← Таджвид и кираат

Таджвид и кираат · id 12112

نزول القران الكريم وتاريخه وما يتعلق به

محمد عمر حويه

Полный текст (78 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

مقدمة ... الخطة: (أ) من مقتضيات النزول. (ب) التعريف بالقرآن الكريم وأنه المعجزة العظمى للنبي ﷺ وقد تحدى القرآن الكريم بأساليب متنوعة وكونه معجزاً بألفاظه ومعانيه، وأن الناس لم يُصْرفوا عنه، ورد قول من قال بالصرفة. (ج) التعريف بعلوم القرآن الكريم فناً مستقلاً ومتى ظهر هذا الاصطلاح؟ (د) نزول القرآن الكريم. ١ - متى بدأ النزول، وكم كانت مدة النزول. ٢ - ما المراد بالنزول، وكيف كان يتلقى جبريل الوحي من الله. ٣ - وكم نزولا للقرآن. ٤ - كيف كان يتلقى النبي ﷺ الوحي من جبريل ﵇. ٥ - هل نزل شيء من القرآن على النبي ﷺ إلهاماً أو مناماً؟ ٦ - نزول القرآن جملة إلى سماء الدنيا. ٧ - نزول القرآن مفرقاً. ٨ - حكم التدرج في النزول. ٩ - نزول القرآن على سبعة أحرف. أ – أرجح الأقوال في معناها. ب - الحكمة في كونه نزل على سبعة أحرف. ١٠ – أسباب النزول

стр. 2

أ - تعريف السبب. ب - العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. ١١ - أول ما نزل من القرآن الكريم. أ - أوائل مطلقة. ب - أوائل مقيدة. ١٢ - آخر ما نزل من القرآن الكريم. ١ - أواخر مطلقة. ٢ - أواخر مقيدة. ١٣ - ما يترتب على معرفة أول ما نزل، وآخر ما نزل من الأحكام والفوائد. ١٤ - الخاتمة وفيها بعض النتائج التي توصل إليها الباحث، واقتراح يقترحه. ١٥ - فهرس الآيات ١٦ - فهرس الأحاديث ١٧ - فهرس المراجع ١٨ - فهرس الموضوعات

стр. 3

المقدمة: من مقتضيات النزول: إن ما يسمى بعلوم القرآن الكريم مندرج تحت نزول القرآن الكريم ولازم له، وعليه فلابد من الإلمام في الأسطر التالية بالأمور التالية إجمالاً من غير تفصيل في الدقائق، فذلك شأن الموضوعات الخاصة بالنزول الذي هو موضوع البحث. اعلم أن الأمة اعتنت بنص القرآن الكريم وحفظه وعلى رأس الأمة نبينا محمد ﷺ فقد بلغ من عنايته بالقرآن الكريم وحرصه على حفظه أن كان يعاجل جبريل حين يقرئه القرآن حتى أنزل الله عليه ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٦-١٩) وأنزل عليه ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: ٩) فعندئذ اطمأن الرسول ﷺ على القرآن وكان جبريل يعارض الرسول ﷺ القرآن في كلّ سنة وعارضه القرآن في سنته التي توفي فيها مرتين. وكان ﷺ يعتني بكتابة القرآن الكريم فكان له كتبه يكتبون القرآن الكريم، يقول لهم ضعوا آية كذا في مكان كذا من السورة كذا، وكتب القرآن كله في حياته ﷺ في الرقاع واللخاف بإقراره ﷺ . ومما يدل على عناية المسلمين بالقرآن الكريم أنه حفظه منهم في عهد النبي ﷺ عدد لابأس به، ثم تتابع الحفظ بعد ذلك حتى قيل إنه قتل يوم بئر معونة سبعون من القراء.

стр. 4

ومن مظاهر العناية به أنه لما استحرّ القتل في الحفظة عمد أبو بكر إلى جمعه في مكان واحد في الصحف، واحتاط لذلك الجمع، حيث ألف نخبة من الحفظة، على رأسهم زيد بن ثابت الذي كان كاتب الوحي في حياة النبي ﷺ وقد كان أمير المؤمنين أبو بكر الصديق موفقاً في هذا الجمع، ثم بعد هذا الجمع ظلت الصحف عند أمير المؤمنين أبي بكر في خلافته ثم بعد وفاته انتقلت إلى أمير المؤمنين عمر ﵁ ثم بعد وفاته كانت عند حفصة ﵂ حتى كانت خلافة أمير المؤمنين عثمان ﵁ فحصل في زمن عثمان اختلاف بين القراء في الأمصار، فكان من توفيق الله أن جمع أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ الصحابة، وعرض عليهم اختلاف القراء في الأمصار وفي المدينة، وكان رأيه أن يجمع القرآن في مصحف واحد، فوافقه الصحابة بالإجماع على ذلك، فأرسل إلى حفصة وأخذ منها الصحف، وجمع القرآن في مصحف واحد ووزعه على الأمصار، فكان بذلك موفقاً حيث أدرك الناس قبل أن يختلفوا. ومن مظاهر العناية بالقرآن الكريم عند المسلمين، أنهم حرروا القراءات وفرقوا بين المتواتر والشاذ، وجعلوا قواعد لا يثبت القرآن إلا بها وهي: أولاً:- الإسناد المتصل للقراءة في كل طبقة. ثانياً:- موافقة القراءة لوجه نحوي. ثالثاً:- أن يحتملها الرسم العثماني. وكل قراءة لا تتوفر فيها هذه الشروط، فاعتبرها العلماء شاذة لا تسمى قرآناً، ولا تجوز القراءة بها١.

стр. 5

فكل ما وافق وجه نحوي ... وكان للرسم احتمالا يحوي وصح إسنادا هو القرآن ... فهذه الثلاثة الأركان وحيث ما يختلّ ركن أثبت ... شذوذه لو أنه في السبعة ومن مظاهر العناية بالقرآن الكريم عند هذه الأمة، أنه لابد فيه من التلقي مشافهة، تلقاه النبي ﷺ من جبريل ﵇ شفاها، وتلقاه الصحابة الأثبات العدول من النبي ﷺ ثم تلقاه التابعون الأخيار من الصحابة، كذلك، ثم تلقاه أتباع التابعين من التابعين كذلك، إلى أن وصل إلينا غضا طريا كما أنزل، فالقراءة سنة متبعة لا مدخل للقياس فيها، والاعتماد فيها على التلقي والتواتر. وقد اعتنى المسلمون بالقرآن عناية فائقة، حيث ألَّفوا في كل جزء منه، فرقوا بين مكيه، ومدنيه. وعرَّفوا مَكيه بأنه ما نزل قبل الهجرة،كما عرفوا المَدَني بأنه ما نزل بعد الهجرة، هذا التعريف المختار، ومع تعريف المكي والمدني، فقد جمعوا المكي، وميزوه دون المدني وكل ذلك عناية بالقرآن الكريم. كما اعتنوا بسور القرآن الكريم وآياته، وذكروا أن ترتيب الآيات توقيفي، من النبي ﷺ كما هو الآن، وأما ترتيب السور ففيه خلاف بينهم١، كما ألفوا في أسماء السور، وعدد الآيات ومن هذه العناية الدقيقة اعتناؤهم برسمه الذي رسم به في زمن النبي ﷺ وبإقراره، وأجْمَعَ عليه الصحابة بعد ذلك في زمن عثمان، وذهب الكثير من العلماء إلى أن رسم القرآن توقيفي لا تجوز

стр. 6

مخالفته، حتى إن بعضهم كان يرى أن تكتب الكتابات الأخرى كما كتب القرآن على رسمه وعلى نمطه. وخلاصة القول أن العلماء لم يتركوا شيئاً يتعلق بالقرآن الكريم إلا وكتبوا فيه مثل نَاسخه ومنسوخه، وأقسامه، ومطلقه ومجمله، ولمّا كان هذا البحث الذي كلفنا بالكتابة فيه، تحت عنوان "نزول القرآن" اخترنا الكتابة فيما له صلة وثيقة بالنزول.

стр. 7

التعريف بالقرآن الكريم وأنه المعجزة العظمى للنبي ﷺ : التعريف بالقرآن الكريم وأنه المعجزة العظمى للنبي ﷺ وقد تحدى القرآن بأساليب منوعة، وكونه معجزاً بألفاظه ومعانيه، وأن الناس لم يُصْرفوا عنه، والردّ على من قال بالصرفة. اعلم أن تعريف القرآن الكريم: هو كلام الله المنزّل على محمد ﷺ المتعبد بتلاوته، وقد عرفه صاحب المراقي في ألفيته بقوله١ لفظ منزّل على محمّد ... لأجل الإعجاز وللتعبد٢ ويطلق بالاشتراك اللفظي على مجموع القرآن، وعلى كل آية من آياته٣ فإذا سمعت من يتلو آية من القرآن صح أن تقول إنه يقرأ القرآن ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (الأعراف: ٢٠٤) والقرآن الكريم هو المعجزة الخالدة لنبينا محمد ﷺ إلى يوم القيامة لأن المعجزات على ضربين الأول ما اشتهر نقله وانقرض عصره بموت النبي ﷺ والثاني: ما تواترت الأخبار بصحته وحصوله واستفاضت بثبوته ووجوده ووقع لسامعها العلم بذلك ضرورة، ومن شرطه أن يكون الناقلون له خلقاً كثيراً وجمّا غفيراً، وأن يكونوا عالمين بما نقلوه علماً ضرورياً، وأن يستوي في النقل أولهم وآخرهم ووسطهم في كثرة العدد، حتى يستحيل

стр. 8

عليهم التواطؤ على الكذب، وهذه صفة نقل القرآن، ونقل وجود النبي ﷺ قال القرطبي١: "لأن الأمة ﵂ لم تزل تنقل القرآن خلفاً عن سلف والسلف عن سلفه إلى أن يتصل ذلك بالنبي ﵊، المعلوم وجوده بالضرورة وصدقه بالأدلة المعجزات، والرسول أخذه عن جبريل ﵇ عن ربه ، فنقل القرآن في الأصل رسولان معصومان من الزيادة والنقصان، ونقله إلينا بعدهم أهل التواتر الذين لا يجوز عليهم الكذب فيما ينقلونه ويسمعونه لكثرة العدد، ولذلك وقع لنا العلم الضروري بصدقهم فيما نقلوه من وجود محمد ﷺ ، ومن ظهور القرآن على يديه وتحديه به، فالقرآن معجزة نبينا ﷺ الباقية بعده إلى يوم القيامة مع أن معجزة كل نبي انقرضت بانقراضه أو دخلها التبديل كالتوراة والإنجيل، فلما عجزت قريش عن الإتيان بمثله وقالت: إن النبي ﷺ تقوله أنزل الله تحدياً لهم قوله ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لا يُؤْمِنُونَ فلْيأْتوا فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ (الطور: ٣٣-٣٤) ثم تحدّاهم وأنزل تعجيزاً أبلغ من ذلك فقال ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ (هود: ١٣) . فلما عجزوا حطهم عن هذا المقدار إلى مثل سورة من السور القصار فقال جل ذكره ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ (البقرة: ٢٣) . فأفحموا عن الجواب وتقطعت بهم الأسباب، وعدلوا إلى الحروب والعناد وآثروا سبي الحريم والأولاد، ولو قدروا على المعارضة لكان أهون كثيرا وأبلغ في الحجة وأشد تأثيراً مع كونهم أرباب البلاغة وعنهم تؤخذ الفصاحة. واعلم أن القرآن نفسه هو المعجز بألفاظه ومعانيه لأن فصاحته وبلاغته أمر خارق للعادة إذ لم يوجد كلام قط على هذا الوجه، وما قاله النظام ومن

стр. 9

على شاكلته من أن وجه الإعجاز في القرآن هو أنهم منعوا منه وصرفوا عنه قول فاسد، لأن إجماع الأمة قبل حدوث المخالف أن القرآن هو المعجز، فلو قلنا إن المنع والصرفة هو المعجز لخرج القرآن عن أن يكون معجزاً، وذلك خلاف الإجماع. هذا وقد ذكر العلماء أوجهاً كثيرة للإعجاز نلخص منها ما يأتي بإيجاز:- ١- النظم البديع المخالف لكل نظم معهود في لسان العرب لأن، نظمه ليس من نظم الشعر في شيء وكذلك قال ربّ العزة الذي تولى نظمه ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ (يس: ٦٩) . وفي صحيح مسلم أن أنيساً أخا أبي ذر قال لأبي ذر: لقيت رجلاً بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله. قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر كاهن ساحِرٌ وكان أنيس أحد الشعراء قال أنيس: لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر١ فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون٢. ٢- الأسلوب المخالف لجميع أساليب العرب. ٣- الجزالة التي لا تصح من مخلوق بحال، قال القرطبي٣: وتأمل ذلك في سورة ق والقرآن المجيد إلى آخرها وقوله سبحانه ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ

стр. 10

وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ (الزمر:٦٧) إلى آخر السورة، وكذا قوله ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ (إبراهيم: ٤٢) إلى آخر السورة قال ابن الحصار: فمن علم أن الله هو الحق علم أن مثل هذه الجزالة لا تصح في خطاب غيره، ولا يصح من أعظم ملوك الدنيا أن يقول ﴿ِلمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ (غافر: ١٦) ولا أن يقول ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ﴾ (الرعد: ١٣) ٤- التصرف في لسان العرب على وجه لا يستقل به عربي حتى يقع منهم الاتفاق من جميعهم على إصابته في وضع كل كلمة وحرف مَوْضعه. ٥- الإخبار عن الأمور التي تقدمت في أول الدنيا إلى وقت نزوله، من أمّي ما كان يتلو من قبله من كتاب ولا يخطه بيمينه، مع أنه أخذ بما كان من قصص الأنبياء مع أممها، وذكر ما سأله أهل الكتاب عنه، وتحدوه به من قصة أهل الكهف، وشأن موسى والخضر ﵉، وحال ذي القرنين. ٦- الوفاء بالوعد المدرك بالحس في العيان في كل ما وعد الله سبحانه، وينقسم إلى أخباره المطلقة كوعده بنصر رسوله ﵇، وإخراج الذين أخرجوه من وطنه وإلى وعد مقيد بشرط كقوله ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ (الطلاق:٣) وقوله ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ (التغابن:١١) ٧- الإخبار عن المغيبات في المستقبل التي لا يطلع عليها إلا بالوحي فمن ذلك ما وعد الله نبيه ﵇ أنه سيظهر دينه على الأديان بقوله تعالى ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (التوبة:٣٣) آية ففعل ذلك، وكان أبو بكر ﵁ إذا أغزى جيوشه عرَّفهم ما

стр. 11

وعدهم الله في إظهار دينه ليثقوا بالنصر، وليستيقنوا بالنجح، وكان عمر ﵁ يفعل ذلك، فلم يزل الفتح يتوالى شرقاً وغرباً، براً وبحراً. ٨- ما تضمنه القرآن الكريم من العلم الذي هو قوام جميع الأنام في الحلال والحرام وسائر الأحكام. ٩- التناسب في جميع ما تضمنه ظاهراً وباطناً من غير اختلاف. قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ (النساء:٨٢) . الحكم الكثيرة التي لم تجر العادة بأن تصدر في كثرتها وشرفها من آدميّ.

стр. 12

التعريف بعلوم القرآن فناً مستقلاً ومتى ظهر هذا الاصطلاح: هو علم ذو مباحث تتعلق بالقرآن الكريم من حيث نزوله وترتيبه وكتابته وجمعه وقراءاته وتفسيره وإعجازه وناسخه ومنسوخه ومحكمه ومتشابهه إلى غير ذلك من المباحث التي تذكر في هذا العلم١، وقد يسمى هذا العلم بأصول التفسير لأنه يتناول العلوم التي لابد للمفسر منها٢. وأول ظهور هذا المصطلح لعلوم القرآن فناً مستقلاً كان على يد الحوفي المتوفى ٤٣٠هـ في كتابه "البرهان في علوم القرآن"، ثم تبعه ابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧هـ في كتابه "فنون الأفنان في عجائب القرآن" ثم جاء بدر الدين الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤هـ بكتاب واف سماه "البرهان في علوم القرآن" ثم جاء البلقيني المتوفى سنة ٨٢٤هـ فألف كتابه "مواقع العلوم من مواقع النجوم" ثم جاء خاتمة الحفاظ وفارس الميدان جلال الدين السيوطي المتوفى سنة ٩١١هـ بكتابه "الإتقان في علوم القرآن"، وصار الناس بعده عيالاً عليه، كلٌ يأخذ منه، والبعض يلخص والبعض يختصر. وقد نشط التأليف في علوم القرآن في العصر الحديث مثل كتاب مصطفى صادق الرافعي في إعجاز القرآن، والنبأ العظيم للدكتور محمد عبد الله دراز، وكتاب الشيخ طاهر الجزائري (التبيان في علوم القرآن) وكتاب مناهل العرفان في علوم القرآن للشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني وكتاب المدخل في

стр. 13

علوم القرآن لشيخنا الشيخ الدكتور محمد محمد أبو شهبة ﵀ وكتاب مباحث في علوم القرآن للشيخ مناع القطان ﵀ إلى غير ذلك من التآليف الكثيرة في هذا العصر.

стр. 14

متى بدأ النزول وكم كانت مدة النزول: إن بحث نزول القرآن وتاريخ نزوله، لمن أهم المباحث إذ به تعرف تنزلات القرآن الكريم، ومتى نزل، وكيف نزل، وعلى من نزل وكيف كان يتلقاه جبريل من الله ﵎؟ ولا شك أن العلم بذلك يتوقف على كمال الإيمان، بأن القرآن من عند الله، وأنه المعجزة العظمى للنبي ﷺ ، كما أن كثيراً من المباحث التي تذكر في هذا الفن يتوقف على العلم بنزوله، فهو كالأصل بالنسبة لغيره. أنزل الله القرآن الكريم على رسولنا محمد ﷺ لهداية البشر وإخراجهم من الظلمات إلى النور، فكان نزوله حدثاً جللاً مؤذنا بمكانة النبي ﷺ عند أهل السماء والأرض. فإنزاله الأول في ليلة القدر نبه العالم العلوي على شرف هذه الأمة، وأنها القائدة التي جعلها الله خير أمة أخرجت للناس. قال تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (البقرة الآية ١٨٥) ، فقد مدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور بأنه اختاره من بينها لإنزال القرآن العظيم فيه، قال ابن كثير١: "وكما اختصه بذلك فقد ورد الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تنزل فيه على الأنبياء ".

стр. 15

قال الإمام أحمد بن حنبل١ ﵀ حدثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدثنا عمران أبو العوام عن قتادة عن أبي المليح عن واثلة – يعني ابن الاسقع- أن رسول الله ﷺ قال: أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، والإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان. وقد روى من حديث جابر بن عبد الله وفيه أن الزبور أنزل لثنتي عشرة خلت من رمضان والإنجيل لثماني عشرة والباقي كَمَا تقدم رواه ابن مردويه٢. أما الصحف والتوراة والزبور والإنجيل فنزل كل منها على النبي الذي أنزل عليه جملة واحدة وأما القرآن فكان نزوله الأول جملة واحدة إلى بيت العزة من سماء الدنيا، كما تدل عليه الآيات: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ...﴾ (البقرة: ١٨٥) ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ (الدخان: ٣) . أما تاريخ نزول القرآن منجماً وهو النزول الثاني، فقد كان بعد الأربعين من عمره ﵁ حينما بعث في يوم الاثنين وكان أول ما نزل عليه صدر سورة اقرأ كما ذكر ذلك محققو أهل العلم من أهل التفسير والحديث والسير، قال العلامة الفاسي في نظمه قرة الأبصار في سيرة المشفّع المختار٣:

стр. 16

بيان مبعث النبي الهاد ... صلى عليه أشرف العباد وجاءه جبريل في غار حرا ... من بعد أربعين عاما غبرا في يوم الاثنين بسورة العلق ... صلى عليه الله فالق الفلق فقام يدعو الإنس والجن إلى ... توحيد رّب العالمين مرسلا مؤيّداً منه بِرا أعْيا البشر ... إحصاءه من معجزات كالمطر نفعاً وكثرة وكالسراج ... نورا ورفعة مع ابتهاجي ومع ذا حاصره الفجّار ... كما أتت بذلك الأخبار وكان قادرا على التدمير ... لو شاء لكن جاد بالتأخير حتى هدى الله به من شاء ... منهم ومن أصلابهم أبناء قال في الإتقان١: "أما إنزاله الثاني مفرقاً على حسب الوقائع خلافا لما كان معهوداً عندهم في الكتب السابقة فقد أثار الضجة عند القوم حتى حملهم على المحادّة والمساءلة حتى ظهر لهم الحق فيما بعد من أسرار الحكم الإلهية في إنزاله منجما على حسب الوقائع حتى أكمل الله الدين". هذا وقد يظن البعض أن الآيات من قوله ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ (البقرة:١٨٥) الخ وقوله ﴿حم. وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ﴾ (الدخان:١-٣) الخ وقوله ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ (القدر: ١) . بينها تعارض والواقع أنه لا تعارض بينها، فالليلة المباركة هي ليلة

стр. 17

القدر من شهر رمضان، وإنما يتعارض ظاهرها مع الواقع العملي في حياة الرسول ﷺ لأن القرآن نزل عليه خلال ثلاث وعشرين سنة. وقد روى من غير وجه عن ابن عباس كما قال إسرائيل عن السدي عن محمد بن أبي المجالد عن مقسم عن ابن عباس أنه سأله عطية بن الأسود فقال وقع في قلبي الشك من قول الله تعالى ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ وقد أنزل في شوال وذي القعدة وفي ذي الحجة ومحرم، وصفر وشهر ربيع فقال ابن عباس وجمهور العلماء: إن المراد بنزول القرآن في تلك الآيات الثلاث، نزوله جملة واحدة إلى بيت العزة من السماء الدنيا تعظيما لشأنه عند الملائكة، ثم أنزل بعد ذلك منجما على مواقع النجوم ترتيلاً في الشهور والأيام في ثلاث وعشرين سنة، حسب الوقائع والأحداث منذ بعثه ﷺ إلى أن توفى حيث أقام بمكة بعد البعثة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة بعد الهجرة عشر سنين وهذا المذهب هو الذي جاءت به الأخبار الصحيحة عن ابن عباس في عدة روايات منها: عن ابن عباس قال أنزل القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا١ ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة ثم قرأ ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ (الفرقان: ٣٣) . وقوله ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ (الإسراء: ١٠٦) . ٢- وعن ابن عباس ﵄ قال: فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا فجعل جبريل ينزل به على النبي ﷺ .

стр. 18

٣- وعن ابن عباس ﵄ قال: أنزل الله القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا وكان بمواقع النجوم وكان الله ينزله على رسوله ﷺ بعضه إثر بعض. رواه الحاكم والبيهقي١. ٤- وعنه ﵁ قال أنزل القرآن في ليلة القدر في شهر رمضان إلى السماء الدنيا جملة واحدة ثم أنزل نجوماً "رواه الطبراني". ٢- المذهب الثاني هو المروي عن الشعبي أن المراد بنزول القرآن في الآيات الثلاث ابتداء نزوله على رسول الله ﷺ ، فقد ابتدأ نزوله في ليلة القدر من شهر رمضان وهي الليلة المباركة، ثم تتابع نزوله بعد ذلك مندرجاً مع الوقائع والأحداث في قرابة ثلاث وعشرين سنة. قال: فليس للقرآن إلا نزول واحد هو نزوله منجما على رسول الله ﷺ لأن هذا هو الذي جاء به القرآن قال تعالى ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ (الإسراء:١٠٦) ، ولهذا جادل فيه المشركون لكون الكتب السماوية نقل إليهم نزولها جملة واحدة قال تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ (الفرقان:٣٢-٣٣) . قال: ولا يظهر للبشرية مزية لشهر رمضان وليلة القدر التي هي الليلة المباركة إلا إذا كان المراد بالآيات الثلاث نزول القرآن على رسول الله ﷺ وهذا يوافق ما جاء في قوله تعالى في غزوة بدر ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (الأنفال:٤١) . وقد

стр. 19

كانت غزوة بدر في رمضان، ويؤيد هذا ما عليه المحققون في حديث بدء الوحي. عن عائشة قالت "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح"١ فالمحققون على أن رسول الله ﷺ نبئ أولاً بالرؤيا في الشهر الذي ولد فيه وهو شهر ربيع الأول، وكانت المدة بين الرؤيا والوحي إليه يقظة ستة أشهر ثم أوحي إليه يقظة بـ ﴿اقْرَأْ﴾ . قال الشيخ مناع القطان رحمه الله٢ "وبهذا تتآزر النصوص على معنى واحدٍ". ٣- المذهب الثالث يرى أن القرآن أنزل إلى السماء الدنيا في ثلاث وعشرين ليلة قدر في كل ليلة منها ما يقدر الله إنزاله في كل السنة، وهذا القدر الذي ينزل في ليلة القدر إلى السماء الدنيا لسنة كاملة ينزل بعد ذلك منجماً على رسول ﷺ في جميع السنة. ولا شك أن هذا المذهب اجتهاد من بعض المفسرين فليس هناك ما يدل عليه، أما المذهب الثاني فإنه لا تعارض بينه وبين المذهب الأول الذي هو مذهب ابن عباس والجمهور. فالراجح أن القرآن الكريم له تنزّلان، كما علمت: الأول:- نزوله إلى بيت العزة من سماء الدنيا جملة.

стр. 20

وقد نقل القرطبي١ الإجماع على هذا النزول عن مقاتل بن حيان وممن قال بقوله الخليمي والماوردي٢. الثاني نزوله من السماء الدنيا مفرقا على مدى ثلاث وعشرين سنة.

стр. 21

الحكمة في إنزال القرآن جملة إلى السماء: ١- تفخيم أمره وأمر مَن نزل عليه، وذلك بإعلام سكان السموات السبع أن هذا آخر الكتب المنزلة على خاتم الرسل لأشرف الأمم. قال السيوطي: نقلاً عن أبي شامة في المرشد الوجيز " لولا أن الحكمة الإلهية اقتضت وصوله إليهم منجما بحسب الوقائع لهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله، ولكن الله باين بينه وبينها فجعل له الأمرين: إنزاله جملة ثم إنزاله مفرّقاً تشريفاً للمنزل عليه"١. ٢ - وقال السخاوي في جمال القراء:" نزوله إلى السماء الدنيا جملة تكريم لبني آدم وتعظيم لشأنهم عند الملائكة، وتعريفهم عناية الله بهم ورحمته لهم ". والقرآن بالاستقراء كان ينزل حسب الحاجة خمس آيات وعشر آيات وأكثر وأقل، وصح نزول عشر آيات في قصة الإفك جملة. ونزول عشر آيات من أول سورة المؤمنون جملة، كما صح نزول ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ وحدها وهي بعض آية وكذا قوله ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ إلى آخر الآيات. ويوضح ذلك ما أخرجه البخاري٢ عن عائشة ﵂ قالت: إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب

стр. 22

الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل "لا تزنوا" لقالوا لا ندع الزنى أبدا. اعلم أن القرآن الكريم له وجودات ثلاثة:- ١ - وجوده في اللوح المحفوظ. ٢ - وجوده في السماء الدنيا. ٣ - وجوده في الأرض. بنزوله على النبي ﷺ ، ولم يقترن النزول إلا بالوجود الثاني والثالث وقد دل القرآن الكريم أنه كان قبل نزوله في اللوح المحفوظ حيث يقول الله تعالى ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (البروج: ٢١-٢٢) . وهذا اللوح المحفوظ هو الكتاب المكنون الذي قال الله عنه ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ. فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ. لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (الواقعة: ٧٧-٨٠) والذي عليه جمهور المفسرين أن الكتاب المكنون هو اللوح المحفوظ، واللوح المحفوظ هو السجل العام الذي كتب الله فيه في الأزل كل ما كان وكل ما يكون، والواجب علينا أن نؤمن به وأنه موجود ثابت، أما البحث فيما وراء ذلك فلسنا مطالبين به. أما كيف كان جبريل يتلقى الوحي، فلا يركن إلى شيء مما قيل في ذلك إلا ما أومأ له الدليل، وأولى قول في هذا المجال هو ما ذكره البيهقي في تفسير قوله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ قال: يريد والله أعلم "إنا أسمعنا الملك وأفهمناه إيّاه وأنزلناه بما سمع، وهذا القول يشهد له ما رواه الطبراني من حديث النواس بن سمعان" مرفوعاً إلى النبي ﷺ قال: "إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله فإذا سمع بذلك أهل السماء

стр. 23

صعقوا وخروا سجداً، فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله بوحيه بما أراد فينتهي به حيث أمر" والحديث وإن لم يكن نصاً في القرآن إلا أن الوحي يشمل وحي القرآن وغيره١. أما قول من قال إن جبريل أخذ القرآن من الكتاب، لم يسمعه من الله، فهذا قول باطل كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية٢ وقد أخبر تعالى بأنه منزل منه قال تعالى ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ (الأنعام: ١١٤) وقال تعالى ﴿حم. تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (فصلت: ١-٢) . وقال تعالى ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ (الأحقاف: ١-٢) . فجبريل رسول الله من الملائكة جاء به إلى رسول الله ﷺ من البشر والله يصطفي من الملائكة رسلاً ومن الناس. وكلاهما مبلغ له. قال شيخ الإسلام ابن تيمية٣:" وهو مع هذا كلام الله ليس لجبريل ولا لمحمد فيه إلا التبليغ والأداء كما أن المعلمين له في هذا الزمان والتالين له في الصلاة أو خارج الصلاة ليس لهم فيه إلا ذلك لم يحدثوا شيئاً من حروفه ولا معانيه ". قال الإمام السيوطي٤ قال الجويني: كلام الله المنزل قسمان: أ - قسم قال الله لجبريل قل للنبي ﷺ -الذي أنت مرسل إليه إن الله يقول افعل كذا وكذا، ففهم جبريل ما قاله ربه، ثم نزل على ذلك النبي ﷺ

стр. 24

وقال له ما قاله ربه ولم تكن العبارة تلك العبارة، كما يقول الملك لمن يثق به: قل لفلان يقول لك الملك اجتهد في الخدمة واجمع جندك للقتال. فإن قال الرسول بقول الملك لا تتهاون في خدمته ولا تترك الجند تتفرق وحثهم على المقاتلة لا ينسب إلى كذب ولا تقصير في أداء الرسالة. ب – قسم آخر قال الله لجبريل اقرأ على النبي هذا الكتاب فنزل جبريل بكلمة من الله من غير تغيير كما يكتب الملك كتابا ويسلمه إلى أمين ويقول له اقرأه على فلان فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفاً. قال السيوطي: القرآن هو القسم الثاني، والقسم الأول هو السنة، وقد ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة كما ينزل بالقرآن قال: ولهذا جازت رواية السنة بالمعنى بخلاف القرآن الكريم فإنه نزل جبريل بألفاظه ومعانيه فلا تجوز روايته بالمعنى. والسر في ذلك أن القرآن يقصد التعبد بألفاظه وهو كذلك معجز فلا يمكن لأحد مَهْمَا أوتي من البلاغة والفصاحة أن يأتي بلفظ يقوم مقامه. كما أن فيه تخفيفاً على الأمة حيث جعل المنزل إليهم على قسمين قسم يروونه بلفظه الموحي به وقسم يروونه بالمعنى، ولو جعل كله مما يروي باللفظ، لشق، أو بالمعنى لم يؤمن التبديل. قال صاحب المدخل١: "وكذلك ليس للنبي ﷺ في القرآن شيء إلاّ مجرَّد التبليغ فقط وهذا هو الحق الذي يجب على كل مسلم أن يعتقده ويؤمن به ". قال: ولا يلتفت إلى ما زعمه بعض من يهرف بما لا يعرف، أو من يفتري ويختلق من أن جبريل أوحي إليه المعنى، وأنه عبّر بهذه الألفاظ الدالة على

стр. 25

المعاني بلغة العرب، ثم نزل على النبي ﷺ كذلك أو أن جبريل أوحى إلى النبي ﷺ المعنى أن النبي ﷺ عبر عن هذه المعاني بلفظ من عنده فهذا القول زعم وَخَرْصٌ لم تقم عليه أثارة من علم. وهو خلاف ما تواتر عليه القرآن والسنة، وانعقد عليه إجماع الأمة من أن القرآن لفظه ومعناه كلام الله ومن عند الله مِنهُ بدأ وإليه يعود. إلى أن قال: وهذا الزعم لا يقول به إلا جاهل استولى الجهل والغفلة عليه أو زنديق قد يدس في الدين والعلم ما ليس منه. ولا يغتر بوجوده في بعض الكتب الإسلامية، فأغلب الظن أنه مَدْسوسٌ على الإسلام والمسلمين هذا وقد بلغ النبي ﷺ القرآن الكريم من غير تحريف ولا تبديل ولا تغيير لشيء منه ولا كتمان له، ولو كان كاتماً شيئاً " حاشاه من ذلك " لكتم تبليغ الآيات التي عوتب فيها ويكفي أن تقرأ قول الحق ﵎ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ (المائدة،: ٦٧.) وقوله ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ (يونس: ١٥.) وقوله ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (الحاقة: ٤٤-٤٧)

стр. 26

كيف كان يتلقى النبي ﷺ الوحي من جبريل: ١-أحيانا يأتي جبريل ﵇ للنبي ﷺ في صفة رجل من البشر وكان كثيراً ما يأتي في صورة دحية الكلبي. ٢-وأحياناً يأتي ولا يراه الحاضرون، وقد يسمعون له دوياً وصلصلة كصلصلة الجرس. ودل على هاتين الحالتين من الوحي ما رواه البخاري في صحيحه١ بسنده عن عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام رضي الله تعالى عنه سأل رسول الله ﷺ كيف يأتيك الوحي؟ فقال: أحياناً يأتيني مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليَّ، فيقصم عَنّي وقد وعيت منه ما قال: وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي ما يقول ... الخ هذا والقرآن الكريم لم ينزل منه شيء إلا عن طريق جبريل ﵇ ولم يأت منه شيء عن تكليم أو إلهام أو منام، بل كله أوحي به في اليقظة وحيا جلياً٢.

стр. 27

نزول القرآن مفرقا –منجما -: قال تعالى ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ. بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ (الشعراء: ١٩٢-١٩٥) . وقال تعالى ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ (النحل: ١٠٢) . ويقول تعالى ﴿حم تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (الجاثية ١-٣) . وقال تعالى ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ (البقرة: ٢٣) . وقال تعالى ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (البقرة: ٩٧) . فهذه الآيات ناطقة بأن القرآن الكريم كلام الله بألفاظه العربية وأن جبريل نزل به على قلب رسول الله ﷺ وأن هذا النزول غير النزول الأول إلى السماء الدنيا فالمراد به نزوله منجما، ويدل التعبير بلفظ التنزيل دون الإنزال على أن المقصود النزول على سبيل التدرج والتنجيم فإن علماء اللغة يفرقون بين الإنزال والتنزيل فالتنزيل لما نزل مفرقا، والإنزال أعم١. فقد نزل القرآن الكريم على مدى ثلاث وعشرين سنة ثلاث عشرة بمكة على القول الراجح، وعشر بالمدينة المنورة. من الأدلة على نزول القرآن مفرقاً قوله تعالى ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ (الإسراء: ١٠٦) . والمعنى:جعلنا نزوله

стр. 28

مفرقا كي تقرأه على الناس على مهل وتثبت، ونزلناه تنزيلاً بحسب الوقائع والأحداث١. قال الزرقاني في مناهل العرفان٢:"وفي تعدد النزول وأماكنه، مرة في اللوح وأخرى في بيت العزة، وثالثة على قلب النبي ﷺ ، في ذلك التعدد مبالغة في نفي الشك عن القرآن الكريم، وزيادة للإيمان لأن الكلام إذا سجل في سجلات متعددة، وصحت له وجودات كثيرة كان ذلك أنفى للريب عنه، وأدعى إلى تسليم ثبوته، وأدنى إلى وفرة الايقان به مّما لو سجّل في سجل واحد، أو كان له وجود واحد ".

стр. 29

نزول الكتب السماوية الأخرى: الصحيح المشهور بين العلماء أن الكتب السماوية غير القرآن نزلت جملة واحدة ولم تنزل متفرقة، ومن الأدلة على ذلك آية الفرقان، وهي قوله تعالى ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ (الفرقان: ٣٢) . فهذه الآية دليل على أن الكتب السماوية غير القرآنية نزلت جملة واحدة كما على ذلك جمهور العلماء. ووجه الدلالة أن الله لم يكذبهم في دعواهم أن الكتب السماوية نزلت جملة واحدة، فلو كان نزول الكتب السماوية مفرقا لما كان هناك ما يدعو الكفار إلى التعجب من نزول القرآن مفرقاً منجما، لأن معنى قوله ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ هلاّ أنزل عليه القرآن دفعة واحدة كسائر الكتب، وما له أنزل على التنجيم ولم ينزل مفرقا، بل بيَّن لهم الحكمة من نزول القرآن منجما، ولو كانت الكتب السماوية نزلت مفرقة لكان يكفي في الرد عليهم أن يقول لهم إن التنجيم سنة الله في الكتب التي أنزلت على الرسل كما أجاب بمثل ذلك في قولهم ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (الفرقان: ٧) . قال في الرد عليهم ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (الفرقان: ٢٠) . فبيّن لهم أن ذلك سنن المرسلين والأنبياء١.

стр. 30

الحكم التي تستفاد من نزول القرآن مفرقاً منجما: هذا ولا شك أن في نزول القرآن منجما -مفرقا- على حسب الوقائع والأحداث حِكَما وأسراراً عظيمة، كيف وذلك التنجيم ممّن أنزل القرآن وهو سبحانه أعلم بما يصلح عبادة ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (الملك: ١٤) . يعلم سبحانه المنهج الصالح لتربية الأمّة المنهج الذي يجعلها أمّةً منقادة لأوامر الله، منتهية عن مساخطه. ونلخص هنا بعض الحكم التي ذكرها العلماء والباحثون في هذا المجال:- ١- الحكمة الأولى تثبيت فؤاد النبي ﷺ وتطمين خاطره وقلبه وقد أشار الحق ﵎ إلى هذه الحكمة في قوله ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾ (الفرقان: ٣٢.) ويندرج تحت هذه الحكمة كثير. لقد وجه رسول الله صلى اله عليه وسلم دعوته إلى الناس فوجد منهم نفوراً شديداً وقلوباً قاسية، قابله قومه بقلوب قاسية فطرت على الأذى، وقابلوه بصنوف الأذى والشتم مع رغبته الصادقة وسعيه المشكور في إيصال الخير الذي جاء به إليهم حتى قال الله تعالى في حقه ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً﴾ (الكهف: ٦) فكان الوحي ينزل على رسول الله ﷺ فترة بعد فترة ليثبت فؤاده على الحق ويقوي عزمه على المضي في الخير. وقد بين الله أن سنته في أنبيائه السابقين أنهم كذبوا وأوذوا فصبروا حتى جاءهم نصر الله، وبيَّن كذلك أن قومه ما كذبوه إلا استكبارا وعلوا، وردّاً للحَق، فيجد الرسول ﷺ في ذلك تسلية له قال تعالى ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ

стр. 31

لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (الأنعام: ٣٣) . ﴿َلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ﴾ (الأنعام: ٣٤) . ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ جَاءُوا بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَالْكِتَابِ الْمُنِيرِ﴾ (آل عمران: ١٨٤) .، ونجد القرآن يأمره بالصبر في قوله تعالى ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ (الأحقاف: ٣٥) . فكلما اشتد ألم رسول الله ﷺ بسبب تكذيب قومه وداخله الحزن لأذاهم، نزل القرآن دعما وتسلية له عما يعانيه من قومه فهدد المشركين المكذبين بأنه يعلم أحوالهم وسيجازيهم بما يستحقون قال تعالى ﴿فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ (سورة يس: ٧٦) ، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ (المائدة: ٦٧) . وقال: ﴿وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً﴾ (الفتح: ٣.) ، قال ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾ (المجادلة: ٢١) . وأحياناً تنزل الآيات بوعيد المكذبين للأنبياء كما قال تعالى ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتاً وَهُمْ نَائِمُونَ أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾ (الأعراف: ٩٧-٩٨) وآونة تنزل الآية بالبراهين والحجج الدامغة في الرد عليهم فيما يتمسكون به من شبه واهية، كالآيات الواردة في إثبات توحيده وصفاته، واستحقاقه للعبادة وإثبات البعث والحشر، وكان من ثمرة هذا التثبت أن أبدى النبي ﷺ غاية الثبات والشجاعة والوثوق بالله في أحرج المواقف وأشدها هولاً. انظر إلى قوله للصديق في الغار ﴿لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ (التوبة: ٤٠) .

стр. 32

وهكذا كانت آيات القرآن تنزل على رسول الله ﷺ تباعاً تسلية له بعد تسلية، وعزاء حتى لا يأخذ منه الحزن مَأخذه، ولا يجد اليأس إلى نفسه سبيلا. ٢ – من الحكم البارزة تيسير حفظ القرآن الكريم وفهمه على النبي ﷺ فقد كان النبي ﷺ حريصاً على ذلك غاية الحرص، حتى إنه كان يعاجل جبريل ولا ينتظره حتى يفرغ حتى أنزل الله ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ (طه الآية ١١٤) . وقال تعالى ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (القيامة: ١٦-١٩) . هذا وإن القرآن الكريم نزل على أمة أمية لا تعرف الكتابة ولا القراءة وكانت ذاكرتها وحفظها هما السجلُّ لها، لا دراية لها بالكتابة حتى تكتب وتدون ثم تحفظ قال تعالى ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ (الجمعة: ٢) . وقال تعالى ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ﴾ (الأعراف: ١٥٧) . فلو نزل القرآن جملة واحدة على هذه الأمة الأمية التي لا تعرف الكتابة ولا التدوين لم يصح لها أن تحفظ القرآن كله بيسر، وكان نزوله مفرقاً أكبر عون لها على حفظه في صدورها وفهمها لآياته. كلما نزلت الآية فهمها الصحابة، وتدبروا معانيها، وقد كان هذا منهجاً لحفظ القرآن في عهد التابعين. عن أبي نضرة قال: "كان أبو سعيد الخدري يعلمنا القرآن خمس آيات بالغداة وخمس آيات بالعشي، ونجد أن جبريل نزل بالقرآن خمس آيات خمس

стр. 33

آيات" أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس، وعن خالد بن دينار قال: "قال لنا أبو العالية تعلموا القرآن خمس آيات خمس آيات فإن النبي ﷺ كان يأخذه من جبريل خمساً أخرجه البيهقي" ١. ٣- من الحكم كذلك التدرج في تربية الأمة دينيا وخلقيا واجتماعيا وعقيدة وعلماً وعملا وهذه الحكمة أشار إليها القرآن في قوله ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ (الإسراء: ١٠٦) لقد تدرج القرآن الكريم في انتزاع العقائد الفاسدة والعادات الضارة والمنكرات الماحقة، فقد بعث النبي ﷺ إلى قوم يعبدون الأصنام ويشركون بالله، ويسفكون الدماء، ويئدون البنات ويشربون الخمر ويقتلون النفس لأتفه الأسباب، ويفعلون القبائح ومعلوم أن النفس يشق عليها ترك ما ألفته وتعودته مرة واحدة كما يصعب رجوعها وإقلاعها عما اعتقدته بمجرد النهي عنه للعقائد والعادات سلطان على النفوس، والناس أسراء ما ألفوا ونشأوا عليه، فلو أن القرآن نزل جملة واحدة، وطالب بالتخلي عما هم منغمسون فيه من الكفر والجهل والمنكرات مرة واحدة لما استجاب إليه أحد. لذلك اقتضت حكمة الله أن يتدرج القرآن في انتزاع العقائد الفاسدة فينهى أولا عن عبادة غير الله فإذا ما أقلعوا عنه، أخذ في النهي عن منكر آخر وهكذا تدرج القرآن معهم في انتزاع المنكر الواحد كما حدث في تحريم الخمر فقد نزل فيه أول ما نزل ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فشربها قوم وتركها آخرون ثم إن بعض المسلمين صنع طعاماً ودعا أصحابه فأكلوا وشربوا ثم قام أحدهم ليصلي بهم فقرأ: قل يا

стр. 34

أيها الكافرون فخلط فيها ونقص وزاد، فأنزل الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ (النساء: ٤٣.) فكانوا بعد ذلك يتركونها عند الصلوات وفي الأوقات القريبة منها حتى لا يقعوا في مثل هذا الخلط، وبذلك صار من السهل تحريمها تحريماً باتاً، فقد صنع بعض المسلمين طعاماً فأكلوا وشربوا حتى لعبت الخمر برؤوسهم فتناشدوا الأشعار فتشاجروا حتى شج أحدهم رأس الآخر فقال الفاروق عمر: اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافياً فحرمها الله بعد ذلك تحريماً باتا حيث أنزل فيها ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ إلى قوله ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ فقال عمر: انتهينا فمن ثم اقتضت الحكمة نزول القرآن مفرقا١. من الحكم كذلك: التدرج في تثبيت العقائد الصحيحة والأحكام التعبدية والعملية والآداب والأخلاق الفاضلة. فقد أمر القرآن أولاً بالإيمان بالله وصفاته، وعبادته وحده، حتى إذا ما آمنوا بالله دعاهم إلى الإيمان باليوم الآخر، ثم بالإيمان بالرسل والملائكة حتى إذا ما اطمأنت قلوبهم بالإيمان، وأشربوا حبه، سهل عليهم بعد ذلك تقبل الأوامر، والتشريعات التفصيلية والأحكام العلمية والفضائل والآداب العالية، فأمروا بالصلاة والصدق والعفاف ثم بالزكاة ثم بالصوم، ثم بالحج، كما بينت أحكام النكاح، والطلاق والرجعة والمعاملات من بيع وشراء وتجارة إلى غير ذلك من المعاملات.

стр. 35

وقد أشارت أم المؤمنين عائشة ﵂ إلى هذه الحكمة كما في صحيح البخاري١ قالت عائشة: إنما نزل من القرآن أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع الزنى أبدا. وقد دل القرآن بهذه السياسة الحكيمة الرشيدة في إصلاح الشعوب وتهذيب أخلاقها على أنه معجز وأنه كلام الله، فما كان لبشر مهما كان ذكاؤه أن يتوصل إلى هذه الطرق الحكيمة، في الوقت الذي بعث فيه نبينا ﷺ ولكن هذا من صنع العليم الخبير. ٤ -– من الحكم كذلك، تثبيت قلوب المؤمنين وتعويدهم على الصبر والتحمل بذكر قصص الأنبياء، وما لاقوه وأن العاقبة للمتقين كقوله تعالى ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى﴾ (النور الآية ٥٥) وكقوله ﴿الم. أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت الآية ١-٣) . ٥ - التحدي والإعجاز: فالمشركون تمادوا في غيهم وبالغوا في عتوهم، وكانوا يسألون أسئلة تعجيز وتحدّ يمتحنون بها رسول الله ﷺ في نبوته، ويسوقون له من ذلك كل عجيب كعلم الساعة ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ

стр. 36

السَّاعَةِ﴾ (الأعراف: ١٨٧) . وكقوله ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ (سورة الحج: ٤٧) . وحيث عجبوا من نزول القرآن منجماً بين الله لهم الحق في ذلك، فإن تحديهم به مفرقاً مع عجزهم عن الإتيان بمثله أدخل في الإعجاز، وأبلغ في الحجة من أن ينزل جملة ويقال لهم جيئوا بمثله، ولهذا جاءت الآية عقب اعتراضهم ﴿لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ (الفرقان:٣٢) . ويشير لهذه الحكمة ما جاء في بعض الروايات من حديث ابن عباس عن نزول القرآن فكان المشركون إذا أحدثوا شيئاً أحدث الله لهم جواباً، أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس١. قال في المدخل٢ فنزوله منجماً مفرقاً من أقوى الأدلة على أنه معجز وأنه كلام الله، إذ لو أنزله الله جملة واحدة لكانت لهم حجة أن يقولوا شيء نزل علينا مرة واحدة، فلو نزل علينا مفرقا لعارضناه فقطع الله عليهم تلك الحجة فكأنه يقول لهم إن كنتم تقولون إنه ليس كلام الله، فأتوا بسورة مثله أو بعشر سور، أو آية، فسجل عليهم العجز الأبدي. ومع نزوله مفرقاً على مدى بضع وعشرين سنة كان غاية في روعة الأسلوب ورصانة الألفاظ، لا تفاوت فيه، فكان بذلك معجزا. من الحكم كذلك: الدلالة القاطعة على أن القرآن الكريم تنزيل من حكيم حميد.

стр. 37

ومن المعلوم أن القرآن الكريم نزل مفرقا على مدى عشرين سنة حسب الوقائع والأحداث، ومع طول هذه الفترة، كانت تنزل منه الآية والآيات الكثيرة، والآيات القليلة على اختلاف الموضوعات ومع ذلك كان أسلوبه أسلوباً واحداً لم يتغير في فصاحته وجزالته وقوته، فأسلوبه واحد، مترابط بعضه ببعض، لا انفكاك فيه متناسق الآيات والسور كأنه عقد واحد ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ فلو كان من كلام البشر وقد قيل في مناسبات كثيرة، وموضوعات مختلفة متباينة، لوقع فيه التفكك والانفصام قال تعالى ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً﴾ هذا والحكم التي أخذت من نزول القرآن مفرقاً منجما كثيرة لا تكاد تحصر، وقد نثرها علماء هذا الفن في كتبهم وقد لخصنا منها ما ذكرنا تلخيصاً، نرجو الله أن يفقهنا في الدين وأن يجنبنا الزيغ.

стр. 38

الكلام في نزول القرآن على سبعة أحرف: بما أن هذا الموضوع من أخصّ موضوعات نزول القرآن لابد من التطرق إليه على انفراد بإيجاز، مع العلم أن الموضوع تكلم فيه العلماء قديماً وحديثاً وأكثروا فيه الأقوال، ولاسيما المعنى المراد بكونه نزل على سبعة أحرف وأنا أتناوله حسب المحاور التالية: المحور الأول: النصوص الدالة على نزوله على سبعة أحرف: اعلم أيها القارئ الكريم أن حديث أنزل القرآن على سبعة أحرف جاء عن كثير من الصحابة حتى ذكر بعض العلماء عنه التواتر، وممن قال بذلك أبو عبيد القاسم بن سلام، وقد ذكر السيوطي في الإتقان أنه جاء عن واحد وعشرين من الصحابة١. منهم على سبيل المثال: أبي بن كعب، وأنس بن مالك، وحذيفة بن اليمان وزيد بن أرقم، وسمرة بن جندب، وسليمان بن صرد، وابن عباس وابن مسعود وعبد الرحمن بن عوف، وعثمان بن عفان، وعمر بن الخطاب، وغير هؤلاء وأخرج الحافظ أبو يعلى في مسنده أن عثمان قال على المنبر "أذكر الله رجلاً سمع النبي ﷺ قال:" إن القرآن أنزل على سبعة أحرف كلها٢ كاف شاف لما قام فقاموا حتى لم يحصوا فشهدوا بذلك فقال: وأنا أشهد معهم، قال في المدخل:" وهذا يدل على أن الحديث كان معروفاً مشهوراً غاية

стр. 39

الشهرة في زمن الصحابة، ولكن هل نقله عنهم في كل طبقة جماعة كثيرون ممن يثبت بهم التواتر قال هذا ما يحتاج إلى إثبات وإلا فغاية أمره أنه مشهور من الأحاديث الدالة على نزول القرآن على سبعة أحرف ". ١ - ما جاء في الصحيحين بسندهما عن ابن عباس ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: أقرأني جبريل على حرف فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف "١.٢ - وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما بسنديهما عن ابن شهاب الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد القارئ أخبراه أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره٢ في الصلاة، فصبرت حتى سلم فلببته بردائه فقلت مَن أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ قال: أقرأنيها رسول الله ﷺ قلت كذبت فإن رسول الله ﷺ أقرأنيها على غير ما قرأت فانطلقت به أقوده إلى رسول الله ﷺ فقلت إني سمعت هذا يقرأ بسورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها فقال رسول الله ﷺ أرسله اقرأ ياهشام فقرأ عليه القراءة التي سمعته يقرأ فقال رسول الله ﷺ :كذلك أنزلت، ثم قال اقرأ ياعمر فقرأت القراءة التي أقرأني فقال رسول الله ﷺ : كذلك أنزلت إن القرآن أنزل على سبعة أحرف فاقرؤوا ما تيسر منه" ٣.

стр. 40

٣ – روى مسلم في صحيحه بسنده عن أبيّ بن كعب أن النبي ﷺ كان عند أضاة١ بني غفار قال فأتاه جبريل ﵇ فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك. ثم أتاه الثانية فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ثم جاءه الثالثة فقال إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف فقال: أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأي حرف قرؤوا عليه فقد أصابوا. ٤ – روى مسلم بسنده عن أبي بن كعب قال: كنت في المسجد، فدخل رجل يصلي فقرأ قراءة أنكرتها عليه، ثم دخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه٢ فلما قضينا الصلاة، دخلنا جميعاً على رسول الله ﷺ فقلت إن هذا قرأ قراءة أنكرتها عليه، ودخل آخر فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأمرهما رسول الله ﷺ فقرآ فحسن النبي ﷺ شأنهما فسقط في نفسي من التكذيب، ولا إذ كنت في الجاهلية. فلما رأى رسول الله ﷺ ما قد غشيني ضرب في صدري ففضت عرقا، وكأنما أنظر إلى الله فقال لي ياأبيّ أرسل إلي أن اقرأ القرآن على حرف فرددت عليه، أن هون على أمتي فرد إلى الثانية اقرأه على حرفين فرددت إليه أن هون على أمتي فرد إلى الثالثة اقرأه على سبعة أحرف،
следующие страницы →