← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 12109

نداءات الرحمن لأهل الإيمان

أبو بكر الجزائري

Полный текст (243 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

بها عهود الناس فيما بينهم، إذ الكل أمر تعالى بالوفاء به لاسيما العهود الموثقة بالإيمان، وما كان متعلقا بحقوق الناس. كحقوق النكاح، والبيع، والشراء، والإيجار، وكالأمانات مطلقا، فمن أؤتمن أمانة وجب عليه أدائها وحرم عليه إضاعتها أو خيانتها، لأمر الله تعالى بذلك كما في قوله تعالى: ﴿ِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وفي قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ولنذكر أيها القارئ في هذا الأمر الإلهي بالوفاء بالعقود ما قاله الحسن البصري أحد سادات التابعين فقد قال: " يعنى عقود الدين "، وهى ما عقد المرء على نفسه من بيع وشراء وإجارة وكراء، ومناكحة وطلاق، ومزارعة، ومصالحة، وتمليك، وتخيير، وعتق، وتدبير، فقد شمل هذا القول سائر أنواع العقود والعهود ألا فلنذكر هذا ولا ننسه وأما قوله تعالى في هذا النداء: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ﴾ فإنه تذكير بالنعمة لتشكر ولا تكفر والمراد من بهيمة الأنعام هي الأزواج الثمانية: الإبل، والبقر، والغنم، وهى: ضان وماعز، والكل ذكر وأنثى. وقوله تعالى: ﴿إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي تحريمه منها وهو الميتة والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، إذ جاء هذا في هذه السورة وبعد آيات محدودة. إذ قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ أي أدركتم فيه الروح فذبحتموه، ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ وهو ما ذبح لغير الله تعالى، كالذبح للأصنام والأضرحة والقبور أو الجان وما إلى ذلك. وقوله تعالى في هذا النداء: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ هو إضافة إلى تحريم ما حرم على عباده المؤمنين من اللحوم الفاسدة المخبثة للنفس الملوثة لها؛ إذ حرم على المحرم بحج أو عمرة أن يصيد، لما في الصيد من اللهو والغفلة عن ذكر الله، وعليه فلا يحل للمحرم أن يصيد ولا أن يأكل ما صاده وهو محرم أو صاده له غيره بأمره له أو برضاه عنه. فما صاده المحرم وما صيد له هو محرم كسائر المحرمات، الأكل مما أنزل الله تعالى في كتابه، أو على لسان رسوله، إذ نهى النبي ﷺ من أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطيور. وقوله تعالى في هذا النداء العظيم: ﴿إِنَّ

стр. 72

اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾ أي يبيح ويمنع، ويحل ويحرم، يبيح ما يريد إباحته، ويمنع ما يريد منعه، ويحل ما يريد حله، ويحرم ما يريد تحريمه، وكل ذلك تابع لعلمه وحكمته ورحمته وقدرته، فلذا الحلال ما أحل الله ورسوله، والحرام ما حرم الله ورسوله ولا يحل لمؤمن أن يحرم ما أحل الله ورسوله، ولا أن يحل ما حرم الله ورسوله. فلنذكر هذا أيها القارئ والمستمع حتى تقدر على طاعة الله ورسوله بالوفاء بالعقود، ومنها أن نشكر الله تعالى على نعمه، ولا نحرم ما أحل لعباده، ولا نحل ما حرم عليهم ولنفوض ذلك لله الذي يحكم ما يريد لعلمه الذي أحاط بكل شئ وحكمته التي لا يخلو منها شئ، ورحمته التي وسعت كل شئ، وقدرته التي لا يعجزها شئ. ولنقل آمنا بالله. والحمد لله. وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 73

النداء التاسع والعشرون: في تحريم استحلال شعائر الله إلا ما نسخ منها، وفى إباحة الصيد بعد التحلل، ووجوب التعاون على البر والتقوى، وحرمة التعاون على الإثم والعدوان . الآية (٢) من سور ة المائدة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَاناً وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي قد تضمن أمورا ذات خطر وشأن عظيم، وإليك بيانها بالتفصيل: ١-تحريم استحلال شعائر الله تعالى وهى أعلام دينه من سائر ما فرض وأوجب ونهى وحرم، فلا يستحل ترك صلاة، ولا صيام، ولا حج ولا اعتمار، ولا زكاة، ولا جهاد، ولا بر الوالدين، ولا صلة أرحام، ولا يستحل ما حرم الله من ربا وزنا، وكذب وغش وسرقة، وخيانة، وسب، وهتك عرض، إلى غير هذا مما هو واجب في الإسلام أو حرام، إذ كل ذلك من أعلام الدين وشرائعه. ٢-إن ما نسخ من شعائر الدين هو الشهر الحرام وهو رجب كان محظورا القتال فيه، ثم نسخة الله تعالى بقوله: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ ، وكذا سائر الأشهر الحرم، قد نسخ القتال فيها إذا قاتلنا العدو فيها. ومن المنسوخ هدي المشركين

стр. 74

وقلائدهم، والمشركون أنفسهم حرم عليهم دخول المسجد الحرام، فكيف يبقى لهم قلائدهم التي كانوا يقلدون بها الإبل ليهدوها إلى الحرم والهدى ما يهدونه إلى الحرم والقلائد جمع قلادة ما يعلقونه على البعير أو الشاة إيذانا بأنه مهدى إلى الحرم فلا يتعرض له، وقد يعلق أحدهم لحاء من شجر الحرم فيحترم لذلك ولا يتعرض له. كان هذا قبل الإسلام، ثم نسخ في الإسلام. ٣-حرمة التعرض لقاصد البيت الحرام للعبادة والتقرب، للحصول على رضوانه إلا أن يكون هذا القاصد كافرا أو مشركا فإنه لا يؤذن له بدخول الحرم. ٤-إباحة الصيد لمن تحلل من إحرامه من المؤمنين؛ لأن المحرم لا يحل له الصيد حال إحرامه، كما لا يحل له أن يأكل ما صيد له، وهو محرم وهذا الحكم باق لم يطرأ عليه نسخ. ٥-حرمة الاعتداء على العدو. فمن كان له عدو لا يجوز له أن تحمله عداوته على ظلمه والاعتداء عليه. إلا أن يظلم العدو فحينئذ يرد ظلمه واعتداؤه ولا حرج، وهذا معنى قوله تعالى في النداء: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ وهذا تم في الحديبية إذ صد المشركون الرسول ﷺ والمؤمنين عن العمرة، وتم صلح بينهم، المعروف بصلح الحديبية، فحذر الله تعالى المؤمنين من أن يحملهم بغضهم وعداؤهم للمشركين الذين منعوهم من المسجد الحرام أن يعتدوا عليهم بعد أن تم الصلح بينهم. ٦- وجوب التعاون بين المؤمنين على البر والتقوى. أي على فعل الخيرات كالصدقات والمعونات المختلفة كالقرض والسلفة، والإحسان والمعروف، إذ كل هذا من البر، وأما التعاون على التقوى وهى طاعة الله ورسوله في الأمر والنهى فهو تعاون على إقامة الدين بكامله بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإن ترك واجب أو حق من الحقوق وجب على المؤمنين أن يتعاونوا على إقامة الواجب الذي ترك، وعلى إحقاق الحق الذي هدر بينهم، لأنهم أمة واحدة. ٧- حرمة التعاون على الإثم والعدوان، أما الإثم فهو كل كبيرة من كبائر الذنوب كالزنا، والربا والسرقة والغيبة والنميمة، وترك الواجبات، وارتكاب المحرمات في المناكح والمطاعم والمشارب والملابس وغيرها، تلك هي الإثم الذي يحرم التعاون على إيجاده أو بقائه بين المؤمنين، أما العدوان فهم الظلم وهو الاعتداء على أرواح الناس، أو

стр. 75

أعراضهم، أو أموالهم، فلا يحل إعانة ظالم بحال من الأحوال، بل ولا الركون غليه، لقوله تعالى: ﴿وَلا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾ والركون يكون بالميل إليه، والرضا بظلمه، وعدم نهيه عنه. ٨-الأمر بتقوى الله ؛ إذ قال تعالى في أخر النداء: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ والأمر بالتقوى معناه الأمر بطاعة الله ورسوله، وأولى الأمر من المؤمنين، وتتحقق التقوى بفعل ما يأمر الله به ويأمر به رسوله من الواجبات والمندوبات، وبترك ما نهى الله عنه، ونهى عنه رسوله من الاعتقادات الباطلة، والأقوال السيئة، والأفعال الضارة الفاسدة، وختم الله تعالى مضمون هذا النداء العظيم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ؛ ليحذر المؤمنين من عدم النهوض بما تضمنه هذا النداء من الأوامر والنواهي فإنهم إن أهملوا ما كلفوا به ستنزل بهم عقوبة الله فيندمون ولا ينفعهم ندم. ألا فلنحذر عذاب الله يا عباد الله، والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب!!! وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 76

النداء الثلاثون: في وجوب الوضوء وبيان كيفيته ووجوب الغسل من الجنابة وبيان نواقض الوضوء وكيفية التيمم الآية (٦) من سور ة المائدة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾ . الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد أن هذا النداء الإلهي العظيم قد اشتمل على علوم ومعارف ضرورية للمؤمن، فاحفظه وافهمه واعمل بما فيه، فإنه ما وجهه الله ﵎ لعباده المؤمنين إلا ليطهرهم به، فإذا طهروا رضى عنهم وأرضاهم، وجعل الجنة مأواهم، وإليك بيان ما تضمنه هذا النداء من علوم معرفتها ضرورية لكل مؤمن ومؤمنة: ١-وجوب الوضوء، على من أراد مناجاة الرب ﵎ بالوقوف بين يديه وذكره وتلاوة كتابة، والركوع والسجود له . ٢-بيان كيفية الوضوء وهى: غسل الكفين ثلاثا، ثم المضمضة ثلاثا، ثم الاستنشاق والإستنثار ثلاثا، ثم غسل الوجه ثلاثا وحده طولا من منبت الشعر المعتاد في الجبهة إلى منتهى الذقن، وعرضا من وتد الأذن اليمنى إلى وتد الأذن اليسرى، ثم

стр. 77

غسل اليدين إلى المرفقين ثلاثا، يبدأ باليمنى ثم يمسح الرأس مع الأذنين مرة واحدة، ثم يغسل الرجلين إلى الكعبين يبدأ باليمنى، لأن الرسول ﷺ كان يحب التيامن في كل شئ إلا في الدخول إلى المرحاض فإنه يقدم رجله اليسرى. هذا مضمون قوله تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ أما غسل الكفين ثلاثا، والمضمضة والاستنشاق والاستنثار فقد بينهما رسول الله ﷺ . ٣-الأمر بالغسل من الجنابة لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا﴾ أي اغتسلوا، والجنب هو من جامع امرأته فأدخل ذكره في فرجها ولو لم ينزل منه ماء. ومثله من احتلم في منامه فخرج منه المنى فهذا هو الجنب رجلا كان أو امرأة، والاغتسال هو أن يغسل كفيه ثلاثا ناويا الغسل الواجب عليه، ثم يغسل قبله ودبره وما حولهما، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة كما تقدم بيانه آنفا، ثم يخلل أصول شعر رأسه بالماء حتى لا يضره الماء البارد فيزكم، ثم يغسل رأسه مع أذنيه ثلاثا، ثم يغسل شقه الأيمن من رأسه إلى قدمه، ثم الأيسر كذلك، وعليه أن يتتبع الأماكن التي ينبو عنها الماء كتحت الإبطين وتحت الركبتين، وكذا الصرة. كما يخلل أصابع يديه ورجليه حال الوضوء. ٤-نواقض الوضوء أو موجباته الدال عليها قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ، إذ المجيء من الغائط معناه أنه تبول وتغوط، فمن بال أو أخرج فضلة الطعام وهو الخرء، أو فساء أو ضراط أو مس امرأته بشهوة، فإن كان متوضأ فقد انتقض وضوءه، وإن كان غير متوضأ وجب عليه الوضوء للصلاة أو الطواف أو مس المصحف، ومن نواقض الوضوء النوم الثقيل الذي لا يشعر صاحبه بخروج فساء منه، أو ضراط، وأكل لحم الجزور١، ومس الذكر بباطن الكف. ٥-وجوب التيمم لمن لم يجد الماء للغسل أو الوضوء، أو وجده ولكن حاجته إليه ماسة كالشرب أو الطبخ لاسيما في حال السفر، أو وجده ولكن يمنع من استعماله خوف المرض أو زيادته أو عدم البرء منه. ٦-كيفية التيمم: وهى أن يضرب كفيه قائلا بسم الله على التراب، فإن لم يجد فعلى الأرض أو الحجارة، ثم يمسح وجهه مرة واحدة، ثم يضرب كفيه أيضا مرة

стр. 78

أخرى ويمسح يديه إلى المرفقين وإن اكتفى بكفيه أجزأه ذلك لحديث عمار بن ياسر إذا قال له الرسول ﷺ : " إنما يكفيك أن تفغل هكذا ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ثم مسح الشمال على اليمين، وظاهر كفيه ووجهه ". ٧-من لطفه تعالى ورحمته ولإحسانه إلى عباده المؤمنين أنه لما أمرهم بالوضوء والغسل والتيمم عند انعدام الماء أو عدم القدرة على استعماله؛ لاطفهم بقوله : ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ أي عنت ومشقة، وإنما يريد طهارتهم ظاهرا وباطنا، وليتم نعمته عليكم بهدايتكم إلى الإسلام وبيان شرائعه ودعوتكم إلى القيام بها، إذ هي مصدر سعادتكم وكمالكم في الدارين وليعدكم بذلك إلى شكره، إذ سر الحياة بكاملها هو ذكر الله تعالى وشكره، وذكره يكون باللقب واللسان، وشكره يكون بالجوارح والأبدان، فالوضوء وغسل والتيمم من مظاهر الشكر لله تعالى على نعمة الإيجاد والإمداد فاللهم اجعلنا لك من الذاكرين الشاكرين، وأعنا عليهما، وعلى حسن عبادتك يا رب العالمين. وأخيرا أيها القارئ إليك هذه الجائزة العظيمة وهى أن النبي ﷺ قال: " من توضأ أفأحسن الوضوء ثم رفع طرفه إلى السماء وقال أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين، فتحت له أبواب الجنة الثمانية " ١ فاذكر هذا واعلمه ولا تتركه فإنه كنز ثمين وخير كثير والسلام عليك ما واظبت وواصلت. وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 79

النداء الحادي والثلاثون: في وجوب العدل في الحكم والشهادة وحرمة ترك العدل من أجل البغض والعداء والأمر بتقوى الله الآية (٨) من سورة المائدة أعوذ بالله الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ الشرح: اذكر أيها القارئ الكريم ما تقدم من أمر الله تعالى لعباده المؤمنين به، وبلقائه بالعدل، وهذا أمر آخر، وذلك لعظم شأن العدل وأهميته وضرورته في كل شئ، حتى أن أمر السماء والأرض قام على العدل، فاذكر هذا واصغ تسمع ما في هذا النداء من الأمر بالقيام لله تعالى بكل ما أوجب على عباده القيام به من العبادات والآداب والأخلاق والأحكام، وأن يكونوا قوامين لا قائمين فحسب؛ إذ القوام كثير القيام بالحقوق والواجبات، بخلاف القائم فإنه أقل قيام من القوام. وقوله: ﴿لِلَّهِ﴾ نفى للشرك في كل ما يقوم به عبد الله المؤمن من عبادات وحقوق وواجبات أمر الله بها وأوجبها على عباده المؤمنين. وكما أوجب تعالى العدل في الأحكام وفى كل ما يقوم به المؤمنون من طاعات لله تعالى، أوجب العدل في أداء الشهادة، لأنه بالشهادة تؤدى الحقوق لأصحابها المشهود لهم، فإن جار الشاهد ولم يقم شهادته على العدل ضاع حق المشهود له مؤمنا كان أو كافرا، غنيا كان أو فقيرا وبما أن الكل عباد الله فلا يأذن الله تعالى بظلم عبد من عباده بإضاعة حقه، وهذا هو سر وجوب الشهادة بالقسط، أي العدل في قوله : ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ واذكر هذا أيها القارئ والمستمع، وتأمل قوله تعالى في هذا النداء ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ

стр. 80

قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ أي ولا يحملنكم بغض الكافرين وعداوتهم، أو بغض كل من تبغضونه، وعداوة كل من تعادونه لأمر اقتضى بغضه أو عداوته من المؤمنين والكافرين أو الموحدين والمشركين، لا يحملنكم ذلك البغض على أن تجوروا في الحكم إذا حكمتم، أو في الشهادة إذا شهدتم. ولأهمية العدل في الأحكام والشهادات لها إذ القاضي يصدر حكمه باعتراف الجانى، أو شهادة اثنين من المؤمنين، أمر تعالى بالعدل مكررا، الأمر الأول: مؤكدا له بأمر أخر؛ إذ قال عز من قائل: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ أي العدل في الحكم والشهادة، وفى كل ما يقوم به العبد لله من طاعات هو أقرب لتقوى الله التي هي شطر ولاية الله للعبد، لما علمنا من أن أولياء الله هم المؤمنون المتقون، وأعداؤه هم الكافرون الفاجرون، وبناء على هذا فكل ما يقرب من تقوى الله أو يحققها فالقيام به واجب أكيد، لا يصح التفريط فيه بحال من الأحوال. ويؤكد صحة هذا ويقرره أن ختم الله تعالى هذا النداء العظيم بالأمر بتقواه؛ إذ قال ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي خافوه خوفا يحملكم على القيام التام بما أوجب عليكم القيام به من سائر التكاليف التي أنزل الكتاب بها وبعث الرسول من أجلها، وبخاصة القيام بالعدل في الأحكام والشهادات، ولنعلم أن الخوف من الله الحامل للعبد على النهوض بالواجبات وأداء الحقوق والأمانات هذا الخوف يكتسب ويطلب وطريق طلبه واكتسابه للحصول عليه هو: ١-ذكر قدرة الله التي لا يعجزها شئ. ٢-ذكر ضعف الإنسان وحاجته إلى ربه حنى في أنفاسه التي يرددها. ٣-ذكر ما توعد الله تعالى به الفاسقين عن أمره، الكافرين بطاعته. ٤-ذكر ما أحل الله بأعدائه من خراب ودمار وهلاك وخسران. ٥-ذكر ما فاز به أولياء الله تعالى من كمال وعز وسيادة في الدنيا، وما هو مأمول لهم في الآخرة من نعيم مقيم في دار السلام. بهذا الذكر بالقلب واللسان يوجد الخوف من الله تعالى في القلب، وإذا وجد الخوف كانت التقوى التي هي طاعة الله، وطاعة رسوله ﷺ باعتقاد وقول، وفعل ما أمر

стр. 81

الله به وأمر به رسوله ﷺ ، وبترك ما نهى الله عنه ورسوله من اعتقاد باطل وقول سيئ وعمل فاسد؛ وهو كل ما حرمه الله، ورسوله من الاعتقادات الباطلة، والأقوال الفاسدة الضارة والأعمال كذلك، وحسب العبد أن لا يغفل عن قوله تعالى في ختام هذا النداء وهو: ﴿إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ فإنه يوجد ملكة مراقبة الله تعالى، ومن أصبح يراقب الله تعالى في كل ما يأتى، وما يذر فقد حقق التقوى والولاية الإلهية وأصبح من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون في الدنيا والآخرة، اللهم اجعلنا منهم وتولنا كما توليتهم آمين. وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 82

النداء الثاني والثلاثون: في الأمر بذكر النعم لشكرها وتقوى الله ، والتوكل عليه الآية (١١) من سورة المائدة أعوذ بالله الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ . الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم أن الله تعالى لا ينادى عباده المؤمنين به وبلقائه إلا ليأمرهم بفعل ما يكملهم أدابا وأخلاقا، ودولة وسلطانا، ويسعدهم في دنياهم وأخراهم، لأنه ربهم ووليهم، والرب لا يريد لعبده ومملوكه إلا كماله وسعادته، والولي لا يريد لوليه إلا ما فيه خيره، وكماله وسعادته، وها هو ذا الله ﵎ ينادى عباده المؤمنين بهذا النداء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ليأمرهم بذكر نعمة عظيمة أنعم بها عليهم، هى أنه ما من مؤمن ولا مؤمنة من يوم تلك النعمة إلى يوم القيامة إلا وهو مأمور بشكر الله تعالى على تلك النعمة، والشكر متوقف على ذكر النعمة بعد معرفتها فلذا قال لهم: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ . وبين موقعها، وجلى لهم حقيقتها، فقال عز من قائل: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ وقد تكررت محاولة قتل نبيهم ﷺ عدة مرات وفى كل مرة يكف الرب ﵎ أيدي الخادعين الماكرين، فلم يصلوا بالأذى لرسول الله ﷺ بالضرب أو القتل ومن تلك المرات محاولة غورث بن الحارث الواردة في الصحيح، وهى أن غورث الأعرابى رأى النبي ﷺ قد نزل منزلا وتفرق أصحابه عنه يستظلون بالأشجار للاستراحة من عناء الغزو والتعب والسير في سبيل الله وقد علق النبي ﷺ سيفه بشجرة واستراح كما استراح أصحابه وإذا غورث الأعرابي يأتى إلى النبي ﷺ وأخذ سيفه من

стр. 83

الشجرة وسله من غمده وأقبل على الرسول ﷺ وقال له: من يمنعك منى؟ فقال الرسول ﷺ الله ، قال الأعرابي: مقالاته ثلاث مرات والرسول ﷺ يرد عليه بقوله: الله فسقط السيف من يد غورث وجلس إلى النبي ﷺ ساكتا لا يتكلم والرسول ﷺ معرض عنه ودعا النبي ﷺ أصحابه فأخبرهم خبر الأعرابي وهو جالس إلى جنبه ولم يعاقبه ولعل الأعرابي كان مبعوثا من قوم مشركين ليقتلوا النبي ﷺ ، فهذه نعمة وهى نعمة نجاة نبيهم من القتل على أيدي أعدائه وأعدائهم، وهى أكبر نعمة شملت المؤمنين عامة من عهده ﷺ إلى يوم القيامة. ومرة أخرى وهى أن يهود بنى النضير تآمروا على رسول الله ﷺ أن يطلقوا عليه رحى من سطح المنزل الجالس تحته إذ ذهب إليهم مع بعض أصحابه لمهمة تطلبت الذهاب إليهم بمقتضى المعاهدة السلمية التي كانت بينه ﷺ وبينهم، لكن الله تعالى خيبهم حيث أوحى إليه ﷺ بالمؤامرة فقام سريعا مع أصحابه، وندم اليهود لما فضحوا وأمر الله رسوله بإجلائهم بحكم المعاهدة التي نقضوها، فحاصرهم ﷺ برجاله وأجلاهم عن المدينة فالتحقوا بالشام. وثالثة: تآمر يهود عليه لعائن الله تعالى على قتله ﷺ بإطعامه سما فنجاه الله تعالى فهذه النعمة نعمة نجاة رسول الله ﷺ من القتل حتى يتم الله شرعه ويكمل دينه ولما نزلت آية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً﴾ توفاه الله في حجرته المشرفة التي دفن فيها، ودفن معه صاحباه الشيخان أبو بكر وعمر رضى الله عنهما وأرضاهما، لهذا نادى الله تعالى عباده المؤمنين بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ أي بإنجاء نبيكم من القتل المدبر له ﷺ من قبل أعداء التوحيد وأعداء الإسلام، اليهود، وبين ذلك بقوله: ﴿إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ﴾ أي بقتل نبيكم فكف أيديهم عنكم. تأمل هذا أيها القارئ كيف نسب الله تعالى القتل إلى المؤمنين والمتآمر على قتله هو نبيهم ﷺ ، فتفهم أن على كل مؤمن ومؤمنة أن يفدى رسول الله ﷺ بنفسه وولده ووالديه والناس أجمعين، وهو كذلك. وتأمل قول الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ . يتبين لك سر أمر الله تعالى عباده المؤمنين بذكر نعمة

стр. 84

الله عليهم بنجاة نبيهم من مكر أعدائه به ليقتلوه، فكف أيديهم وصرفهم خائبين خاسرين. وأخيرا أمره تعالى للمؤمنين بتقواه بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ ، وذلك لما في تقواه من رضاه وولايته الموجبة للسعادة والكمال في الحياتين. ألا فلنتق الله تعالى، وأمرنا بالتوكل عليه لا على غيره؛ إذ التوكل عليه يحقق المطلوب بدفع الأذى وتحقيق الخير الكثير، وأما التوكل على غيره فإنه يجلب الخيبة والمذلة والضياع. ألا أيها المؤمن القارئ والمستمع اذكر هذا ولا تغفل عنه فإنه سلم سعادتكم ومفتاح كل نعيم يحصل لكم. وفقنا الله تعالى لذلك وزادنا رضاه آمين. وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 85

النداء الثالث والثلاثون: في الأمر بتقوى الله وطلب الوسيلة إلى الله تعالى. والجهاد في سبيله ... الآية (٣٥) من سورة المائدة أعوذ بالله الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . الشرح: هل تذكر أيها القارئ الكريم سر نداء الله للمؤمنين بعنوان الإيمان وهو أن المؤمن حي بإيمانه يسمع ويعقل ويقدر على الفعل والترك بخلاف الكافر فإنه في حكم الميت إذ هو لا يسمع نداء الله ، ولا يجيب ولا يعقل ولا يفهم. وهل تذكر أن الله تعالى لا ينادى المؤمنين إلا ليأمرهم أو ينهاهم أو يبشرهم، أو ينذرهم، إذ في الأمر فعل ما يزكى نفوسهم، وفى النهى ما يبعدهم عما يدسيها ويخبثها. وفى البشارة ما يرغبهم في الصالحات. وفى النذارة ما يبعدهم عن مقارفة الذنوب المدسية للنفس، وها هو ذا تعالى في هذا النداء يأمرهم بتقواه إذ قال عز من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ أي خافوه خوفا يحملكم على طاعته إذ بطاعته تكون الوقاية من غضبه تعالى وعقابه في الدنيا والآخرة، وكما أمرهم بتقواه لينجوا من عذابه، أمرهم بما يرفع درجاتهم، ويعلى منازلهم ومقاماتهم في الدنيا والآخرة، ألا وهو التقرب إليه بنوافل العبادات كنوافل الصلاة والصيام والصدقات والحج والعمرة، والذكر والدعاء وما إلى ذلك من نوافل العبادات، فقال تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أي اطلبوا العمل الصالح متوسلين به إليه تعالى، وهو سائر القرب التي يتقرب بها العبد إلى ربه ليظفر بحبه، ورضاه والقرب منه، واذكر أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد انه شاع بين المسلمين أنواع من الشرك سموها وسيلة، ذلك لغلبة الجهل في الأمة الإسلامية؛ إذ العدو الكافر أبعدهم عن

стр. 86

مصدر العلم والمعرفة وهو الكتاب والسنة، فأصبح القرآن يقرأ على الموتى فقط، والسنة تقرأ للبركة لا غير لاستنباط الأحكام الشرعية والآداب والأخلاق الإسلامية، ومن الأمور الشركية التي أطلقوا عليها اسم الوسيلة ووقع فيها الجهال وغيرهم: ١-دعاء الأموات والاستغاثة بهم كأن يقول: يا سيدي فلان أنا بك وبالله ادع الله لي سل الله لي قضاء حاجتي... الخ. ٢-الذبح للأولياء كأن يذبح الشاة على الضريح (القبر) هذه على روح سيدي فلان. ٣-النذر للأولياء كأن يقول يا سيدي فلان إذا قضى الله حاجتي ذبحت لك شاة أو أنرت ضريحك بشمع ونحوه، أو وضعت ستائر حريرية على تابوتك. ٤-الحلف بالأولياء نحو وحق سيدي فلان، أو رأس سيدي فلان. ٥-نقل المرضى إلى أضرحتهم للتبرك بهم والتمرغ على تربتهم ودعائهم وطلب الشفاء منهم. كل هذا الشرك يسمونه توسلا إلى الله بعباده الصالحين، فاذكر هذا واحذره، واعلم أن التوسل إلى الله يكون بفعل الخيرات، والإكثار من الطاعات من أجل رفع الدرجات، والظفر بالرغائب المحبوبات. هذا واعلم أن النبي ﷺ قد أخبر أن له درجة في الجنة تسمى الوسيلة وهى أقرب منزل إلى عرش الرحمن، وأن من سألها من الله تعالى له نالته شفاعته، إذ قال ﷺ : " إذا أذن المؤذن فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا على، ثم قولوا اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت سيدنا محمد الوسيلة والفضيلة وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته فإن من قال ذلك وجبت له شفاعتي". وقوله تعالى في أخر النداء: ﴿وَجَاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ هذا الأمر الثالث في هذا النداء، وهو الأمر بجهاد الكفار لإدخالهم في الإسلام رحمة بهم حتى ينجو من الخلود في عذاب النار، وهناك جهاد أخر يدخل تحت هذا الأمر ألا وهو جهاد الفساق بأمرهم ونهيهم، وجهاد الشيطان بلعنه وعدم الاستجابة له فيما يزين من القبائح، ويحسن من المنكرات وجهاده بعدم الاستجابة له، والتعوذ بالله منه وجهاد النفس وهو أشدها وحقيقته: أن يحمل العبد نفسه على أن تتعلم محاب الله، وتعمل بها وتتعلم مكاره الله وتتجنبها، وتعلم غيرها ذلك من المؤمنين والمؤمنات، والجزاء على هذا الجهاد هو ما واعد الرحمن به يقول: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ والفلاح هو النجاة من النار ودخول الجنة دار الأبرار جعلنا الله تعالى من أهلها آمين. وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 87

النداء الرابع والثلاثون: في حرمة اتخاذ اليهود والنصارى أولياء وعلة ذلك والتحذير من موالاتهم الآية (٥١) من سورة المائدة أعوذ بالله الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ الشرح: اذكر أيها القارئ الكريم أن ولاية الله تعالى تتم للعبد بالإيمان الصادق والتقوى الكاملة، وأن من والى الله يحرم عليه موالاة أعدائه وأن من أعداء الله اليهود والنصارى، فاليهود قتلوا أنبياءه وفسقوا عن أمره والنصارى ألهوا غيره وعبدوا سواه؛ فلذا نادى الرب ﵎ عباده المؤمنين به وبرسوله وبلقائه قائلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ آي يا من آمنتم بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء لكم تحبونهم وتنصرونهم، فإنهم أعداء ربكم وأعداؤكم فكيف توالونهم أتوالون من يعاديكم وتحبون من يبغضكم، وتنصرون من يود هزيمتكم. هذا من جهة، ومن جهة أخرى أن اليهودي ولى أخيه اليهودي، والنصراني ولى أخيه النصراني فكيف تصبح ولاية نصراني على نصراني، وولاية يهودي على يهودي إن هذا غير ممكن ولا سائغ بحال من الأحوال، ألا فاحذروا أيها المؤمنون، ولا تتخذوا أعدائكم وأعداء ربكم ودينكم ونبيكم أولياء لكم تحبونهم وتنصرونهم فإن ذلك يقضى بكم إلى الكفر _ والعياذ بالله _ ويقرر هذه الحقيقة قوله تعالى في هذا النداء: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ ، ومن كان منهم فهو مثلهم في كفر ومعاداة

стр. 88

الله ورسوله وبذلك يحرم هداية الله، إذ الله تعالى لا يهدى القوم الظالمين. وكيف وقد ختم نداءه هذا للمؤمنين ليرشدهم إلى ما يكملهم ويسعدهم ختمه بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ومن والى أعداء الله فقد عاداه،. ومن عادى الله فقد ظلم نفسه إذ الظلم وضع الشيء في غير موضعه ومن ظلم وكفر فكيف تصح موالاته أيها المؤمنون؟ ألا فلنتق الله أيها المؤمنون ولنوال من والى الله، ولنعاد من عادى الله. فإن هذا الأمر هو الذي نادانا الله من أجله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ فكيف لا نحذر أن نكون يهودا أو نصارى إذا نحن واليناهم _ والعياذ بالله _ من الكفر بعد الإيمان، ومن الضلال بعد الهداية والولاية ولتعلم أيها القارئ والمستمع أن الموالاة التي حرمها الله تعالى علينا هي أن نحب اليهودي بقلوبنا ونعرب له عن ذلك بألسنتنا وأن نقف إلى جنبه ننصره على أعدائه وهم إخواننا، هذا الحب والولاء هما للمؤمنين لا للكافرين فالمؤمن يحب المؤمن ويعرب له عن حبه بلسانه وعمله، ويقف إلى جنبه ينصره ويموت معه أو قبله لأنه أخوه في الإيمان والإسلام والإحسان، وولاية الرحمن، أما الكافر من يهودي أو نصراني أو مجوسي أو بوذي أو مشرك فإنهم كفروا بربنا ونبينا وديننا، وحاربونا، وحملوا الحقد والبغض والعداء لنا ولربنا ، فكيف تسوغ موالاتهم مع هذه الفواصل المختلفة والصوارف المتعددة اللهم لا، لا. وأخيرا لنجتنب أي مظهر من مظاهر اليهود والنصارى وأهل الكفر قاطبة حتى في الزي واللباس، والشعار ما استطعنا إلى ذلك سبيلا. والله ولى من والاه وعدو من عاداه، ولا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.

стр. 89

النداء الخامس والثلاثون: في التحذير من الردة عن الإسلام وبيان صفات المؤمنين الصادقين الآية (٥٤) من سورة المائدة أعوذ بالله الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ الشرح: اذكر أيها القارئ الكريم أن نداءات الرحمن لعباده وأولياءه المؤمنين تدور حول زيادة هدايتهم. وطلب كمالهم وسعادتهم في الدارين، وها هو ذا تعالى يحذرهم من الردة عن الإسلام، والعودة إلى الشرك، وهذا نادر، وإنما المتوقع هو التهود والتنصر _ والعياذ بالله _، ويدل لذلك تحذيره في النداء الرابع والثلاثين قبل هذا إذ حرم موالاة اليهود والنصارى فقال: ﴿لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ ، إذ هذا سبيل التهود والتنصر ثم أعلم أن من تولاهم أصبح منهم وبذلك يكون قد ارتد عن الإسلام ودخل في اليهودية أو النصرانية _ والعياذ بالله تعالى _ من السلب بعد العطاء ومن الضلال بعد الهدى. وها هو ذا يناديهم فيقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ﴾ أي يرجع ﴿مِنْكُمْ﴾ أيها المسلمون ﴿عَنْ دِينِهِ﴾ الذي هو الإسلام، وقل لي: بم تكون الردة؟ إنها تكون باعتقاد اليهودية أو النصرانية وحبهم وموالاتهم وشهود معابدهم وعباداتهم، والتزى بزيهم، والسير في ركابهم، يفعل ما يفعلون وترك ما يتركون تعبدا وتدينا، فلنذكر هذا ولا ننسه، ونحذر كل مسلم ومسلمة من الوقوع فيه فإنه الردة الموجبة لغضب الله وعقابه كان هذا في التحذير من الردة. أما

стр. 90

صفات المؤمنين الصادقين فقد بينها الله تعالى بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ . فأولى هذه الصفات حب الرحمن لهم ولنعم هذه الصفة. وثانيها حبهم لله تعالى وأعظم بها نعمة. وثالثها كونهم أذلة على المؤمنين أي هينين لينين. ورابعها أعزة على الكافرين أي أقوياء أشداء. وهاتان الصفتان: الرابعة والثالثة جاءت من نعت الرسول ﷺ وأصحابه إذ قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ ١. وخامسة الصفات: يجاهدون في سبيل الله؛ آي كلما دعا داعي الجهاد حملوا سلاحهم وخرجوا لا هدف لهم ولا غاية سوى رضى الله ونصره دينه وأوليائه. وسادسة الصفات: أنهم لا يخافون في اعتقاد الحق وقوله والعمل به وإظهاره والدعوة إليه لومة لائم، بل ولا عداء معاد ولا حرب محارب. وذلك لكمال علمهم وصحة إيمانهم وعظيم يقينهم. وقل لي أيها القارئ الكريم بم ختم الله توجيهه لأوليائه شفى هذا النداء العظيم؟ إنه ختمه بقوله: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ إن هذه الصفات الست التي لا يقدر على إعطائها إلا الله، ولا يستحقها إلا أولياء الله هي من فضل الله تعالى، وفضل الله لا يعطى إلا لمن طلبه ورغب فيه وصدق في طلبه وسلك السبيل المحقق له والموصل إليه، وقل لي بما يطلب هذا الفضل العظيم؟ فإني أعلمك بأنه يطلب بالإيمان بالله، والكفر بالطاغوت إذ قال تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ

стр. 91

أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ ١ وإن قلت ما كيفية الإيمان بالله، والكفر بالطاغوت؟ قلت إنها تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وتحقيق شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله: هو أن يؤمن بالله ربا لا رب سواه، وإلها لا إله غيره، ويعلن ذلك بقوله أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ويعبد الله بما شرعه من عبادة بين كيفيتها رسول الله ﷺ ، ولا يعبد مع الله غيره بأية عبادة ويسخط ولا يرضى بعبادة غير الله أبدا. وأخيرا أيها القارئ وأحسبك قد فهمت نداء الله وما تضمنه من هداية وهدى وصية رسول الله ﷺ لصاحبه أبى ذر فافهمها واعمل بها تكمل وتسعد. أخرج بن كثير في تفسيره رواية أحمد في مسنده ﵀ إذ قال عن أبى ذر قال أمرني خليلي ﷺ بسبع: " أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن انظر إلى من هم دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقى هذا في أمور الدنيا لا أمور الدين وأمرني أن أصل رحمي وإن أدبرت (قطعت) ، وأمرني أن لا أسأل أحد شيئا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرا، وأمرني أن لا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله فإنهن من كنز تحت العرش ". فاعلم أيها القارئ الكريم أنك إذا حققت الصفات الست التي تضمنتها آية هذا النداء وأضفت إليها هذه الصفات السبع فقد بلغت ذروة الكمال، وحزت أفضل الخصال، ونلت ما لا ينال إلا بتوفيق وإفضال وإنعام ذي الجلال والإكرام وسلام عليك في الفائزين. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 92

النداء السادس والثلاثون: في حرمة ولاية من يتخذ دين الله هزوا ولعبا من أهل الكتاب وغيرهم الآية (٥٧ _ ٥٨) من سورة المائدة أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ . الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي العظيم يحرم على المؤمنين ولاية الكافرين، سواء كانوا أهل كتاب كاليهود والنصارى، أو كانوا لا كتاب لهم كالمجوس، أو كانوا مشركين أميين، وعلة هذا التحريم هي اتخاذهم دين الإسلام الحق الذي لا دين يقبله الله تعالى سواه. كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١ ولا شك أن نزول هذه الآية كان لسبب سخرية واستهزاء بعض الكافرين من يهود ونصارى ومشركين بالدين الإسلامي، إذ ورد أن المنافقين واليهود كانوا إذا سمعوا الأذان يضحكون ويلعبون بصوت المؤذن فمنهم من يقول هذا نهيق حمار، ومنهم من يرفع صوته بالأذان ساخرا لاعبا مستهزئا، فأنزل الله تعالى هذا النداء ينهى المؤمنين عن موالاة هؤلاء المستهزئين بشعائر الدين الإسلامى، الضاحكين اللاعبين، كلما أتيحت لهم الفرصة حيث لم يكن معهم من يخافونه من المسلمين، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يا من أمنتم بالله ربا وإلها، وبالإسلام دينا وشرعا، وبمحمد نبيا ورسولا ﴿لا تَتَّخِذُوا

стр. 93

الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ﴾ أي الإسلام وشرائعه وأحكامه ﴿هُزُواً ْ﴾ يستهزئون به ﴿وَلَعِباً﴾ يلعبون به، وبين تعالى المستهزئين اللاعبين فقال: ﴿مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وهم اليهود والنصارى ﴿وَالْكُفَّارَ﴾ يعنى المشركين ﴿أَوْلِيَاءَ﴾ أي توالونهم بالحب والنصرة. ثم أمر تعالى عباده المؤمنين بتقواه وهى طاعته فيما أمر ونهى فيفعلون المأمور بحزم وجد، وينتهون عن المنهى، كذلك ومن جملة ما نهاهم عنه موالاة أهل الكتاب والمشركين وبخاصة الذين يستهزئون بالإسلام ويسخرون منه، ويضحكون ويلعبون، إذ موالاة هؤلاء الساخرين المستهزئين لا يسيغها عقل ولا دين. فكيف تصح إذا موالاتهم من أهل الإيمان، لذا قال الله تعالى في ختام الآية ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . وفعلا هم مؤمنون؛ لذا فلا يصح منهم أبدا موالاة أعداء الإسلام المحاربين له الساخرين منه. وفى هذه الجملة المذيل بها الكلام ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ما يجعل حرمة موالاة هؤلاء الكافرين أعظم حرمة وأشدها، إذ موالاة الكافرين محرمة بآية قبل هذه كآية آل عمران: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وآية المائدة قبل ذي ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وفى الآية بعد ذي وهى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُواً وَلَعِباً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ ففي هذه الآية بيان استهزائهم ولعبهم بالدين، إذ الأذان دين وشرع بل هو أظهر الشرائع، وأعلى مقامات الدين، إذ به ترتفع كلمة التوحيد، والنبوة، ويدعى إلى أشرف عبادها وأزكاها وأكثرها تعبدا لله تعالى وهى الصلاة وإقامتها وفى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ تقرير أن المستهزئ بالأذان، الضاحك منه، اللاعب به، يعتبر لا عقل له كالبهائم أو أشر وأضل. إذ النداء إلى الصلاة بتلك الكلمات السامية الرفيعة الداعية إلى الفلاح بإقامة الصلاة لا يجهل معناها ولا يكرهها إلا من لا عقل له وصدق الله العظيم إذ قال ذلك؛ أي كان ذلك الاستهزاء والسخرية واللعب بالأذان بسبب أنهم قوم لا يعقلون وحقا إنهم لا يعقلون وصدق الله العظيم. وأخيرا أيها القارئ الكريم إليك بيان حكم الأذان في الإسلام. إن الأذان فرض كفاية في المدن والقرى، وسنة لجماعة تطلب غيرها، ومستحب

стр. 94

لمن يطلب غيره في السفر أو الحضر، إلا أنه في السفر أعظم أجرا لحديث الموطأ وهو قوله ﷺ : " لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شئ إلا شهد له يوم القيامة "، أما الإقامة فإنها سنة مؤكدة لكل صلاة ومن أذن أقام ولو أقام غيره لا بأس وإليك صيغة الأذان والإقامة: الأذان: الله أكبر، الله اكبر _ الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح١، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله. الإقامة: الله أكبر الله أكبر _ أشهد أن لا إله إلا الله. أشهد أن محمدا رسول الله. حي على الصلاة حي على الفلاح. قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة. الله أكبر الله أكبر. لا إله إلا الله. هذا واذكر أن معنى قوله تعالى في الآية: ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ إنه الأذان للصلوات الخمس. فتح الله عليك في العلم والعمل، وعلى كل مؤمن ومؤمنة فقل آمين آمين. وسلام على المرسلين، والحمدش لله رب العالمين.

стр. 95

النداء السابع والثلاثون: في حرمة تحريم ما احل الله من الطيبات وحرمة الاعتداء في الدين الآيتان ٨٧ _ ٨٨ من سورة المائدة أعوذ بالله الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ . الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم أن لهاتين الآيتين سببا في نزولهما، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن انس رضى الله عنه قال: " جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادته فلما أخبروا كأنما تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر الله له من ذنبه ما تقدم وما تأخر. فقال أحدهم: أما أنا فإني أصلى الليل أبدا. وقال آخر: أما أنا فأصوم الدهر ولا أفطر وقال أخر: أما أنا فاعتزل النساء ولا أتزوج أبدا فجاء رسول الله ﷺ فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكنى أصوم وأفطر وأصلى وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس منى " ونزلت هاتان الآيتان ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أي يا من آمنتم بالله ربا، وبالإسلام دينا وشرعا لا يقبل دينا غيره ولا يطبق شرعا سواه، وبمحمد نبيا ورسولا لا يقتدى بغيره ولا يتبع سواه ﴿لا تُحَرِّمُوا﴾ أي بامتناعكم عن طيبات ما أحل الله لكم من الطعام والشراب والنوم والنكاح، والمراد بالطيبات ما كان غير مستقذر ولا مستخبث مما أحل الله لعباده المؤمنين لمصالح عامة وخاصة، وفوائد ظاهرة وباطنة؛ إذ الله تعالى عليم حكيم فلا يبيح

стр. 96

ولا يمنع إلا لحكمة عالية تدور على مصالح عباده المؤمنين، وبعد هذا النهى عما أحل الله تعالى لعباده المؤمنين، وهم منهم وبينهم فقد ورد أنهم عبد الله بن مسعود وعثمان بن مضعون وعلى بن أبى طالب رضى الله عنهم أجميعين؛ خاطبهم الحق ﵎ ناهيا لهم عن الاعتداء وهو مجاوزة الحد المحدود كتحريم الحلال، أو تحليل الحرام، ومن الاعتداء الإسراف فى الأكل والشرب والجماع وفى اللباس وفى غيرها لقوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ ١ والإسراف هو مجاوزة النافع إلى الضار والحق إلى الباطل، والمسعد إلى المشقي فقال تعالى: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ فكيف ترضون لأنفسكم بغض الله لكم وعدم محبته إياكم وأنتم ما حرمتم على أنفسكم ما حرمتم إلا طلبا لحب الله تعالى ورضاه، وهروبا من بغضه وعدائه. واعلم أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد أن الرسول ﷺ أبان وأفاد في هذا الباب فلتستمع إلى ما قاله في هذا الشأن: ١- كلوا وتصدقوا والبسوا في غير الإسراف ولا مخيلة؛ المخيلة من الخيلاء وهو الكبر والعجب. ٢-وقال بن عباس في رواية البخاري: كل ما شئت وألبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان سرف ومخيلة. ٣-كلوا واشربوا والبسوا وتصدقوا من غير مخيلة ولا إسراف فإن الله يحب أن يرى نعمته على عبده. ٤-عليكم بثياب البياض فالبسوها فإنها أطهر وأطيب وكفنوا فيها موتاكم. ٥- قال بعض السلف: جمع الله الطب كله في نصف آية ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ . وقوله تعالى في الآية رقم ٨٨: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ إنه بعد أن نهاهم عما حرموا على أنفسهم من النساء والطعام والمنام واللباس، أيضا أمرهم أمر إباحة ورحمة وإرشاد فقال: ﴿وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ﴾ أي من الحلال لا من الحرام فالحرام لا يكون رزقا إلا في ضرورة الخوف من الموت كأكل الميتة والدم ولحم الخنزير. وقوله: ﴿حَلالاً﴾ يفيد أن

стр. 97

الحرام لا يكون رزقا، والطيب هو ما لم يكن مستقذرا ولا مستخبثا ولا محرما. وأخيرا أمرهم تعالى وهو أمر لكل مؤمن ومؤمنة ممن نزلت فيهم الآية ومن غيرهم إلى يوم القيامة أمرهم بتقوى الله وذلك بطاعته فيما حرم وأحل، وفيما أمر ونهى من سائر ما حواه شرعه وبينه رسوله محمد ﷺ وقوله: ﴿الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ تذكير لهم بإيمانهم به فإن من آمن بالله وعرف صفات جلاله وكماله من قدرة وعلم وحكمة ورحمة لا يخطر بباله معصيته فضلا عن أن يعصيه، فكيف تجرءون على تحريم ما أحل، ولم يوبخهم في هذا التوجيه؛ لأنهم ما حرموا ما حرموا على أنفسهم لا على غيرهم إلا طلبا لمرضاته وسعيا وراء حبه . هذا واعلم أيها القارئ الكريم أن هذه الآية ترد على غلاة المترهبين وأهل البطالة من بعض المتصوفين الذين يلبسون الصوف لا غير ويمتنعون عن لذيذ الطعام والشراب. واعلم أيضا أن من حرم ما أحل الله لا يحرم عليه ما حرمه إلا الزوجة فإنها إذا حرمها تحرم، فمن قال لزوجته أنت على حرام وأراد طلاقها تطلقت، وإن لم يرد طلاقها كفر كفارة يمين وعادت إليه ولا تحرم عليه فاذكر هذا والله ولى المتقين. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 98

النداء الثامن والثلاثون: في تحريم الخمر والميسر والأنصاب والأزلام الآيتان ٩٠ _ ٩١ من سورة المائدة أعوذ بالله الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ . الشرح: لا تنس أيها القارئ الكريم أن الإيمان بمثابة الروح للإنسان، فمن آمن وصح إيمانه فقد حيى وأصبح أهلا لأن يؤمر فيمتثل ويفعل، وينهى فيمتثل وينتهى، وذلك لكمال حياته. وإن الكافر كالميت لا يسمع ولا يبصر، ولا يفهم ولا يعقل، ولذا لا يكلف إلا بعد حياته بالإيمان بالله ولقائه، وكتاب الله، ورسوله ﷺ ، فاذكر هذا ولا تنسه، واعلم أن هذا النداء الإلهي الثامن والثلاثون من نداءات الرحمن لأوليائه المؤمنين المتقين يحمل لهم تحريمه تعالى عنهم أربعة أشياء وهى: الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام، إذ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ . فالخمر هي كل ما خامر العقل؛ أي ستره فأصلح صاحبه يهذر في كلامه، ولا يعي ما يقول حتى إنه قد ينطق بالسوء، أو يأتى منكرا من الفعل. والميسر أصله اللعب بالقداح للقمار، وأصبح يطلق الميسر على القمار، فكل لعب يقامر به هو ميسر. والأنصاب جمع نصب، وهو ما ينصب من الأحجار والتماثيل والصور للعبادة بأي صورة من صور العبادة كالتعظيم، والتمسح، والعكوف حولها، والحلف بها، والنذر لها. والأزلام جمع زلم، وهى سهام يستقسمون بها في الجاهلية، وهى عبارة عن ثلاثة سهام كتب على أحدها أمرني ربى، وعلى الثاني نهاني ربى، والثالث مهمل لم يكتب عليه شئ، فإذا أراد الرجل أن يسافر أو يتزوج أو ..... يأتى صاحب الأزلام فيطلب منه

стр. 99

بيان قسمته وحظه فيدخل العيدان في خريطة (كيس) ويميلها فيها ثم يخرج واحدا من الثلاثة فإذا خرج أمرني مضى في عمله الذي عزم عليه، وإن خرج نهاني أعاد الاستقسام حتى يخرج أمرني أو نهاني... فجاء الإسلام فحرم هذا الإستقسام، كما حرم ما يعرف بخط الرمل، وقرعة الأنبياء والاستقسام بالمسبحة، والشوافات من النساء إلى غير ذلك من أنواع الضلالات التي جاء الإسلام بتحريمها. وقال الله ﵎ فيها: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ والرجس النجس المستقذر حسا أو معنى، والمحرمات كلها خبيثة وإن لم تكن مستقذرة، وكونها من عمل الشيطان هي أشد رجسا وقذارة، لأن الشيطان لا يزين إلا ما كان خبيثا نجسا حسا أو معنى لذا أمر تعالى باجتنابه بقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ ورجانا بالفلاح إذا نحن اجتنبنا هذه القاذورات من الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ والفلاح الفوز بالنجاة من النار ودخول الجنة. كانت تلك هداية الآية الأولى أما الآية الثانية وهى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقد أخبرنا تعالى عن علة تزيين الشيطان للرجس الذي هو مجموع المحرمات الأربع وأنها إيقاع العداوة والبغضاء بيننا، وصدنا عن ذكر الله وعن الصلاة، فهذه العظائم الأربع هي علة تزيين الشيطان لتلك الخبائث الأربع التي هي الخمر، والميسر، والأنصاب، والأزلام. ألا فلنعرف هذا أيها القارئ الكريم، ولنلعن الشيطان ونخيبه في دعوته باجتنابنا التام للخمر فلا نشربها، ولا ننتجها، ولا نبيعها وللميسر فلا نلعبه وأيا كانت آلاته نردا أو شطرنجا، أو كعابا، أو غيرها كالكيرم، والدمينو وغيرها إذ الكل مما حرم الله ﷻ وعظم سلطانه، وبذلك ننجو من فتنة الشيطان فتدوم محبتنا لبعضنا وولاؤنا ولا نفتر ذاكرين الله، مقيمين للصلاة، التي هي عمود ديننا، ومركز قوتنا ومناة هدايتنا وسلم رقينا ونجاتنا من الوقوع في الفحشاء والمنكر ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ ١. ولنذكر ما ختم الله تعالى به هذا التوجيه الإلهي لنا وهو قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ لنقول، انتهينا ربنا كما قالها عمر رضى الله عنه لما كان يقول: " اللهم بين لنا في الخمر شافيا ". حتى نزلت هذه الآية فقال: انتهينا ربنا. ونحن نقول لا نقارف هذه الخبائث، ولا نرضى بها فثبتنا ربنا، فإنك ولينا ولا ولى لنا سواك ولك الحمد على ما أوليت، ولك الشكر على ما أعطيت. وسلام على عبادك الصالحين. والحمد لله رب العالمين.

стр. 100

النداء التاسع والثلاثون: في ابتلاء الله تعالى عباده المحرمين بالحج والعمرة بظهور الصيد وسهولة صيده الآيتان (٩٤) من سورة المائدة أعوذ بالله الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ . الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم أن الله تعالى إذ ابتلى عباده المؤمنين اختبارا لهم وامتحانا ليعلم الذين يخافونه بالغيب، كما قال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ فيرفع درجاتهم، ويعلى مقاماتهم ويظهر في الدنيا كراماتهم، وها هو ذا ينادى عباد المؤمنين ليخبرهم بأنه سيبتليهم بشيء من الصيد، والصيد هو ما يصاد من حمار الوحش إلى الغزال وما دون ذلك كالطير والأرانب، أطلق المصدر وأريد به اسم المفعول وهو المصيد؛ إذ الفعل صاد يصيد صيدا، كباع يبيع بيعا، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يا من آمنتم بالله ولقائه، وكتابه، ورسوله. ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ﴾ أي ليختبرنكم الله ربكم ووليكم ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ﴾ أي مما يصطاد كالظباء والأرانب وغيرهما، وقد فعل ذلك بالمؤمنين أيام عمرة الحديبية فكانت الوحوش والطيور تغشاهم في رحالهم بصورة لم ير مثلها قط، فنهاهم الله ﵎ عن صيده وقتله وهم محرمون بالعمرة قبل التحلل منها. وقوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ﴾ أي لكثرته وكثرة ما يعشاهم في رحالهم فصغاره كبيضه، وفراخه تناله أيديهم لو أرادو أن يأخذوه وكباره تناله رماحهم لو أرادوا صيده. ثم ذكر تعالى الحكمة من هذا الابتلاء العجيب فقال :

стр. 101

﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ وفعلا قد خافوا ربهم، وما صادوا لا بأيديهم ولا برماحهم فأصبحوا بذلك أهلا للقيام بمهام الأمور وعظائمها لأنهم عما قريب سيصبحون هداة البشرية وقادتها وقضاتها فسيسوسون بالعقل والرشد ويحكمون بالشرع، ويعاملون بالمعروف، ولم يكونوا كبنى إسرائيل ابتلاهم ربهم بتحريم الصيد أي صيد السمك يوم السبت فكان الصيد يأتيهم أي يظهر لهم شرعا ظاهرا بارزا إغراء لهم وفتنة يوم سبتهم ويوم لا يسبتون لا تأتيهم فاحتالوا على الصيد ووضعوا الشباك ليلة السبت أو يوم الجمعة فتمتلئ بالحيتان يوم السبت فيأخذونها ملأى يوم الأحد فيأكلونها فمسخهم الله قردة وخنازير كما جاء ذلك في صورة الأعراف قي قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ . أما المؤمنون الصادقون من تلك الزمرة المباركة الذين صحبوا رسول الله ﷺ فقد امتحنوا ونجحوا وفازوا، وجاء أناس غلب عليهم الجهل فأحلوا محارم الله بالحيل كالربا بأنواع من الحيل، وقوله تعالى في ختام النداء: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي من اعتدى بعد هذا النهى عن قتل الصيد حال الإحرام فله عذاب أليم أي موجع، وقد يكون في الدنيا، وقد يكون في الآخرة، أو فيهما معا بحسب حال المعتدى في اعتدائه، وقد يعفو الرحمن ويغفر وهو العفو الرحيم. هذا ولنعلم أن الصيد في الحرم محرم على المحرم وغيره وهو المحل، والحرم حرمان حرم مكة المكرمة، وحرم المدينة المنورة، أما حرم مكة فقد قال فيه رسول الله ﷺ : " إن إبراهيم قد حرم مكة فهي حرام إلى يوم القيامة لا يختلى خلالها ولا ينفر صيدها ولا يصاد " وحدود الحرم المكي قد حددها إبراهيم ﵇ مع جبريل ﵇. وأما حدود حرم المدينة فقد حددها رسول الله ﷺ بقوله: " المدينة حرام من عائر إلى ثور " فلا يصاد صيد، ولا يختلى خلاه كالحرم المكي سواء بسواء. كما ينبغي أن نعلم أن خمسا من الحيوانات أذن في قتلهن في الحل والحرم، وللمحرم والمحل وهى التي جاءت في قول النبي ﷺ في الصحيح: " خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم: الحية، والغراب الأبقع، والفأرة، والكلب العقور، والحدأة " وما قيس عليها من كل ما يؤذى كالأسد والنمر والذئب والفهد إذ على هذا فقهاء الإسلام رحمهم الله تعالى.

стр. 102

وأخيرا أيها القارئ الكريم والمستمع المستفيد اذكر ما علمتما من الله تعالى يبتلى عباده المؤمنين بالفعل والترك، وبالخير والغير تربية لهم وإعدادا لتحمل أعباء الشريعة وتكاليف الدين ليفوزوا بولايته ومحبته ورضاه، ورضوانه، فاذكروا هذا واصبروا على البلاء، وقد يكون جوعا وقد يكون خوفا، وقد يكون صحة وقد يكون مرضا، وقد يكون ولاية، وقد يكون إهانة، فلنصبر على كل ابتلاء بالرضا به والتسليم لله فيه، ولا نفارق ذكر الله بعبادته، وبحمده وشكره، فهذا سبيل الفائزين جعلنا الله منهم وحشرنا في زمرتهم آمين. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 103

النداء الأربعون: في حرمة الصيد حال الإحرام وبيان جزاء من قتل الصيد عامدا وهو محرم والعياذ بالله الآيتان (٩٥) من سورة المائدة أعوذ بالله الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ . الشرح: اذكر أيها القارئ والمستمع ما جاء في النداء التاسع والثلاثين قبل هذا فإن فيه اختبار الله تعالى للمؤمنين بشيء من الصيد، واختبار أهل عمرة الحديبية ونجحوا أجمعين فلم يصيدوا مع ما كان يغشاهم في رحالهم من أنواع الصيد فرضى الله عنهم وأرضاهم، وبما أن الإسلام هو الدين الباقي ببقاء هذه الحياة، فلا ينسخ ولا يزاد فيه ولا ينقص، وعلم الله أنه يأتى يوما يجهل فيه المؤمنون كرامتهم ومقامهم فيصيد منهم من يصيد وهو محرم فسقا عن أمر الله تعالى لغلبة الغفلة والجهل ولرقة الإسلام وخفة الأيمان في نفسه فنادى الله ﵎ المؤمنين بهذا النداء الأربعين من نداءته لعباده المؤمنين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ فحرم تعالى بهذا الصيد على المحرم بحج أو عمرة في الحرم وفى الحل على حد سواء. ومعنى ﴿حُرُمٌ﴾ : محرمون: وعلة التحريم هنا ليست الامتحان والاختبار، وإنما أن الصيد فيه لهو ولعب والمحرم متلبس بعبادة الحج أو العمرة فلا يصح منه لهو ولا لعب بحال من الأحوال، إذ هو كالمصلى في صلاته فلا يتكلم ولا يضحك ولا يأكل ولا يشرب إلى غير ذلك مما هو مبطل للصلاة، فالمحرم شبيه بالمصلى فبمجرد ما يقول:

стр. 104

لبيك الله بعمرة أو حج فقد دخل في أعظم نسك وأكمل شعيرة من شعائر الله، فلا ينبغي له أن يغفل عنها أو ينساها، فحرم لذلك تعالى الصيد. وخص الصيد وإلا فكل لهو ولعب باطل محرم على المحرم، وإنما خص الصيد بالذكر؛ لأن المحرم قد يكون في حاجة إلى طعام فيمر به الصيد من ظبي أو أرنب أو غيرهما فتدفعه نفسه لصيده فيصيده. وعلى كل حال فقد حرم الصيد على المحرم في الحل أو الحرم، فلا يحل لمؤمن محرم أو مؤمنة أن يصيد بأي أداة من أدوات الصيد سواء كان رمحا، أو شركا أو غير ذلك لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ ثم بين تعالى جزاء من قتل الصيد فمات بقتله فقال: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً﴾ أي قتله بيده ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أي فجزاؤه أن يتصدق بحيوان يماثل ما قتله إن كان له مثل من الحيوان الإنسي فمن صاد نعامة كفر ببدنة من الإبل، ومن صاد بقرة من الوحش كفر ببقرة ومن صاد غزالا تصدق بعنز، وهكذا، وما كان لا مثل له من الحيوان الإنسي فليتصدق بقيمته غير أن هذا الحكم يجب أن يحكم به ذوا عدل من المؤمنين، فلا يترك للقاتل وحده إذ قد تحمله نفسه على عدم المماثلة وعلى نقص القيمة إذ قال تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ، والعدل هو المؤمن المجتنب للكبائر والمتقى في الغالب الصغائر... ولنذكر أن المخطئ كالناسي كلاهما تجب عليه الكفارة في قتل الصيد، وعلى هذا الصحابة والأئمة الثلاثة وخالفهم أبو حنيفة، ولا إلتفاتة إلى ما رآه بعد أن قال بخلاف ما قال جل الصحابة والتابعين والأئمة الثلاثة مالك والشافعي وأحمد ورحمة الله عليهم أجمعين. وقوله تعالى: ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أي ما حكم به العدلان من مثل ما قتل المحرم ينبغي أن يرسل إلى الحرم ليذبح هناك ويفرق لحمه على الفقراء والمساكين في الحرم لا خارجه، إذ المراد من قوله تعالى: ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ أنه الحرم المحيط بالكعية من جهاته الأربع المعروفة لدى المؤمنين، ولا يجوز مع القدرة أن يذبح خارج الحرم لقوله : ﴿هَدْياً بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ﴾ فهذا تخفيف ورحمة من الله بعباده المؤمنين وذلك بأن يشترى بثمن ما وجب عليه من بدنة أو بقرة أو تيس يشرى بها طعاما ويتصدق بها حيث أمكنه ذلك وقوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَاماً﴾ . وهذا تخفيف أخر ورحمة بالمؤمنين فإن من قتل

стр. 105

الصيد مأذون له أيضا أن يصوم من كل نصف صاع أي حفنتين برا وتمرا أو شعيرا يوما حتى يكمل الصيام بعدد ما وجب عليه من إطعام، وقوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ أي عقوبة مخالفته لشرعنا وما أمرنا به ونهينا عنه وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ فهو تفضل من الله تعالى بعفوه على من سبق أن صاد وقتل قبل نزول هذا الحكم وقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ ففيه تهديد ووعيد شديد حتى رأى بعض أهل العلم من السلف أنه لا يجزئه الفداء، والذي عليه الجمهور أنه كلما صاد وجبت عليه الفدية، ويترك أمره إلى الله تعالى وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي يعاقب على معصيته ولا يحول دون مراده حائل ألا فلنتق الله تعالى ولنحذر معصيته سواء كانت صيد محرم أو غير ذلك من سائر المعاصي والذنوب اللهم احفظنا وقنا شر نفوسنا حتى لا نعصيك. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 106

النداء الحادي والأربعون: في النهى عن السؤال عما لا فائدة فيه ولا حاجة تدعو إليه والتحذير من عواقبه الآيتان (١٠١ _ ١٠٢) من سورة المائدة أعوذ بالله الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ، قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ . الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم أن لهذا النداء سببا من أجله نادى الله تعالى عباده المؤمنين ليؤدبهم ويكملهم رحمة بهم وإحسانا إليهم فله الحمد وله المنة، وإليك بيان سبب هذا النداء قال البخاري حدثنا منذر بن الوليد بن عبد الرحمن الجارودى، حدثنا أبى حدثنا شعبة عن موسى بن أنس عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: خطب رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط وقال فيها: " لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، قال: فغطى أصحاب رسول الله ﷺ وجوههم ولهم خنين فقال رجل من أبى؟ قال فلان. فنزلت هذه الآية " وفى رواية لابن جرير قال فيها: حدثنا بشر حدثنا يزيد عن قتادة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ قال فحدثنا أن أنس بن مالك حدثه أن رسول الله ﷺ سألوه حتى أحفوه بالمسألة، فخرج عليهم ذات يوم فصعد المنبر فقال: " لا تسألوني اليوم عن شئ إلا بينته لكم فأشفق أصحاب رسول الله ﷺ أن يكون بين يدي أمر قد حضر، فجعلت لا ألتفت يمينا ولا شمالا إلا وجدت كلا لافا رأسه في ثوبه يبكى، فقام رجل كان يلاقى فيدعى إلى غير أبيه فقال: يا رسول الله من أبى؟ قال: أبوك حذاقة ثم قام عمر فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام

стр. 107

دينا وبمحمد رسولا، أعوذ بالله من شر الفتن ". والروايات في هذه المسألة كثيرة _ وقوله تعالى: ﴿لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي تظهر لكم ﴿تَسُؤْكُمْ﴾ أي يحصل لكم بها ما يسؤ كم ويؤلمكم. منها على سبيل المثال أن من سأل عن أبيه فأجابه به الرسول ﷺ بأن أباه فلان أرأيت لو سمى له أبا غير أبيه فإنه عار ومذلة له ولأمه وأسرته لا ينمحى حتى لم يبق منهم أحد. ومثل هذا سؤال الذين لما قال رسول الله ﷺ " أيها الناس إن الله قد كتب عليكم الحج فحجوا فقالوا أعاما واحدا أم كل عام يا رسول الله؟ فقال: لا، بل عاما واحدا، ولو قلت كل عام لوجبت ولو وجبت لكفرتم " فهذا معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي يبينها رسولنا لكم. أما إن تسألوا عنها قبل نزول القرآن بها فذلك لا ينبغي لكم فعله لأنه من باب إحفاء رسول الله وأذيته، وهما محرمان تحريما شديدا، وقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾ أي لم يؤاخذكم بما سألتم ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ، فتوبوا إليه يتب عليكم، واستغفروه يغفر لكم فإنه غفور حليم، وقوله تعالى في الآية الثانية: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾ أي قد سأل مثل أسئلتكم التنطعية المحرجة لرسول الله ﷺ قوم من قبلكم كاليهود وغيرهم فاصبحوا بها كافرين لأنهم كلفوا ما لم يطيقوه فشق عليهم جزاء تعنتهم في أسئلتهم المحرجة لأنبيائهم فتركوا العمل بها فكفروا وهلكوا والعياذ بالله ومن أمثلة الأسئلة المحرجة التي هلك فيها من هلك سؤال اليهود إذ قالوا: ﴿أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون﴾ وسؤال قوم صالح الناقة فأعطوها ثم عقروها فهلكوا، وسؤال الحواريين عيسى المائدة وقال الله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَاباً لا أُعَذِّبُهُ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ . ولذا فلنعلم أن الغلو والتنطع وكثرة السؤال مما لا ينبغي للمسلم أن يأتيه ويقوله أو يفعله وهذا رسول الله ﷺ يقول فيه " إن أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شئ لم يحرم عن المسلمين فحرم من أجل مسألته ". ويقول ﷺ فداه أبى وأمي والعالم أجمع: " إن الله جرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات. وكره لكم ثلاثا:

стр. 108

قيل وقال وكثرة السؤال، وإضاعة المال ". ويقول ﷺ لأصحابه رضوان الله عليهم تعليما وتربية وتأديبا: " إن الله تعالى قد فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم غير نسيان فلا تسألوا عنها" ويقول: " من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه ". وأخيرا أيها القارئ والمستمع علينا بالأدب مع الله فلا تسأله ما لم تجر سنة الله تعالى به، وعلينا بالأدب مع رسول الله ﷺ فلا نرد عليه ما دعا إليه ونصح به. وعلينا بالأدب مع أهل العلم فلا تسأل سؤال تنطع، ولا نسأل عما نحن به عالمون، ولا عما نحن غير عازمين على العمل به. ولا نسأل الناس أموالهم، ولا نكلفهم مالا يحسنون ولا ما لا يطيقون، ولنلزم الصبر والصمت والذكر، فهذا هو طريق الهداية والكمال فلنسلكه والله مع الصابرين والمحسنين. وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 109

النداء الثاني والأربعون: في الأمر بإصلاح المؤمن نفسه وتطهيرها بالإيمان والعمل الصالح وإعلامه بأنه لا يضره الآية (١٠٥) من سورة المائدة أعوذ بالله الشيطان الرجيم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ الشرح: اعلم أيها القارئ الكريم أن هذا النداء الإلهي الرحيم الموجه إلى عباد الله المؤمنين أي المصدقين بالله ربا، لا رب غيره، وإلها لا إله سواه، وبالإسلام دينا لا دين يقبله الله تعالى غيره، وبمحمد نبيا ورسولا من عند الله، هؤلاء المؤمنين حقا وصدقا، يناديهم الجبار ﷻ ، وعظم سلطانه رحمة بهم، وإحسانا إليهم فيقول لهم: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي الزموا أنفسكم هدايتها وإصلاحها، فاحفظوها من الوقوع في الذنوب والآثام لتبقى طاهرة زكيه محلا لرضى الرحمن _ وأعلموا أنه لا يضركم ضلال من ضل ولا غواية من غوى، إذ كل نفس بما كسبت رهينة ولا تزر يوم القيامة وازرة وزر أخرى إذ من يعمل سوءا يجزى به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا. ولتعلم يقينا أنه لا يضرنا ضلال من ضل إذا نحن اهتدينا، لقول ربنا في إرشاده لنا ﴿لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ . إذا نحن أمرنا بالمعروف من تركه بيننا، ونهينا عن المنكر من ارتكبه فينا ونحن نراه ونشاهده إذ ليس من الهداية الكاملة المنجية من العذاب والمسعدة للعباد أن لا نأمر بالمعروف ولا ننهى عن المنكر إذ الأمر بالمعروف

стр. 110

والنهى عن المنكر صفة لازمة من صفات المؤمنين الصادقين في إيمانهم والمؤمنات الصادقات. ولنقرأ قوله تعالى في سورة التوبة في وصف المؤمنين بحق والمؤمنات بصدق؛ إذ قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ فلنذكر قوله: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ فهل من الولاية الواجبة التي هي الحب والنصرة أن يرى المؤمن أخاه تاركا معروفا يعاقب على تركه، ولا يأمره به أو يرى أخاه ووليه منغمسا في منكر يخبث نفسه، ويسخط الله تعالى عليه ويتركه؟ والجواب لا، لا، ليس هذا من الولاية بل هو من العداوة هذا أولا. وثانيا: أليس من صفات المؤمنين والمؤمنات أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟ والجواب بلى، وكيف والله يقول في صفاته: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ والرسول يقول: " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان " وأمر أخر وهو عظيم وخطير وذلك أننا إذا تركنا الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لا نتمكن من الهداية ولا نظفر بها أبدا، إذ الدار، أو المجتمع، إذا ظهر بينهم ترك المعروف وارتكاب المنكر لا يلبثون إلا قليلا، وقد عمهم الفساد فتركوا طاعة الله وطاعة رسوله وخبثوا وساءت أخلاقهم وفسدت أحوالهم، وعمهم العذاب والعياذ بالله تعالى. وها هو رسول الله ﷺ يقرر هذه الحقيقة فيقول: " إن الناس رأوا المنكر ولم يغيروه يوشك الله أن يعمهم بعقابه " ولنصغ للترمذى يحدثنا بما يلي: .... عن ابن أمية الشعبانى قال: أتيت أبا ثعلبة الخشنى فقلت له كيف تصنع بهذه الآية؟ قال: أية آية؟ قلت: قول الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ قال: أما والله لقد سألت عنها رسول الله ﷺ فقال: " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا،
следующие страницы →