فرأوا أنه ليس به أدرة كما قالوا.
وأما براءته من تهمة قتل أخيه هارون فقد روى ابن أبى حاتم عن على رضى الله عنه. " أنه صعد موسى وهارون الجبل جبل الطور – فمات هارون ﵇، فقال بنو إسرائيل لموسى ﵇ أنت قتلته كان ألين لنا منك وأشد حياء فآذوه من ذلك فأمر الله الملائكة فحملته فمروا به على مجالس بنى إسرائيل فتكلمت الملائكة بموته، فما عرف موضع قبره إلا الرخم١، وأن الله تعالى جعله أصم أبكم ". وهكذا رواه أبى جرير أيضا. وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً﴾ أي كان موسى ذا وجاهة وجاه عند الله كان إذا سأل أعطاه وإذا استعاذ أعاذه، وإذا استنصره نصره وذلك لكماله الروحي والخلقي والأدبي، وما هيأه الله له من الطهر والصفاء والصدق والوفاء. ولنذكر هنا أن سعد بن أبى وقاص رضى الله عنه قال للرسول صلى الله عليه سلم ادع الله أن يجعلني مجاب الدعوة قال له رسول الله صلى الله عليه سلم " يا سعد أطب مكسبك تجب دعوتك " فكان سعد مجاب الدعوة.
هذا وقد أوذي رسول الله من بعض المؤمنين ومن ذلك ما يلي:
١-حادثة الإفك إذ هو أذى في عرضه وشرفه، وعرض إمرأته وشرفها، وأنزل الله تعالى في براءة امرأته أم المؤمنين قرابة سبع عشرة آية والحمد لله، ومن العجب أن المخدوعين المغرر بهم من الروافض ما زالوا يلكون تلك الفرية ويلصقونها بأم المؤمنين مع أن الذي يكذب الله تعالى يكفر. فكفروا وهم لا يعلمون.
٢-قسم يوما صلى الله عليه سلم مالا على أصحابه فقال رجل من الأنصار إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله فقال أحد الحاضرين أما يا عدو الله لأخبرن رسول الله صلى الله عليه سلم بما قلت فذكره للنبي صلى الله عليه سلم فاحمر وجهه، ثم قال: " رحمة الله على موسى فقد أوذي بأكثر من هذا فصبر ".
٣-ومرة أخرى لببه بثوبه لأقرع بن حابسن وقال له: هذه القسمة ما أريد بها وجه الله اعدل فينا يا رسول الله فرد عليه قائلا: " ويحك إذا لم أعدل أنا فمن يعدل ثم قال رحم الله أخى موسى أوذي بأكثر من هذا وصبر ".
وأخيرا فليحذر كل مؤمن ومؤمنة أن يؤذى رسول الله صلى الله عليه سلم بأي نوع من الأذى فإنه إثم عظيم. وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما دائمين إلى يوم الدين
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 177
النداء السادس والستون: في وجوب تقوى الله ووجوب القول السديد
الآيتان (٧٠ - ٧١) من سورة الأحزاب
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ .
الشرح:
اذكر أيها القارئ الكريم ما عرفته من سر نداء الله تعالى للمؤمنين بعنوان الإيمان، وأنه ما يناديهم إلا ليأمرهم أو ينهاهم، أو يبشرهم أو ينذرهم وذلك رحمة بهم وإحسانا إليهم من أجل أن يكملوا ويسعدوا. وها هو ذا تعالى يناديهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ويأمرهم بتقواه إذ تقواه هي المحققة لولايته تعالى لهم بعد الإيمان ومن وليه الله لا يخاف ولا يحزن، ومن عاداه الله ما أمن ولا فرح أبدا.
هذا واعلم أن تقوى الله حقيقتها: خوف من الله يحمل الخائف على عدم معصيته في فعل ولا ترك في الظاهر والباطن سواء. ويحمله ذلك على أن يطلب العلم ليعرف ما أمر الله تعالى به عباده المؤمنين وما نهاهم عنه من الاعتقادات والأقوال والعمال والصفات ويجاهد نفسه في ذلك حتى يبلغ بها درجة الطمأنينة فتصبح لا تفرح إلا بطاعة الله ولا تحزن إلا من معصيته تعالى، وتصبح حالها: الإيمان بلقاء الله والرضا بقضاء الله والقناعة بعطاء الله. كما ورد في دعاء الصالحين: اللهم إني أسألك نفسا مطمئنة تؤمن بلقائك وترضى بقضائك وتقنع بعطائك. اللهم وفقنا لهذا المطلب واجعلنا من أهله آمين
وقوله تعالى: ﴿وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً﴾ هذا أمر أخر بعد الأول وهو أن لا يقول
стр. 178
المؤمن إذا قال إلا ما كان صائبا صدقا نافعا غير ضار، هادفا مصيبا ذا أثر محمود. وقد عرفه بعضهم فقال: القول السديد هو لا إله إلا الله محمد رسول الله، وهو القصد الحق وهو الذي يوافق ظاهره باطنه، وهو ما أريد به وجه الله دون سواه، إذ القول السديد الذي أمر تعالى به عباده المؤمنين يشمل كل هذه التعريفات ويزيد.
واعلم أن الله تعالى جعل ثمرة تقوانا له وقولنا لبعضنا القول السديد إصلاح أعمالنا ومغفرة ذنوبنا وفى تحقيق هذين المطلبين سعادة الدارين، وسر ذلك أيها القارئ الكريم أن تقوى الله كفيلة بتطهير النفس وتزكيتها، وسعادة الآخرة تتم بزكاة النفس وطهارتها إذ قال تعال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ ، ومعنى أفلح فاز والفوز هو النجاة من النار ودخول الجنان. كما أن القول السديد كفيل بإصلاح الأعمال الدنيوية من بيع وشراء وهدم وبناء، ونكاح وطلاق وسفر وإقامة، وإلى غير ذلك من أمور الحياة الدنيا الضرورية للإنسان فيها. فما أعظم إرشاد الله تعالى لأوليائه، وما أكرم الله تعالى على عباده المؤمنين إذ أمرهم بأمرين تقواه والقول السديد وجعل الجزاء أمرين إصلاح الأعمال ومغفرة الذنوب، وما بعد هذا المطلب من مطلب. وأخيرا زاد إنعامه وإفضاله على عباده المؤمنين إفضالا فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً﴾ . أما طاعة الله وطاعة رسوله فإنها في الأمر والنهى والترغيب والترهيب وفى النفل والمكروه، وأما الفوز العظيم فهو سعادة الدارين؛ أما في الدنيا فهي الأمن ورغد العيش مع انشراح الصدر وطيب الخاطر، وهدوء البال والعز والكرامة الدائمة وأما في الآخرة فهي النجاة من النار ومواكبة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين إذ قال تعالى من سورة النساء: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً﴾ . وفى ختام بيان هذا النداء أذكر لك أيها القارئ ما يزيد في تقواك ورضاك ما رواه بن أبى حاتم وذكره بن كثير في التفسير أن النبي ﷺ صلى يوما الظهر بأصحابه ثم أومأ إليهم أن اجلسوا فجلسوا ثم قال لهم: " أن الله أمرني بأمر أن آمركم أن تتقوا الله وتقولوا قولا سديدا، ثم أتى النساء فقال لهن: إن الله أمرني بأمر أن آمركن أن تتقين الله وتقلن قولا سديدا " فكان ختام هذا النداء كبداءته والحمد لله المتفضل على عباده.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 179
النداء السابع والستون: في نصرة الله وما تثمره من نصرة لعباد الله المؤمنين وبيان خسران الكافرين وتعاستهم وضلالهم
الآيتان (٧ - ٩) من سورة محمد ﷺ
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ .
الشرح:
اذكر أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد أن نداء الله تعالى لعباده المؤمنين الذين آمنوا بالله ربا وإلها لا إله غيره ولا رب سواه، وبالإسلام دينا لا دين يقبل غيره، وبمحمد نبيا ولا نبي يأتى بعده، ورسولا إلى الناس كافة أبيضهم وأصفرهم، ومن عاصروه ومن يأتى بعدهم إلى يوم القيامة. كان لأجل أن يأمرهم أو ينهاهم، أو يبشرهم أو ينذرهم، وكل ذلك من أجل إكمالهم في إيمانهم وإسلامهم وإحسانهم، وفى آدابهم وأخلاقهم، ومعارفهم وعلومهم، ولأجل إسعادهم أبدانا وأرواحا، وحاشاه تعالى أن يناديهم لغير إكمالهم وإسعادهم، لأنه ربهم ووليهم العليم الحكيم والبر الرحيم فها هو ذا ناداهم ليخبرهم بأنهم إن نصروه تعالى في رسوله ودينه وأوليائه وهم المؤمنون المتقون من عباده نصرهم على أعدائه وأعدائهم وهم الكافرون بتوحيده وبرسوله وبكتابه وشرعه ولقائه وجزاء أوليائه بالنعيم المقيم، وأعدائه بالعذاب الأليم. إذ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ ، أي في كل معركة تخوضونها ضد أعدائكم الكافرين والمشركين الذين فرض عليكم قتالهم حتى يسلموا لله قلوبهم ووجوههم. إذ قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي شرك أو من يدعو إلى الشرك، ويكون الدين كله لله.
كما يخبرهم بأن الذين كفروا به وبرسوله وبكتابه القرآن العظيم، وبلقائه ووعده
стр. 180
ووعيده، وبتوحيده في عباداته، هؤلاء الكفرة المشركون تعسا لهم أي هلاكا لهم وسقوطا في أسفل حياة البهائم، وخسرانا كاملا في الدنيا والآخرة. أما خسران الدنيا فهو حرمانهم من الكمال الروحي، إذ لا أخلاق ولا آداب لهم، ولا زكاة نفس ولا راحة بال إذ هم في ظلمات الكفر يتقلبون وحرمانهم من سعادة الأبدان إذ هم في خوف وشقاء وتعاسة دائمة لحرمانهم من ولاية الله . وأما خسران الآخرة فإنه من ساعة تفيض أرواحهم بنهاية آجالهم، وهم في العذاب الروحي لا يفارقهم إلى أن تبعث أجسادهم فيساقون إلى جهنم زمرا ويصب عليهم العذاب الروحي بالتقريع والتوبيخ، صبا لا يعرفون معه طعم الحياة إذ هم لا يموتون في النار ولا يحيون، وفوق العذاب الروحي العذاب الجسماني البدني إذ يصب فوق رؤوسهم الحميم يصهر ما في بطونهم والجلود ويضربون بمقامع من حديد ويمزق أمعاءهم الجوع فيقدم لهم الزقوم، والضريع. ويعطشون فيسقون الحميم فيمزق أمعاءهم، ويصابون بوحشة، إذ لا أب ولا أم ولا زوجة ولا ولد ولا أنيس، ولكن وحشة وغربة وبلاء عظيم، ولنذكر قول الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ .
كان هذا بعض ما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْساً لَهُمْ﴾ أما قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ فهو إخبار فيه معنى الدعاء عليهم بضلال أعمالهم فلا ينتفعون بشيء منها إذ كانت لبعضهم أعمال خيرية كإطعام جائع، أو سقى ظمآن أو كسوة عار، كما في قوله تعالى: ﴿فَتَعْساً لَهُمْ﴾ ، أيضا١ وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ . ذلك إشارة إلى تعاستهم وضلال أعمالهم أي حصل لهم ذلك الشقاء والخسران الروحي والبدني بسبب كراهيتهم لما أنزل الله من القرآن لما فيه من الأمر بالتوحيد، والتنديد بالشرك وإنذار الكافرين بالخلود في نار جهنم، وتبشير الموحدين بالخلود في الجنة ونعيمها. فلكراهيتهم لما أنزل الله تعالى في كتابه أحبط الله أعمالهم وأبطلها فلم ينتفعوا منها بشيء. فلا دولة عز وطهر وسعادة يقيمون، ولا حياة فيها يخلدون، ولا جزاء حسنا في الآخرة به يتنعمون ويسعدون. وإنما خسران بعد خسران وشقاء بعد شقاء، وهذا جزاء الكافرين والعياذ بالله رب العالمين
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 181
النداء الثامن والستون: في وجوب طاعة الله وطاعة رسوله ﷺ والتحذير من إبطال الأعمال الصالحة
الآيتان (٣٣ - ٣٤) من سورة محمد ﷺ
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن طاعة الله وطاعة رسوله عليها مدار السعادة في الدنيا والآخرة، لذا نادى الله ﷻ عباده المؤمنين به وبلقائه ليأمرهم بطاعته وطاعة رسوله ﷺ لعلمه تعالى أن السعادة في طاعته وطاعة رسوله، وأن الشقاء في معصية الله ومعصية رسوله، وهو تعالى يحب أولياءه وهم المؤمنون بما أمرهم أن يأمنوا به، والمتقون له بترك معاصيه. فبحبه لهم أمرهم بالطاعة الموجبة للسعادة حتى يسعدوا ولا يشقوا فله الحمد وله المنة.
ناداهم قائلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يا من أمنتم بي ربا وإلها وبديني الإسلام دينا حقا لا دين ينفع ويجدى سواه، وبنبي محمد خاتما ورسولا عاما ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ ربكم وإلهكم ووليكم فيما يأمركم به وينهاكم عنه. ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ نبيكم ورسولكم في كل ما يأمركم به وينهاكم عنه، فإن هذه الطاعة التي أمرتم بها هي سبيل نجاتكم، وسلم رقيكم وسعادتكم فلا تحرموا أنفسكم من سعادة الدارين. ولنعلم أن هذا الأمر بالطاعة لله ورسوله هو من باب ألزموا طاعة الله ورسوله واثبتوا عليها؛ لأنهم بإيمانهم مطيعون. وقوله تعالى لهم: ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ يؤكد أن الأمر بالطاعة هنا معناه الثبات عليها وعدم التهاون فيها. وإبطال الأعمال الصالحة يكون بأمور أظهرها وأقواها الشرك والردة عن الإسلام، ثم الرياء وهى أن
стр. 182
يعمل المرء عملا صالحا فيرائي به غير الله من أجل أن يشكر عليه، أو من أجل أن يدفع عنه المذمة أو اللوم والعتاب. كما أن الصدقات تبطل بالمن لقوله تعالى: ﴿لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ ، والمن هو ذكر الصدقة للمتصدق عليه وتكرار ذلك عليه، والأذى قد يكون بلوم المتصدق عليه أو تعييره بقبح أو لفظ سيئ ومن مبطلات العمل ارتكاب كبائر الإثم والفواحش ومعنى إبطالها أن السيئات إذا غشت النفس وأحاطت بالقلب حجبت نور تلك الصالحات ذات الحسنات السابقة ولم يبق لها نور في النفس، فقد روى عن الحسن البصري وعن الزهري أن إحباط الأعمال الصالحة يكون بكبائر الذنوب إذ قلا: لا تبطلوا أعمالكم بالمعاصي. وليس معنى إبطالها إحباطها، فإحباط العمل لا يكون إلا بالشرك والكفر، لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢ ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ على انه من دخل في عبادة ينبغي أن يتمها ولا يخرج منها نافلة كانت أو فريضة فمن دخل في صلاة نافلة فليتمها. ومن شرع في طواف فليتمه، ومن دخل في صيام فليتمه، ومن أحرم بحج أو عمرة فليتمها ومن ائتم بإمام فليتم صلاته ولا يخرج عنه. لكنه لا على سبيل الإلزام والوجوب بل على سبيل الندب والاستحباب،. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي بالله ورسوله ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي عن الإسلام، والدخول فيه بأي سبب من الأسباب، ﴿ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ أي لم يتوبوا حتى ماتوا، فهؤلاء حكم الله تعالى بعدم المغفرة لهم إذ قال عز من قائل: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ أي كفرهم وصدهم عن سبيل الله، ولو كانوا قبل كفرهم وصدهم فعلوا كل بر وخير وعبدوا الله بكل ما شرع من أنواع العبادات؛ لأن موتهم على أكبر إثم وأقبح جريمة وهما الكفر بالله ولقائه وشرعه وصدهم غيرهم بوسائل الصد عن سبيل الله، فقد تكون الوسائل قتالا وضربا وتجريحا وقد تكون طعنا في الدين وتحريفا له، وتقبيحا فيه حتى يصرفوا الناس عنه. ويدخل في هذا الوعيد بدون شك اليهود والنصارى إذ حملوا راية الصد عن الإسلام والصرف عنه وبذلوا أموالا وجهودا لا حد لها. والعياذ بالله فمن مات منهم على ذلك فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين.
وسبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والخمد لله رب العالمين.
стр. 183
برأيي. فضرب رسول الله ﷺ في صدره أي صدر معاذ رضى الله عنه وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ". ومن هذا الحديث الجليل الذي رواه أحمد وأبو داود والترمذى وابن ماجة ﵏ أجمعين. ومنه استخرج علماء الشريعة رحمهم الله تعالى من سلف هذه الأمة القاعدة الآتية " لا يحل لمؤمن القدوم على أمر حتى يعلم حكم الله فيه ".
وهذه القاعدة تحث المؤمنين على طلب العلم؛ إذ لو أخذ بها المسلمون لما بقى فيهم ولا بنهم جاهل بحكم الله ورسوله في كل قضايا الحياة. ولكن للكتاب والسنة شأن عظيم بينهم لقوله تعالى: ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُول﴾ . لا قولا ولا عملا ولا رأيا ولا فهما أو ذوقا كما يقولون حتى يعرض ما أراده على الكتاب والسنة فإن وجد طلبه فذاك وإلا سائل أهل العلم حتى يعلم الحكم بالمنع أو الجواز. فيصبح على بينة من أمره وكيف والله تعالى يقول: ﴿فَاسْأَلوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١، فالمؤمن من كان عالما عمل بما علم وإلا سأل أهل العلم حتى يعلم فيعمل بما علم. والعالم إذا سئل يجب أن يعلم السائل ما سأل عنه، وبهذا لا يبقى بين المؤمنين جاهل ولا جاهلة. إلا أن يوجد المرء في بلد لا عالم فيه فحينئذ يجب أن يسافر إلى بلد فيه العالم حتى يسأل ولو كان في أقصى الشرق أو الغرب. أو يهاجر من بلد لا عالم فيه؛ إذ لا يمكنه أن يعبد الله تعالى بلا علم. ولو عرف المسلمون هذه الحقيقة لما أصبحوا جهلاء ضلالا إلا من رحم الله تعالى منهم. ألا فاذكر هذا أيها القارئ أو المستمع.
وقوله تعالى في ختام هذا النداء ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أمر بتقوى الله وهى الخوف منه الحامل للعبد على طاعة الله ورسوله ﷺ . ومن جملة ما تدل عليه هذه الجملة ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ الالتزام بمبدأ: ﴿آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي سميع لأقوالهم عليم بأفعالكم ألا فاتقوه حق تقاته. بأن لا تخرجوا عن طاعته في المنشط والمكره، واليسر في حدود الطاقة البشرية إذ لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 184
النداء التاسع والستون: في حرمة تقديم الرأي عن الكتاب والسنة ووجوب تقوى الله
الآية (١) من سورة الحجرات
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ .
الشرح:
لا تنس أيها القارئ الكريم لنداءات الرحمن الرحيم أن الله ﵎ ينادى المؤمنين بعنوان الإيمان؛ لأن المؤمن حي بإيمانه يسمع ويفهم، وإذا أمر أطاع ففعل ما أمر به، وإذا نهى انتهى عن فعل ما نهى عنه. وإن حياته هذه سببها إيمانه بالله تعالى وبلقائه، واذكر أن لهذا النداء سببا نزل به وهو كما رواه البخاري رحمة الله تعالى عليه: أن وفدا من بنى تميم قدم على رسول الله ﷺ فقال أبو بكر رضى الله عنه لرسول الله ﷺ أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر رضى الله عنه أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر لعمر ما أردت إلا خلافي: فقال عمر: ما أردت خلافك فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ....﴾ أي يا من أمنتم بالله ربا وإلها لا رب غيره ولا إله سواه، وبالإسلام شرعا ودينا لا يقبل شرع ولا دين سواه ﴿لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي قولا ولا عملا، ولا رأيا ولا فكرا بمعنى لا تقولوا ولا تعملوا إلا تبعا لما قال الله ورسوله، وشرع الله ورسوله ﷺ ، وذلك لأنه من غير الأدب أن يقدم العبد رأيه، وما يراه على ما يراه ويقوله سيده ومما يوضح هذه الحقيقة ويجليها للأفهام قصة معاذ بن جبل رضى الله عنه حين بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن، فإنه سأله قائلا: " بم تحكم يا معاذ؟ قال رضى الله عنه: بكتاب الله تعالى فقال ﷺ فإن لم تجد أي في كتاب الله تعالى؟ قال: بسنة رسول الله ﷺ قال: فإن لم تجد أي في سنة رسول الله ﷺ ؟ قال رضى الله عنه: اجتهد
стр. 185
النداء السبعون: في وجوب الأدب مع رسول الله ﷺ حتى لا يتعرض المؤمن لبطلان عمله فيهلك
الآيتان ٢ (، ٣) من سورة الحجرات
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن سبب نزول هذا النداء هو سبب نزول النداء الذي قبله، وهو ما حدث بين الشيخين رضى الله عنهما، حيث تنازع على أمر تعيين إمارة وفد بنى تميم؛ إذ رأى أبو بكر تعيين القعقاع بن معبد، ورأى عمر تعيين الأقرع بن حابس، فاختلفا وتنازعا حتى ارتفعت أصواتهما فوق صوت رسول الله ﷺ ، ففي هذا النداء الإلهي العظيم ينهى الله ﵎ عباده المؤمنين عن رفع أصواتهم أمام رسول الله، وفوق صوت رسول الله ﷺ إذا تحدثوا معه، وهذا الأدب واجب مع رسول الله ﷺ بهذه الآية الكريمة وهو أدب ينبغى للمؤمن أن يتحلى به، لأن رفع الصوت بلا حاجة من سوء الآداب وهبوط الأخلاق، واذكر قول لقمان لابنه وهو يعظه إذ قال له: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِير يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُض
стр. 186
مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ .
فلنتأمل هذه الوصية اللقمانية الربانية فإنها اشتملت على مكارم الأخلاق وأشرف الآداب، بعد أوجب الواجبات: إنها مراقبة الله، والخوف منه، والحياء إذ لا يعزب عنه مثقال ذرة من أقوالنا وأعمالنا، والأمر بإقام الصلاة، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والصبر على الأذى في ذلك، وحرمة الكبر والتكبر علي الناس، والاختيال في المشي وإظهار المرح والزهو بين المؤمنين، ثم الاقتصاد في المشي وهو أن يسرع في مشيه بقدر الحاجة التي هو ذاهب إليها، وأخيرا خفض الصوت وغضه حتى لا يرفع صوته إلا بقدر ما يسمع من يخاطبه، هذا مع عامة الناس، أما مع الوالدين والمربين والمعلمين فهو من أوجب الواجبات.
هذا واذكر قصة ثابت بن قيس بن شماس رضى الله عنه فقد روى الإمام أحمد بسنده عن أنس بن مالك رضى الله عنه أنه قال: لما نزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ....﴾ الآية إلى قوله ﴿وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ . وكان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت أي إذا تكلم، فقال أنا الذي كنت أرفع صوتي فوق صوت رسول الله ﷺ أنا من أهل النار. حبط عملي، وجلس في أهله حزينا، ففقده رسول الله ﷺ ، فانطلق بعض القوم، فقالوا له تفقدك رسول الله ﷺ مالك؟ قال أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي ﷺ ، وأجهر له بالقول فحبط عملي، أنا من أهل النار، فأتوا النبي ﷺ فأخبروه بما قال فقال ﷺ : " لا هو من أهل الجنة"، قال أنس فكنا نراه يمشى بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، واستشهد رضى الله عنه يوم اليمامة.
ولنعلم أيها القارئ والمستمع أن رفع الصوت بقرب رسول الله ﷺ في مسجده، أو قريبا من حجرته الشريفة فيه مكروه لهذه الآية؛ لأن حرمة الرسول ﷺ ميتا كحرمته حيا، وهذا عمر يطبق هذه القاعدة فيسمع يوما صوت اثنين مرتفعا في المسجد فدعاهما وقرعهما وسألهما من أين أنتما فقالا من الطائف فقال لهما لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربا، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله ﷺ .
وقوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ هذه علة لمنع رفع الصوت مخافة أن يغضب رسول الله فيغضب الله تعالى لغضبه فيعذب من لم يتأدب مع رسول الله، وكون العمل يبطل دال على أن من تعمد إساءة الأدب مع رسول
стр. 187
الله ﷺ يكفر بذلك ولذا يحبط عمله إذا العمل لا يحبط إلا بالشرك والكفر، لقول الله تعالى: ﴿َئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ... ﴾ الآية.
ألا فلنحذر إساءة الأدب مع رسول الله ﷺ فإذا تكلمنا عنه وحدثنا بحديثه يجب أن تكون على غاية من الأدب والاحترام.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ فهذه بشرى خير عظيمة لمن يتأدب مع رسول الله ﷺ فبغض صوته ولا يرفعه أمام رسول الله ﷺ فإن الله يوسع قلبه ويشرحه ليتسع لتقوى الله ويزيده فيعده بمغفرة ذنوبه والأجر العظيم ألا وهو الجنة دار السلام. اللهم اجعلنا من أهلها وارزقنا الأدب مع رسول الله اللهم آمين
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 188
النداء الحادي والسبعون: وجوب التثبت في الحكم قولا أو فعلا وفى بيان أفضلية أصحاب رسول الله ﷺ
الآيات ٦ (– ٧ – ٨) من سورة الحجرات
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ أن هذا النداء الإلهي كان لسبب عجيب، وهو أن النبي ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبى معيط إلى بنى المصطلق ليأتي بزكاة أموالهم، وكان بينهم بين أسرة الوليد عداء في الجاهلية، فذكره الوليد وهاب أن يدخل عليهم ديارهم، وهذا من وساوس الشيطان، فرجع وستر على نفسه من الخوف الذي أصابه فذكر أنهم منعوه الزكاة وهموا بقتله فهرب منهم، فغضب رسول الله ﷺ وهم بغزوهم. وما زال كذلك حتى أتى وفد منهم يسترضى رسول الله ﷺ ويستعتب عنده خوفا من أن يكون قد بلغه عنهم سوء فأخبروه بأنهم على العهد، وأن الوليد قد رجع من الطريق ولم يصل إليهم، وبعث الرسول ﷺ خالد بن الوليد من جهة فوصل إليهم قبل المغرب فإذا بهم يؤذنون، ويصلون المغرب والعشاء فعلم أنهم لم يرتدوا وأنهم على خير والحمد لله. وجاء بالزكاة وأنزل الله تعالى هذه الآيات ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾ أي ذو فسق وهو المرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب، والنبأ الخبر ذو الشأن، ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أي تثبتوا قبل أن تقولوا أو تحكوا ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً
стр. 189
بِجَهَالَةٍ﴾ أي خشية إصابة قوم بجهالة منكم ﴿فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ أي فتصبحوا على فعلكم الخاطئ نادمين متأسفين.
وقوله تعالى: في الآية الثانية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ ، أي فاحذروا أن تكذبوا أو تقولوا باطلا فإن الوحي ينزل، وتفضحوا بكذبكم وباطلكم. وقوله تعالى: ﴿لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾ أي لوقعتم في المشقة الشديدة والإثم أحيانا. وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْأِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ فوقاكم بذلك من أن تكذبوا على رسولكم أو تقترحوا عليه أو تفرضوا آرائكم فتؤذوه بذلك، وهذا الله تعالى بتحبيبه الإيمان إلى قلوبكم وتكريهه إليكم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلكم من الراشدين، كفاكم بذلك خواطر السوء ورغبات الباطل فلم يبق مجالا للاقتراحات التي قد تسئ إليكم، وإلى جناب نبيكم ﷺ . وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ أي الذين فعل بهم ما فعل من تحبيب الإيمان وتكريه الكفر والفسوق والعصيان إليهم، أولئك هم الراشدون أي السالكون سبيل الرشاد، وهم قطعا أصحاب رسول الله ﷺ كأبو بكر وعمر وعثمان وعلى غيرهم وكل من حبب الله إليه تعالى الإيمان من هذه الأمة وكره إليه الكفر والفسوق والعصيان فهم من الراشدين أي السالكين سبيل الرشد المفضى بصاحبه أي سالكه إلى الطهر والصفاء والعز والكرامة في الدنيا. وإلى الجنة ورضا الله في الدار الآخرة.
وقوله تعالى: ﴿فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ أي هداية من هداهم الله إلى الإيمان والإسلام والإحسان فأحبوا الإيمان والإحسان وكرهوا الكفر والفسوق والعصيان وسلكوا سبيل الرشاد فسعدوا وكملوا، كل هذا قد أفضل الله تعالى به إفضالا وأنعم به إنعاما عليهم. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ أي عليم بهم وبنيانهم وبواعث أنفسهم. حكيم في تدبيره لهم ولغيرهم، فها هم ذا أهل أصحاب رسول الله ﷺ ، ومن جاء بعدهم إلى يوم القيامة ممن أحبوا الإيمان وكرهوا الكفر والفسوق والعصيان أهلهم للخير وأضفاه عليهم، إلا أن أصحاب رسول الله ﷺ أعلى الله تعالى شانهم وأعظم قدرهم لصحبتهم لرسوله ﷺ . فهم أفضل الأمة على الإطلاق، ولا مطمع لأحد ممن يأتى بعدهم أن يفوقهم في الفضل والكمال لا في الدنيا ولا في الآخرة فرضى الله عنهم وأرضاهم. ورضى عنا معهم آمين.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 190
النداء الثاني والسبعون: في حرمة السخرية بالمؤن وحرمة التنابز بالألقاب
الآية (١١) من سورة الحجرات
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد أن في هذا النداء والثلاثة من قبله، والأتي بعده؛ هذه النداءات الخمسة من سورة الحجرات المباركة كلها في تربية المؤمنين وتهذيب أخلاقهم، وتزكية نفوسهم، والسمو بآدابهم، وهم لذلك أهل بإيمانهم بالله ولقائه، والقرآن وأحكامه، والرسول الكريم ﷺ ، وهديه وسنته؛ لذا يتعين على المؤمنين قراءة هذه النداءات بعناية والتدبر فيها وفهم معانيها، والعمل بها رجاء كمالهم وسعادتهم، حقق الله تعالى لنا ذلك ولهم آمين.
والآن مع شرح هذا النداء الرابع من تلك النداءات.
قوله تعالى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ أي لا يزدر أناسا منكم أيها المؤمنون إناسا آخرين منكم أيها المؤمنون ويحتقرونهم؛ فإن ذلك محرم عليكم مغضب للرب تعالى عليكم، وكيف ترضون بغضب ربكم وهو وليكم وانتم أولياؤه بإيمانكم وتقواكم. وقوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ﴾ أي عند الله تعالى، والعبرة بما عند الله لا بما عند الناس، فلذا من القبح والسوء سخرية مؤمن بمؤمن بازدرائه واحتقاره وهو لا يدرى قد يكون من ازدراه وسخر منه خيرا عند الله وأحب
стр. 191
إلى الله منه، ألا فلنذكر هذا فإنه في غاية الأهمية حتى لا يرانا الله ﷻ يسخر بعضنا من بعض ونحن أولياؤه المؤمنون المتقون له.
وقوله تعالى: ﴿وَلا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ أي ولا يحل لمؤمنة من نساء المؤمنين أن تزدرى مؤمنة أخرى عسى أن تكون خيرا منها عند الله. وفى قوله ﴿عَسَى﴾ إشارة أن من ازدرى به من مؤمن أو مؤمنة هو خير عند الله تعالى ممن ازدراه وسخر منه وكما حرم الله تعالى السخرية بين المؤمنين والمؤمنات لما يفضى إليه من العداوات والمشاحنات والبغضاء وقد يؤول الأمر إلى التقاتل وسفك الدماء، وكيف يرضى المؤمن والمؤمنة بعداوة أخيه وبغضه وسفك دمه والعياذ بالله. حرم كذلك اللمز والتنابز بالألقاب، إذ قال تعالى في هذا النداء: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ﴾ ، ومعنى اللمز: العيب أي لا تعيبوا بعضكم بعضا فإنكم كفرد واحد. فلا يحل لمؤمن أن يعيب أخاه المؤمن؛ لأن من عاب أخاه المؤمن كأنما عاب نفسه. كما أن المعاب قد يرد العيب بعيب من عابه، وهو معنى ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ . ومن آثار اللمز وهو العيب ما روى عن ابن مسعود رضى الله عنه حيث قال: " البلاء موكل بالقول، لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبا ". وقوله تعالى: ﴿وَلا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ أي لا يحل لمؤمن أن يلقب أخاه المؤمن بلقب يكرهه فإن ذلك يفضى إلى العداوة والبغضاء وحتى المقاتلة. وقوله تعالى: ﴿بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْأِيمَانِ﴾ أي قبح أشد القبح أن يلقب المسلم بلقب الفسق بعد أن أصبح مؤمنا عدلا كاملا في أخلاقه وآدابه. لذا فلا يحل لمؤمن أن يقول لأخيه المؤمن يا فاسق أو يا كافر أو يا فاجر أو يا عاهر أو يا فاسد؛ إذ بئس الاسم اسم الفسوق كما أن الملقب للمؤمن بالألقاب السوء يعد فاسقا. وبئس الاسم له أن يكون فاسقا بعد إيمانه بالله ولقائه والرسول ﷺ وما جاء به من الحق والعدل والهداية والنور. وقوله تعالى في نهاية هذا النداء: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي ومن لم يتب من جريمة احتقار المؤمنين وازدرائهم وتلقيبهم بألقاب السوء التي يكرهونها. فأولئك هم الظالمون. المتعرضون لغضب الله تعالى وعقابه والعياذ بالله من غضب الله وعقابه.
ومن الألقاب السيئة التي يجب أن يتحاشاها المؤمن فلا يلقب بها أخاه المؤمن: نحو أنف الناقة، وقرقور، وبطة وكل لقب مكروه وهو ما أشعر بخسة. أما ما لم يشعر بخسة فلا بأس به كحاتم في كرمه وعنترة في بطولته، ومالك في فقهه، وأحمد في
стр. 192
صبره وصدقه. فلا بأس بذلك.
ولنذكر دائما أن المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا فكيف يصح إذا أن يلمز أخاه ويتنابز معه أو يلقبه بلقب سوء وهذه مؤدية إلى العدوان والبغضاء ألا فلنلزم أنفسنا قول الحق والصدق مع إخواننا المؤمنين.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.
стр. 193
النداء الثالث والسبعون: في وجوب اجتناب كثير من الظن وحرمة التجسس والغيبة. ووجوب تقوى الله
الآية (١٢) من سورة الحجرات
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ .
الشرح:
هذا النداء الخامس من نداءات الرحمن لعباده المؤمنين في سورة الحجرات، وكل هذه النداءات تدور حول إصلاح الفرد المؤمن في المجتمع الإسلامي، إذ الأول دعا المؤمن أن لا يقدم رأيه على الكتاب والسنة بحال من الأحوال لتبقى الشريعة هي الحكم، وإليها التحاكم فما أشرعته، فهو الشرع، وما أوجبته فهو الواجب، وما حرمته فهو الحرام. والنداء الأول: قرر الأدب الواجب مع رسول الله ﷺ وأصحابه وعلماء أمته هذا أولا. والثاني: الأدب سمة من سمات أهل الإيمان، فلا يحل التخلي عنها أبدا، إذ هي ميزة الأمة الإسلامية، والثالث: أوجب التثبت والتروى في إصدار الأحكام في كل قول وحادثة حتى لا يقع الفرد أو الأمة في خطر يزعزع أمنها ويحط من قدرها أو يحملها ما هي في غنى عنه، والرابع: حرم السخرية والاستهزاء بالمؤمن، واحتقاره والانتقاص من كرامته وشرفه كما حرم ألقاب السوء المفضية إلى النزاع والقتال بين المؤمنين؛ لأنهم أمة واحدة. وهذا الخامس من النداءات: فقد حرم على المؤمن اجتناب كثير من الظن بإخوانه المؤمنين؛ إذ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يا من آمنتم بالله ربا، وبالإسلام دينا، ومحمد رسولا ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ﴾ ، وعلل لذلك الأمر بالاجتناب فقال: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ . وما دام بعضه إثما
стр. 194
فليجتنب بالمرة حتى لا يقع المرء المؤمن في الإثم الموجب لغضب الله وعقابه ولم يبق إلا مجال ضيق جدا وهو أن يظن المؤمن بمن هو أهل للظن بالشر لوجود قرائن من أحواله تدل على ذلك، والرسول ﷺ يقرر هذه الحقيقة فيقول " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث "... الحديث.
وقوله تعالى: ﴿وَلا تَجَسَّسُوا﴾ أي لا يتجسس المؤمن على المؤمن بتتبع عوراته. ومعايبه بالبحث عنها والاطلاع عليها لما في ذلك من الضرر الكبير، وكالتجسس التحسس، إلا أن التحسس غالبا يكون في الخير والتجسس لا يكون إلا في الشر الأذى، وقد حرم ذلك رسول الله ﷺ في قوله في الصحيح: " إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث ولا تجسسوا ولا تحسسوا ولا تناجشوا ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخوانا ". فقد اشتمل هذا الحديث على المحرمات الآتية:
١-الظن السيئ بالمؤمنين وخاصة أهل الصلاح منهم.
٢-حرمة التجسس وهى تتبع أحوال المؤمن في الخفاء للاطلاع عليها، إلحاق الضرر به.
٣-التحسس وهو كالتجسس إلا أنه تتبع أحوال المؤمن لمعرفة النقص لإكماله، وسد حاجته الضرورية، وما دام تتبعا في الخفاء فلا ينبغى، وإن أراد شيئا فليسأل المؤمن هل لك حاجة؟ أتشكو من شئ؟ إلى غير ذلك ولا يتحسس عليه.
٤-حرمة النجش وهو أن يزيد في بضاعة معروضة للبيع يزيد في الثمن وهو لا يريد شراءها.
٥-حرمة الحسد وهو تمنى زوال النعمة عن أخيه لتحصل له. أو لا تحصل له، وإنما يحرمها المؤمن الذي أنعم الله تعالى عليه بها.
٦-حرمة التباغض، فلا يحل لمؤمن أن يبغض أخاه المؤمن، وإن بغضك أخوك فلا تبغضه.
٧-حرمة التدابر وهو الهجران، وعدم التلاقى والتحدث مع بعضهما بعضا بحيث كل يعطى ظهره للآخر.
٨-وجوب تحقيق الأخوة بين المؤمن والمؤمن، وهذا الواجب يتحقق بإسداء المعروف والإحسان، وكف الأذى عن أخيه فلا ظن سوء، ولا تجسس، ولا تحسس، ولا
стр. 195
تناجش، ولا تحاسد، ولا تباغض، ولا تدابر. بهذا الفعل والترك تتحقق الإخوة الإيمانية.
وقوله تعالى في هذا النداء: ﴿وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً﴾ أي بأن يذكر المؤمن في غيبته بما يكره أن يذكر به وقد سئل رسول الله ﷺ عن الغيبة فقال ﷺ للسائل: " ذكرك أخاك بما يكره " قطعا هذا في حال غيابه عن المجلس فقال السائل: أرأيت إن كان في آخى ما يكره فقال ﷺ : " إن كان فيه ما يكره فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما يكره فقد بهته "، والبهتان اعظم. وهو أسوأ أنواع الغيبة. وقوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً﴾ ؟ والجواب معلوم هو: لا، لا، قطعا إذا، فكما عرض عليكم لحم أخيكم ميتا فكرهتموه فاكرهوا إذا أكل لحمه حيا، وهو عرضه، والعرض أعز وأغلى من الجسم، وإليك هذا البيت من الحكمة فاحفظه وتأمله:
فإن أكلوا لحمى وفرت لحومهم ... وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي في غيبة بعضكم بعضا، فإن الغيبة من عوامل الدمار والخراب والفساد بين المؤمنين وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ﴾ ، جملة تعليله للآمر بالتوبة؛ إذ من اتقى الله، خافه وترك الغيبة وتاب. فأعلمهم الله أنه تواب رحيم يقبل توبة من تاب، ويرحمه فلا يعذبه بحال من الأحوال.
فالحمد لله والمنة له، اللهم إنا تائبون إليك فتب علينا وارحمنا آمين
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
стр. 196
النداء الرابع والسبعون: في وجوب تقوى الله والإيمان برسول الله محمد ﷺ وبيان الجزاء على ذلك
الآية ٢٨ من سورة الحديد
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم ٌ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي موجه إلى مؤمني أهل الكتاب من يهود ونصارى المدعين للإيمان الزاعمين أنهم مؤمنون بالله ولقائه، ناداهم بعنوان الإيمان؛ لأنهم زعموا أنهم مؤمنون وليسوا في حاجة إلى إيمان جديد يأتى من طريق محمد ﷺ . فأمرهم تعالى بتقواه؛ إذ المؤمن بالله حق الإيمان يتقى الله أي يخافه ويرهبه فيطيعه في أوامره بفعلها وفى نواهيه بتركها. ثم أمرهم بالإيمان برسوله محمد ﷺ . إذ هم به كافرون جاحدون غير معترفين بنبوته ورسالته العامة للناس كافة، فلذا أمرهم بالإيمان به نبيا ورسولا. ثم وعدهم إن هم آمنوا حق الإيمان فحملهم ذلك على طاعة الله ورسوله في الأمر والنهى، وعدهم بأنه يؤتيهم أي يعطيهم كفلين أي نصيبين من رحمته ومثوبته لعباده المؤمنين، وذلك أن نصيبا وحظا من أجل إيمانهم بالأنبياء السابقين كموسى وعيسى ﵉ وغيرهما كإبراهيم ونوح وإسحاق ويعقوب ويوسف وداود ﵈. ويجعل لهم نورا يمشون به في الدنيا وهو الهداية الإسلامية إذ الإسلام صراط مستقيم سالكه لا يضل ولا يشقى. ويمشون في الآخرة على الصراط إلى الجنة دار السلام. وهو معنى قوله تعالى في النداء: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ ، وشئ آخر هو انه يغفر لهم ذنوبهم الماضية التي قبل الدخول في الإسلام، والحاضرة التي من الجائز أن يغشى المؤمن ذنبا من الذنوب وبالتوبة والاستغفار يغفر له، وإن لم يتب منه فإنه يغفر له يوم القيامة أو
стр. 197
يؤاخذ به فيعذب في النار ويخرج منها بإيمانه وصالح أعماله.
وقوله تعالى في ختام النداء: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيم ٌ﴾ ، فهو إذا سينجز لكم ما وعدكم من مغفرة ذنوبكم الماضية والحاضرة ويرحمكم في الدنيا والآخرة؛ لأنه غفور لذنوب عباده إن تابوا إليه رحيم بهم لا يعذبهم بدون ذنب اقترفوه، ولا سوء عملوه؟ ويشهد لصحته أن الكتابي إذا آمن بالرسول محمد ﷺ ودخل في الإسلام يعطى أجره مضاعفا، وهو معنى ﴿كِفْلَيْنِ﴾ أي حظين، لقول الرسول ﷺ في الصحيح: " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين، رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه وآمن بى فله أجران، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه فله أجران، ورجل أدب أمته فأحسن تأديبها ثم اعتقها وتزوجها فله أجران ".
وهناك أيها القارئ الكريم تفسير لهذه الآية، وهو أنها لنا نحن المؤمنين من عرب وعجم ومن مشركين وأهل كتاب فهي لكل مؤمن ومؤمنة بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا إذا فالنداء بعنوان الإيمان كغيره من نداءات الرحمن جميعها لأمة محمد ﷺ إذ روى أن سعيد بن جبير قال لما أفتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين أنزل الله تعالى هذه الآية في حق هذه الأمة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ أي نصيبين من رحمته. وزادهم ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾ يعنى هدى تبصرون به من العمى والجهالة ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ففضلهم بالنور والمغفرة. رواه بن جرير. ومما يرجح هذا التفسير قوله تعالى بعد نهاية الآية: ﴿لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ، واللام في لئلا صلة لتقوية الكلام، لذا قرأها ابن مسعود لكي يعلم. وهى قراءة بالمعنى لا غير.. إذ قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ ....﴾ إلي آخره، كأنه قال: أعطينا عبادنا المؤمنين الصادقين من غير أهل الكتاب هذا الذي أعطيناهم من مضاعفة الأجر والنور يمشون به ليعلم أهل الكتاب المتبجحين أنهم لا يقدرون على منع شئ من فضل الله على أحد أراد الله إعطاءه إياه فلنذكر هذا فإنه علم عظيم زادنا الله وإياكم منه.
وسلام على المرسلين، والخمد لله رب العالمين
стр. 198
النداء الخامس والسبعون: في حرمة التناجى بالإثم والعدوان ومعصية الرسول والإذن في التناجى بالبر والتقوى
الآيتان (٩ - ١٠) من سورة المجادلة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ .
الشرح:
نادى الله تبارك تعالى عباده المؤمنين بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، لأن المؤمن بحق حي يسمع النداء ويعي ما يقال له، وذلك لكمال حياته ناداهم ليربيهم روحيا، ويهذبهم أخلاقيا. وكيف لا، وهو مولاهم ووليهم، وهم عبيده وأولياؤه. فقال لهم: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ﴾ لأمر استدعى ذلك منكم، ﴿فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ حتى لا تكون حالكم كحال اليهود والمنافقين الذين يتناجون بالإثم أي بما هو إثم في نفسه، كما يتناجون بما هو عدوان على الرسول ﷺ وعلى أصحابه، ومعصية لله والرسول؛ إذ كانوا يتواصون فيما بينهم بعدم طاعة الله والرسول؛ لذا نهى تعالى أولياءه المؤمنين أن يتناجوا ﴿بِالْأِثْمِ﴾ وهو الغيبة وبذاء القول وسيئه، ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ وهو الظلم، ﴿وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ﴾ أي بعدم طاعته في بعض ما يأمر به أو ينهى عنه. فقال : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ﴾ أي إذا استدعى الأمر مفاجأة بعضكم لبعض في تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول كما هي حال أعدائكم من
стр. 199
اليهود والمنافقين. إذ نزل فيهم قرآن وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ ....﴾ الآيات ثم بعد أن نهى الله تعالى المؤمنين عن المناجاة المشابهة لمناجاة اليهود والمنافقين، أذن لهم في التناجى بما هو خير وطاعة لله ورسوله ﷺ فقال لهم: ﴿وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ﴾ الذي هو الخير بمعناه العام حيث لا لإثم فيه ولا شر والتقوى التي هي طاعة الله ورسوله ﷺ في أمرهما ونهيهما. ثم أمرهم بتقواه فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ مشيرا إلى موجبها وهو كونهم يحشرون إليه يوم القيامة فيحاسبهم ويجزيهم بأعمالهم، لذا هم في حاجة إلى تقواه بطاعته وطاعة رسوله ﷺ لينجوا ويفوزوا يوم القيامة، ينجوا من النار ويفوزوا بدخول الجنة.
ولنستمع إلى حديث أحمد – ﵀ – عن ابن عمر رضى الله عنهما فإنه يقرر ما تقدم ويوضحه أيما توضيح. قال: حدثنا بهز وعفان قالا أخبرنا همام عن قتاده عن صفوان بن محرز قال: آخذا بيد ابن عمر، إذ عرض له رجل فقال: كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول فى النجوى يوم القيامة؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله يدنى المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره من الناس ويقرره بذنوبه، ويقول له: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه قد هلك قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فيقول الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ".
وقوله تعالى فى هذا النداء ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ أي هو الدافع إليها والحامل عليها من أجل أن يوقع المؤمنين في الغم والحزن، ومن هنا نهى رسول الله ﷺ عن التناجى فقال: " إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن لا يحزنه ذلك ". وقال ﷺ في حديث ابن عمر في الصحيح: " إذا كان ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الواحد "، وعلى هذا أكثر أهل السلف وعلماء الخلف، فلا يجوز أن يتناجى اثنان دون الثالث ولا ثلاثة دون الرابع، ولا خمسة دون السادس لما يوجده ذلك من غم وحزن وخوف للمؤمن الذين تناجى إخوانه دونه وهم في مجلس واحد، وليس هذا خاصا بحالة حرب
стр. 200
أو خوف بل هو عام في سائر الظروف والأحوال، وفى القرآن الكريم يقول الله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ ١ حينئذ تجوز المناجاة لأنها في الصالح العام.
وقوله تعالى في نهاية النداء: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ أي هو الخامل عليها لإيجاد أذى بيت المؤمنين ﴿وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . أي فلا ينبغى للمؤمن أن يغتم أو يحزن من المناجاة إذا حصلت من يهودي، أو منافق، فضلا عن أن تكون من مؤمن. وليتوكل على الله ويفوض أمره إليه فإنه وليه وحافظه من كل ما يؤذيه أو يسئ إليه.
والعاقبة للمتقين وسلام على المرسلين، والخمد لله رب العالمين
стр. 201
النداء السادس والسبعون: في وجوب التفسح في المجالس إذا أمر المؤمن بذلك ووجوب القيام من المجلس إذا أمر كذلك وذلك لصالح الدعوة
الآية (١١) من سورة المجادلة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي هو كالنداء الذي سبقه إذ هو في تربية المؤمنين وتهذيبهم، ليكملوا ويسعدوا فى الدارين، فها هو ذا تعالى يناديهم بقوله الكريم الرحيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يا من أمنتم بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، ورسولا فأصبحتم أحياء كاملين ذوى قدرة على السمع والطاعة ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ﴾ ، أي إذا قال الرسول ﷺ ، وهو مربيكم ومعلمكم ومهذبكم أخلاقا وآدابا، أو غيره من مربيكم ومعلميكم ومهذبيكم من علمائكم وولاة أموركم. إذا قال لكم تفسحوا في المجلس أي توسعوا ليجد غيركم مكانا بينكم فتوسعوا، ولا تبخلوا بالقرب من الرسول ﷺ ، أو من العالم المربى، أو المذكر الذي يذكركم وعظا لكم وتذكيرا بما ينفعكم في دنياكم وأخراكم، واعلموا أنكم إذا تفسحتم أو توسعتم عندما طلب منكم ذلك فإن الله تعالى يكافئكم فيوسع عليكم في الدنيا بسعة الرزق وفى البرزخ في القبر، وفى الآخرة بغرفات الجنان، إذ بهذا وعدكم الله ربكم بقوله: ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ . هذا أمر ووعد من الله فاغتنموه أيها المؤمنون الصادقون. ولا يفوتن الظن والبخل بالمجلس القريب من الرسول ﷺ والعالم أو الوالي عليكم ما وعدكم الله تعالى به من التوسعة في الرزق والقبر والجنة دار السلام.
وقوله تعالى في هذا النداء: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ . فهو أمر ووعد أيضا
стр. 202
ومن امتثل الأمر فاز بالوعد الإلهي الكريم. أما الأمر فهو ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ ومعناه إذا قال الرسول ﷺ أيام حياته أو قال من دونه بعد وفاته من عالم مرب أو واعظ مذكر أو أمير حافظ للأمن والطهر للمؤمنين إذا قال لك انشز أي ارتفع من مكانك أي قم منه ليجلس مؤمن لحاجة تدعو إلى جلوسه لما في ذلك من مصلحة الدعوة الإسلامية أو قال: قم للصلاة، أو للجهاد أو لفعل بر وخير فقم لأمر الله تعالى بذلك، إذ قال لنا: ﴿وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا﴾ أي ارتفعوا وقوموا هذا أمر الله ﷻ . وأما وعده الكريم فهو قوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ أي درجات بالنصر والذكر الحسن في الدنيا، وفى غرف الجنة في الآخرة. ويرفع الذين أوتوا العلم منكم أيها المؤمنون درجات عالية لجمعهم بين الإيمان والعلم والعمل. ومما يدل على أن رفع الذين أوتوا العلم درجات لعلمهم وعملهم بعد إيمانهم قول عمر رضى الله عنه في القصة الآتية وهى أن عمر رضى الله عنه قد استخلف نافع بن عبد الحارث على مكة فلقيه يوما بعسفان فقال له: من أستخلفت على أهل الوادي؟ (أي مكة) قال: استخلفت عليهم ابن أبزى رجل من موالينا فقال عمر: استخلفت عليهم مولى؟ فقال يا أمير المؤمنين إنه قارئ لكتاب الله تعالى عالم بالفرائض قاص. أي محدث واعظ. فقال عمر رضى الله عنه: أما إن نبيكم ﷺ قد قال: " إن الله يرفع بهذا الكتاب أقواما ويضع به آخرين " رواه مسلم هذا ولنعلم أن القيام من المجلس بدون حاجة كما تقدم لا يجوز كما لا يجوز أن يقيم الرجل الرجل الرجل من مجلسه ليجلس فيه، لقول الرسول ﷺ " لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه فيجلس فيه، ولكن تفسحوا وتسعوا " وقال ﷺ : " لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن أفسحوا يفسح الله لكم ". ولنعلم أنه يجوز للمؤمن باختياره وبدون إكراه أن يقوم لذي علم أو كبر سن ويجلسه في مجلسه ولا حرج على الاثنين. كما أن الأمي إذا كان وراء الإمام في الصلاة وجاء ذو علم ونهى فإن على الأمي أن يتأخر ويقوم العالم مقامه، لقول الرسول ﷺ : " ليلينى منكم أولو الأحلام والنهى " ١ ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم.
وقوله تعالى فى ختام النداء: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ . إنه يذكرهم بعلمه بهم في جميع أحوالهم ليراقبوه فيلزموا طاعته وطاعة رسوله، ويحافظوا على تقواه ليحفظوا ولايته تعالى لهم فيأمنوا من الخوف والحزن في الدارين. حقق الله تعالى لنا ذلك آمين
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين
стр. 203
النداء السابع والسبعون: في بيان حكم مناجاة الرسول ﷺ وتقديم صدقة قبلها ونسخ ذلك تخفيفا، ووجوب إقام الصلاة إيتاء الزكاة وطاعة الله ورسوله صلى الله عليم وسلم
الآيتان (١٢، ١٣) من سورة المجادلة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي كان يحمل حكما شرعيا، وهو أن من أراد من أصحاب رسول الله ﷺ أن يخلو بالرسول ﷺ ليناجيه سرا دون غيره، وجب عليه أن يتصدق بصدقة على فقير ثم يتفضل فيناجى الرسول ﷺ بعدها، إلا أنهم لظروف الحرب والاحتياج الشديد ما أقدموا على هذا المطلوب. كما شعروا أن هذا كان من باب تأديبهم وتربيتهم، إذ رغبة كل واحد في مناجاة الرسول ﷺ تحقيقها أمر صعب واصعب منه ما يعانيه الرسول ﷺ ، من تعب ومضايقة، فلما كفوا عن طلب الخلوة بالرسول ﷺ ، نسخ الله هذا الحكم وأذن لهم في المناجاة عند الحاجة إليها، وبدون تقديم صدقة بين يدي المناجاة. ولم يثبت أن أحدا من الصحابة قدم صدقة، ثم ناجى إلا على رضى الله عنه، إذ قال عنه عبد الله بن عمر رضى الله عنهما: لقد كان لعلى رضى الله عنه ثلاث لو كانت لي واحدة منهن كانت أحب إلى من حمر النعم:
стр. 204
تزويجه فاطمة، وإعطاؤه الراية يوم خيبر، وآية النجوى.
وإليك شرح الآيتين اللتين حواهما هذا النداء الرحيم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يا من آمنتم بالله ربا والإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا ﴿إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ﴾ أي إذا أردتم مناجاته ﴿فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ أمرهم تعالى إذا أراد أحدهم أن يناجى رسول الله ﷺ ويكلمه وحده أن يقدم صدقة أولا، ثم يطلب المناجاة. وكان هذا الأمر لصالح الفقراء أولا ثم للتخفيف عن رسول الله ﷺ ؛ إذ كل مؤمن يود أن يخلو برسول الله ﷺ ويقرب منه ويكلمه. والرسول بشر لا يتسع لكل أحد فشرع الله تعالى هذه الصدقة وكان أكثرهم فقراء لا يجدون ما يتصدقون به. نسخ الله تعالى ذلك، ولم تدم مدة الوجوب أكثر من ليالى ونسخها تعالى.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أي تقديم الصدقة بين يدي المناجاة خير لكم حيث تعود الصدقة على الفقراء إخوانكم، وأطهر لنفوسكم، لأن النفس تزكو وتطهر بالعمل الصالح، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا﴾ أي ما تقدمونه صدقة قبل المناجاة فناجوه ﷺ ، ولا حرج عليكم، وذلك لعدم وجود ما تتصدقون به، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لكم ﴿رَحِيمٌ﴾ بكم.
وقوله تعالى: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ﴾ أي خفتم الفاقة والفقر على أنفسكم إن أنتم ألزمتم بالصدقة بين يدي كل مناجاة، وعليه ﴿فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ برفع هذا الواجب ونسخه، والرجوع بكم إلى عهد ما قبل وجوب الصدقة بين يدي مناجاة الرسول ﷺ ﴿فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ أي بأدائها مستوفاة الشروط، والأركان، والسنن والواجبات، وفى بيوت الله مع جماعة المسلمين، ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ الواجبة في أموالكم، وما فيه زكاة أنفسكم وطهارتها من سائر العبادات المزكية للنفس المطهرة للروح. هذا أولا.
وثانيا: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ ﷺ في الأمر والنهى ما دام الأمر للوجوب والنهى للتحريم. فيكفيكم أداء هذه الواجبات عن الصدقة بين يدي المناجاة التي نسخها الله تعالى تخفيفا عليكم أيها المؤمنون ورحمة بكم لأنكم أولياؤه وهو وليكم ومولاكم، وقوله: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ وعليه فراقبوه فلا تفرطوا في طاعته وطاعة
стр. 205
رسوله فإنكم تفلحون بالفوز بالجنة والنجاة من النار.
هذا وإليك أيها القارئ فائدة علمية وهى أن تعلم النسخ ثابت في الكتاب والسنة أما الكتاب فقد قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ ١ وأما السنة فقد قال الرسول ﷺ : " كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها لأنها تذكركم الآخرة ".
ومن هنا كان الواجب على العالم المذكر أن يعرف الناسخ والمنسوخ من الكتاب والسنة. وهذا على رضى الله عنه قد أرسل إلى رجل كان يخوف الناس في المسجد فجاءه فقال له: أتعرف الناسخ من المنسوخ؟ فقال: لا. قال فاخرج من مسجدنا ولا تذكر فيه. وروى عن ابن عباس مثله وقال للمذكر هلكت وأهلكت.
فلنذكر هذا ولنحمد الله ونصلى ونسلم على رسوله وآله وصحابته أجمعين.
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين
стр. 206
النداء الثامن والسبعون: في وجوب تقوى الله والتزود للآخرة ووجوب ذكر الله وحرمة نسيانه لما يفضي إليه من الخسران والحرمان
الآيات (١٨، ١٩، ٢٠) من سورة الحشر
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ .
الشرح:
اذكر أيها القارئ الكريم والمستمع أن الله تعالى ينادى عباده المؤمنين لإيمانهم؛ إذ بالإيمان هم أحياء يسمعون النداء، ويجيبون المنادى، وها هو ذا تعالى يناديهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يا من أمنتم بالله، ولقائه، والرسول وما جاء به، والكتاب الحكيم، وما فيه ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ فأمرهم بتقواه ، وهى خوف وخشية ورهبة تحمل صاحبها على أداء الفرائض، وترك المحرمات، كما هي في كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ ، كما تحمله على المسابقة إلى الخيرات والتنافس في الصالحات. أمرهم بالتقوى، ثم أمر كل نفس على حدة أن تنظر فيما قدمت من الصالحات لتثاب عليها يوم القيامة بحسن الثواب وتجزى بخير الجزاء، كما تنظر فيما قدمت من سوء وعمل غير صالح لأنها تجزى به، والمراد من الغد يوم القيامة إذ هو يوم الحساب والجزاء ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ . ثم كرر أمره السامي الحكيم بالتقوى فقال: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ﴾ . أي خافوه أرهبوه واتقوا عقابه بطاعته وطاعة رسوله ﷺ إذ الطاعة لله والرسول تثمر زكاة نفس المطيع، إذ كل قول وعمل تعبدنا الله تعالى به فعله مستوفيا الشروط ينتج الحسنات التي بها تزكو النفس البشرية وكما أن كل قول أو عمل نهانا الله عنه وأوجب علينا تركه إن نحن عصيناه وفعلناه خبث نفوسنا ولوثها فتصبح في خبثها
стр. 207
كأرواح الشياطين وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ، فيه تشجيع على مراقبة الله تعالى والصبر عليها وهى تثمر حسب سنة الله تعالى الإسراع فى الطاعة لله ورسوله بفعل الصالحات وتجنب السيئات، وبذلك تطهر النفس وتزكو وتصبح أهلا لرضا الله تعالى ومجاورته في الملكوت الأعلى في الجنة دار المتقين.
وقوله تعالى فى الآية الثانية من آية هذا النداء العظيم: ﴿وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ . إنه من رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين المتقين، وهم أولياؤه نهاهم عما يضرهم ويسئ إليهم ويعرضهم للشقاء والخسران فقال لهم: لولا تكونوا أيها المؤمنون كأناس تزكوا العمل بطاعة الله وطاعة رسوله فعاقبتهم فأنسيتهم أنفسهم. فلم يعملوا لها لتزكوا وتطهر وتتأهل لحب وجواري في دار كرامتي لأوليائىن وهذا النسيان قائم حسب سنة الله تعالى؛ إذ من نسى الله تعالى فلم يذكره ولم يطعه انغمس في الشهوات وتوغل في الذنوب والمعاصي ففسق بذلك وأصبح من عداد الفاسقين، ومن ثم هو قد نسى نفسه فلم يعمل على تزكيتها وتطهيرها، لأن زكاتها وطهارتها تكون بعبادة الله بفعل ما أمر به من العبادات وترك ما نهى عنه من الذنوب والمعاصي. وقوله تعالى في ختام النداء: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ . فكما لا يستوي أهل الطاعة مع أهل المعصية، ولا أهل الاستقامة على منهج الحق وأهل الانحراف والفسق، لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة؛ إذ أصحاب النار في شقاء وخسران، وأصحاب الجنة في سعادة ورضوان. أصحاب النار في الدركات السفلي من عالي الشقاء وأصحاب الجنة في الفراديس العلا.
وإليك أيها القارئ هذه الكلمات كمذكرة لك لا تنسيك ما قرأت وفهمت وهى:
١-وجوب تقوى الله تعالى بفعل محابه وترك مكارهه.
٢-وجوب مراقبة الله تعالى حتى لا تغفل فتقع في المعصية.
٣-التحذير من نسيان الله تعالى فإنه يفضي بالعبد إلى الفسق والعياذ بالله تعالى.
٤-خطب أبو بكر الصديق خطبة طويلة إليك منها هذه الكلمات قال رضى الله عنه: " لا خير في قول لا يراد به وجه الله، ولا خير في مال ينفق لا في سبيل الله، ولا خير فيمن يغلب جهله حلمه، ولا خير فيمن يخاف في الله لومة لائم ".
فاذكر هذا وذكر به. والله لا يضبع أجر من أحسن عملا.
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين
стр. 208
النداء التاسع والسبعون: في حرمة اتخاذ الكفرة أحباء يودون وأولياء ينصرون. وإن من يفعل ذلك فقد ضل طريق السعادة والكمال
الآية (١، ٢) من سورة الممتحنة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن هذه السورة المدنية قد نزلت لسبب، والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإليك ما رواه مسلم في سبب نزولها عن على بن أبى طالب رضى الله عنه قال: بعثنا رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال: " ائتوا روضة خاخ – موضع بينه وبين المدينة اثنا عشر ميلا – فإن بها ظعبنه – امرأة مسافرة – معها كتاب فخذوه منها " فانطلقنا نهادى خيلنا أي نسرعها فإذا نحن بامرأة فقلنا أخرجي الكتاب فقالت: ما معي كتاب. فقلنا اتخرجى الكتاب، أو لتلقين الثياب (أي من عليك) فأخرجته من عقاصها (أي من ضفائر شعر رأسها) فأتينا به رسول الله ﷺ ، فإذا به من حاطب بن أبى بلتعة
стр. 209
إلى ناس من المشركين من أهل مكة يخبرهم ببعض أمر رسول الله ﷺ . فقال رسول الله " يا حاطب ما هذا "؟ فقال: لا تعجل على يا رسول الله إني كنت امرءا ملصقا في قريش؟ أي كان حليفا لقريش، ولم يكن قرشيا، وكان من معط من المهاجرين لهم فرابات يحمون بها أهليهم فأحببت إذ فاتنى ذلك من النسب فيهم؟ أن أتخذ فيهم يدا يحمون بها قرابتي ولم أفعله كفرا ولا ارتدادا عن دينى، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام، وأن الله ناصرك عليهم، فقال النبي ﷺ " صدقت " فقال عمر رضى الله عنه يا رسول أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ " إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم " فأنزل الله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي من صدقتم الله ورسوله ﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُ﴾ أي من الكفار والمشركينْ ﴿أَوْلِيَاء﴾ أي أنصارا ﴿َ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّة﴾ أي تصرفون إليهم مودتكم بدون تأمل في آثارها الضارة. والحال أنهم ﴿ِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقّ﴾ الذي هو دين الإسلام بعقائده وشرائعه، وكتابه، ورسوله ﷺ ، ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُم﴾ أي من دياركم بالمضايقة لكم حتى هاجرتم فارين بدينكم ﴿ْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُم﴾ أي من أجل أن آمنتم بربكم. أمثال هؤلاء الكفرة الظلمة تتخذونهم أولياء تلقون إليهم بالمودة إنه لخطأ جسيم.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي﴾ أي إن كنتم خرجتم من دياركم مجاهدين في سبيلي أي لنصرة ديني ورسولي وأوليائي المؤمنين، وطلبا لرضاي فلا تتخذوا الكافرين أولياء من دوني تلقون إليهم بالمودة. وقوله تعالى: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ أي تخفون المودة إليهم بنقل أخبار الرسول السرية والحال أنى ﴿أَعْلَمُ﴾ أي منكم ومن غيركم ﴿بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُم﴾ وها أنذا قد اطلعت رسولي على رسالتكم المرفوعة إلى مشركي مكة والتي تتضمن فضح سر رسولي في عزمه على غزوهم مفاجأة لهم حتى يتمكن من فتح مكة بدون كثير إراقة دم وإزهاق أرواح، وقوله تعالى ﴿وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُم﴾ أي الولاء والمودة للمشركين ﴿ْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ
стр. 210
السَّبِيلِ﴾ أي اخطأ وسط الطريق المأمون من الانحراف يعنى جانب الإسلام الصحيح المضى بالسالكين له السائرين فيه إلى سعادة الدنيا والآخرة معا.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ يريد تعالى أنهم أعداؤكم حقا عن يثقفوكم أي يظفروا بكم متمكنين منكم يكونوا لكم أعداء ولا يبالون بمودتهم إياهم، ويبسطوا إليكم أيديهم بالضرب والقتل وألسنتهم بالسب والشتم. وتمنوا كفركم لتعودوا إلى الشرك والكفر مثلهم.
هذا وإليك خلاصة ما دعا إليه هذا النداء الإلهي لتزداد معرفة وقوة على الطاعة والامتثال.
١-حرمة موالاة الكافرين بنصرتهم وتأييدهم وموالاتهم دون المسلمين.
٢-عظم جرم الذي ينقل أسرار المسلمين الحربية إلى أعدائهم الكافرين من يهود أو نصارى وغيرهم، وأنه على خطر عظيم وإن صلى وصام.
٣-بيان أن الكافرين لا يرحمون المؤمنين متى تمكنوا نهم؛ لأن قلوبهم عمياء لا يعرفون معروفا ولا منكرا، وذلك لظلمة الكفر في نفوسهم بعدم مراقبة الله تعالى؛ لأنهم لا يعرفون ولا يؤمنون بما عنده من نعيم لأوليائه، ولا بما لديه من نكال وعذاب لأعدائه.
٤-بيان فضل أهل بدر رضوان الله تعالى عليهم أجمعين.
٥-مشروعية قبول الصادقين الصالحين إذا عثر أحدهم اجتهادا منه فأخطأ.
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين
стр. 211
النداء الثمانون: في بيان حكم المهاجرات من دار الكفر إلى دار الإيمان، وكيفية معاملتهن مع أزواجهن
الآية (١٠، ١١) من سورة الممتحنة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الكريم أن لهذا النداء سببا نزل به، وهو أن ما تم بين رسول الله ﷺ ، والمشركين من صلح في الحديبية في السنة السادسة، جاء من بين مواده: أن من جاء إلى رسول الله ﷺ من مكة إلى المدينة من الرجال رده إلى مكة ولو كان مسلما مهاجرا فارا بدينه، ومن جاء المشركين من المدينة لم يردوه إليه ﷺ ولم ينص، في بنود الاتفاقية على النساء وأثناء ذلك جاءت أم كلثوم بنت عقبه بن أبى معيط مهاجرة من مكة إلى المدينة فلحق بها أخواها عمار والوليد ليرداها إلى قريش، فنزل هذا النداء الكريم، فلم يردها عليهما النبي ﷺ لخلو هذا من مواد الاتفاقية – اتفاقية صلح الحديبية – فأنزل الله تعالى قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يا من أمنتم بالله ربا وإلها،
стр. 212
وبمحمد نبيا ورسولان وبالإسلام دينا وشرعا حكيما، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ أي من دار الكفر إلى دار الإسلام ﴿فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ أي غلب على ظنكم أنهن مؤمنات ﴿فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ وكيفية امتحان هي أن يقال لها احلفي بالله أي قولي بالله الذي لا إله إلا هو ما خرجت إلا رغبة في الإسلام لا بغضا لزوجي ولا عشقا لرجل مسلم في هذه البلاد.
وقوله نعالي: ﴿لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُن﴾ وذلك لأن الإسلام فصم تلك العصمة التي كانت بين الزوج وزوجته، إذ حرم الله نكاح المشركات وإنكاح المشركين، ولهذا لم يأذن الله تعالى في ردهن إلى أزواجهن الكافرين وقوله تعالى: ّ ﴿َ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ أي إذا جاء زوجها المشرك يطالب بها أعطوه ما انفق عليها من مهر، والذي يعطيه هو إمام المسلمين أو جماعة المسلمين.
وقوله تعالى: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُن﴾ أي تتزوجوهن ﴿إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُن﴾ أي مهورهن مع باقي شروط النكاح: وهى الولي فإن لم يكن لها ولى فالقاضى وليها أو ذو الرأي من عشيرتها إذا لم يوجد في البلد قاضى شرعي وانقضاء عدتها إذا كانت مدخولا بها وقوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ أي إذا اسلم الرجل: وكذا إذا ارتدت امرأة مسلمة ولحقت بدار الكفر فإن العصمة قد انقطعت بينهما ولا يحل إمساكها، وفائدة ذلك أنها لو كانت تحت الرجل نوة له أن يزيد رابعة لأن الإسلام قطع العصمة وذلك لقوله تعالى: ﴿ِ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِر﴾ والعصم جمع عصمة والعصمة هي المانع من أن تتزوج المرأة زوجا أخر وهى في عصمة زوجها. وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ أي اطلبوا من المرتدة ما أنفقتم عليها من مهر يؤدى لكم. ﴿وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا﴾ أي وليطلب أي المشركون ما أنفقوا من مهور على أزواجهن اللاتي أسلمن وهاجرن إليكم.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ . أي فاقبلوه وارضوا به فإنه حكم عادل رحيم.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيم﴾ أي عليم بخلقه وحاجاتهم، حكيم في
стр. 213
قضائه عليهم وقد بينه لهم، فليسلم له الحكم وليرض به فإنه قائم على أساس المصلحة للجميع.
وقوله تعالى فى هذا النداء الكريم ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ أي وإن ذهب بعض نسائكم إلى الكفار مرتدات – والعياذ بالله – وطالبتم بالمهور فلم يعطوكم، ثم غزوتم وغنمتم فأعطوا من الغنيمة قبل قسمتها، أعطوا الذي ذهبت زوجته إلى دار الكفر ولم يحصل على تعويض أعطوه مثل ما أنفق.
وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ أي خافوا عقابه فأطيعوه في أمره ونهبه ولا تعوه. وطبقوا هذه الأحكام التي بينها لكم في هذا النداء حرفيا لما في ذلك من العدل والرحمة والخير الكثير: واعلم أيها القارئ ما يلي:
١-وجوب امتحان المهاجرة فإن علم إسلامها فلا يحل إرجاعها إلى زوجها الكافر.
٢-حرمة نكاح المشركة.
٣-لا يجوز الإبقاء على عصمة الزوجة المشركة.
٤-من ذهبت زوجته ولم يرد عليه شئ، ثم غزوتم وغنمتم فأعطوه ما أنفق من مهر من الغنيمة قبل قسمتها، وإن لم تكن غنيمة، فجماعة المسلمين وإمامهم يعطونه.
٥-وجوب تقواه تعالى بتطبيق شرعه وإنفاذ أحكامه والرضا بها.
وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين
стр. 214
النداء الحادي الثمانون: في حرمة موالاة اليهود
الآية (١٣) من سورة الممتحنة
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ﴾ .
الشرح:
اعلم أيها القارئ الريم أن هذا النداء الذي ختمت به سورة الممتحنة هو كالنداء الذي افتتحت به إذ الأول حرم موالاة الكفار والمشركين لأنهم أعداء الله ورسوله والمؤمنين، وحرم في هذا موالاة أهل الكتاب من اليهود والنصارى لأنهم أيضا أعداء الله ورسوله والمؤمنين. والموالاة المحرمة هي النصرة والمودة إذ ليس من المعقول ولا المقبول أن شخصا يعادى ربه الذي خلقه ورزقه وحفظه طوال حياته يعاديه فلا يذكره ولا يشكره، ولا يطيعه في أمر ولا نهى، ويعاكسه شر معاكسه إذ هو يحب كل ما يكره الله تعالى، ويكره كل ما يحب الله تعالى، والعياذ بالله من هذا المخلوق الذي عادى خالقه وتحداه، وحارب رسوله وأولياءه من هنا كانت موالاة الكفار من الذنب العظيم ولا توجد في قلب مؤمن صادق الإيمان محبة عبد يحاد الله تعالى ورسوله والمؤمنين، واسمع قوله تعالى في هذا الشأن: ﴿لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ﴾ ١ أي الذين نفى تعالى وجود مودة لكافر في قلوبهم ولو كان أقرب قريب ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَان﴾ كتابة راسخة ثابتة لا تحول ولا تول ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ أي ببرهان وهدى ونور. ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي منها ولا يموتون فيها وزيادة شفى الأنعام عليهم أنه رضى عنهم ورضوا عنه. ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ﴾
стр. 215
لا حزب الشيطان إذ طاعته للخمن وليس للشيطان فيها نصيب.
ثم ختم تعالى على البيان بهذا الإعلان فقل: ﴿أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ . أي الفائزون بالنجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار، وحزب الشيطان وهم الكفرة والمشركون والفسقة والمجرمون هم الخاسرون حيث يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة. إذ قال تعالى فيهم: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ .
والأن مع هذا النداء الإلهي إذ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يا من أمنتم بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ورسولا ﴿لا تَتَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي لا تتولوهم بالنصرة والمودة. نهاهم الرب ﵎ عن موالاة اليهود بصورة خاصة إذ هم الذين غضب الله عليهم، وعلة غضب الله تعالى عليهم هي أنهم عرفوا الحق وأعرضوا عنه، وعرفوا ما حرم اله تعالى وفعلوه وعرفوا الهدى وتركوه واتبعوا الضلال والتزموه فهذه بعض موجبات غضب الله تعالى عليهم.
وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي من السعادة فيها بدخول الجنة بعد النجاة من النار ويأسهم سببه ما عرفوه من التوراة والإنجيل من قضاء الله وحكمه فيهم وفى أمثالهم ممن عرفوا الحق وأعرضوا عنه، وعرفوا محاب الله وكرهوها، وعرفوا مساخط الله تعالى وأحبوها وأتوها وفعلوها، فلما غرقوا في خضم الجرائم والموبقات من الشرك والكفر واستباحة محارم الله يومها يئسوا من النجاة من النار ودخول الجنة. وشبه تعالى يأسهم بيأس الكفار من أصحاب القبور، هم الذين كفروا يعنى وماتوا على ذلك فإنهم يأسوا من دخول الجنة لأنهم ماتوا على الكفر. وكما يئس أصحاب القبور من العودة إلى الدنيا بعد موتهم وكما يئس أقرباؤهم من عودتهم إلى الحياة بعد موتهم إذ الكل يأس وقنوط. وهؤلاء اليهود المغضوب عليهم يئسوا من سعادة الآخرة بالنجاة من النار ودخول الجنة. كما يئس الكفار من أصحاب القبور، كما بيناه آنفا فاذمره، واستعذ بالله من غضبه وعقابه.
وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.