← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 1211

سراج المريدين فى سبيل الدين

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (2 248 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

أعلاق أندلسية إشبيلية (٤) سلسلة مؤلفات الإمام أبي بكر ابن العربي (٤) سراج المريدين فى سبيل الدين لاستنارة الأسماء والصفات في المقامات والحالات الدينية والدنيوية بالأدلة العقلية والشرعية والقرآنية والسنية وهو القسم الرابع من علوم القرآن في التذكير إملاء إمام الأئمة وزين الملة الفقيه الحافظ النظار أبي بكر محمد بن عبد الله بن محمد ابن العربي المعافري الإشبيلي المتوفى سنة ٥٤٣ هـ ضبط نصه وخرج أحاديثه ووثق نقوله الدكتور عبدالله التوراتي [برنامج السراج]

стр. 2

[برنامج السراج]

стр. 3

﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ أشْبيلْيَة فتحها المسلمون في شعبان سنة ٩٤ هـ على يد موسى بن نصير. سماها بنو أمية حِمصًا على عادتهم في تسمية مدن الأندلس بأسماء مدن الشام. من أعلامها: أبو بكر الزُّبيدي (ت ٣٧٩ هـ)، والإمام الحافظ أبو بكر ابن العربي (ت ٥٤٣ هـ)، والحافظ عبد الحق العروف بابن الخرّاط (ت ٥٨١ هـ)، والحافظ ابن الرّومية (ت ٦٣٧ هـ)،؛ وابن أبي الربيع (ت ٦٨٨ هـ)، وغيرهم كثير. استولى عليها الصليبيون سنة ٦٤٦ هـ، ردَّ الله غربتها.

стр. 4

برنامج السراج وهو: فَاتحتهُ وَطَالِعَتُه وَتَقدِمَتُه وَتَكرِمَتُه نَبَّهَنَا فِيهَا عَلَى جَلِيلِ عِلمِهِ ونَبيلِ فَهمِهِ تَشرِيفًا لمِصَنِّفِهِ وَتعريفًا بِمُصَنَّفِه صَنَعَهُ الدكتور عبد الله التوراتي

стр. 5

كان القاضي أبو بكر مَحسودًا في بلدِه، ويُنسَبُ إلى ما لا يَليقُ به، وهذا الكتابُ فيه عِلمٌ جَمّ، وهو من أعظَمِ تواليفه وأجلِّها. الحافظ ابن دِحية المتوفى سنة ٦٣٣

стр. 6

مباهج الصباحة ومناهج الملاحة الحمد لله رَبِّ العالمين، وبه أستعين، والصَّلاة والسَّلام على سيِّدنا محمَّد؛ قُدْوَةِ المُستبصِرين، وعَلَمِ المُشَمِّرِين، وسِرَاجِ السَّائرين إلى رَبِّ العالمين، وعلى صَحَابَتِه وقَرَابَتِه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدِّين. وبعدُ: ذكرتَ لنا- أعلى الله مقامك- تَهَمُّمَكَ بكُتُبِ الإمام أبي بكر بن العربي ﵁، ومِلْتَ بنا- وقاك الله المَلَل والزَّلَل- إلى ما قَرَعَ سمعك منها، واحتفلتَ في ذِكْرِها، وأنعمتَ في وصفها، وكل الذي ذكرتَ لنا ممَّا خبرناه وأدركناه، وأيقنَّاه وفاتشناه. غير أنك كشفتَ لنا عن طويَّة، ودَللتنا على أمر بغير مثنويَّة، ونبَّهتنا - ومثلك من نحتفي بتنبيهه- إلى عُقُودٍ نَظَمَها في أيَّامه ولياليه؛ مبتغيًا فيها إمامُنا الحافظ الدلالة على معاقد العزم، ومقاصد الفهم، فلذلك أصغينا لحَدِيثك ونَجِيِثك، وأيمُ الله؛ لقد فَأَدْتَ فؤادنا، وأصبتَ ودادنا، وعَمَّ كلامُك شَعَرَنا وبشرنا، واعتمَّ نُطْقُك بجواهر قد علاها، وبفرائد قد روَّاها، والحديث ذو شجون. وسألتنا- أيَّدك الله بأنواره- أن نُحصي لك تواليف القاضي الإمام، ممَّا لم تره أو تسمع به، ممَّا كان له وَقْع في مجالس الدرس والعلم،

стр. 7

ورجوتَ- لا خيَّب الله لك رجاءً- أن ندلك على ما تعقد عليه عزمك وعزيمتك، وأملك وطويَّتك. وأنت في كل ذلك ترجو ما لا يرجوه غيرك، وتخطو ما لا يخطوه سواك، وقد علمنا مُكنتك ومُنَّتك، واقتدارك واعتذارك، فنظرنا في كل هذا الذي قصدتَ إليه، وعوَّلت عليه، فأذكرْتنا أيَّامًا خلتْ، وسنين ذهبتْ، يأتيك بعضُ خبرها في هذه العجالة. ولكنَّنا لا نلج بك إلى تلك الأبواب، ولا نذهب بك إلى تلك المقاصد الكريمة حتى نحدثك حديثًا كنَّا قد ذكرنا بعضه في مجالس سبقتْ هذه المجالس، ولعلك تذكر ما رقمناه في فاتحة قولنا وناشئة حولنا (١)، وما أعقبه من توالي الحمد والمجد (٢)، فلا نخلي مجلسنا هذا من ذِكْرِ بعض ذلك، لما نُعاين من تلك النغمة القَديمة، والنقمة التي أرادها البعضُ أن تكون دِيمة، ولعلك قد فطنتَ لما نرمي إليه، أو نلوي عليه، ومثلُك في قدْرك وشرفك ممن يفهم عنَّا ويُدرك إشارتنا وفحوانا، وتنبيهنا وشكوانا. وخبرُ ذلك أن حَسَدةَ القاضي وشانئيه في كل مكان، وعند كل زمان، وكأنهم من أصلاب من حَسَدَه أوَّلًا، ومَسَدَه أَزَلًا، في كل حقبة منهم بقيَّة، غير نقيَّة، نطفةٌ ألقاها ذلك الهالك في غَيِّه، المعتقَل في جِلْدِه، والمتسربِل في زَيْفِه، الضارب في جنونه، والهادر في مجونه. _________ (١) الإشارة هنا إلى تقدمتنا لكتاب "الأمد الأقصى في شرح أسماء الله الحسنى" لأبي بكر ابن العريى. (٢) الإشارة هنا إلى تقدمتنا لكتاب "المتوسط في الاعتقاد" لأبي بكر بن العربي.

стр. 8

وقد عاينتَ شكوى الإمام الحافظ من أولئك الذين قعدوا له في كل طريق، وعرَّجوا على أذيَّته، وجعلوه غرضًا، ما نقموا منه إلا عِلْمَه واتِّساعه فيه، وحِفْظَه واستبحاره، وتلك سيرتُهم التي ألقاها إليهم حَسَدُهم؛ كلما جاء عالم من المشرق دفعوا في صدره؛ سُنَّتُهم التي ساروا عليها؛ من أيَّام الحافظ الإمام أبي عبد الرحمن بَقِيِّ بن مَخْلَدٍ القرطبي، وكذلك كان أمرهم مع الإمام الحجَّة أبي الوليد الباجي، ثم مع إمام الأئمة وزين المِلَّةِ مولانا أبي بكر القاضي. فإن لم تكن مرتضيًا مقالتنا، فنُذَكِّرُك بهجِّيرَى الإمام، وقد ملأ كتبه بالشَّكوى من أوابدهم، والصدع بفواقرهم؛ لما قاسى معهم من صُنُوفِ التهمة وشُكُولِها. ولو أَخْلَى القاضي منهم كُتُبه لأخليناهم، ولو سكتَ عنهم لسكتنا عنهم، وأنت- أيها المريد- تعرفُ طريقتنا، وتُدرك سيرتنا، وتستيقن طويَّتنا، فإنَّا على طريقته عوَّلنا، وعلى أثره سِرْنَا، فافهم عنَّا ولا تعترضنَا. وذكرتَ لنا أنَّ مَنْ قِبَلك من المتزهدة قد شُغِفُوا بكُتُبٍ ملأها أصحابُها بكل ضعيف لا يَحِل، وساقط يُخِل، وتَطويل يُمِل. وقلتَ: إن بعض أولئك المُتَقَفِّرَة، وبعض أُولاك المُتَفَقِّرَة، قد راموا ما لا يكون، وأَشَفُّوا على أودية الجنون، وإنك رجوتَ من سؤالك لنا أن يكون لك في الجواب عنهم مقنع ودلالة. قلنا: وكأنك تَذْكُرُ "سراج المريدين"؛ فذاك لَفْظُه، وتلك إشارته، أو لكأنك وقفتَ على من عنه نَقَلَ؟

стр. 9

ونعم؛ أي رجل أنت في تمهيدك وحُسن سياقتك، طوَّفت بنا لتبلغ هذا المبلغ، وتصعد إلى هذا المرتقى؛ وإن كان صعبًا، فمثلك ممَّن يُطِيقُه ولا يستصعبه. وذلك أن الإمام الحافظ قد ذَكَرَ في تقدمته لكتاب "السراج" ما ذكرتَ عنه، في نَقْدِه لجِنْسِ المتزهدة والمتصوفة، وكان في ذِكْرِه ذاك قاصدًا إلى التمهيد لعِلْمِ التذكير، الذي سنح خاطرُ خير في التعريج عليه، والعطف إليه، وقَصَدَ إلى استصلاحه ممَّا لحقه من الآفات، ودخله من المُستفاآت، دالًّا الناس على معاقده ومقاصده، مع نَظْمِ الأسماء والصفات، وابتنائها على المقامات، وقد جَمَعَ شتاتها، ونَظَمَ أسلاكها؛ بعد أن كانت الطرائق فيها مشتركة، والمآخذ فيها مشتبكة. ثم كان من حديثنا وحديث الزمان الدلالةُ على محاسن هذا "السراج"، والإشارة إلى مزاينه، والاحتفاء به عند خاصَّة أهل العلم والفهم، ممَّن راضوا طريقة الأحبار، وساروا سيْر الربَّانيِّين الأبرار. ومن هذه المحاسن التي احتوى عليها: حُسْنُ التأليف، وجودة النَّظْمِ، وبراعة الاستهلال، وحسن التخلص والانفصال، وإحكام صنعة الكلام، وإتقانُ معاقد التصنيف. ومنها- كذلك-: الانتقاءُ للأحاديث الصحاح والحِسان، والتأويل المصيب، والفَسْرُ الجلي، والتأويل القوي، والأمثال والحِكَم، والحكايات والأخبار. وفيه من مفاوضة العلماء وملافظتهم، ومداخلتهم ومفاتشتهم.

стр. 10

وفيه من التحرير والتتبع والاستقصاء ما يشهد بعُلُوِّ كعب الإمام، واقتداره على مطاولة أئمة العلم. وفيه- أيضًا- الشِّعْرُ المنتقى، وكلامُ أهل التُّقَى، ومجالس الصوفية والزهَّاد ببيت المقدس وبغداد والشَّام، ومجالس الذِّكْرِ والابتهال والتضرع بمكَّة المعظَّمة والمدينة المقدَّسة. وفيه تراجمُ الأعيان، وأخبار أئمة الزمان، والتحقيق في مسائل الخلاف، والنكت والفوائد، وأخبار الرحلة، وكُتب ابن العربي، وكُتب مشيخته، وغيره من البدائع. وهذا "السراج" من الدلائل على سَعَةِ حِفْظِ الإمام، فهو من إملائه، وفيه ما يدل على استقرائه وإحاطته بالسنة النبوية، ومعرفة الأبواب والتراجم، وفيه ما يدل على استبحاره، وأنه من أهل الاستقراء التام والإحصاء العام، والحفظ الوسيع المنقطع النظير، وفيه من دلائل نبوغه ومخايل شفوفه ما يقضي له بالتجِلَّة والتكرمة. وكل هذا الذي تَلَوْنَاهُ عليك قد ذكرناه في تقدمتنا لهذا الكتاب العظيم، ومهَّدناه في فصول عديدة، ومباحث سديدة، ومسائل متكاثرة، وأقطاب متواترة، قصدنا فيها إلى الكشف عن معاقد النباهة والارتقاء، ومرابط النجابة والانتقاء. وقد قام إخراجُنا لهذا "السراج" على أصول عَشْرٍ، انتقيناها وانتخبناها، ويمَّمنا من أجل تحصيلها شَطْرَ الخزائن العامَّة والخاصَّة؛ مفتشين ومُنَقِّبِين، وسائلين أهل الاختصاص، ممَّن لهم جولان في هذا

стр. 11

الميدان، وممَّن عُرفوا بالمعرفة التامَّة في هذا العلم، فسألناهم وذاكرناهم، حتى وقعنا على مطلوبنا ومرغوبنا. واختلفتْ تلك الكرائم العَشْرُ في نباهتها وجودتها، وعَتاقتها ووَثاقتها؛ أندلسيّها ومغربيّها، وشرقيّها وغربيّها، ومن هذه الأصول ما كان عليه خط الإمام الحافظ أبي بكر؛ بالقراءة والسماع، ومنه ما كان منتسخًا من أصول تلاميذه الأوفياء، ومنه ما كان من جملة كُتُبِ الخزانة السلطانية العلويَّة الشريفة، ومنه ما خطَّه أئمة العلم وحفَّاظ الإسلام، مع طُرَرِهم وتعليقاتهم؛ بالتصحيح والإشادة، وبذل الإجادة والإفادة. وعوَّلنا في ضبطنا لنَصِّه وتحريرنا لحروفه وكَلِمِه على ما درجنا عليه في كُتُبِنا السَّوالف؛ من الاستيثاق والاستيقان، والتمهل والتروي، والقصد إلى مصنفات الإمام الحافظ، فبها كنا نستعين، وعليها كنا نعوِّل؛ خصوصًا عند إظلام النسخ. وقد ضَمَّ هذا الكتاب حديثًا كثيرًا، قارب أن يبلغ ألفي حديث، ومثلها من الآثار عن الصحابة والتابعين، لهذا لم نُطِلْ في التخريج والعَزْوِ، وشَرَطْنا على أنفسنا أن نُنَبِّه على ما ضَعُفَ من الحديث، بأيسر عبارة وأوضحها، وقد نذكر أقوال النقاد في تلك الأحاديث، أو نُحِيل على موضعها وموردها. ودَلَّ هذا الجَمْعُ العظيم من تلك الأحاديث على احتفاء الإمام ابن العربي بالآثار، وتعويله في تصنيف كتابه على سيرة رسول الله ﷺ في التزكية والزهد، ثم على سيرة الصحابة- رضوان الله عليهم- من بعده،

стр. 12

فتلك المعرفة هي التي سدَّدته، وتلك الصفة هي التي أيَّدته، فصَدَرَ كَلَامُه عن تحقيق، ولم يَحِدْ عن سواء الطريق. وفي تخريجنا لتلك الأحاديث اعتنينا بالكُتُبِ التي يُسَمِّيها الإمامُ ابن العربي بمِعْصَمِ الإسلام وكَفِّه؛ الموطأ، والصحيحين، وسنن الترمذي والنسائي وأبي داود، وهي الكُتُبُ الستة التي عليها المعوَّل، وعلى أحاديثها مدار العلم والفقه والدِّين. ثم صنعنا لهذا "السراج" برنامجًا، مُؤتَمِّينَ في ذلك بصنيع إمام زمانه في علوم العربية واللسان أبي فهر محمود محمَّد شاكر- يرحمه الله-، في تقدمته لكتاب "طبقات فُحُولِ الشعراء"، فسمَّيناها باسمه، ورسمناها برسمه، ووَسَمْناها بوَسْمِه. وقد ذَكَرْنَا في هذا "البرنامج" زَمَنَ تأليف "السراج"، وموضوعه وفنَّه الألصق به، وبواعثَ إملائه، ثم عُجنا إلى ذِكْرِ مَزَايِنِه، وتعديد محاسنه، وهي كثيرة جِدًّا، حَزْرًا وعَدًّا، وفيه من أخبارِ ابن العربي في رحلته، وفي مقامه بين أهل بلدته، وما ناله منهم، وما رجاه من غيرهم، وفيه حديث طويل عن مشيخته السِّراجيَّة، ومجالسه الأَنْوَارِيَّة، مما لا يوجد في ديوان آخر. وذكرنا من جملة فصول تَقْدِمَتِنا نظامَ ترتيب "السراج" وأساس تقريبه، وهو فصل لم نُسبَق إليه، ولم نُزْحَمْ عليه، وفيه كَشَفْنَا عن نَمَطِ ترتيبه ومحجَّة تأليفه، وطريقة ابتناء الأسماء على المقامات، والمناسبة بين كل اسم واسم، مع الدلالة على أمثالها، والتنبيه إلى أشكالها.

стр. 13

ومن فصول هذا "البرنامج" مصادرُ الإمام ابن العربي في "سراجه"، وقد أَحصيناها إحصاءً، وذَكَرْنَا منها الجَمَّ الغفير، وأَطَلْنَا في ذلك؛ بيانًا لقَدْرِ هذا "السراج"، وفيه من كُتُبِ التفسير، ودواوين الحديث والآثار، وتصانيف التصوف والتزكية والمواعظ، وأَسْفَارِ التواريخ، والتوحيد، واللغة والغريب، والشعر؛ الكثير الكثير. وألحقنا بهاته المصادر المجالسَ التي أفاد منها الإمام الحافظ- رضوانُ الله عليه-، وفيها الكثير من التحقيق، وكانت عادة الإمام تقييد ما يسمع في تلك المجالس في "أوراق المياومة"، وقد انتفع بها كثيرًا في تآليفه، وربما أحال عليها، أو أشار إليها. وقد ذَكَرْنا- أيضًا- من أفاد من هذا "السراج" من جمهرة أهل العلم، وكان احتفالُنا بأعيانهم ومفاريدهم، فنَظَمْناهم على الطبقات، واجتلبنا من مصنفاتهم ما رقموه أو نقلوه، وذكرنا إجلالهم للكتاب، وتعويلهم على مسائله، وتنويههم بمباحثه، آية على ارتفاع "السراج"، وآية على اقتدار مُسْرِجِه. ثم كان اعتناؤنا بتتبع حَمَلَةِ "السراج" ونَقَلَتِه، وكَتَبَتِه ونَسَخَتِه، ومُلَّاكِه، ومُحَشِّيه، ومختصريه، واللَّاهِجِينَ به، والذَّاكرين له، والمعتنين به، على رَسْمِ الاختصار، من غير إطالة أو إسهاب. ولم نر أن نُخْلِي هذا "البرنامج" من فَصْلٍ ترجمناه باسم "نَقَدَةِ السراج"، ذَكَرْنَا فيه بعض ما انتُقد عليه، وهو نَزْرٌ قليل، وذَكَرْنَا بعض أوهام أهل العلم والفهم في نَقَدَاتهم، وغالبُها مبناه على عدم التنبه لاصطلاح ابن العربي في "سراجه".

стр. 14

ثم ألحقنا بجُمْلَةِ النَّقَدَةِ- وإن كان ليس منهم- الشيخ أحمد الغماري؛ فيما زعمه نَقْدًا على "سراج المريدين"، ونَقَلْنَا عنه فواقر ومفاقر، وكوائن وأَوافن، حمله على قَوْلها والتفوه بها حِقْدُه القديم وحَسَدُه الدفين للإمام أبي بكر بن العربي- رضوان الله عليه-، وقد رماه بالعظائم، واجترأ عليه كعادته مع الأكابر، وقد أوردنا من تلك الدواهي كل ما وقفنا عليه في مجموعاته وأوضاعه ورسائله، وكثير منها من جملة المخطوط الذي أخفاه شيعتُه؛ لمَّا علموا شناعته وبشاعته، ومع إخفائهم له ظَلُّوا مُرَدِّدِينَ لما زعموه تحقيقًا، ومُثَرْثِرِينَ بما خالوه تدقيقًا، وليس هنالك إلا السِّباب والكِذاب. وقد قَرَفَهُ بما لم يَقْرِفْهُ به أَحَدٌ من العالمين، فرماه بالنَّصْبِ وبُغْضِ آل البَيْتِ الأشراف، وهي شِنشنة قديمة، سار عليها الغماري بعد أن تلبَّس بدِينِ الروافض، واتَّخذ مقالاتهم شِعَارًا، وبِدَعَهم دِثَارًا، ولم يكن إمامنا أبو بكر الوحيد الذي قَذَفَه بهذه النَّزْعَةِ الباطليَّة، والنَّزْغَةِ الباطنيَّة، فقد رَمَى أئمة الإسلام العِظام بذلك، فقال في حق الإمام المبجَّل أحمد بن حنبل - رضوانُ الله عليه-: "يُعَدُّ نُوَيْصِبِيًّا" (١)، وقال في إمام الدنيا في الحديث أبي عبد الله البخاري- يرحمه الله-: "لا يخلو من رائحة نَصْبٍ" (٢)، وكذلك قال في أبي الوليد الباجي وابن حزم الظاهري، وغيرهما. _________ (١) ذَكَرَ ذلك في رسالة له إلى أَحَدِ مُرِيدِيه، وعندي مصوَّرة لها عن الأصل الذي بخطه. (٢) المداوي: (١/ ٣٩٢).

стр. 15

فلم نَرَ- بعد جراءته وقِحَّتِه على أئمة الإسلام- أن نُخْلِيَ كتابنا هذا من نَقْدِه، وقد انكشف لنا- بعد تتبع ما رَقَمَه- أن الرجل مُدَلِّسٌ كبير، ومُفْتَرٍ خطير، وأنه لم يكن مُوَفَّقًا في جُلِّ ما اعترض به كلام الإمام الحافظ أبي بكر بن العربي- رضوان الله عليه-، وأنه لم يكن له من قَصْدٍ إلا ما سوَّلته له نفسه، ولم يكن له من غرض إلَّا الحط من مرتبة الإمام أبي بكر، وهو في كل ذلك يُسِرُّ حَسْوًا في ارتغاء، يحاول- عَبَثًا- أن يهزأ بإمام عظيم، شرَّقت تواليفه وغرَّبت، وصارت قُطْبَ رحى مجالس العلم والدرس والتفقه. وسيرى القارئ الكريم والدارس الفَهِم التكفير الصريح للإمام الحافظ من قِبل هذا الغماري، وسيرى ما حَكَمَ به عليه من أحكام مُلِظَّاتٍ، وأخرى مضحكات، ولكنه ضَحِكٌ كالبُكَا؛ وليَزِنَ كل ذلك بميزان العلم والتُّقَى، ولينظر في أي باب يوضع هذا الرجل، ومعه تواليفه التي هي تَنايف مَتالف، محفوفة بحتوف ومخاوف. ولم يكن لنا من غَرَضٍ إلا الذب عن هذا الحافظ الإمام، ولم يكن لنا من قصد إلا إحقاق الحق وإبطال الباطل، وإني لأرجو من عملي هذا أن يُنِيلني الله به المنزلة الأسمى والمرتبة الأسنى، وحسبي أن أكون في زُمْرَةِ الذابِّين والمنافحين عن أعراض الأئمة الأعلام. ثُمَّتَ صَنَعْنَا فهارس للكتاب زادت على العشرين، أفردناها في سِفْرٍ وسيع، وديوان حافل، يُعين على معرفة الكتاب لمن استطوله، ويُيسر للباحثين والدارسين الانتفاع به، وإن كانت الفهارس لا تغني عن المطالعة

стр. 16

والمعاينة والقراءة، وقد تعبنا فيها غاية، وأنفقنا فيها عظيمًا من أوقاتنا؛ وعند الله الأجر الجزيل. ولا بد من ذِكْرِ جَمْعِ من أهل العلم كان لهم فَضْل يُذكر ويُشكر، فبعونهم- بعد عون الله تعالى وتأييده- كان هذا الكتاب، فأَذْكُرُهم لما لهم من حَقٍّ عَلَيَّ، وهم: الأستاذ العلَّامة المحقق الدكتور سيِّدي أحمد شوقي بِنْبِين؛ محافظ الخزانة السلطانية- صانها الله تعالى-، أشكره على جميل تعاونه، وعظيم تَيْسِيره، فله عليَّ أيادٍ بيضاء، وله مِنِّي خالص الوُدِّ، ورفيع التقدير، وجزاه الله عن التراث والعلم خير الجزاء. الأستاذ البحَّاثة الأديب المقرئ سيِّدي محمد صالح المَتْنُوسِي؛ أخي وصاحبي، فقد نَهَدَ بتخريج أشعار "السراج"، وضَبَطَ أوزانها وبحورها، فكان نِعْمَ العون في تحقيق شِعْرِ الكتاب، ونِعْمَ السَّند في تَذْلِيلِ كثير من الصِّعَابِ، حفظه الله للعلم والعلماء، وجعله من أصفيائه وأحبَّائه. الأستاذ البحَّاثة المحقق سيِّدي عبد العزيز السَّاوْرِي، خبير المخطوطات والوثائق بوزارة الثقافة، أشكره على فوائده الحِسان التي يُتحفني بها، وأشكره على تعاونه وتصاونه، وجزاه الله خير الجزاء على كل ما بذله في سبيل إخراج هذا "السراج". الأستاذ البحَّاثة الشريف سيِّدي خالد السباعي؛ صاحب دار الحديث الكتَّانية، أشكره على ما يسَّره لي، ولا أنسى أفضاله عليَّ وعلى تراث الإمام ابن العربي، جزاه الله خير الجزاء، ونفع به في هذا البلد الأمين.

стр. 17

"وأنا أَحْمَدُ الله على ما يسَّر من ذلك، مع توارُد الموانع، وازدحام القواطع، وتضافُر الصَّادف والمانع، وكثرة الضار وقلة النافع، وأعوذ بالله من أن أَدْعُوَ إليه وأَفِرَّ عنه، وأُذَكِّرَ به وأنساه، ويرزقني وأعبد سواه، وأسأله المعافاة مما يضطر إلى تقصير في حقه، والعصمة من أن يجعلني عِبْرَةً لخَلْقِه، وأن يُوزِعَني الشكر على ما كفاني وآواني، ولا يجعل أحدًا أسعد منِّي بما آتاني، وأَمُدُّ إليه يَدَ الرغبة- عَنِّي وعنكم- في بَذْلِ غُفرانه، وإحلال رِضوانه، وآخِرُ دعوانا أن الحمد لله رَبِّ العالمين، والسَّلَامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه" (١). وكتبه الدكتور عبد الله بن عبد السَّلام التَّوْرَاتِي في شهر ربيع النَّبَوِي من عام ١٤٣٨ هـ بتطَّاون- حماها الله تعالى- قاعدة العلم بشمال المغرب الأقصى _________ (١) خاتمة سراج المريدين: (٤/ ٤٥٥).

стр. 18

القَانُونُ في معرفة "سراج المريدين"

стр. 19

وأَذْكُرُ فيه زَمَنَ إملاء "السراج"، وبواعثَ ذلك، وموضوعَه وفَنَّه الألصق به، ومحاسنَه ومزاينَه، ونظامَ تقريبه وأساسَ ترتيبه، ومواردَه ومصادرَه، ورُوَاتَه وحَمَلَتَه وكَتَبَتَه، وغَيْرَ ذلك ممَّا يتعلَّق بهذا الباب.

стр. 20

زَمَنُ إملائه

стр. 21

قال الإمامُ ابنُ العربي في خاتمة الأحكام: "كَمُلَ القول المُوجَزُ في التوحيد، والأحكام، والناسخ والمنسوخ؛ من عريض بيانه، وطويل تبيانه، وكثير برهانه، وبقي القَوْلُ في علم التَّذْكِيرِ؛ وهو بَحْر ليس لمدِّه حَدٌّ، ومجموعٌ لا يَحْصُرُهُ العَدُّ" (١). وكان إملاؤه لكتاب "الأحكام" في قرطبة، بعد هجرته إليها عام ٥٢٩ هـ، فأملى فيها كُتُبًا عدة، منها "القبس"، وكان ذلك عام ٥٣٢ هـ (٢)، ومنها "الأمد الأقصى"، ومنها "شرح الترمذي"، و"قانون التأويل"، وكان ذلك عام ٥٣٣ هـ، وكان شروعه في إملاء "الأحكام" بعد انتهائه من كتاب "الناسخ والمنسوخ" (٣). غير أن شُرُوعَه في "عِلْمِ التذكير" لم يكن بقرطبة، وإنَّما كان في بلده إشبيلية، بعد عودته إليها، وتأخرُ إملاء "السراج" ممَّا يبعث على التنقير عن أسباب ذلك وبواعثه. وخَبَرُ ذلك: أنَّ ابن العربي كان قد عاد إلى بلده إشبيلية عام ٥٣٤ هـ، وذكرنا ذلك في مقدمتنا الدراسية لكتاب "الأمد الأقصى" (٤)، وذكرنا حُجَّتَنَا ودليلنا في خصوص هذه المسألة، ثم كان من أمر ابن العربي أن استُدعي إلى أغمات، فكان فيها عام ٥٣٥ - ٥٣٦ هـ (٥)، ولا ندري شيئًا عن هذا _________ (١) أحكام القرآن: (٤/ ١٩٩٨). (٢) القبس: (١/ ٦٧)، وفهرس الحَجْري: (ص ٩٥). (٣) الناسخ والمنسوخ: (٢/ ٤١٥). (٤) مقدمة الأمد الأقصى: (١/ ٢٦). (٥) سراج المريدين: (١/ ٧٢).

стр. 22

الاستدعاء، ولا عن ماهيته وبواعثه، غير أنه قد ظهر لي أَمْرٌ يمكن أن يكون قريبًا بعض الشيء من حقيقة الحال، وهو: أن استدعاء ابن العربي كان مرتبطًا بخبر الدعوة التُّومَرتية التي اقتربت من الإجهاز على مُلْكِ المُلَثَّمِينَ، فاستدعي للمشاورة في هذه القضية، وذلك للنظر في كيفية تحصين المجتمع والدولة المغربية من هذا التيار الجارف الذي يقوده أتباع ابن تومرت؛ ومعهم جيوشهم وجحافلهم، ولأن ابن العربي قد خالط الفِرَقَ بالمشرق، وكان أكثر مقارعته لفرقتين منهم: الظاهرية والباطنية، ولمَّا كان ابن تومرت قد خَلَطَ في عقائده بين مقالات تينك الفرقتين، وأضاف لهما بعضًا من مقالات القدرية والمتفلسفة؛ كان لابد من تصنيف ينقض معتقداتهم ومناهجهم، وهذا الذي يفسر تأليفه لكتاب "العواصم من القواصم" بعد عودته إلى إشبيلية من أغمات، وذلك عام ٥٣٦ هـ (١)، وهي السنة نفسها التي ابتدأ فيها بإملاء "سراج المريدين". ومع أن "سراج المريدين" من أواخر مصنفاته؛ إلَّا أنه أحال عليه في كتبه التي تقدَّمت عليه في التصنيف، ككتاب "العواصم" (٢)، و"ترتيب المسالك" (٣)، و"شرح الترمذي" (٤)، وغيرها. وعادةُ الإمام ابن العربي أنه يرجع إلى مصنفاته بالزيادة والتعديل، ممَّا قد يُوقِعُ بعض الحيرة لمن رام التأريخ لمصنفاته، فيذكر في أوائل كتبه أواخرها، وكذلك فعل في "الرسالة الحاكمة"، فمع أنها من أوائل مصنفاته _________ (١) العواصم: (ص ٣١٤). (٢) العواصم: (ص ٣١٩). (٣) ترتيب المسالك: (٧/ ٤١٠). (٤) شرح الترمذي: (٦/ ٣٩٧).

стр. 23

إلَّا أنه قد ذكر فيها أواخرها، فذكر فيها: "أحكام القرآن" (١)، و"الإنصاف في مسائل الخلاف" (٢). فظهر لنا بعد هذا الذي قدَّمنا أن شروعه في إملاء "سراج المريدين" كان عام ٥٣٦ هـ، ويقرب أن يكون ذلك في شهر محرم أو صفر؛ لأنه ذكر في هذا "السراج" ما يدلُّ على ذلك، قال ابن العربي: "وأمليناهُ عليكم في هذه الأيام في كتاب العواصم" (٣)، وذكر في "العواصم" أنه كان بصدد إملائه في محرم من عام ٥٣٦ هـ (٤)، فهذا يؤكد ما صرنا إليه. وكان انتهاؤه منه عام ٥٣٧ هـ، وإنَّما قلنا هذا لأن تاريخ قراءة "السراج" كانت في هذا العام، في شهر رجب، كما هو مُثْبَت بخطه على السِّفْرِ الثاني من "السراج"، نسخة الفقيه الحافظ عبد الحي الكتاني (٥)، وكذلك هو في نسخة أخرى بقيت منها أوراف، وفي خاتمتها: "بلغت قراءة وعرضًا على أبي ﵁ وهو يُمْسِكُ أصله الذي بخَطِّه حين قراءتي، فتَمَّ بحمد الله ظهر يوم الثلاثاء السَّابع والعشرين من رجب من سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، والحمد لله وحده" (٦)، وهذا التوافق في التواريخ بين النسختين يؤكد ما قلناه، فبعد أن انتهى من إملائه شرع الناس في سماعه عليه، فلا يبعد أن توجد نسخ أخرى ممَّا قرئت على الإمام ابن العربي، ولكنَّنا لم نظفر بها بعد، ولعلها تظهر في مقبل الأيام إن شاء الله . _________ (١) الرسالة الحاكمة في مسألة الإيمان اللَّازمة: (ص ٨٣ - الكتانية). (٢) الرسالة الحاكمة في مسألة الإيمان اللَّازمة: (ص ٧٣ - الكتانية). (٣) سراج المريدين: (٢/ ٤٧٣). (٤) العواصم: (ص ٣١٤). (٥) سراج المريدين: (٢ / ق ١/ أ). (٦) سراج المريدين: قسم الخروم بدار الكتب المصرية.

стр. 24

بواعثُ إملائه

стр. 25

ويُمْكِنُ إجمال هذه البواعث في ثلاثة بواعث: الأوَّل: استدراكُ الخلل الحاصل من جهة فَقْدِه لأنوار الفجر: قال الإمام ابنُ العربي ﵁: "وقد كنتُ أفضتُ في "أَنْوَارِ الفَجْرِ بمَجَالِسِ الذِّكْرِ" في أنواع العلوم الشريفة؛ من التوحيد، والأحكام، ومقامات الأعمال وآفات القلوب والأحوال؛ ما سارت به الرُّكبان، وتعطَّر بأَرَجِه الزمان، وضَعُفَتْ عن تحصيله الأركان، وقُيِّدَ منه ما قُيِّدَ، وشُرِّدَ منه ما شُرِّدَ، واسْتَفَأَتِ الَافاتُ كثيرًا منه، ونَسَفَتْ أَرْوَاحُ النوائب جملةً ممَّا كُنَّا فَرَغْنَا عنه، وكان من أهم ما يُقبَل عليه؛ تقييدُ ما يتعجَّل الخلقُ منفعتَه، فخرج "الأَمَدُ الأقصى في أسماء الله وصفاته" (١)، و"ناسخُ القرآن ومنسوخه"، و"أحكامُه"، و"قانونُ التأويل"، وكتابُ "العواصم"، و"القَبَسُ من أنوار مالك ﵁ في كتابه"، و"العِوَضُ المحمود"، وهو مُفَرَّقٌ عند الناس، وبقي عِلْمُ التذكير المتعلق بالأعمال والمقامات، وسَنحَ خاطرُ خَيْرٍ في العَطْفِ إليه، وجنحت القواطعُ قليلًا عنه، فنسأل الله العون عليه" (٢). فظهر من خلال قول ابن العربي هذا أن أصل كتبه وأساسها هو كتاب "أنوار الفجر في مجالس الذكر"، وأنه لمَّا عصفت به الآفات تلافاه بهذه الكتب التي هي فُصُولٌ من ذلك الأصل، إلَّا كتابًا واحدًا تقدَّم تأليفه له، وهو كتاب "العِوَضُ المحمود" (٣)، وهو من جملة كُتُبِه التي تلفت وتفرَّقت _________ (١) نشر بتحقيق ودراستي في سِفْرَيْنِ بدار الحديث الكتانية، وخرَّج أحاديثه ووثَّق نقوله أخي الأستاذ الباحث أحمد عروبي، وذلك عام ١٤٣٦ هـ / ٢٠١٥ م، في نشرتين اثنتين. (٢) سراج المريدين: (١/ ١١). (٣) ذكره في المتوسط في الاعتقاد- بتحقيقنا-: (ص ٣٧٥)، و"المتوسط" من أوائل كتبه.

стр. 26

بعد وقعة الدَّارِ؛ عند ثورة السِّفْلَةِ عليه، من هَمَجِ إشبيلية ورعاعها وسُوقَتِها وسُقَّاطِها؛ فانتهبوا داره، وأفسدوا كتبه، ولحق الضياع بثمرة رحلته التي ناهزت العشر سنوات. قال الإمام ابنُ العربي ﵁ ذاكرًا أسباب قبوله تَوَلِّي خطة القضاء-: "تَمَكَّنْتُ فيها منها، وعَمِلْتُ ما يَعْلَمه الله تعالى، ولا أَطْلُبُ مَثُوبَةً من سواه؛ مِنْ كَفِّ الظُّلْمِ والاعتداء، وبَثِّ الأَمْنِ، وحِفْظِ الأموال، وكَفِّ الأطماع، والأَمْرِ بالمعروف، والنَّهْيِ عن المنكر، وفَكِّ الأسير، والتَّحْصِينِ على الخَلْقِ بالسُّور، والمساواة في الحق بين الصغير والكبير، حتى أَرِجَتْ أقطاري، ووَقَعَ السَّمَرُ بأخباري، فضَجَّ العُداة، وضَجِرَ الوُلاة، حين صَفِرَ وِطَابُهم من الحرام، وابيضَّتْ صحائفهم من الآثام، فدَسُّوا إلى نَفَرٍ من العامَّة، فثارُوا عليَّ، وساروا إليَّ، فنُهِبَتْ دَارِي، وأُخْفِرَ ذِمَامِي وذِمَارِي، وهُمْ قيامٌ ينظرون، لا يُغَيِّرُون ولا يُنْكِرُون، يرون أن مَسْلَحَةً أجدى عليهم من مصلحة، وعَطَبًا أولى بي من سلامة، فانتثلُوا مالي، واستَفَؤُوا شِعاري ودِثاري، وهَدَمُوا مسجدي وداري .. وتعرَّضوا لنفسي؛ فكفَّ الله تعالى أَيْدِيَهُمْ عَنِّي، ولقد وَطَّنْتُهَا على التَّلَفِ .. وأمسيتُ سَلِيبَ الدَّارِ، ولولا ما سبق من حُسْنِ المقدار لكنتُ قَتِيلَ الدَّارِ" (١). وظهر من قوله: "سليب الدار"؛ أنه أُخِذت بعض كتبه التي كانت بخزانته، وفقد منها بعض مؤلفاته، منها: "أنوار الفجر"، و"العوض المحمود"، وغيرها، وفيها ما جلبه من رحلته المشرقية، ومنها ما لم يسبقه أَحَد إلى إدخاله إلى عدوة الأندلس، يؤكد هذا قوله بعد ذلك: "فإنه لمَّا _________ (١) سراج المريدين: (١/ ٢٦ - ٢٧).

стр. 27

ذُهِبَ ببعضها عند فَيِّ الدار؛ أَسِفْتُ لها ولمَا مضى من أمثالها، ممَّا لا أجبره إلَّا بالرحلة مرة أخرى" (١). وكذلك قولُه في موضع آخر من كُتُبِه: "قد ذكرنا في كتاب النبي- ﷺ أسماءَه وجميع متعلقاته، وختمناها بمعجزاته وغزواته، وذكرنا له ألف معجزة، وذكرنا من أسمائه فيها عِدَّةً، سَلَبَتِ النوائبُ بعضها" (٢). وكذلك قولُه ﵁: "قد كنا أملينا فيه في كتاب أنوار الفجر في عشرين عامًا ثمانين ألف ورقة، وتفرَّقت بين أيدي الناس، وحصل عند كل طائفة منها فَنٌّ، وقد ندبتهم إلى أن يجمعوا منها ولو عشرين ألفًا، وهي أصولها التي يُبنى عليها سواها، وينظمها على علوم القرآن الثلاثة؛ التوحيد، والأحكام، والتذكير، إذ لا تخلو آيةٌ منه- بل حرف- عن هذه الأقسام الثلاثة" (٣). وظهر بهذا أن ما ضاع من كتاب "أنوار الفجر" تلافاه بهذه المجموعات التي هي جزء من كتابه الكبير، و"أنوارُ الفجر" قد ضَمَّ في تضاعفيه هذه العلوم الثلاثة؛ كما يأتي بعد هذا إن شاء الله، فالحاجةُ إلى سَدِّ الخلل الداخل عليه في مؤلفاته أداه إلى تخصيص قِسْمٍ لهذا العلم؛ "علم التذكير". _________ (١) سراج المريدين: (٤/ ٤٠٥). (٢) القبس: (٣/ ١٢٠٠). (٣) القبس: (٣/ ١٠٤٨)، وينظر: قانون التأويل: (ص ٣٦١).

стр. 28

الثاني: إتمامُ مشروعه العِلْمِي قال الإمام ابنُ العربي ﵁: "وبقي عِلْمُ التذكير المتعلق بالأعمال والمقامات، وسَنَحَ خاطرُ خَيْرٍ في العَطْفِ إليه، وجنحت القواطعُ قليلًا عنه، فنسأل الله العون عليه" (١). وقد تقدَّم أن العلوم عند ابن العربي ثلاثة (٢)، وهي: "عِلْمُ التوحيد"، و"عِلْمُ الأحكام"، و"عِلْمُ التذكير"، ويدخل عليها عِلْم آخر، وهو: "عِلْمُ الناسخ والمنسوخ"، وهو نَوْعٌ من عِلْمِ الأحكام، ومُشَاكِلٌ له، غير أنه لما كان جُزْءًا من كُلً أفرده ابنُ العربي بالتصنيف، كما أفرده من تقدَّمه من فقهاء الأمَّة، فتبقى تلك العلوم- كما ذَكَرَ- ثلاثة. ففي العِلْمِ الأوَّل: صنَّف ابنُ العربي كتبه الاعتقادية، "العَقد الأصغر"، و"العقد الأوسط" (٣)، و"العقد الأكبر" (٤)، و"شرح المشكلين"، و"معجزات رسول الله- ﷺ "، و"تنبيه الغبي على مقدار النبي- ﷺ "، وغيرها. وفي العِلْمِ الثاني: صنَّف "أحكام القرآن"؛ الصغرى والكبرى. وبقي العلم الثالث: وهو "عِلْمُ التذكير"، فلم يصنف فيه ابن العربي كما صنَّف في العلوم الأخرى المتقدمة، وسَنَحَ خاطرُ خَيْرٍ في التعريج عليه، والاهتبال به؛ لإتمام ما شرع فيه من تواليفه وتصانيفه. _________ (١) سراج المريدين: (١/ ١١). (٢) ينظر: قانون التأويل: (ص ٢٣٠). (٣) هو كتاب: "المتوسط في الاعتقاد"، نُشِرَ بتحقيقنا وعنايتنا بدار الحديث الكتانية، عام ١٤٣٦ هـ / ٢٠١٥ م. (٤) هو كتاب: "المقسط في شرح المتوسط".

стр. 29

فعلى هذا تكون الرغبة في إتمام معالم هذا النظر والفكر هي الدافعة للإمام ابن العربي إلى الشروع في هذا التصنيف، مع النظر فيما يلائمه ويحتاجه، وهي أشياء قائمة بنفسه، وخواطر ناهضة بقلبه، وله فيها بدائع تحتاج إلى زمانها لتجد موضعها وموقعها؛ كما هو الشأن مع سابقاتها في كتبه السَّالفة. وعند التحقيق: نرى أن الباعثيْن متداخلان، فالثاني جُزْءٌ من الأوَّل، والأول ممَّا يصح أن يندرج في الثاني، وإنَّما نَوَّعْنَا التقسيم لما مهَّد له الإمام ابنُ العربي بذِكْرِ ما فُجِعَ فيه يوم الدَّارِ، وما غلب عليه من سوء الأشرار، وما كان من عاقبته؛ في مَدِّ أيديهم إلى كتبِه وبنات أفكاره وزواهر عمره، فناسب أن نذكر ما ذَكَرَ، وأن نقف معه حيث وَقَفَ. الثالث: تخليص علم الزهد والتزكية من الدواخل والمعاطب وهناك أمر ثالث يصح أن يُعْتَبَرَ؛ وهو رغبة ابن العربي في تمييز كُتُبِ الزهد والتذكير ونَخْلِها، وتمحيص الصحيح من زائفها، والمليح من سَيِّئِها، وقد تقدَّمه قوم إلى تلك المسالك، ورأى ما قامت عليه كتبهم، وما بنوا عليه مصنفاتهم؛ فأراد أن يكون في كتابه غير ما في كُتُبِ من تقدَّمه، وأن يتجنَّب زللهم وسَقَطَهم، حتى يكون قائمًا بالخطة التي رضيها لنفسه؛ خِطَّةِ الدلالة على الله؛ توحيدًا وتذكيرًا، وإحكامًا وإتمامًا، ويأتي مزيدُ بَيَانٍ لهذه الكتب الزهدية في فصل مصادر "السراج".

стр. 30

موضوعُه وفَنُّه الألصقُ به

стр. 31

قد قدَّمنا أن هذا العلم قد ترجمه ابنُ العربي باسم "التذكير"، ولم يشأ أن يُسَمِّيَهُ كما سمَّاه الناس من قبله، وقد سمَّاه قوم باسم "الزهد"، وعند آخرين باسم "المواعظ"، وعند غيرهم باسم "التصوف"، وعند أقوام آخرين مندرج هذا في فَنِّ "الرقائق"، وهكذا، وكُلّ قوم من المذكورين لهم اختيارهم، ولهم ما يستروحون إليه عند اعتراض المعترضين عليهم، والغرضُ الأساس من كل هذه التسميات أن يكون هناك نَوْعُ مطابقة بين الترجمة والكلام المنثور في تضاعيفه، مع الوفاء بشرط هذا العلم، والانتهاض بقواعده وخصائصه. قال الإمام ابنُ العربي ﵁: "ويدخلُ في علم التذكير: الوعد والوعيد، والجنة والنار والحشر، وتصفية الباطن والظاهر عن أخلاط المعاصي" (١). وقال أيضًا: "وهذه "الرسالة" هي مُجَرَّدَةٌ في قِسْمِ الذِّكْرَى؛ فإنَّ من معرفة النفس معرفةَ الأسماء والصفات؛ في الأحوال والمقامات" (٢). وقال ﵁: "وتَزْكِيَةُ النفس وتطهيرُها والخروجُ عن آفاتها بالقَلْبِ والجَوَارحِ عِلْمٌ مُحْكَمٌ في القرآن والسنة، وهو نِصْفُ العِلْمِ من جهة، إذ العِلْمُ وَجْهَانِ؛ معرفة الخالق، ومعرفة الخَلْقِ" (٣). _________ (١) قانون التأويل: (ص ٢٣٠). (٢) سراج المريدين: (٢/ ٥٣). (٣) سراج المريدين: (٢/ ٥٣).

стр. 32

وقال أيضًا: "النَّوْعُ الثالث: عِلْمُ التذكير، وهو مُعْظَمُ القرآن؛ فإنه ينبني على معرفة الوعد والوعيد، والخوف والرجاء والقُرْبِ، والذنوب وما يرتبط بها ويدعو إليها ويكون عنها" (١). فأدخل الإمام ابنُ العربي في هذا العلم بعض فصول النوع الأوَّل، وهو "علم التوحيد"؛ فمسائل الوعد والوعيد، وما يعقبها أو يتعلَّق بها إنما هي مندرجة في أبواب السَّمعيات، وهي الباب الرابع من أبواب الاعتقاد؛ لهذا أدخل في هذا الكتاب ما يتعلَّق بالعَرْضِ، والحساب، وعذاب القبر، والشفاعة، والبعث والنشور؛ لما يعقب ذلك من معرفةٍ في قلب العبد ومن الذِّكْرِ والذِّكْرَى، ولما له من أَثَرٍ على فعل العبد واعتماله، وكذلك ما يتعلق بالجنة والنار، ونعيم الأولى وعذاب الأخرى، وما ورد في ذلك من أحاديث وآثار. وإنَّما سمَّاه تذكيرًا لما فيه من التنبيه على غفلات العبد، ولما فيه من التذكير بمزالق الأقدام، ولمَا قد يطال المرء من تقادم العهد الذي أُخذ عليه فيه الذِّكْرُ، فابنُ العربي هنا مُذَكِّرٌ الناس بمنازل المتقين، مُحَذَرٌ لهم من مهاوي الغافلين، مُنْذِرٌ لهم من دركات عذاب الجحيم، مُبشِّرٌ لهم بكرامات رب العالمين لأصفيائه وأحبَّائه. وكان منطلقه من قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥]، وقد رأينا أنه وَسَمَ هذا العلم- أيضًا- باسم "الذِّكْرَى"، لما تشتمل عليه من العِظَةِ، ولما تُحِيلُ على لوازمها ومتعلقاتها؛ _________ (١) قانون التأويل: (ص ٣٣٠).

стр. 33

لأن التذكير قائم على معرفة النفس في ذاتها وصفاتها، وانتقالاتها في أحوالها، وابتدائها وانتهائها (١). ومَرْتَبَةُ التذكير إنَّما كانت بالأساس لمولانا رسول الله سيدنا مُحَمَّدٍ ﷺ ، إذ خاطبه ربه قائلًا: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١]، وهي المرتبة التي رَغِبَ فيها الإمام ابنُ العربي، أن يكون مُذَكِّرًا لقومه؛ بما علَّمه الله من العلم، وهاديًا لهم؛ بما فتح له من أبواب الفضل. وقد جعل ابنُ العربي أساس هذا العلم قائمًا على تزكية النفس والخروج عن آفاتها، وجعل هذا الوجه وهذا النوع نصف العلم، لأن العلم وجهان: معرفة الخالق، ومعرفة الخلق، ففي الوجه الأوَّل ألَّف كتابه "الأمد الأقصى"؛ ليتحقق للعبد معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله، والوجه الآخر هو هذا، قِسْم خاص بالذِّكْرَى، يقول فيه: "وانتَدبنا الآن مُسترشِدين لربنا مُستوهِبين منه الهداية، من البداية إلى النهاية، حتى نَبْلُغَ الغرض، ونَقْضيَ المُفترَض، إلى ذِكْرِ صفات العباد الذين اصطنعهم الله تعالى لخِدْمَتِه، واصطفاهم لجواره في جَنَّتِه، وأفاض عليهم من سَعَةِ رحمته" (٢). ووفَّى في كتابه "السراج" بما شَرَطَ على نفسه، فذَكَرَ من خصال الصالحين ومحامد المتبتِّلين ما يقضي بالعجب، ليدل الناسَّ على خير طريق، وليرشد المتشوفين إلى أرباب الذِّكْرِ والعهد، مع التولُّه بأخبار العابدين، ومكارم الزاهدين، ومنازل القاصدين. _________ (١) قانون التأويل: (ص ٢٤١). (٢) سراج المريدين: (١/ ١٣).

стр. 34

وظهر لنا من هذا الذي قدَّمناه أن اختياره لهذا اللفظ الشريف- وهو: التذكير- اختيارٌ قائم على معنى معتبر، أَلَا وهو التعلق بأهداب القرآن العظيم، وهو أشرف الذِّكْرِ وأعلاه، ولاحَظَّ لمن حُرِمَ من التبصر في معناه وفحواه، ولا حظ لمن حُرِمَ من التدبر لآيِه وعباراته وإشاراته، مع الوقوف عند حدوده وأوامره، ومناهيه وزواجره، فكان هذا الاختيارُ مشاكلًا لما عكف عليه ابن العربي عُمْرَه، وأنفق فيه زهرةَ أيَّامِه، وأَبْهَجَ أعوامِه، معتنيًا بالذِّكْرِ، قائمًا بحق الفِكْرِ، غوَّاصًا على درره، مُنَقِّرًا عن جواهره، فمال عن كُلِّ لَفْظٍ مُحْدَثٍ؛ يراه غير مفيد لما أراده، أو مُنْقِصٍ لما هو بسبيله. وهناك مسائل يحسن تتبعها لتجلية أمر هذا الكتاب، وتجلية طريقة ابن العربي فيه، بدءًا بالتسمية؛ مع ما بقي من متعلقاتها، وانتهاءً بالحال التي كان عليها ابنُ العربي في رياضة نفسه، مع ما أعقبه من زهد واعتمال، وهي مسائل ثلاثة: المسألة الأولى: كيف نظر علماء التصوف إلى "سراج المريدين"؟ من أوائل من أدرجه ضمن كتب التصوف والوعظ الإمام الخُزَاعِي ت ٧٨٩ هـ، فذكره ضمن مصادر كتابه "تخريج الدلالات السمعية" (١)، وذكر معه كتاب "الإحياء" (٢) و"الرسالة" (٣)، فيكون هذا الكتاب على رأيه من كُتُبِ التصوف؛ وذلك لما فيه من تَعَرُّضٍ لمقامات العُبَّادِ، وطرائق الزُّهَّادِ، _________ (١) تخريج الدلالات السمعية: (ص ٧٩٣). (٢) تخريج الدلالات السمعية: (ص ٧٩٣). (٣) تخريج الدلالات السمعية: (ص ٧٩٣).

стр. 35

مع ما فيه من مباحث متعلقة بأحوال النفس، ومسالك تزكيتها وتصفيتها، من غير أن يكون داخلًا فيما دخل فيه أربابُ التصوف؛ إذ الكتاب فيه مفارقة لكثير من معالم التأليف الصوفي، كما سنبين بعد ذلك. ولكنَّ الإمام أحمد زَرُّوق البُرْنُسِي ت ٨٩٩ هـ لم ير أن يُدْرِجَه ضمن مؤلفات الصوفية، ورآه بعيدًا كل البعد عن نَفَسِهم ونهجهم، فقال: "وللمُحَدِّثِ تَصَوُّفٌ حام حوله ابنُ العربي في سِرَاجِه"، وسببُ ذلك: أن ابن العربي لم يَبْنِ كتابه على مناهج المتصوفين، ولم يَرْعَ ما يراعونه في تواليفهم، وفَوَّقَ بسهامه نحو غُلَاتِهِمْ، وقصد إلى أئمة التصوف كالمُحاسبي والقُشَيري والغزالي؛ فردَّ كثيرًا من أقوالهم، ونَقَدَ عديدًا من مقالاتهم، فلهذا لم يَرَ الصوفيةُ هذا الكتاب مندرجًا في مؤلفاتهم، ولا مُعَوِّلًا على درجاتهم، فخَفَتَ ذِكْرُه في كتبهم وغاب، واستحال في أحيان كثيرة أن ترى مُعَرِّجًا منهم عليه، أو ملتفتًا إليه. وممن عَدَّ "سراج المريدين" ضمن كُتُبِ المتصوفة الفقيه أحمد التَّادِلِي تـ ١٠١٣ هـ، في كتابه "المُعَزَّى في مناقب الشيخ أبي يعزى"، قال فيه: "ألَفَ أبو بكر بن العربي كتابًا في التصوف خصوصًا، سمَّاه سراج المريدين؛ مائلًا في أكثره للحديث" (١)، وما ذكره هنا قريبٌ ممَّا سبق نقله عن محتسب الصوفية ببلاد المغرب الفقيه أحمد زَرُّوق، وهو ناهل منه، مُعَوِّلٌ عليه، هذا الذي يبدو، وقد ذكر التادلي بعده ما يفيد ذلك (٢). _________ (١) المُعَزَّى في مناقب الشيخ أبي يعزى: (ص ٣٢٤). (٢) المُعَزَّى في مناقب الشيخ أبي يعزى: (ص ٣٢٤).

стр. 36

ولكنَّ بعض من اشتغل بالتصوف واعتنى به من المتأخرين كان لهم نَحْوُ مَيْلٍ إلى عَضْدِ مقالاتهم ومقاماتهم بما وَرَدَ من ذِكْرٍ وإشادة في كتاب "سراج المريدين"، فكانوا يستروحون إليه، وينزعون بدليله فيما يؤيد ما يذهبون إليه، وأحيانًا يكون هذا الاستشهاد قاصرًا عن المراد، غير مقصود من الإمام ابن العربي، ولكنِ الملتقطُ لما يخدم مذهبَه، والباحثُ عمَّا يؤيد مشربَه؛ يهتبل بما يَرِد، ويغفل عما قُصِد، ومن أمثلة ذلك ما ورد عند الفقيه العلَّامة ابن خَجُّو الحسَّاني ت ٩٥٦ هـ (١) في رسالته "ضياء النهار، المُجَلِّي لغمام الأبصار، في نصرة أهل السنة الفقراء الأخيار"، ويأتي مزيدُ ذِكْرٍ له في فَصْلِ المفيدين من "السِّرَاجِ". وكذلك ذَكَرَهُ الفقيه العلَّامة عبد الكبير بن محمد الكتَّاني تـ ١٣٣٣ هـ، على منوال ابن خَجُّو، في الاستشهاد والاعتضاد؛ ناقلًا ما نقله، وذاكرًا ما ذكره، وبعض ما نقلاه لا يؤيد ما ذهبَا إليه، كما يأتي مزيدُ تفصيل له في فصل المفيدين من "السِّرَاجِ". وأمر آخر أذكره قد يفيد بعض الشيء فيما نحن فيه؛ وهو أن الفقيه أبا عبد الله السَّاحِلِي تـ ٧٥٤ هـ نَصَّ في "بغية السالك" على أن من الأسانيد المعوَّل عليها في التربية عند المغاربة إسناد أبي بكر بن العربي (٢)، وذكر الإسناد، وهو: "أبو بكر بن العربي عن أبي حامد عن أبي المعالي عن أبي طالب المكي عن الجُنَيد" (٣). _________ (١) ينظر: سلوة الأنفاس: (٢/ ١٦٧)، وفي الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين لمحمد حَجِّي (٢/ ٤٦٢): أنه توفي حوالي ٩٨٥ هـ. (٢) بغية السَّالك: (٢/ ٥٥٣). (٣) بغية السَّالك: (٢/ ٥٢٢ - ٥٢٣).

стр. 37

قلت: وهذا إسناد فيه انقطاع بين الجُوَيني وأبي طالب، وكذلك بينه وبين الجُنَيد، فلا ينبغي التعويل عليه. المسألة الثانية: مذهبُ ابن العربي في التصوف والصوفية شُهِرَ عن الإمام ابن العربي أنه مُجَانِبٌ لطرائق المتصوفة، مُبَايِنٌ لهم، حَاطٌّ من أقدارهم، غير راض عن سيرتهم، وهو قَوْلٌ أشاعه من أشاعه لأغراض، هي في الحقيقة أوصاب وأمراض، ونأتي في فصلنا هذا على ذِكْرِ ما يفيد غير ما انتشر، ونعطف عنان الكلام لنُظهر هذا الذي يخالف سيرة الناس اليوم، ونُبَيِّنُ جلالة المتعبدين عنده، وموقعهم في نفسه، وما خُصُّوا به في هذا "السراج"؛ من عَلِيِّ المنزلة، ومَلِيِّ المرتبة، ونجعل هذه المسألة في فرعين اثنين: الفرع الأوَّل: في معرفة ابن العربي بمذاهب الصوفية قال ابنُ العربي: "أَفْنَيْتُ عظيمًا من الزمان في طريقة الصوفيين، ولقيتُ رجالاتهم في تلك البلاد أجمعين، وما كنتُ أسمع بأحد يُشار إليه بالأصابع، أو تُثنى عليه الخناصر، أو تُصيخ إلى ذِكْرِه الآذان، أو ترفع إلى مَنظرته الأحداق؛ إلَّا رحلتُ إليه قَصِيًّا، أو دخلتُ إليه قريبًا" (١). وقال أيضًا: "يعلم الله، وتشهد لي كُتُبِي ومسائلي وكلامي مع الفرق؛ بأني جِدُّ بَصِيرٍ بأغراضِ القومِ ومقاصدهم" (٢). _________ (١) قانون التأويل: (ص ١٢٠). (٢) قانون التأويل: (ص ٢٥٣).

стр. 38

وقال في تفسير أهل الإشارة: "ولم أزل أطلبُ هذا الفن في مظانه، وفي مراجعة شيوخه فيه؛ حتى وقفتُ على حقيقة مذهبه" (١). فظهر بهذا أن الإمام ابن العربي عارف بمذاهب المتصوفة، عالم بطرائقهم، مُمَيِّزٌ لمقالاتهم، مُدْرِكٌ لمقاماتهم، وذلك إنمَّا تأتَّى له بمخالطته للقوم، ومصاحبته لرؤسائهم، وقد كان منهم جماعة لا يُحْصَوْنَ ببيت المقدس وأكنافه؛ من العابدين والعاكفين، والمرابطين والمجاورين، اجتمعوا من أقاصي الأرض ليعبدوا ربهم في المسجد الأقصى، ولقي منهم خَلْقًا من تلامذة أبي القاسم القُشَيْرِي، منهم: أبو سعد محمد بن طاهر الزَّنجاني الشهيد تـ ٤٩٢ هـ، ومنهم؛ أبو بكر الطُّرْطُوشي تـ ٥٢٠ هـ، وهو شيخه الذي فتح له أبواب العبادة والعناية أيَّام مقامه ببيت المقدس. قال ابنُ العربي في شأن صُحْبَتِه لشيخه أبي بكر الطُّرْطُوشِي: "لقد كُنَّا نخرج من المسجد الأقصى مع شيخنا أبي بكر الفِهْرِي في جملة الأصحاب على الفُتُوح، أقل ما تكون خمسة، وأكثره خمسون، فندور على قبور الأنبياء، ونجول في قُرَى الشام المجاورة المدة الطويلة، قرى ظاهرة مباركة، آمنين فرحين، يُغْدَى علينا ويُرَاحُ بما نحتاج إليه، ونحن نقطع من روضة إلى روضة، ومن متعبَّد إلى متعبَّد، وكذلك سائر الناس من متفقهة وصوفية" (٢). وهي سيرةٌ أقرب ما يكون إلى سيرة الصوفية، وفيها معالم بارزة من معالم طريقتهم، الدلالة على الله، وعدم التعويل على الزاد، وحسن _________ (١) قانون التأويل: (ص ١٩٧). (٢) سراج المريدين: (١/ ٨٣).

стр. 39

التوكل، والثقة بعطاء الله وفضله، مع العبادة والتبتل والانقطاع إلى الله تعالى، وهذا الذي كان يقصده ابن العربي بخصوص معرفته بمقالات القوم ومقاماتهم، ومقاصدهم وأغراضهم، وما كان ليكون ذلك لولا هذه الصحبة الطيبة، والمرافقة الكريمة، وأعانه على ذلك حِرْصٌ وتَهَمُّم مُتَّقِدَانِ، جعلاه يقف على منتهى مرامهم، ومرتقى طلبهم. وقال في شأن مصاحبته للعبَّاد والزهَّاد: "لقد عَبَدْنَاهُ في المسجد الأقصى- طهَّره الله- ثلاثين شهرًا، في ثلاثة أحوال؛ مع أُمَمٍ من العابدين والعاكفين والعَالِمين، نحوًا من ثلاثة آلافٍ مَعْلُومِين، حَصَدَتْهُمُ السيوف في غَدَاةٍ واحدة" (١). وحُقَّ له بعد هذه الصحبة أن يكون عارفًا بهم، مُطَّلِعًا على أغراضهم، وحُقَّ له أن يكون بصيرًا بمسالكهم وطرائقهم على صعوبتها، وقد كان من بلد لا ينظر إلى هؤلاء الناس بعين الرضى، ممَّا سَبَّبَ الوحشة من مقالاتهم، والرِّيبَةَ في مقاماتهم، فلم يمحهما عنده إلَّا بهذه الخلطة والصحبة، ثم آبَ إلى نفسه وقد عرف أَفضالهم وإِفضالهم. وأَمْرٌ آخر أعانه على ذلك؛ وهو مباحثته لكُتُبِ القوم، ومعرفته بمصادرهم ومواردهم، وفي ذلك يقول الإمام ابن العربي: "كنتُ وقفتُ على كثير من كُتُبِه، ممَّا جمعه أربابُ الذِّكْرَى، الذين أوَّلهم المُحاسبي، وآخرهم القُشَيري" (٢). _________ (١) سراج المريدين: (١/ ٢٠). (٢) سراج المريدين: (١/ ١٢).

стр. 40

وحديثه هنا عن الإمامين المحاسبي والقشيري دَالٌّ على أن التصوف الذي يرتضيه هو تصوف هذين ومن سلك مسالكهما، وآخِرُهم المنظور إليه بالإمامة هو أبو القاسم، وفي ذلك إيماءٌ إلى أنه لم يجد بعده من تُرتضى طريقته، وأنَّ من رام شيئًا من هذا العلم فعليه بكُتُبِ هذا الرجل، فهو قُطْبُ قومه، وسَيِّدُ ناسه، ويأتي التعريف ببعض هذه الكتب في فصل مصادر "السِّرَاجِ"، وفيها نَذْكُرُ وَزْنَ هذه الكتب وأثرها في هذا الكتاب، وما قَبِلَه منها وما زَيَّفَه، ونذكر طريقة تحملها، ومعيار تفاضلها. الفرع الثاني: ثناءُ ابن العربي على الصوفية وذِكْرُه لمناقبهم قال الإمام ابنُ العربي ﵁: "ولقد رأيتُ في هذه الطائفة أعيانًا جِلَّةً، يَفْخَرُ بهم على سائر المِلَلِ أَهْلُ هذه المِلَّةِ؛ عِلْمًا وقَصْدًا، وحُسْنَ سَمْتٍ وتُؤَدَةً، وتَبَتُّلًا لله، وخشيةً وزُهْدًا في الدنيا، وكرامات كثيرة" (١). وبهذا يكون الإمام ابن العربي مُعَظِّمًا للصوفية، ومُنْزِلًا لهم منزلتهم التي تليق بهم، ذاكرًا لهم خِلالهم وخصالهم التي تميَّزوا بها عن غيرهم، حتى جعلهم الإمامُ إحدى مفاخر هذه الأمة التي يُفْخَرُ بها على سائر الأمم السَّابقة، وذَكَرَ من جميل صفاتهم ما يقضي لهم بالتَّجِلَّةِ والتَّكْرِمَةِ. ثم قال: "إنهم كسائر الطوائف من أصناف العالمين؛ فإنَّ فيهم الغَثَّ والسَّمين، والصالح والطالح" (٢). _________ (١) سراج المريدين: (١/ ١١٣). (٢) سراج المريدين: (١/ ١١٣).
следующие страницы →