Полный текст (2 248 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
ولكنَّ بعض من اشتغل بالتصوف واعتنى به من المتأخرين كان لهم نَحْوُ مَيْلٍ إلى عَضْدِ مقالاتهم ومقاماتهم بما وَرَدَ من ذِكْرٍ وإشادة في كتاب "سراج المريدين"، فكانوا يستروحون إليه، وينزعون بدليله فيما يؤيد ما يذهبون إليه، وأحيانًا يكون هذا الاستشهاد قاصرًا عن المراد، غير مقصود من الإمام ابن العربي، ولكنِ الملتقطُ لما يخدم مذهبَه، والباحثُ عمَّا يؤيد مشربَه؛ يهتبل بما يَرِد، ويغفل عما قُصِد، ومن أمثلة ذلك ما ورد عند الفقيه العلَّامة ابن خَجُّو الحسَّاني ت ٩٥٦ هـ (١) في رسالته "ضياء النهار، المُجَلِّي لغمام الأبصار، في نصرة أهل السنة الفقراء الأخيار"، ويأتي مزيدُ ذِكْرٍ له في فَصْلِ المفيدين من "السِّرَاجِ".
وكذلك ذَكَرَهُ الفقيه العلَّامة عبد الكبير بن محمد الكتَّاني تـ ١٣٣٣ هـ، على منوال ابن خَجُّو، في الاستشهاد والاعتضاد؛ ناقلًا ما نقله، وذاكرًا ما ذكره، وبعض ما نقلاه لا يؤيد ما ذهبَا إليه، كما يأتي مزيدُ تفصيل له في فصل المفيدين من "السِّرَاجِ".
وأمر آخر أذكره قد يفيد بعض الشيء فيما نحن فيه؛ وهو أن الفقيه أبا عبد الله السَّاحِلِي تـ ٧٥٤ هـ نَصَّ في "بغية السالك" على أن من الأسانيد المعوَّل عليها في التربية عند المغاربة إسناد أبي بكر بن العربي (٢)، وذكر الإسناد، وهو: "أبو بكر بن العربي عن أبي حامد عن أبي المعالي عن أبي طالب المكي عن الجُنَيد" (٣).
_________
(١) ينظر: سلوة الأنفاس: (٢/ ١٦٧)، وفي الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين لمحمد حَجِّي (٢/ ٤٦٢): أنه توفي حوالي ٩٨٥ هـ.
(٢) بغية السَّالك: (٢/ ٥٥٣).
(٣) بغية السَّالك: (٢/ ٥٢٢ - ٥٢٣).
стр. 37
قلت: وهذا إسناد فيه انقطاع بين الجُوَيني وأبي طالب، وكذلك بينه وبين الجُنَيد، فلا ينبغي التعويل عليه.
المسألة الثانية: مذهبُ ابن العربي في التصوف والصوفية
شُهِرَ عن الإمام ابن العربي أنه مُجَانِبٌ لطرائق المتصوفة، مُبَايِنٌ لهم، حَاطٌّ من أقدارهم، غير راض عن سيرتهم، وهو قَوْلٌ أشاعه من أشاعه لأغراض، هي في الحقيقة أوصاب وأمراض، ونأتي في فصلنا هذا على ذِكْرِ ما يفيد غير ما انتشر، ونعطف عنان الكلام لنُظهر هذا الذي يخالف سيرة الناس اليوم، ونُبَيِّنُ جلالة المتعبدين عنده، وموقعهم في نفسه، وما خُصُّوا به في هذا "السراج"؛ من عَلِيِّ المنزلة، ومَلِيِّ المرتبة، ونجعل هذه المسألة في فرعين اثنين:
الفرع الأوَّل: في معرفة ابن العربي بمذاهب الصوفية
قال ابنُ العربي: "أَفْنَيْتُ عظيمًا من الزمان في طريقة الصوفيين، ولقيتُ رجالاتهم في تلك البلاد أجمعين، وما كنتُ أسمع بأحد يُشار إليه بالأصابع، أو تُثنى عليه الخناصر، أو تُصيخ إلى ذِكْرِه الآذان، أو ترفع إلى مَنظرته الأحداق؛ إلَّا رحلتُ إليه قَصِيًّا، أو دخلتُ إليه قريبًا" (١).
وقال أيضًا: "يعلم الله، وتشهد لي كُتُبِي ومسائلي وكلامي مع الفرق؛ بأني جِدُّ بَصِيرٍ بأغراضِ القومِ ومقاصدهم" (٢).
_________
(١) قانون التأويل: (ص ١٢٠).
(٢) قانون التأويل: (ص ٢٥٣).
стр. 38
وقال في تفسير أهل الإشارة: "ولم أزل أطلبُ هذا الفن في مظانه، وفي مراجعة شيوخه فيه؛ حتى وقفتُ على حقيقة مذهبه" (١).
فظهر بهذا أن الإمام ابن العربي عارف بمذاهب المتصوفة، عالم بطرائقهم، مُمَيِّزٌ لمقالاتهم، مُدْرِكٌ لمقاماتهم، وذلك إنمَّا تأتَّى له بمخالطته للقوم، ومصاحبته لرؤسائهم، وقد كان منهم جماعة لا يُحْصَوْنَ ببيت المقدس وأكنافه؛ من العابدين والعاكفين، والمرابطين والمجاورين، اجتمعوا من أقاصي الأرض ليعبدوا ربهم في المسجد الأقصى، ولقي منهم خَلْقًا من تلامذة أبي القاسم القُشَيْرِي، منهم: أبو سعد محمد بن طاهر الزَّنجاني الشهيد تـ ٤٩٢ هـ، ومنهم؛ أبو بكر الطُّرْطُوشي تـ ٥٢٠ هـ، وهو شيخه الذي فتح له أبواب العبادة والعناية أيَّام مقامه ببيت المقدس.
قال ابنُ العربي في شأن صُحْبَتِه لشيخه أبي بكر الطُّرْطُوشِي: "لقد كُنَّا نخرج من المسجد الأقصى مع شيخنا أبي بكر الفِهْرِي في جملة الأصحاب على الفُتُوح، أقل ما تكون خمسة، وأكثره خمسون، فندور على قبور الأنبياء، ونجول في قُرَى الشام المجاورة المدة الطويلة، قرى ظاهرة مباركة، آمنين فرحين، يُغْدَى علينا ويُرَاحُ بما نحتاج إليه، ونحن نقطع من روضة إلى روضة، ومن متعبَّد إلى متعبَّد، وكذلك سائر الناس من متفقهة وصوفية" (٢).
وهي سيرةٌ أقرب ما يكون إلى سيرة الصوفية، وفيها معالم بارزة من معالم طريقتهم، الدلالة على الله، وعدم التعويل على الزاد، وحسن
_________
(١) قانون التأويل: (ص ١٩٧).
(٢) سراج المريدين: (١/ ٨٣).
стр. 39
التوكل، والثقة بعطاء الله وفضله، مع العبادة والتبتل والانقطاع إلى الله تعالى، وهذا الذي كان يقصده ابن العربي بخصوص معرفته بمقالات القوم ومقاماتهم، ومقاصدهم وأغراضهم، وما كان ليكون ذلك لولا هذه الصحبة الطيبة، والمرافقة الكريمة، وأعانه على ذلك حِرْصٌ وتَهَمُّم مُتَّقِدَانِ، جعلاه يقف على منتهى مرامهم، ومرتقى طلبهم.
وقال في شأن مصاحبته للعبَّاد والزهَّاد: "لقد عَبَدْنَاهُ في المسجد الأقصى- طهَّره الله- ثلاثين شهرًا، في ثلاثة أحوال؛ مع أُمَمٍ من العابدين والعاكفين والعَالِمين، نحوًا من ثلاثة آلافٍ مَعْلُومِين، حَصَدَتْهُمُ السيوف في غَدَاةٍ واحدة" (١).
وحُقَّ له بعد هذه الصحبة أن يكون عارفًا بهم، مُطَّلِعًا على أغراضهم، وحُقَّ له أن يكون بصيرًا بمسالكهم وطرائقهم على صعوبتها، وقد كان من بلد لا ينظر إلى هؤلاء الناس بعين الرضى، ممَّا سَبَّبَ الوحشة من مقالاتهم، والرِّيبَةَ في مقاماتهم، فلم يمحهما عنده إلَّا بهذه الخلطة والصحبة، ثم آبَ إلى نفسه وقد عرف أَفضالهم وإِفضالهم.
وأَمْرٌ آخر أعانه على ذلك؛ وهو مباحثته لكُتُبِ القوم، ومعرفته بمصادرهم ومواردهم، وفي ذلك يقول الإمام ابن العربي: "كنتُ وقفتُ على كثير من كُتُبِه، ممَّا جمعه أربابُ الذِّكْرَى، الذين أوَّلهم المُحاسبي، وآخرهم القُشَيري" (٢).
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ٢٠).
(٢) سراج المريدين: (١/ ١٢).
стр. 40
وحديثه هنا عن الإمامين المحاسبي والقشيري دَالٌّ على أن التصوف الذي يرتضيه هو تصوف هذين ومن سلك مسالكهما، وآخِرُهم المنظور إليه بالإمامة هو أبو القاسم، وفي ذلك إيماءٌ إلى أنه لم يجد بعده من تُرتضى طريقته، وأنَّ من رام شيئًا من هذا العلم فعليه بكُتُبِ هذا الرجل، فهو قُطْبُ قومه، وسَيِّدُ ناسه، ويأتي التعريف ببعض هذه الكتب في فصل مصادر "السِّرَاجِ"، وفيها نَذْكُرُ وَزْنَ هذه الكتب وأثرها في هذا الكتاب، وما قَبِلَه منها وما زَيَّفَه، ونذكر طريقة تحملها، ومعيار تفاضلها.
الفرع الثاني: ثناءُ ابن العربي على الصوفية وذِكْرُه لمناقبهم
قال الإمام ابنُ العربي ﵁: "ولقد رأيتُ في هذه الطائفة أعيانًا جِلَّةً، يَفْخَرُ بهم على سائر المِلَلِ أَهْلُ هذه المِلَّةِ؛ عِلْمًا وقَصْدًا، وحُسْنَ سَمْتٍ وتُؤَدَةً، وتَبَتُّلًا لله، وخشيةً وزُهْدًا في الدنيا، وكرامات كثيرة" (١).
وبهذا يكون الإمام ابن العربي مُعَظِّمًا للصوفية، ومُنْزِلًا لهم منزلتهم التي تليق بهم، ذاكرًا لهم خِلالهم وخصالهم التي تميَّزوا بها عن غيرهم، حتى جعلهم الإمامُ إحدى مفاخر هذه الأمة التي يُفْخَرُ بها على سائر الأمم السَّابقة، وذَكَرَ من جميل صفاتهم ما يقضي لهم بالتَّجِلَّةِ والتَّكْرِمَةِ.
ثم قال: "إنهم كسائر الطوائف من أصناف العالمين؛ فإنَّ فيهم الغَثَّ والسَّمين، والصالح والطالح" (٢).
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ١١٣).
(٢) سراج المريدين: (١/ ١١٣).
стр. 41
وقوله هذا دليلُ عَدْلِه وإنصافه؛ فإنه لم يأخذهم بجريرة البعض، بل ذَكَرَ أن فيهم ما في غيرهم من الطوائف، من المتكلمين، والمتفقهين، والمحدثين، وغيرهم من أهل العلوم المِلِّيَّةِ، فيهم الصالح والطالح، وكذلك هم، فيهم السَّابق بالخيرات، وفيهم المقتصد، وفيهم دون ذلك، ولكن العبرة بصفاء الأصل، وسلامة المنهج، وهو الذي يُفَسِّرُ نَقْدَه لمن نَقَدَه، ونَقْضَه لما نَقَضَه، فالأصلُ أن يُجعل كل كلام في موضعه، مع سباقه ولحاقه وسياقه، ومعه سلامة الوزن، والتعفف عند الحكم، وغير هذا المسلك فهو طريقٌ مَخُوفٌ، ودونه مفاوزُ وحُتُوفٌ.
وقال ابن العربي في ملازمة المدارس والرباطات: "وهي مختصة ببعض البلاد دون بعض، وهي بأن يَقْوَى على طلب الفقه؛ فيدخل المدارس الموقوف عليها الأحباس لأرزاق الطلبة، فيَدْأَبُ في طلب العلم ويلزم الدرس، فيجري عليه رِزْقُه مُيَاوَمَةً في الخبز، ومُشاهرة في القُوت للأُدُمِ، أو ينقطع إلى الرِّباطات مع الصوفية؛ فيجري عليه رِزْقُ الصوفية، وتَأَتِّي الغَداء والعَشاء إن كان مُفْطِرًا، أو العَشاء إن كان صائمًا، ويجتمعون عليه ويأكلون بأدب عظيم وحالة حسنة، وكذلك كان حال تلك الأرض؛ من باب بغداد إلى أقصى خراسان، واتفق ذلك بجُود الملوك وسَمْحِ الأغنياء؛ فإنهم يبنون المدارسَ والرِّبَاطَاتِ، ويُوقِفُونَ عليها العقارات، ويَسْتَدِرُّونَ منها في كل وقت فائد الغلَّات، فيجد الطالب للعلم مأوًى، ولا يعدَم المُقْبِلُ على الله المُعْرِضُ عن الدنيا رِزْقًا" (١).
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ٦٠ - ٦١).
стр. 42
وفي كلامه هذا ما يدل على تعظيمه للصوفية، وفيه تأثر كبير بطريقتهم، فيُوصِي من عجز عن القوت من العابدين أن يندرج في سلكهم، وأن يكون له موضع في رباطاتهم، إن كان يريد التبتل والاجتهاد.
المسألة الثالثة: زُهْدُ ابن العربي وتَأَلُّهُه
كان لرحلة ابن العربي أعظم الأثر في تَشَرُّبِه لطريقة المُتَزَهِّدَةِ، وكان في مصاحبته لهم ومفاتشته لشيوخهم ما أعانه على تفهمه لمقاصدهم، وتفطنه لأغراضهم، وهو يرى اهتبالهم بالذِّكْرِ، واعتناءهم بالعبادة، وانقطاعهم عن الخلق، وأُنسهم بالأعمال الصالحة؛ أُمَم من الناس، جاءت من شرق الأرض وغربها، مرابطة مجاورة، وهو أَمْر لم يعهده في بلاد المغرب والأندلس، ولم يكن حال هؤلاء كما انتشر في بعض أصقاع المغرب؛ من إقبال العامة على ذلك، بل رأى أكابر العلماء والفقهاء والمحدثين والمتكلمين وهم في تبتلهم وعكوفهم على القُرَبِ، بل رأى من النساء العالمات من قد رابطن بالمسجد الأقصى؛ يَتَعَلَّمْنَ العِلْمَ، ويَتَقَفَّرْنَ الذِّكْرَ، وهذا شيء لم يكن في بلاد المغرب، فكان كل هذا داعيًا لهذا الإمام أن ينظر في هذا الذي يفعلون، وأن يرى لنفسه معهم موضعًا يهتبل فيه بما اهتبلوا به، فما ترك غارًا أو غُوَيْرًا، ولا مُتَعَبَّدًا أو جَبَلًا، ولا قرية أو واديًا؛ إلَّا وعبد ربَّه فيه، مع أُمَمٍ من العابدين والعاكفين والعالمين (١).
قال ابنُ العربي: "وكان الطُّرْطُوشِي يقول لنا: هل لكم في أن نخرج بأنفسنا، ونتبتَّل إلى ربنا، ونعلوَ ظهر جبل نجعله دارنا، ونلتزم فيه العبادة
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ٢٠).
стр. 43
حَجْرَةً عن الخلق، ونَبْذَةً من الناس؟ فكنتُ أقول له: إذا حَصَّلْتُ ما أؤمِّل من العلم كنتُ لك صاحبًا في هذا الغرض" (١).
وهذه رغبة صادقة من ابن العربي في التبتل والانقطاع عن الخلق، وكان قد عاهد الإمام أبا بكر الطرطوشي على ذلك، لكنه لم يتأتَّ له ذلك بعد أن حَلَّ الطرطوشي عزيمته، ورضي بما هو فيه من حال، خصوصًا بعد خروجه من بيت المقدس ونزوله بالثغر السكندري، وهي أرض غير الأرض، وفيها ناس غير الناس.
وفي ذلك يقول ابنُ العربي: "والذي ظهر إليَّ أنَّ شيخنا أبا بكر ﵀ لم يكن له عزيمة على هذه القصة؛ فإن من أرادها لم يحتج فيها صاحبًا، إلَّا الذي يتبتَّل له، أو كانت له في ذلك نيَّة، ولكن بمحبته في العلم كان يريد صاحبًا يتعالم معه ويتذاكر، لما في ذلك من اللذَّة الشرعية.
فكُنَّا ارتبطنا أن يكون ذلك بعد أعوام؛ نُحَصِّلُ فيها نحن مُرَادَنا من العلم، فلمَّا كان بعد ثلاثة أعوام اجتمعت معه بالثغر، وقد زال عن تلك الطريقة؛ من لباس العباءة، والاقتصار على الطعام الجَشِبِ، والنوم على المضجع القضيض، وإهمال النظر في المعاش، إلَّا ما جاء على الفُتُوحِ، ولَبِسَ الرقيق، وأَكَلَ المُلَوَّقَ، ونام على الفراش الوثير.
فقلت له: ما هذا الذي تعاهدنا عليه!
فقال: ما طلبناه؛ ولكن لمَّا جاء من وجهه قَبِلْنَاهُ.
_________
(١) سراج المريدين: (٤/ ٤٣٢).
стр. 44
فبقي على الخُلطة في زهده وعبادته حتى افترقنا، وكذلك كان فيما بلغني؛ حتى مات على خير طريقة، والله يكتب له أمانه، وويُبَوِّئُه جِنانه، ويُلحقه رضوانه، بفضله ورحمته" (١).
وكان الإمام أبو بكر الطرطوشي ممَّن راض نفسه بطريقة الصوفية، حتى بلغ به الحال أن يدخل فيما يدخلون فيه من الوصال في الصوم، قال ابنُ العربي: "وقد كان شيخُنا أبو بكر الفِهْرِي رَاضَ نفسه على الوصال على مذهب الصوفية بالمسجد الأقصى -طهَّره الله-، فصام من يوم السبت، وأفطر يوم الأربعاء، وأُرَى أنه يَضْعُفُ عن خِدْمَةِ العلم بالمدارسة والمذاكرة فتَرَكَهُ" (٢).
وهو خبر ينفرد به الإمام ابنُ العربي في حديثه عن شيخه، ولم نقف له على أثر في ديوان آخر، وهو يُظهر تأثر الطرطوشي بمسالك المتصوفة أيَّام مقامه ببيت المقدس -طهَّره الله-، فمع أمثال هؤلاء كان ابنُ العربي؛ فأورثه ما قدَّمنا عنه من اجتهاد واعتمال.
وقال ومبيِّنًا لسيرته في بيت المقدس مع جماعة العبَّاد والزهَّاد: "ولقد كنَّا نخرج مع أبي بكر الفِهْرِي الصُّوفِي شَيْخِنا، فنمشي في مشاهد الأنبياء ورباطات الأصفياء؛ الأيام والأشهر، في جَمْع الطلبة، نَقِيلُ بمَنْهِل، ونبيت على منزل، في تُحَفٍ كثيرة، وخيرات معدَّدة مردَّدة، ثم نعود إلى المسجد الأقصى، ثم نخرج إذا طاب الهواء، وغرَّد المُكاء، وانتهى جريان الماء في الأغصان إلى الاستواء" (٣).
_________
(١) سراج المريدين: (٤/ ٤٣٤).
(٢) سراج المريدين: (١/ ٨٠).
(٣) سراج المريدين: (٣/ ٣٤٤).
стр. 45
وكان لهذه الخلال ولما عُرِفَ عنه من أولياء الله المُخْلَصِينَ، وشَهِدَ له بالعِرْفَانِيَةِ غير واحد، منهم الفقيه الحافظ محمد بن جعفر الكتاني تـ ١٣٤٥ هـ، وعَدَّهُ ضمن صلحاء فاس الفقيه ابنُ عيشون ت ١٠٤٠ هـ (١)، وبَعْضُهم جعله من جملة أولياء الحضرة الفاسية (٢)، إلَّا أن بعضهم نفى عنه أن يكون من أهل الباطن والخصوص، كما هو متعارف عليه عند القوم، وهي منزلة لا يتشوَّف إليها ابنُ العربي، حسبه أن يكون من أهل الظاهر والعموم؛ الذين يحفظون رسوم الشريعة، ويعرفون قوانينها، فيقف حيث وقف به الدليل، ولا يجري مع كل فرقة في كل سبيل، فحسبه هذه المرتبة، ويا لها من منقبة!
قال الفقيه محمد بن جعفر الكتاني: "وكفاه ذلك خصوصية وولاية، ومكانة ومنزلة وعناية" (٣).
ومما يدل على زهد ابن العربي وارتفاعه في الصلاح قوله ﵁-بعد حضوره مجلس ابن الحدَّاد الأصفهاني-: "فَوَالعَظِيم الكريم العزيز الرَّحيم العَلِيِّ الحكيم الذي ابتلاني بكم بعدهم، وجعلني بَدَلًا منهم معكم، ما انفصلتُ عن ذلك المجلس إلَّا والدنيا قد خَرَجَتْ من قلبي، فما دَخَلَتْهُ إلى اليوم" (٤).
فتَنَخَّلَ لنا من هذا الذي قدَّمنا في هذه المسائل: أنَّ ابن العربي عابد زاهد، وأنه عارف بمذاهب المتصوفة؛ عالم بطرائقهم، بصير بمقالاتهم،
_________
(١) الروض العطر الأنفاس بأخبار الصالحين من أهل فاس: (ص ٣٢٢ - ٣٢٣).
(٢) سلوة الأنفاس: (٣/ ٣١٣).
(٣) سلوة الأنفاس: (٣/ ٣١٣).
(٤) سراج المريدين: (٣/ ٣٤٣).
стр. 46
خبير بمقاماتهم، وهو مع هذا مُعَظِّم لهم، مُوَقِّر لمشيختهم، ولم يمنعه تعظيمه لهم من نقدهم، وتبيان دَخَنِهم ودَخَلِهم، قيامًا بواجب النصح، ونهوضًا بالعهد الذي أخذه الله على أُولِي العِلْمِ.
стр. 47
مَحَاسِنُه ومَزَايِنُه
стр. 48
وقد تضمَّن هذا "السراج" محاسن كثيرة، وفوائد جمَّة، وفيها ما لا يوجد في غيره؛ من فصول متعلقة بسيرته، وملامح من رحلته، وما رامه وقصده، وما حصَّله ورصده، وفيه من أخبار مشيخته الشيء الكثير، ومن مروياته التي لم يسبق لها ذِكْرٌ في ديوان آخر، وفيه أسانيده المنتقاة، وبدائعه العظمى، وأنظاره الجليلة، مع استطراد إلى أخبار المشرق، وموازنة له بأحوال الأندلس، مع العلوم المبثوثة، والفهوم المنحوتة، وغيرها مما نذكره في مسائل هذا الباب، ونكتفي فيه بلُباب اللباب، وقد جعلته في أقطاب، وكل قطب في فصول، وكل فصل في مباحث، إلى أن ينقضي النظر المتعلق بهذا الباب، والله الموفق لما نحن بسبيله.
القطب الأول: سيرةُ ابن العربي وأخبارُ رحلته
وأذكرُ فيه ما ذكره ابنُ العربي عن نفسه، وما لقيه من أهل بلده، وما ناله منهم من حسد، وما كان من انتزائهم على داره وكتبه، وعبثهم بها، وإفسادهم لها، وكذلك ما ذكره من سيرته في رحلته، وأخبار تنقلاته، وما رآه وسمعه، وما قضى بالعجب منه؛ ممَّا لم يألفه أو لم يعاينه إلَّا في أقطار المشرق.
الفصل الأوَّل: سيرته وأحواله
وهي في مباحث، مرتبة على ترتيب ورودها في "السراج"، مع الإبانة عنها باختصار لا يُخِلُّ بالمراد.
стр. 49
المبحث الأول: ضياع كتبه
وأوَّل ما يجده القارئ لكتابه هذا حديثُه عن كُتُبِه التي عصفت بها رياح الفتن وأهواء الآفات، ليذكر لنا خبرًا عن فجيعته ببنات أفكاره وزواهر عمره، قال ﵁: "وقد كنتُ أفضتُ في "أَنْوَارِ الفَجْرِ بمَجَالِسِ الذِّكْرِ" في أنواع العلوم الشريفة؛ من التوحيد، والأحكام، ومقامات الأعمال وآفات القلوب والأحوال؛ ما سارت به الرُّكبان، وتعطَّر بأَرَجِه الزمان، وضَعُفَتْ عن تحصيله الأركان، وقُيِّد منه ما قُيِّد، وشُرِّدَ منه ما شُرِّدَ، واسْتَفَأَتِ الآفاتُ كثيرًا منه، ونَسَفَتْ أَرْوَاحُ النوائب جملةً ممَّا كُنَّا فَرَغْنَا عنه" (١).
وتكرَّر منه هذا الذِّكْرُ، وألمح إليه، وكنَّى عنه، ولا يقف العالم موقفًا أَعَزَّ عليه من أن يرى الهمج الهامج يعبثون بمُسْتَفَادِ عمره، وحصيلة رحلته، وفائدة اغترابه؛ تعصف بها فتنة ظالمة لا ترعى إلًّا ولا ذِمَّةً، وقد رُزِئَ ابنُ العربي في هذا الذي وصفنا فصبر، ولم يَفُتَّ ذلك في عضده، بل جعلها محنة في طَيِّها منحة، وأقبل على نشر العلوم كما كان من قبل، فقال: "وكان من أهم ما يُقبَل عليه؛ تقييدُ ما يتعجَّل الخلقُ منفعتَه، فخرج "الأَمَدُ الأقصى في أسماء الله وصفاته"، و"ناسخُ القرآن ومنسوخه"، و"أحكامُه"، و"قانونُ التأويل"، وكتابُ "العواصم"، و"القَبَسُ من أنوار مالك ﵁ في كتابه"، و"العِوَضُ المحمود"، وهو مُفَرَّق عند الناس" (٢).
وهذه الكتب التي ذكرها إنما كان خروجها بعد مُصابه في كتبه ومصنفاته، وهي علم جليل، وطبقة عالية، وما زال الناس ينهلون منها،
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ١١).
(٢) سراج المريدين: (١/ ١١).
стр. 50
ويُيَمِّمُونَ شطرها؛ لما فيها من النفع، ولما حوته من التحقيق، وهذه هي المنحة التي سبقتها المحنة، وهو يدل على جَلَدِ ابن العربي وقُوَّتِه، ويدل على غزارة علمه واستبحاره في المعارف، مع الحفظ الوفير، والقدر الخطير.
المبحث الثاني: ولايةُ ابن العربي القضاء
قال ابنُ العربي ﵁: "إنِّي لمَّا دُعِيتُ إلى ولاية القضاء قَبِلْتُه مختارًا لثلاثة أوجه:
أحدها: سِرٌّ بيني وبين الله سبحانه.
والثاني: معاينتي للباطل قد دَفَّرَ الأرضَ، فأردتُ أن أُذَفِّرَهَا، تَمَكَّنْتُ فيها منها، وعَمِلْتُ ما يَعْلَمه الله تعالى، ولا أَطْلُبُ مَثُوبَةً من سواه؛ مِنْ كَفِّ الظُّلْمِ والاعتداء، وبَثِّ الأَمْنِ، وحِفْظِ الأموال، وكَفِّ الأطماع، والأَمْرِ بالمعروف، والنَّهْيِ عن المنكر، وفَكِّ الأسير، والتَّحْصِينِ على الخَلْقِ بالسُّور، والمساواة في الحق بين الصغير والكبير، حتى أَرِجَتْ أقطاري، ووَقَعَ السَّمَرُ بأخباري، فضَجَّ العُداة، وضَجِرَ الوُلاة، حين صَفِرَ وِطَابُهم من الحرام، وابيضَّت صحائفهم من الآثام، فدَسُّوا إلى نَفَرٍ من العامَّة، فثارُوا عليَّ، وساروا إليَّ، فنُهِبَتْ دَارِي، وأُخْفِرَ ذِمَامِي وذِمَارِي، وهُمْ قيامٌ ينظرون، لا يُغَيِّرُون ولا يُنْكِرُون، يرون أن مَسْلَحَةً أجدى عليهم من مصلحة، وعَطَبًا أولى بي من سلامة، فانتثلُوا مالي، واستَفَؤُوا شِعاري ودِثاري، وهَدَمُوا مسجدي وداري .. وتعرَّضوا لنفسي فكفَّ الله تعالى أَيْدِيَهُمْ عَنِّي، ولقد وَطَّنْتُهَا على التَّلَفِ .. وأمسيتُ سَلِيبَ الدَّارِ، ولولا ما سبق من حُسْنِ المقدار لكنتُ قَتِيلَ الدَّارِ.
стр. 51
الثالث: أنَّ الناس كانوا يظنون أن الأرض خاليةٌ عن سِيَاسَةِ دَرِبٍ بالخَلْقِ، ذَرِبٍ بإقامة الحق، فأردتُ أن أكشف لهم عن بنات صَدْرِي، وأُعَلِّمَهُمْ كيفية وِرْدي في الأمر وصَدَرِي" (١).
وفي كلمة ابَن العربي هاته ذِكْرٌ لخِلَالٍ شتى، ومحاسن جمة، نذكرها على الوِلاء:
الأولى: كَفُّ الظلم والاعتداء؛
الثانية: بَثُّ الأمن؛
الثالثة: حِفْظُ الأموال؛
الرابعة: كَفُّ الأطماع؛
الخامسة: الأَمْرُ بالمعروف؛
السَّادسة: النَّهْيُ عن المنكر؛
السَّابعة: فَكُّ الأسير،
الثامنة: التَّحْصِينُ على الخلق بالسُّورِ؛
التاسعة: المُسَاوَاةُ في الحق بين الصغير والكبير؛
وهي خِلَالٌ لا يبلغها إلَّا من كان ثابت الجنان، قوي الفؤاد، عفيف النفس، لا يخاف في الله لومة لائم.
ولو نظر الناسُ إلى هذه الخلال التي ذكرها ابنُ العربي لكانت واحدة منها تكفي لكل منصف، فكيف بهن مجتمعات؟ ولكنَّ أعداء الإصلاح الذين يحسبون كل صيحة عليهم، يَرَوْنَ في أمثال ابن العربي خَطَرًا مُحْدِقًا
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ٢٦ - ٢٨).
стр. 52
بهم وبمصالحهم، فيلجؤون إلى تهييج العامة، وإشاعة الشحناء؛ ليتأتَّى لهم التخلص من هذا القاضي العفيف القوَّام بالحق؛ حيلة تحيَّلها الأقدمون، وما زال الناس على سيرتهم إذا أزعجهم قيامُ أهل الحق بما أوجب الله عليهم، سيرة مرويَّة، وقضية مقضيَّة.
وسيرةُ ابن العربي في القضاء أَمْرٌ اتَّفقت عليه كلمة أهل الإسلام؛ من العلماء والفقهاء والمؤرخين، فقالوا -أجمعين-: "قام بأمر القضاء أحمد قيام؛ مع الصرامة في الحق، والقوة والشدة على الظالمين، والرفق بالمساكين" (١).
قال أبو محمَّد الأَشِيرِي في ولاية ابن العربي القضاء: "وَلِيَ القضاء ببلده إشبيلية، وأقام فيها العدل، حتى حسده من كان مساعدًا، ونابذه من كان معاندًا، ثم امتُحِنَ فصَبَرَ صَبْرَ أُولِي العزم، حتى انجلتْ محنتُه عن دِينٍ تَقِيٍّ، وعِرْضٍ نَقِيٍّ" (٢).
وكانت شدته معلومة، وغضبته مرهوبة؛ لما عُلِمَ عنه من هذا القيام بالحق، والأخذ بالتعزير، وعدم الرفق بأهل الجناية والعماية، حتى قال ابن العربي في ذلك: "وقد كنتُ أيام الحكم بين الناس أَضْرِبُ وأَحْلِقُ، وإنما كنت أفعل ذلك بمن يربي شعره عونًا على المعصية، وطريقًا إلى التجمل به في الفسوق" (٣).
_________
(١) نفح الطيب: (٢/ ٢٩)، والصلة: (٢/ ٢٢٨)، ووفيات الأعيان: (٤/ ٢٩٧)، وسير النبلاء: (٢٠/ ٢٠١)، والوافي بالوفيات: (٣/ ٢٦٦)، والتعريف بالرجال المذكورين بجامع الأمهات لابن الحاجب: (ص ٢٥٦).
(٢) المقدمة الدراسية لكتاب المتوسط في الاعتقاد: (ص ٢٠).
(٣) أحكام القرآن: (٣/ ١٠٦٥).
стр. 53
وفي تولية ابن العربي القضاء قال ابن عِذَارِي: "وفي هذه السنة وَليَ قضاء إشبيلية القاضي أبو بكر ابن العربي ﵀، ووصل كتاب ولايته من مراكش إلى إشبيلية عن علي بن يوسف ﵀ بتاريخ يوم الخميس منسلخ جمادى الآخرة سنة ثمان وعشرين وخمسمائة" (١).
واستعان القاضي في مهمته هاته بخُلَّصِ تلاميذه ونبهاء مُحِبِّيه، فولَّاهم القرى والبلدان التابعة لقضائه، وكان منهم الحافظ ابن بَشْكُوَال (٢) وغيره؛ ممَّن نثر أخبارهم ابن الأبَّار في "تكملته".
وفي خبر صَرْفِ ابن العربي وعزله عام ٥٢٩ هـ يقول ابن عِذَارِي: "وثارت السِّفْلَةُ -أيضًا- بإشبيلية على قاضيهم أبي بكر بن العربي، وذلك أنه كان له في عقاب الجُنَاةِ اختراعات مهلكات ومضحكات .. وظلَّ ابن العربي يوالي التشدد والتسلط حتى ثَقُلَ على الفسَّاق والأشرار فهاجوا" (٣).
وقال ابنُ العربي مُؤَكِّدًا ما ذَكَرْنَا: "وقد شاهدتم منَّا إقامة العدل، والقضاء -والحمد لله- بالحق، والكف للناس بالقِسْطِ، وانتشرت الأَمَنَةُ، وعظمت المَنَعَةُ، واتصلت في البيضة الهُدْنَةُ، حتى غلب قضاء الله بفساد الحسدة، واستيلاء الظلمة" (٤).
وكان هذا الذي حَلَّ بابن العربي يوم ثَوْرَةِ السِّفْلَةِ على مرأًى من مشيخة إشبيلية، ولم يَهُزُّوا يدًا ولا رفعوا صوتًا في وجه هؤلاء الشِّرْذِمَةِ
_________
(١) البيان المُغْرِب لابن عذاري: (٤/ ٩٢ - ٩٣).
(٢) التكملة لابن الأبار؛ (١/ ٢٥٠).
(٣) البيان المغرب لابن عذاري: (٤/ ٩٣ - ٩٤).
(٤) أحكام القرآن: (٣/ ١٤٥١).
стр. 54
الحُفالة، وذلك ما أفاده قول القاضي أبي بكر: "وهُمْ قيام ينظرون، لا يُغَيِّرُون ولا يُنْكِرُون" (١).
ليؤكد ما قال القاضي أبو بكر من قبل؛ "فضَجَّ العُداة، وضَجِرَ الوُلاة؛ حين صَفِرَ وِطَابُهم من الحرام، وابيضَّت صحائفهم من الآثام، فدَسُّوا إلى نَفَرٍ من العامَّة، فثارُوا عليَّ، وساروا إليَّ، فنُهِبَتْ دَارِي، وأُخْفِرَ ذِمَامِي وذِمَارِي" (٢).
فكأن الأمر كان مُدَبَّرًا، وكأنَّهم لما ضُيِّقَ عليهم راموا التخلص من القاضي أبي بكر، فسَيَّرُوا إليه من ذكرنا، وكلهم أمل في أن يفتكوا به، لولا لطف الله العلي القدير، وفي دَخْلَةِ هؤلاء على دار القاضي فَعَلُوا الأفاعيل؛ فأخذوا ماله، وأفسدوا كتبه، ونَقَضُوا مسجده الذي كان يصلي فيه، وكنَّى هنا ابنُ العربي عمَّا حدث له بما كان من أمر الإمام الشهيد عثمان بن عفان ﵁، يوم دُخِلَتْ عليه الفتنة؛ فاستحلُّوا دمه واستفكوه، وهم يُخَيِّلُونَ للنَّاس أنهم أصحاب حَقٍّ جاؤوا يطلبوه.
البيانُ عمَّا في ترجمة "بيوتات فاس" لابن العربي من الكذب والاختلاق:
غير أن بعض من لا يُعْرَفُ ذَكَرَ في كتاب له أمرًا غريبًا جِدًّا، بناه على الكذب والتخييل، والتمويه والافتراء، فرأيتُ أنه من المستحسن التعرض له لنقضه ونقده، وبيان زَغَلِه وشَعْبَذَتِه، وذلك ما جاء في كتاب "بيوتات فاس
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ٢٧).
(٢) سراج المريدين: (١/ ٢٧).
стр. 55
الكبرى"، يقول مؤلفه: "إنَّ بعض الطلبة وقف على كلامه في كتابه العواصم من القواصم في جانب أمير المؤمنين مولانا الحُسَين السِّبْطِ بن مولانا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرَّم الله وجهه، وهو أن أمر اليزيد -لعنه الله - بقتله إنَّما قتله بسيف جده رسول الله ﷺ ، ثم إن الفقيه المذكور نادى بالعوام، وقرأ عليهم كلام ابن العربي الذي في الكتاب المذكور، وقال لهم: ظاهر كلامه أنه استباح قَتْلَ الحُسَين وأَحَلَّ دمه، فثارت العامَّة بإشبيلية، وقالوا: يجب علينا تأديب هذا المبتدع، وقصدوه وهو في داره، فلما بلغه الخبر هرب فورًا وركب البحر إلى المغرب، وسار إلى مراكش، واشتكى إلى -كذا- أميرها بإشبيلية، فوجد الخبر قد وصله -كذا-، فأمره بالمسير إلى مدينة فاس، فسار إليها ليستوطنها، فمرض في الطريق بالحقد على أهل إشبيلية لما وصله -كذا- خبر ما فعلوه بداره، وتوفي في مرضه ذلك في اليوم الذي كان قدم فيه على فاس، فدفنوه بخارج باب الشريعة منها، ولم يدخل إليها" (١).
وفي هذا الخبر الكثير من الكذب، وهو عمدة بعض الطاعنين في الإمام أبي بكر بن العربي ﵁، ونذكر هذه المطاعن المبنية على الافتراء لتُعْلَمَ ويُتَفَطَّنَ لها:
أوَّلها: أسلوبُ هذا الرجل أقرب إلى العوام منه إلى الطلبة؛ لشيوع اللحن فيه، وهو أمر لا يصدر إلَّا من عامي أو قريب منه.
ثانيها: ما ذكره من وقوف أحد الطلبة على كلام ابن العربي في "العواصم" يفيد ما فهم منه التنقص هو قَوْلٌ باطل، فثورة السِّفْلَةِ على
_________
(١) بيوتات فاس الكبرى: (ص ٦٠ - ٦١).
стр. 56
القاضي إنما كانت عام ٥٢٩ هـ، وتأليف ابن العربي لكتابه "العواصم" إنما كان عام ٥٣٦ هـ (١).
ثالثها: ما ذكره الطالب من كون ابن العربي فَرَّ إلى المغرب قول باطل ومائل، فإنما كان مهاجَر القاضي إلى قرطبة، وبقي فيها ما يقارب الأربع سنوات، ثم رجع إلى إشبيلية بعدها (٢).
رابعها: قوله: إنَّ ابن العربي سيَّره أمير المغرب إلى فاس فمات بها؛ قَوْلٌ مختلَق، من أباطيل السُّمَّارِ، ومخترعات الحسَّاد، فسَيْرُ ابن العربي إلى فاس كان بعد ثورة سِفْلَةِ إشبيلية بقريب من ثلاث عشرة سنة؛ عام ٥٤٣ هـ.
خامسها: لم يصح عن ابن العربي أنه قال: "قُتِلَ الحُسَين بسيف جده"، وإنما قال: "وما خرج إليه أحد إلا بتأويل، ولا قاتلوه إلا بما سمعوا من جده المهيمن على الرسل" (٣)، وهي عبارة قلقة، ما كان لابن العربي أن يقولها، ولكن ليست بذلك الذي يُشِيعون، فاستمع إليه وهو يقول: "يا أسفي على المصائب مرة، ويا أسفي على الحُسَين ألف مرة، بَوْلُه يجري على صدر النبي فلا يُغسل، ودمه يراق على البوغاء ولا يُحقن، يا لله، ويا لَلمسلمين" (٤).
ومعاذ الله أن يكون الإمام ابنُ العربي منحرفًا عن سيدنا الحُسَين رضوان الله عليه، كيف وهو قد قال فيه ما قال؟ ولكن الروافض قد أحنقهم
_________
(١) العواصم: (ص ٣١٤).
(٢) المقدمة الدراسية للأمد الأقصى: (١/ ٢٤ - ٢٧).
(٣) العواصم: (ص ٣٣٨).
(٤) العواصم: (ص ٣٣٦).
стр. 57
كتاب "العواصم من القواصم"؛ لأنه فضحهم وكشف عورتهم، فالتمسوا ليجدوا ما يطعنون عليه به؛ فلم يجدوا إلا التخرص، والتأويل لبَعِيدِ كلامه، وهذه عادة أهل الأهواء وسيرتهم التي رضوها لأنفسهم، أعاذنا الله منهم ومن نهجهم.
وبهذا يظهر أن تلك الترجمة التي تضمَّنها هذا الكتاب قائمة على الكذب والاختلاق، وأنَّ من قال بقولها أو سار بسيرها فإنما هو على طريق الكَذَبَةِ والبَطَلَةِ، وكفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع.
المبحث الثالث: حَسَدُ علماء إشبيلية لابن العربي
قال الحافظُ ابن دحية: "كان القاضي أبو بكر محسودًا في بلده، ويُنْسَبُ إلى ما لا يليق به" (١).
فإذا علمنا أن ابن دحية كان ظاهري النحلة داودي المذهب؛ عَلِمْنَا ما في كلمته هاته من الجلالة والنفاسة، وما فيها من الإنصاف، ومع أن ابن العربي كان مجانبًا لابن حزم، منافرًا لداود، ومع ذلك رأى ابن دحية أن يقول كلمته هاته التي تطابق الواقع، والتي تفصح عمَّا كان يعانيه القاضي من حَسَدَتِه وأهل بلدته، لتكون كلمة ابن دحية كافية في رِفْعَةِ القاضي وارتفاع شأنه، رغم حسد الحاسدين.
وقال تلميذه أبو محمد الأَشِيرِي: "ولي القضاء بإشبيلية، وأقام فيها العدل؛ حتَّى حسده من كان مساعدًا، ونابذه من كان معاندًا" (٢).
_________
(١) اختصار سراج المريدين للمغيلي: (ق ١ / أ).
(٢) المقدمة الدراسية لكتاب المتوسط في الاعتقاد: (ص ٢٠).
стр. 58
قال الإمامُ ابن العربي: "مُنِيتُ بِحَسَدَةٍ لا يَفْتَؤُونَ، وَمُبْتَدِعَةٍ لا يَفْهَمُونَ، قد قَعَدُوا مِنِّي مَزْجِرَ الكَلْبِ يُبَصْبِصُون، والله أَعْلَمُ بما يَتَرَبَّصُونَ" (١).
وأكثر ما كانت محنة الإمام أبي بكر من جهة هؤلاء الحَسَدَةِ الفَسَدَةِ، الذين لم يتركوا أمرًا من أموره، ولا شأنًا من شؤونه؛ إلا ودخلوا فيه، ورموه عن قوس واحدة، واتخذوه غرضًا، ومالوا عليه بأجمعهم، لم يحملهم على ذلك إلَّا حَسَدٌ قَتَّالٍ، وهوًى ذو قَذَالٍ، وقد ذكر هذا الأمر عن علماء بلده في موضع آخر من كتبه، فذكر أن معاداتهم لمن جاء بعِلْمٍ ممَّن رحل سيرتُهم التي كبِروا عليها وفُطِمُوا بها، فهم مع كل رحَّالة في شأن عجيب، قال ﵁: "كلمَّا جاء أحدٌ من المشرق بعِلْمٍ دفعوا في صَدْرِه، وحَقَرُوا من أمره" (٢).
وقال -ذاكرًا ما جرى له من أولئك الحسدة-: "ثم عُدْنَا نَنْوِي الحقَّ الذي حصَّلنا، ونعتقدُ القيام بالقِسْطِ الذي فصَّلنا، فألفينا قلوبًا متناكرة، وأخلاقًا متنافرة، وأرواحًا لم تلتق في سبيل المعرفة، فتأتلف على أكرم خُلُقٍ وأحسن صفة، بل هي أمة أكثرُها عن الواضحة ناكبة، تَقْسِطُ فيما فَرْضُها أن تُقْسِطَ، وتَعْدِلُ عمَّا يلزمها فيه أن تَعْدِلَ" (٣).
وقال -بعد أن رأى منهم ما رأى، وبعد أن أعلنوا بالعداوة-: "وكم عندنا من العلوم، وماذا جمعنا من الفوائد، ولم نَجِدْ لها في هذه الأقطار
_________
(١) العارضة: (١/ ٩).
(٢) العواصم: (ص ٣٦٦).
(٣) سراج المريدين: (٣/ ٢٦٥).
стр. 59
مَحَلًّا، ولا رأينا لها أهلًا، فخَزَنَّاها فيما بيننا وبين ربنا، واذَّخرناها ذخيرة لمُوازنة ذَنْبِنَا" (١).
وقال باثًّا شكواه، ورافعًا نجواه: "صِرْتُ الآن غريبًا بين قومي، وقد كنتُ غريبًا بين الغرباء؛ رفيعًا، شهيرًا، موصولًا، مُمَدَّحًا، مقبولًا، وذلك لفساد النيات، وقلة الإنصاف، واعتقاد المنافسة، ونبذ التواضع للشرف، والعناد للحق" (٢).
وقد جرى له مع قومه ما ظهر فيه تَجَنِّيهم عليه، ومنها قصة روايته لحديث "المِغْفَرِ" (٣) من ثلاثة عشر طريقًا غير طريق الإمام مالك ﵁، قال الحافظ ابنُ الجَدِّ: "حضر فقهاءُ إشبيلية؛ أبو بكر بن المُرَجَّى، وفلان، وفلان، وحضر معهم ابنُ العربي، فتذاكرُوا حديث المغفر، فقال ابنُ المرجى: لا يُعرف إلا من حديث مالك عن الزهري، فقال ابنُ العربي: قد رويتُه من ثلاثة عشر طريقًا غير طريق مالك، فقالوا: أفدنا هذا، فوعدهم، ولم يخرج لهم شيئًا" (٤).
قال الحافظ ابنُ حجر: "الذين اتَّهموا ابن العربي في ذلك هم الذين أخطأوا؛ لقلة اطلاعهم، وكأنه بخل عليهم بإخراج ذلك لما ظهر له من إنكارهم وتعنتهم، وقد تتبعتُ طرقه حتى وقفتُ على أكثر من العدد الذي ذكره ابن العربي" (٥).
_________
(١) سراج المريدين: (٣/ ٣٠٥).
(٢) سراج المريدين: (٤/ ٤٢٥).
(٣) أخرجه الإمام مالك في الموطأ عن أنس بن مالك ﵁: كتاب الحج، جامع الحج، (١/ ٤٦٢)، رقم: (١٢٧٢ - المجلس العلمي الأعلى).
(٤) سيرالنبلاء: (٢٠/ ٢٠٢).
(٥) فتح الباري: (٤/ ٥٩ - ٦٠).
стр. 60
وقال ابنُ حجر في موضع آخر من كُتُبِه: "لقد أطلتُ في الكلام على هذا الحديث، وكان الغرض منه الذب عن أعراض هؤلاء الحفاظ، والإرشاد إلى عدم الطعن والرد بغير اطلاع" (١).
وعلى طريقته كان الحافظ السيوطي، فقال: "قال الحافظ ابن حجر: فهذه طرق كثيرة غير طريق مالك عن الزهري عن أنس، قال: فكيف يحل لأحد أن يتهم إمامًا من أئمة المسلمين بغير علم ولا اطلاع؟ قلتُ: لقد تسليتُ بهذا الذي اتفق للقاضي أبي بكر بن العربي -الذي كان مجتهد وقته، وحافظ عصره- عمَّا أقاسيه من أهل عصري، عند ذكري لهم ما لا اطلاع لهم عليه من الفوائد؛ من سوء أدبهم، وإطلاق ألسنتهم، وحسدهم، وأذاهم، وبَغْيِهم" (٢).
وكان هؤلاء الحسدة لا يفترون عن إلحاق الأذى بابن العربي، فيهتبلون الفرص ليقولوا قولتهم، ويميلوا ميلتهم، وقد ذكر ابنُ العربي من ذلك في هذا "السراج" بعضًا ممَّا ينبه على الكل، قال ﵁: "كنتُ لَبِسْتُ بُرْنُسًا أحمر سنة خمسمائة، وحضرنا مجلسًا للأقضية وفيها بعض المُفْتِين، فقال لمَّا خرجنا منها: "من لَبِسَ بُرْنُسًا أحمرَ لم تَجُزْ شهادتُه" (٣).
قلتُ: وما الذي يدعو القائل إلى مثل هذا؟ وقد كان له في السكوت والتعفف مندوحةٌ لو عرف قدرها، ولكن الحسد يَجُرُّ صاحبه إلى ما لا ينبغي، بل إلى ما يُوقِعُه في شر أعماله وسيِّء أفعاله، قال ابنُ العربي مُعَقِّبًا
_________
(١) النكت على ابن الصلاح: (٢/ ٦٦٩).
(٢) تنوير الحوالك: (١/ ٣٧٠).
(٣) سراج المريدين: (١/ ١٠٠).
стр. 61
على كلمة هذا المفتي: "فنُمِيَ ذلك إليَّ، فقلتُ: من قال هذا يستتاب، فإن تاب وإلَّا ضُرِبَتْ عُنُقُه، وجعلتُ أسرد الأحاديث في ذلك" (١).
ومن ذلك -أيضًا- ما ذكره في موضع آخر من كُتُبِه، قال ﵁: "كُنَّا تذاكرنا في مجلس المَلِكِ آداب الأكل، فقلت: هي نَحْوٌ من مائة وخمسين، فقال بعضُ الحاسدين من المترسِّمين بالفتوى: ما جمعها اللَّوْحُ المحفوظ قَطُّ، فأطلق الحسدُ لسانَه حتى أَوْقَعَهُ في الكفر، وسألني المَلِكُ جَمْعَها ففعلتُ، فخُزِيَ المسكين، وباء به إلى حزبه اللعين" (٢).
وفي موضع آخر: "وقد كنتُ أفعل ذلك أيام تَوَلِّي الحكم، إلَّا أني كنت محفوفًا بالجهال، فلم أُحِبَّ تَسْبِيبَ (٣) المقال للحسدة الضُّلَّالِ" (٤).
وممَّا يدخل في هذا المبحث ما كان يَبُثُّه من شكواه في "سراجه"، ويرفع به عقيرته في مَنْشَطِه ومَكْرَهِه؛ نفثة مصدور، وكلمة مقهور، قال ﵁: "وقد عَظُمَ الخَطْبُ في هذا الزمان، حتى لا يَدْرِي العَبْدُ على أي شيء يَبْكِي؛ أعلى فوات دنياه؟ أم على ذهاب دينه؟ أم على إخوانه في القربات؟ أم على أعوانه على الصالحات؟ أم على دروس العلم وطُمُوسِه؟ أم على اتفاق الخَلْقِ على إنكار المعروف وتعريف المنكر؟ أم على نفسه التي لا تطاوعه على طاعة؟ أم على عِرْسِه التي تطالبه بما ليس له به طاقة؟ أم على ولده الذي لا يَرَى فيه للعين قُرَّةً؟ أم على جاره الذي لا يُغْضِي له
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ١٠٠).
(٢) العارضة: (٧/ ٤٢١).
(٣) في المنشور من الأحكام (٣/ ١٠٦٦): أجب بسبب، وهو تصحيف.
(٤) أحكام القرآن: (٣/ ١٠٦٦).
стр. 62
على عورة؟ أم على أميره الذي لا يَرْعَى فيه إلًّا ولا ذِمَّةً؟ أم على فَقْدِ صَبْرِه الذي يغلبه على الانفراد عن الخَلْقِ، والاستبداد بالربِّ؛ حين لم يَجِدْ سواه، ولا رأى حُسْنًا في غيره؟ أم على عَدَمِ مَحَلِّ الهجرة حتى يخرج عن هذه الأمة إلى موضع يَأْمَنُ فيه ما يتوقع من نِقْمَةٍ؟ " (١).
وقال ﵁: "ثم جاء القَدَرُ بفُرْقَةٍ غَشَتِ القلوب حُرْقَةً، فلَبِسَ ثوبَ الحزن بقيَّة الدهر حين فَقَدَ أولئك الأصحاب، وحال القَدَرُ بينه وبين أولئك الأحباب، استبدل الأُنْسَ بالوحشة، والعلماء بالجهَّال، والأولياء بالأعداء، والمعين بالقاطع، وأَخَذَ الضارَّ بدلًا من النافع، وجَالَسَ الزاهد في العلم عِوَضًا من الراغب، وخَالَطَ الأَبِيَّ عن الطريق، النَّافِرَ عن الشريعة؛ بعد المُرِيدِ للعبادة، السَّالك سبيل الإرادة، وثَافَنَ الحاسد" (٢).
وبهذا يكون هذا "السراج" قد تضمَّن شيئًا كثيرًا ممَّا له تعلق بأحوال ابن العربي مع أهل بلده، وشانئيه من أهل قطره، ويُفَسِّرُ لنا بعضًا من ملامح السيرة العلمية بالأندلس، فهو مصدر لا غنًى عنه لمن أراد التأريخ المفيد لحركة العلم والعلماء بهذا البلد.
الفصل الثاني: أخبارُ رحلته
وإنَّما أَذْكُرُ فيه ما نَثَرَ في كتابه هذا، ممَّا له تعلق برحلته؛ ابتدائها وانتهائها، وصحبته لوالده، والبلدان التي دخلها، والأقطار التي عاش بها، ومشيخته العلمية والزُّهْدِيَّة، ومقروءاته ومسموعاته، ومناظراته، وما له تعلق بهذا الفصل، على حسب الوُسْعِ والطاقة.
_________
(١) سراج المريدين: (٢/ ١٠١ - ١٠٢).
(٢) سراج المريدين: (٤/ ٣١٥ - ٣١٦).
стр. 63
المبحث الأوَّل: حديثُه عن رحلته
ابتداء رحلته:
قال ابنُ العربي ﵁: "خرجتُ سنة خمس وثمانين وأربع مائة في طلب العِلْمِ؛ وبُرْدُ الشَّباب قَشِيب، وكأس الفتوة قَطِيب، وغصن الأماني رَطِيب، ودَوَّخْتُ من الأندلس إلى العراق، فِعْلَ الصفَّاق الأفَّاق، وأَنَخْتُ بكل حضرة، في عيشة نَضِرة؛ دين قائم، وبؤس نائم، وأُكْلٌ دائم، وأمن مُتَّصِل، وبِرٌّ وإكرام غير منفصل، وعِلْم جَمٌّ، وإقبال عَمٌّ، وعلماء رُفَعاء؛ بُحُورٌ زاخرة، وأنجم زاهرة، وملوك جَمَعَ الله فيهم الدين والدنيا، وأطاب بحَراهم الممات والمحيا، تفيض أيمانُهم على الضيف، ويأمن جارُهم من الحيف، أبصارهم عن المعايب مغضوضة، والمحاسنُ بعين المَبَرَّةِ لديهم ملحوظة، فأَقَمْنَا مع كلا الطائفتين في دَوْحٍ وارفة الظلال، وقَطَفْنا ثَمَرَ الأماني متصلة الإقبال، وقطعنا الزمان بالنظر في العلم، فجمعنا فنونه، وانتقينا عيونه، ونثلنا مكنونه، وفضضنا خِتامه، ومَلَكْنا زِمامه، فصرَّفناه تصريف الأفعال، ودفعنا به في نَحْرِ المُحال، وشددنا عليه يد المِحال، ورجعنا منه بملْء الحقائب، ومُنْيَةِ الراغب، وحسرة الخائب، وغُصَّة المُجانب، ونحن نسأل الله أن يرزقنا العَمَل، ويُبَلِّغَنَا فيه الأَمَل؛ برحمته" (١).
وفي كلام ابن العربي ما يفيد تعظيمه لعلماء المشرق، وتفضيله على علماء المغرب، لما رأى من خصالهم، ولما عَايَنَ من فضائلهم، وقد كان
_________
(١) سراج المريدين: (٣/ ٢٦٤ - ٢٦٥).
стр. 64
عَقَدَ العزم على هذه الرحلة وهو بعد طري العود، مُنْزَوٍ في رقود، فقال: "ونَذَرْتُ في نفسي طَيَّةً، لئن ملكتُ أمري لأهاجرن إلى هذه المقامات، ولأفدن على أولاء الرجالات، ولأتمرسنَّ بما لديهم من المعاقد والمقالات، واستمررتُ عليها نيَّة، واكتتمتُها عَزِيمَةً غير مثنويَّة" (١).
الموازنةُ بين فضائل أهل المشرق وأهل الأندلس:
قال ابنُ العربي: "البلاد تختلف، وأحوالُ الناس تتباين، فأمَّا بلادنا فإن البخل والقسوة استوليَا على القلوب، فلا يفتقدون المحتاجين، ولا يعطفون بالصدقة على المُتَجَردِينَ للعلم والمُتَعَبِّدِينَ، فالتَّعَرُّضُ لذلك مَهْلَكَة، ولا يجوز الإلقاء باليد إلى التَّهْلُكَة.
وأمَّا تلك البلاد التي كنَّا بها، من مصر إلى منتهى المعمور؛ شرقًا وغربًا، شمالًا وجنوبًا، ما بين ما رأينا وما سمعنا؛ فإن الحنان والجود غلب عليهم، فإذا رَأَتْ من يُقْبِلُ على الله أقبلوا عليه" (٢).
وهو بهذا يذكر من خصال تلك البلاد ما لا يوجد ببلاد الأندلس، ولا يقف عند هذا الحد، بل يستطرد إلى ذِكْرِ ما جرى له من الخير والعون من قبل أولئك الناس، فهم الناس، وبلادهم هي البلاد.
قال ابنُ العربي: "لقد كنا نخرج من المسجد الأقصى مع شيخنا أبي بكر الفِهْرِي في جملة الأصحاب على الفُتُوحِ، أقل ما نكون خمسة، وأكثره خمسون، فندور على قبور الأنبياء، ونجول في قُرَى الشام المجاورة المدة
_________
(١) قانون التأويل: (ص ٧٧).
(٢) سراج المريدين: (١/ ٨٣).
стр. 65
الطويلة؛ قرى ظاهرة مباركة، آمنين فرحين، يُغْدَى علينا ويُرَاحُ بما نحتاج إليه، ونحن نقطع من روضة إلى روضة، ومن متعبَّد إلى متعبَّد، وكذلك سائر الناس من متفقهة وصوفية، وكان من سيرتهم أن القرية والبلدة إذا نزل فيها الضيف وغَشِيَهُم الطارق جاءه ما يَحْتَاجُ إليه من أدنى الجوار إليه، وشُورِكَ صاحبُ المنزل في ذلك به، وكذلك كل معتكف كان في المسجد الأقصى، أو في قبور الأنبياء، أو في مشاهد الصالحين، يتناوبون بالغداء والعشاء، وذلك كله الدَّهْرَ أجمعَه، وقد شرحنا ذلك في كتاب "ترتيب الرحلة للترغيب في الملة" (١).
وقال أيضًا: "إن البلاد المشرقية أَمْكَنُ للعزلة من البلاد المغربية؛ لسعة أقطار تلك وتمهُّد أمورها، وضِيقِ هذه عن آمال أهلها، وتلك لسعتها يَقِلُّ فيها الحاسد، ويكثُر المُساعد، ولا يُعدَم المُساند، وفي مدارس العلم هناك مَنَالٌ، وبروابط الصوفية مَجَالٌ رَحْبٌ للعبد مع خُلُوصِ النية" (٢).
وفاةُ والد ابن العربي (٣):
قال ابنُ العربي: "كنتُ مُعْتَكِفًا بالثَّغْرِ المحروس، وأبي ﵀ بالفُسْطَاطِ، فأقمتُ في المُعْتَكَفِ -رِبَاطٍ على البَحْرِ- أيامًّا، ثم صَلَّيْتُ الصُّبْحَ، وعَطَفْتُ عِنان عَزْمِي إلى البلد، فجئت وبابُه لمَّا يُفْتَحْ بَعْدُ، فَنَظَرتُه حتى فُتِحَ، فخرج عليه أصحالب ممَّن كان يقرأ القرآن عليَّ، فلمَّا وَصَلُونِي
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ٨٣).
(٢) سراج المريدين: (٢/ ٢١٣ - ٢١٤).
(٣) مصادر ترجمته: تاريخ دمشق: (٣٢/ ٢٣١)، الصلة: (١/ ٣٧٧)، وفيات الأعيان: (٤/ ٢٩٧)، سير النبلاء: (١٩/ ١٣٠).
стр. 66
لَصِقَ بي أحدُهم، وأَسَرَّ في أُذُنِي بقوله: تُوُفِّيَ أَبُوكُ، فما سمعتُ قطُّ قبلها سِرًّا أَصَمَّ إلَّا ذلك السِّرَّ" (١).
ووالدُه هو: الإمام العلَّامة أبو محمد عبد الله بن محمد بن العربي، الوزير الأديب، أخذ عن ابن عبد البر، وابن حزم، واختص به، قال محمد بن طَرخان التركي: "قال لي محمد بن العربي: صحبتُ ابن حزم سبعة أعوام، وسمعتُ منه جميع مصنفاته، سوى المجلد الأخير من كتاب "الفَصْلِ"، وقرأنا من كتاب "الإيصال" له أربع مجلدات، ولم يفتني شيء من تواليفه سوى هذا" (٢).
وروى عنه جماعة من الأندلسيين، وجماعة من أهل المشرق، منهم: ابن سِرحان (٣)، وسمع منه بعضَ شعر الإمام ابن حزم، وسمع منه -أيضًا- ولدُه القاضي أبو بكر، وروى عنه في كتابه، وتفقَّه عليه، وأكثر ما روى عنه ما كان من قَبِيل الشعر والآداب، كشعر ابن درَّاج (٤)، والقصيدة الرائية لابن الجزيري (٥).
وأقدم سماع له ظَفِرْتُ به هو عام ٤٤٥ هـ (٦)، وكان عمره حينها عشرة أعوام، إذ مولده عام ٤٣٥ هـ (٧).
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ٣٧٦).
(٢) سير النبلاء: (٢٠/ ٢٠١)، وأصله في: تاريخ دمشق: (٣٢/ ٢٣٢).
(٣) فهرس ابن خير: (ص ٥١٢).
(٤) فهرس ابن خير: (ص ٥٠٨).
(٥) فهرس ابن خير: (ص ٥٠٣).
(٦) فهرس ابن خير: (ص ٥٠٣).
(٧) الصلة: (١/ ٣٧٨).
стр. 67
وكان أبو محمد نعم العون لابنه القاضي في رحلته: "أَبٌّ في الرتبة، وأخ في الصحبة، يستعين ويُعين، ويسقي من النصيحة من ماء مَعين" (١).
وسعى الوزير أبو محمد في مخاطبة الخليفة ببغداد لاستصدار أمر بنيابة السلطان المنصور يوسف بن تاشفين، وتوليته على بلاد المغرب، حتى يكون تابعًا للخلافة العبَّاسية الهاشمية، فأسعفه الخليفة المستظهري برغبته، وأنفذ إليه طِلبته (٢)، وكان ذلك في رجب من عام ٤٩١ هـ (٣).
وأقام أبو محمد مع ابنه القاضي على خير منزلة، وفي خير صفة، مع الجلالة والتقدمة، ووفور التكرمة، وقد ذكر بعضًا من هذا القاضي أبو بكر في "القانون" (٤)، وفيه قال: "نعم العونُ على العلم الرئاسة" (٥)، وكانت وفاة أبي محمد في شهر محرم من عام ٤٩٣ هـ، وهو بمصر.
والدةُ ابن العربي الهَوْزَنِيَّة (٦):
قال ابنُ العربي ﵄: "وغَالَبْتُ الأقدار فغَلَبَتْ عَلَيَّ بحياة الوالدة؛ التي لم يكن لها غيري، وكانت لَهْفَى حَسْرَى بَاكِيَةً عليَّ، فتعيَّن في الدِّينِ أن أَكِرَّ عليها راجعًا، مُمْتَثِلًا لأمر الله، وله فيَّ حِكْمَة بعد انقيادي لطاعته
_________
(١) شواهد الجلة: (ص ٢٧٧).
(٢) شواهد الجلة: (ص ٢٨٦).
(٣) شواهد الجلة: (ص ٢٩٣).
(٤) قانون التأويل: (ص ١١٥ - ١١٦).
(٥) قانون التأويل: (ص ١١٦).
(٦) ينظر: مع القاضي أبي بكر بن العربي: (ص ١١٥).
стр. 68
وطاعتها، ثم ماتت وقد وَتَرَنِي الأَهْلُ والوَلَدُ، وانتهى كُلُّ شيء إلى ما كُتِبَ له من الحال والأَمَد، وليس لأحد عن قضاء الله مُلْتَحَد" (١).
وقال أيضًا: "ورأيتُ بمُنَسْتِير إفريقية جماعةً على الطريقة المُثلى في العزلة عن الدنيا، أَقَمْتُ عندهم عشرين يومًا فكَأَنِّي في الآخرة؛ طِيبُ عِيشَةٍ، وسلامةُ دِينٍ، ثم جَذَبَتْنِي صِلَةُ الرحم، فَقَطَعَتْنِي عن الله مقادير سماوية، فَاعْجَبْ -فَدَيْتُكَ- من قَطْعٍ بوَصْلٍ، ومن أَجْرٍ بذَنْبٍ، ومن إِعْرَاضٍ بإِقْبَالٍ" (٢).
وإنَّما كان القاضي أبو بكر في المُنَستير عام ٤٩٤ هـ (٣)، فيفيد هذا النص أن إلحاح والدته عليه قد اتَّصل به إبَّان مُقامه بإفريقية، وأنَّ بِرَّه بها عجَّل برجوعه، وهو ما جعله يطوي ما كان عزم عليه، ويَحُلُّ ما كان رَبَطَ قلبه عليه، فيمَّم شطر تلمسان (٤)، ثم فاس (٥)، وبعدها إلى إشبيلية عام ٤٩٥ هـ، ويفيد قوله: "إن والدته لم يكن لها غيره"؛ أنه لم يكن له إخوة، وهي بعد ما تزال شابَّة وحيدة، بعد ما ذهب زوجها وهو لم يبلغ بعد الستين، فرجع إليها ليقضيَ حَقَّها.
وذَكَرَ في مقالته هذه موت والدته -رحمة الله عليها-، وكيف أثَرَ فيه، وأشار إلى معاناته مع زوجه وولده، وقد تقدَّمت شكاةُ ابن العربي من
_________
(١) سراج المريدين: (٢/ ٣٦٨).
(٢) سراج المريدين: (٢/ ٢١٠ - ٢١١).
(٣) سراج المريدين: (٢/ ٢٩٩).
(٤) سراج المريدين: (٤/ ٤٠٥).
(٥) سراج المريدين: (٤/ ٤٠٥).
стр. 69
عِرْسِه ووَلَدِه (١)، فيكون ما هنا مؤكدًا لما سبق ذِكْرُه، وكأنَّ هذا الفَقْدَ كان مُتَّصِلًا بمِحْنَتِه التي لحقته بإشبيلية؛ أيَّام ثورة السِّفْلَةِ عليه، وإنَّما قلنا ذلك لأن المرء إنما يحتاج أهله وولده أيَّام محنته وابتلائه، ولم يُبْتَلَ القاضي أبو بكر ببَلِيَّةٍ أعظم من ثورة السُّوقَةِ عليه، وقيامهم لأَذِيَّتِه، على مرأًى من مشيخة إشبيلية وكبرائها، وأهل الحل والعقد فيها، وهذا الذي قلناه قد يجوز غيره، غير أنَّنا نُقَلِّبُ وجوه النظر لنستخرج ما يمكن وما يَصِحُّ ذِكْرُه، والله أعلم.
حَجَّةُ ابن العربي:
قال ابنُ العربي لوالده: "إن كانت لك نية في الحج فامض لعزمك؛ فإني لست برائم عن هذه البلدة، حتى أعلم عِلْمَ من فيها، وأجعل ذلك دستورًا للعلم وسُلَّمًا لمراقيها، فساعدني حين رأى جِدِّي، وكانت صحبته لي من أعز أسباب جَدِّي، ونظرنا في الإقامة بها، وخَزَلْنَا أنفسنا عن صُحْبَةٍ كنا نظمنا بهم في المشي إلى الحجاز، إذ كانوا في غاية الانحفاز" (٢).
وهو بهذا يُظْهِرُ تشوف الوزير أبي محمد إلى الحج، فهي كانت رغبته، ولكن هذا الحج لم يكن سالمًا من الأهوال، قال ابن العربي: "خَرَجْتُ من الكُوفَةِ إلى مَكَّةَ سنة تِسْعِ وثَمَانِينَ، راكبًا مُعَادِلًا لأبي -رحمة الله عليه-، حتى بلغنا مكة فقضينا حجَّنا، ثم عُدْنَا إليها، فلمَّا كُنَّا ببَطْنِ نَخْلَة ضَرَبَنَا بَرَدٌ عَظيِمُ الجِرْمِ، قتَلَ كثيرًا من الإبل والناس، وحَمَلَ وادي نخلة علينا، وكنَّا فيمن بَكَّرَ فعَبَرَ، فمن صادفه السَّيْلُ فيه حَمَلَهُ إلى البحر
_________
(١) سراج المريدين: (٢/ ١٠٢).
(٢) قانون التأويل: (ص ٩٢).
стр. 70
فلم يُرَ أبدًا، وعُدْنَا نَفَرًا قليلًا، وحَدَثَ في الجِمَالِ طاعونٌ؛ تَرَى الجَمَلَ يُبتاع بخمسين دينارًا، فتأخذه الغُدَّةُ فيصيحُ ويرمي بنفسه إلى الأرض، فيُنْحَرُ ويقتسمه الناس، ويرمون رحالهم في البيداء ويَتَعَرَّوْنَ من ثيابهم، ومَضَتْ جِمَالُنا هكذا؛ في حَدِيثٍ طويل بيَّناه في كتاب "ترتيب الرحلة"، ودعت الضرورة إلى أن أمشي رَاجِلًا من فَيْدَ إلى الكوفة خَمْسَ عَشْرَةَ مَرْحَلَةً لموت الجمال، ومعنا الكِراء لو وجدنا الجمال، لكن الطاعون استولى عليها، ورَمَيْنَا جميع ما كان معنا، ولم يَبْقَ عَلَيَّ إلَّا لِبَاسِي، وكنتُ أمشي مع أصحابنا من الطلبة نتذاكر ونتناظر ونَتَسَلَّى على الرَّجْلَةِ النَّهَارَ كلَّه، حتى إذا جاء الليل وَقَعْتُ على اسم المَيِّتِ، وأوقدنا النار، وقَطَعْنَا لحم أرجلنا، وكَوَيْنَاهَا بالشحم، وربطناها بالخِرَقِ، وكنت أضطجعُ وأقول: هذا مرقدي الذي يبعثني الله منه؛ وأنام، فإذا أصبحتُ وجدتُ خِفَّةً، وكأنِّي لم أكن رَجُلَ البارحة، فإذا أخذتُ في المشي عادتْ قُوَّتِي، وتَصَلَّبَ لَحْمِي الأحمر عند مِشْيَتِي، وكانت هذه عادتي في نهاري وليلتي، وأنا أتعجَّب من وُثُوبِ تَجَلُّدِي، وقُوَّتِي بعد ذهاب لَحْمِي وجِلْدَتِي" (١).
وهو نَصٌّ يُظْهِرُ جَلَدَ ابن العربي، وعزيمته في الطلب، ويُظْهِرُ قُوَّتَه ومُنَته، فأي رجل كان، وكيف تأتَّى له هذا؟
وفيه بيانٌ لما كان يعانيه الحاج في حَجَّتِه، فهو مُعَرَّضٌ لمخاطر شتَّى، إن سلم من واحدة لم يضمن السَّلامة من اللَّاحقة، ولا من التي تليهما، لهذا قال من قال من علماء صُقْعِنا: "إن الحج لا يجب على المغاربة" (٢)،
_________
(١) سراج المريدين: (٢/ ٣٨٨ - ٣٩٠).
(٢) سراج المريدين: (٢/ ٣٨٤).
стр. 71
وإن كان ابنُ العربي قد خالف في ذلك، ورَضِيَ قَوْلًا آخر (١)، حَمْلًا للنفس على العزيمة، وأداءً لحق هذه الفريضة، التي كادت الرخصة أن تُعَفِّي آثارها.
وقال ابنُ العربي مُتَحَدِّثًا عن دعواته الثلاث؛ التي سأل الله إيَّاها وهو يتضلَّع من ماء زمزم المبارك: "وقد كنت بمكَّة في ذي الحجة سنة تسع وثمانين وأربعمائة، فكنت أَبِيتُ بين المقام وزمزم وأعتكفُ فيه، وأَتَذَكَّرُ قَوْلَ النبي ﷺ : "ماءُ زمزم لِمَا شُرِبَ له" (٢)، فكنتُ أَشْرَبُه بنِيَّةِ العِلْمِ آناء الليل والنهار، فوَهَبَنِي الله ما شاء، ولم أشربه بنية العمل، ودعوتُ الله بالملتزم ثلاث دعوات، فَرَأَيْتُ الاثنتين وبَقِيَتِ الواحدة، والله يَمُنُّ بها عليَّ، فهي العُمْدَةُ.
فكانت الأولى: أن يجعلني من العلماء، حتى لا يتكلم أَحَدٌ بشيء مِنْ فَنٍّ مِنَ العِلْمِ، إن كان حقًّا إلَّا عَلِمْتُه، وإن كان باطلًا إلَّا قَدَرْتُ عليه؛ إثباتًا للأوَّل، ونَفْيًا للثاني، فآتاني الله ذلك.
وآتاني الثانية، وبقيت الثالثة.
_________
(١) سراج المريدين: (٢/ ٣٨٤).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند عن جابر ﵁ عنه: (٢٣/ ١٤٠)، رقم: (١٤٨٤٩ - شعيب)، وابنُ العربي في العارضة عن ابن عباس ﵄: (٤/ ٢٣٣)، قال ابن حجر: "رجاله مُوَثَّقون، إلا أنه اختُلف في إرساله ووصله، وإرسالُه أصح"، الفتح: (٣/ ٤٩٣)، وذكر السخاوي أن ممَّن صحَّحه ابن عُيَينة والدِّمْياطي والمنذري، المقاصد الحسنة: (٣٥٧)، وضعَّفه ابنُ القطان الفاسي، ينظر: بيان الوهم: (٣/ ٤٧٨).
стр. 72
فيا ليتني كنتُ شَرِبْتُ ماء زمزم للعَمَلِ، ودعوت الله فيه في المُلْتَزَمِ" (١).
قال أبو محمد الأَشِيرِي -مُفَسِّرًا هذه الدعوات-: "أذكر من هذه الدعوات التي ذكر شيخُنا الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁ ما رجوتُ أنه نال بركتها، وصادف عند ربه خيرَها:
أمَّا العلم: فكُتبه وتواليفه تشهد له؛ فإنَّ له في علوم القرآن: من "التفسير"، و"الأحكام"، و"الناسخ والمنسوخ"، و"المشكل"، و"معاني أسماء الله تعالى"، و"معاني أسماء المؤمن"، وهو هذا الكتاب، وغير ذلك من علوم القرآن؛ ما تشهد بتبحره فيه.
وأمَّا علوم الحديث فله "كتاب النَّحريْنِ في شرح الصحيحين"؛ ما لم يَسْبِقْهُ أَحَدٌ إلى مثله، وله "عارضة الأحوذي في شرح الترمذي"، إلى غير ذلك من علوم الحديث.
وله في أصول الفقه مصنفات عدة.
وفي أصول الديانات مثلها.
وله في النحو "ملجئة المتفقهين"؛ ما أعرب عن تقدمه فيه.
وله نَيِّفٌ على ثلاثين تأليفًا؛ بين كبير ومتوسط وصغير، أكبرها ما يفي بنحو خمسة آلاف ورقة؛ وهو "النيِّرين في شرح الحديث"، و"أنوار الفجر في علوم الذِّكْرِ"، إلى غير ذلك ممَّا يطول ذِكْرُه.
_________
(١) سراج المريدين: (٢/ ٢١٤ - ٢١٦).
стр. 73
وأمَّا الدعوة الثانية: فهي -والله أعلم- الظهور في القيام بالحق، فقد وَلِيَ القضاءَ ببلده إشبيلية وأقام فيها العدل؛ حتى حسده من كان مساعدًا، ونابذه من كان معاندًا، ثم امتُحن فيه فصَبَرَ صَبْرَ أُولِي العزم؛ حتى انجلت محنته عن دين تَقِي، وعِرْضٍ نَقِي.
وأمَّا الثالثة -والله أعلم-: فهي الشهادة، فقد رُزِقَها ﵀، أُشخص عن بلده، وغُرِّبَ عن أهله وولده، حتى مات في غير وطنه، على خير سَنَنِه، فرحمة الله عليه ورضوانه، فلقد كان أَوْحَدَ زمانِه، وفردًا في جميع شانِه" (١).
وهذا الكلام ممَّا ينبغي أن يحفظ؛ لأنه يظهر منزلة ابن العربي وصدقه، ويظهر عَدْلَه وقِسْطَه، وعلمه ومعرفته، وهو شهاد من تلميذٍ إمامٍ في حَقِّ شيخه الإمام الحافظ، رحمهما الله ورضي عنهما.
وقال ابنُ العربي في المدينة النبوية الشريفة: "ولقد وصلتُ إليها والحمد لله، وأشرفتُ من الثَّنِيَّةِ، ورأيتُ النور ساطعًا إلى السماء بفضل الله تعالى، وصلَّيتُ في الروضة، وناجيتُ الرسول وَحْدِي لَيْلًا من جهة رأسه، وتسمَّيتُ له، وتشفَّعتُ به، فنسأل الله الذي يختص برحمته من يشاء، ويمنُّ على من يشاء من عباده؛ أن لا يجعل ذلك عناءً، ولا يُصَحره هباءً، بفضله ورحمته" (٢).
وقال ابنُ العربي -أيضًا- واصفًا هذه المناجاة الشريفة: "وقد كنتُ جِئْتُه ﷺ فناجيتُه من قِبَلِ رأسه الرفيع، بإزاء البلاطة، وقلت له: يا رسول
_________
(١) المقدمة الدراسية لكتاب المتوسط في الاعتقاد: (ص ١٩ - ٢٠).
(٢) سراج المريدين: (٢/ ٤١٣).
стр. 74
الله، إني فلان بن فلان، قَصَدْتُكَ مُسْتَغْفِرًا من ذنبي، مُتَشَفِّعًا بك إلى ربي، وقد بلَّغتنا عنه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾، وقد فَعَلْتُ، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾، فافْعَلْ صلَّى الله عليك ما أخبرتَنا به عنه تعالى، وفارقتُه على هذا" (١).
وهو نَصٌّ يُظْهِرُ تعلق ابن العربي برسول الله ﷺ ، واهتباله بجلاله، وقوله: "إنه رأى نورًا ساطعًا إلى السماء"؛ ممَّا يَدُلُّ على شفوف بصره وبصيرته، ولعله شيء قد خُصَّ به، كما خُصَّ به بعض أهل الله وخاصَّتِه، ومناجاته لرسول الله ومعاهدته مما يَدُلُّ على أن هذه الطريقة سيرة مرويَّة، وحكاية محكيَّة، والله أعلم.
وقال في وصف مكة المعظمة: "وأمَّا من أراد الآخرة فعليه بمكَّة؛ فإنه يرى واديًا وَحِشَ المَنْظَرَةِ، رَمْلَةٌ هامدة، لا تُنبت مَرْعًى، محفوفًا بجبلين؛ شرقيًّا: أبو قُبَيْسٍ، وغربيًّا: كَدَاء -ممدودٌ-، حجارة مُسْوَدَّة، وشماريخه في السماء ممتدة، صَعْبُ المرتقى، عديم المرعى، في بطنه بَيْت قد بُني من حجارة سُودٍ؛ غير مُحْكَمَةِ النَّجْرِ، ولا مُرَتَّبَةِ الوضع، فما هو إلا أن يقع بصرك عليه فتجد لقلبك به عِلَاقَةً أشدَّ من عِلَاقَةِ الجارية الحسناء ذات الجمال، بقلب الشاب الذي عَدِمَ النساء، لا تمل من النظر إليه، ولا تسأم من الطواف به، في أحد أركانه حَجَرٌ أَسْوَد، إذا لَثَمْتَه وجدتَ أعذب من رُضاب الكِعاب، وأشهى من شَمِّ العُرْبِ الأتراب، فإذا غبتَ عنه تَلَفَّتَ قلبُك إليه أبدًا، وطلبتَ المَثَابَةَ إليه باقي عمرك، لغير معنًى
_________
(١) سراج المريدين: (٤/ ٢٢٢ - ٢٢٣).
стр. 75
ظاهر، وإنما هو معنى يضعه الله في قلوب المؤمنين، وآية في حِكْمَتِه، وسَعَةُ رحمةٍ للمؤمنين، وعِيَارٌ على لقائه يوم الدين" (١).
وفيه من رقة قلب ابن العربي، ومن جزالة لفظه؛ الشيء الكثير، وكأنه حديث عاشق محب؛ وَلَّهَهُ الحُبُّ وعذَّبه، ولوَّعه الغرامُ فما قرَّبه، وكأني به يهفو، ولا يغفو، ويرتفع، ولا يتَّضع، وظلَّ هذا حديثَه أبدًا، ونَجِيثَه سرمدًا، يرنو إليه، ويحنو عليه، رحمه الله تعالى ورضي عنه.
شِعْرُه:
وفيها قصائد طوال، أنشأها ابنُ العربي من حُرِّ كلامه، ورقيق لفظه، في تبتله وابتهاله، وشكواه وبلواه، وفيه نصيحته لإخوانه المريدين، وفيها يظهر إخلاصه، ومعاناته، وحَرِيٌّ بها أن تجمع وتضم لأخواتها التي صدرتْ عنه، وله في كل كتاب من كُتُبِه جملة طيبة مباركة، فتُفِيدُ من أراد أن يجمع شِعْرَه ويُخْرِجَه في ديوان من صَنْعَتِه.
فوائدُ رحلته:
وجلب في رحلته هاته نخبةً من الكتب التي لم يتقدَّمه إليها أحد من أهل بلده، ومعها غيرها ممَّا حصَّله في غربته، وسمعه في انتوائه، وفيها كُتُبٌ لم يظهر لها خبر إلى يوم الناس هذا، وعَقَدَ في "سِرَاجِهِ" (٢) هذا فَصْلًا لها، وقد عرَّفنا بها وبندرتها وعِزَّتِها في تعليقاتنا عليها.
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ٦١ - ٦٢).
(٢) سراج المريدين: (٤/ ٣٩٩ - ٤١٠).
следующие страницы →