← Книги сунны

Книги сунны · id 12115

هداية الرواة - مع تخريج المشكاة الثاني للألباني

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (2 445 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

هداية الرُّواة إلى تخريج أحاديث المصابيح والمشكاة تصنيف الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة (٨٥٢) ﵀ وبحاشيته النقد الصريح لما انتُقد من أحاديث المصابيح للإمام العلائي والأجوبة على أحاديث المصابيح للحافظ ابن حجر تخريج العلّامة المحدث محمد ناصر الدين الألباني ﵀ تحقيق علي بن حسن بن عبد الحميد الحلبي المجلد الأول دار ابن القيِّم دار ابن عفَّان

стр. 2

جميع الحُقوق محفوُظة الطبعة الأولى ١٤٢٢ هـ - ٢٠٠١ م دار ابن القيم للنشر والتوزيع هَاتف: ٨٢٧٤٥٤٥ - فاكس: ٨٠٥٦٥٥٤ الدمَّام - مدينة العمال - ص. ب: ٢٠٧٤٥ الرمز البريدي: ٣١٩٥١ بريد الخبر دار ابن عفان للنشر والتوزيع القاهرة - ١١ ش درب الأتراك - الأزهر - خلف الجامع الأزهر الجيزة- ت: ٣٢٥٥٨٢٠ - ص. ب: ٨ بين السرايات هاتف محمُول: ٠١٠١٥٨٣٦٢٦ جمهورية مصر العربية E.mail: ebnaffan@hotmail.com

стр. 3

بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة التحقيق إِنَّ الْحَمْدَ لله؛ نَحْمَدُهُ، وَنسْتَعِينهُ، وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعوذُ بالله مِنْ شُرورِ أَنْفِسِنا، وَمِنْ سَيِّئاتِ أَعْمالِنا؛ مَنْ يَهْدِهُ الله فلا مُضِل لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هادِيَ لَهُ. وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاّ الله -وَحْدَه لا شَرِيكَ لَهُ-. وَأَشْهَدُ أَن؛ مُحمدًا عَبْدُة وَرَسولهُ. أَمّا بَعْدُ: فإن كِتَابَنا هَذا -بِحَمْدِ الله- مِنْ أَجَلِّ كُتُبِ السُّنةِ الْجَوامِع؛ الّتي حَوَتْ بَيْنَ دَفتَيْها بضْعَةَ آلافٍ مِنْ نُصُوصِ حَدِيثِ رَسُولِ الله ﷺ قَولِيَّةً وَفِعْلِيةً-؛ بالإضافَةِ إلى مِئاتِ الْمَرْوِيّاتِ السلَفِيةِ، وَالنقولِ الأَثَرِيَّةِ عَنِ الصَّحابَةِ وَالتّابِعِين. وَلَقَدْ خَرجَ مُؤَلِّفنا الْكَبيرُ -الْحافِط ابْنُ حَجَرٍ الْعَسقَلانِيُّ -رَحمَةُ الله عَلَيْهِ- في هَذِا الْكِتابِ أَحادِيثَ كِتَابَيْنِ جَلِيلَيْنِ؛ أَحَدُهُما مُتَمِّمٌ للآخَرِ: الأَوَّلُ: "مَصابِيحُ السُّنَّةِ"، للإمامِ الْحُسَينِ بْنِ مَسْعُودٍ الْبَغَوِيِّ، الْمتَوَفّى سَنَةَ (٥١٦ هـ) ﵀.

стр. 4

وَهوَ مَطْبُوعٌ عِدَّةَ طَبَعاتٍ، أَجْوَدها الطَّبْعَةُ الّتي قامَ عَلَى تَحْقِيقِها الأَخُ الدّكتور يُوسف عبد الرّحمن الْمَرعشلي (١) -وَرَفِيقاه- وَفقَهمُ الله-، وَنشِرَتْ في دَارِ المَعْرِفَةِ- بَيْروت، سَنَةَ (١٤٠٧ هـ)، وَوَقَعت في أَربعَةِ مُجَلّدات. الثّانِي: "مِشْكاةُ الْمَصابِيح" (٢)، للإمامِ مُحَمّد بْنِ عَبْدِ الله الْخَطِيبِ التَّبْرِيزِيّ، الْمتَوَفَّى سَنَةَ (٧٤١ هـ) ﵀. وهُوَ مطبوعٌ -أيضًا- عدةَ طبعاتٍ، أَجودُها الطبعةُ الّتي كانَ قد حقَّقها وخرَّجَ أَحاديثَها شيخنا العلامةُ الإمام أبو عبدِ الرحمنِ محمَّد ناصر الدين الألبانيُّ -المتوفّى سنةَ (١٤٢٠ هـ) -تغمّده الله برحمتهِ-، وطُبِعَتْ طبْعتُها الأُولى في المكتبِ الإِسلامي في دمشق (سنة ١٣٨١ هـ) في ثلاثةِ مجلدات. ولَقَدْ كانَ عَمَلُ الحافظِ ابنِ حجَرٍ ﵀ موَجَّهًا إلى الجمع بيْنَ الكتَابَيْنِ، ودَمْجِ المادَّتَيْنِ، لِلْخروج بِكِتَابٍ جامعٍ لِفوائِدِهِما، مُغنٍ عَنْ كِلَيْهِما؛ فَكانَ لَهُ - رَحْمَةُ الله عَلَيْهِ- ما أَرادَهُ، مُضِيفًا إلَيْهِ تَخرِيجاتِهِ الْمُخْتَصَرَةَ، النّافِعَةَ، الْمُفِيدَةَ. _________ (١) وَفي مُقَدِّمَتِهِ -جَزاهُ اللهُ خَيْرًا- (١/ ٦٣ - ٧٣) بَحْثٌ مُفِيدٌ حَوْلَ جُهودِ عُلَماءِ الْحَدِيثِ حَوْلَهُ- شَرْحًا وَتَخْرِيجًا-. (٢) وَفي مَجلةِ "الْجامِعَةِ السّلَفِيّة" الصّادِرةِ في الهنْدِ مُجَلّد: ١٠، عَدَد: ٥ - شَهر رَجَب، سَنَةَ (١٣٩٨ هـ)، بَحْث نافِعٌ للشيخ رَفيع أَحمد السّلَفي حَولَ جُهُودِ عُلَماءِ الهِنْدِ -خاصّةً- في شَرح هَذا الكِتَابِ، وَتَخْرِيجِهِ. وَفي كِتَابِ "جُهود مُخْلِصَة في خِدْمَةِ السنةِ الْمُطَهرَة" (ص ٦٠ و ١١٠ و ١٣٨ و ١٥٢ و ١٥٦ و ١٩٨ و ٢٠٠ و ٢١٣ و ٢٢٩ و ٣٢٥) لأخِينا الْكَبِيرِ الْفَاضلِ الشّيخ الدّكْتور عَبدِ الرّحِمَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبارِ الْفَريُوائِيِّ- نَفَعَ اللهُ بِهِ- إشاراتٌ غالِيَاتٌ حَولَ جُهودِ عُلَماءِ الْهِنْدِ -أَيضًا- حَولَ والمشكاةِ". قُلْتُ: وَفي كِتَابِ "الثقافَةِ الإسْلامِيةِ في الْهِنْدِ" (ص ١٣٥) للشيخ عَبْدِ الْحَي الْحَسَنِي ﵀ إشارَةٌ إلى كَبِيرِ اهْتِمامِ علَماءِ الْهِنْدِ بـ "الْمَصابِيح"، وَ "المشكاةِ"؛ بَلْ إلى اقْتِصارِ جُهلهم عَلَيهِما، أوْ أَحَدِهِما!!

стр. 5

وَأَصْلُ كِتَابِنا هذا (١) - "هِدايةُ الرّواة"- هو للصَّدْر المُنَاويّ (٢) -شيخِ ابنِ حَجَر-، وقد تُوُفِّي الصَّدْرُ سنةَ (٧٤٨ هـ) -رحمَة الله-، واسم كتابهِ "كشف المناهج والتناقيح في تخريج أَحاديثِ المصابيح"، وهو مخطوطٌ، منه عدَّةُ نُسَخٍ في مكتباتِ العالم- كما في "تاريخ الأدب العَربي" (٦/ ٢٤٧) لكارل بروكِلْمان-. وانظر -له- "كشْفَ الظنون" (١٧٠١) لحاجيّ خليفة، و"الرسالةَ المسْتَطْرَفة" (١٨٧) للكتّاني. وقد أوردتُ -في (طلائع الكتاب) - الآتِيَةِ بَعْدُ- مقدِّمَتَه تامَّةً، مُحَقِّقًا إِيّاها عن نسخةٍ مصورَةٍ وصَلَتْني مِنْ بَعضِ إخواني طلبَةِ العلمٍ في بلاد الحَرَمَين الشريفَيْنِ -صانَها الله-؛ فجَزاهُ الله خيرًا. وأَمّا نُسْخةُ "هداية الرواة" -المخطوطةُ-؛ فأصْلها في تركيّا، في المكتبة الحميديَّةِ برقم ٤١٠، وهي مكوَّنةٌ مِنْ (٢١٥) ورقة. وقد تكرّم بتصويرِها لي فضيلةُ الأَخ الشّيخ عبدِ الله بنِ صالح العُبَيْلان -نَفَعَ الله به، وزادَه مِنْ فضْلِه-. وَبَعْدُ: فَلَقَدْ كانتْ بدايةُ العَمل العلْمِيِّ في هذا الكتَابِ قَبْلَ ما يَقْربُ مِن ثلاثِ سَنَواتٍ؛ حيثُ كنتُ قد عَرَضْتُ على شيخنا أبي عبدِ الرحمنِ محمدٍ ناصر الدين الأَلبانيِّ فِكْرَةَ تَحْقيقهِ وَنشْرِهِ؛ فوافقَ ذلكَ قَبولًا عِنْدَهُ، ورحَّبَ بِه، وَدَفَعَ إِليَّ ما عِنْدَه من تخريجاتٍ وتعليقاتٍ؛ لإلحاقها في مواضِعها من حواشي "الهداية"، فجزاهُ الله كلَّ خيرٍ وأكملَه. _________ (١) انْظُر كَلامَ السّخَاوِيِّ -تلميذِ المُصَنفِ- في "الجواهر والدرر" (٢/ ٦٦٧). (٢) وَهُوَ -بَداهَةً- غَير (عَبْدِ الرّؤُوفِ الْمُنَاوِيّ)؛ الْمُتَوَفّى سَنَةَ (١٠٢١ هـ)!

стр. 6

ولقد حالتْ ظروفُ مَرَضِ شيخِنا في السَّنَتَينِ الأخيرتَيْنِ -ثمّ وفاتِه- بعدُ ﵀ دونَ أنْ يكونَ مِنْه متابعةٌ حثيثةٌ -كما هو دأْبهُ وعادَتُه- لهذا العمَل؛ فاضطرّنا ذلك إلى (شيءٍ) مِنَ التأخير والتأخُّرِ … وَالْعُذْرُ عِنْدَ كِرامِ النّاسِ مَقْبُولُ. ثم يشاءُ الله -تعالى- وَلَهُ الحمد على كلِّ حالٍ- أن لا يخْرُجَ هذا الكتابُ إلّا بعد وفَاتِه -تغمّدهُ الله برحمتهِ-. وَقدِ اقتَصرَ عملُنا في هذا الكتَابِ على أمور: أوّلًا: عَزْوُ الأحاديثِ إلى مواضِعها منْ كُتبِ السُّنةِ المطبوعَةِ، وذلك بوضْعِها بَيْنَ معكُوفيْن في مَتْنِ الكتاب (١)؛ خَشيةَ إثقالِ الحواشي بمجرّدِ العَزْوِ والأَرقام. ثانيًا: إيرادُ نُصوصِ الأحاديث بتمامِها من مَصْدَرَيِ الكتَابِ الأَساسييْنِ: "المصابيحِ"، و"المشْكاة"، (٢) فإنّ مؤلّفنا الحافظَ ﵀ قدِ اقتَصَرَ في إيرادِ نصوصِها على ما يدلُّ عليها -بشيء مِنَ الاختِصار -كمَا سيأتِي-. ثالثًا: ضَبْطُ ما يُشكِلُ منَ الأَلفاظِ، والأَسمَاءِ، ونحوِها. رابعًا: إيرادُ نُصُوصِ كَلامِ الحافظِ المؤلِّفِ ﵀ في كتابهِ "الأجْوِبةِ على أحاديثِ المصابيح"، وكلَامِ الحافِظِ العلائيِّ ﵀ في كتابِه "النقْدِ الصريح" كامِلَيْنِ، وَإثْباتُهُما في مواضعِهما مِنَ الكِتاب. _________ (١) وما كان خلْوًا من ذلك؛ فَبِسَبَبِ أنَّهُ لم يتيسّر لنا -لسببٍ أو آخرَ- الوقوفُ عَلَيهِ، فَنَظِرَة إلى ميْسَرة. (٢) وقد رقمنا أحاديث "الهداية" -وهو المحتوي على أحاديث الكتابين معًا- ترقيمًا تسلسليًا واحدًا، ثم جعلنا رقم "المصابيح" الأصليَّ في آخر أحاديثه -في الفصلين الأول والثاني-، وأمّا رقم "المشكاة" الأصليّ للفصل الثالث -فجعلناه أيضًا- في آخره أحاديثه.

стр. 7

خامِسًا: أَوْرَدْتُ مُقَدِّماتٍ عِلْمِيةً مفِيدَةً مُتَنَوِّعَةً، وَوَضَعْتُها -بتمَامِها -أيضًا- في (طلائع الكتاب). سادسًا: صنعنا فهرسًا لأطراف الأحاديث النبوية -قولية وفعلية-، والآثار السلفية على نسق حروف الهجاء (١). سابعًا: جعلت تعليقاتي على الكتاب مختصرةً؛ وقد ذيلتها برمز حرف (ع). وأمّا تعليقاتُ شيخِنا أبي عبدِ الرحمنِ ﵀؛ فَهِي المزَيِّنةُ للكتابِ، المعْظِمَةُ لفوائدهِ، والمُكثِّرة لبركاتهِ. وخِتامًا: فَشُكْرُنا -كله- للهِ-تعالى- أولًا-؛ على ما وفَّقَنا إليه من إتمامِ العَمَل العلمِيِّ بهذا الكِتَابِ الجليلِ. ثم؛ لِشَيخِنا الوالِد الإمامِ أبي عبدِ الرحمنِ -تغمّدهُ ربُّنا برحمتهِ- على ما أوْلانا إيّاه من ثِقَةٍ كريمةٍ للقيامِ بهذا العَمَلِ العلمِيِّ؛ فجزاهُ الله خيرًا- حيًّا، ومَيْتًا-. ثم؛ لِكُلِّ مَنْ ساعَدَنا، وكان مَعَنا -فيه-؛ إعدادًا، وتهيئةً، ومُشاركةً، وتنضيدًا، (٢) وتصحيحًا، ومُراجعهً. ثم؛ لِنَاشرِهِ الفاضلِ الأَخ المكرَّمِ كمالِ الدينِ حُسين عويس -بارك الله فيهِ، ولَهُ، وسدّدَهُ بالحقِّ إلى الحقِّ- صاحِبِ (دار ابنِ عفّانَ للنشْرِ والتوزيع) - جزاءَ صَبْرهِ، وَبَذْلهِ، واهْتِمامهِ. _________ (١) مع التنبيه إلى اعتبار (ال) التعريف من ضمن حرف (الألف). (٢) وبخاصة الأخ المهندس محمَّد حسن شتات -وفقه الله- صاحب (مركز تقنيات الحاسوب والنشر الإلكتروني) على ما بذله من جهود مشكورة في فهرسة الكتاب، وتنضيده، وترتيبه، وتنسيقه. فجزاه الله خيرًا.

стр. 8

وأخيرًا: هذا عملُنا بين أيديكُمْ -إخوانَنا، ومشايِخَنا-؛ لكُم غُنْمُهُ، وعَلَينا غُرْمُهُ، والله يغفِرُ لنا ما قدْ نكونُ قَصَّرْنا فيه، أو فرّطنا بهِ. وكلُّنا أَملٌ بِدَعْوةٍ صالحةٍ، أو مُلاحظةٍ نافعةٍ، تُبْنَى علَى الرَّحْمَةِ، وتُؤَسَّسُ عَلَى الشفقة. وصلى الله وسلّمَ وباركَ على نبينا محّمدٍ، وعلى آلهِ وصحْبِهِ وسلّمَ. وآخرُ دَعْوانا أنِ الحمدُ للّهِ ربِّ العالَمين. وكتب عليُّ بْنُ حسنٍ الحلبيُّ الأثريُّ -عفا الله عنه، بمنِّه- الزرقاءُ الأُرْدُنيَّةُ لأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ شَوّال، سَنَةَ (١٤٢١ هـ).

стр. 9

طَلائِعُ الْكِتابِ: ١ - مُقَدِّمَةُ الْخَطِيبِ التَّبْرِيزِيِّ عَلَى "مِشْكاةِ الْمَصابِيحِ". ٢ - مُقَدِّمَة صَدْرِ الدِّينِ الْمُنَاوِيِّ عَلَى "كَشْفِ الْمَنَاهِجِ وَالتّناقِيح". ٣ - مُقدِّمَةُ مُحْيي السُّنةِ الْبَغَوِيِّ عَلَى "مَصابِيحِ السُّنَّةِ". ٤ - مُقَدِّمَةُ الْعَلائِيِّ عَلَى "النقْدِ الصَّرِيح". ٥ - مُقَدِّمَةُ ابْنِ حَجَرٍ عَلَى "أَجْوِبَةِ الْمَصابِيح". ٦ - دِراسَةٌ عامَّةٌ لِمَنهَجِ ابْنِ حَجَرٍ في كِتَابهِ "هِدايَة الرّواة". ٧ - مُوجَزُ تَرْجَمَةِ ابْنِ حَجَرٍ. ٨ - نماذج من صور مخطوطة "هداية الرواة". ٩ - نماذج من تخريجات وتعليقات العلامة الألباني -بخطه-.

стр. 10

مُقَدِّمَةُ الإِمَامِ أَبِي عَبْدِ الله مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الله الخَطِيبِ التِّبْرِيزِيِّ لِكِتَابِهِ "مِشْكَاةُ المَصَابِيحِ" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وَبِهِ نَسْتَعِينُ الحَمْدُ لِلَّهِ، نَحْمَدُة وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرهُ وَنَعُوذُ بِالله مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمَنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ الله فَلَا مُضِّلَ لَه، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ. وَأَشْهدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إلَّا الله، شَهَادَةً تَكُونُ لِلنَّجَاةِ وَسِيلَة، وَلرَفْع الدَّرَجَاتِ كَفِيلَة. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الذِي بَعَثَهُ وَطُرُقُ الإِيمَانِ قَدْ عَفَتْ آثَارُهَا، وَخَبَتْ أَنْوَارُهَا، وَوَهَنَتْ أَرْكَانُهَا، وَجُهِلَ مَكَانُهَا، فَشَيَّدَ صَلَوَاتُ الله وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ مِنْ مَعَالِمِهَا مَا عَفَا، وَشَفَى مِنَ العَلِيلِ في تَأْيِيدِ كَلِمَةِ التَّوْحِيدِ مَنْ كَانَ عَلَى شَفَا، وَأَوْضَحَ سَبِيلَ الهِدَايَةِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْلُكَهَا، وَأَظْهَرَ كُنُوزَ السَّعَادَةِ لِمَنْ قَصَدَ أَنْ يَمْلِكَهَا. أمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ التَّمَسُّكَ بِهَدْيِهِ لَا يَسْتَتِبُّ إلَّا بِالاقْتِفَاءِ لمَا صَدَرَ مِنْ مِشْكَاتِهِ، وَالاعْتِصَامَ بِحَبْلِ الله لَا يَتِمُّ إلَّا بِبَيَانِ كَشْفِهِ.

стр. 11

وَكَانَ كِتَابُ "المَصَابِيحِ" الَّذِي صَنَّفَهُ الإِمَامُ مُحِيِي السُّنَّةِ، قَامِعُ البِدْعَةِ، أبو مُحَمَّدٍ الحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الفَرَّاءُ البَغَوِيُّ رَفَعَ الله دَرَجَتَهُ أَجْمَعَ كِتَابٍ صُنِّفَ في بَابهِ، وَأَضْبَطَ لِشَوَارِدِ الأَحَادِيثِ وَأَوَابِدِهَا. وَلَمَّا سَلَك ﵁ طَرِيقَ الاختِصَارِ، وَحذَفَ الأَسَانِيدَ؛ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ النُّقَّادِ، وَإنْ كَانَ نَقْلَهُ وَأنَّهُ مِنَ الثِّقَاتِ كَالإِسْنَادِ، لَكِنْ لَيْسَ مَا فِيهِ أَعْلَامٌ كَالأَغْفَالِ؛ فَاسْتَخَرْتُ الله تَعَالَى، وَاسْتَوْفَقْتُ مِنْهُ، فَأَعْلَمْتُ مَا أَغْفَلَهُ؛ فَأَوْدَعْتُ كُلَّ حَدِيثٍ مِنْهُ في مَقَرِّهِ كَمَا رَوَاهُ الأَئِمَّةُ المُتْقِنُون، وَالثِّقَاتُ الرَّاسِخُون، مِثْلُ أَبِي عَبْدِ الله مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ البُخَارِيِّ، وَأَبِي الحُسَيْن مُسْلِمِ بْنِ الحَجَّاجِ القُشَيْرِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ الله مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الأَصْبَحِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ الله مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيس الشَّافِعِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ الله أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيِّ، وَأَبِي عِيسَى مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى التِّرْمِذِيِّ، وَأَبِي دَاوُدَ سُلَيْمَانَ بْنِ الأَشْعَثِ السّجِسْتَانِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمنِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ النَّسَائِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ الله مُحَمَّدِ بْنِ يَزِيدَ ابْنِ مَاجَه القَزْوِينيِّ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الله بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ الدَّارَمِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ الحُسَيْنِ البَيْهَقِيِّ، وَأَبِي الحَسَنِ رَزِينِ بْنِ مُعَاوِيةَ العَبْدَرِيِّ (١)، وَغَيْرِهِمْ، وَقَلِيلٌ مَا هوَ-. وَإنِّي إِذَا نَسَبْتُ الحَدِيثَ إلَيْهِمْ كَأَنِي أَسْنَدْتُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ؛ لأنَّهُمْ قَدْ فَرَغُوا مِنهُ، وَأَغَنُوْنَا عَنَهُ (٢). وَسَرَدْتُ الكُتُبَ وَالأَبْوَابَ كَمَا سَرَدَهَا، وَاقْتَفَيْتُ أَثَرَهُ فِيهَا، وَقَسَّمْتُ كُلَّ بَابٍ -غَالِبًا- عَلَى فُصُولٍ ثَلَاثَةٍ: _________ (١) وسائر زياداته منكرة ولا أصل لها. (٢) وليس الأمر كذلك -كما سيظهر من التعليقات-.

стр. 12

أَوَّلُهَا: مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَاكْتَفَيْتُ بِهِمَا وَإنِ اشْتَرَكَ فِيِهِ الغَيْرُ؛ لِعُلُوِّ دَرَجَتِهِمَا فِي الرِّوَايَةِ-. وَثَانِيهِمَا: مَا أَوْرَدَهُ غَيْرُهُمَا مِنَ الأَئِمَّةِ المَذِكُورِينَ. وَثَالِثُهُمَا: مَا اشْتَمَلَ عَلَى مَعْنَى البَابِ مِنْ مُلْحَقَاتٍ مُنَاسِبَةٍ مَعَ مُحَافَظَةٍ عَلَى الشرِيطَةِ، وَإِنْ كَانَ مَاَثُورًا عَنِ السَّلَفِ وَالخَلَفِ. ثُمَّ إِنَّكَ إِنْ فَقَدْتَ حَدِيثًا في بَابٍ؛ فَذلِكَ عَنْ تَكرِيرٍ أُسْقِطُة، وَإنْ وَجَدْتَ آخَرَ بَعْضَهُ مَتْرُوكًا عَلَى اخْتِصَارِهِ، أَوْ مَضْمُومًا إِلَيهِ تَمَامُهُ؛ فَعَنْ دَاعِي اهْتِمَامٍ أَتْرُكُهُ وَأُلْحِقُةُ، وَإنْ عَثَرْتَ عَلَى اختِلَافٍ في الفَصلَيْنِ مِنْ ذِكْرِ غَيْرِ الشَّيْخَيْنِ في الأَوَّلِ، وَذِكْرِهِمَا في الثَّانِي؛ فَاعْلَمْ أَنّي بَعْدَ تَتَبُّعِي كَتَابَي "الجَمْع بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ" لِلْحُمَيْدِيِّ، وَ"جَامِع الأُصُولِ"؛ اعْتَمَدْتُ عَلَى "صَحِيحَيِ" الشَّيْخَيْنِ وَمَتْنَيهِمَا. وَإنْ رَأَيتَ اخْتِلَافًا في نَفْسِ الحَدِيثِ؛ فَذلِكَ مِنْ تَشَعُّبِ طُرُقِ الأَحَادِيثِ، وَلَعَلِّي مَا اطَّلَعْتُ عَلَى تِلْكَ الرّوَايَةِ التِي سَلَكَهَا الشَّيْخ ﵁. وَقَلِيلًا مَا تَجدُ أَقُولُ: مَا وَجَدْتُ هذِهِ الرِّوَايَةَ في كُتُبِ الأُصولِ! أَوْ: وَجَدْتُ خِلَافَهَا فِيهَا! فَإِذَا وَقَفْتَ عَليْهِ فَانْسُبِ القُصُورَ إِلي؛ لِقِلّةِ الدِّرَايَةِ، لَا إِلَى جَنَابِ الشَّيْخ رَفَعَ الله قَدْرَهُ في الدَّارَيْنِ حَاشَا للهِ مِنْ ذلِكَ-. رَحِمَ الله مَنْ إِذَا وَقَفَ عَلَى ذلِكَ نبَّهَنَا عَلَيْهِ، وَأَرْشَدَنَا طَرِيقَ الصَّوَابِ. وَلَمْ آلُ جُهْدًا في التَّنْقِيرِ وَالتفْتِيشِ بَقَدْرِ الوُسعِ وَالطاقَةِ-، وَنَقَلْتُ ذلِكَ الاخْتِلَافَ كَمَا وَجَدْتُ. وَمَا أَشَارَ إِلَيهِ ﵁ مِنْ غَرِيبٍ أَوْ ضَعِيفٍ أَوْ غَيْرِهِمَا؛ بَيَّنْتُ وَجْهَهُ غَالِبًا، وَمَا لَمْ يُشِرْ إِلَيْهِ مِمَّا في الأُصُول؛ فَقَدْ قَفَّيْتُهُ في تَرْكِهِ، إِلَّا في مَوَاضِعَ لِغَرَضٍ. وَرُبَّمَا تَجدُ مَوَاضِعَ مُهْمَلَةً، وَذلِكَ حَيْثُ لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى رَاوِيهِ؛ فَتَرَكْتُ البَيَاضَ، فَإِنْ عَثَرتَ عَلَيْهِ فأَلْحِقْهُ بِهِ أَحْسَنَ الله جَزَاءَكَ-.

стр. 13

وَسَمَّيْتُ الكِتَابَ بِـ: "مِشْكَاةِ المَصَابِيحِ". وَأَسْأَلُ الله التَّوْفِيقَ وَالإعَانَةَ، وَالهِدَايَةَ وَالصِّيَانَةَ، وَتَيْسِيرَ مَا أَقْصِدُهُ، وَأَنْ يَنْفَعَنِي في الحَيَاةِ وَبَعْدَ المَمَاتِ، وَجَمِيعَ المُسْلِمينَ وَالمُسْلِمَاتِ. حَسْبِيَ الله وَنَعْمَ الوَكِيلِ. وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلَّا بِالله العَزِيزِ الحَكِيمِ.

стр. 14

مُقَدِّمَةُ الحَافِظِ صَدْرِ الدِّينِ المُنَاوِيِّ لِكِتَابِهِ "كَشْفِ المَنَاهِجِ وَالتَّنَاقِيحِ في تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ المَصَابِيح" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحَمْدُ لِلَّهِ كَاشِفِ مَصَابِيح الهُدَى، وَجَاعِلِهَا نَجَاةً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهَا وَاهْتَدَى؛ الَّذِي هَدَى قُلُوبَ أَوْليَائِهِ بَاقْتِفَاءِ آثَارِ نَبِيِّهِ المُصْطَفَى، وَرَسُولِهِ المُجْتَبَى، صلَّى الله عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ- أَهْلِ البِرِّ وَالوَفَا؛ صَلَاةً دَائِمَةً إِلَى يَوْمِ العَرْضِ وَالجَزَا. أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَجْمَعَ المُصَنَّفَاتِ المُخْتَصَرَاتِ في الأَخْبَارِ النَّبَوِيَّة، وَأَحْسَنَ المُؤَلَّفَاتِ الجَامِعَاتِ لِلآثَارِ المُحَمَّدِيَّة؛ كِتَابُ "المَصَابِيحِ"، جَمع العَلَّامَةِ الإِمَامِ أَبِي مُحَمَّدٍ الحُسَيْنِ بْنِ مَسْعُودٍ البَغَوِيِّ شَكَرَ الله مَسْعَاه، وَجَعَلَ الجنةَ مَثْوَاه-. وَهُوَ الكِتَابُ الذِي عَكَفَ عَلَيْهِ المُتَعَبِّدُون، وَاشْتَغَلَ بِتَدْرِيسِهِ الأَئِمَّةُ المُعْتَبَرُون، وَأَقَرَّ بِفَضْلِهِ وَتَقْدِيمِهِ الفُقَهَاءُ وَالمُحَدِّثُون، وَقَالَ بِتَمَيُّزِهِ المُوَافِقُونَ وَالمُخَالِفُون.

стр. 15

لَكِنَّهُ لِطَلَبِ الاخْتِصَار لَم يَذْكُرْ كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ رُوَاةِ الآثَار، وَلَا تَعَرَّضَ لِتَخْرِيجِ تِلْكَ الأَخْبَار، بَل اصْطَلَحَ عَلَى أَنْ جَعَلَ الصِّحَاحَ هُوَ مَا في "الصَّحِيحَيْنِ" أَوْ أَحَدِهِمَا-، وَالحِسَانَ مَا لَيْسَ في واحدٍ مِنْهُمَا. وَالْتَزَمَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ ضَعِيفٍ نَبَّهَ عَلَيْهِ، وَأَنَّ مَا كَانَ مُنْكَرًا أَوْ مَوْضُوعًا لَمْ يَذْكُرْهُ، وَلَا يشِيرُ إِلَيْهِ، فَوَقَعَ لَهُ بَعْدَ ذلِكَ أَنْ ذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنَ الصِّحَاحِ وَلَيْسَتْ في وَاحِدٍ مِنَ "الصِّحِيحَيْنِ"! وَأَحَادِيثَ مِنَ الحِسَان وَهِيَ في أَحَدِ "الصُّحِيحَيْنِ"!! وَأَدْخَلَ في الحِسَانِ أَحَادِيثَ وَلَمْ يُنَبِّهْ عَلَيْهَا وَهِيَ ضَعِيفةٌ وَاهِيَة؛ وَرُبَّمَا ذَكَرَ أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةً في غَايَةِ السُّقُوطِ مُتَنَاهِيَهَ. فَجَعَلْتُ مَوْضُوعَ كِتَابِي هذَا لِتَخْرِيجِ أَحَادِيثِهِ، وَنِسْبَةِ كُلِّ حَدِيثٍ إِلَى مُخَرِّجهِ مِنْ أَصْحَابِ الكُتُبِ السِّتَّةِ: "صَحِيحَيِ" البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنًّسَائِيِّ، وَابْنِ مَاجَه إِنْ كَانَ فِيهَا، أَوْ في شَيْءٍ مِنْهَا-، وَرُبَمَّا أُضِيفُ إِلَيْهَا غَيْرَهَا. فِإنْ لَمْ يَكُن الحَدِيثُ في شَيْءٍ مِنَ الكُتبِ السِّتةِ: خَرَّجْتُهُ مِنْ غَيْرِهَا؛ كـ "مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ"، وَ"مُوَطَّإِ مَالِكٍ"، وَ"مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحمَدَ"، وَ"مُسْنَدِ الدَّارِمِيِّ"، وَلا أَبِي يَعْلَى الموصِليِّ"، وَ"سُنَنِ الدَّارَقُطنِيِّ"، وَ"سُنَنِ البَيهَقِيِّ"، وَ"شُعَبِ الإِيمَان" لَهُ-، وَ"دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ" لَهُ-، وَ"صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ البُسْتِيِّ"، وَ"مُسْتَدْرَكِ الإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّه الحَاكِمِ"، وَغَيْرِ ذلِكَ مِنْ مَسَانِيدِ الأَئِمَةِ المُعْتَبَرِين، وَالعُلَمَاءِ المُتَقَدِّمِين. وَأُبيِّنُ الصَّحِيحَ، وَالحَسَنَ، وَالضَّعِيفَ، وَالمُسْنَدَ، وَالمُتَّصِلَ، وَالمَرْفُوعَ، وَالمَوْقُوفَ، وَالمَقْطُوعَ، وَالمُنْقَطِعَ، وَالمُعْضَلَ، وَالمُرْسَلَ، وَالشَّاذَّ، وَالمُنْكَرَ، وَالغَرِيبَ، وَالعَزِيزَ، وَالمَشْهُورَ، وَالُمعَلَّلَ، وَالمُضطَرِبَ، وَالمَوْضُوعَ، وَالناسِخ، وَالمُنْسُوخ. وَأُبَيِّنُ جَرْحَ رُوَاتِهِ وَتَعْدِيلَهُمْ مِنْ كَلَامِ أَئِمَّةِ الجَرْحِ وَالتعْدِيلِ-، وَأَذْكُرُ اسْمَ الصُّحَابِيِّ الرَّاوِي، وَرُبَّمَا أَذْكُرُ غَيْرَهُ مِنْ رُوَاتِهِ- لأَمْرٍ اقْتَضَى ذلِكَ-، وَأُضِيفُ تَوْثِيقَ كُلِّ رَاوٍ أَوْ

стр. 16

تَجْرِيحَهُ إلَى مَنْ وَثقَهُ أَوْ جَرَّحَهُ، وَكُلَّ حَدِيث إِلَى مَن رَوَاهُ، وَفِي أَيِّ بَابٍ أَخْرَجَهُ؛ لِيَسْهُلَ مُرَاجَعَةُ أَصُولِهِ مَعَ شَرِيطَةِ الاخْتِصَارِ؛ فَإِنَّ الإِطَالَةَ تُورِثُ السَّآمَةَ. وَإذَا كَانَ الحَدِيثُ في "الصَّحِيحَيْنِ" -أَوْ في أَحَدِهِمَا-: عَزَوْتُهُ إِلَيْهِ، وَجَعَلَتُ تَخْرِيجَ غَيْرِهِ كَالنَّافِلَةِ عَلَيْهِ، وَمَا لَيْسَ في وَاحِدٍ مِنَ "الصَّحِيحَيْنِ" إِنْ صَحَّحَهُ إِمَامٌ مَعْتَبَرٌ، أَوْ ضَعَّفَهُ اكتَفَيتُ بِنَقْلِ تَصْحِيحِهِ أَوْ تَضعِيفِهِ عَنْه. وَإنْ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَصْحِيح لِذلِكَ الحَدِيثِ وَلَا تَضْعِيفٍ؛ فَإنْ كَانَ في "أَبِي دَاوُدَ"- وَسَكَتَ عَلَيْهِ- فَهُوَ صَالِحٌ لِلاحْتِجَاجِ؛ فَأَنْسِبُهُ إِلَيْهِ، وَأَقُولُ: إِنَّهُ سَكَتَ عَلَيْهِ؛ لِيَعْلَمَ النَّاظِرُ أنَّهُ صَالِح لِلاحْتِجَاجِ؛ لأنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنْهُ أنَّهُ يَذْكُرُ الصَّحِيحَ، وَمَا يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ، وَمَا كَانَ فِيهِ وَهْنٌ شَدِيدٌ بَيَّنَهُ، وَمَا لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ شَيْئًا فَهُوَ صَالِحٌ. وِإنْ لَمْ يَكُنِ الحَدِيثُ في "أَبِي دَاوُدَ"، وَلَمْ يُصَحِّحْهُ إِمَامٌ، وَلَا ضَعَّفَهُ: اعْتَبَرْتُ سَنَدَهُ، وَتَكَلَّمْتُ عَلَى رِجَالِهِ، وَكَشَفْتُ حَالَ مَنْ يَحْتَاجُ الحَدِيثُ إِلَى كَشْفِهِ. وَحَيْثُ أَقُولُ: رَوَاهُ الثَّلَاثَةُ؛ فَهُمْ: أبو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنِّسَائِيُّ. وَحَيْث أَقُولُ: رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ؛ فَهُمْ مَعَ ابْنِ مَاجَه-. وَحَيْثُ أَقُولُ: رَوَاهُ الجَمَاعَةُ؛ فَهُمْ مَعَ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ-. وَقَدْ أَتَعَرَّضُ إِلَى ضَبْطِ أَلْفَاظِ الحَدِيثِ إِذَا كَانَ يَحْتَاجُ إِلَى ذلِكَ-، وَكَذلِكَ اسْمُ الرَّاوِي. وَأَتَعَرَّضُ أَيْضًا إِلَى ذِكْرِ فَوَائِدَ مُهِمَّات، وَإلَى تَنْبِيهَات؛ كَالتَّتِمَّات، وَإلَى بِيَانِ أَوْهَامٍ وَقَعَتْ لِبَعْضِ أَصْحَابِ الرِّوَايَات. وَأَرْجُو إنْ تَمَّ هذَا الكِتَابُ أَنْ يَكُونَ كَافِيًا لِلْمُتَعَبِّدِينَ في طَلَبِ الصَّوَابِ، وَعُمْدَةً لِلْفُقَهَاءِ في الاسْتِدْلَال، وَمُوصِلًا لَهُمْ إِلَى أَقصَى الآمَال، وَقَدْ سَمَّيْتهُ: "كَشْفَ المَنَاهِجِ وَالتَنَاقِيحِ في تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ المَصَابِيح".

стр. 17

وَالله يَجْعَلُهُ أَحْسَنَ زَادٍ إِلَى المَسِيرِ إِلَيْه، وَأَعْظَمَ عُدَّةٍ لِيَوْمِ القُدُومِ عَلَيْه؛ فَإِنّهُ تَعَالَى بِكُلِّ خَيْرٍ كَفِيل، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الوَكِيل. وَهَا أَنَا أَذْكُرُ مُقَدِّمَةً تُشْتَمِلُ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ: الفَصْلُ الأَوَّلُ: في ذِكْرِ تَرْجَمَةَ البَغَوِيِّ؛ لِيُعْرَفَ قَدْرُ جَلَالِهِ. الفَصْلُ الثَّانِي: في ذِكْرِ طَرَفٍ مِنْ بَيَانِ أَلْفَاظٍ قَدَّمْنَا ذِكْرَهَا اصْطَلَحَ عَلَيْهَا المُحَدِّثُونَ لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا؛ لِتَكُونَ عَوْنًا لِلناظِرِ في هذَا التَّألِيفِ. الفَصْلُ الثالِثُ: في نَصِّ خُطْبَةِ "المَصَابِيحِ"، وَمَا الْتَزَمَهُ في غُرَّةِ دِيبَاجَتِهِ لِيُعْلَمَ مَضْمُونُ قَرَارِه، وَمَكْنُونُ مَصُونِ أَسْرَارِه؛ حَتى لَا يَخْلُوَ هذَا الكِتَابُ عَنْ مَجْمُوعِ مَا في "المَصَابِيحِ".

стр. 18

الفَصْلُ الأوَّلُ فَى ذِكرِ طَرَفٍ مِنْ أَحْوَاِلهِ هُوَ الإِمَامُ أبو مُحَمَّدٍ الحُسَيْنُ بْن مَسْعُودٍ الفَرَّاءُ البَغَوِيُّ. إِمَامُ الأَئِمَةِ بِلَا مُنَازَعَة، وَمُحْيي السُّنَّةِ بَلَا مُدَافَعَة، صَنَّفَ كِتَابَ "شَرْحِ السُّنَّةِ"، وَالتَّفْسِيرِ المُسَمَّى بـ "مَعَالِمِ التُّنْزِيلِ"، وَ"التَّهْذِيبِ"؛ الَّذِي فَاقَ بِهِ المصَنِّفِين، وَاغْتَرَفَ مِنْ بَحْرِهِ جَمِيعُ المُتَأخِّرِين. وَلَهُ فَتاوٍ مَشْهُورَةٌ لِنَفْسِهِ غَيْرُ "فَتَاوِي القَاضِي الحسَين" الَّتِي عَلَّقَهَا هُوَ عَنْهُ-. وَكَانَ إَمَامًا جَلِيلًا، وَرِعًا، زَاهدًا، فَقِيهًا، مُحَدِّثًا، مُفَسِّرًا، جَامِعًا بَيْنَ العِلْمِ وَالعَمَلِ، سَالِكًا سَبيلَ السَّلَفِ، لَهُ في الفَقْهِ اليَدُ البَاسِطَةُ. تَفَقَّهَ عَلَى القَاضِي الحُسَيْنِ؛ وَهُوَ أَخَصُّ تَلَامِذَتِهِ، وَكَانَ رَجُلًا مخْشَوْشِنًا يَأكُلُ الخُبْزَ وَحْدَهُ، فَعُذِلَ في ذلِكَ؛ فَصَارَ يَأكُلَهُ بِالزَّيْتِ. سَمِعَ الحَدِيثَ مِنْ جَمَاعَاتٍ، مِنْهُمْ: أبو عُمَرَ عَبْدُ الوَاحِدِ المَلِيحِيُّ، وَأبو الحَسَنِ عَبْدُ الرَّحَمنِ بْنُ مَحَمَّدٍ الدَّاوُودِيُّ، وَأبو بَكْرٍ يَعُقُوبُ بْنُ أَحَمْدَ الصَّيْرَفِيُّ، وَأبو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ الجُوينِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَرَوَى عَنْهُ جَمَاعَاتٌ؛ آخِرُهُمْ: أبو المَكَارِمِ فَضْلُ الله بْنُ مُحَمَّدٍ النَّوْقَانِيُّ، رَوَى عَنْهُ بِالإِجَازَةِ، وَبَقِيَ إِلَى سَنَةِ سِتِّ مِئَةٍ، وَأَجَازَ لِقَاضِي القُضَاةِ أَبِي الفَرَجِ عَبْدِ الرَّحْمنِ بْنِ أَبِي عُمَرَ بْنِ قُدَامَةَ، وَلأَبِي الحَسَنِ عَلَيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبدِ الوَاحِدِ بْنِ البُخَارِيِّ. فَرُوِّينَا نَحْنُ تَصَانِيفَهُ عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ قُدَامَةَ، وَالفَخْرِ بنِ البُخَارِيِّ؛ مِنْهُمُ: الشَّيْحُ الإِمَامُ المُعَمَّرُ صَدْرُ الدِّينِ مُحَمُّدُ بْنُ مُحَمَّد بْنِ إِبْرَاهِيمَ المَيْدُومِيُّ؛ فَوَقَعَ لَنَا هذَا

стр. 19

الكِتَابُ عَالِيًا عَنِ الشَّيْخ صَدْرِ الدِّينِ المَيْدُومِيِّ، عَنْ قَاضِي القُضَاةِ ابْنِ قُدَامَةَ، وَالفَخْرِ بْنِ البُخَارِيِّ كِتَابَةً لَهُ-، كَلَاهُمَا عَنْ أَبِي المَكَارِمِ النُّوْقَانِيِّ، عَنِ المصَنِّفِ. تُوُفّيَ البَغَوِيُّ في شَوَّالٍ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَخَمْسِ مِئَةٍ بِمَرْوَالرُّوذِ، وَبِهَا كَانَتْ إِقَامَتُهُ. وَدُفِنَ عِنْدَ شَيْخِهِ القَاضِي الحُسَيْنِ. قَالَ الذهَبِيِّ: وَلَمْ يَحُجُّ، وَأَظنهُ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ. وَمِنْ غَرَائِبِ مَسَائِلِهِ أنَّهُ قَالَ في "مَسَائِلِهِ" الَّتِي خَرَّجَهَا: لَوْ لَمْ يَكُنْ مَنْ يُصَلِّي عَلَى الميِّتِ إلَّا النِّسَاءُ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِنَّ! وَقَالَ في "فَتَاوِيهِ": مَنْ لَا جُمُعَةَ عَلَيْهِ إِذَا حَضَرَهَا وَأَرَادَ أَنْ يُصَلِّي الظُّهْرَ خَلْفَ الإِمَامِ: فَإِنْ كَانَ صَبِيًّا جَازَ، وِإنْ (١) كَانَ بَالِغًا لَمْ يَجُزْ! _________ (١) في "الأَصْلِ": أَوْ إِنْ!

стр. 20

الفصل الثاني في ذكر طرفٍ من بيان ألفاظٍ قدَّمنا ذكرها اصطلح عليها المحدثون لا بدَّ من معرفتها اِعْلَمْ أَنَّ، الحَدِيثَ الصَّحِيحَ هُوَ: الحَدِيثُ المُسْنَدُ المُتَّصِلُ، بِنَقْلِ العَدْلِ الضَّابِطِ، عَنِ العَدْلِ الضَّابِطِ، إِلَى مُنْتَهَاهُ؛ مِنْ غَيْرِ شُذُوذٍ وَلا عِلَّةٍ. وَفِي هذِهِ الأَوْصَافِ الاحْتِرَازُ مِنَ المُرْسَلِ وَالمُعْضَلِ وَالشَّاذِّ، وَمَا فِيهِ عِلَّة قَادِحَةٌ، وَمَا في رُوَاتِهِ نَوْعُ جَرْحٍ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: هذَا هُوَ الحَدِيثُ المُحْكُومُ لَهُ بِالصِّحَةِ بِلَا خِلَافٍ بَينَ أَهلِ العِلْمِ-. تَنْبِيهٌ: مَا اخْتُلِفَ في صِحَّتِهِ مِنَ الأَحَادِيثِ: قَدْ يَكُونُ سَبَبُ اختلافهم انْتِفَاءَ شَرْطٍ مِنْ هذِهِ الشُّرُوطِ، وَبَيْنَهُمُ اخْتِلافٌ في اشِتِرَاطِهِ؛ كَمَا إِذَا كَانَ بَعْضُ الرُّوَاةِ مَسْتورًا، أَوْ كَانَ الحَدِيثُ مُرْسَلًا. وَقَدْ يَكونُ سَبَبُ اخْتِلَافِهمْ أنَّهُ: هَلِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ هذِهِ الشُّرُوطُ، أَوِ انْتَفَى بَعْضُهَا؟ وَهذَا هُوَ الأَغْلَبُ في ذلِكَ؛ كَمَا إِذَا كَانَ الحَدِيثُ في رُوَاتِهِ مَنِ اخْتُلِفَ في كَوْنِهِ مِنْ شَرْطِ الصَّحِيحِ؛ فَإِذَا كَانَ الحَدِيثُ رُوَاتُهُ كُلهمْ ثِقَاتٌ، غَيْرَ أَنَّ فِيهِمْ أَبَا الزبيْرِ المَكّيَّ مَثَلًا-، أَوْ سُهَيْلَ بْنَ أَبِي صَالِحٍ، أَوْ العَلَاءَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَوْ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ! قَالُوا فِيهِ: هذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسلِمٍ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ؛ لأنَّ هَؤُلاءِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِمَّنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ الشَّرُوط المُعْتَبَرَةُ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ البُخَارِيِّ ذلِكَ فيهِمْ.

стр. 21

وَكَذَا حَالُ البُخَارِيِّ فِيمَا خَرَّجَهُ مِنْ حَدِيثِ عِكرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ-، وَإِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدٍ الفَرْوِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ مَيْمُونَ، وَغَيْرِهِم مِمَّنِ احْتَجَّ بِهِمُ البُخَارِيُّ وَلَمْ يَحَتجْ بِهِمْ مُسْلِمٌ. قَالَ الحَافِظُ أبو عَبْدِ الله الحَاكِمُ النَّيسَابورِيُّ في كِتَابِ "المَدْخَلِ إِلَى مَعْرِفَةِ المُسْتَدْرِكِ": "عَدَدُ مَنْ أَخْرَجَ لَهُمُ البُخَارِيُّ في "الجَامِع الصَّحِيحِ" -وَلَمْ يُخْرِجْ لَهُمْ مُسْلِمٌ- أَرْبَعُ مِئَةٍ وَأَربعَة وَثَلاثُونَ شَيْخًا. وَعَدَدُ مَنِ احْتَجّ بِهِمْ مُسْلِمٌ في "المُسْنَدِ الصحيحِ"- وَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِمُ البُخَارِيُّ في "جَامِعِهِ"- سِتُّ مِئَةٍ وَعِشْرُونَ شَيْخًا، وَاَلله أَعْلَمَ. وَالحَسَنُ قَالَ الإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الخَطابِيُّ: مَا عُرِفَ مَخْرَجُهُ، وَاشْتَهَرَ رِجَالُهُ (١). قَالَ: وَعَلَيْهِ مَدَارُ أَ كْثَرِ الحَدِيثِ؛ وَهُوَ الذِي يَقْبَلُهُ أَكْثَرِ العُلَمَاء، وَيَسْتعْمِلُهُ عَامَّةُ الفُقَهَاء. وَرُوَّينَا عَنْ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ في كِتَابِ "العِلَلِ" أنهُ يُرِيدُ بِالحَسَنِ: أَنْ لَا يَكُونَ في إِسْنَادِهِ مِنْ يُتَّهَمُ بِالكَذِبِ، وَلَا يَكُونَ حَدِيثًا شَاذًّا؛ ويُرْوَى مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ نَحْوَ ذلِكَ؛ فَهُوَ عِنْدَنَا حَسَن. قَالَ بَعْضُ المُحَدِّثِينَ: وَهذَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ بِمَا يقَالُ فيهِ: إِنَّهُ حَسَنٌ؛ مَعَ أنَّهُ لَيسَ لَهُ مَخْرَجٌ إلَّا مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ. وَالضَّعِيفُ؛ هُوَ مَا لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ صِفَاتُ الحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَلَا صِفَاتُ الحَسَنِ، وَأَطْنَبَ ابْنُ حِبَّانَ في تَقْسِيمِهِ؛ فَبَلَغَ بِهِ خَمْسِينَ قِسْمًا إِلَّا وَاحِدًا. _________ (١) وهذا تعريف منتقد، والصوابُ ما بعده.

стр. 22

وَالمُسْنَدُ؛ مَا اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ مِنْ رَاوِيهِ إِلَى مُنْتهَاهُ، وَأكَثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِيمَا جَاءَ عَن رَسُولِ الله ﷺ دُونَ مَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ: المُسْنَدُ مَا رُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ- ﷺ خَاصَّةً. وَقَدْ يَكُونُ مُتَّصِلًا؛ مِثْلَ: مَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ- ﷺ . وَقَدْ يَكُونُ مُنْقَطِعًا؛ مِثْلِ: مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِي، عَنِ ابْنِ عِبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَهذَا مُسْنَدٌ؛ لأنهُ قَدْ أُسْنِدَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ! وَهُوَ مَنْقَطِعٌ، لأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابْنِ عَبَّاسٍ!! وَالمتَصِلُ وهَوَ المُوْصُولُ؛ وَهُوَ: الَّذِي اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ فَكَانَ؛ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ رُوَاتِهِ قَدْ سَمِعَهُ مِمَّنْ فَوْقَهُ حَتَّى انْتَهَى إِلَى مُنتَهَاهُ. وَيقَعُ عَلَى المَرفُوعِ والمَوقوفِ: مِثَالُ المُتَّصِلِ المَرْفُوعِ: مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ سَالِمٍ بنِ عَبْدِ الله، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَمِثَالُ المُتَّصِلِ المُوْقُوفِ: مَالِكٌ، عِنْ نَافِعٍ، عِنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ عُمَرَ؛ قَوْلَهُ. وَالمَرْفُوعُ؛ مَا أُضِيفَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ خَاصَّةً؛ قَوْلًا، أَوْ فِعْلًا، أَوْ تَقْرِيرًا، وَيدْخُلُ فِيهِ المتَّصِل، وَالمُنْقَطِعُ، وَالمُرْسَلُ؛ وَنَحْوُهَا. المَوْقوفِ؛ مَا أُضِيفَ إِلَى صَحَابِي كَذلِكَ. وَالمَقْطُوعُ؛ مَا أُضِيفَ إِلَى تَابِعِيّ أَوْ مَنْ دونَهُ كَذلِكَ. وَالمُنْقَطِعُ؛ مَا لَمْ يَتَّصِلْ سَنَدُهُ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ انْقِطَاعُهُ. فَإِنْ سَقَطَ مِنْهُ رَجُلان فَأكْثَرَ؛ سُمِّيَّ أَيْضًا مُعْضلًا بفَتْحِ الضَّادِ المُعْجَمَةِ. وَالمُرْسَلُ؛ مَذْهَبُ الفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةٍ مِنَ المحَدِّثِينَ أَنَّهُ: مَا انْقَطَعَ سَنَدُهُ كَالمُنْقَطِع.

стр. 23

وَقَالَ جَمَاعَةَ مِنَ المُحَدِّثِينَ أَوْ أَكْثَرُهُمْ: لَا يُسَمَّى مُرْسَلًا إِلَّا مَا أَخْبَرَ التَّابعِيُّ فِيهِ عَنِ الَّنبيَّ ﷺ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاهِيرُ المُحَدّثِينَ إِلَى أنَّ المُرْسَلَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ. وَقَالَ مَالِك، وَأَحَمْدُ، وَأَكْثَرُ الفُقَهَاءِ: يُحْتَجُّ بِهِ. وَمَذهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ أنهُ إِذَا انضَمَّ إِلَى المُرْسَلِ مَا يَعْضُدَهُ احْتُجَّ بِهِ، وَبَانَ بِذلِكَ صِحَّتُهُ، وَذلِكَ بأنْ يُرْوَى مُسْنَدًا، أَوْ مُرْسَلًا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، أَوْ يَعْمَلَ بِهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، أَوْ أَكْثَرُ العُلَمَاءِ، سَوَاءٌ في هذَا مُرْسَلُ سَعيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، وَغَيْرِهِ. هذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُ، وَهذَا في مُرْسَلٍ غَيْرِ مُرْسَلِ الصَّحَابِيِّ. أَمَّا مَرْسَلُهُ وَهُوَ رِوَايَتِهِ مَا لَمْ يُدْرِكْهُ أَوْ يَحْضُرْهُ-، كَقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: كَانَ أَوَّلَ مَا بُدِئَ بهِ رَسُولُ الله ﷺ مِنَ الوَحْيِ الرُّؤيا الصَّالِحَةُ؛ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالجمَاهِيرِ؛ أَنَّهُ حُجَّةٌ. وَقَالَ الأُسْتَاذُ؛ أَبُو إِسْحَاقَ الإِسْفَرَايِينيُّ: لَيْسَ بِحُجَّةٍ إلِّا أَنْ يَقُولَ: لَا أَرْوِي إلا عَنْ صَحَابِيِّ؛ لأنهُ قَدْ يَرْوِي عَنْ تَابِعِيّ. وَالصَّوَابُ الأَوَّلُ. وَلَوْ رُوِيَ الحَدِيث مُتَّصلًا ومُرْسَلًا، أَوْ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا؛ فَالَّذي عَلَيْهِ الفُقَهَاءُ، وَأَهْلُ الأُصُولِ، وَجَمَاعَةٌ مِنَ المُحَدِّثِينَ؛ أَنَّ الحُكْمَ لِلْوَصْلِ وَالرَّفْع. وَقِيلَ: لِلإِرْسَالِ وَالوَقْفِ. وَنَقَلَهُ الخَطِيبُ عَنْ أكثَرِ المُحَدِّثِينَ. وَالشَّاذُّ؛ في تَفْسِيرِهِ اخْتِلَافٌ، وَالصَّحِيحُ مَا لَخُّصَهُ ابْن الصَّلَاحِ وَتَبعَهُ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ: مَا انْفَرَدَ بِهِ الرَّاوِي مُخَالِفًا لِمَا رَوَاهُ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ وأضْبَطُ. أَوِ انْفَرَدَ بِهِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ غَيْرُهُ، لَكِنْ لَيْسَ عِنْدَهُ مِنَ الثِّقَةِ وَالحِفْظِ مَا يَجْبُرُ تَفَرُّدَهُ.

стр. 24

فَخَرَجَ مِن ذلِكَ: أَنَّ الشَّاذّ المَرْدُودَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا: أنَّه الفَرْدُ المُخَالِفُ. وَالثانِي: الفَرْدُ الذِي لَيْسَ في رِوَايَتِهِ مِنَ الثِّقَةِ وَالضَّبْطِ مَا يَجْبُرُ تَفَرُّدَهُ. وَالمُنْكَرُ، الصَّوَابُ فِيهِ؛ أنهُ بِمَعْنَى الشَّاذِّ. وَالغَرِيبُ؛ مَا انْفَرَدَ بِهِ أَوْ بِبَعْضَهِ رَجلٌ عَنْ مَنْ يُجْمَعُ حَدِيثُهُ؛ كَالزُّهْرِيِّ. وَينقَسِمُ إِلَى: غَرِيبٍ مَتنًا وَإسْنَادًا، وَإلَى غَرِيبٍ إِسْنَادًا، وَإلى غَرِيبٍ مَتْنًا. وَالعَزِيزُ؛ مَا انْفَرَدَ بِهِ اثْنَانِ، -أَوْ ثَلَاثَةٌ- عَنْ مَنْ يُجْمَعُ حَدِيثُهُ. وَالمَشْهُورُ قِسْمَانِ: صَحِيحٌ، وَغَيْرُهُ، وَمَشْهُورٌ بَينَ أَهْلِ الحَدِيثِ خَاصَّةً، وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ غَيْرِهِمْ. وَمِنْهُ المُتَوَاتِرُ وَلَا يَكَادُ يُوجَدُ في الحَدِيثِ؛ وَهُوَ مَا نَقَلَهُ جَمْعٌ يَحْصُلُ العِلْمُ بِصِدْقِهِمْ مَعَ اسْتِوَاءِ طَرَفَيْهِ وَالوَاسِطَةِ-. وَقَدْ عَدّ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ: "مَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا؛ فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" مُتَوَاتِرًا وَهُوَ في "الصَّحِيحَيْنِ" عَنْ جَمَاعَةٍ، وَذَكَرَ البَزَّارُ: أنَّه رَوَاهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَحْوٌ مِنْ أَرْبِعِينَ رجُلًا مِنَ الصَّحَابَهِ-. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَقَالَ بَعْضَهُمُ: اثْنَانِ وَسِتُّونَ نَفْسًا مِنَ الصَّحَابَةِ؛ فِيهِمُ العَشَرَةُ المَشْهُودُ لَهُمْ بِالجنةِ. قَالَ: وَلَيْسَ في الدُّنْيَا حَدِيثٌ أَجْمَعَ عَلَيْهِ العَشَرَةُ غَيْرُهُ، وَلَا يُعْرَفُ حَدِيث يُرْوَى عَنْ أَكْثَرَ مِنْ سِتِّينَ مِنَ الصَّحَابَةِ. وَلَيْسَ حَدِيثُ: "إِنما الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" مِنْ ذلِكَ. وَالمُعَلَّلُ وَلَا يُقَال: المَعْلُولُ؛ فَإنَّهُ لَحْنٌ؛ وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ: سَبَبٍ غَامِضٍ قَادِحٍ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ السَّلَامَةُ مِنْهُ-، وَيتَطَرَّقُ إِلَى الإِسْنَادِ الجَامِع لِشُرُوطِ الصِّحَّةِ ظَاهِرًا.

стр. 25

وَيُدْرَكُ بِتَفَرُّدِ الرَّاوِي، وَمُخَالَفَةِ غَيْرِهِ لَهُ؛ مَعَ قَرَائِنَ تُنبهُ العَارِفَ عَلَى وَهَمٍ؛ بِإِرْسَالٍ، أَوْ وَقْفٍ، أَوْ غَيْرِ ذلِكَ. وَالطَّرِيقُ إِلَى مَعْرَفَتِهِ مَذْكُورٌ في المَبْسُوطَاتِ. والمُضْطَرِبُ؛ هُوَ: الذِي يُرْوَى عَلَى أَوْجُهٍ مُخْتَلِفَةٍ مَتَقَارِبَةٍ؛ فَإِنْ تَرَجَّحَتْ إِحْدَى الرَّوَايَتَيْنِ بكَثْرَةِ الحِفْظِ، وَقِدَمِ صُحبةِ الرَّوَاي؛ فَالحُكْمُ لِلرَّاجِحِ؛ وِإلَّا اضْطِرابٌ. وَالمُدْرَجُ؛ هُوَ الكَلَامُ المُلْحَقُ بِآخِرِ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي، أَوْ يُلْحَقُ مَتن بِمَتنٍ -بإِسْنَادِ أَحَدِهَمَا-. وَهذَا قَدِ اسْتَعمَلَهُ المُصَنِّفُ في "المَصَابيحِ". وَالمَوْضُوعُ؛ هُوَ المُختَلَقُ، وَهُوَ شَرُّ الضَّعِيفِ، وَتَحْرُمُ رِوَايَتُةُ مَعَ العِلْمِ بِهِ -في أيِّ مَعْنَىً كَانَ- إلَّا مُبَيَّنًا. ويُعْرَفُ الوَضْعُ بِإِقْرَارِ الوَاضِعُ، أَوْ قَرِينَةٍ في الرَّاوِي، أَوِ المَرْوِيِّ. وَالنَّاسِح وَالمَنْسوخُ؛ المُخْتَارُ: أَنَّ النسْخَ رَفْعُ الشَّارِعِ حُكْمًا مِنْهُ مُتَقَدِّمًا بِحُكْمٍ مِنْهُ مُتَأخّرٍ. فَرْعٌ في مَعْرِفَةِ الاعْتِبَارِ، وَالمُتَابعَةِ، وَالشَّاهِدِ: فَإِذَا رَوَى حَمُّادٌ مَثَلًا حَدِيثًا عَنْ أيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النبِي ﷺ ، يُنْظَرُ: هَل رَوَاهُ ثِقَةٌ غَيْرُ حَمَّادٍ، عَنْ أيُّوبَ؟ أَوْ: عَنِ ابْنِ سِيرِينَ غَيْرُ أيُّوبَ؟ أَوْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيرُ ابْنِ سِيرِينَ؟ أَوْ: عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرُ أَبِي هُرَيْرَةَ؟ فَأَيُّ ذلِكَ وُجِدَ عُلِمَ أنَّ لَهُ أَصْلًا يُرْجَعُ إِلَيْهِ.

стр. 26

فَهذَا النَّظَرُ وَالتفْتِيشُ يُسَمَّى اعْتِبَارًا. وَأَمَّا المُتَابَعَةُ؛ فأَنْ يَرْوَيهُ عَنْ أيُّوبَ غَيْرُ حَمَّادٍ. أَوْ: عَنِ ابن سِيرِينَ غَيْرُ أيُّوبَ. أَوْ: عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عيْرُ ابْنِ سِيرِينَ. أَوْ: عَنِ النبيِّ ﷺ غَيرُ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هذِهِ الأَقْسَامِ يُسَمَّى مُتَابَعَةً؛ وَأَعْلَاهَا الأَوَّلُ؛ وَهِيَ مُتَابَعَةُ حَمَّادٍ في الرِّوَايَةِ عَنْ أيُّوبَ، ثُمَّ مَا بَعْدَهُا عَلَى التَّرْتِيبِ. وَأَمَّا الشَّاهِدُ؛ فَأَنْ يُرْوَى حَدِيثٌ آخَرُ بِمَعْنَاهُ. وتَسَمَّى المُتَابَعَةُ شَاهِدًا، وَلَا يُسَمَّى الشَّاهِدُ مُتَابَعَةً. وَإذَا قَالُوا: تَفَرَّدَ بهِ أبو هُرَيْرَةَ، أَوِ ابْنُ سِيرِينَ، أَوْ أَيُّوبُ، أَوْ حَمَّادٌ: كَانَ مُشْعِرًا بَانْتِفُاءِ المُتَابَعَاتِ كُلِّهَا.

стр. 27

الفَصْلُ الثَّالِثُ قَالَ البَغَوِيُّ: الحَمْدُ للهِ، وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الذينَ اصْطَفَى، وَالصَّلَاةُ التَّامَّةُ الدَّائِمَةُ عَلَى رَسُولِهِ المُجْتَبَى مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الوَرَى، وَعَلَى آلِهِ نُجُومِ الهُدَى. أما بَعْدُ: فَهذِهِ أَلْفَاظٌ صَدَرَتْ عَنْ صَدْرِ النبوَّةِ، وَسُنَنٌ سَارَتْ عَنْ مَعْدِنِ الرِّسَالَةِ، وَأَحَادِيثُ جَاءَت عَنْ سَيِّدِ المُرْسَلِينَ وَخَاتَمِ النَّبِيّينَ؛ هُن مَصَابِيحُ الدُّجَى، خَرَجَتْ عَنْ مِشْكَاةِ التَّقْوَى، مِمَّا أَوْرَدَهَا الأَئِمَّة في كُتُبِهِمْ، جَمَعْتُهَا لِلْمُنْقَطِعِينَ إِلَى العِبَادَةِ، لِتَكُونَ لَهُمْ بَعْدَ كِتَابِ الله- تَعَالَى- حَظًّا مِنَ السُّنَنِ، وَعَوْنًا عَلَى مَا هُمْ فِيهِ مِنَ الطَّاعَةِ. وَتَرَكْتُ ذِكْرَ أَسَانِيِدِهَا حَذَرًا مِنَ الإِطَالَةِ عَلَيْهِمْ، وَاعْتِمَادًا عَلَى نَقْلِ الأَئِمَّةِ، وَرُبَّمَا سَمَّيْتُ في بَعْضِهَا الصَّحَابِيَّ الذِي يَروِيهِ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ لِمَعْنىً دَعَا إِلَيْهِ. وَتَجِدُ أَحَادِيثَ كَلِّ بَابٍ مِنْهَا تَنْقَسِمُ إِلَى صِحَاحٍ وِحِسَانٍ: أَعْنِي بـ (الصِّحَاحِ) مَا أَوْرَدَهُ الشَّيْخَانِ: أبو عَبْدِ الله مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الجُعْفِيُّ البُخَارِيُّ، وَأَبو الحُسَيْنِ مُسْلِمُ بْنُ الحَجَّاجِ القُشَيْرِيُّ [النَّيْسَابورِيُّ] (١) رَحِمَهُمَا الله في "جَامِعَيْهِمَا"، أَوْ أَحَدِهَمَا. _________ (١) زِيَادَةٌ مِنْ مَطبوعَةِ "المَصَابِيح".

стр. 28

وَأَعْنِي بِـ (الحِسَانِ) مَا أَوْرَدَهُ أبُو دَاوُدَ سُلَيْمَانُ بْنُ الأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِي، وَأَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى [بْنِ سَوْرَةَ]، (١) التِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمَا مِنَ الأَئِمَّةِ في تَصَانِيفِهِمْ ﵏. وَأَكْثَرُهَا صِحَاحٌ بنَقْلِ العَدْلِ، غيرَ أنهَا لَمْ تَبْلُغْ غَايَةَ شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ في عُلُوِّ الدَّرَجَةِ مِنْ صِحَّةِ الإِسْنَادِ؛ إِذْ أكْثَرُ الأَحْكَامِ ثُبُوتُها بَطَرِيقٍ حَسَنٍ. وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ ضَعِيفٍ أَوْ غَرِيبٍ أَشَرْتُ إِلَيْهِ، وَأَعْرَضْتُ عَنْ ذِكْرِ مَا كَانَ مُنْكَرًا أَوْ مَوْضُوعًا. وَالله المُسْتَعَان، وَعَلَيْهِ التُّكْلَان. رَوَى عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ، وَإنَّمَا لامْرِئٍ مَا نَوَى؛ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى الله وإلَى رَسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلَى الله وَإلَى رَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا، أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا؛ فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ". قلْتُ (٢): رَوَاهُ الجَمَاعَةُ؛ البُخَارِيُّ في سَبْعَةِ مَوَاضِعَ: (بَدْءِ الوَحْيِ)، وَفِي (الإِيمَانِ)، وَفِي (العِتْقِ)، وَفِي (الهِجْرَةِ)، وَفِي (النِّكَاحِ)، وَفِي (النذُور) وَبِلَفْظِهِ فِيهِ رَوَاهُ المُصَنِّفُ؛ إِلا أَنَّ البُخَاريَّ قَالَ: عَنْ عُمَرَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ ؛ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ لَفْظِ المُصَنِّفِ-، وَفِي (تَرْكِ الحِيَلِ). _________ (١) زَيَادَة مِنْ مَطْبُوعَةِ "المَصَابِيح". (٢) هذا مِنْ كلام صَاحِب "كَشفِ المَنَاهِج"، وَتَعلِيقِهِ.

стр. 29

وَمسْلِمٌ في (الجِهَادِ)، وأبو دَاوُدَ في (الطلَاقِ)، وَالتّرْمِذِيُّ في (الحدُودِ)، وَالنَّسَائِيُّ في مَوَاضِعَ؛ مِنْهَا في (الأَيْمَانِ، وَالنُّذُورِ)، وَابْنُ مَاجَه في (الزُّهْدِ): كُلهمْ مِنْ حَدِيثِ يَحيى بْنِ سعيدٍ الأَنْصَارِيِّ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إِبرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ عَلْقَمَةَ ابْنِ وَقَّاصٍ الليْثِيِّ المَدَنِيِّ، عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ القُرَشِيِّ العَدَوِيّ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ يَرْفَعُهُ إِلَى النبِيِّ ﷺ . وَهذَا الحَدِيثِ أَحَدُ الأَحَادِيثِ الأَربعَةِ التي نُقلَ عَنْ أَبِي دَاوُدَ أنهُ قَالَ: "إِنَّهَا تَكْفِي الإِنْسَانَ لِدِينه"، نَقَلَ ذلِكَ عَنْهُ صَاحِبُهُ أبو بَكْرٍ مُحمَّد بْنُ بَكْرِ ابْنِ دَاسَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ، أبا دَاوُدَ يَقُولُ: كَتَبْتُ عَن رَسُولِ الله ﷺ خَمْسَ مِئَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ، انْتَخَبْتُ مِنْهَا مَا تَضَمَّنَهُ هذَا الكِتَابُ يَعْنِي: كِتَابَ "السُّنَنِ"؛ جَمَعْتُ فِيهِ أَربعَةَ أَلَافٍ وَثَمَانَ مِئَةِ حَدِيثٍ، ذَكَرْتُ الصَّحِيحَ، وَمَا يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ، وَيكْفِي الإِنْسَانَ لِدِينِهِ مِنْ ذلِكَ أَربعَةُ أَحَادِيثَ: أَحَدُهَا: قَوْلُه ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ … ". (١) _________ (١) في حَاشيَةِ "الأَصلِ" مَا نَصهُ: "قَوْلُهُ: " … وإنَّمَا لامْرِئ مَا نَوَى … "؛ فَائِدَةُ ذِكْرِهِ بَعْدَ ذِكرِهِ: "إِنَّمَا الأَعمَالُ بِالنيَّاتِ … " بَيَانُ أَن تعيِينَ المَنْوِي شَرطٌ؛ فَلَوْ كَانَ عَلَى إِنسَانٍ صَلَاةً مَقْضيةٌ؛ لَا يَكفِيهِ أَنْ يَنْوِيَ الصلَاةَ الفَائتة؛ بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ كَونَهَا ظُهرًا أَوْ عَصرًا، وَلَولَا اللفْط الثانِي لاقْتَضَى الأَوَّلُ صحة النّيةِ بِلَا تعْيِينٍ، أَوْ أَوهَمَ ذلِكَ! وَالهِجْرَةُ أَصلُهَا التركُ، وَالمُرَاد هُنَا تَرك الوَطَنِ، وَمَعنَاهُ: مَنْ قَصَدَ بِهِجرَتِهِ وَجْهَ الله، وَقَعَ أَجرُهُ عَلَى الله، وَمَنْ قَصَدَ دُنْيَا، أَوِ امْرَأَةً؛ فَهِيَ حَظُّه، وَلَا نَصِيبَ لَهُ في الآخِرَةِ، وَهذَا قِيلَ (١): إِنهُ جَاءَ عَلَى سَبَبٍ؛ وَهوَ أَن رَجُلًا هَاجَرَ لِيَتَزَوجَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا: أُمُّ قَيْسٍ، فقيل: مُهَاجِرُ أُمِّ قَيْسٍ، وَاللهُ أَعلَمُ" === (١) هو بهذا التمريض حقيق، فالسبب لا يثبت. نعم؛ قصة مهاجر أم قيس صحيحةُ بنفسها، دون أن تكون سببًا للحديث المذكور

стр. 30

وَالثَّانِي: قَوْلُهُ ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ". وَالثالِثُ: قَوْلُهُ ﷺ : "لَا يَكُونُ المُؤْمِن مُؤْمِنًا حَتَّى يَرْضَى لأَخِيهِ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ". وَالرابِعُ: قَوْلُهُ ﷺ : "الحَلَالُ بَيّنٌ، وَالحَرَام بَيِّنٌ، وَبيْنَ ذلِكَ أَمُورٌ مَشتَبِهَاتٌ … " الحَدِيثَ.

стр. 31

مقدمة "النقد الصريح" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ وبالله التوفيق أمّا بَعْدَ حَمدِ الله على ما هدى إليه من معرفة السنن، ووفَّق في اقتفاء معالمها لسلوك أقصد السنن، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ المبعوث بالمعجز الخارق فصاحة اللسن، المنعوت بالعقل القويم والخلق الحسن، وعلى آله وصحبه الذين لهم على كل من بعدهم جزيل النّعم. فقد وقع السؤال عن عدة أحاديث مما عدّه الإِمام أبو محمَّد البغوي ﵀ في كتابه الموسوم بـ "المصابيح" من الحسان؛ أوردها عليه بعض المتأخرين اعتمادًا على ذكر الإِمام أبي الفرج بن الجوزي له في كتابه الذي جمع فيه -على زعمه- الأحاديث الموضوعة، وحكم بأنها كذلك، فنظرتُ فيها فإذا غالبها ليس كما ذكر. فعلَّقت هذه الأوراق مبينًا ما هو الصواب في الحكم على تلك الأحاديث، مستعينًا بالله -تعالى-، ومتوكلًا عليه في جميع الأمور -وبالله التوفيق-. وقبل الكلام على هذه الأحاديث تقدم مقدمات -تمهيدًا لما يأتي من البيان بحالها-. الأولى: إن الحديث المحتج به ينقسم إلى صحيح وحسن، وذلك بحسب تفاوت رجال إسناده في الحفظ والإتقان، وأداء ما تحمّلوه، كما أن الحديث الذي لا يحتج به ينقسم إلى ضعيف، ومنكر، وموضوع، بحسب تفاوت رواته في الوهم، والغلط، والتساهل، وتعمُّد الكذب.

стр. 32

فمن كان في أعلى درجات الإتقان والحفظ، كان ما تفرَّد به صحيحًا، مركونًا إليه، ومن نزل عن هذه الدرجة تكون أفراده حسنة، وما تابعه غيره فيه صحيحًا، ومن نزل عن ذلك يكون ما رواه منكرًا أو شاذًا، ومن نقص عن ذلك يكون حديثه ضعيفًا. والمرجع في ذلك كله ما حرَّره الأئمة الحفاظ من أحوال الرجال، وبيَّنوا من صفاتهم، أو تعرضوا له من الأحاديث بالتنصيص عليه؛ مع النقد الصحيح، والتَّصرف الجاري على قواعدهم. الثانية: إن الأئمة اتفقت على أن كل ما أسنده البخاري أو مسلم في كتابيهما - "الصحيحين"- فهو صحيح لا ينظر فيه، وأنه لا يصل إلى درجتهما في ذلك كتب السنن والمسانيد، بل هذه الكتب مشتملة على الصحيح، والحسن، والضعيف، وفي يسير منها أحاديث واهية جدًا وذلك قليل -أو نادر- في "سنن النسائي"، وما كان فيه ضعف في "جامع الترمذي" فبينّه وتخرج من عهدته، وأما "سنن أبي داود" و"ابن ماجة"؛ فلا يبينان شيئًا من ذلك، إلا في بعض منها؛ بينها أبو داود، وذكر أن ما سكت عنه فهو صالح للاحتجاج به، ومقتضى ذلك أنه يكون حسنًا عنده، ولكن لا يلزم منه أن يكون حسنًا في نفس الأمر، لا سيما إذا قوي حال رواته في الضعف. ومن هذا الوجه تطرّق الاعتراض على الإِمام أبي محمَّد البغوي ﵀ في كتابه "المصابيح"؛ حيث وصف الأحاديث التي انفرد بها أصحاب السنن بالحسان، وليس جميعها كذلك، بل فيها ما هو صحيحٌ وإن لم يكن مخرَّجًا في "الصحيحين"، إذ ليس الحديث الصحيح مقصورًا على ما في الكتابين، بل وراء ذلك أحاديث كثيرة صحيحة. وفيها -أعني: كتب السنن- ما ليس بصحيح، ولا حسن، بل يكون ضعيفًا، أو منكرًا واهيًا، كما صرّح الترمذي على قطعة من حديثه، وبينه الأئمة النقاد في كثير من أحاديث أبي داود وابن ماجه.

стр. 33

وقد بسطت الكلام على هذا الموضع بسطًا شافيًا في مقدمة كتابه "نهاية الأحكام". الثالثة: لا يلزم من كون سند الحديث ضعيفًا؛ أن يكون كذلك في نفس الأمر، بل قد يكون له سند آخر رجاله ممن يحتج بهم، وقد ينجبر بسند آخر ضعيف، فينتهي بمجموعها إلى درجة الحسن. وذلك أن ضعف الرواة يكون لاتهامهم بالكذب، وتارة يكون لنقص إتقانهم وحفظهم. فالقسم الأول لا ينجبر بسند آخر فيه مثل رجال الأول؛ لأنه انضم كذاب إلى مثله، فلا يفيد شيئًا، بل ربما يكون بعضهم سرق ذلك الحديث من بعض وادعى سماعه. أما إذا كان النقص دخل من جهة اتهامهم بالغلط والوهم؛ فإنه إذا جاء ذلك الحديث من وجه آخر عن رجال مقاربين له ولا علم أن الوهم بعيد منه؛ فانجبر أحد السندين بالآخر، وارتقى الحديث إلى درجة الحسن، وسيأتي في بعض الأحاديث ما هو مثال لهذا. وكذلك الحديث الحسن لقصور رجال إسناده عن درجة رجال الصحيح في الحفظ والإتقان؛ إذا روي ذلك المتن بسند آخر مثله في الحسن ارتقى بمجموعها إلى درجة الصحة لاعتضاد كلٌّ منهما بالآخر. الرابعة: الحكم على الحديث بكونه موضوعًا من المتأخرين عَسِرٌ جدًا؛ لأن ذلك لا يتأتي إلا بعد جمع الطرق وكثرة التفتيش، وإنه ليس لهذا المتن سوى هذه الطريق الواحد، ثم يكون في رواتها من هو متهم بالكذب، إلى ما ينضم إلى ذلك من قرائن كثيرة؛ يقتضي للحافظ المتبحر؛ الجزم بأن هذا الحديث كذب. ولهذا انتقد العلماء على الإمام أبي الفرج بن الجوزي في كتابه "الموضوعات" توسعه بالحكم بذلك على كثير من الأحاديث ليست بهذه المثابة، بل فيها ما فيه ضعف محتمل،

стр. 34

ويمكن التمسك به في الترغيب والترهيب، وفيها ما هو حديث حسن أو قد صححه بعض الأئمة -كما سيأتي في حديث صلاة التسبيح-، وفيها ما له طريق، أخرى يقوى بها الحديث لم يطلع عليها -كما سيأتي- إن شاء الله -تعالى- في بعض الأحاديث-، فدخلت الآفة عليه من هذه الوجوه وغيرها، ويجيء بعده من لا يدَ له في علم الحديث ليقلده فيما حكم به من الوضع. بخلاف الأئمة المتقدمين الذين منحهم الله التبحر في عالم الحديث والتوسع في حفظه: كشعبة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ونحوهم، ثم أصحابهم مثل: أحمد ابن حنبل، وعلي بن المديني، ويحيى بن معين، وإسحاق بن راهويه، وطائفتهم، ثم أصحابهم مثل: البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وكذلك إلى زمن الدارقطني والبيهقي؛ ممن لم يجيء بعدهم مساوٍ لهم، بل ولا مقارب -رحمة الله عليهم-، فمتى وجد في كلام أحد من المتقدمين الحكم على حديث بشيء كان معتمدًا لما أعطاهم الله من الحفظ العظيم، والاطلاع الغزير، وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح. وهذا التعذر إنما يجيء في الأحاديث المحتملة، وإلا فكثير من الأحاديث -جدًا- يشهد القلب بوضعها، ويسهل الحكم عليها بذلك؛ ممن كثرت ممارسته لهذا الفن، وهو غالب كتاب "الموضوعات" لابن الجوزي -والله أعلم (١) -. _________ (١) وقد أوردنا كلامَه ﵀ على الأحاديث المذكورة؛ كلًا في موضعِه.

стр. 35

مقدمة أجوبة الحافظ ابن حَجَر العَسْقَلاني عن أحاديث "المصابيح" بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ربِّ افتح بخير واختم بخير في عافية، آمين. الحمد لله رب العالمين، وصلاته وسلامُه على سيّدنا محمّد خاتم النّبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: فهذه أوراق مباركة، تشتمل على سؤال عن أحاديث رُمِيَت بالوضع، واشتمل عليها كتاب "المصابيح" للإمام محيي السُّنة البَغَوي ﵀، سئل عنها شيخنا الإِمام خاتمة الحفّاظ، قاضي القُضاة شهاب الدين أحمد الشهير بابن حجر، تغَمُّده الله برحمته. ثم على جوابه عنها، وقف عليه العبد الضعيف بخطه الشريف، ومنه نَقَلْتُ. صورة السؤال: "ما تقول السادة العلماء أئمّة الدين ﵃ أجمعين- في الأحاديث التي استخرجها الشيخ الإِمام القاسم سراج المِلِّة والدين أبو حفص عمر بن علي بن عمر القزويني ﵀ من كتاب "المصابيح" للإمام محيي السُّنَّة -تغمَّده الله بغفرانه-، وقال: إنها موضوعة!. والأول منها في "باب الإيمان بالقَدَر"، وقال: "فيه حديثان موضوعان". ١ - الأوّل: قوله: "صِنْفَان من أمَّتي ليس لهما في الإِسلام نصيب: المُرْجِئهَ والقَدَريَّة" غريب.

стр. 36

٢ - والثّاني: قوله: "القَدَريَّة مجوسُ هذه الأمَّةِ؛ إن مَرِضوا فلا تعودوهم، وإن ماتوا فلا تشهدوهم". ٣ - وفي "باب التطوع: صلاة التسبيح" موضوعة، قاله الإِمام أحمد بن حنبل، وكثير من الأئمة. ٤ - وفي "باب البكاء على الميت" حديث موضوع، وهو قوله: "من عزَّى مصابًا فله مثل أجره". ٥ - وفي "كتاب الحدود" حديث موضوع، وهو قوله: "أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم، إلّا الحدود". ٦ - وفي "باب الترجُّل" حديث موضوع، وهو قوله: "يكون في آخر الزَّمان قوم يَخْضِبون بهذا السواد كحواصل الحمام، لا يجدون رائحة الجنَّة". ٧ - وفي "باب التصاوير" حديث موضوع، وهو قوله: "رأى رجلًا يتبع حمامة، فقال: شيطان يتبع شيطانة". ٩ - وفي "كتاب الآداب" حديث موضوع، وهو قوله: "إذا كتب أحدكم كتابًا فَلْيُتَرَّبْهُ، فإِنه أنجح للحاجة" هذا منكر. ٩ - وفي "باب حفظ اللسان والغيبة"، حديث موضوع، وهو قوله: "لا تُظْهر الشماتة لأخيك فيرحمه الله ويبتليك" غريب. ١٠ - وفي "باب المفاخرة والعصبيّة" حديث موضوع، وهو قوله: "حبّك الشيء يُعْمي ويُصِمّ". ١١ - وفي "باب الحب في الله ومن الله" حديث موضوع، وهو قوله: "المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يُخالِل" غريب. ١٢ - وفي باب "الحذر والتأني" حديث موضوع، وهو قوله: "لا حليم إلا ذو عثرة، ولا حكيم إلا ذو تجربة".

стр. 37

١٣ - وفي "باب الرِّفق والحياء وحسن الخلق" حديث موضوع، وهو قوله: "المؤمن غِرٌّ كريم، والفاجر خِبٌّ لئيم". ١٤ - وفي "باب فضل الفقر، وما كان فيه من عيش النبي ﷺ " حديث موضوع، وهو قوله: "اللهم أحيني مسكينًا، وأمِتني مسكينًا، واحشرني في زمرة المساكين". ١٥ - وفي "باب الملاحم" حديث موضوع، وهو قوله: "إنَّ النّاس يُمَصّرون أمصارًا، وإن مصرًا منها يقال لها: البصرة، فإِن أنت مررت بها أو دخلتها فإِيّاك وسِباخَها وكلأها ونخيلها وسوقها، وباب أمرائها"، الحديث. ١٦ - وفي "باب مناقب علي بن أبي طالب -كرم الله وجهه-" ثلاثة أحاديث موضوعة: أحدها: قوله: "اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطّير" فجاء علي وأكل معه، غريب. قال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع. وقال الحاكم أبو عبد الله: إنه ليس بموضوع. ١٧ - والثاني: قوله: "أنا دار الحكمة وعليٌّ بابها"، قال محيي السُّنَّة: "هذا حديث غريب، لا يُعْرَف عن أحد من الثّقات غير شَريك، وإسناده مضطرب". وقال ابن الجوزي: هذا حديث موضوع" ذكره في "الموضوعات". ١٨ - والثالث: "يا علي لا يَحِلُّ لأحد يُجْنِب في هذا المسجد غيري وغيرك" والله أعلم بالصواب -أَفتونا أثابكم الله -تعالى-. صورة الجواب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله، وسلامه على عباده الذي اصطفى. أمّا بعد: فإنَّ الفقير إلى عفو الله الحليم الكريم، وَقَفَ على هذا السؤال، وتصدَّى للجواب عمّا تضمنته دعوى الحافظ سراج الدّين القزويني -تغمده الله برحمته-، من أنَّ

стр. 38

الأحاديث المذكورة موضوعة، ولو نَقلَ لنا السائل لفظه لكان أولى، ولكن أقول بعون الله -تعالى-: إنَّ أكثر هذه الأحاديث لا يُطْلَق عليه وصف الوَضع، لعدم وجود شرط الحكم على الحديث بكونه موضوعًا. وها أنا ذا أُوَضِّح ذلك مفصِّلًا، بعد أنْ أذكُر كلام أئمة الحديث في الموضوع، وبيان العَلامة التي إذا وجدت جاز الحكم عليه بالوضع. قُرِئ على المُسنِدِ الكبير أبي الحسن علي بن محمَّد بن أبي المجد -بقراءة شيخ النُّحَاة الإِمام مُحِب الدين بن هشام -وأنا أسمع-، عن محمَّد بن يوسف بن عبد الله بن المهتار، قال: أخبرنا العلّامة أبو عمرو تقي الدين عبد الرّحمن الشَّهْرَزُورِي -الشهير بابن الصلاح- في كتابه "علوم الحديث"، قال: ويُعرَف الوضع بإقرار واضعه، أو ما يتنزَّل منزلة الإقرار، وبركاكة لفظه ومعناه. وأن يكون منافيًا لما ثبت في دين الإِسلام بالضرورة فينفيه ذلك الخبر، وهو ثابت، أو يُثْبته وهو منفي. وهذه العلامة دلالتها على الموضوع متفاوتة، والأغراض الحاملة للوضع عند ذلك مختلفة. وإذا تقرّر ذلك، عُدْتُ إلى بيان حكم كل حديث ادَّعى الحافظ المذكور أنه موضوع، على ترتيب ما وقع في هذا السؤال بعون الملك الكبير المتعال (١). _________ (١) وقد أوردنا كلامَه ﵀ على الأحاديث المذكورة؛ كُلًا في موضعه.

стр. 39

دِراسَةُ عامَّةٌ -مُجْمَلَةٌ- لمَنْهَجِ الْحافِظِ ابْنِ حَجَرٍ في كِتَابِهِ (هِدايَةِ الرّواةِ إلى تَخْرِيجِ أَحادِيثِ "الْمَصابيحِ" وَ "الْمِشْكاة") يُعَد هذا الْكِتابُ -عَلَى اخْتِصارِهِ- عَظِيمَ النَّفْع، كَبِيرَ الْفائِدَةِ؛ وَذَلِكَ عائِدٌ إلى تَنَوُّعِ تَعْلِيقاتِ مُؤَلِّفِهِ، وَتَفَنُّنِهِ فِيها، مِنْ ذَلِكَ: - التَّضْعِيفُ وَالتصْحِيحُ: كَمَا في (٧٥١) و (٢٠١٧) و (٢٠١٨). - نَقْلُ تَصْحِيحِ الْعُلَمَاءِ وَكَلامِهِم: كَمَا في (١١٦) و (٢٥٥) و (٣٦٧) و (٧٤٨) و (٩١٨) و (١٢٨٦) و (١٧١٧) و (٢٠١٥). - التَّحْسِينُ بِذِكرِ الشَّوَاهِدِ: كَمَا في (٩٧٤) و (١٣٦٨). - تَخْرِيجُ الْحَدِيثِ مَعَ بَيانِ أَصْلِهِ: كَمَا في (٦٧٥) و (٦٨٧) و (١٨٥٤). - بَيانُ وَجْهِ الانْقِطاعِ في السَّنَدِ، وَذَلِكَ مِنْ طرُقٍ: أ- المُنْقَطِعُ: كَمَا في (١٢٣) و (٣٣٣). ب- الْمُعْضَلُ: كَمَا في (١٨٨) و (٧٤٥) و (٧٨٨). جـ - الْبَلاغاتُ: كَمَا في (١٨٦). د- الْمُرْسَلُ: كَمَا في (١٨٩) و (٢٤٩) و (٢٦٥). هـ - الْتَّعْلِيقُ: كَمَا في (٦٨٣). - تَمْيِيزُ الْمَرْفُوع وَالْمَوْقُوفِ: كَمَا في (٤٣) و (٧٨) و (١١٥) و (١١٥٦) و (١١٥٨) و (١٧١٧).

стр. 40

- تَمْيِيزُ الأَلْفَاظِ مِن خِلالِ الْمَرْوِيّاتِ: كَمَا في (٧٦) و (٣٧٠) و (١٦٣٠). - وَصْلُ الرِّوَاياتِ الْمَذْكُورَةِ بِغَيْرِ سَنَدٍ: كَمَا في (٤٣) و (١٩٠) و (١٥٨٩) و (١٧٤٩) و (٢٠١٧) و (٢٠١٨). وَالْمُصَنِّفُ ﵀ أَثْناءَ ذَلِكَ- يُطَوِّلُ التَّعْلِيقَ، أَوْ يَخْتَصِرُهُ؛ كَمَا في (٢٧٥) و (٣٦٥) و (٥٨٤) و (٦٢٣) و (١١٣٤) و (١١٤٨). وَيكُونُ بَعْضُ ذَلِكَ أَكْثَرَ مِنْ كَلامِ التَّبْرِيزِيِّ في "مِشْكاتِهِ"؛ كَمَا في (١٠٠٩) و (١٩٢٦)، وَبَعْضُ أَقَلَّ؛ كَمَا في (٩٧٣). وَقَدْ يَضْطَرُّ الْبَحْث الْعِلْمِيُّ -أَحْيانًا- إلى أَنْ يُصَحّحَ بَعْضَ أَخْطاءِ "الأَصْلِ"؛ كَمَا فى (١٣٠٤). وَنَراهُ يَذْكُرُ -في أَحْيانٍ أُخْرَى- فَوائِدَ إسْنَادِيَّةً عَامَّةً؛ كَمَا في (١٣٧) و (٢٥١) و (٨٦٧). … إلى غَيرِ ذَلِكَ مِنْ عُلومٍ حَدِيثِيَّة، وَمَعارِفَ سُنِّيَّة. أَقُولُ: هَذِهِ نُبَذٌ عِلْمِيّة، وَإشارَاتُ مَنْهَجِيَّةُ؛ تَفْتَحُ لِلْباحِثِينَ آفاقَ الدّراسَةِ الْمُتَوَسِّعَةِ لِهَذا الْكِتِابِ -خاصّةً-، وَلِعُلُومِ مُؤَلِّفِهِ الإمامِ -عامَّةً-. وَلَوْلا ضِيقُ الْوَقْتِ، وَكَثْرَةُ الْمَشاغِلِ، وَوَفْرَةُ الْمُنَغِّصاتِ: لَكَانَ لي -إنْ وَفَّقَ الله وَأَعانَ- دِراسَةٌ ضافِيَةٌ لِلْمُؤَلِّفِ وَالْمُؤَلَّفِ؛ أَنتَفِع بِها بِنَفْسي -أَوّلًا-، وَأنْفَعُ بِها إخْوانِي طَلَبَةَ الْعِلْمِ -آخِرًا-. وَالْمُوَفِّقُ -مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ- هُوَ رَبُّ العالَمِينَ.
следующие страницы →