من سورة التحريم
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ .
الشرح:
اذكر أيها القارئ الكريم ما قد سبق أن عرفته من الله تعالى ينادى المؤمنين بعنوان الإيمان؛ لأن المؤمن حي يسمع ويعي ويعمل وذلك لكمال حياته وأن الكافر ميت فلا يسمع نداء ولا يعي ما ينادى له، ولا يمتثل ما يؤمر به أو ينهى عنه. وأن الإيمان ليس مجرد قول للعبد. أنا مؤمن وإنما هو تصديق جازم بوجود الله ربا إلها لا رب غيره ولا إله سواه، وبملائكته وكتبه ورسله، وباليوم الأخر وقضائه وقدره وآية ذلك إسلام القلب والوجه لله ويتجلى ذلك في أن يحب الله ويكره ما يكره الله، وأن يطيع الله ورسوله فيما أمرا به ونهيا عنه.
اذكر هذا واستمع لما حواه هذا النداء العظيم إنه وجوب وقاية المرء المؤمن نفسه من النار، ووقاية أهله من زوجة وولد وقريب من النار إذ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ والوقاية تكون؟ إنها لا تكون أبدا بغير الإيمان والعمل الصالح وباجتناب الشرك والمعاصي. والشرك هو عبادة غير الله تعالى مع الله تعالى فالدعاء عبادة تعبد الله بها المؤمنين فمن دعا غير الله قد أشرك، والنذر عبادة فمن نذر لغير الله تعالى فقد أشرك في عبادة الله تعالى، والذبح تقربا عباده فمن ذبح لغير الله تقربا إليه فقد أشرك في عبادة الله تعالى، والحلف عبادة فمن حلف بغير
стр. 238
الله تعالى فقد أشرك في عبادة الله تعالى؟ والركوع والسجود عبادة فمن ركع أو سجد لغير الله فقد أشرك في عبادة الله تعالى فاذكر هذا ولا تنسه يا عبد الله.
كان ذلك الشرك فما هي المعاصي؟ المعاصي: جمع معصية وهى مخالفة أمر الله أو أمر رسوله فإذا أمر الله تعالى بقول أو فعل أو أمر رسوله فمن فعل المأمور على الوجه المطلوب فقد أطاع وما عصى، ومن ترك فلم يفعل فقد عصى، وتركه معصية. وكذلك إذا نهى الله تعالى أو نهى رسوله عن قول أو عمل فمن قال المنهي عنه أو فعله فقد عصى، وقوله وفعله لما نهى عنه معصية وعلى هذا فالوقاية للنفس وللأهل من زوجة أو ولد تكون بطاعة الله ورسوله ﷺ بعد الإيمان الصحبح، وهنا يجب على العبد أن يعرف أوامر الله وأوامر رسوله ٠ ﷺ ويعلمها أهله، إذ من غير المعقول أن نطيع ونحن لا نعرف فيما نطيع أو نعصى ونحن لا نعرف فيما نعصي إذا فالعلم العلم فإنه ضروري، وإلا فلا وقاية من النار فاذكر هذا أيها القارئ واعلم أن وقاية الأهل تكون بأمرهم بإقام الصلاة والصيام، وترك المحرمات من الكذب وقول الباطل وسماعه وبذكر الله بالقلب واللسان، والبعد عن اللهو الحرام كسماع الأغانى، والنظر إلى صور الفيديو والتلفاز، ولعب الورق ومجالس اللغو والكلام السيئ وما إلى ذلك.
وذكرهم بالجنة ونعيمها وخوفهم من النار وعذابها واقرأ عليهم هذا النداء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ . ذكرهم برؤيا رآها عبد صالح وهو الشيخ محمد السالك فقد بعث بها إلى فذكر فيها انه دخل عليه النبي ﷺ محمر الوجه وقرأ هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ... إلى قوله .... ﴿مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ثم قال: " ويتوب الله على من تاب " هل تدرى ما وقود النار؟ إنه أجسام المعذبين. وحجارة الكبريت وأصنام المشركين هل تدرى ما الملائكة؟ إنهم خلق يكفى في معرفة حقيقتهم وصف الله تعالى لهم بقوله ﴿غِلاظٌ شِدَادٌ﴾ . وإذا كان عرض الكافر في النار – مائة وخمسة وثلاثين كيلو مترا وضرسه كجبل أحد. فكيف يكون الملك الموكل بعذابه؟ إنه فوق الوصف، فاذكر هذا وق نفسك وأهلك إن كان لك أهل.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 239
النداء التسعون: في وجوب التوبة من كل ذنب وعلى الفور وأن تكون التوبة نصوحا، رجاء مغفرة الذنوب ودخول الجنة
الآية (٨) من سورة التحريم
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا آخر نداء من نداءات الرحمن ﷻ وعظم سلطانه في كتابه العزيز القرآن الكريم ناداهم إكراما لهم، وإنعاما عليهم ليأمرهم بما يزكى أنفسهم ويطهر أرواحهم، ولينهاهم عما يخبث أرواحهم وبدسي نفوسهم، إذ بطهرهم يتأهلون للنزول بدار السلام حيث النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، إذ أخبر تعالى به في قوله من سور ة النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ قد ناداهم في هذا النداء الأخير ناداهم ليأمرهم بالتوبة إليه ؛ إذ قال وقوله الحق وله الملك وهو على كل شئ قدير ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً﴾ أي ارجعوا إليه بذكره وشكره وحسن عبادته رجوعا صادقا أنتم فيه ناصحون لأنفسكم غير خادعين لها ولا غاشين إذ
стр. 240
من الخداع للنفس والغش أن يقلع العبد عن الذنب فتطهر نفسه ثم يعاود الذنب ويرجع إليه فيعظم خبث النفس ويكثر، إذ التوبة النصوح هي التي لا يعاود صاحبها الذنب الذي تاب منه، ولا يرجع إليه أبدا كما لا يرجع اللبن في الضرع بعد حلبه منه.
وإليك أيها القارئ الكريم قائمة بمحاب الله تعالى وأخرى بمكارهه لتفعل المحبوب بشرطه، ويترك المكروه بشرطه.
قائمة المحبوب لله :
١-الإخلاص لله في فعل المحبوب وترك المكروه، ومعنى الإخلاص أن تفعل ما تفعل وتترك ما تترك طاعة لله وخوفا منه وحبا فيه. وتترك ما تترك كذلك لا تلتفت بقلبك إلى شئ أبدا.
٢-إقام الصلاة بان تؤديها في بيوت الله مع جماعة المسلمين، وأن تخشع فيها. مراعيا فيها شروطها وأركانها وواجباتها وسننها.
٣-إيتاء الزكاة متى وجبت عليك لملكك مالا صامتا كالدراهم والدنانير والحبوب والثمار، أو ناطقا كالأنعام من الإبل والبقر والغنم. وبلغ مالك نصابا وحال عليه الحول إن كان غير الحبوب ولثمار.
٤-صيام رمضان مع تجنب مفسداته كالغيبة وسائر الآثام والمفطرات.
٥-حج بيت الله الحرام إن ملكت زادا لنفقتك ونفقة أهلك بعدك. وقدرت على المشي أو الركوب.
٦-بر والديك بطاعتهما في المعروف وإيصال الخير إليهما وذلك بتقديم ما يحتاجان إليه من غذاء وكساء ودواء وإيواء. مع كف الأذى عنهما ولو بكلمة نابية بصوت مرتفع.
٧-صلة رحمك بالإحسان إليهم في حدود قدرتك.
٨-الجهاد في سبيل الله متى دعا إليه إمام المسلمين وعينك له.
٩-الإحسان إلى اليتامى والمساكين وابن السبيل. وإلى كل المسلمين بإكرامهم وعدم أذيتهم بقول أو فعل.
١٠-الصبر بأن تصبر على عبادة الله تعالى فلا تضجر ولا تمل. وتصبر على ما يبتليك به امتحانا لك كالمرض والجوع والخوف.
стр. 241
قائمة المكروه لله :
١-الشرك في عبادته بصرف أي شئ منها لغير الله تعالى.
٢-آكل الربا وإن قل كدرهم.
٣-أكل مال اليتيم.
٤-عقوق الوالدين.
٥-شهادة الزور.
٦-قذف المؤمنين والمؤمنات بالفاحشة.
٧-أذية الجار.
٨-أذية المؤمنين والمؤمنات.
٩-ترك محبوب لله من قائمة المحبوبات.
كانت تلك بعض المحبوبات والمكروهات. فإذا تركت محبوبا منها، افعلت مكروها منها فبادر بالتوبة على الفور وهى فعل ما تركت، وترك ما فعلت وأنت تستغفر الله ونادم اشد الندم على ما تركت من محبوب الله، أو على ما فعلت من مكروه لله وأبشر بعد ذلك بما يشرك الله تعالى به في قوله: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ واعلم أن ﴿عَسَى﴾ من الله تفيد تحقيق المرجو وتأكيده، فأبشر بالحنة بعد تكفير السيئات. في يوم لا يخزى الله فيه النبي ﷺ والذين آمنوا معه بأن لا يذلهم ولا يعذبهم ويعطيهم نورا يمشون فيه حتى يجتازوا الصراط ويدخلوا الجنة دار السلام.
وسلام عليهم وعلى كل المرسلين وأهل الجنة أجمعين والحمد الله رب العالمين.
стр. 242
الخاتمة
بسم الله والحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله وبعد ففي يوم الاثنين الواحد والعشرين من شهر رجب سنة ١٤١٤ هـ، وفى الروضة النبوية الشريفة وفقني الله تعالى لأبيض هذه الخاتمة بيض الله وجهي ووجه كل مؤمن ومؤمنة يوم تبيض وجوه وتسود وجوه، راجيا بذلك من الله تعالى أن ينفعني وينفع كل مؤمن ومؤمنة يقرأ هذه النداءات الرحمانية. أو يستمع إليها، ويجيب من دعاه وهو الله وليه ومولاه فإن أمره بأمر قام به، وإن نهاه عن شئ انتهى عنه، وإن رغبه في خير رغب فيه، وإن حذرة من شر حذره، وإن بشره بخير سر بالبشرى وحمد الله وشكر. وإن أنذره خاف وتاب واستغفر. إذ هذا شأن المؤمن الصادق الإيمان، والمسلم الحسن الإسلام المهيأ بفضل الله للجنة دار السلام.
هذا ولا يفوتني أن أرغب كل مؤمن ومؤمنة في قراءة هذه النداءات الرحمانية، وحفظها وإجابة الداعي الرحمن فيها نداء بعد نداء. ولا أحسب أن مؤمنا يجد في تحصيلها حفظا وفهما وعملا يبقى في ظلام الجهل أبدا بل سيرقى إلى أفضل مستوى علمي يرفع الله تعالى إليه من يشاء من عباده المؤمنين به وبلقائه. وهنا أذكر منبها لافتا النظر على أن ما يشكوه المسلمون من فرقة وضعف وانحراف، بل وضياع وخسران مرده إلى الجهل بالله تعالى، وبمحابه ومساخطه، وما عنده لأوليائه، وما لديه لأعدائه. وأن الطريق إلى الخروج من هذه المظاهر المؤلمة المحزنة التي تعيشها أمة الإسلام منذ قرون عدة هو العلم واليقين فيه، وأن كيفية الحصول على العلم المطلوب هو أن يتعهد أهل كل حي من أحياء المدن وأهل كل قرية من القرى بأن يجتمعوا كل ليلة من المغرب إلى العشاء في مسجدهم الجامع لهم يدرسون كتاب الله وسنة نبيه ﷺ ، وذلك طوال العام لا يتخلف رجل منهم ولا إمراة ولا ولد إلا معذورا عذرا حقيقيا. إنهم لا يمضى عليهم طويل زمن إلا وهم علماء ربانيون أولياء لله تعالى صالحون لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. مع العلم أن هذا الطلب للعلم والهدى والاستقامة والرضا والحب والولاء والمودة لا يكلفهم من الجهد شيئا ولا من المال قليلا ولا كثيرا، وأمر أخر ألفت النظر إليه وهو أن العالم البشرى كله إذا دقت الساعة السادسة مساء أوقف
стр. 243
دولاب العمل وذهب إلى الراحة والترويح على النفس. أليس المؤمنون أولي بهذه الراحة وأية راحة هي إنها السعادة الكاملة إنها الجلوس في بيوت الله لاستمطار رحمته وتلقى الهدى والعلم من كتابه وهدى رسوله ﷺ وقد وفقني ربى فكتبت فى هذا الأمر كتابا سميته (كتاب المسجد وبيت المسلم) ودرسته سنة كاملة بالمسجد النبوي مبينا كيفية تدريسه رجاء أن تفيق أمة الإسلام من نومها الطويل وغفلتها الطويلة العريضة. ومن فضل الله تعالى أن وفقني أيضا لكتابة هذه الرسالة (نداءات الرحمن) رجاء أن يضعها كل مؤمن قريبا من وسادة نومه فيقرأ كل ليلة قبل نومه نداء من نداءات الرحمن فيها ويعمل به حتى يصبح عالما ربانيا ذا دين وبصيره فيه وأيضا قبل هذا وأداء لواجب الدعوة والنصح لكل مؤمن ومؤمنة قد الفت كتاب (منهاج المسلم) وهو كتاب شامل جامع للعقيدة المنجية من النار، والآداب الرفيعة والأخلاق الفاضلة السامية، والعبادات والأحكام الشرعية كل ذلك رجاء أن تجتمع عليه أمة الإسلام فتنتهي بذلك الفرقة الطائفية والمذهبية. وعلى إثره وضعت دستورا إسلاميا أملا أن يضاف في الطباعة إلى كتاب (منهاج المسلم) ، فيتم به نظام الدولة الإسلامية دينا ودنيا شرعا وقانونا. ثم وضعت كتاب (عقيدة المؤمن) على ضوء كتاب الله وسنة رسوله ﷺ من أجل إنهاء الفرقة في العقيدة وما طرأ عليها من إفراط وتفريط كاد يطفئ نورها، ويعطل إمدادها الروحي للمؤمن بالله ورسوله فى هذه الحياة. وأخيرا فأنى وأنا في روضة الحبيب ﷺ وهى روضة من رياض الجنة بالمسجد النبوي الشريف أدعو الله تعالى أن يجمع حكام المسلمين في هذه الروضة الطاهرة تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، أن يجمعهم فى يوم من الأيام فيها ويبايعوا أصلحهم لإمامة المسلمين فتصبح أمة الإسلام أمة واحدة دينا ودولة ويعهدون إلى خلاصة علماء الشريعة أن يضعوا لهم دستورا قرآنيا مستسقى من كتاب الله وسنة رسوله ﷺ تحكم به أمة الإسلام في سائر بلادها التي أصبحت ولايات تابعة لإمام المسلمين بالمدينة النبوية.
وختاما أدعو كل مؤمن ومؤمنة أن يسأل الله تعالى تحقيق هذا الأمل وهو وحدة المسلمين في دينهم ودنياهم ليعزوا ويكملوا وينقذ الله تعالى بهم البشرية الضائعة والمدفوعة إلى الشر والشرك والخبث والفساد لينتهي أمرها إلى الخلود في عذاب النار. كما هو حكم العزيز الجبار. ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ .
سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.