← Адаб

Адаб · id 12116

نشأة النثر الحديث وتطوره

عمر الدسوقي

Полный текст (272 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ولما توفي الإمام محمد عبده سنة ١٩٠٥ ضاقت على المنفلوطي الأرض بما رحبت، واسودت الأيام في وجهه، ورأى القاهرة كئيبة لا تسكن، فآثر أن ينزوي ببلدته منفلوط، ومكث ثمة عامين، وابتداء وهو ببلدته يراسل المؤيد، ويكتب فيه مقالات أسبوعية وكانت أولى مقالاته في أكتوبر ١٩٠٧. ولما عاد إلى القاهرة عينه سعد زغلول محررًا عربيًا بديوان المعارف، وكان من المعجبين به المقدرين لمواهبه، ولما نقل سعد وزيرًا للحقانية "العدل" انتقل المنفلوطي معه، ولما اختير سعد وكيلًا للجمعية التشريعية، صحبه محررًا بها، وظل موظفًا بالحكومة حتى سنة ١٩٢١حين فصله ثروت على إثر مقالة نشرها يدافع بها عن سعد ويهجو خصومه، ولكنه ما لبث أن دعاه القصر ليشغل وظيفة في أمانة السر بالديوان الملكي، بيد أنه أقيل منها بعد قليل لمناصرته لسعد، وكان سعد في عداء مع القصر. ولما أسندت إلى سعد رئاسة الوزارة سنة ١٩٢٤، وافتتح "البرلمان" عين المنفلوطي رئيسًا لكتاب مجلس الشيوخ، بيد أن الأجل لم يمد له في حباله فمات في الثامنة والأربعين من عمره في اليوم الذي اعتدى فيه على سعد "يولو ١٩٢٤"، فضاع نعيه في زحمة الأحداث. ينتسب المنفلوطي إلى الإمام الحسين بن علي ﵄، وكان أبوه قاضيًا لمنفلوط، وأمة تركية، ولكنها ما لبثت أن طلقت وتزوجت برجل آخر من منفلوط، فكان لذلك -ولا ريب- تأثير كبير على نفس المنفلوطي الشديدة الحساسية. ويظهر أن النفلوطي عانى بعض شظف العيش أيام أن كان طالبًا بالأزهر، وبعد طلاق أمه، وزواج والده مرة أخرى، بيد أن حالة الفقر هذه قد تبدلت، إذ تزوج بسيدة ثرية، ولما ماتت ورث عنها ستة عشر فدانًا عاش بسببها في رفاهة العيش حتى قال: "قد رزقني الله من المال ما لا أطلب بعده لنفسي مزيدًا"، ولكنه على الرغم مما آل إليه من بسطة في الرزق لم تنسه الأيام سني الخصاصة الأولى فيقول: "ذكرت الجلسة البسيطة التي كنت أجلسها أيام الطلب في غرفتي العادجية الصغيرة بين زملائي الفقراء البسطان فبكيتها، ولم تنسني إياها جلستي اليوم في منزلي الأنيق الجميل بين خير الناس أدبًا وفضلًا ومجدًا"١.

стр. 177

وكان المنفلوطي شديد التدين، سليم العقيدة، غير متزمت أو متعصب، لا يبيع دينه بأي ثمن مهما غلا، وكان فيه حيائ يمنعه من الحديث في المجالس حتى ليظن مجالسه أن بلسانه حبسة وعيا، وأنه ليس ذلك الأديب الذي يسيل الكلام المنمق على شباة قلمه عذبًا جميلًا، ولكنه، إذا خلا بأحد خلصائه ممن يأنس لهم، انطلق على سجيته، ورأيت فيه المنفلوطي الكاتب الذي نعرفه، وكان ممن يؤثرون العزلة والبعد عن مزاحمة الناس، وقد آثر السلامة بأن لبس الناس على علاتهم. هذا وقد كانت الحقبة التي تفتحت فيها مواهب المنفلوطي الأدبية -أي في مستهل القرن العشرين- قد اشتد فيها بطش الإنجليز، وبخاصة بعد الاتفاق الثنائي سنة ١٩٠٤، وكان المصريون يشعرون شعورًا حادًا بوطأة الاحتلال، ويدركون أنهم من أمة عريقة لها ماضيها وحضارتها ودينها الذي يبعث فيها العزة والكرامة، وتراثها الفكري العظيم، ويحلمون بعودة هذا المجد التليد، فلا بدع إذا راق لهم من الأدب الغربي -ذلك الذي اشتدت به صلتهم على مر الأيام منذ مستهل النهضة- الأدب الروماني الذي يتغنى بأمجاد الأمم ورائع تاريخها، ويعظم القوميات، ويهيم وجدًا بطبيعة الأوطان، والذي كان طابعه العام لدى الفرنسيين بخاصة -بعد انهاير إمبراطورية نابليون، هو الطابع الحزين، إذ وجد شباب فرنسا أنفسهم في فراغ بعد تلك الغزوات الكبيرة والانتصارات المجيدة، وكان في كل بيت مأتم بعد تلك الحروب الطاحنة، والبلاد في ضيق مالي شديد الوطأة بعد أن استنفدت موارد فرنسا في حروب نابليون، فأخذ الأدباء والشعراء يعزفون على قيثارة البؤس أنغامًا حزينة، وإلى أمد غير قليل حتى سميت تلك الأنغام داء العصر. وقد كان حال المصريين بعد إخفاق الثورة العرابية، ونكبة الاحتلال تشبه حال الفرنسيين بعد أن تقوضت إمبراطورية نابليون، فاعجبهم من الآداب الغربية والأدب الرومانسي في تلك الحقبة، وكان المنفلوطي ممن يعتلج الأسى في صدورهم لرهافة في حسه، وصدق في وطنيته وإخلاص في عزمه على الإصلاح، وهو يرى البؤس والشقاء والفقر والمرضى يحيط به أني ذهب مع شعور بموهبته، ومن هنا انطلق يبكي ويصور آلام نفسه وبؤس قومه.

стр. 178

لم يكن المنفلوطي يعرف من اللغات غير العربية، ولكن ذلك لم يمنعه من قراءة ما ترجم من اللغات الأجنبية إليها، وأعجب بآثار الرومانسيين، وأقبل عليها بشغف ولذة، وقد شاء له طموحه أن يترجم بعض هذه الآثار القصصية، ولكن كيف السبيل إلى هذا وهو لا يجيد أي لغة غربية، ومن ثم دعا من ترجم له ترجمة حرفية بعض هذه القصص من طويلة وقصيرة، ثم صاغها بقلمه صياغة عربية مع كثير من التصرف والحرية في التعبير كما فعل في قصة "برناردين دي سان بيير" "بول وفرجيني" التي سماها الفضيلة، وكانت قد ترجمت من قبل على يد محمد عثمان جلال، وكما فعل بقصة "ألفونس كار" "ماجدولين"، وقصة "أدمون روستان" "الشاعر أوسير أنودي برجراك"، وقصة "فرانسوا كوبيه" "في سبيل التاج"، والأخيرتان تمثيليتان أحالهما المنفلوطي إلى الأسلوب القصصى السردي، وكذلك فعل ببعض القصص القصيرة التي نشرها في كتابه العبرات. وليس من همي في هذا البحث أن أدرس قصص المنفلوطي المؤلف والمترجم، فذلك يأتي في دراسة تطور القصة المصرية، وإنما الذي يعنيني هنا هو المقال الأدبي لدى المنفلوطي، وقد رأينا آنفًا ينابيع الثقافة التي اغترف منها وأثرت في أدبه: الثقافة العربية القديمة، وآراء المصلحين الاجتماعيين في عصره، وبخاصة آراء أستاذه الإمام محمد عبده، والكتب والقصص المترجمة، ومن هنا نجد أن المنفلوطي لم يكن عميق الثقافة، واسع آماد الفكر وإنما كان قوي العاطفة، مرهف الحس والذوق، يضفي على كل ما يتناوله يراعه رونقًا وجمالًا من بارع أسلوبه وفيض عاطفته، فيحس القارئ إسحاسًا قويًا بانفعالات نفسه، والتذاذًا بحلو صياغته وجمال عرضه. وقد استطاع المنفلوطي أن يبتدع طريقة جديدة في الكتابة الأدبية، طريقة تخالف تلك التي اشتهرت في القرن التاسع عشر لدى الكتاب الأدباء، إذ كانوا يحفلون بالسجع والزخارف البديعية، ويتكلفون ذلك تكلفًا، ويغلبهم على أساليبهم محفوظهم من الأدب القديم، فيرددون تشابيهه ومجازاته وكتاباته، وإن كانت لا تناسب الموضوع والبيئة والعصر.

стр. 179

وهي طريقة تخالف كذلك النثر الصحفي الذي يكتب لساعته، ويخوض فيغمار المعارك السياسية، فلا يتأنى صاحبه في انتقاء الألفاظ وتجويد الجمل وصقل الأسلوب، ومع أن المنفلوطي قد درس الأدب القديم، وتخير أطايبه لغذاء نفسه وعقله، إلا أنه استطاع أن يفلت من ربقته إلى حد كبير فكيف تأتى له هذا؟ دعنا نستمع إليه وهو يحدثنا كيف تهيأت له هذه السبيل: "كنت أقرأ من منثور القول ومنظومه ما شاء الله أن أقرأ، ثم لا ألبث أن أنساه، فلا يبقى منه في ذاكرتي إلا جمال آثاره، وروعة حسنه، ورنة الطرب به، وما أذكر أني نظرت في شيء من ذلك لأحشو به حافظتي، أو أستعين به على تهذيب بياني أو تقيوم لساني، أو تكثير مادة علمي باللغة والأدب، بل كل ما كان من أمري أنني كنت امرءًا أحب الجمال، وأفتن به كلما رأيته: في صورة الإنسان، أو مطلع البدر، أو مغرب الشمس، أو هجعة الليل، أو يقظة الفجر، أو قمم الجبال، أو سفوح التلال، أو شواطئ الأنهار، أو أمواج البحار، أو نغمة الغناء أو رنة الحداء، أو مجتمع الأطيار أو منتثر الأزهار أو رقة الحس، أو عذوبة النفس أو بيت الشعر، أو قطعة النثر، فكنت أمر بروض البيان مرا فإذا لاحت لي زهرة جميلة بين أزهاره، تتألق عن غصن زاهر بين أغصانه، وقفت أمامها وقفة المعجب بها، الحاني عليها، المستهتر بحسن تكوينها، وإشراق منظرها، من حيث لا أريد اقتطافها أو إزعاجها من مكانها، ثم أتركها حيث هي، وقد علقت بنفسي صورتها إلى أخرى غيرها، وهكذا حتى أخرج من ذلك الروض بنفس تطير سرورًا به، وتسيل وجدًا عليه، وما هي إلا أن درت ببعض تلك الرياض بعض دورات، ووقفت ببعض أزهارها بعض وقفات حتى شعرت أني قد بدلت من نفسي نفسًا غيرها، وأن بين جنبي حالًا غريبة لا عهد لي بمثلها من قبل، فأصبحت أرى الأشياء بعين غير التي كنت أراها بها، وأرى فيها من المعاني الغربية المؤثرة ما يملأ العين حسنًا والنفس بهجة". هام المنفلوطي بالأدب حبًا منذ حداثته، وقد حاربه شيوخه في الأزهر وحاولوا أن يقفوا بينه وبين كتبه الأدبية، فنفر منهم وازداد شغفًا به وعكوفًا عليه، وما إن آنس من نفسه القدرة على الإفصاح عما يجيش في صدره، وما يختمر في فكره حتى أشهر يراعه، ولم يضعه إلا حين وافته منيته.

стр. 180

خصائص أسلوبه: وحري بنا قبل أن نتكلم عن خصائص أسلوبه أن نتقدم بالحديث عن موضوعات مقالاته كما سجلها كتابه النظرات، معظم هذه الموضوعات اجتماعية ومنها في الدين والرثاء أو الأدب، ولا شك أن النشأة الدينية التي نشئها المنفلوطي في بيت شرف ونسب، ثم دراسته بالأزهر، وصحبته للأستاذ الإمام محمد عبده وتشربه مبادئه، وإعجابه به هي التي وجهته تلك الوجهة وأملت عليه الكتابة في تلك الموضوعات. وأهم ما يلفت النظر في موضوعاته الاجتماعية شدة سخطه وحتفه على الحضارة الغربية، حضارة المستعمر، إذ كان يرى أنها هي التي جرت الموبقات والمفاسد إلى الأمة، وباعدت بين جمهرة الناس والسلوك الديني الطيب، وأنها خدعة من خدع الاستعمار يفتن بها الشعوب المغلوبة على أمرها، ولا يلبث أن يجذبها لألاؤها فتنحل أخلاقها، وتشيع بينها الفحشاء، والاتجار بالأعراض وانتهاك الحرمات، وشتى ألوان الشرور والآفات الاجتماعية، فقام المنفلوطي يحارب هذه المندينة غير ناظر إلا لمساوئها، بل كان يرى أنه من الخير للشرق أن يتجبنها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا ولو ظل على جهالته، فيقول في ذلك. "فكان من همي أن أدل على شرور الأشرار الكامنة في نفسوهم، وأن أكشف الستر عن دخائل قلوبهم حتى يتراءوا ويتكاشفوا، فيتواقفوا ويتحاجزوا، فلا يهنأ خادع، ولا يبكي مخدوع على نكبته، ولا يتخذ بعضهم بعضًا حمرًا يركبونها إلى أغراضهم ومطامعهم، وكان منشئي في قوم بداة سذج، لا يبتغون بدينهم دينًا، ولا بوطنهم وطنًا، ثم ترامى بي الأمر بعد ذلك، وتصرفت بي الحياة في شئون جمة، فخضعت لكثير من أحكام الدهر وأقضيته إلا أن أكون ملحدًا في ديني أو زاريا على وطني، فاستطعت وقد غمر الناس ما غمرهم من هذه المدينة الغربية أن أجلس ناحية، وأن أنظر إليها من مرتب عال، وكنت أعلم أن من أعجز العجز أن ينظر الرجل إلى الأمر نظرة حمقاء، فإما أخذه كله أو تركه كله، فرأيت حسناتها وسيئاتها وفضائلها ورذائلها، وعرفت ما يجب أن يأخذ

стр. 181

منها الأخذن وما يترك التارك، فكان من همي أن أحمل الناس من أمرها على ما أحمل عليه نفسي، وأن أنقم من هؤلاء العجزة الضعفاء، وتهالكهم لها واستهتارهم بها، وسقوطهم بين يدي رذائلها ومخازيها وإلحادها، وزندقتها وشحها وقسوتها وشرها وحرصها وتبذلها وتهتكها، حتى أصبح الرجل الذي لا بأس بعلمه وفهمه إذا حزبه الأمر في مناظرة بينه، وبين من يأخذ برذيلة من الرذائل لا يجد بين يديه ما ينضج به عن نفسه إلا أن يعتمد عليها في الاحتجاج على فعل ما فعل أو ترك ما ترك، كأنما هو القانون الإلهي الذي تثوب إليه العقول عند اختلاف الأنظار والأفهام". ولكن المنفلوطي وإن كان كما قال -قد نظر إلى مساوئها ومحاسنها فلم يذكر شيئًامن تلك المحاسن، بل كان يحرص على الابتعاد عنها ما استطاع المرء إلى ذلك سبيلًا، ويقول في مقال بعنوان "المدنية الغربية": "إن خطوة واحدها يخطوها المصري إلى الغرب تدني إليه أجله، وتدنيه من مهوى سحيق يعتبر فيه قبرًا لا حياة له من بعده إلى يوم يبعثون، لا يستطيع المصري وهو ذلك الضعيف المستسلم أن يكون من المدينة الغربية إن داناها إلا كالغربال من دقيق الخبز يمسك خشاره ويفلت لبابه، أو الراووق من الخمر يحتفظ بعقاره، ويستهين برحيقه، فخير له أن يتجنبها جهده، وأن يفر منها فرار السليم من الأجرب". وقد أغرم المنفلوطي بالكتابة في الدعارة، والخيانة الزوجية والانتحار، وسقوط الفتيان والفتيات في مهواة الرذيلة، وانحراف بعض الأزواج عن جادة الدين والفضيلة، وهو يعز ومعظم هذا الفساد إلى تسرب المدينة الغربية إلى بيوتنا وأفكارنا وعاداتنا، وكان يلتقط أحيانًا الموضوعات التي يتناولها بالكتابة مما يتردد في الصحف من حوادث وأخبار، والصحف من همها نشر الخبر المثير، والفضائح الجذابة، وأنباء أبناء العلية، وهم قد ألفوا الخروج على العادات المألوفة، بسبب ما أخذوا من أسباب المدينة الغربية، وما جلبته من أوصاب رزئ بها المجتمع، مع أن التحلل من الأخلاق، واستشراء الفساد يصاحب المدنيات في كل عصر وكل بلد، وليس وقفًا على مدنية الغرب.

стр. 182

وإذا كان له بعض العذر في تحذيره وتهويله حتى لا يجرفنا التيار دفعة واحدة فننهار، ونفقد مقومات شخصيتنا، وننسى في غمرة التقليد كل ما لنا من حسنات، بيد أن نظرته إلى الحياة الاجتماعية في زمنه كانت نظرة متشائمة يائنة، فقد صور المجتمع تصويرًا بشعًا، وبالغ في تجسيم الآفات، ويتخذ من الحوادث الفردية ظاهرة عامة كما نراه في مقالته "الآداب العامة"، وكما في حديثه عن انتحار الطلبة في موسم الامتحانات، فلم يكن داء عضالًا منتشرًا بين جماهير الطلبة، ولا يعدو حادثة أو اثنتين، وبخاصة تلكم الأيام التي عاشها المنفلوطي في أوائل القرن العشرين قبل أن تنعقد الحياة. ومقاله "أين الفضيلة" يوحي بأن المجتمع فاسد جملة في كل طوائفه: "فتشت عن الفضيلة في حوانيت التجار، فرأيت التاجر لصًا في أثواب بائع وجدته يبيعني بدينارين ما ثمنه دينار واحد، فتشت عن الفضيلة في مجالس القضاء فرأيت أن أعدل القضاة من يحرص الحرص كله على ألا يهفو في تطبيق القانون الذي بين يديه هفوة يحاسبه عليها من منحه هذا الكرسي الذي يجلس عليه مخافة أن يسلبه إياه، أما إنصاف المظلوم، والضرب على يد الظالم وإراحة الحقوق على أهلها، وإنزال العقوبات منازلها من الذنوب فهي عنده ذيول وأذناب لا يأبه لها. فتشت عن الفضيلة في تصور الأغنياء فرأيت الغنى إما شحيحًا أو متلافًا. فتشت عنها في مجالس السياسة فرأيت أن المعاهدة والإتفاق، والقاعدة والشرط ألفاظ متردفة معناها الكذب ... فتشت عنها بين رجال الدين فرأيتهم -إلا من رحمة الله- يتجرون بالعقول في أسواق الجهل. سيقول كثير من الناس: قد غلا الكاتب في حكمه وجاوز الحد في تقديره ... ولكني أقول لهم قبل أن يقولوا كلمتهم: إني لا أنكر وجود الفضيلة، ولكني أجهل مكانها، فقد عقد رياء الناس أمام عيني سحابة سوداء أظلم لها بصري، حتى ما أجد في صفحة السماء نجمًا لامعًا ولا كوكبًا طالعًا ... كل الناس يدعي الفضيلة وينتحلها، وكلهم يلبس لباسها، فمن لي بالوصول إليها في هذا الظلام الحالك والليل الأليل؟ ".

стр. 183

أتراه الحرص على ألا يشاهد أي انحراف مهما صغر شأنه عن جادة الصواب والحق والفضيلة، والدين هو الذي جعله يبالغ ويهول فيما يراه، أو يسمع به في هذه الانحرافات الصغيرة؟ أم أن التهويل غلب عليها فيما يتناوله من آفات المجتمع وسواه شأن ذوي العواطف المرهفة، وأصحاب المواعظ والخطب حين ينساقون مع عواطفهم، وحميا حماستهم ... يشكو له شاب أصابه الصمم الكامل يطلب منه كلمة غراء، وبدلًا من أن يواسيه ويخفف عنه ويلته، إذ به يحيل الدنيا أمام عينيه سوداء قاتمة، وذلك في مقالته "الزهرة الذابلة" حيث يمتلئ صدر الشاب بعد قراءة المقال يأسًا وقنوطًا، فلا يجد أمامه إلا الانتحار، بل إن المنفلوطي يحرضه عليه، ويدفعه إليه، وكان في قدرته أن يحيل يأسه إلى أمل وجزعه إلى صبر، ولنستمع إليه يقول له: "لا أستطيع أن أعزيك عن مصابك يا بني فهو فوق ما يحتمل المحتمل، ويطبق الجلد الصبور، ولو أنني حاولت ذلك منك لكذبتك وغششتك، وأعوذ بالله أن أكون -يا بني- من الكاذبين في تعزيتك أو الغاشين لك فيها، ولو أردت نفسي على ذلك لما استطعت". ولكننا نراه يقول له: "وكثير عليك يا بني وأنت زهرة يانعة في روض الشباب، وابتسامة لامعة في ثغر الآمال، وفجر مشرق في سماه الحياة أن تصعد على هذه الربوة الزاهرة المخضلة من ربى الحياة، فلا تلبث إلا قليلًا حتى يمر بك فارس الدهر، فيختطفك من مكانك ثم لا يعدو بك قليلًا حتى يلقيك على هذه الصخور الصماء، فوارحمتاه لك يا بني مما بك اليوم، ومما يستقبلك به الدهر غدًا". فهل قدم المنفلوطي للفتى الذي جاءه مستغيثًا، يتطلب الكلمة الرطبة تنزل بردًا وسلامًا على قلبه الصادي فتخفف لوعته، وتزيل حسرته -الدواء الناجع، والتراياق النافع ... لا أظن. وكان المنفلوطي في اجتماعياته يفرط في حنوه على المرأة، ويبالغ في ذلك مبالغة عجيبة، وينعي على الرجل قسوته وغلظته، وكان يكره الطلاق ويمقته -وهو على حق- وحتى إذا زلت المرأة، وساءت سيرتها، فإنه يلتمس لها

стр. 184

المعاذير، وينحو باللوم الشديد على الذئب البشري الذي افترسها، إما؛ لأنه أكرمها على ما كانت تتأبى عليه، أو خدها ومناها ثم خاس في عهده، وتركها بعد أن قضى منها لبانته، ولهذا كان المنفلوطي من أنصار الحجاب الصفيق حفاظًا على المرأة، وحماية للفضيلة. ويقول المنفلوطي في مقدمة النظرات مبينًا بعض الأسباب التي دعته إلى الخوض في هذه الموضوعات: "رأيت الترائي بالرذيلة حتى ادعاها لنفسه، ونحلها إياها من لا يتخلق بها طلبًا لرضا الناس عنه برضاه عنها، ورأيت البراءة من الفضيلة حتى فر بها صاحبها من وجوه الساخرين به، والناقمين عليه فرار العاري بسوأته، والموسوم بخزيته". وإذا كان المنفلوطي قد خانه التوفيق في معالجة بعض الأدوء الاجتماعية لفرط حماسته، وضحالة دراسته، واصطناعه الأسلوب الخطابي والتهويل والمبالغة، فقد كانت ثمة مقالات بلغ فيها من العظة وقوة التأثير أمدًا بعيدًا، وقد حاول فيها تشخيص بعض آفاتنا الاجتماعية، والحملة عليها من ذلك تزويج الفتيات الصغيرات بمن يكبروهن في السن طمعًا في مال أو جاه من غير اعتبار لفارق السن أو قسوة المعاملة أو عدم التكافؤ، وكإهمال الرجل تربية أولادهم، وتسكعهم على المقاهي وقوارع الطرق، فيفسد البيت وينحرف الأولاد.

стр. 185

الاشتراكية عند المنفلوطي: على أن أهم موضوع حظى من المنفلوطي بعنايته، وحشد له كل عواطفه وحماسته، وإخلاصه ودينه هو موضوع الفاقة والبؤس والفقر تلك التي كان يتردى فيها سواد الشعب، وقد قرب في معالجته لهذا الداء المستفحل إلى حد الاشتراكية، وإن لم يدركها تمام الإدراك، ولا بد للتمهيد لهذا الموضوع حتى نعرف الأسباب التي دفعت المنفلوطي دفعًا في هذه الطريق. ابتدأ المنفلوطي يدبج مقالاته في المؤيد منذ أواخر سنة ١٩٠٧ أي بعد حادثة دنشواي بقليل، تلك الحادثة الفظيعة التي دلت بوحشيتها على مبلغ ما وصل إليه الاستعمار الإنجليزي من سيطرة وجبروت انتهك فيها حرمات الإنسانية علانية. وقد بلغ رد الفعل في نفوس المصريين ذروته، وانتفضت مصر انتفاضة جريئة بقياة مصطفى كامل، ورجال الحزب الوطني على الاستعمار ورجاله حتى ترضت إنجلترا الشعور العالمي بعامة، والمصري بخاصة بإخراج "كرومر" الداهية من مصر. كان الاحتلال قد جثم على صدور المصريين رفع قرن تسللت خلاله في أول الأمر مظاهر العزة من النفوس إلى أن ظهر رجال الحزب الوطني، وعلى رأسهم مصطفى كامل في الأفق، وحاولوا أن يعيدوا للمصريين الثقة بأنفسهم، ويحاربوا الاستعمار حربًا قوية ليهزوا مكانته بمصر. وكان الاستعمار قد اصطنع كثيرًا ممنا باعوا ضمائرهم في سبيل المال والجاه، وتكونت منهم مع الأسرة الحاكمة ورجالها المقربين، وأقربائها طبقة السادة أو الإقطاعيين أصحاب المزارع الواسعة، الذين كانوا يتحكمون في رقاب الملايين من الفلاحين، ويسومونهم الخسف وسوء العذاب، ويمتصون دماءهم, ويستغلون قواهم استغلالًا فاحشًا، ويتركونهم في حالة مزرية من الفقر والجهل والمرض. لقد كان التفاوت بينا هذه الفئة القليلة الثرية، وبين سواد الشعب في كل مظاهر الحياة، فلا بدع إذا أحسن الأدباء ذوو الضمائر الحية والعاطفة القوية بعظم مأساة هذا الشعب، وحاولوا جهدهم أن يصوروا آلامة المبرحة التي طال عليها الأمد قرونًا طويلة، ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا. وكان المنفلوطي من أبناء الطبقة المتوسطة لا يعد بأي حال من الأثرياء بل كان أدنى إلى الفقر منه إلى الغنى، عاش في الريف وخالط الناس، وعرف أوصالهم الاجتماعية، وكان جياش العاطفة سريع العبرة، ينفذ إلى سويداء قلبه بكاء المحزونين، ونداء المكروبين، ولنستمع إليه بصور لنا نفسه وما حفزه على الإكثار من وصف مناظر البؤس، والشقاء حتى في مطالعاته بل تجاربه حيث يقول:

стр. 186

"ولا أدري ما الذي كان يعجبني في مطالعاتي من شعر الهموم والأحزان، ومواقف البؤس والشقاء، وقصص المحزونين والمنكوبين خاصة، كأنما كنت أرى الدموع مظهر الرحمة في نفوس الباكين، فلما أحببت الرحمة أحببت الدموع لحبها، أو كأنما كنت أرى أن الحياة موطن البؤس والشقاء، ومستقر الآلام والأحزان، وأن الباكين هم أصدق الناس حديثًا عنها وتصويرًا لها، فلما أحببت الصدق أحببت البكاء لأجله، أو كأنما كنت أرى أن بين حياتي وحياة أولئك البائسين المنكوبين شبهًا قريبًا، وسببًا متصلًا، فأنست بهم، وطربت بنواحهم طرب المحب بنوح الحمائم وبكاء الغمائم، أو كأنما كنت في حاجة إلى بعض قطرات من الدمع أتفرج بها مما أنا فيه، فما بكى الباكون، وبكيت لبكائهم وجدت في مدامعهم شفاء نفس وسكون لوعتي، أو كأنما أرى أن جمال العالم كان في الشعر، وأن الشعر، هو ما تفجر من صدوع الأفئدة الكليمة فجرى من عيون الباكين من مدامعهم، وصعد من صدورهم مع زفراتهم". وهكذا وجدت حالات البؤس والشقاء، وما كان أكثرهما في مصر حينذاك -تجاوبًا شديدًا في نفس المنفلوطي وصدى إيجابيًا في عاطفته، فإذا أضفنا إلى ذلك شدة إعجابه بالأدب الرومانسي المترجم ذي الطابع الحزين، وذي العاطفة الحادة، تأثره به وترجمته له، لا تعجب إذا كان من أهم سمات أدب املنفلوطي هي تلك المسحة الحزينة، والعاطفة الباكية. ولم يكن من المنتظر في تلك الحقبة أن تتجه الحكومة -وهي خاضعة لدولة استعمارية رأسمالية- وجهة اشتراكية، أو ديمقراطية صحيحة، وبخاصة وعباس الثاني على عرش مصر، وهو من هو في شراهته وحبه للمال، وإغارته على أموال الأوقاف، والاستكثار من عرض الدنيا على حساب الألوف المؤلفة من أبناء الشعب، لقد كان الأغنياء يزدادون كل يوم غنى، بينما يزداد الفقراء كل يوم فقرًا، ولم يكن يملك أصحاب الأقلام في تلك الآونة إلا أن ينادوا ضمائر الأثرياء، وذوي الجاه علها تستيقظ من سباتها العميق، وتفيق من سكرات الترف والنعمة، فتلتفت إلى المنكوبين والمحرومين والكادحين في الأرض، وتمد الأيدي بالإحسان.

стр. 187

لقد كانت هناك نفوس خيرة ولا شك تجود شيء من المال، أو توقف بعض أرضها على الخيرات، ولكن ذلك لم يكن يبل غلة أو ينقع ظمأ أو يسد رمقًا أويعالج مشكلة مزمنة، بل لقد كان الإحسان فوضى يذهب إلى غير وجهته، ويناله من لا يستحقه، ولنستمع إلى المنفلوطي يصور بيانه العذب هذه الفوضى في زمنه فيقول: "الإحسان شيء جميل، وأجمل منه أن يحل محله، ويصيب موضعه، الإحسان في مصر كثير، ووصوله إلى مستحقه وصاحب الحاجة إليه قليل فلو أضاف المحسن إلى إحسانه إصابة الموضع فيها لما سمع سامع في ظلمة الليل شكاة، وأنه محزون، ليس الإحسان هو العطاء كما يظن عامة الناس، فالعطاء قد يكون نفاقًا ورياء، وقد يكون أحبولة ينصبها المعطي لاصطياد النفوس، وامتلاك الأعناق، وقد يكون رأس مال يتجر فيه صاحبه ليبذل قليلًا ويريح كثيرًا". ثم يقول: "مثل الإحسان في مصر كمثل السحاب الذي يقول فيه أبو العلاء. ولو أن السحاب همى بعقل ... لما أروى مع النخل التقادا الإحسان في مصر أن يدخل صاحب المال ضريحًا من أضرحة المقبورين فيضع في صندوق النذر قبضة من الذهب أو الفضة، ربما يتناولها من هو أرغد منه عيشًا وأنعم بالًا، أو يهدي ما يسميه نذرًا من نعم وشاء إلى دفين في قبره، قد شله عن أكل اللحم ذلك الدود الذي يأكل لحمه، والسوس الذي ينخر عظمه، وما أهدى شاته وبقرته -لو يعلم- إلا إلى وزارة الأوقاف، وكان خيرًا له أن يهديها إلى جاره الفقير الذي يبيت ليلة طاويًا يتشهى ظلفًا يمسك رمقه أو عرقوبًا يطفي لوعته. وأعظم ما يتقرب به محسن إلى الله، ويحسب أنه بلغ من البر والمعروف غايتهما أنينفق بضعة آلاف من الدنانير في بناء مسجد للصلاة في بلد مملوء بالمساجد، حافل بالمعابد، وفي البلد كثير من البائسين وذوي الحاجات، ينشدون مواطن الصلات لا أماكن الصلوات".

стр. 188

ثم أخذ المنفلوطي يعدد تلك المواطن الخاطئة التي يضع فيها المحسن إحسانه كإنشاء سبيل يشرب منه المارة، وليس بينهم وبين ماء النهر إلا بضع خطوات أو"يقف الضياغ الواسعة من الأرض لتنفق غلتها على أقوام من ذوي البطالة والجهالة نظير انقطاعهم لتلاوة الأبيات، وترديد الصلوات، وقراءة الأحزاب والأوراد، وهو يحسب أنه أحسن إليهم، ولو عرف موضع الإحسان لأحسن إليهم بقطع ذلك الإحسان عنهم علهم يتعلمون صناعة، أو مهنة يرتزقون منها رزقًا شريفًا". ويحمل المنفلوطي بكل ما أوتي من قوة على أدعياء التصوف، مشايخ الطرق "ولو أنصفوهم -كما يقول- لسموهم قطاع الطرق، ولا فرق بين الفريقين إلا أن هؤلاء يتسلحون بالبنادق والعصي، وأولئك يتسلحون بالسبح والمساويك، ثم يسقطون على المنازل سقوط الجراد على المزارع، فلا يتركون صادحًا ولا باغمًا ولا خفًا ولا حافرًا، ولا شيئًا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها، وبصلها إلا أتوا عليه". ونراه ينكر أشد الإنكار إعطاء الدراهم للمتسولين ويقول: "ولم أر مالًا أضيع، ولا عملا أخيب، ولا إحسانًا أسوأ من الإحسان إلى هؤلاء المتسولين"، ويبين خطر تشجيعهم بمنطق حاد وقوة أداء. وقدم المنفلوطي في آخر مقاله مقترحات لتنظيم الإحسان، وذلك بإنشاء مجتمع يسمى "مجتمع الإحسان" يتألف من سراة الأمة ووجوهها وأصحاب الرأي فيها، وتكون مهمته -كما استخلصها من مقاله- لا تتعدى مهمة "بيت المال" في الدولة الإسلامية، في رعايته للفقراء وذوي الحاجات يجمع كل ما يجود به المحسنون، ويوزع بالعدل على المستحقين، أو كما تفعل "هيئة معونة الشتاء"، وإن تعداها لإنشاء الملاجئ والمستشفيات، وغير ذلك. وهذه إحدى الصور التي كانت شائعة لدى المسلمين في عصورهم الذهبية، ورحم الله عمر بن عبد العزيز حيث جبيت الزكاة في عهده، وبحثوا عمن يستحقها، فلم يجدوا أحدًا، ولو أن المنفلوطي دعا إلى أن يؤخذ المسلمون بالشدة

стр. 189

ويجبروا على أداء الزكاة -تلك التي حاربهم عليها أبو بكر ﵁ لاستقامت الأمور بعض الشيء في مصر. لقد وهت عروة الدين، وطغت الحياة المادية على النفوس -إلا من رحم ربك- وعطلت الزكاة، وبطل حكم الشرع، ولا يفكر الحاكم في إعادته، وقد جهد الاستعمار في توسيع الشقة بين طبقات الشعب ليوجد حالة من التذمر والسخط، حتى يلجأ الناس إليه مستجيرين من ظالمهم، ولم تكن الأفكار الاشتراكية الحديثة قد ظهرت بعد في مصر، ولو عرفها بعض المثقفين لما كان لمعرفتهم قيمة. ولكن الذي لا ريب فيه أن المنفلوطي كان يشعر شعورًا حادًا بهذا البؤس الاجتماعي، وإن الصورة التي عرضها لفوضى الإحسان في مصر، لتدل على كثير، تدل على أن هذا الشعب فيه خيرون، ولكن فيه كذلك جشعون وجاهلون، وقد سلك الخيرون طرقًا خاطئة لبذل خيرهم، وربما كان ضرر إحسانهم أكثر من نفعه، على أن المسألة ليست مسألة إحسان كما سنوضح فيما بعد حين نفرغ من تلك الصورة التي قدمها المنفلوطي مظهرًا لمظاهر البؤس والفاقة بمصر. تأثر المنفلوطي في منهجه هذا بآراء من سبقه من الكتاب والمصلحين في هذا الميدان، وبخاصة مدرسة جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، وكان من أشد رجالها حماسة في هذا الميدان عبد الله النديم، وأديب إسحاق كل على طريقته في الأداء، وحظه من الثقافة. كان المنفلوطي ذا نزعة اشتراكية، ولكنه لم يعرف كيف يوضحها كما نفهمها اليوم، أو كما قررها الإسلام كاملة١، ولننظر إلى بعض تلك الصور البيئية التي عرضها المنفلوطي، ففي مقاله "قتلة الجوع" يقول: "قرأت في بعض الصحف منذ أيام أن رجال الشرطة عثروا بجثة امرأة في جبل المقطم قتيلة، أو منتحرة حتى حضر الطبيب ففحص عن أمرها، وقرر أنها ماتت جوعًا.

стр. 190

تلك أول مرة سمعت فيها بمثل هذه الميتة الشنعاء بمصر، وهذا أول يوم سجلت فيه يد الدهر في جريدة مصائبنا، ورزايانا هذا الشعار الجديد. ألم يلتق بها أحد من طريقها فيرى صفرة وجهها، وترقرق مدامعها وذبول جسمها، فيعلم أنها جائعة فيرحمها؟ ألم يكن لها جار يسمع أنينها في جوف الليل، ويرى غدوها ورواحها حائرة ملتاعة في طلب القوت فيكفيها أمره؟ أأقفرت البلاد من الخبز والقوت، فلا يوجد بين أفراد الأمة جميعها من أصحاب قصورها إلى سكان أكواخها رجل واحد يملك رغيفًا واحدًا زائدًا عن حاجته فيتصدق". ويصف بعد ذلك العلة: تلك أن الأمة التي ألفت ألا تبذل معروفها إلا في مواقف المفاخرة والمكاثرة، والتي لا تفهم من معنى الإحسان إلا أنه الغل الثقيل الذي يوضع في رقاب الفقراء لاستعبادهم واسترقاقهم، لا يمكن أن ينشأ فيهم محسن يحمل بين جنبيه قلبًا رحيمًا. "لقد كان في استطاعة تلك المرأة المسكينة أن تسرق رغيفًا تتبلغ به، أو درهمًا تبتاع به رغيفًا فلم تفعل، وكان في استطاعتها أن تعرض عرضها في تلك السوق التي يعرض فيها الفتيات الجائعات أعراضهن فلم تفعل؛ لأنها امرأة شريفة تفضل أن تموت بحسرتها، على أن تعيش بعارها، فما أعظم جريمة الأمة التي لا يموت فيها جوعًا غير شرفائها وأعفائها!! ". وبجانب هذه الصورة للمرأة التي ماتت جوعًا في أرض ينبت ترابها الذهب، ويفيض فيها ماء النيل بالخير العميم، يضع صورة أخرى للوجهاء وذوي الثراء بمصر، وكيف يأكلون حتى يشبعوا، وكيف لا يحسنون -إن أحسنوا- إلا طمعًا في نظرة أمير أو لفتة وزير، أو زورة مدير، ولا سيما إذا كان هذا الثرى جاهلًا لا يمكن أن يكون له مطمح في المجد الصحيح، إذ ليس يصاحب علم فيفاخر به ولا صاحب قلم يخدم به المجتمع الإنساني، ولم يبق أمامه غير هذا المجد الكاذب، وهو مجد القربى من الحكام والعمال، ولا سبيل إلى ذلك ببذل ما يستطيع من الأموال، وهو ببذله هذا المال ينشد الدنيا لا الآخرة، فإذا نفد ماله

стр. 191

أو أصابته كارثة تجهم وجه الدور، وسدت دونه الأبواب، وذهبت وجاهته سدى، ولن يثاب على ما قدم من إحسان؛ لأنه لم يقصد به وجه الله. ولقد كان المنفلوطي متحمسًا وهو يوازن بين "الكوخ والقصر"، وفي تلك المقالة يقول: "أنا لا أغبط الغنى إلا في موطن واحد من مواطنه إن رأيته يشبع الجائع، ويواسي الفقير، ويعود بالفضل من ماله على اليتيم الذي سلبه الدهر أياه، والأرملة التي فجعها القدر في عائلها، ويمسح بيده دمعة البائس والمحزون، ثم أرثى له بعد ذلك في جميع مواطنه الأخرى. أرثى له إن رأيته يتربص وقوع الضائقة بالفقير ليدخل عليها مدخل الشيطان من قلب الإنسان، فيمتص الثمالة الباقية له من ماله ليسد في وجهه الأمل" -ثم يروح يعدد مواطن كثيرة لهذا الغني الكنز، الذي استلت من قلبه الرحمة يرثي له فيها. وفي مقالة "الغني والفقير" يقول: "مررت ليلة أمس برجل بائس فرأيته واضعًا يده على بطنه كأنما يشكو ألمًا فرثيت لحاله، وسألته: ما باله؟ فشكا إلي الجوع، ففثأته عنه ببعض ما قدرت عليه، ثم تركته وذهبت إلى زيارة صديق لي من أرباب الثراء والنعمة، فأدهشني أني رأيته وضاعًا يده على بطنه وأنه يشكو من الألم ما يشكو ذلك البائس الفقير، فسألته عما به؟ فشكا إلى البطنة، فقلت: يا للعجب! لو أعطى ذلك الغني ذلك الفقير ما فضل عن حاجته من الطعام ما شكا واحد منهما سقمًا ولا ألما". وكأني به كان ينظر إلى الحديث الشريف حيث جاء فيه أن النبي ﷺ رأى رجلًا مترفًا متخمًا، قد امتد بطنه أمامه من ترفه وجشعه، فأشار النبي ﷺ إلى بطن هذا الرجل، وقال له: "لو كان هذا في غير هذا المكان لكان خيرًا لك". وكأني به كذلك قد نظر إلى قوله ﷺ : "من كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له، ومن كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له"، وقوله ﷺ : "ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جانبه وهو يعلم".

стр. 192

ومن يقرأ نظرات المنفلوطي يخيل إليه أنه في هم مقيم يلازمه في غدوه ورواحه، وليله ونهاره من هذه الآفة المستحكمة، آفة البؤس التي يعاني منها سواد الشعب، فتأكل قوته، وتذيب حيويته، وتصم أثرياءه وأرباب الحكم فيه بوصمة العار. وإذا كان المنفلوطي فيها سلف من حديث عن الفاقة والثراء قد عبر عما في ذات نفسه مباشرة، فإنه في حديث "أبي الشمقمق" يبين وجهة نظر الفقراء فيما يدور حولهم في دنيا أهملهم فيها أثرياؤها وأولو الأمر فيها، إن في هذا الحديث قد تقمص شخصية بائس فقير يفصح عن إحساسه مدى آلامه. ففي مجلس جمع بعض ذوي المال "ما بين تاجر يعجب بصفقته الرابحة وزارع يفخر بقلة ما أعطي وكثرة ما أخذِ، وآخر يعلل نفسه بكثرة الغلات وارتفاع الأسعار ... "، وكلهم يشيد بهذا العهد الأخير عهد العدل والإنصاف، عهد الحرية والمساواة، عهد الرقي والعمران. كل هذا وأبو الشمقمق جالس ناحية يجتر طرفه، ويهز رأسه، ويصعد أنفاسه، ويمضغ أضراسه، ويئن من أعماق قلبه أنينا خفيفًا يكاد يسمع فيه السامع فيقول الشاعر: فيالك بحرًا لم أجد فيه مشربًا ... على أن غيري واجد فيه مسبحًا فلما انفض المجلس انتحى المنفلوطي بصاحبه أبي الشمقمق ناحية، وجرى بينهما هذا الحديث. - ألا يعجبك يا أبا الشمقمق حديث النهضة الحديثة التي نهضتها الأمة المصرية في عهدها الأخير، وأنت فرد من أفرادها، وجزء من جسمها، فنهوضها نهوضك، وسقوطها سقوطك- فأنت الأمة والأمة أنت. - إن كنت تريد أنني فرد متكرر كثير الأشباه والأمثال في العوز والفاقة، وواحد لا سند لي ولا عضد، ودائر في مدارج الطرق، ومعابد السبل، فقد أصبت وأحسنت، وإن كنت تريد مني غير ذلك فأنا لا أفهم إلا كذلك.

стр. 193

- حسبك أن ترى تقدم الأمة المصرية في ثروتها وعمرانها، وبذخها وترفها، وكثرة ناطقها وصامتها فتسعد بسعادتها وتهنأ بهنائها. - إن لم تبين لي سهمي من هذه السعادة، ونصبي من ذلك الارتقاء، فلا أصدق سعادة، ولا أتصور ارتقاء، وما دمت أرى أن لي هوية مستقلة عن هوية سواي من السعداء، ويدا تقصر عما تتناوله أيديهم، وبطنًا لا يمتلئ بما تمتلئ به بطونهم، وما دمت لا أدري واحدًا بينهم يلبس معي ردائي الممزق، وقميصي الممزق، ويقاسمني همي، ويشاطرني فقري، فهيهات أن أسعد بسعادتهم وأسر بسرورهم، وهيهات أن أفهم معنى قولك: أنت الأمة والمة أنت. - إن الغيث إذا نزل يسقى الخصيب والجديب، والنجد والوهد، وينتظم من الأرض الميت والحي. - كل سماء فيها الغيث إلاس ماء مصر فإني أراه: كبدر أضاء الأرض شرقًا ومغربًا ... وموضع رحل منه أسود مظلم مالي وللروض الذي لا أستنشق ريحه وريحانه، والقصر الذي لا أدخله مالكًا ولا زائرًا ... ، وبعد فما هو الارتقاء الذي تزعمه، وتزعم أنه يعنيني ويشملني؟ هل ترقت غرائز الإحسان في نفوس المحسنين؟ وهل خفقت قلوب الأغنياء رحمة بالفقراء؟ - نعم: أما ترى الأموال التي يتبرع بها الأغنياء للجمعيات الخيرية، والتي ينفقها المحسنون على بناء المدارس والمكاتب والمستشفيات؟ - إن هذه التي تسميها مكارم، ولا يسميها أصحابها إلا مغارم، ألجأهم إليها التملق للكبراء، وحب التقرب من الرؤساء، والطمع في الزخرف الباطل والجاه الكاذب. مالي وللمدارس والمستشفيات، وأنا جوعان خبز لا جوعان علم، ولا مرض عندي إلا مرض الفاقة ... إلخ.

стр. 194

وإن دل هذا الحديث على شيء، فإنما يدل على فوضى الإحسان بمصر، وعلى أن المحسنين لا يبذلون المال إلا رياء وكرها، أو تقربًا من ذوي السلطة، وإن مشكلة الفقر حادة وعنيفة تكاد تخرج الفقير عن القيم الحقة، ونجعله غير مكترث بما يدور حوله من نهضة ما دامت هذه النهضة لا تلتفت إليه، ولا تعني به، ولا تحل مشكلته، إنه يبين مدى الألم والحياة السلبية التي يعيشها سواد الأمة وهم الفقراء بدون أن يسهموا في تقدمها؛ لأنهم قوى معطلة، عطلها الجوع والحرمان، ولم يعد يعنيهم من مظاهر الرقي حلوهم شيء. ولقد تخيل المنفلوطي المدينة السعيدة، ولكنها ليست كمدينة أفلاطون كما رسمها في الجمهورية، ولا الفارابي في المدينة الفاضلة، ولا السير "توماس مور" في الأتيوبيا، بل إن مدينة المنفلوطي مدينة كان يرى أنها لا تتحقق إلا في المريخ، لا يزال أهلها على الفطرة، يعبدون الله بوحي من عقولهم لا عن رسالة بلغت إليهم، وقد التقى بأحد رجالها في منامه، ورأى فيه من السماحة الطبيعية، والخلق الكريم، وقد أنس به، وطلب إليه بعد أن عرف نقاء فطرته وسلامة طويته أن يزيره المدينة، قال: "فرأيت شوارعها فسيحة منتظمة، ومنازلها متفرقة غير متلاصقة، وقد أحاطت بكل منزل منها حديقة زاهرة، ورأيت سكانها مكبين على أعمالهم، مجدين في شئونهم، صغارًا وكبارًا، رجالًا ونساء، ما فيهم فقير يتسول، ولا متبطل يتثائب ويتململ، وأغرب ما استهوى نظري أنني لم أر في تلك المدينة ذلك التفاوت الذي أعرفه في مدائننا بين الناس في منازلهم ومراكبهم ومطاعمهم ومشاربهم، وهيآتهم وأزيائهم، كما جميع سكانها سواسية في حالة المعيشة، ودرجة الثروة، فسألت الشيخ: - ألا يوجد فيكم غني وفقير، وسيد ومسود؟ - لا يا سيدي. حسب الرجل منا بيت يؤيه، ومزرعة تقيته، ودابة تحمل أثقاله، ثم لا تهان له بعد هذا فيما سوى ذلك، لهذا لا يوجد فينا سيد ومسود؛ لأنه لا يوجد فينا غني وفقير.

стр. 195

- لا بد أن يكون فيكم العاجز عن العمل، والمتعطل الكسلان. - أما الكسلان فلا وجود له بيننا؛ لأنه يعلم أنه لا نرحمه، ولا نغفر له زلته في احتقار نعمة العقل والقسوة بتعطيله عن العمل، وأما العاجز فنحدب عليه، ونحسن إليه، ولا نرى لأنفسنا في ذلك فضلًا؛ لأننا إنما نمنحه جزءًا من القوة التي منحنا الله إياها لنعبده بها، ولا نرى وجوه العبادة أفضل من مواساة العاجزين ورحمة البائسين". - أليس لكم حاكم يتولى أمركم. - لنا حكم لا حاكم، وهو رجل قد وثقنا به وبفهمه واستقامته، فاخترناه لفصل الخصومات إن عرض لنا من ذلك عارض. - أليس له جند وأعوان يؤيدونه، ويتولون تنفيذ أحكامه. -نعم! كلنا جنده وكلنا أعوانه على كل من يختلف عليه، أو يتمرد على حكمه، فقد وثقنا به وبعدله، وحسبنا ذلك وكفى. وقال المنفلوطي في نهاية رؤياه هذه: "تلك هي مدينة السعادة التي يعيش أهلها سعداء، لا يشكون هما؛ لأنهم قانعون، ولا يمسكون في أنفسهم حقدًا؛ لأنهم متساوون، ولا يستشعرون خوفًا؛ لأنهم آمنون". هل تخيل المنفلوطي هذه المدينة كما وصفها تخيلًا، أو أنه تأثر بما قرأه عن المدن الغربية في نظامها وحسن تنسيقها، وفسيح شوارعها وحدائق منازلها، وعما اتصف به الأوربيون من الجد والانكباب على العمل، وبما قرأه من سيرة سلفنا الصالح، وتعاليم ديننا الحنيف من أن الإنس سواسية كأسنان المشط: سواسية في الحقوق والواجبات، لا سواسية في الثروة فالله سبحانه قد فضل بعض الناس على بعض في الرزق، ولقد اضطر المجتمع الشيوعي الذي نادى بالمساواة المطلقة في أول عهد الشيوعية أن يعدل عن المناداة بهذه المساواة في المأكل والملبس والمسكن والإنفاق؛ لأنها غير طبيعية؛ لأن الناس متفاوتون في مواهبهم وقدراتهم وذكائهم وعملهم، واجتهادهم فميز الأذكياء عن غيرهم.

стр. 196

ولعل المنفلوطي نظر إلى المجتمع الإسلامي في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، أو عهد عمر بن عبد العزيز، وقد جبيت الزكاة في إحدى السنوات في عهده، فلم يجد من يستحقها: ومهما يكن من أمر، فلقد أشار إلى التفاوت الطبقي بمصر الذي يميز بعض الناس عن بعض في مأكلهم وملبسهم ومسكنهم، ذلك التفاوت الذي أدى إليه الإقطاع الزراعي المقيت في سالف الأيام حتى قضت عليه ثورة يوليو ١٩٥٢، والذي جعل من الناس سادة وعبيدًا. وعلى كل فالمنفلوطي كان قوي العاطفة، شديد الإحساس بآفة الفقر، وسفح قلبه دموعًا حارة على ما يعانيه البائسون ولكنه وقد وصف الداء، حام حول الدواء الناجع الذي يقضي باستئصال الآفة من أعماقها ولم يصل إليه، فالمسألة ليست مسألة إحسان وأريحية وجود يتقدم بها الأغنياء للفقراء، إن شاءوا أعطوا، وإن شاءوا منعوا، ولكنها مسألة حق معلوم للسائل والمحروم، فرضها الله في كتابه، وفرضتها الإنسانية الصحيحة الطاهرة، وحارب أبو بكر من امتنع عن أداء هذا الحق، إنها اشتراكية سمحة كان يحلم بها في منامه، ولم يدر أن الزمن ستدور دورته، وأن الثورة ستأتي فتنصف المظلوم من الظالم وتحاول إذابة الفروق بين الطبقات قدر المستطاع، وتوفر الغذاء للفقراء، وتديل دولة الطغاة، وتحقق قدرًا كبيرًا من المساواة.

стр. 197

اللغة العربية عند المنفلوطي: ومن الموضوعات التي اهتم بها المنفلوطي في مقالاته الاجتماعية موضوع اللغة العربية، وقد رأى أن الهجمات قد اشتدت عليها من جهات كثيرة، من المستعمر الذي كان يمني نفسه بأن تتحول عنها إلى العامية حتى تنقطع بيننا وبين تراثنا وقرآنا وديننا الأسباب، وننسى حاضرتنا وتاريخنا وأمجادنا، فننصاع لتراهاته وسخافاته، وتقبل على ثقافاته، ومن بعض أذنابه الذين دأبوا على الترويج لما يقول، وقد شرحنا ذلك مدعومًا بالأدلة من أقوالهم في كتابنا الأدب الحديث دافع المنفلوطي عن اللغة العربية، ورد القول على من ادعى قصورها عن مقتضيات الحضارة الحديثة، وبين ان عوامل نموها كثيرة وبخاصة الاشتقاق، ويعجب من أن عرب الجاهلية بلغ بهم الترف اللغوي حدا وضعوا منه خمسمائة اسم للأسد، وأربعمائة للداهية وثلاثمائة للسيف، "ونحن نراها اليوم تضيق عن حاجتنا فلا نعرف لأداة واحدة من آلاف الأدوات التي يصنعها المعمل الواحد اسمًا عربيًا، اللهم إلا القليل التافة من أمثال: المسبر، والمبرد، والمشار، والمسمار". وهو حينما يقول هذا، لا يعني الإزراء بها، والتحقير لها، وإنما يحاول جاهدًا أن يبعث فيها الحياة حتى تساير نهضتنا، وقد كمنت فيها عوامل نموها ورقيها، فرأى أن الحاجة ماسة إلى العناية الشديدة بأمرها، لا في مفرداتها فحسب، ولكن في أساليبها وتصفيتها من المبتذل الساقط، وقد أجمل رأيه بقوله: "إن كان الجاهليون في حاجة إلى مجتمع لتوحيد اللهجات المتشعبة، فنحن في حاجة إلى مجتمعات كثيرة: مجتمع لجمع المفردات العربية المأثورة وشرح أوجه استعمالها الحقيقية والمجازية في كتاب واحد يقع الاتفاق عليه والإجماع على العمل به، ومجتمع دائم لوضع أسماء للمسميات الحديثة بطريقة التعريب أو النحت أو الاشتقاق، وآخر للإشراف على الأساليب العربية المستعملة وتهذيبها وتصفيتها من المبتدل الساقط، والمستغلق النافر، والوقوف بها عند الحد الملائم للعقول والأذهان، وآخر للمفاضلة بين الكتاب والشعراء والخطباء، ومجازاة المبرز منهم والمقصر إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر. قال المنفلوطي هذا قبل أن ينشأ مجمع اللغة العربية، وقبل أن ينشأ المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب وتخصص الجوائز العديدة لتشجيع المبرزين في مختلف الميادين، وإن دل هذا الرأي على شيء فإنه يدل على شدة حرصه على نهضة اللغة ومسايرتها للمدينة الحديثة، وبقاء أسلوبها عربية فصيحًا لا تشويه شوائب العجمة، والرقي بالأدب شعرًا ونثرًا. وكما كان المنفلوطي شديد الحفاظ على اللغة كان كذلك شديد الحفاظ على الدين الإسلامي في سماحته، وقويم سلوكه، وكريم عاداته، وسامي أخلاقه، وعلى الرابطة التي تربط بين أهله إنه يريده نقيًا من شوائب البدع والآفات التي دست على بساطة عقيدته، ويريده قويًا بأهله الأقوياء.

стр. 198

وقد مرت بنا حملته على هؤلاء الذين يقفون الضباع الواسعة على قوم من ذوي البطالة والجهالة نظير انقطاعهم لتلاوة الآيات وترديد الصلوات، وقراءة الأحزاب والأوراد، ويريد أن ينقطع عنهم هذا الإحسان حتى يتعلموا صنعة أو مهنة يرتزقون منها رزقًا شريفًا. فبهذا أمر الدين، وحث كل فرد على الإسهام في بناء المجتمع وخيره، وأما هؤلاء المحترفون للدعوات والصلوات، المتعطلون عن العمل النافع فهم ليسوا من الدين في شيء، والإحسان إليهم ضار بهم وضار للمجتمع على السواء. وكذلك مرت بنا حملته على أدعياء التصوف، ومشايخ الطرق ويقول: "لو أنصفوهم لسموهم قطاع الطرق". وقد رد على "كرومر" في كتابه مصر الحديثة MODERN EGYPT حين رمى الإسلام بكل نقيصة محتجًا بما صار إليه المسلمون من ضعف وهوان، وما عليه جمهرتهم من فساد وانحلال، وأخذ المنفلوطي في رده يفند مزاعمه، ويوازن بين الإسلام والمسيحية، والمدينة الحاضرة التي لا تمت إلى المسيحية بصلة، بل هي مدينة مادية بحت، تتنكر الأديان والروحانيات، وعزا في حماسة جارفة كل ما أصاب المسلمين من ضعف، وما دخل دينهم من خرافات ويدع إلى "قوم من المسيحيين، أو أشباه المسيحيين لبسوا لباس الإسلام، وتزيوا بزيه، ودخلوا فيه، وتمكنوا من نفوس ملوكه الضعفاء، وأمرائه الجهلاء فأمدوهم بشيء من السطوة والقوة، تمكنوا بها من نشر مذاهبهم السقيمة وعقائدهم الخرافية بين المسلمين ... "كل ما نراه اليوم بين المسلمين من الخلط في عقيدة القضاء والقدر، وعقيدة التوكل، وتشييد الأضرحة، وتجصيص القبور، وتزيينها، والترامي على أعتابها، والاهتمام بصور العبادات وأشكالها دون حكمها وأسرارها، وإسناد النفع والضر إلى رؤساء الدين، وأمثال ذلك أثر من آثار المسيحية الأولى، وليس من الإسلام في شيء". وهو ينفي عن المسلمين التعصب الديني تلك التهمة التي يسارع إليها المستعمرون كلما وجدوا من المسلمين يقظة فكرية أو نهضة وطنية، ومع ذلك: "فهل التعصب الديني إلا اتحاد المسلمين يدا واحدة على الذود عن أنفسهم والدفاع عن جامعتهم، وإعلاء شأن دينهم حتى يكون الدين كله لله".

стр. 199

والحق أن المنفلوطي كان يمثل المسلم المستنير، والبعيد البعد كله عن التعصب الذميم، وهو حين ينفي تعصب المسلمين ضد من يخالفهم في الدين فإنما يقرر حقيقة، إذ لو كان لدى المسلمين أي تعصب للاشت الأكثرية الأقلية من زمن بعيد، في حين نرى المسلمين والمسيحيين يعيشون في كنف وطن واحد في ظل المودة، والإخاء عملًا بتعاليم الإسلام التي أوصت بأهل الذمة خيرًا. ولا أدل على عدم تعصب المنفلوطي من ثورته العارمة عندما هاج المسلمون على المسيحيين في وية "أطنة" إحدى ولايات الدولة العثمانية، وقتلوهم ومثلوا بهم عام ١٩٠٩، ويقول مخاطبًا المسلمين: "لو جاز لكل إنسان أن يقتل كل من يخالفه في رأيه ومذهبه، لأقفرت الأرض من ساكنها، وأصبح ظهر الأرض أعرى من سراة الأديم". ويقول لهم: "وما جاء الإسلام إلا ليقضي على مثل هذه الهجمية والوحشية التي تزعمون أنها الإسلام، ما جاء الإسلام إلا ليستل من القلوب أضغانها وأحقادها، ثم يملؤها بعد ذلك حكمة ورحمة، فيعيش الناس في سعادة وهناءة". ويشتد عليهم بقوله: "عذرتكم بعض العذر لو لم تقتلوا الأطفال الذين لا يسألهم الله عن دين ولا مذهب قبل أن يبلغوا سن الحلم، والنساء الضعيفات اللواتي لا يحسن في الحياة أخذا ولا ردًا، والشيوخ الهالكين الزاحفين وحدهم إلى القبور قبل أن تزحفوا إليهم وتتعجلوا قضاء الله فيهم، أما وقد أخذتم البريء بجريرة المذنب، فأنتم مجرمون لا مجاهدون، وسفاكون لا محاربون". وهو بهذا يصدر عن عقيدة إسلامية صحيحة، وينادي بتطبيق الوصية التي أوصى بها النبي ﷺ زيد بن حارثة بألا يقتل المسلمون النساء والأطفال والشيوخ، وبتطبيق الوصية التي أوصى بها أبو بكر ﵁ قواده، بل شملت وصية النبي الزرع والضرع والرحمة بها. ونراه من ناحية أخرى يتحمس حماسة بالغة، ويأسى أشد الأسى عندما بدأ الطليان يغزون ليبيا، ويحالون النزول بطرابلس الغرب، ونراه يرثي لهؤلاء

стр. 200

المسلمين الضعفاء الذين اقتحمت ديارهم الجيوش الجرارة، ويبث الحمية في نفوس المسالمين حتى يغيشوهم وينجدوهم، وينعي على المستعمرين الطغاة ظلمهم وقهرهم. كتب المنفلوطي أكثر من مقال في هذا الموضوع، مدفوعًا بعاطفته الإسلامية القوية، وضع فيه ذوب قلبه حمية وغيرة على الدين وأهله ورثاء، ورحمة لهؤلاء الذين يتصدون للاستعمار الغاشم، ويتطلعون إلى إخوانهم في مشارق الأرض ومغاربها، يناشدونهم القوة والنصرة، ويشيد ببطولتهم وحميتهم العربية الإسلامية في الذود عن ديارهم مع قلة عددهم وفقرهم. ولقد كان لمقالاته في المؤيد أثرها، ونادى المؤيد بإنشاء هيئة الهلال الأحمر مزودة بالأطباء والأدوية، والأغطية والممرضين لإسعاق أهل ليبيا الأبطال، وماكان أحوجهم آنذاك إلى هذه النجدة، فضلًا عن تطوع كثير من أبناء مصر للحرب في صفوف إخوانهم العرب المسلمين. ومع هذه العاطفة الدينية التي تجلت في كتاب المنفلوطي، ومواقفه الرائعة في الدفاع عن الدين، فإنه لم يكن متزمتًا، أو متنطعًا في دينه، بل كان متأثرًا بأستاذه محمد عبده، يفهم رسالة الدين فهمًا صحيحًا، ولا يحتفل كثيرًا بتلك القشور والمظاهر التي ليست من الدين في شيء، لم يكن ممن يعتقدون في شفاعة الأولياء، ويستنكر زيارة أضرحتهم والتوسل إليهم، اسمعه يقول لصاحبه في مقاله "يوم الحساب"، وكيف رد صاحبه عليه؟ : - هل تستطيع أن تشفع لي أو تطلب لي شفاعة من ولي من الأولياء، أو نبي من الأنبياء؟ - لا تطلب المحال، ولا تصدق كل ما يقال، فقد كنا مخدوعين في الدار الأولى بتلك الآمال الكاذبة التي كان يبيعها لنا تجار الدين بثمن غال، ولا يتقون الله في غشنا وخداعنا، وما الشفاعة إلا مظهر من مظاهر الإكرام والتبجيل يختص به الله بعض المقربين، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ... إلخ.

стр. 201

ونراه يفضح ما يقوم به بعض المتفقهين في الذين من التحايل على الشرع، والجرأة على مخالفة أسراره وحكمته بالتأويل الكاذب، والفهم الخاطئ، والنوايا السيئة كما عرضه لحال الرجل الذي كان يصرخ يوم الحساب ويقول: "أهلكتني يا أبا حنيفة"، "فذنبه أنه كان يعمد إلى الأحكام الشرعية فنتزع منها حكمًا وأسرارها، ثم يرفعها إلى الله قشورًا جوفا ليخدعه بها، ويغشه فيها كما يفعل مع الأطفال والبله، مستندًا على تقليد أبي حنيفة أو غيره من كبار الأئمة، وأبو حنيفة أرفع قدرًا، وأهدى بصيرة، من أن يتخذ الله هزؤا وسخرية، وأن يكون ممن يهدمون الدين باسم الدين". ولا ننسى أن المنفلوطي لقي ممن يتظاهرون بالتدين عنتا كثيرًا حينما كانوا يعنفونه، ويلومونه على اشتغاله بالأدب ويعدون ذلك خروجًا عن الجادة، ويعدا عن الدين، ولهذا نراه يدعو الناس ألا ينخدعوا بالمظاهر الكاذبة والمراءاة "وما هذه اللحية والسبحة والهمهمة والدمدمة إلا حبائل كان ينصبها لاصطياد عقول الناس وأموالهم، ولكن الناس لا يعملون". وعلى الرغم من أنه غير متزمت في دينه إلا أن ثمة أمرين لم يتساهل فيهما قط: أولهما حجاب المرأة، وقد لام قاسم أمين في أكثر من مقالة على دعوته الجريئة، بل عد تلك الدعوة من الآثام التي سيحاسب عليها قاسم أمين يوم القيامة حسابًا عسيرًا، فيذكر في مقاله "يوم الحساب" محاولة بين الشيخ محمد عبده وقاسم أمين، يقول أولهما للثاني: - ليتك يا قاسم أخذت برأيي، وأحللت نصحي لك محلًا من نفسك، فقد كنت أنهاك أن تفاجئ المرأة المصرية برأيك في الحجاب قبل أن تأخذ له عدته من الأدب والدين، فجنى كتابك عليها ما جناه من هتك حرمتها وفسادها وتبذلها، وإراقة تلك البقية الصالحجة التي كانت في وجهها من ماء الحياء. وأما ثانيهما فهو الإلحاد في الدين، وفساد العقيدة، وكثر من مقالاته تفصح عن تهجمه الشديد على الإلحاد، وفي تتمة الحوار بين الشيخ محمد عبده وقاسم أمين، يقول ثانيهما للأول:

стр. 202

- أنا أردت أن أنصح المرأة فأفسدتها كما تقول، وأنت أردت أن تحيي الإسلام فقتلته، إنك فاجأت جهلة المسلمين بما لا يفهمون من الآراء الدينية الصحيحة، والمقاصد العالية الشريفة، فأرادوا غير ما أردت، وفهموا غير ما فهمت، فأصبحوا ملحدين بعد أن كانوا مخوفين، وأنت تعلم أن دينا خرافيًا خير من لا دين، أولت لهم بعض آيات الكتاب، فاتخذوا التأويل قاعدة حتى أولوا الملك والشيطان والجنة والنار، وبينت لهم حكم العبادات وأسرارها، وسفهت لهم رأيهم في الأخذ بقشورها دون لبابها، فتركوها جملة واحدة، وقلت لهم: إن الولي إله باطل، والله إله حق، فأنكروا الألوهية حقًّا وباطلًّا". وهكذا كان موقف المنفلوطي في قضايا عصره الاجتماعية والدينية، متدينا يريد الخير للمجتمع، ويفهم الدين فهمًا صحيحًا، ويحارب الفساد والانحراف والزيغ في العقيدة١، ويندد بآفات المدنية الحديثة، ويدعو إلى عدم التعصب وإلى التسامح والتزام روح الشرع وأسراره وحكمه، متأثرًا بنشأته ووراثته ودراسته، وتلمذته للإمام محمد عبده".

стр. 203

المراثي عند المنفلوطي: لم يكن المنفلوطي من محترفي الرثاء، وإنما كان رجلًا ذا عاطفة جياشة، وشعور صادق، فهو لم يرث إلا صديقًا أو حبيبًا أو عالمًا جليلًا له قدره ومنزلته، أما رثاء الصديق فيتمثل في رثاثه للشيخ علي يوسف صاحب المؤيد، وكان رثاؤه دمعة وفاء لذلك الذي قدر مواهبه، وفسح له في صحيفته، وفتح له باب الشهرة، وتشفع له في محنته لدى الخديوي، ورأى فيه المنفلوطي بعين المحب تلك المزايا والسجايا التي خفيت على كثير من الناس. وكان في رثائة له من اللوعة وحرقة الحزن، وشدة العاطفة ما جعلت رثاءه ندبًا وبكاء فيقول في رثائة: "هكذا تقوم القيامة، وهكذا ينفخ في الصور، وهكذا تطوى السماء طي السجل للكتاب؟ أفيما بين يوم وليلة يصبح هذا الرجل الذي كان ملء الأفئدة والصدور، وملء الأسماع والأبصار، وملء الأرجاء والأجواء، جثة ضاوية نحيلة مدرجة في كفن، ملحدة في مهوى من باطن الأرض سحيق!!؟ "لقد كان هذا الرجل العزاء الباقي لنا عن كل ذاهب، والنجم المتلألئ الذي كنا نتنوره من حين إلى حين في هذه السماء المظلمة المدلهمة المقفرة من الكواكب والنجوم، والدوحة الخضراء التي كنا نلوذ بظلها من لفحات هذه الحياة وزفراتها، فنحن إن بكيناه فإنما نبكي الأمل الذاهب، والسعادة الراحلة، والحياة الطيبة، ومن هو أولى بالتفجيع والبكاء من سعادتنا وآمالنا؟؟؟!!. ثم يروح يعدد من مواهب الشيخ علي يوسف، ومواقفه المشرقة، وحصافته السياسية، وكيف كان يعامل أصدقاءه وأعداءه وكيف كان كريمًا سخيًا مع من يعرف ومن لا يعرف ويقول: "وما رأيته في يوم من أيام حياته حاقدًا ولا واجدًا ولا منتقمًا ولا طالبًا بثأر، ولا ذائدًا عن نفسه إلا في الساعة التي يعلم فيها أن قد جد الجد، وأن قد أصبح عرضه وشرفه على خطر"، ويختم رثاءه بعد تلك الجولة في مزايا صديقه حين يبين عظم الفديحة فيه بمثل ما استهل به الرثاء من تلك العاطفة الحزينة الجياشة حيث يقول: "أيها الراحل الكريم: لقد كنت أرجو أن أجد بين جنبي بقية من الصبر أغالب بها هذا الحزن الذي أعالجه فيك حتى يبلى على مدى الأيام، كما يبلى الكفن لولا قدر أبعدني عن موطنك في آخر أيام حياتك، فحرمني جلسة أجلسها بجانب سريرك أسمع فيها آخر كلمة من كلماتك، وأرى آخر نظرة من نظراتك، وحال بيني وبين خطوة أخطوها تحت نعشك أجزيك فيها ببعض ما خطوت لي في حياتك من الخطوات الواسعات، ووقفة أقفها عند قبرك ساعة دفنك أذرف فيها على تربتك أو دمعة يذرفها الباكون عليك، فلئن بكيت موتك يومًا فسأبكي حرماني وداعك أيامًا طوالًا حتى يجمع الله بيني وبينك". أما رثاؤه لأحبائه فيتمثل من رثائه لابنه "الدين الصغير"، وقد بلغت عاطفته فيه مداها، وكاد يفقد اتزان عقله، ويهتز إيمانه بالله لولا أن ذلك الإيمان قوي مكين سرعان ما عاد به إلى الله، فيستهل رثاءه بقوله:

стр. 204

"الآن نفضت يدي من تراب قبرك يا بني وعدت إلى منزلي كما يعود القائد المنكسر من ساحة الحرب، لا أملك إلا دمعة لا أستطيع إرسالها، وزفرة لا أستطيع تصعيدها. ذلك؛ لأن الله الذي كتب لي في لوح مقاديره هذا الشقاء في أمرك فرزقني بل قبل أن أسأله إياك، ثم استلبنيك، قبل أن أستعفيه منك، قد أراد أن يتم قضاءه في، وأن يجرعني الكأس حتى ثمالتها، فحرمني حتى دمعة أرسلها أو زفرة أصعدها، حتى لا أجد في هذه ولا تلك ما أتفرج به بما أنا فيه، فله الحمد راضيًا وغاضبًا، وله الثناء منعمًا وسالبًا، وله مني ما يشاء من الرضا بقضائه، والصبر على بلائه". ويروح المنفلوطي يذرف الدموع سخينة سخية على فقيده، ويتحسر على ما قدمه له من دواء مر لم يجده نفعًا، ولم ينقذه من العذاب والتعذيب، ويتذكر بموته موت ما سبق أن دفنه من أولاد، فيهيج الجرح الجديد الجراح القديمة، وكاد يبلغ من اليأس مداه، وقد عبر عن لوعته وشدة حزنه في عبارات تذوب أسى وشجى. "ما أسمج وجه الحياة من بعده يا بني، وما أقبح صورة هذه الكائنات في نظري، وما أشد ظلمة البيت الذي أسكنه بعد فراقك إياه، فلقد كنت تطلع في أرجائه شمسًا مشرقة تضيء لي كل شيء فيه، أما اليوم فلا ترى عيني مما حولي أكثر مما ترى عينك الآن في ظلمات قبرك. دفنتك اليوم يا بني، ودفنت أخاك من قبلك، ودفنت من قبلكما أخويكما، فأنا في كل يوم أستقبل زائرًا جديدًا وأودع ضيفًا راحلًا، فيالله لقلب قد لاقى فوق ما تلاقي القلوب، واحتمل فوق ما يحتمل من فوادح الخطوب. لقد افتلذ كل منكم يا بني من كبدي فلذة، فأصبحت هذه الكبد الخرقاء مزقًا مبعثرة في زوايا القبور". ثم يسأل سؤالًا يدل على عظم فجيعته، ونفاد صبره، وشدة لوعته، كاد به يتزعزع إيمانه فيقول: "لماذا ذهبتم يا بني بعد ما جئتم؟ ولماذا جئتم إن كنتم تعلمون أنكم لا تقيمون.

стр. 205

لولا مجيئكم ما أسفت خلو يدي منكم؛ لأنني ما تعودت أن تمتد عيني إلى ما ليس في يدي، ولو أنكم بقيتم بعدم ما جئتم ما تجرعت هذه الكأس المريرة في سبيلكم". ولكن يلوذ بإيمانه ثانية، ويسألهم أن يتوسلوا إلى الله الذي ينعمون بجواره أن يلهم أباهم الصبر، وأن يأتي به إليهم فهو يتمنى الموت حتى يسعد بلقاء أحبائه في دار النعيم. وأما رثاؤه للعلماء فيتمثل في رثائه لجورجي زيدان صاحب الهلال، يرثه رثاء العارف بفضله، المقدر لمواهبه وخدماته في سبيل العلم والأدب، رثاء الأديب للعالم الذي أبلى في ميدان الجهاد العلمي خير بلاء. ورثاؤه لجرجي زيدان ليست فيه تلك العاطفة الحادة التي لاحظناها في رثاء علي يوسف، ولا تلك اللوعة والحرقة التي شاهدناها في رثاء ولده، وإنما تعداد لمناقب الرجل وإشادة بآثاره ومنزلته بين مواطنيه، وعميم فضله على العلم والأدب: "مات جورجي زيدان، فنحن نبكيه جميعًا، أما هو فيبتسم لبكائنا، ويرى في تفجعنا عليه، والتياعنا لفراقه منظرًا من أجمل المناظر وأبهاها؛ لأنه يعلم أن هذه الدموع التي نرسلها وراء نعشه، أو نمطرها فوق ضريحه إنما هي ألسنة ناطقة بحبه وإعظامه، والاعتراف بفضله والثناء على عمله". كان بطلًا من أبطال الجد والعمل، والهمة والنشاط، يكتب أحسن المجالات، ويؤلف أفضل الكتب، وينشء أجمل الروايات ويناقش ويناضل، ويبحث وينقب ... إلخ. وراح المنفلوطي في رثائه هذا يرد على هؤلاء الذين ناصبوا جورجي زيدان العداء في حياته، فبعضهم رماه بالتطفل على المباحث الإسلامية، وأنه مسيحي لا يؤتمن على الإسلام، ولا أحسب أن أحدًا منهم كان يعتقد شيئًا مما يقول، ولكنهم كانوا يرون أن الدين سلعة تباع وتشترى، وأن سلعته ملك لهم، ووقف عليهم، ولا يجب أن تعرض في حانوت غير حانوتهم. ورماه بعضهم بأنه سوري دخيل جاء يتجر بعلمه وأدبه في مصر "ووالله ما أدري كيف تتسع صدورهم للخمار الرومي، واللص الإيطالي، والفاجر الأرمني

стр. 206

أن يفتح كل منهم في كل موطئ قدم من مدنهم وقراهم حانًا يسلب فيه عقولهم، أو مقمرًا يسرق فيه أموالهم، أو مأخورًا يهتم فيه أعراضهم، فلا يطاردونه، ولا يحاربونه، ولا يسمونه دخيلًا ولا واغلا؟ ". إنها مقالة مستأنية، ساق فيها الحجج الدامغة ليبرهن على علو مكانة جورجي زيدان، وسابغ فضله، وعظم أياديه على العلم والأدب والبحث، على الرغم من حقد الحاقدين، وحسد الحاسدين، وجهل الجاهلين. ورثى المنفلوطي شبابه حين بلغ الأربعين، وكأنما أحس أنه يخطو إلى الموت سريعًا، وكان يتخوف هذا الموت؛ لأنه قادم على عالم مجهول لا يعلم فيه كيف يكون حظه، وكان شديد العاطفة في ذكرياته لشبابه الذي مضى على الرغم من أنه لم يتمتع فيه "بمتعة من المتع، ولا بلذة من الملاذ، ولا نلت في عهدك مأربًا من مآرب المجد والجاه، ولكني كنت أؤمل وأرجو، وبذلك الأمل كنت أعيش، وتحت ظلال ذلك الرجاء كنت أهنأ وأنعم". والمنفلوطي على العموم سريع العبرة، شديد الإحساس، قوي العاطفة، وتجذبه المواقف الحزينة إليها جذبًا شديدًا ولنا وإلى هذه الظاهرة عودة عند الحديث عن أسلوبه وخصائصه.

стр. 207

مقالاته الأدبية: على الرغم من أن كتابة المنفلوطي في الاجتماعيات والدين، والرثاء تتسم بالرشاقة والأناقة، وفيها كثير من قوة العاطفة حتى تكاد أن تلحق بالكتابة الأدبية إلا أن ثمة موضوعات كانت من قبل وقفًا على الشعر؛ لأن فيها مجالًا للخيال والعاطفية قد طرقها المنفلوطي، وارتفع فيه بأسلوبه عما ألقناه منه؛ ولأنها بعيدة عن معالجة شئون المجتمع، بل هي قطع وصفية قالها إشباعًا لحاسته الأدبية، واستجابة لمشاعره المرهفة مثل حديثه عن: الضمير، والجمال، والرحمة، والغد، والشعر.. إلخ، وإن لم يخل حديثه فيها عن موعظة سامعيه وقارئيه أداء لرسالته التي عاهد نفسه عليها. ففي مقاله "الغد" يدور حول فكرة احتجاب الغد وما فيه من خير وشر عن أنظارنا وعقولنا، لكنه يوردها في صور متعددة: "الغد شبح يتراءى للناظر من مكان بعيد، فربما كان ملكًا رحيمًا، وربما كان شيطانًا رجيمًا، بل ربما كان سحابه سوداء إذا هبت عليها ريح بادرة حللت أجزاءها, وبعثرت ذراتها، فأصبحت كأنما هي عدم من الأعدام التي لم يسبق لها وجود". "الغد بحر خضم زاخر يعب عبابه وتصطخب أمواجه، فما يدريك إن كان يحمل في جوفه الدر والجوهر، أو الموت الأحمر، الغد صدر مملوء بالأسرار الغزار تحوم حوله البصائر وتتسقطه العقول، وتستدرجه الأنظار، فلا يبوح بسر من أسراره إلا إذا جاءت الصخرة بالماء الزلال". "كأني بالغد وهو كامن في مكمنه، ورابض في مجشمه، متلفع بفضل إزاره ينظر إلى آمالنا وأمانينا نظرات الهزء والسخرية، ويبتسم ابتسامات الاستخفاف والازدراء، يقول في نفسه: لو علم هذا الجامع أنه يجمع للوارث، وهذا الباني أنه يبني للخراب، وهذا الولد أنه يلد للموت، ما جمع الجامع، ولا بنى الباني، ولا ولد الوالد". ثم يتكلم عن قدرة الإنسان على تذليل قوى الطبيعة في شتى مجالاتها في السماء والأرض والبحر، والنفس الإنسانية وذخائلها "حتى كاد يسمع حديث النفس، ودبيب المنى، واخترق بذكائه كل حجاب، وفتح كل باب، ولكنه سقط أمام باب الغد عاجزًا مقهورًا لا يجرؤ على فتحه، بل لا يجسر على قرعه؛ لأنه باب الله، والله لا يطلع على غيبه أحدًا". ولكن لو علم الإنسان علم الغيب، وأطلع على ما يضمره الغد، أتراه يستريح ويسعد؟ يقول المنفلوطي في ختام مقالته: "لا ... لا، صن سرك في صدرك، وأبق لثامك على وجهك، ولا تحدثنا حديثًا واحدًا عن آمالنا وأمانينا، حتى لا تفجعفا في أرواحنا ونفوسنا، فإنما نحن أحياء بالآمال، وإن كانت باطلة، وسعداء بالأماني، وإن كانت كاذبة. وليست حياة المرء إلا أمانيا ... إذا هي ضاعت فالحياة على الأثر

стр. 208

وليس في هذا المقال فكرة فلسفية عميقة يوحي بها الحديث عن الغد، وإنما هي صور متباينة لمعنى واحد، ومع ذلك تبلغ في طلاوتها وسمو عبارتها ما بلغته عبارة "شوقي" في حديثه عن العد بكتابه "أسواق الذهب"١. ولعل طبيعة الموضوع وقف دون تحليقه في مجالات الخيال، مع أن ثمة منافذ للخيال في موضوع الغد، وحالت تبعًا لذلك دون سمو عبارته. ولستمع إليه في موضوع وصفي خالص، وهو "مناجاة القمر" حيث يقول في مستهله: "أيها الكوكب المطن من علياء سماته، أأنت عروس حسناء تشرف من نافذة قصرها، وهذه النجوم المبعثرة حواليك قلائد من جمان؟ أم ملك عظيم جالس فوق عرشه، وهذه النيرات حور وولدان؟ أم فص من ماس يتلألأ وهذا الأفق المحيط بك خاتم من الأنوار؟ أم مرآة صافية، وهذه الهالة الدائرة بك إطار؟ أم عين ثرة ثجاجة؟ وهذه الأشعة جداول تتدفق؟ أو تنور مسجور، وهذه الكواكب شرر يتألق". وهو في هذه الاستهلال لمناجاته يعمد إلى العبارة الموشاة بالسجع والألفاظ المنتقاة، وبالخيال التفسيري المعتمد على التشبيه، وإن جاء خيالًا حسيًا وتشابيه من المنظورات. ونراه بعد ذلك يربط بين نفسه وبين القمر، ويعقد موازنة لحاليهما من حيث الوحدة، والظهور في الظلمة، والأنس بالليل ووحشته ثم يقول: "يراني الرائي فيحسبني سعيدًا؛ لأنه يغتر بابتسامة في ثغري، وطلاقة في وجهي ولو كشفت له عن نفسيي، ورأى ما تنطوي عليه من الهموم والأحزان لبكى لي بكاء الحزين إثر الحزين، ويراك الرائي فيحسبك مغتبطًا مسرورًا؛ لأنه يغتر بجمال وجهك، ولمعان جبينك، وصفاء أديمك، ولو كشف عن عالمك لرآه عالمًا خرابًا وكونًا يبابا"، وفي هذه الموازنة لغة رومانسية جميلة، صيغت في عبارة سامية، زادها السجع غير المتكلف رونقًا.

стр. 209

ثم ينهى المناجاة بالفكرة المطروقة من قديم في الأدب العربي حيث يجمع القمر بين المحبين، وأن الحبيب الغائب يتطلع إلى القمر كما يتطلع حبيبه، فهو الوصلة بينهما كل منهما يناجيه عساء يجعل النجوى، ويبلغ الشكوى، وهو يرى في صورة القمر ومرآته صورة حبيبه النائي، ليزداد شوقًا إليه ووجدًا عليه. وفي موضوع "الرحمة"، وهو موضوع يتناسب مع رقة المنفلوطي ودقة حسه، وعميق عاطفته، وحدبه على الضعفاء والمساكين يستهله المنفلوطي بقوله: "سأكون هذه المرة شاعرًا بلا قافية ولا بحر؛ لأني أريد أن أخاطب القلب وجهًا لوجه، ولا سبيل إلى ذلك إلا سبيل الشعر". وهو هنا لا يعالج موضوع ارحمة معالجة اجتماعية منطقية مدعومة بالأدلة، والأحوادث والكوارث ليرفق بها قلوب الهانئين على الضعفاء والمنكوبين، ولكنه يلجأ إلى الخطابة والموعظة المشحونة بالعاطفة. "أيها الرجل السعيد: كن رحيمًا، أشعر قلبك الرحمة، ليكن قلبك الرحمة، بعينها". "ستقول: إني غير سعيد؛ لأن بين جنبي قلبًا يلم به من الهم ما يلم بغيره من القلوب، أجل! فليكن كذلك، ولكن أطعم الجائع، وأكس العاري، وعز المحزون، وفرح كربة المكروب، يكن لك من هذا المجموع البائس خير عزاء يعزيك عن همومك وأحزانك، ولا تعجب أن يأتيك النور من سواد الحلك، فالبدر لا يطلع إلا إذا شق رداء الليل، والفجر لا يدرج إلا من بعد الظلام". وهو يدعو من رزقوا السعادة، أو الذين يظنون أنفسهم سعداء أن يبكوا لمناظر البؤرس والفاقة: "وليتك تبكي كلما وقع نظرك على محزون أو مفقود، فتبتسم سرورًا ببكائك، واغتباطك بدموعك؛ لأن الدموع التي تنحدر على خديك في مثل هذا الموقف إنما هي سطور من نور، تسجل لك في تلك الصحيفة البيضاء، أنك إنسان". ويستدل بما تقوم به الطبيعة حيال الإنسان رأفة به ورحمة: "إن السماء تبكي بدموع الغمام، ويخفق قلبها بلمعان البرق، وتصرخ بهدير الرعد، وإن الأرض تئن

стр. 210

بحفيف الريح، وتضج بأمواج البحر، وما بكاء السماء، ولا أنين الأرض إلا رحمة بالإنسان، ونحن أبناء الطبيعة، فلنجارها في بكائها وأنينها". ويروح المنفلوطي يعدد هؤلاء الذين يجب على الإنسان أن يرحمهم: الأرملة التي مات عنها زوجها، ولم يترك لها غير صبية صغار، ودموغ غزار، والمرأة الساقطة، لا تزين لها خلالها، ولا تشتر منها عرضها علها تعجز أن تجد مساومًا يساومها فيه، فتعود به سالمًا إلى كسر بيتها. والزوجة، والولد، والجاهل والحيوان، والطير "لا تحبسها في أقفاصها، ودعها تهيم في فضائها حيث تشاء، وتقع حيث يطيب لها التغيير والتنقير". لقد كان المنفلوطي في مقال "الرحمة" شاعرًا حقًا، بلا وزن ولا قافية، يفيض قلبه بالرحمة والعطف، حتى شمل عطفه ورحمته الحيوان الأعجم، والطير الأخرس العاجز. ولكن أيهما أبلغ أثرًا في النفس: تلك الطريقة الأدبية المعتمدة على العاطفة، والخطاب المباشر، والموعظة والعبارة الأنيقة، والجمل المتساوية ذات الجرس المتزن التي يقول إنها شعر بلا وزن ولا قافية، وأن الشعر في رأيه أسرع نفاذًا إلى القلب من سواه: "إن البذور تلقي في الأرض فلا تنبت إلا إذا حرث الحارث تربتها، وجعل عاليها سافلها، كذلك القلب لا تبلغ منه العظة إلا إذا داخلته وتخللت أجزاءه، وبلغت سويداءه، ولا محراث للقلب غير الشعر. أم المعالجة الموضوعية المعتمدة على الأدلة والبراهين، المدعومة بالحوادث المصورة تصويرًا يهيج العاطفة ويستدر الدموع، ويحض على ما فعل الخير: أعتقد أن الطريقة الثانية تكون أبلغ أثرًا، وأجدى نفعًا، على الرغم من جمال عبارة الأولى وعذوبة ألفاظها، وغزارة عاطفتها. ومهما يكن من أمر المنفلوطي في مقالة "الرحمة" إنسان ذو قلب رحيم يفكر في غيره قبل أن يفكر في نفسه، ويحاول جهده أن يخفف من لوعة المكروب، وحزن المنكوب، وهو في ذلك متأثر بطبيعته وجبلته وما فطر عليه وبالدين

стр. 211

الإسلامي وتعاليمه السمحة التي تشربت بها روحه، وبنزعته الرومانسية، والإصلاحية. وفي مقالته "الضمير" لا يبين لنا ما الضمير، وكيف ينشأ، ويتربى حتى يكون ذلك الحارس اليقظ الذي يرد الإنسان عن سبيل الغواية إذا ما هممت نفسه الأمارة بالسوء أن ترتكب إثمًا في حق الله، أو حق المجتمع أو حق سواه من الناس، والذي يحثه على فعل الخير وإنما نراه يتكلم عن "الخلق"، وهو يفرق بين التخلق والخلق ويقول: "أكثر الذين نسميهم فاضلين متخلقين بخلق الفضيلة لا فاضلون؛ لأنهم إنما يلبسون هذا الثوب مصانعة للناس، أو خوفًا منهم، أو طمعًا فيهم، فإن ارتقوا قليلًا عن ذلك لبسوه طمعًا في الجنة التي أعدها الله للمحسنين، أو خوفًا من النار التي أعدها الله للمسيئين. أما الذي يفعل الحسنة؛ لأنها حسنة أو يتقي السيئة؛ لأنها سيئة فذلك من لا تعرف له وجودًا، أو تعرف له مكانًا. إنه هنا سيئ الظن بأكثر اللناس فهم ليسوا فضلاء في رأيه، وهذا إسراف في الحكم، وطعن عنيف للمجتمع الذي يعيش فيه، والفكرة التي ساقها بأن بعض الناس فاضل؛ لأنه يرغب في الجنة ويخاف النار، ولا يفعل الحسنة لذاتها، ولا يتجنب السيئة لذاتها، فكرة دخيلة على الفكر الإسلامي يروج لها هؤلاء الذين لا يرون الدين والعقيدة لهما أثر في الأخلاق وتربيتها، وهو من المطاعن التي وجههها بعض أعداء الإسلام للقرأن الكريم والدين الإسلامي، ويقولون: يجب على الإنسان أن يكون خيرًا من نفسه، ومن نبع ضميرهِ، بعيدًا عن الشيء من نفسه، ومن نبع ضميره، وفاتهم أن الضمير هو ما قر في النفس منذ الصغر بالتربية والعرف والعادات، والنموذج الذي يراه المرء ويحتذيه، وقد تكون هذه التربية وتلك العادات والتقاليد منافية للفضيلة المطلقة التي يقرها العقل السليم، فلا يكون ثمة ذلك الضمير الذي ينشده رجال الأخلاق، وفاتهم أن الفضيلة بنت العادة كما يقول أرسطو، وأن جمهرة الناس ليسوا مفكرين وفلاسفة، وأن الغرائز الإنسانية الفطرية تتحكم في تصرفاته مهما قيل عنها، ومن هذه الغرائز الخوف من العقاب، والطمع

стр. 212

في الثواب، وأن الغاية التي يرمى إليها الدين بالترغيب والترهيب هي إيجاد المجتمع الفاضل، وأن السلطان الذي يمثل تلك القوة العليا التي تملك الثواب والعقاب، سلطان عظيم لو تغلغل في النفس وتشربت مبادئه السامية. ويعالج المنفلوطي بعد ذلك "الخلق" بطريقة شعرية، فيقول: "الخلق هو الدمعة التي تترك فوق عين الرحيم كلما وقع نظره على منظر من مناظر البؤس، أو من مشهد من مشاهد الشقاء، هو القلق الذي يساور قلب الكريم، ويحول بين جفنيه والاغتماض كلما ذكر أنه رد سائلًا محتاجًا، أو أساء إلى ضعيف مسكين. هو الحمرة التي تلبس وجه الحيي خجلًا من الطارق المنتاب الذي لا يستطيع مد يد المعونة إليه، هو اللجلجة التي تعتري لسان الشريف حينما تحدثه نفسه بأكذوبة، ربما دفعته إليها ضرورة من ضرورات الحياة، هو الشر الذي ينبعث من عيني الغيور حيثما تمتد يد من الأيدي إلى العبث بعرضه أو كرامته. هو الصرخة التي يصرخها الأبي في وجه من يحاول مساومته على خيانة وطنه أو ممالأة عدوه". ومن الموضوعات التي كنا نترقب أن يعالجها معالجة أدبية أو اجتماعية "الحرية"، ولكنه سلك فيها مسلكًا عجيبًا، وكأني به يدعو إلى الحرية المطلقة تلك التي لا يقيدها شرع أو عرف أو قانون، بل يرى أن الحيوان قد فهم الحرية أكثر من الإنسان فيقول: من أصعب المسائل التي يحار العقل البشري في حلها، أن يكون الحيوان الأعجم أوسع ميدانًا في الحرية من الحيوان الناطق، فهل كان نطقه شؤمًا علي وعلى سعادته؟ وهل يحمل به أن يتمنى الخرس والبله ليكون سعيدًا بحريته كما كان سعيدًا بها قبل أن يصبح ناطقًا مدركًا. يحلق الطير في الجو، ويسبح السمك في البحر، ويهيم الوحش في الأودية والجبال، ويعيش الإنسان رهن المحبسين، محبس نفسه، ومحبس حكومته من المهد إلى اللحد. صنع الإنسان القوي للإنسان الضعيف سلاسل وأغللًا وسماها تارة ناموسًا، وأخرى قانونًا ليظلمه باسم العدل، ويسلب منه جوهر حريته باسم الناموس والنظام.

стр. 213

لو عرف الإنسان قيمة حريته المسلوبة منه، وأدرك حقيقة ما يحيط بجسمه وعقله من القيود لانتحر كما ينتحر البلبل إذا حبسه الصياد في القفص، وكان ذلك خيرًا له من الحياة لا يرى فيها شعاعًا من أشعة الحرية، ولا تخلص إليه نسمة من نسماتها. لا سبيل إلى السعادة في الحياة إلا إذا عاش الإنسان فيها حرًا مطلقًا، لا يسيطر على جسمه وعقله، ونفسه ووجدانه وفكره مسيطر إلا أدب النفس". هل حقًا تعد تلك المسألة من أصعب المسائل التي يحار العقل البشري في حلها، أن يكون الحيوان الأعجم أوسع ميدانًا من الحرية من الحيوان الناطق؟ وما وجه الصعوبة في هذا الإدراك، وهي بديهة من البديهات، فالحيوان لا عقل له بقيده، وإنما يسير في حياته بوحي غريزته، لا هم له إلا أن يحافظ على حياته، ولو على حساب غيره من الحيوان، في حين أن الإنسان له عقل يهديه وينير له الطريق، هو اجتماعي بطبعه، لا يعيش في عزلة عن سواء فلا يعيش الناس حياة الحيوان يأكل القوي الضعيف، وإنما تنظم علاقاتهم النواميس الشرعية، والقوانين والعرف، تلك التي لا تعجب المنفلوطي ويريد أن يتحرر منها. لست أدري من أين أتته هذه الفكرة! أغلب الظن أنها من وحي قراءته الغربية، والدعوة إلى الرجوع إلى الطبيعة والحياة الفطرية. ولا نريد أن نلم بكل الموضوعات الأدبية التي طرقها المنفلوطي، فحسبنا ما ذكرناه منها، على أنه يكون في أحسن حالاته الأدبية في موضوعين، الموضوع الحزين، والرسائل، وقد مر بنا بعض تلك الموضوعات الحزينة في رثاثه لولده، وفي رثائة للشيخ علي يوسف، حيث بلغت عاطفته مداها، وارتفعت عبارته بما يتناسب مع تلك العاطفة. وهاك مثالًا آخر على تلك المواطن الحزينة التي يجيدها المنفلوطي عاطفة، ومبني ألا وهو "غرفة الأحزان"، وإن استهل الموضوع بما يتناقض مع ما عرف به من انتقائه لأصدقائه، ومن تمسكه بأهداب الفضيلة حيث يقول: "كان لي صديق أحبه لفضله وأدبه أكثر ما أحبه لصلاحه ودينه، فكان يروقني منظره، ويؤنسني

стр. 214

محضره، ولا أبالي بعد ذلك بشيء من نسكه وعبادته، أو فلسفته واستهتاره؛ لأنني ما فكرت قط أن أتلقى عنه علوم الشريعة، أو دروس الأخلاق". وهذا تصريح عجيب من المنفلوطي في عدم احتفائه، ومبالاته بما عليه الصديق من خلق ولو كان غير قويم، وأعجب من ذلك التعليل الذي أورده في أنه لم يفكر في أن يتلقى عنه علوم الشريعة أو دروس الأخلاق، ومن قال إن الرجل الفاضل أستاذ في الشريعة أو علم الأخلاق؟! وقد يكون أستاذًَا لهما وليس فاضلًا في خلقه، ولا حافظًا لدينه!!، إنه يعترف بأن صديقه هذا له فلسفته الخاصة في الحياة وأنه مستهتر، فكيف رضي به المنفلوطي الذي طالما وعظ وحث على مكارم الأخلاق صديقًا، بل كيف أحبه؟ على كل ليس هذا هو بيت القصيد في حديثنا عن غرفة الأحزان، ومناظر الشقاء والبؤس، حين يتردى الإنسان في مهواة اليأس أو الفاقة، أو العجز، أو تكربه الأحداث، وتنتابه النوائب، ولا يملك لها دفعًا. لقد افتقد هذا الصديق الذي أحبه ردحًا طويلًا من الزمن حتى اعتقد أنه لن يجد إليه بعد ذلك سبلًا، ويقول المنفلوطي: "هنالك ذرفت من الوجد دموعًا لا يذرفها إلا من قل نصيبه من الأصدقاء، وأقفر ربعه من الأوفياء، وأصبح غرضًا من أغراض الأيام، لا تخطئه سهامها، ولا تغبه آلامها. واعتقد أن هذا موقف مفتعل من المنفلوطي، فقد تناهى إليه من جيران صديقه هذا أنه ترك بيته من عهد بعيد، وأنهم لا يعرفون مصيره، وأنه وقف بين اليأس والرخاء برهة من الزمن يغالب أولهما ثانيهما حتى غلبه، فأيقن أنه قد فقد الرجل، "وهناك ذرفت ... إلخ"، والإنسان لا يبكي هكذا لمجرد الاستنتاج دون أن يكون منظر الميت أمامه يهيجه أو على الأقل يتحقق من وفاته، ولا سيما وقد طال الزمن على لقائهما. ثم عثر على صديقه هذا بعد حين بطريق الصدفة، فيقول في شيء من التهويل والمبالغة: "بينا أنا عائد إلى منزلي في ليلة من ليالي السراء، إذ دفعني الجهل بالطريق في هذا الظلال المدلهم إلى زقاق موحش مهجور يخيل للناظر إليه

стр. 215

في مثل تلك الساعة التي مرت فيها أنه مسكن الجان، أو مأوى الغيلان فشعرت كأني أخوض بحرًا أسود، يزخر بين جبلين شامخين، وكأن أمواجه تقبل وتدبر، وترتفع وتنخفض، فما توسطت لجته حتى سمعت في منزله من تلك المنازل المهجورة أنه تتردد في جوف الليل، إلخ ولا شك أن في هذا الوصف لزقاق في القاهرة مبالغة وتهويل، فأي أمواج رآها في ذلك الزقاق تلك التي تقبل وتدبر، وترتفع وتنخفض؟ وأي لجة توسطها؟، ومهما يكن الظلام شديدًا حالكًا بالقاهرة، فلن يكون بهذه الصفة. وأخيرًا نصل إلى المقطع الحزين الذي برع في مثله، لقد طرق باب هذا المنزل ففتحت له فتاة لا تتجاوز العاشرة من عمرها: "فتأملتها على ضوء المصباح الضئيل الذي كان في يدها، فإذا هي في ثيابها الممزقة كالبدر وراء الغيوم المتقطعة، وقلت لها: هل عندكم مريض؟ فزفرت زفرة كاد ينقطع لها نياط قلبها وقالت: أدرك أبي أيها الرجل، فهو يعالج سكرات الموت، ثم مشت أمامي، فتبعتها حتى وصلت إلى غرفة ذات باب قصير مسنم، فدخلتها، فخيل إلي أني قد انتقلت من عالم الأحياء إلى عالم الأموات، وأن الغرفة قبر، والمريض ميت، فدنوت منه حتى صرت بجانبه، فإذا قفص من العظم يتردد فيه النفس تردد الهواء في البرج الخشبي، فوضعت يدي على جبينه، ففتح عينيه"، وأطال النظر في وجهي، ثم فتح شفتيه قليلًا قليلًا، وقال بصوت خافت: "الحمد لله فقد وجدت صديقي، فشعرت كأن قلبي يتمشى في صدري جزعًا وهلعًا، وعلمت أنني قد عثرت بضالتي التي كنت أنشدها، وكنت أتمنى ألا أعثر بها وهي في طريق الفناء، وعلى باب القضاء، وألا يجدد لي مرآها حزنًا كان في قلبي كمينًا، وبين أضالعي دفينًا ... إلخ". ثم قص الرجل قصته، وكيف وصل إلى هذا الحال من الضعف والهزال، فقد خدع فتاة ذات مال وجمال، ومناها بالزواج، ثم خاس في عهده، وتركها وهي حامل، فكتبت إليه بعد عشر سنين، وقد غادرت قصر أبيها بجنينها وأوشكت على الموت تطلب إليه أن يرعى فتاته، فجاءها وهي تلفظ أنفاسها في هذه الحجرة التي يموت فيها الآن، فأقسم ألا يبرحها حتى يقضي نحبه.
следующие страницы →