← Адаб

Адаб · id 12116

نشأة النثر الحديث وتطوره

عمر الدسوقي

Полный текст (272 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

الإسلامي وتعاليمه السمحة التي تشربت بها روحه، وبنزعته الرومانسية، والإصلاحية. وفي مقالته "الضمير" لا يبين لنا ما الضمير، وكيف ينشأ، ويتربى حتى يكون ذلك الحارس اليقظ الذي يرد الإنسان عن سبيل الغواية إذا ما هممت نفسه الأمارة بالسوء أن ترتكب إثمًا في حق الله، أو حق المجتمع أو حق سواه من الناس، والذي يحثه على فعل الخير وإنما نراه يتكلم عن "الخلق"، وهو يفرق بين التخلق والخلق ويقول: "أكثر الذين نسميهم فاضلين متخلقين بخلق الفضيلة لا فاضلون؛ لأنهم إنما يلبسون هذا الثوب مصانعة للناس، أو خوفًا منهم، أو طمعًا فيهم، فإن ارتقوا قليلًا عن ذلك لبسوه طمعًا في الجنة التي أعدها الله للمحسنين، أو خوفًا من النار التي أعدها الله للمسيئين. أما الذي يفعل الحسنة؛ لأنها حسنة أو يتقي السيئة؛ لأنها سيئة فذلك من لا تعرف له وجودًا، أو تعرف له مكانًا. إنه هنا سيئ الظن بأكثر اللناس فهم ليسوا فضلاء في رأيه، وهذا إسراف في الحكم، وطعن عنيف للمجتمع الذي يعيش فيه، والفكرة التي ساقها بأن بعض الناس فاضل؛ لأنه يرغب في الجنة ويخاف النار، ولا يفعل الحسنة لذاتها، ولا يتجنب السيئة لذاتها، فكرة دخيلة على الفكر الإسلامي يروج لها هؤلاء الذين لا يرون الدين والعقيدة لهما أثر في الأخلاق وتربيتها، وهو من المطاعن التي وجههها بعض أعداء الإسلام للقرأن الكريم والدين الإسلامي، ويقولون: يجب على الإنسان أن يكون خيرًا من نفسه، ومن نبع ضميرهِ، بعيدًا عن الشيء من نفسه، ومن نبع ضميره، وفاتهم أن الضمير هو ما قر في النفس منذ الصغر بالتربية والعرف والعادات، والنموذج الذي يراه المرء ويحتذيه، وقد تكون هذه التربية وتلك العادات والتقاليد منافية للفضيلة المطلقة التي يقرها العقل السليم، فلا يكون ثمة ذلك الضمير الذي ينشده رجال الأخلاق، وفاتهم أن الفضيلة بنت العادة كما يقول أرسطو، وأن جمهرة الناس ليسوا مفكرين وفلاسفة، وأن الغرائز الإنسانية الفطرية تتحكم في تصرفاته مهما قيل عنها، ومن هذه الغرائز الخوف من العقاب، والطمع

стр. 212

في الثواب، وأن الغاية التي يرمى إليها الدين بالترغيب والترهيب هي إيجاد المجتمع الفاضل، وأن السلطان الذي يمثل تلك القوة العليا التي تملك الثواب والعقاب، سلطان عظيم لو تغلغل في النفس وتشربت مبادئه السامية. ويعالج المنفلوطي بعد ذلك "الخلق" بطريقة شعرية، فيقول: "الخلق هو الدمعة التي تترك فوق عين الرحيم كلما وقع نظره على منظر من مناظر البؤس، أو من مشهد من مشاهد الشقاء، هو القلق الذي يساور قلب الكريم، ويحول بين جفنيه والاغتماض كلما ذكر أنه رد سائلًا محتاجًا، أو أساء إلى ضعيف مسكين. هو الحمرة التي تلبس وجه الحيي خجلًا من الطارق المنتاب الذي لا يستطيع مد يد المعونة إليه، هو اللجلجة التي تعتري لسان الشريف حينما تحدثه نفسه بأكذوبة، ربما دفعته إليها ضرورة من ضرورات الحياة، هو الشر الذي ينبعث من عيني الغيور حيثما تمتد يد من الأيدي إلى العبث بعرضه أو كرامته. هو الصرخة التي يصرخها الأبي في وجه من يحاول مساومته على خيانة وطنه أو ممالأة عدوه". ومن الموضوعات التي كنا نترقب أن يعالجها معالجة أدبية أو اجتماعية "الحرية"، ولكنه سلك فيها مسلكًا عجيبًا، وكأني به يدعو إلى الحرية المطلقة تلك التي لا يقيدها شرع أو عرف أو قانون، بل يرى أن الحيوان قد فهم الحرية أكثر من الإنسان فيقول: من أصعب المسائل التي يحار العقل البشري في حلها، أن يكون الحيوان الأعجم أوسع ميدانًا في الحرية من الحيوان الناطق، فهل كان نطقه شؤمًا علي وعلى سعادته؟ وهل يحمل به أن يتمنى الخرس والبله ليكون سعيدًا بحريته كما كان سعيدًا بها قبل أن يصبح ناطقًا مدركًا. يحلق الطير في الجو، ويسبح السمك في البحر، ويهيم الوحش في الأودية والجبال، ويعيش الإنسان رهن المحبسين، محبس نفسه، ومحبس حكومته من المهد إلى اللحد. صنع الإنسان القوي للإنسان الضعيف سلاسل وأغللًا وسماها تارة ناموسًا، وأخرى قانونًا ليظلمه باسم العدل، ويسلب منه جوهر حريته باسم الناموس والنظام.

стр. 213

لو عرف الإنسان قيمة حريته المسلوبة منه، وأدرك حقيقة ما يحيط بجسمه وعقله من القيود لانتحر كما ينتحر البلبل إذا حبسه الصياد في القفص، وكان ذلك خيرًا له من الحياة لا يرى فيها شعاعًا من أشعة الحرية، ولا تخلص إليه نسمة من نسماتها. لا سبيل إلى السعادة في الحياة إلا إذا عاش الإنسان فيها حرًا مطلقًا، لا يسيطر على جسمه وعقله، ونفسه ووجدانه وفكره مسيطر إلا أدب النفس". هل حقًا تعد تلك المسألة من أصعب المسائل التي يحار العقل البشري في حلها، أن يكون الحيوان الأعجم أوسع ميدانًا من الحرية من الحيوان الناطق؟ وما وجه الصعوبة في هذا الإدراك، وهي بديهة من البديهات، فالحيوان لا عقل له بقيده، وإنما يسير في حياته بوحي غريزته، لا هم له إلا أن يحافظ على حياته، ولو على حساب غيره من الحيوان، في حين أن الإنسان له عقل يهديه وينير له الطريق، هو اجتماعي بطبعه، لا يعيش في عزلة عن سواء فلا يعيش الناس حياة الحيوان يأكل القوي الضعيف، وإنما تنظم علاقاتهم النواميس الشرعية، والقوانين والعرف، تلك التي لا تعجب المنفلوطي ويريد أن يتحرر منها. لست أدري من أين أتته هذه الفكرة! أغلب الظن أنها من وحي قراءته الغربية، والدعوة إلى الرجوع إلى الطبيعة والحياة الفطرية. ولا نريد أن نلم بكل الموضوعات الأدبية التي طرقها المنفلوطي، فحسبنا ما ذكرناه منها، على أنه يكون في أحسن حالاته الأدبية في موضوعين، الموضوع الحزين، والرسائل، وقد مر بنا بعض تلك الموضوعات الحزينة في رثاثه لولده، وفي رثائة للشيخ علي يوسف، حيث بلغت عاطفته مداها، وارتفعت عبارته بما يتناسب مع تلك العاطفة. وهاك مثالًا آخر على تلك المواطن الحزينة التي يجيدها المنفلوطي عاطفة، ومبني ألا وهو "غرفة الأحزان"، وإن استهل الموضوع بما يتناقض مع ما عرف به من انتقائه لأصدقائه، ومن تمسكه بأهداب الفضيلة حيث يقول: "كان لي صديق أحبه لفضله وأدبه أكثر ما أحبه لصلاحه ودينه، فكان يروقني منظره، ويؤنسني

стр. 214

محضره، ولا أبالي بعد ذلك بشيء من نسكه وعبادته، أو فلسفته واستهتاره؛ لأنني ما فكرت قط أن أتلقى عنه علوم الشريعة، أو دروس الأخلاق". وهذا تصريح عجيب من المنفلوطي في عدم احتفائه، ومبالاته بما عليه الصديق من خلق ولو كان غير قويم، وأعجب من ذلك التعليل الذي أورده في أنه لم يفكر في أن يتلقى عنه علوم الشريعة أو دروس الأخلاق، ومن قال إن الرجل الفاضل أستاذ في الشريعة أو علم الأخلاق؟! وقد يكون أستاذًَا لهما وليس فاضلًا في خلقه، ولا حافظًا لدينه!!، إنه يعترف بأن صديقه هذا له فلسفته الخاصة في الحياة وأنه مستهتر، فكيف رضي به المنفلوطي الذي طالما وعظ وحث على مكارم الأخلاق صديقًا، بل كيف أحبه؟ على كل ليس هذا هو بيت القصيد في حديثنا عن غرفة الأحزان، ومناظر الشقاء والبؤس، حين يتردى الإنسان في مهواة اليأس أو الفاقة، أو العجز، أو تكربه الأحداث، وتنتابه النوائب، ولا يملك لها دفعًا. لقد افتقد هذا الصديق الذي أحبه ردحًا طويلًا من الزمن حتى اعتقد أنه لن يجد إليه بعد ذلك سبلًا، ويقول المنفلوطي: "هنالك ذرفت من الوجد دموعًا لا يذرفها إلا من قل نصيبه من الأصدقاء، وأقفر ربعه من الأوفياء، وأصبح غرضًا من أغراض الأيام، لا تخطئه سهامها، ولا تغبه آلامها. واعتقد أن هذا موقف مفتعل من المنفلوطي، فقد تناهى إليه من جيران صديقه هذا أنه ترك بيته من عهد بعيد، وأنهم لا يعرفون مصيره، وأنه وقف بين اليأس والرخاء برهة من الزمن يغالب أولهما ثانيهما حتى غلبه، فأيقن أنه قد فقد الرجل، "وهناك ذرفت ... إلخ"، والإنسان لا يبكي هكذا لمجرد الاستنتاج دون أن يكون منظر الميت أمامه يهيجه أو على الأقل يتحقق من وفاته، ولا سيما وقد طال الزمن على لقائهما. ثم عثر على صديقه هذا بعد حين بطريق الصدفة، فيقول في شيء من التهويل والمبالغة: "بينا أنا عائد إلى منزلي في ليلة من ليالي السراء، إذ دفعني الجهل بالطريق في هذا الظلال المدلهم إلى زقاق موحش مهجور يخيل للناظر إليه

стр. 215

في مثل تلك الساعة التي مرت فيها أنه مسكن الجان، أو مأوى الغيلان فشعرت كأني أخوض بحرًا أسود، يزخر بين جبلين شامخين، وكأن أمواجه تقبل وتدبر، وترتفع وتنخفض، فما توسطت لجته حتى سمعت في منزله من تلك المنازل المهجورة أنه تتردد في جوف الليل، إلخ ولا شك أن في هذا الوصف لزقاق في القاهرة مبالغة وتهويل، فأي أمواج رآها في ذلك الزقاق تلك التي تقبل وتدبر، وترتفع وتنخفض؟ وأي لجة توسطها؟، ومهما يكن الظلام شديدًا حالكًا بالقاهرة، فلن يكون بهذه الصفة. وأخيرًا نصل إلى المقطع الحزين الذي برع في مثله، لقد طرق باب هذا المنزل ففتحت له فتاة لا تتجاوز العاشرة من عمرها: "فتأملتها على ضوء المصباح الضئيل الذي كان في يدها، فإذا هي في ثيابها الممزقة كالبدر وراء الغيوم المتقطعة، وقلت لها: هل عندكم مريض؟ فزفرت زفرة كاد ينقطع لها نياط قلبها وقالت: أدرك أبي أيها الرجل، فهو يعالج سكرات الموت، ثم مشت أمامي، فتبعتها حتى وصلت إلى غرفة ذات باب قصير مسنم، فدخلتها، فخيل إلي أني قد انتقلت من عالم الأحياء إلى عالم الأموات، وأن الغرفة قبر، والمريض ميت، فدنوت منه حتى صرت بجانبه، فإذا قفص من العظم يتردد فيه النفس تردد الهواء في البرج الخشبي، فوضعت يدي على جبينه، ففتح عينيه"، وأطال النظر في وجهي، ثم فتح شفتيه قليلًا قليلًا، وقال بصوت خافت: "الحمد لله فقد وجدت صديقي، فشعرت كأن قلبي يتمشى في صدري جزعًا وهلعًا، وعلمت أنني قد عثرت بضالتي التي كنت أنشدها، وكنت أتمنى ألا أعثر بها وهي في طريق الفناء، وعلى باب القضاء، وألا يجدد لي مرآها حزنًا كان في قلبي كمينًا، وبين أضالعي دفينًا ... إلخ". ثم قص الرجل قصته، وكيف وصل إلى هذا الحال من الضعف والهزال، فقد خدع فتاة ذات مال وجمال، ومناها بالزواج، ثم خاس في عهده، وتركها وهي حامل، فكتبت إليه بعد عشر سنين، وقد غادرت قصر أبيها بجنينها وأوشكت على الموت تطلب إليه أن يرعى فتاته، فجاءها وهي تلفظ أنفاسها في هذه الحجرة التي يموت فيها الآن، فأقسم ألا يبرحها حتى يقضي نحبه.

стр. 216

وقد أبدع المنفلوطي في وصف المأساة على عادته، واستخدام أروع أساليبه في إظهار الفجيعة مستعينًا بالتشبيه تارة، والسجع القليل أخرى، والألفاظ الموجبة، وتصوير جو البؤس والإملاق، والحزن والكآبة، والمرض والموت، واختار لقصته هذه اسمًا موحيًا بمضمونها وهو "غرفة الأحزان"، وقد تابع حديثه حتى وسد صديقه القبر بذلك الأسلوب الحزين، الذي برع فيه وارتفع به إلى الأسلوب الأدبي بخصائصه الفنية. ولا نريد أن نتعرض لكل الموضوعات ذات الطابع الحزين، فهي كثيرة في النظرات، وهي سمة خمن سمات أدبة بعامة لرهافة في حسه، وعمق في عاطفته، وميل فطري إلى الحزن والتأثر بالنكبات "قد عاهدت الله قبل اليوم ألا أرى محزونًا حتى أقف أمامه، وقفة المساعد إن استطعت، أو الباكي إن عجزت". وكان بطبعه عطوفًا على البائسين يرق لحالهم، ويرثي لبلواهم، وقد ذكر لنا أنه كا مغرمًا بالأدب الحزين الباكي: "كأني كنت أرى الدموع مظهر الرحمة في نفوس الباكين، فلما أحببت الرحمة أحببت الدموع لحبها، وقد سبق لنا الاستشهاد بتلك الكلمة، التي بين فيها أنه وجد بينه وبين أولئك البائسين شبهًا قويًا، فكأنما كان يبكي على نفسه، ولما تغير شأنه، وابتسمت له الدنيا، لم ينس ما لاقاه فيها من بؤس، أيام أن طلقت أمه، وتزوجت غير أبيه، وأيام أن كان يعيش في حجرة متواضعة، يعاني شظف العيش، وعنت الذين يحولون بينه وبين كتبه الأدبية، ويذيقونه الاضطهاد والعسف، حتى فر بنفسه منهم، ثم تخطف الموت فلذات أكباده الواحد تلو الآخر فزاده حزنًا على حزن. وفوق كل ذلك تأثره بقراءته الرومانسية الغربية، والحزن سمة من سمات الرومانسية الفرنسية بخاصه، حتى عرف بداء العصر وقد وضحنا ذلك آنفًا، وقد وافق الأدب الرومانسي طبعه ومزاجه، ولهذا ترجم منه قصصه، وحذا حذوه في قصصه المؤلفة وفي مقالاته القصصية، وهو أدب مشحون بالعاطفة، والمنفلوطي كان سريع العبرة، شديد الحساسية، غزير العاطفة. فلا نعجب بعد كل هذا إذا رأينا المنفلوطي يجيد في الموضوعات الحزينة، ويكون في أحسن حالاته الأدبية حين يتعرض لها، لولا بعض ما لا بسها من تهويل ومبالغة، ولعل ذلك من أثر اندفاعه في عاطفته إلى مداها، على أن هذا قد يغتفر في المقال الأدبي إذا لم يكن فيه إحالة أو تعسف. هذا وكان مجتمعه الذي يعيش فيه يعاني أوصايا كثيرة خلقية واجتماعية، ورثها من عهود الاستعمار التركي والإنجليزي، ومن سوء تصرف الأسرة الحاكمة وحاشيتها، وعانى منها سواد الشعب الأمرين، والمنفلوطي كان يمت بأوثق الصلات إلى سواد الشعب هذا ويدرك ما يقاسيه، وما ينتابه من علل، فحاول جهد أن يشخص أدواءه، ويصف له دواءه على طريقته، وكثيرًا ما تلاقي وهو يشخص الداء بتلك الصور والمواقف البائسة الحزينة، فهاجت شجونه، واستدرت دمعه، وكان يحاول أن يبرزها مجسمة، في شيء من المبالغة حتى ينفذ بها إلى القلوب، فتنتفع بدوائه، وتستمع لندائه.

стр. 217

رسائله: أما الموضوع الثاني الذي بلغ فيه تأنقه غايته، وحشد له كل طاقته الأدبية، وبراعة بيانه فهو الرسائل، وقد ذكرنا فيما سبق من هذا الكتاب تطور الرسائل في الأدب القديم والحديث، وأنها ظلت مجلى البلاغة والبيان عند الأدباء يهتمون بتدبيجها كل الاهتمام، جريا على عادة السلف؛ ولأنها ذات تقاليد موروثة، وبخاصة تلك التي وضعتها مدرسة ابن العميد، وذكرنا أن شيخ كتاب الرسائل في العصر الحديث هو عبد الله فكري، وأنه قد سن لها سننًا معلومة، وأنه ما من كاتب ولا متأدب إلا له في هذا الميدان جولات. وكان طبيعيًا أن يطرق المنفلوطي باب الرسائل في معاملته مع أصدقائه الأدباء، وأن تكون رسائله الخاصة غير مقالاته العامة التي تعالج داء من الأدواء الاجتماعية، أو تطرق موضوعًا دينيا، أو ترثي عظيمًا، أو تبكي حبيبًا، أو تعبر عن خلجات نفسه حين تهتز لمنظر جميل أو نكبة من النكبات، أو حين يتعرض للكلام عن الرحمة والحرية وما شاكلها.

стр. 218

فالرسائل من خصائصها الموروثة الإيجاز وسمو العبارة، واصطناع المحسنات، وضروب الخيال التفسيري، إنها نوع من الشعر المنثور، وقد تتضمن تحليل أبيات شعرية، أو الاستشهاد بها، وسنرى ذلك واضحًا في رسائل المنفلوطي، مع عذوبة في ألفاظه، وتسلسل في فكرته. ولم يترك لنا المنفلوطي في نظراته سوى أربع رسائل: أولاها: رسالة التقاضي، أو الرجاء لقضاء حاجة، والملاحظ من ناحية الشكل أنه لجأ فيها إلى الجمل الدعائية المعترضة على طريقة مدرسة ابن العميد مثل أعزك الله، وأيدك الله. ثم قصر الجمل، وتساويها في الطول، ولم يلجأ في الرسالة الأولى هذه إلى السجع إلا نادرًا، ولكنه استخدم الازدواج، وهو تشابه الفواصل في الوزن لا في الحروف. وفيها بعض الاستعارات الموروثة كقوله: تخرس دونها ألسنة الشكر. والملاحظ كذلك حسن اختيار الألفاظ، والإيجاز في التعبير، والوصول إلى القصد بدن مقدمات. أما من ناحية معانيها فقد ورد مثلها كثير لدى القدماء، ورسائل التشفع والرجاء مما حفلت به كتب الأدب، فليس في الواقع بهذه الرسالة معنى جديد أو فكرة مبتكرة، وكل ما هنالك أنه لجأ إلى كرمه وفضله، ولم يلجأ إلى الشفعاء والوسطاء من حاشيته وإخوانه. أما الرسالة الثانية: فيظهر أنها رسالة إلى حبيب، وإن أخفى المنفلوطي ذلك، فلم يصرح أكان الحبيب رجلًا أو امرأة بيد أن سياق الرسالة يدل على أنها حبيبة كما سنرى. لقد كان مريضًا وطال مرضه، وأشرف على الموت، ثم عافاه الله منه، ولم يعده ذلك الحبيب، واكتفى بالاعتذار كتابة فأرسل إليه المنفلوطي رسالة يقاطعه فيها.

стр. 219

ويستهلها المنفلوطي بأن برئ من مرض حبه، وصحا من رقده كادت تتصل برقدة الموت، فهل كان مرضه بسبب الحب؟ وأنه لم يخدم بالكلام المزوق، ويقبل المعذرة، ولم يجد في رسالة حبيبه هذا ما كان يجده من قبل ذلك النور الذي كان يملأ عينيه، ويشع من سطورها ويملأ قلبه روعة وهيبة. إنه يحمد الله الذي أداله من رقه، وكشف له من مكنونه ما كشف غشاء الهوى عن بصره، ولا يكون الإنسان رقيقًا إلا لحبيب لا لصديق ويقول المنفلوطي: "فجفت الدموع التي طالما أذلتها بين يديك، وقرت العيون التي كنت أساهر بها الكواكب شوقًا إليك، والمرء لا يذيل الدموع بين يدي الصديق، ولا يساهر النجوم شوقًا إليه، وإنما يكون ذلك من صفات العاشق وحالاته، ويصرح المنفلوطي بأن ما كان بينهما ليس الصداقة فحسب، ولكنه الحب "والحب شجرة يغرسها الأمل". وقد بلغ غاية الأناقة في عبارته حين قال: "الحب شجرة يغرسها الأمل في القلب، ثم يغذوها بمائة وهوائه، فلا تزال تشتجر أغصانها، وترف ظلالها، وترق أطيارها حتى يعصف بها عاصف من اليأس فتموت". ويبين أن قلبه قد انصرف عن هذا الحب، وأنه حاول أن يعيده إلى سيرته فأبى، وأنه معذور فيما فعل، فقد أساء إليه غاية الإساءة، وعذبه، وأركبه في سبيل ذلك الحب مركبًا وعرًا، والآن قد فر من سجنه، واستروح نسيم الحرية وهيهات أن يقبل العودة إلى السجن ثانية، وأنه كان الحبيس الذي أطلق سراحه. وقد استخدام المنفلوطي بعض كلمات غريبة نوعًا ما كالقلب الشموس، والمهر الأرن، وحتى يئون القارظان، وهو يلجأ في هذه الرسالة بمهارة إلى السجع غير المتكلف، وإلى المقابلة بين حال اليأس وحال الأمل، وقد أبدع في إظهار قسوة حبيبه على ذلك القلب. هذا مع سمو في التعبير، وتحليتها بالطباق والسجع أحيانًا، والاستشهاد بالشعر، وقصر الفقرات، والازدواج والتشبيه، والاستعارة كما في قوله حتى "يعصف بها عاصف من اليأس" "والقلب الشموس"، "وأنهلته من جفائك"، وله تعبيرات موروثة كقوله عن قلبه: ركب رأسه، وأرغمت معطسه، وليس للقلب رأس ولا معطس.

стр. 220

وكقوله: فلا أوبة حتى يئوب القارظان، إشارة إلى المثل "لا آتيك أو يئوب القارظان" وهما ابن عنزة، وعامر بن رهم وكلاهما من عنزة خرجًا في طلب القرظ "وهو ثمر شجر السنط" فلم يعودا، هو مثل غريب نادر الاستعمال في القديم والحديث، بل غير مناسب ألبتة في عصرنا هذا لمخالفته للبيئة التي كان عيش فيها المنفلوطي، ولكنه من محفوظه. أما الرسالة الثالثة: فهي تهكم برجل بخيل تورط في ورطتين: الأولى قد زاره محتال، وما زال يداهنه ويماحله، ويطرق أبواب ضعفه حتى نال بعض رفده، والثانية: أنه قبل الذهاب إلى وليمة فأكل حتى شبع، ثم استمع للغناء بعد العشاء، والمنفلوطي يعجب لهذا التورط، ويسخر منه ومن بخله. أما في الأولى فيبين له كيف خدعه ذلك المحتال؟ وكيف انتابته تلك النوبة من الكرم، وكيف سمح لدرهمه أن يخرج، وكيف ألمت به هذه الداهية، وكيف وصل هذا الشيطان إلى قلبه، كي يزيده تحسرًا على ما فرط منه، وندما على تلك النوبة من الأريحية. "وإن أخوف ما أخاف عليك أن تكون أتيت من باب الخدعة الشيطانية التي يسمونها الرحمة، فإن كانت هي فالخطب عظيم والبلاء جسيم"، وهنا لا ينسى المنفلوطي ما في وطنه من المظاهر العديدة التي تستوجب الرحمة، وأن صاحبه هذا على بخله لا يستطيع أن يجابه كل هذه المظاهر، وإنه إن تورط في طريق الرحمة، فسيصير بعد قليل متسولًا مع المتسولين. فإنك حيثما ذهبت، وأني حللت، لا تقع عينك إلا على يد شلاء، ورجل بتراء، وعين عمياء وصورة شوهاء، وثوب مخرق، وشلو ممزق، وطريح على التراب سقيم، وجسم أعرى من الأديم فإن لم تفارق الرحمة قلبك، فارق المال جيبك، فطفت مع الطائفين، وتسولت مع المتسولين ثم لا تجد لك راحمًا ولا معينًا". وكأني به يصور له هواجس نفسه، ويعيره بأن الرحمة قد اجتثت من قلبه، وأنه لا عهد له بها، وأنه يخاف من التورط فيها حتى لا تحيله معدما يتسول، يتكفف الناس، كما كان يوهم نفسه بذلك، ويحتج لبخله.

стр. 221

أما الورطة الثانية، فهي قبوله الذهاب إلى وليمة، وقد بين المنفلوطي، كيف فرح هذا البخيل بهذه الدعوة؛ لأنه حرم على نفسه الطيبات، وكيف تحلب لها فوه، ورقصت أشداقه، وطار إليها، وكيف لنهمه وحرمانه، وقع على "خبزها وشوائها وفاكهتها وحلوائها، مثلج الصدر، ثابت القدم، ساكن القلب، طيب النفس". ثم بين له خطأه في الذهاب إلى هذه الوليمة من وجهة نظره في البخل "كأنك لا تعلم أنها لذة الساعة، ومرارة العمر، وشبع اليوم وجوع الأبد، وأنك إنما طعمت خما في الحبالة من الحب، تأكله اليوم ليأكلك غدًا، فمن لك بالنجاة من مضيفك إن جاءك يومًا يتقاضاك دينه، وقد حفت به كوكبة من خلانه وصحبه فطار لمرآه لبك، وتمشى له قلبك في صدرك، وخيرك بين لحم شاتك ولحمك، فالفقر إن منحت، والعار إن منعت". ئم يحثه تهكمًا وسخرية على الانزواء والانطواء كسابق عهده مكتفيًا من طعامه بالخبز والزيت، وحراسة صندوقه، لا يزور ولا يزار، حتى لا يتورط في مثل ما تورط فيه، ويحذره العودة إلى مثلها. وقد بلغ المنفلوطي في الرسالة غايته في إظهار ضعف صاحبه، وبخله وشدة حرصه وابتعاده، وخلو قلبه من الرحمة، وأرعبه وأفزعه مما عساه يناله لتورطه في الذهاب إلى الوليمة، وزاده حسرة وندمًا للمحتال أن يخدعه في درهمه. وله فيها تعبيرات طريفة بعضها قديم وبعضها حديث كقوله: "تحلب لها فوك، ورقصت لها أشداقك، وقوله: "وخيرك بين لحم شاتك ولحمك"، وتشبهه بالطائر الذي يلتقط الحب من الأحبولة يأكل اليوم وتأكله غدًا. وهو يكثر فيها من السجع على غير ما عهدناه في الرسالتين السابقتين، ويستخدم ضروب الخيال التفسيري من تشبيه واستعارة، مع ما اتسمت به بقية رسائله من قصر الجمل وتساويها، واللجوء إلى الازدواج، وحسن اختيار الألفاظ.

стр. 222

والمنفلوطي قد قرأ -ولا شك- كثيرًا عن البخلاء: قرأ ما كتبه الجاحظ وما كتبه سهل بن هارون في رسالته المشهورة التي يدافع بها عن البخل. وإذا رحنا نوازن بين ما كتب قديمًا، وما كتبه المنفلوطي نجد أنه لم يأت بجديد، وكل ما هنالك أنه عبث بصاحبه وساق آراءه في البخل مساق التهكم والسخرية، والتنذر على ذلك الحريص البخيل. أما الرسالة الرابعة: فهي رسالة إلى صديق كبير يبين فيها المنفلوطي ما اعتراه من اليأس من هذه الحياة ومن فيها من الناس، وكيف استحالت هذه الحياة جحيمًا، ولهذا آثر العزلة حتى يوافيه أجله. وتعتمد هذه الرسالة على وصف حالة اليأس التي يعانيها بالموازنة بينها وبين حال الأمل التي كان يطمع فيها، فإذا كان الأمل، جنة تغن أشجارها، وترن أطيارها، وتشتجر أغصانها، وتعتنق غدرانها، فاليأس هاجرة "تتلظى نارها، ويعتلج أوراها وتحول بين العيون واغتماضها، والجنوب ومضاجعها، والقلب يهبط به الخوف، فيتمشى بين الأضالع مشية الطائر الحذر". أما حاله: "فتضرب كحال هذه الدنيا ما بين: "فرح وهم، وسرور وحزن، وقبض وبسط، ومد وجزر". وهكذا يمضي يصور حالة القلق التي تعتوره: "اذكر الله ورحمته وإحسانه، ورأفته وحنانه، فيشرق لي من خلال ذاكره وجه الحياة الناضرة، وثغرها البارق وجمالها الساطع، وبشرها الضاحك، ثم اذكر الدهر وصروفه، والعيش وحتوفه، والأيام وما أعدت في طياتها لبنيها من عثرات في الخطوات، ونكبات في الغدوات والروحات، فألمس صدري بيدي لأعلم أين مكان قلبي من أضالعي، ثم أنثني على كبدي من خشية أن تصدعا". ويلجأ إلى الله، إما أن يستكرم برحمته فينقذه من بلائه ويريحه من عنائه، وإما أن يورده حتفه، ويأخذه إليه، "فيستخلصني من موقف أنا فيه كالمريض المشرف، لا هو حي فيرجى، ولا ميت فيبكى".

стр. 223

ويبالغ ويهول فيما يعانيه صاحب الرجاء الكاذب من أهوال أشد إيلامًا "وأنكى وقعًا من النقص الذي يبتلى به عباده: في الأموال والأنفس والثمرات، وما يصيبهم من صاعقة العذاب، وطاغية الطوفان، والزلزال الأكبر والموت الأحمر. وقد صار بهذه الحال اليائسة البائسة يحسد الحيوان والوحوش الهائمة؛ لأنها لا تفكر في غدها، ولا يقلقها الطمع في آت من الرزق، قد قنعت من الماء بالكدر، ومن العيش بالجشب "الخشن من الطعام"، فتساوى لديها السعد والنحس والنعيم والشقاء. ويشبه نفسه برجل زلت رجله فوقع في بئر، وقبل أن يهوي إلى قراره علقت رجله بمرقاة، يحاول أن يصعد إلى أعلى فلا يستطيع، وتمنعه المرقاة من الغرق، فهو لا يزال معلقًا بين اليأس والرجاء، تتنازعه المخاوف، وتفتك به الوساوس. ثم يقول في نهايتها: "هذه هي حالتي، وذلك همي، وهذا ما وسوس لي أن أعتزل الناس جميعًا، وأفارق عشيرتي وصحبي، ويراعي ومحبرتي، علني أجد في البعد عن مثارات الأماني، ومباعث الآمال راحة اليأس، فاليأس خير داء لأمراض الرجاء"، ثم يختمها بما ارتضاه لنفسه وهو في هذه الحال الكثيبة في عزلته: "فهأنذا قابع في كسر بيتي، ولا مؤنس لي إلا وحدتي، أتخيل البيت قبرًا والثوب كفنًا، والوحشة وحشة المقبورين في مقابرهم؛ لأعالج نفسي على نسيان الحياة، وأمانيها الباطلة، ومطامعها الكاذبة، حتى يبلغ الكتاب أجله، وهذا آخر عهدي بك وبغيرك والسلام". ونسأل: هل حقًا يبلغ اليأس بإنسان ما، وبخاصة إذا كان عنده شيء من الإيمان -وقد كان عند المنفلوطي منه الكثير- هذه الدرجة من الاضطراب والقلق، وتخيل الحياة جحيمًا لا يطاق حتى إنه ليتمنى الموت، بل ينتظره في وحشة وكآبة دونهما وحشة القبر وكآبته؟؟

стр. 224

وما هذا الأمر الجلل الذي جعله يفقد الثقة بالناس جميعًا، ويفارق عشيرته وصحبه وبراعه ومحبرته، ويحاول أن يقبر الأماني في نفسه؟ لم نعرف أن المنفلوطي مرت عليه بعد أن أخذ في الكتابة مثل هذا الأمر إلا في حالتين: الأولى عندما سجن؛ لأنه هجا الخديوي عباس، ولكن سرعان ما تشفع له المتشفعون فأفرج عنه، والثانية عندما مات أستاذه محمد عبده، فآثر العزلة في بلدته منفلوط، ولكن ما لبث أن استل يراعه، وأخذ يراسل المؤيد بعد برهة من الزمن. أتراه افتعل هذه الرسالة افتعالًا ليبين ما قد يفعله اليأس بنفوس البائسين، من فقدان الثقفة بالناس، وعدم انتظار رحمة الله التي وسعت كل شيء!! والرسالة كما نرى معتمدة كل الاعتماد على المقابلة، وهي ضرب من ضروب البديع، كما أن فيها كثيرًا من السجع، وإن كان خفيف الوقع على السمع، ليس متكلفًا ولا باردا، وبالنظرة إلى الحياة ومن فيها تلك النظرة السوداء الكئيبة التي تحيل حياة صاحبها نارًا تتلظى. وفيها تضمين واقتباس "على كبدي من خشية أن تصدعا"، "ما أضيق العيش لولا فسخة الأمل"، "نقص في الأموال والأنفس والثمرات، من القرآن الكريم، وفيها براعة في تصوير حال اليائس بأكثر من صورة: صورة الظبي الخائف في أرض "تعزف جناتها وتحوم عقبانها، وتزأر سباعها، وتعوي ذئابها، وتحت سماء تتهاوى نجومها، وتتوالى رجومها، وتتراكم غيومها". وصورة المتعلق بجوف البئر، وصورة المريض المشرف على الموت لا حي فيرجى، ولا يمت فيبكى، وصور هاجر اليأس التي تتظلى نيرانها ويعتلج أوارها. والأسلوب قد بلغ درجة عالية في السمو والسلاسة والعذوبة والتدفق، عن طريق تلك الجمل القصيرة المتساوية، وبانتفاء الألفاظ المنسجمة النغم بعضها مع بعض، وعن طريق تلك التشابيه الموحية، والصورة الزاهية. ورسائله في مجملها تسير على نمط مدرسة ابن العميد، فلم يتطور بها كما تطورت مقالاته.

стр. 225

البيان في رأي المنفلوطي: قبل أن نصدر حكمنا على أسلوب المنفلوطي ومنزلته في عالم النثر، يجدر بنا أن نبين رأيه الذي ارتضاه لنفسه في كتابته، وحاول أن يحمل الناس عليه في الأسلوب الكتابي، يقول: "جهل البيان قوم فظنوا أنه الاستكثار من غريب اللغة، ونادر الأساليب، فأغصوا به صدور كتبهم، وحشوها في حلوقها حشوا يقبض أودجها، ويحبس أنفساها، فإذا قدر لك أن تقرأها، وكنت ممن وهبهم الله صدرًا رحبًا، وفؤادًا جلدًا، وجنانا يحتمل ما حمل عليه من آفات الدهر وأرزائه، قرأت متنًا مشوشًا من متون اللغة، أو كتابًا مضطربًا من كتب المترادفات". وجهله آخرون فظنوا أنه الهذر في القول، والتبسط في الحديث، واقعًا ذلك من حال الكلام ومقتضاه حيث وقع، فلا يزالون يجترون بالكلمة اجترار الناقة بجرتها، ويتمطقون بها تمطق الشفاه بريقتها حتى تسف وتبتذل، وحتى ما تكاد تسيغها الحلوق، ولا تطرف عليها العيون، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا". فالبيان في رأيه ليس بالتشدق بالكلمات المعجمية، على طريقة كتاب المقامات منذ عهد الحريري حتى مطلع القرن العشرين، وليس كذلك بالتبذل بالكلمات السوقية التي لاكتها الألسنة، والأقلام حتى أسفت كالعملة الحائلة اللون ويقول: "ليس البيان إلا الإبانة عن المعنى القائم في النفس وتصويره في نظر القارئ، أو مسمع السامع صحيحًا لا يتجاوزه، ولا يقصر عنه، فإن علقت به آفة من تينك الآفتين فهو العي والحصر". والبيان في رأيه كذلك: "هو النظم والنسق والانسجام، والاطراد والرونق، واستقامة الغرض، وتطبيق المفصل، والأخذ بمجامع الألباب، وامتلاك أزمة الأهواء". ويشترط للكتاب الحق أن يكون صادقًا مع نفسه: "فذلك ما تراه في رسائل النظرات منتثرًا ههنا وههنا، وقد شعر به قلبي، ففاض به قلبي من حيث لا أكذب الناس عن نفسي، ولا أكذب نفسي عنها".

стр. 226

ويقول: "ولا تحيا كتابة كاتب سيعلم الناس من أمره بعد قليل أنه يكذبهم عن نفسه، وعن نفوسهم، وأنه يستبكي ولا يبكي، ويسترحم ولا يرحم". وهو ممن يؤمنون بأن البيان صفة في الطبع، أي أن الأديب يجب أن يكون مطبوعًا، فتصدر عنه كلماته "عفوًا بلا تكلف ولا تعمل، صدور النور عن الشمس، والصدى عن الصوت، والأزيج عن الزهر، وشعاع لامع يشرق في نفس الأديب إشراق المصباح في زجاجته، وينبوع ثرار، يتفجر في صدره، ثم يفيض على أسلات قلمه". وليست المسألة عنده مسألة علم بقواعد اللغة، ومعرفة بمتنها، وحفظ لآثارها، بل إن البيان "أمر وراء العلم، واللغة، والمحفوظات والمقروءات والقواعد والحدود، ولو أن امرءًا من كائن لكان أربع الكتاب، وأشعر الشعراء أغزرهم مادة في العلم، أو أعلمهم بقواعد اللغة، أو أجمعهم لمتونها". وليس معنى ذلك أن يكون المرء جاهلًا باللغة: قواعدها وأصولها ومتنها، "فالعلم والمحفوظات والمقروءات والمادة اللغوية، والقواعد النحوية إنما هي أعوان الكاتب على الكتابة ووسائله إليها، فالجاهل لا يكتب شيئًا؛ لأنه لا يعرف شيئًا، ومن لا يضطلع بأساليب العربية أو مناحيها في منظومها ومنثورها سرت العجمة إلى لسانه، أو غلبته العامية على أمره، ومن قل محفوظه من المادة اللغوية قصرت يده عن تناول ما يرد تناوله من المعاني، ومن جهل قانون اللغة أغمض الأغراض وأبهمها، أو شوه الألفاظ وهجنها. "ولكنها ليست هي جوهر الفصاحة ولا حقيقة البيان، فأكثر القائمين عليها، لا يكتبون ولا ينظمون، فإن فعلوا كان غاية إحسان المحسن منهم أن يكون كصانع التماثيل الذي يصب في قالبه تمثالًا سويًا، متناسب الأعضاء، مستوي الخلق، إلا أنه لا روح فيه ولا جمال له؛ لأنه ينقصهم بعد ذلك كله أمر هو سر البيان ولبه، وهو: الذوق النفسي، والفطرة السليمة، وأنى لهم ذلك؟ ".

стр. 227

ويقسم المنفلوطي الكتاب ثلاثة أنواع فيقول: "ولقد قرأت ما شئت من منثور العرب ومنظومها في حاضرها وماضيها قراءة المتثبت المستبصر، فرأيت أن الأحاديث ثلاثة: حديث اللسان، وحديث العقل، وحديث القلب. ويقصد بحديث اللسان ذلك الكلام المنمق المزخرف، أو تلك الكلمات الجامدة الجافة لا يعني منها صاحبها سوى صورتها اللفظية، فإن كان لغويًا تقعر وتشدق، وتكلف وأغرب، حتى يأتيك بشيء خير ما يصنعه به الوصف أنه متن مشوش من متون اللغة لا فصول له ولا أبواب، وإن كان بديعًا جنس ورصع، وقابل ووشع، وزاوج وافتن بالكلمة مهملة كلها أو معجمة كلها، ثم لا يبالي بعد ذلك باستقامة المعنى في ذاته، ولا بمقدار ماله من أثر في نفس السامع"، وهذا النوع في رأيه هو أدنى الأنواع الثلاثة، وهو صنعة لا قيمة لها، وأما النوع الثاني أي حديث العقل، "فهو تلك المعاني التي ينحتها الناحتون من أذهانهم نحتًا ويقتطعونها اقتطاعًا، ويذهبون فيها مذهب المعاياة والتحدي والتعمق والإغراب، ويسمونها تارة تخيلًا، وأخرى غلوا، وأخرى حسن تعليل"، وضرب على ذلك عدة أمثلة تدل على الإحالة والغلو وفساد المعنى، وعلى أنها ليست مما يصدر عن الذوق السليم، والطبع المستقيم، وإنما هو تكلف مرذول ومعنى غريب. أما النوع الثالث وهو حديث القلب، فهو "ذلك المنثور أو المنظوم الذي تسمعه، فتشعر أن صاحبه قد جلس إلى جانبك ليتحدث إليك كما يتحدث الجليس إلى جليسه، أو ليصور لك ما لا تعرف من مشاهد الكون، أو سرائر القلب، أو ليفضي إليك بغرض من أغراض نفسه، أو ليفض عنك كربة من نفسك، من حيث لا يكون للصناعة اللفظية ولا للفلسفة الذهنية دخل في هذا أو ذاك". وهذا النوع الأخير هو الذي آثره المنفلوطي، وأطراه وحث عليه. ويبين لنا أنه كان يقيد نفسه بمقدمة يوردها بين يدي موضوعه، ولا براهين على الصورة المنطقية المعروفة، ولا يلتزم استعمال الكلمات الفنية التزامًا مطردًا. ولم يكن يكتب حقيقة غير مشوبة بخيال، ولا خيالًا غير مرتكز على حقيقة؛ لأني كنت أعلم أن الحقيقة المجردة عن الخيال لا تأخذ من نفس السامع مأخذًا، ولا تترك في قلبه أثرًا.

стр. 228

وكان كاتبًا ملتزمًا "أكتب للناس لا لأعجبهم، بل لأنفعهم، ولا لأسمع منهم: أنت أحسنت، بل لأجد في نفوسهم أثرًا مما كتبت". وقد بين أنه لا يكتب للخاصة فلا أفرح برضاهم، ولا أجزع لسخطهم"، وإنما يكتب للعامة ولا سيما الذكي منهم الذي قد وهبه الله الفطرة السليمة وصفاء القلب وسلامة الوجدان، ما يعده لاستماع القول واتباع أحسنه". ولم يكن المنفلوطي يفرق في الأهمية بين اللفظ والمعنى فهما ممتزجان في رأيه امتزاج الشمس بشعاعها، وليس للفظ كيان مستقل، فجماله من جمال معناه، بل يميل أحيانًا إلى تفصيل المعنى على اللفظ، ويرى أن اللفظ خادم المعنى، وأن المعاني هي جوهر الكلام ولبه، ومزاجه وقوامه "فما شغل الكاتب من همته بغيرها أزرى بها حتى تفلت من يده، فيفلت من يده كل شيء، ولا يضطرب اللفظ إلا؛ لأن معناه مضطرب في نفس صاحبه، ومحال أن يعجز الفاهم عن الأفهام، ولا المتأثر عن التأثير، والتعبير صدى لنفس الأديب، فإذا كانت مظلمة أو قبيحة انعكس ذلك في عمله؛ لأن النص لديه كالمرآة لا تكذب في نقل مرئياتها! وهذا كلام غريب من أديب كانت شهرته معتمدة على براعة في أسلوبه وانتقاء ألفاظه وجودة صياغتها، ومعانيه ليست عميقة الغور نتيجة لدراسة واعية مستفيضة، وإنما مقالاتها في معظمها سطيحة المعاني، تأتي استجابة لوحي عاطفيته، أو قراءته في الصحف والمجلات. وما الفرق إذا بين الحديث العادي والمقال الأدبي، أو الاجتماعي الذي يرمي صاحبه به إلى التأثير في النفوس، وليس بصحيح أنه يخاطب العامة بمقالاته، وإلا لاصطنع اللغة العامية التي يفهمونها. أو ليس مما يؤثر في نفس السامع ذلك الأسلوب الطلي، والصياغة الجيدة، والسلاسة العذبة حتى تهتز نفسه، وتتأثر بما يقرأ أو تسمع، ألم يجعل المفلوطي المقياس الذي يقاس به العمل الأدبي هو مدى تأثيره في قارئه أو سماعه، ويقول: "إذا سمعت بيتًا من الشعر فأطربك أو أحزنك، أو أقنعك أو أرضاك أو هاجك ... فاعلم أنه من بيوت المعاني، وإن مررت من بيت آخر فاستغلق عليك فهمه وثقل

стр. 229

عليك ظله فاعلم أنه لا معنى له، ولا حياة فيه، فإن وجدت صاحبه واقفًا بجانبه يحاول أن يوسوس لك أن وراء هذه الظلمة الحالكة المتكاثفة نورًا متوهجًا يكمن في طياتها، فكذبه، وفر بنفسك وأدبك وذوقك منه فرارًا لا عودة لك من بعده. وهذا النص يؤكد أن المنفلوطي لم يفهم قضية اللفظ والمعنى على حقيقتها، فلو كان المهم هو المعنى يؤدي بأي لفظ كان لراقه ذلك البيت المستغلق؛ لأن الاستغلاق جاءه من ناحية اللفظ لا من ناحية المعنى الذي هو نور متوهج يكمن في طيات تلك الظلمة الحالكة. إنها كما قال توأمان، متناظرات، متساويان في الأهمية، ومع هذا نرى المنفلوطي يناقض نفسه في هذه القضية فيقول: يقول القائلون بمذهب التفريق بين اللفظ والمعنى عن مثل هذه القطعة: ولما قضينا من منى كل حاجة ... ومسح بالأركان من هو ماسح وشدت على حدب المهارى رحالنا ... ولم يعلم الغادي الذي هو رائح أخذنا بأطراف الأحاديث بيننا ... وسالت بأعناق المطي الأباطح إنها جميلة الأسلوب، ولكنها تافهة المعنى، لا تشتمل على أكثر من الوصف والتصوير، كأنهم لا يعملون أن التصوير نفسه أجمل المعاني وأبدعها، بل هو رأس المعاني وسيدها، والغاية الأخيرة منها". وفاته أن التصوير ليس هو المعنى، وإنما هو محاولة لتوضيح المعنى، ولا يمنع هنا أن يكون المعنى تافها، وإن صوره صورة جميلة بأسلوب عذب، ومن ثم راقت الأبيات، واستعذبتها الآذان على الرغم من تفاهة معناها. وما بال المنفلوطي يحاول بنثره هذا أن يحشر نفسه في زمرة الشعراء، ويعد نثره هذا شعرًا بلا وزن ولا قافية، أليس ذلك فرض تقدير منه لأسلوبه وطلاوته وعذوبته، وما فيه من رنات موسيقية. لقد ابتدأ المنفلوطي حياته الأدبية شاعرًا، ثم انصرف عنه إلى النثر حين وجد المزاحمة القوية من شعراء فحول، فاتخذ الكتابة قالبًا لصب أفكاره، موشاة بالخيال

стр. 230

والعاطفة، وظن أنه بذلك يقول شعرًا: "الكاتب الخيالي شاعر بلا قافية ولا بحر، وما القافية والبحر إلا ألوان وأصباغ، تعرض للكلام فيما يعرض له من شئونه، وأطواره التي لا علاقة بينها وبين جوهره وصبغته". ثم يقول: "أما الشعر فأمر وراء الأنغام والأوزان، وما النظم بالإضافة إليه إلا كالحلى في جيد الغانية الحسناء، أو الوشي في ثوب الديباج المعلم، فكما أن الغانية لا يحزنها عطل جيدها، والديباج لا يزري به أنه غير معلم، كذلك الشعر لا يذهب بحسنه وروائه أنه غير منظوم ولا موزون. "ولقد كتب الكاتبون في تعريف الشعر، وأمعنوا إمعانًا بعد به عن مكانه، وضل به عن قصده، وعندي أن أفضل تعريف له أنه تصوير ناطق؛ لأن قاعدة الشعر المطردة هي التأثير، وميزان جودته ما يترك في النفس من أثر، وسر ذلك التأثير أن الشاعر يتمكن ببراعة أسلوبه، وقوله خياله، ودقة مسلكه، وسعة حيلته من رفع ذلك الستار المسبل بيه وبين السامع، فيريه نفسه على حقيقتها حتى يكاد يلمسها ببنائه، فيصبح شريكه في حسه ووجدانه". وهو يقرر هنا أن التأثير إنما يأتي عن طريق الأسلوب وقوة الخيال، لا عن طريق المعنى وحده الذي يدركه السامع أو القارئ، إذا كان الأمر وقفًا على التأثير وما يتركه في النفس، بدون نظر إلى النغم والموسيقى الشعرية لقلنا إن الخطابة كذلك تؤثر في النفس، والخطيب البارع يستطيع بقوة خياله، ودقة مسلكه، وسعة حيلته أن يرفع ذلك التسار المسبل بينه وبين السامع، ويملك عليه لبه، ويدفعه لعمل ما يريد، والأمثلة على ذلك عديدة في الأدبين العربي والغربي. وكثير من الكتاب يصلون بكتابتهم إلى هذه الغاية، ومن ثم فلا فرق بين الألوان الأدبية ما دام التأثير هو الغاية، إن الوزن والنغم والموسيقى عناصر هامة في الشعر لدى كل الأمم وفي كل اللغات، وقد تجد في بعض القطع النثرية سمة أو أكثر من سمات الشعر، ويسمى ذلك شعرًا منثورًا، أو نثرًا شعريًا، ولكنه ليس الشعر على أية حال". إن المنفلوطي في رأيه هذا غلا أكثر من هؤلاء الذين يصطنعون اليوم الشعر الحر، ففيه شيء من النغم والوزن على الأقل ممثلًا في "التفعيلة" لقد أراد المنفلوطي أن يحشر نفسه في زمرة الشعراء بعد أن خرج منهم، ويرضي نفسه أولًا.

стр. 231

ومع ذلك نراه يرجع عن هذه الفكرة حين قرر فيما بعد أن "الشعر نغمة موسيقية قبل كل شيء، ثم يأتي بعد ذلك جمال الوصف وحسن التصوير، وتمثيل الحقيقة، واكتناه أسرار الكون، وتحليل مشاعر النفس وأمثال ذلك من الأغراض والمقاصد، على أن تكون النغمة الموسيقية أساسها والروح السارية فيها، ليتحقق الفرق بين الشعر والفلسفة، فالفلسفة غذاء العقل برزانتها وهدوئها وحججها وبراهينها، والشعر غذاء النفس برناته ونغماته، وأهازيجه ونبراته". ونفهم من هذا أنه ممن يؤثرون الشكل على المضمون، أو اللفظ على المعنى، وإن حاول من قبل أن يسوي بينهما، بل حاول أن يفضل المعنى على اللفظ، ثم نراه يقول: "إن القطع الأدبية الشعرية أو النثرية التي نصف أسلوبها بالجمال إنما نصف بذلك معانيها وأغراضها، وأن الذين يزعمون من الشعراء، أو الكتاب أن أساليبهم الغامضة الركيكة المضطربة تشمل على معان شريفة عالية كاذبون أو واهمون في زعمهم". لقد اضطرب المنفلوطي في فكرته عن اللفظ والمعنى كما رأينا، ولم يستطع أن يرى القفضية كما يدافع عنها من يؤثرون المعنى على اللفظ، بل جنح إلى إيثار اللفظ على المعنى من غير أن يدري.

стр. 232

أسلوب المنفلوطي: يقول المنفلوطي في مقدمة النظرات: "يسألني كثير من الناس كما يسألون غيري من الكتاب: كيف أكتب رسائلي؟ كأنما يريدون أن يعرفوا الطريق التي أسكلها إليها فيسلكوها معي، وخيرًا لهم ألا يفعلوا، فإني لا أحب لهم ولا لأحد من الشادين في الأدب أن يكونوا مقيدين في الكتابة بطريقتي، أو طريقة أحد من الكتاب غيري، وليعلموا -إن كانوا يعتقدون لي شيئًا من الفضل في هذا الأمر- أني ما استطعت أن أكتب لهم تلك الرسائل بهذا الأسلوب الذي يزعمون أنهم يعرفون لي الفضل فيه، إلا؛ لأني استطعت أن أتفلت من قيود التمثل والاحتذاء، وما نفعني من ذلك شيء ما نفعني ضعف ذاكرتي والتواؤها عن أن تمسك إلا قليلًا من المقروءات التي كانت تمر بي". ويقرر المنفلوطي في هذه الفقرة أنه على الرغم من قراءته الكثيرة، فلم يحاول أن يحاكي كاتبًا بذاته، وأنه استطاع أن يتفلت من قيود التمثل والاحتذاء على حد قوله: "فلقد كنت أقرأ من منثور القول ومنظومه ما شاء الله أن أقرأ، ثم لا ألبث أن أنساه، فلا يبقى منه في ذاكرتي إلا جمال آثاره وروعة حسنه ورنة الطرب به، وما أذكر أني نظرت في شيء من ذلك لأحشو به حافظتي، أو أستعين به على تهذيب بياني". وكأني به يعيب على هؤلاء الذين يقلدون الأقدمين في أساليبهم، وبخاصة كتاب المقامات والذين أولعوا بالسجع، والحق أن المنفلوطي استطاع أن يسلك طريقًا جديدة في التعبير الأدبي متحاشيًا قدر المستطاع تقليد سواه، وعلى الرغم من ضعف ذاكرته كما يزعم، وأنها لم تحتفظ بكثير من التعبيرات القديمة، وأنه لم يقرأ ليحشو حافظته بهذه التعبيرات حتى يستعين بها على تهذيب بيانه، فسنرى بعد قليل أن مقدارا كبيرًا من هذه المحفوظات قد جرى إلى قلمه من غير إرادة منه. كان المنفلوطي يميل إلى الترسل، ولكنه ليس كترسل ابن خلدون، بل ذلك الترسل الأدنى الذي لا يعمد فيه إلى السجع إلا نادرًا، وبدون تكلف، ويعمد في معظم الأحيان إلى الازدواج، ومراعاة النغم والانسجام بين فواصل الجمل، وحسن انتقاء الألفاظ، متجنبًا منها الحوشى والغريب قدر المستطاع، وإن استخدم بعضه أحيانًا على سبيل بعث الكلمة وإحيائها. ولقد عرفنا فيما مضى كيف ظل السجع متلكئًا حتى العقد الأول من القرن العشرين، ولم يكن من اليسير على أي كاتب أن يتخلص منه تخلصًا كاملًا، ولا سيما في الموضوعات الأدبية التي يختص بها، وليس السجع في مثل هذه الموضوعات بمستنكر أو مستكره، والمنفلوطي وإن مال إلى الترسل والازدواج في معظم مقالاته إلا أن ثمة موضوعات كان انفعاله فيها شديدًا، واهتمامه بها عظيمًا، فغلب عليها السجع كموضوع سقوط عبد الحميد سلطان تركيًا ذي الحول والطول والجبروت، والذي كتبه تحت عنوان "دورة الفلك"، ويقول في مستهله مخاطبًا قصر "يلدز" الذي كان مقر خليفة المسلمين بالآستانة:

стр. 233

"أيها القصر: أين الكوكب الزاهر الذي كان ينتقل في أبراجك؟ أين النسر الطائر الذي كان يحلق في أجوائك؟ أين الملك القادر الذي كان يسطع شمسًا في صباحك وبدرًا في مسائك؟ أين الأعلام والبنود تخفق في شرفاتك؟ والقواد والجنود تخطر في عرصاتك؟ أين الشفاه التي كانت تلثم ترابك، أو الأفواه التي كانت تقبل أعتابك؟ والرءوس التي كانت تطرق لهيبتك؟ والقلوب التي كانت تخفق لروعتك؟ أين الصوت الذي كان يجلجل فيقرع أذن الجوزاء؟، ويهدر فتلتفت عيون السماء؟ أين الفلك الذي كان يدور بالسعد والنحس، والنعيم والبؤس، والرفع والخفض والإبرام والنقض؟ أين كانت أسوارك وأبوابك، وحراسك وحجابك؟، كيف عجزت أن تمتنع على القضاء، وتصدر عن نفسك عادية البلاء: ولم أر مثل القصر إذ ريع سريه ... وإذا ذعرت أطلاؤه وجآذره تحمل عنه ساكنوه وهتكت ... على عجل أستاره وستائره" وقد مرت فقرات عديدة مسجوعة من المقالات الأدبية، والعاطفية وبخاصة الحزينة كرثاثه، ورثاثه للشيخ علي يوسف. وكان ذلك السجع غير المتكلف يزيد الكلام رونقًا، وقد مر بنا فيما مضى دفاع شوقي عن هذا النوع من السجع الذي يحل محل القافية في الشعر حيث قال: "السجع شعر العربية الثاني، وقواف مرنة ريضة خصت بها الفصحى، يستريح إليها الشاعر المطبوع، ويرسل فيها الكاتب المتفنن خياله، ويسلو بها أحيانًا عما فاته من القدرة على صياغة الشعر، وكل موضوع للشعر الرصين محل للسجع، وكل قرار لموسيقاه قرار كذلك للسجع، فإنما يوضع السجع النابغ فيما يصلح مواضع للشعر الرصين، من حكمة تخترع، أو مثل يضرب، أو وصف يساق، وربما وشيت بها لطول من رسائل الأدب الخالص، ورصعت به القصار من

стр. 234

فقر البيان المحض وقد ظلم العربية رجال قبحوا السجع وعدوه عيبًا فيها، وخلطوا الجمل المنفرد بالقبيح المرذول منه يوضع عنونًا لكتاب، أو دلالة على باب، أو حشوا في رسائل السياسة، أو ثرثرة في المقالات العلمية، فيا نشء العربية إن لغتكم لسرية، مثرية، ولن يضيرها عائب ينكر حلاوة الفواصل في القرآن الكريم، ولا سجع الحمام في الحديث الشريف، ولا كل مأثور خالد من كلام السلف الصالح". وفي هذا الكلام يقرر شوقي أن هذا اللون من النثر يحل محل الشعر في موضوعه وفي موسيقاه، فيستخدم في الحكمة، والمثل والوصف والرسائل الأدبية الطويلة والقصيرة، وإذا كان قد تكلفه بعض الناس، واستخدموه في المقالة السياسية والعلمية والاجتماعية، فإنهم لم يفرقوا بين النثر الأدبي وسواه، واستشهد على ذلك بحلاوة الفواصل في القرآن الكريم، والحديث الشريف مبرهنًا على أن السجع قد يكون مصدر جمال ولا شك إذا تناولته يد صناع، وقلم بارع. ونرى المازني يدافع عن المحسنات البديعية، ويعلل لها حيث يقول: "ربما أن العاطفة تحتاج إلى لغة حارة تعبر عنها، فقد استخدمت المحسنات ولكن هذه المحسنات صارت مرذولة بالصنعة والتكلف، أما عند شعراء الطبع فتأتي عفوًا، وتكاد لا تحس، فهي جميلة الوقع، ومعبرة تعبيرًا صادقًا عن العاطفة". في حين نرى الزيات يدافع عن السجع والازدواج، "وهو اتحاد الفواصل في النغم دون الحروف"، ويفرق بين السجع والازدواج وبقية المحسنات، فالازدواج على إطلاقه والسجع على تقييده، يؤلفان الموسيقية في الأسلوب البليغ منذ كان للعرب ذوق أو للعربية أدب، فليست الحال فيها هي الحال في سائر الأنواع البديعية التي نشأت في الحضارة، وتمت بالترف، وسمجت بالتكلف، فالذين ينكرون على من يحسنون التأليف بين الأصوات، والمزاوجة بين الكلمات، والمجانسة بين الفواصل إنما ينكرون جمال البلاغة، وجميل البلغاء في دهر العربية كله". وقد وضع عبد القاهر الجرجاني مقياسًا أدبيًا للحالات التي يحسن فيها السجع والتجنيس حيث يقول: "وعلى الجملة فإنك لا تجد تجنيسًا مقبولًا، ولا

стр. 235

سجعًا حسنًا حتى يكون المعنى هو الذي طلبه واستدعاه وساقه نحوه، وحتى تجده لا يبتغي به بدلًا، ولا تجد عنه حولًا". فالسجع في رأي الجرجاني يأتي حسنًا حين يتطلبه المعنى، ولا شك أن المعاني الشعرية، والمواقف العاطفية تتطلب لغة خاصة، ومن هنا جاء استعمال السجع لينوب عن القافية في الشعر، ونحن بهذا لا ندافع عن سجع المنفلوطي، فالسجع والازدواج بل التعبيرات المجازية على اختلاف أنواعها لا تتجاوز السدس في أدبه، كما أحصاها السيد محمد أبو الأنوار في رسالته عن المنفلوطي، والسمة العامة في أسلوبه هي الترسل الأدبي، ولكن أردنا أن نبين ما للأسلوب الأدبي من سمات يتميز بها عن سواه، وأن السجع المطبوع، والازدواج على إطلاقه مما يزيد الكلام بهاء وطلاوة، ويرتفع بالعبارة، ويجلي عاطفة الكاتب. وكان المنفلوطي في مقالاته ذا عاطفة جياشة على تفاوت في قوة تلك العاطفة باختلاف الموضوعات. وكان يلجأ إلى الخيال التفسيري المعتمد على المجازات من تشبيه واستعارة، ولكنه كان يخطئ أحيانًا في فهم وظيفة التشبيه إذ لا يراد لذاته كما يقول عبد الرحمن شكري، "وإنما يراد لشرح عاطفة، أو توضيح حالة، أو بيان حقيقية"، فالتشبيه وسيلة أثر المشبه في نسه أو الإيحاء بهذا الأثر، فإذا لم يقترن بالعاطفة أو لم يكن وسيلة لنقلها، فلا فائدة منه ولا جدوى فيه". من هذه التشبيهات التي لم تؤد الغاية منها قوله: "وطار طائر الليل من مكمنه، وما نشر الظلام أجنحته السوداء في الأفق حتى وجدتنى أحير من دمعة وجد في مقلة عاشق يدفعها الحب ويضيعها الحياء"، إنه هنا يتكلم عن إنسان يعيش في هذا العالم المليء بالشرور والمتناقضات، وفجأة وجد نفسه في مدينة السعادة فأخذته الحيرة، فهل استطاع هذا التشبيه بالدمعة في مقلة العاشق أن يصور حيرته، ويكشف عن إحساسه، لا أظن، إنه يستخدم تلك الصيغ القديمة والمهارة اللغوية من غير أن يراعى المقام، ومن غير أن يحمل التشبيه عاطفة أو يبين حقيقة.

стр. 236

ومن ذلك تلك الصور العديدة التي خلعها على القمر في موضوعه مناجاة القمر حيث يقول له: أأنت عروس حسناء تشرق من نافذة قصرها، وهذه النجوم المبعثرة حواليك قلائد من جمان؟ أم ملك عظيم جالس فوق عرشه، وهذه النيرات حور وولدان؟ أم فص من ماس يتلألأ وهذا الأفق المحيط بك خاتم من الأنوار؟ أم مرآة صافية وهذه الهالة الدائرة بك إطار؟ أم عين ثرة ثجاجة، وهذه الأشعة جداول تتدافق؟ أم تنور مسجور، وهذه الكواكب شرر يتألق؟ ليس في هذا التشبيه أي صدق في الإحساس، بل فيه تناقض، فبينا هو عين ثرة، والأشعة جداول، إذا هو تنور مسجور والكواكب شرر، والفرق بين التشبيهين شاسع، فالمفروض أن التشبيه يحمل لنا شعور الكاتب وهو يرى القمر، فآونة يرى القمر عروسًا والنجوم حولها قلائد من جمان، وآونة هو ملك عظيم وهذه النيرات حور وولدان، وآونة فص من ماس، فهو تارة أنثى وتارة ذكرًا وأخرى جمادًا، إنه ينظر إلى الشكل الخارجي، ومع ذلك لم يوفق في التشبيه وتبيان الحقيقة، فضلًا من إظهار العاطفة. ومن هذه المجازات الفاسدة قوله في الشعرة البيضاء: "رأيت الشعرة البيضاء في مفرقي فارتعت لمرآها كأنما خيل إلى أنها سيف جرده القضاء على رأسي، أو علم أبيض يحمله رسول جاء من عالم الغيب ينذرني باقتراب الأجل". والنذير لا يحمل علمًا أبيض. وقوله: "وبينا أقلب أوراقي ليلة أمس إذ عثرت بها في سفط صغير، قد اصفر لونه لتقادم العهد عليه، كما يصفر الكفن حول الجثة البالية"، فأي تشبيه؟! وأي علاقة بين الكفن وبين السفط!! وهل رأى الكفن حول الجثة البالية، وأي تفزز يوحيه مثل هذا التعبير!! وقوله: "وأن الغناء العربي كان قريبًا إلى القلوب، وأنه كان منها بمنزلة الأصابع من الأوتار فإذا لمسها رنت رنين الثكلى والمرزوءة في واحدها، وأن الوجدان العربي وجدان رائق شفاف تأخذ منه مختلف الأنغام فوق ما تأخذ الكهرباء من الأجسام" أي تميته وتصعقه، وليس هذا ما يريده ولا شكن، ولكنه أراد

стр. 237

أن يجدد في التشبيه فوقع في هذا الخطأ الفاحش، وأراد أن يصور طرب العربي للغناء فلم يجد إلا نواح الثكلى والمرزوءة في واحدها. وأحيانًا يجني عليه محفوظة، ذلك الذي أنكر أنه عنى به أو حاوله في قراءاته المختلفة، والذي قلنا: إنه تسرب إلى تعبيراته من غير إرادة منه فيفسد التشبيه، ويحول بينه وبين أداء وظيفته، وذلك كقوله: "إن منظر الشاكي ونغمة ثنائه وحمده أوقع من العود في هزجه ورمله، وأعذب من نغمات معبد في الثقيل الأول"، ولا يعرف الهزج والرمل من القواء إلا الأقلون عددًا، وما العلاقة بين نغمة الشاكي، ونغمات معبد في الثقيل الأول، وهو نفسه لا يعرف الثقيل الأول، إنه ترديد لما قاله الأقدمون حين كانوا يعرفون معبدًا، ويقدرون فنه، ويعرفون أنواع غنائه، وقد أخذه من قول البحتري: هزج الصهيل كأن في نبراته ... نغمات معبد في الثقيل الأول ومن ذلك المحفوظ قوله: "كنت أحسبه إنسانًا فإذا هو سيد عملس "أي سريع". وقوله: "لو كشف لك عن نفسه.... لوددت أن لو تيسر لك أن تبتاع أقدام السليك بجيمع ما تملك يدك، ففررت من وجهه فرارًا لا من وجه الأسد" إنه يعيش في العصر الجاهلي أيام كان السليك بن السلكة مشهورًا بالعدو السريع، ويعيش في الصحراء أو الغابات حيث الأسود والحيوان الضاري، إنه مجاز لا يلائم مقتضيات العصر وتصوراته، وقد جاءه من محفوظه القديم. ومن ذلك قوله: "اللهم إنا نعلم أنا لموت غاية كل حي، وأن مقاديرك التي تجري بها بين عبادك ليست سهامًا طائشة، ولا نياقًا عشواء"، فقد يكون التشبيه بالسهام مقبولًا على الرغم من أننا في عصر لا نستخدم فيه السهام، ولكن ما هذه النوق العشواء في القاهرة وفي هذا القرن؟؟ ومن ذلك قوله: "سلام عليك أيها الشباب، سلام على دوحتك الفينانة الغناء التي كنا نمرح في ظلالها مرح الظباء العفر في رملتها الوعثاء"، وهي صورة

стр. 238

بدوية معرفة في البداوة، وليست مما يراه الناس بمصر، وإنما هي مأخوذة من بطون الكتب لا من وحي الرؤية أو التجربة. وقوله: "أحق ما تقول، وأنت الرجل السعيد بحظه المغتبط بعيشه: قصر غمدان، وخورنق النعمان وحور وولدان، وظل ظليل ونسيم عليل، وخزائن تموج بالذهب موج التنور باللهب"، فماذا يعرف قراؤه عن قصر غمدان أو الخورنق حتى يقدروا ما عليه صاحبه من النعمة؟ وهو يعيش بالقاهرة وفيها من القصور ما يزري بهذين القصرين عشرات المرات، ولكنه المحفوظ من الأدب القديم. وكان المنفلوطي كثيرًا ما يستخدم المألوف الشائع من المجازات حتى المتداول على ألسنة العامة، وقد يصوغه صياغة جديدة، ولكنه لا يزال هناك كقوله مثلًا: "فأولى به أن يفر منها فرار السليم من الأجرب"، وقوله: "تهافت الذباب على الشراب"، وقوله: "تصارع الكلاب حول الجيف الملقاة". وأحيانًا تأتي من محفوظه من الأدب القديم لقوله: "كفراخ القطا" وقوله: "البرد الذي كان يعبث بها عابث النكباء بالعود"، وقوله: "أدار رحى الحرب" إلى غير ذلك من التعبيرات المبثوثة في بطون الكتب القديمة، ومع ذلك فهناك صور جميلة وردت في ثنايا مقالاته، وهي ليست بالقليلة بل إنها تربى على تلك الصور المتداولة، أو التي جانبه فيها التوفيق، أو التي جاءت نتيجة الحفظ، وهي أكثر من أن تعد، ولنضرب على ذلك مثلًا أو مثلين كقوله مخاطبًا الشعرة البيضاء: "ما رأيت بياضًا أشبه بالسواد من بياضك، ولا نورًا أقرب إلى الظلمة من نورك". وقوله مخاطبًا الشعرة البيضاء كذلك: "إن كان هذا مصيرك "أي الانتشار ونشر البياض في السواد"، فسيكون شأنك شأن ذلك السائح الأبيض الذي ينزل بأمة الزنج مستكشفًا، فيصبح مستعمرًا، ويدخل أرضها سلمًا، ويفارقها حربًا". وقوله: "فكان يسكن إلى ذلك الوعد سكون الجرح الذرب تحت الماء البارد". وقوله: "إن للثروة طغيانًا كطغيان الشراب".

стр. 239

وقوله: "كان مصطفى كامل سراجًا كبير الشعلة، وكل سراج تكبر شعلته يفرغ زيته وشيكا، وتحترق ذبالته فينطفئ نوره، كان مصطفى كامل نشيطًا سريع الحركة، فقطع جسر الحياة في لحظة واحدة". وقوله -محاولًا التجديد في الصورة- عن الشيخ محمد عبده والشيخ علي يوسف: "وكانت منزلتهما من الأحياء منزلة الأم من مصابيح الكهرباء، تشتعل المصابيح بتيارها، وتضيء بأسرارها، فإذا فرغت مادتها وانقضى أجلها عم الظلام واشتد الحلك، والمصابيح كما هي جسم بلا روح، ولفظ بلا معنى". ومن خصائص أسلوبه التي نلمحها بين آن وآخر إيراد الجمل المترادفة على المعنى الواحد في إسهاب، فيقول مثلًا: "المدى الشاسع"، والشأو البعيد"، ويقول: "والأدب جاثم في مكمنه هامد لميبعث من مرقده"، ويقول: "أين الباقي الذي يزعمون، والخلف الذي يذكرون"، ويقول: "أما الثاني فسر مذاع، وحديث مشاع"، ويقول: "أين البلابل التي كانت تنتقل بين أشجارها فتطرب بالأغاريد، وتستهوى بالأناشيد"، إلى عشرات الأمثلة التي نراها في مقالاته، ولعل هذه الظاهرة أتت له من قراءته للجاحظ بصفة خاصة. ونراه أحيانًا كثيرًا يكلف بالمقابلة كقوله: "إن كان يتمنى أن العيون التي رأته بالأمس وهو وضيع تراه اليوم وهو رفيع"، وقوله: "إنها شاركته في شدته فجيب أن تشاركه في رخائه، واحتملته والدهر مدبر عنه فيجب أن يحتملها والدهر مقبل، وأقرضته الصبر على عشرته، فيجب أن يوفيها الصبر على عشرتها". وكقوله: "لا يجد المرء لذة الطعام إلا إذا ذكر الجوع، ولا لذة الماء إلا إذا ذكر الظمأ، ولا لذة السعادة إلا إذا تمثل أمام عينيه عهد الشقاء، فما أحوجه إذا انتقل من عذاب الفقر إلى نعيم الغنى -إلى أصدقاء عهده الأول، وعشرائه ليجلس ويتحدث عن ماضيه، فيشعر بلذة الانتقال من حال إلى حال". ونراه أحيانًا يرد الجمل على نفسها كقوله: "وأحسب أنها إذا كانت إذا خلت بنفسها أو خلا لها وجه السماء".

стр. 240

وقوله: "لا تبالي أسقطت على الموت أم سقط الموت عليها". وقوله: "بين جمال الأنوار، وأنوار الجمال، ويقلب طرفه بين حسن الزهرات، وحسن الفتيات، لا يعلم أتشبه القامات الغصون، أم الغصون القامات". وقوله: "لم ينفع الرجل دفاعه عن نفسه، ولا دفاع ابنته عنه". وقوله: "لا تسمع شيئًا مما يقولون، ولا يعنيهم أن يسمعوا شيئًا مما تقول". وقوله: "وأخدعه عن نفسي، ويخدعني عن نفسه". وقوله: "لا يلوي على أحد ولا يلوي عليه أحد". إلى غير ذلك من الأمثلة العديدة التي تلفت النظر في أسلوبه. هذه بعض خصائص أسلوبه من ناحية الصياغة، وهو أسلوب في الغالب مشحون بالعاطفة، وليس فيه عمق الفكرة، ولا الخيال المجنح، ولا الخيال الابتكاري، وإنما يعمد إلى ألوان المجاز، فيه سجع أحيانًا، ولكنه ليس كسجع القدماء، بل هو سجع رقيق غير متكلف إلا في النادر، وفيه ازدواج مطبوع، وفواصل ترتاح النفس لها لتلاؤمها الموسيقي. أفاد من دراسة الأدب القديم في تربية ذوقه، ولكنه تجنب المتوعر منه حتى لقد كان يرى أن المتأدب في العصر الحديث لا يحتاج إلى الشعر الجاهلي، ولا شعر الحماسة والحرب ووصف الإبل، فذلك في رأيه آخر ما يحتاج إليه المتأدب في هذا العصر. وينعي على هؤلاء الذين يتجنبون في مختاراتهم للطلاب أبواب الغزل، ووصف الطبيعة، وعواطف النفس الإنسانية، وتصوير حالاتها ووجداناتها في الخير والشر، والعرف والنكر، كأنما يحسبون أن كل بيت غزل بيت ريبة، وكل وصف خمر حانة شراب، وما سمعنا من قبل، ولا نحسب أن سيسمع السامعون من بعد أن متأدبًا أفسده ديوان غزل، أو أغراه بالشراب وصف خمر".

стр. 241

وإذا كنا قد رأينا في بعض ما كتب مسحة من القديم الذي حاول جهده ألا يطغى على أسلوبه، فقد كان ذلك على سبيل البعث والإحياء، وكم كان عصره في أشد الحاجة إلى مثل هذا البعث والإحياء، للتعابير الأنيقة، ومع أن المنفلوطي استعان بالقديم أحيانًا إلا أنه ألبسه ثوبًا جديدًا قشيبًا، وخلع عليه من روحه وعاطفته وفنه، وشخصيته، فألبسه حياة جديدة، ولقد أخذ عليه بعض النقاد هذا التمسح بالقديم -مع أنه قليل جدًا في كتاباته- وإنما يرد في عبارة هنا، وعبارة هناك ومنهم مارون عبود في كتابه "جدد وقدماء". وأغلب الظن أن هؤلاء الذين عابوه لاستعانته بالقديم، وتسرب بعض الصيغ القديمة إلى أدبه، من أمثال مارون عبود، وسلامة موسى، لا يرضيهم الأسلوب العربي المتين، ذلك الأسلوب الذي يعتقد مارون عبود، أنه جنى على عقولنا -نحن العرب- أكثر مما فعلته الأحذية الحديدة ببنان الصبية. هل يريدون قالبًا غير عربي أو لا يتقيد بشروط الصحة اللغوية، ومقاييس الفصاحة؟ هل يريدون أن يؤدي المعنى بأي لفظ تهيأ للكاتب، ولو كان مبتذلًا سخيفًا؟ وأي فرق إذا بين الأدب وسواه؟ ويبالغ مارون عبود حين يقول: "لقد فتشت آثار المنفلوطي كلها فما عثرت بتعبير شخص لهذا النابغة، فهل بين الناطقين بالضاد من يدلني على واحد". وهذا لعمري غاية التجني على المنفلوطي الذي صنع من تلك الألفاظ العربية الموروثة عبارات سهلة عذبة في الأناقة والطرافة، خالية من شوائب العجمة والابتذال والتكلف، غنية بموسيقاها ورخامة جرسها. لقد فتح المنفلوطي بأسلوبه هذا فتحًا جديدًا في النثر الحديث، حيث لم يلجأ إلى أسلوب المقامات ذي السجع المتكلف المصنوع، ولم يغرق في المحسنات البديعية التي كانت تقصد لذاتها، ويتكلف الكتاب في سبيلها ما يتكلفون، وقد يجنون على المعنى في سبيل اقتناصها، ولم يلجأ غلى ذلك الأسلوب الصحفي الذي يحمل كثيرًا من التعبيرات الأعجمية المترجمة، ولا يتحرى فيه كاتبه صحة اللغة، ولا أناقة العبارة، ولم يكتب باللغة العامية التي دعا إليها كثيرون في عصره من المستعمرين وأذنابهم.

стр. 242

وقد أخذوا عليه إسرافه في العاطفة، وبخاصة الحزينة منها إلى حد التهالك والرخاوة، فيقول المازني في الديوان: "وقد أسلفنا أن وصف أسلوبه بالنعومة أقرب إلى الصواب، ولكنه ليس كل الصواب؛ لأنه متجاوز ذلك ذاهب إلى أدنى منه وليس أدنى منه ذلك إلا الأنوثة، وهي أحط وأضر ما يصيب الأديب، ولكنها مع الأسف تجوز على فريق من الناس يلتذونها ويسيغونها، ويعجبون بها، ويبلغ من استحسانهم إياها أن يشجعوه، ويغروه بالكد في إبراز ما ليس أقتل منه للرجولة". ثم يقول: "بأن المرء وظيفته أن يغالب قوي الطبيعة؛ لأن الأصل في الحياة الصراع.... إن هذه الحقيقة قد فطن إليها الأقدمون السذج، ولكن المنفلوطي المسكين ليس له من عمل في الدنيا إلا البكاء على الأشقياء، كأنما خلق الرجل أضعف من الدودة الجوالة في جوف الثرى". ويقول العقاد: "وربما كان أدب المنفلوطي أصدق الأمثلة، وأقربها إلى توضيح الفرق بين ليونة الطبع، وإن شئت فقل دماثته، وبين صدق الإحساس، وسرعة العطف على الآلام والأشجان، فإن كثيرًا من الناس يخيل إليهم أن الطبع الذي يصفونه بالمدماثة والرقة، هو أصدق الطبائع حسًا، وأسرعها إلى العطف على مصائب النفوس، والإصاخة إلى شكاية البائسين والمحزونين، وليس أخطأ من هذا الخطأ في فهم حقيقة العطف الصحيح الذي إنما ينفجر من سعة الإحساس وغزارة العواطف ويقظة القلب، لا من تلك الدماثة التي لا تفتأ باكية شاكية، أو من تلك الرقة التي تشفق أن تذوب من الهباء". ويرى العقاد كذلك "أن أبطال المنفلوطي الذين بكاهم، ورثي لحالهم بلغواالغاية من البؤس، وهم ذلك النوع الذي يبكي له الرحماء والقساة على السواء، وأن المنفلوطي ما كان يبكي لأقل من هؤلاء، بل يبكي للمصائب الجسيمة التي يبصرها الأعمى والأصم على السواء". أما وصف أسلوب المنفلوطي بالنعومة والأنوثة فهذا تحامل بين، ومن يقرأ أدب المنفلوطي وعنده شيء من الذوق الأدبي لا يمكن أن يقر للمازني بهذا الحكم الجائر، إن طبيعة الموضوعات التي كان يعالجها كانت توحي له بهذه العاطفة،

стр. 243

وتستثير شجونه؛ لأنه رجل رقيق الحس، مرهف المشاعر، وأعتقد أنه كان صادق العاطفة، يريد الإصلاح ويحاول أن يلين القلوب القاسية على المنكوبين والمحرومين، ومن وقعوا فريسة الانحرافات الاجتماعية والخلقية، يريد أن يؤثر في سامعه وقارئه، ويظهر مبلغ ما وصل إليه نفسه من حزن وكمد على هؤلاء المساكين، عل الناس يستجيبون لتلك العاطفية فيصلحون من شئونهم، ويتداركون أخطاءهم أو يضربون على أيدي العابثين اللاهين. لقد نصب الرجل نفسه مصلحًا اجتماعيًا وواعظًا، وكان يريد أن يصور في بشاعة بالغة تلك المصائب التي كان يغص بها المجتمع، حتى يحس الناس بها، فليس بصحيح كما يقول العقاد أنه لم يكن يبكي إلا للمصائب الفادحة التي يبصرها الأعمى والأصم على السواء، ولكنه كان يعالج أبلغها أثرًا، وأشدها إيلامًا، وأجرأها على الدين والفضيلة، حتى يلفت أنظار مواطنيه إلى ما يغض به مجتمعهم من آفات وأوصاب، وهم راضون عنها غافلون عن آثارها. إن الطعن في عاطفة الرجل ليس له ما يسوغه، بديل أن قراءه كانوا معجبين به، وأن كلماته نزلت من قلوبهم المنزلة التي أرادها، وأنه إنما كان ينمي فيهم الشعور النبيل، ويبعدهم عن السلبية المقيتة، ويحملهم على الاستجابة لندائه، وقد اعترف العقاد بشيء من هذا حين قال: "لكننا نقدر المنفلوطي ولا نريد أن نبخسه حقه، وننكر عليه أثره، فلا بد أن نقول: إن النفوس التي يعهدها ويعطف عليها أكثر عددًا، وأحوج إلى هذا التثقيف من النفوس التي لا عهد له بها، ولا صلة عطف بينه وبينها، وإن نظرته إلى الأخلاق والشعور أقمن أن تفيده قراءه، وتحظى لديهم من كل نظرة سواها، ولعلها -لولا ما نأخذه عليه من الليونة والرخاوة في أكثر كتاباته- أصلح زاد لهم من غذاء الفكر والعاطفة، بل كانوا في حاجة إلى منفلوطي يظهر لهم لو لم يظهر هذا المنفلوطي الذي عرفوه وأقبلوا عليه". لم يكن الرجل سلبيًا في بكائه، ولكنه كان يتهم على كل القوى الفاسدة في عصره، تهجم على الأغنياء والأمراء الذين أرهقوا الشعب وسلبوه حريته وماله، تهجم على بعض رجال الدين الذين نافقوا في دينهم، وجعلوه سلعة يتجرون بها

стр. 244

فيقول على الأولين: "ثم ما زال الناس يعبثون بعنوان الشرف، ويتوسعون في معناه حتى نظموا في سلكه الجبابرة الذين يسمونهم أمراء، والظلمة الذين يسمونهم ملوكًا، والسفاحين الذين يسمونهم قوادًا، واللصوص الذين يسمونهم أغنياء"، أيقال عن مثل هذا الكلام إن فيه رخاوة وتأنثًا، لقد واجه كل تلك القوى الجبارة بنعوت ترزي بها وتحط من شأنها، وتسيء إليها، وتؤلب الناس عليها، وتشككهم في منزلتهم. وقال عن المنفاقين في الدين: "لولا خداع العناوين ما سميت صالحًا تقيًا كل من حرك سجته، وأطال لحيته، ووسع جبته وكور عمامته، ولقد تعلم أن وراء هذا العنوان كتابًا أسود الصفحات كثير السقطات". فأي قوة وراء هذه العبارة، وأي نفس تحاول الإصلاح، ولا تبالي بمن تعادي؟! لقد عللنا آنفًا لتلك الظاهرة في أدب المنفلوطي، ونضيف هنا أنه كان معبرًا عن شعور جمهرة الناس بالحزن والأسى، كان الاحتلال جاثمًا، والحريات مكبوتة، والبلد يستغلها نفر قليل، يمتصون دماء الشعب، ويرهقونه إرهاقًا عنيفًا، والمدنية الغربية تزحف بمفاسدها، فاصطدمت مثاليته الأخلاقية والدينية بوافعه المليء بالمآسي، وكان الناس في حاجة إلى من يعبر عن مشاعرهم هذه، ويصف لهم في مبالغة وعطف ما يعانونه من حرمان وكبت، وما يستشري في مجتمعهم من مفاسد، ولذلك أحبوا منه هذه النغمة وشجعوه عليها، واستكثروا منها. وذكرنا كذلك تأثيره بالرومانسية الفرنسية التي غلب عليها الحزن حتى سمي بداء العصر، وليس المهم عندنا هو البكاء والاستبكاء، وإنما المهم في رأينا هو العاطفة الصادقة التي كانت تكمن وراءه. ربما أخطأ المنفلوطي أحيانًا في علاجه لبعض المآسي التي تعرض لها، واكتفى بالبكاء على أبطاله، دون أن يصف لهم طريق العلاج الصحيح، ويحثهم على المقاومة كما فعل في مقالته "الزهرة الذابلة"، ربما كان الرجل لفرط حساسيته ولمثاليته قد فقد الثقة في كثير من الناس، ونظر إلى الدنيا بمنظار أسود، وتخيل أن وراء المظاهر الخادعة نفوسًا تغص بالشر، فكثر تشاؤمه، وزاده ألمًا على ألمه.

стр. 245

والحق أن الرجل لم يكن متعمقًا في الدراسات الاجتماعية، ولم يلجأ إلى المعالجة العلمية، وإنما لجأ إلى ما سماه "حديث القلب" مكمن العاطفة، والغاية عنده هي التأثير في سامعه أو قارئه، وقد وصل في ذلك إلى ما يريد في معظم ما دبج من مقالات، لم يكن يخاطب الخاصة، وإنما كان يخاطب جمهرة المثقفين، ولم يكن يحفل بآراء الخاصة في أدابه حتى لا يشككوه في رأيه، وطريقته، ونفوسهم في الغالب منطوية على أغراض شخصية أقلها حسد المنفلوطي على المنزلة التي احتلها بين جمهرة القراء، أو تشيعه السياسي لحزب معين أو زعيم بذاته، ونحن نعلم أنه كان وفيًا لسعد زغلول، وأن بعض خصوم سعد تهجموا على المنفلوطي لإخلاصه المفرط لذلك الزعيم مثل محمد الههياوي وغيره. وإن من الخطأ الفاضح أن يحكم على آدب أديب بمقاييس عصر آخر، وكان الواجب على هؤلاء الذين جرحوا أدب المنفلوطي أن يتصوروا عصره وما كانت عليه الكتابة في عهده، من ناحية الأسلوب ومن ناحية المعنى، وكيف كان معاصروه، ومن أمثال محمد المويلحي في "حديث عيسى بن هشام"، وتوفيق البكري في "صهاريج اللؤلؤ"، وحافظ إبراهيم في "ليالي سطيح" لا يزالون يتعلقون بأذيال الماضي، وبالعبارة المتكلفة المسجوعة، وبضروب البديع المختلفة، وإظهار البراعة اللفظية، والغزارة اللغوية، وأن المنفلوطي قد نفض عنه ذلك كله، وهو إن نظر إلى الأدب القديم فإنه قد تخلص من ربقته، وأتى بأسلوب جديد فيه سلاسة وعذوبة، يعبر عن مقتضيات عصره، وعما يختلج في نفسه من مشاعر بصدق وصراحة، مع شيء من المبالغة يقتضيها المقام، وأن ذلك الأسلوب كان فتحًا جديدًا في النثر العربي.

стр. 246

منزلة المنفلوطي في موكب الأدب العربي: ذكرنا في مستهل هذا البحث عن المقالة الأدبية أن الناس سئموا أسلوب المقامة، إذا لم تنهض بمقتضيات العصر، لما فيها من تكلف ظاهر، وجرى وراء الكلمات بغية إحكام السجعة، ولو كانت كلمات حوشية، أو لا تفي بالغرض المقصود، وكان المعنى خاضعًا لتحكم هذه الأسجاع، وكثيرًا ما يستغلق وراء كثافة الألفاظ وكزازتها. كما أنهم لم يجدوا في الأسبلوب الصحفي الذي ذاع على أقلام الكتاب ما يشبع الذوق الأدبي، أو يدخل في باب الأدب، لما فيه من ابتذال وعجمة، ومجانبة للفصاحة، وخطأ في متن اللغة وقواعدها، ولخلوه من الأناقة والخيال، وسحر العبارة؛ لأن صاحبه في العادة لا يتأنى في تحريره تأني الأديب، وإنما يسود صفحاته تسويد الصحفي العجل، وهو يعلم أنه سيقرأ لساعته، ثم يطرح جانبًا، وهو في الغالب يعالج موضوعًا من موضوعات الساعة في السياسة أو الاجتماع. ولم يكن ثمة وسيلة في اصطناع اللغة العامية لغة للكتابة لمنزلة الفصحى من النفوس؛ ولأنها تحمل نفائس التراث الديني والعربي بكل ثقله ومقوماته؛ ولأنها فوق كل هذا لغة القرآن الكريم. ولما ظهر المنفلوطي على صفحات المؤيد، وجد الناس في أسلوبه ما كانوا يفتقدون في أسلوب المقامة، وأسلوب الصحافة، فأعجبوا به كل الأعجاب، ووجدوا فيه الضالة التي ينشدون، ولنستمع إلى الأستاذ الزيات يصف لنا كيف استقبل المثقفون، ومحبوا الأدب مقالات المنفلوطي أول العهد بها: "كانت الومضات الروحية الأخيرة للبارودي واليازجي، ومحمد عبده، وقاسم أمين، ومصطفى كامل والشنقيطي قد التمعت التماعة الموت لتنطفئ كلها متعاقبة في العهد الأول من عقود هذا القرن، فهيأت الأنفس والأذواق إلى أدب جديد كنا نفتقده فلا نجده، وكان إخواننا اللبنانيون في مصر وفي أمريكا قد فتحوا نوافذ الأدب العربي على الأدب الغربي فأرونا فنونًا من القول، وضروبًا من الفن لا نعرفها في أدب العرب، ولكنها كانت في الكثير الأغلب سقيمة التراكيب، مشوشة القالب، فأجمناها على نفاستها، كما أجمنا أساليب المقامات من الألفاظ المسرودة، والجمل الجوف، والصناعة السمجة، والمعاني الغثة، حينئذ أشرق أسلوب المنفلوطي على وجه "المؤيد" إشراق البشاشة، وسطع في أندية الأدب سطوع العبير، ورن في أسماع الأدباء رنين النغم، ورأى القراء والأدباء في هذا

стр. 247

الفن الجديد ما لم يروا في فقرات الجاحظ، وسجعات البديع، وما لا يرون في غثاثة الصحافة وركاكة الترجمة، فأقبلوا عليه إقبال الهيم على المورد الوحيد العذب. وكان هذا النفر من المتأدبين، يترقبون "مؤيد" الخميس ليقرأوا مقال المنفلوطي حماسي وسداس وسباع وطه مرهف أذنيه، وزناتي مسبل عينيه، وفلان مأخوذ بروعة الأسلوب فلا ينبس ولا يطرف، وكلهم يودون لو يعقدون أسبابهم بهذا المنفلوطي الذي اصطفاه الله لرسالة هذا الأدب البكر". "كان المنفلوطي أدبيًا موهوبًا حظ الطبع في أدبه أكثر من حظ الصنعة؛ لأن الصنعة لا تخلق أدبًا مبتكرًا، ولا أديبًا ممتازًا، ولا طريقة مستقلة، والنثر الفني كان على عهده لونًا حائلًا من أدب القاضي الفاضل، أو أثرًا مائلًا لفن ابن خلدون، يتمثل الأول قويًا في طبقة المويلحي وحفني ناصف، ويظهر الثاني ضعيفًا في طبقة قاسم أمين، ولطفي السيد، ولا يستطيع ناقد أن يقول إن أسلوبه كان مضروبًا على أحد القالبين، إنما كان أسلوب المنفلوطي في عصره كأسلوب ابن خلدون في عصره، بديعًا أنشأه الطبع القوي على غير مثال، والفرق أن بلاغة "النظرات" مرجعها إلى القريحة، وبلاغه "المقدمة" مرجعها إلى العبقرية". "وسر الذيوع في أدب المنفلوطي ظهوره على فترة من الأدب اللباب، ومفاجأته الناس بهذا القصص الرابع الذي يصف الألم، ويمثل العيوب في أسلوب طلي، وسياق مطرد، ولفظ مختار". هذا رأي أديب معاصر ممن رأى بشائر أدب المنفلوطي، وكيف استقبله الأدباء، وكيف أعجبوا به وعلل لهذا الإعجاب، والذيوع بأنه كان أدبًا رائدًا، كان الناس يفتقدونه فلا يجدونه حتى ظهر المنفلوطي، فوجدوا فيه ضالتهم، وأقبلوا عليه إقبال الهيم على المورد الوحيد العذب. وميزة هذه الكلمة التي قالها الزيات أنه يحكم على الرجل بقيمة أدبه في عصره، لا في العصور المتأخرة بعد أن اشتد تيار الثقافة الغربية، وتطلب الذوق غزارة في المعاني، وعمقًا في الفكرة، ولم يعودوا يختلفون كثيرًا بطلاوة الأسلوب، وموسيقية الصياغة.

стр. 248

أما الدكتور طه حسين فقد رأينا كيف وصف الزيات حاله، وهو يستمع لمقالات المنفلوطي خماس وسداس وسباع مرهفًا أذنيه، وقد نشر المنفلوطي في صدر النظرات بعض التقاريظ حينما أعاد طبعها سنة ١٩١٣ كلمة تحت عنوان "كلمة الشيخ طه حسين أحد كتاب مصر"، وقد جاء فيها: "وهب السيد المنفلوطي ملكة خارقة تكاد تكون طبعا وسليقة، وإني لأقرأ له القطعة الأدبية، فيخيل إلي من سحرها أن نغمة من قلم "هوجو" تهب علي فلا أكاد أتم قراءتها حتى أهم بإعادتها المرة بعد الأخرى، وأحمد الله على أن وجد في العصر من ينفخ في هذا الهيكل البالي روحًا جديدًا ليحيا حياة رغد وهناء". ولما نشر المنفلوطي بضع مقالات بعنوان "اللزوميات" كتب طه حسين رأيه فيها قائلًا: "وقد كنا نقرأ النظرات والأسبوعيات، فتبلغ من قلوبنا أضعاف ما تبلغه اللزوميات الآن، ولقد كنت أمقت "المؤيد" كل المقت إلا يوم تنشر فيه نظرة أو أسبوعية". ولكنه طه حسين عاد فنقض رأيه في المنفلوطي وأدبه، ويحكي الزيات سبب ذلك فيقول: "نشر المنفلوطي مختار ما دبجه من فصوله في المؤيد في كتاب عنونه بالنظرات، وكان قد حكم على الشيخ شاويش في مقاله "طبقات الكتاب" حكمًا شديدًا، ورطه فيه على ما أظن صلته بالمؤيد وبالمغفور له سعد "باشا"، والشيخ شاويش يومئذ محرر اللواء بعد مصطفى كامل، ولطه به اتصال، فحرضه على أن ينقد "النظرات"، فنقدها ذلك النقد الغاضب الصاخب في ثلاثين مقالة ونيفًا". ويقول في إحدى مقالاته النقدية: "أيها الكاتب المجيد، أسعد الله صباحك، وأحسن مغداك ومراحك، وقوم المزور من شأنك أو المعوج من لسانك، وألهمك الصواب في الإعراب، والإحسان في البيان، فما أعلمك في ذلك إلا دعيًا، بحثت عن معناك فلم أجده إلا رثا، وعن أسلوبك فلم ألفه إلا مبتذلًا، وعن صيتك فلم أجده إلا منحلًا، وعن مقرظيك فإذا هم بين ظالم ومظلوم، ولائم وملوم، فسألت الله أن يثأر منك للعرب، وقد وترتهم في لغتهم، وللأدباء، وقد وترتهم في صناعتهم".

стр. 249

فأين ذلك السحر الذي خيل إليه أنه نغمة من نغمات "هوجو" تهب عليه؟، وأين ذلك الاسمتاع بأسلوبه الذي كان يحمله على إعادة قراءته المرة بعد المرة، أو ليس هو الذي نفخ في هذا الهيكل البالي روحًا جديدة ليحيا حياة رغد وهناء؟ ". إن في هذه الكلمات التي قدح بها طه حسين في أدب المنفلوطي ما ينبئ عن أنها قيلت للهدام والتجريح، وإن الدافع إليها هو الخصومة الحزينة، والإحن السياسية، وأن صاحبها لم يرد بها وجه الحق؛ لأن فيها خطأ فادحًا فالرجل لم يتر العرب في لغتهم ولا الأدباء في صناعتهم، بل نفخ في العربية روحًا جديدة، ومكن للأدب الرفيع. وقد عرض المنفلوطي بهذا القدح تلميحًا دون ذكر صاحبه، وقال إنه لناشئ في الأدب يريد أن يعتلي قمة الشهرة، فسلك إليها تلك السبيل حتى يقترن اسمه باسم المنفلوطي، ولم يكن من عادة المنفلوطي أن يحفل بمثل هذا النقد والتجريح ويرد عليى قائليه. وقد اعتذر طه حسين فيما بعد عن هذا التجريح في أحاديثه الإذاعية، وحاول إنصاف الرجل، ونقض ما قاله تجنيًا عليه، وغضًا من شأنه. أما العقاد فبعد أن كتب ما كتب في شأن تلك الدماثة والليونة اللتين اتصف بهما أدب المنفلوطي نراه في أخريات حياته، يكتب مقالًا ضافيًا بالمجلة "نوفمبر ١٩٦٢" عن المنفلوطي، ويعود إلى حديث الأدب الباكي أو الأدب الحزين، وأن الجيل الناشئ قد تأثر بأدب المنفلوطي في تلك الظاهرة الحزينة، وقد وجد ذلك واضحًا في كراسات الإنسان لدى معظم التلاميذ الذين كان يدرس لهم بالمدرسة "الإعدادية"، ثم قال: "ولكن المنفلوطي في غير هذه الزاوية يعرف بمكانته الأدبية العامة، فلا يعرف هل نظير بين أعلام الأدباء النائرين من مطلع النهضة الكتابية قبل مولده إلى ما بعد وفاته، فليس بين أدبائنا الناثرين من استطاع أن يقرب بين أسلوب الإنشاء وأسلوب الكتابة كما استطاع صاحب النظرات والعبرات، فربما ذهب القصد في الكتابة بجمال الإنشاء الناثرين المجدين، وربما ذهب الأسلوب "الإنشائي" الجميل بالمعنى.

стр. 250

المقصود في كتابة أدباء الفكر والتعبير، ولكن المنفلوطي قبل غيره هو الذي قارب بين الجمال والصحة على نسقه الفصيح، في سهولة لفظ، ووضوح معنى وسلامة نغم، وهو لا يبلغ مبلغ التبرج بالصقل والزينة، ولا يترك التبرج والزينة ترك المتقشف في مسوح النساك، وليس لدروس الإنشاء نموذج أصلح من هذا النموذج من وجهته الفنية، وعن أدبه هذا أقول في بعض فصول "المراجعات": "إنه أحد الذين أدخلوا المعنى والقصد في الإنشاء العربي، بعد أن ذهب منه كل معنى، وصل به الكاتبون عن كل قصد، وكانت الكتابة قبل جيله قوالب محفوظة تنقل في كل رسالة، وكانت أغراض الكتابة كخطب المنابر تعاد سنة بعد سنة بنصها ولهجة قائلها، وقد اطلعت على مجموعة وافية مما كتب المنفلوطي للفن، وكا كتب بغير كلفة، فكان لكتابته على كلا النمطين المتباعدين طابع الرائد المجاهد في أمثال هذه الرسالة: رسالة التقريب بين حفاوة الإنشاء، ورخصة الخطاب وإطراح الكلفة". ويختم العقاد كلمته التي أنصف بها المنفلوطي بقوله: "وتعيد إلينا قدرة المنفلوطي على تبسيط الأسلوب الجميل كلمة "أنا تول فرانس" التي يقول فيها: إن البساطة الجميلة هي القدرة على إخفاء الجهد والكلفة، وإن النور الأبيض في النظر، ولكنه أوفر الألوان تركيبًا؛ لأنه "توليفة" من جميع الألوان". ونلاحظ أن العقاد يفرق بين نوعين من الكتاب: "من أسماهم منشئين، ومن سماهم كتابًا، والمنشئون في رأيه هم الذين يعنون بالعبارة وزخرفتها وصقلها بل وتبرجها دون عناية بالمعنى وغزارته وعمقه وجدته، والكتاب هم الذين يأتون بالجديد من المعاني ويثرون الفكر، ويشبعونه غذاء شهيًا، وقد يقصر بعضهم في الأداء، فيجني ذلك على كتابته. وقد أعطى المنفلوطي حقه، واعترف له بمكانة الرائد الذي قرب بين أسلوب المنشئ في حلاوته وطلاوته، وأسلوب الكاتب في احتفائه بالمعنى، والغاية من كتابته، وإن عده في آخر المقال أنه أقرب إلى جماعة المنشئين منه إلى جماعة الكتاب، وذلك لقلة بضاعته في المعاني والأفكار.
следующие страницы →