و١٨٥٣ ولم ينشر إلا سنة ١٨٦٧"، حتى علم به بعض الطلاب، من الأحباب ذوي الألباب، ودعا بدعاء مجاب، فاقتصرت على أن أرسلت إليه بنسخة مقابلة على أصلها إذا كانت أحق بها، وقد كان خطر لي أن أفرغه في قالب يوافق مزاج العربية، وأصوغه صياغة أخرى أدبية، وأضم إليها المناسبات الشعرية، وأضمنه الأمثال والحكم النثرية والنظمية، يعني أنسجه على منوال جديد، وأسلوب به ينقص عن أصله ويزيد، حتى لا يكون إلا مجرد أنموذج لأصله الأصيل، يقبل عليه من الأهالي كل قبيل، إلا أني رأيت أن الأوفق الآن بالنسبة للوقت، والزمان حفظ الأصل وطرح الشك، وإبقاء ما كان على ما كان، وإنما لم أجد بدا من مسايرة اللغة العربية وقواعدها، وعقائدها المرعية، مع المحافظة على الأصل المترجم منه حسب الإمكان".
لقد كان رفاعة يريد أن يتصرف في الترجمة، ويصوغه صياغة جديدة غير متقيدة بالعبارة الفرنسية، بل قد يزيد عنها أو ينقص لتأتي عبارته في أسلوب أدبي جميل، وإن دل هذا على شيء فهو يدل على أن رفاعة أحس بأن أسلوبه يتطور، وأنه كان عند طبعه أقدر منه على الصياغة الأدبية عند ترجمته، وفي الحق إن أسلوب رفاعة قد تطور مع الأيام، وكما أوغلنا في القرن التاسع عشر نجده يزداد نصاعة، وقوة وتخلصًا من أوضار الماضي وقيوده.
ولم تكن المقدمة وحدها مسجوعة، ولكن الكتاب كله أتى مسجوعًا، وإليكم مثلًا من هذا الكتاب حتى يعيننا في التعرف على تطور الأسلوب الأدبي لدى رفاعة وغيره، يقول تليماك حين نزل مصر: "ثم وصلنا إلى جزيرة المنار القريبة من مدينة "بو" "اسم الإسكندرية" فنزلنا النيل، وسرنا حتى وصلنا إلى مدينة منف، نعم، إن أسرنا أوجب عندنا الغم والحزن، وأبعد عنا السرور والفرح بأي شيء قبيح أو حسن، لكن قد تفرجنا وسرحنا الأبصار، بمشاهدة أرض الخصبة الشبيهة بجنة تجري من تحتها الأنهار، فمن الشطين في أي جانب كان، مدن عظيمة غنية شديدة العمران، وقصور الخلا جيدة الموقع، ومزارع مذهبة الحصيد كل
стр. 37
سنة تزرع، ومراع مملوءة من الماشية، وأهل الفلاحة عندهم المحصول بكثرة، وثروتهم ذات صيت وشهرة، والرعاة يغنون على صوت المزامير، والصدى حولهم مجيبهم مكررا بالتعابير، فقال منظور "مربى تليماك ورفيقه في رحلته" حين رأى ذلك:
- ما أسعد الأمة التي يحكمها ملك عاقل، وسلطان عادل، تعيش في الرخاء، والكرم والسخاء، وتكون سعيدة مرتاحة، تحب دوام ملكه إذ هو السبب في الراحة ... إلخ.
ومن أوائل الكتب التي ترجمها كتاب "قلائد المفاخر في غريب، وعائد الأوائل والأواخر"، ترجمة وهو بباريس وطبع لأول مرة سنة ١٨٣٣، وقد سلك فيه رفاعة غالبًا مسلك الترسل، وكانت الألفاظ الصحيحة لا تسعفه أحيانًا كقوله: "ولا يوجد أحد ذو ذوق سليم وطبع مستقيم إلا ويطرب بسماع الآلات حتى الخلق الهمل المتوحشون، فإن لهم آلات خاصة ذات دوي ملخبط وغوغة عظيمة بحيث يضر آذان السامع فهي كالدربكة مثلًا".
ولكنه اشتمل على كثير من المباحث القيمة كالشعر والموسيقى، والغناء لدى الأمم المختلفة في الشرق والغرب، ومختلف العادات كالزواج والحفلات وإكرام الضيف والملبس والسكنى والمئونة وغير ذلك، وبهذا كان صلة بين العربية وبين العالم الخارجي.
ومن المترجمات ذات الأثر في النثر الحديث كتاب سماه رفاعة "بداية القدماء وهداية الحكماء"، وهو من الكتب التي أخرجها بعد عودته من باريس تعرض فيه لتاريخ اليونان، والميثولوجيا والآداب اليونانية، وتضمن كذلك أخبار الأنبياء وتاريخ قدماء المصريين والسوريين، والسريانيين والبابليين والعجم والهنود، وأفاض في تاريخ اليونان وخرافاتها، وحروبها وفتوحها وآدابها وعلومها وفلسفتها، وقد استعان في تأليف هذا الكتاب بكتب التاريخ الفرنسية المعتمدة، وقد ختمه رفاعة بنبذة عن الميثولوجيا لدى المصريين القدماء، ونجح رفاعة فيما أخفق فيه مترجمو العصر
стр. 38
العباسي حيث لم يفهموا كتابي الشعر والخطابة لأرسطو، ولم يستطيعوا نقل ما كتبه من المأساة بأسلوب عربي مفهوم، ولم يحاولوا أن يشرحوا الميثولوجيا اليونانية، "أي عقائدهم التي بنيت عليها آدابهم"، فجاءت تلك الترجمات غامضة، وكان لذلك أثره في الفلسفة الإسلامية من جهة، وفي إعراض العرب والمسلمين عن الأدب اليوناني من جهة أخرى، وقد أتم رفاعة هذه الأبحاث القيمة بترجمته لقصة "تليماك"، فكان بذلك أول من شق طريق التيار الأدبي العربي الذي أخذ من ذلك الحين يتدفق على العربية، ويزاحم التيار العربي الأصيل.
ومن أواخر الكتب التي ألفها رفاعة كتابان سنقف عندهما هنيهة لنعرف كيف تطور أسلوبه، أما أولهما فكتابه "مناهج الآداب المصرية في مباهج الآداب العصرية"، وقد قدم له بمقدمة بين فيها الغرض من تأليفه، وهو نفع قومه على قدر جهده، وإرشادهم لما فيه خيرهم، أن "يعين الجمعية بقدر الاستطاعة، ويبذل ما عنده من رأس مال البضاعة، لمنفعة وطنه العمومية، وذلك بتصنيف نخبة جليلة، وترصيف تحف جميلة في المنافع العمومية التي هي للوطن توسيع دائرة التمدنية، اقتطفتها من ثمار الكتب العربية اليانعة، واجتنيتها من مؤلفات الفرنساوية النافعة، مع ما سنح بالبال وأقبل على الخاطر أحسن إقبال، وعزرتها بالآيات البينات، والأحاديث الصحيحة، والدلائل البينات، وضمنتها الجم الغفير من أمثال الحكماء، وآداب البلغاء، وكلام الشعراء، وكل ما ترتاح إليه الأفهام، وتنزاح به عن الذهن الأوهام".
وإذا تجاوزنا عن هذه المقدمة ذات السجع المتكلف، وعرضنا لمباحث الكتاب وجدناها جديدة مفيدة خرجت بالنثر عن ذلك التقليد الموروث الذي قصره الأدباء على الرسائل الإخوانية، من تهنئة وتغزية ورجاء واستعطاف واعتذار، كما كان شأنه قبل هذه النهضة، بينما نراه هنا يعالج موضوعات حية مثل منابع الثورة وتحسين حال المجتمع، فتكلم عن الزراعة، والصناعة، والتجارة والآداب وتهذيب الأخلاق، والفضائل والدين، كلام رجل مثقف غزير الإطلاع، وقد تخلص في هذا
стр. 39
الكتاب من السجع والجري وراء المحسنات، وكان اهتمامه بتوضيح المعاني أعظم من عنايته بتنسيق العبارة، ونرى هذا الكتاب سلاسة، وطواعية، وتدفقًا مما يدل على تطور أسلوبه المرسل خذ مثلًا قوله:
"وقد ذكر الحكماء أن لكل خلق طرفين: أحدهما الإفراط، وثانيهما التفريط، وهما مذمومان، فالبخل إفراط وهو مذموم، والتبذير تفريط في الإنفاق وهو مذموم أيضًا، والوسط ممدوح وهو العدل في الإنفاق، وهكذا كل فضيلة لها طرفان ووسط، والوسط عبارة عن الإنصاف في الفضيلة، وهو الممدوح منها، ولكن ربما يقع في الوهم فضيلة أحد الطرفين لعدم الوقوف على الحقيقة بترك معاشرة أرباب الفضائل، فلهذا ينبغي تعيين محل تعلم فيه الفضائل حتى لا تشتبه بأضدادها، وبيان ذلك أن الإنسان من جميع الحيوان لا يكتفي بنفسه في تكميل ذاته، ولا بد له من معاونة قوم كثيري العدد حتى تتم حياته طيبة، ويجري أمره على السداد، ولهذا قال الحكماء: إن الإنسان مدني بالطبع ... إلخ".
مثل هذه المباحث وهذا الأسلوب قد تميز فيما بعد، وصار القالب الذي تصب فيه الموضوعات الاجتماعية والسياسية، وإن ظل الأسلوب الأدبي له خصائصه من الاهتمام البعارة وحسن الصياغة، وانتقاء اللفظ، وتدفق العاطفة، وبعض ألوان الخيال، وضع رفاعة مثل هذه المقالات أساس النثر الاجتماعي والنثر السياسي، وسنتكلم عنهما فيما بعد إن شاء الله.
أما كتابه الثاني فقد ألفه في أخريات أيامه حين عزم أولو الأمر على فتح المجال أمام الفتاة للتعليم، فطلب من رفاعة أن يؤلف كتابا "في الآداب، والتربية لتعليم البنين، والبنات على السويَّة"، فألف كتابه "المرشد الأمين للبنات والبنين"، وفي هذا الكتاب مباحث ذات فائدة جليلة في التربية، والسلوك الإنساني، وعلاقة الرجل بالمرأة أختا وزوجًا وأما وحبيبة، وكان رفاعة في هذا الكتاب صريحًا صراحة لا نستطيع أن نجاريه فيها اليوم إذا عهد إلينا بتأليف كتاب مثل هذا للبنات، ولكنه كان متأثرًا ولا شك بثقافته الغربية، وبحرصه أن يعرف الفتيات الحق من شيخ
стр. 40
كبير ووالد غيور بدلًا من تلمسه في كتب لا رقيب عليها تثير الغرائز الدنيا، وتدفع إلى الفساد.
ومن مباحثه القيمة حديثه عن الوطن والمواطن الصالح، والأسرة وبنيانها وصلاحها، ونرى رفاعة يزاوج بين الترسل والسجع، فحين تأخذه العاطفة يرتفع أسلوبه ويختار كلماته، ويأتي بالعبارات مسجوعة، وإن زال عنها التكلف غالبًا من مثل قوله يعرف الوطن: "الوطن هو عش الإنسان الذي فيه درج، ومنه خرج، ومجمع أسرته، ومقطع سرته، وهو البلد الذي نشأته تربته وغذاه هواؤه، ورباه نسيمه وحلت عنه التمائم فيه، قال أبو عمرو بن العلاء: مما يدل على حرية الرجل، وكرم غريزته حنينه إلى أوطانه، وتشوقه إلى متقدم إخوانه، وبكاؤه على ما مضى من زمانه، والكريم يحين إلى أحبابه كما يحن الأسد إلى غابة، ويشتاق اللبيب إلى وطنه كما يشتاق النجيب إلى عطنه، فلا يؤثر الحر على بلده بلدًا، ولا يصبر عنه أبدًا: قال الشاعر:
بلاد بها نيطت علي تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها
وقال آخر:
بلد صحبت بها المشيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد
فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أثواب الشباب تميد
ونراه يتكلم عن مصر كلام المحب الوامق، الذي شغفه الوطن حبًا، فكل ما فيها جميل، دليل الوطنية الصادقة، التي بدأت تبزع أنوارها في القلوب، بعد أن كانت الوطنية كلمة لا مدلول عليها عند المصريين قبل ذياك التاريخ، إذ كانوا يشعرون بالتبعية لخليفة آل عثمان، ولم يفكروا في بلادهم كوطن مستقل له كيانه ومقوماته.
وقد اشتدت هذه النزعة في هذه الحقبة لا عند رفاعة فقط، بل عند كثيرين سواها كما سنرى بعد قليل.
стр. 41
يقول رفاعة: "ولا شك أن مصر وطن شريف إن لم نقل: إنها أشرف الأمكنة، فهي أرض المجد والشرف في القديم والحديث، وكم ورد في فضلها من آيات بينات وآثار وحديث، فما كأنها إلا صورة جنة الخلد، منقوشة في عرض الأرض بيد الحكمة الإلهية التي جمعت محاسن الدنيا فيها، حتى تكاد أن تكون حصرتها في أرجائها ونواحيها، بلدة معشوقة السكنى، رحبة المثوى، حصباؤها جوهر، وترابها مسك أذفر، يومها غداة، وليلها سحر، وطعامها هنئ، وثراها مريء، واسعة الرقعة، طيبة البقعة، كأن محاسن الدنيا عليها مفروشة، وصورة الجنة فيها منقوشة، واسطة البلاد ودرتها، ووجهها وغرتها، بلد خرج منه كبار ملوك، وسلاطين وحكماء وأساطين، وكم نبعث منه عيون علوم، وانجلى
به من البلاء سحائب غيوم، فمن ذا يضاهي مصر في كمال الافتخار، أو يباريها في الجمال والاعتبار إنها أول أمة في المجد، وعلو الهمة ... " إلخ.
ففي هذه الفقرة وسواها مما يحمل عاطفة حادة نرى رفاعة يلجأ إلى الأسلوب المسجوع، والتأنق في عبارته، وكأنه يربأ يمثل تلك العواطف إلا أن تلبس ثوبًا خاصًا يعتقد جماله حتى تظهر في أبهى حلة، وأجمل زينة حسب ظنه.
أما إذا كان الموضوع لا يحتال لمثل هذه العاطفة، وإنما يلزمه الشرح والبسط والتعمق في الفكرة، فإن رفاعة يطلق نفسه على سجيتها، ويلجأ إلى الأسلوب المرسل كما جاء مثلا عند كلامه عن المواطن الصالح ما له وما عليه، وهو موضوع جديد لعله نظر فيه إلى المجتمع الغربي كما شهده بباريس، وقد كان رفاعة يتكلم عنه لأول مرة في عصرنا"، وعلى الرغم من مضي تلك السنوات العديدة، فإن كثيرًا من المواطنين لا يعرفون حتى الوطن عليهم، ولا حقوقهم في هذا الوطن.
يقول رفاعة بعد أن تكلم عن المواطن الصالح من هو: فصفة الوطنية لا تستدعي فقط أن يطلب الإنسان حقوقه الواجبة له على الوطن، بل يجب عليه أيضًا أن يؤدي الحقوق التي للوطن عليه، فإذا لم يوف أحد من أبناء الوطن بحقوق وطنه ضاعت حقوقه المدنية التي يستحقها على وطنه.
стр. 42
وقد كان الرومانيون في قديم الزمان يجبرون الوطني الذي بلغ من العمر عشرين سنة، أن يحلف يمينا أنه يحامي عن وطنه وحكومته، فيأخذون عليه عهدًا بذلك، وصيغة اليمين: "أشهد الله على أني أحمل سلاح الشرف، لأمانع به عن وطني وأهله، كلما لاحت فرصة أتمكن فيها من مساعدته، وأشهد الله على أني لحماية الوطن، والدين أحارب منفردًا أو مع الجيش، وأشهد الله على أني أحافظ على امتثال القوانين، والعوائد المقبولة في بلادي الموجودة في الحال، وما يتجدد منها، وأشهد الله ألا أتحمل أحدًا يجسر أن يخل بها، وينقض نظامها".
وينطلق رفاعة بمثل هذا الأسلوب السهل المعتمد على الأدلة، والشواهد يشرح حقوق الوطن على المواطن، وحق المواطن على وطنه، دون أن يلجأ إلى تكلف في اقتناص سجعة، أو الجري وراء محسن لفظي أو معنوي.
ولعلنا رأينا من هذه النماذج العديدة كيف تطور أسلوب رفاعة الطهطاوي، فقد كان يلجأ إلى الأسلوب المرسل في النثر الاجتماعي والسياسي، وكان هذا الأسلوب أول الأمر يغص بالكلمات العامية، والدخيلة، والمعربة، وكان يلجأ إليه كذلك عند الترجمة غالبًا.
أما في مقدمات كتبه جميعًا، وفي الموضوعات المشحونة بالعاطفة، وفي الموضوعات الأدبية الخالصة كالوصف والرسائل وغيرها، فإنه يؤثر عادة الأسلوب المسجوع، ويتأنق في عبارته، ويحليها ببعض ألوان البديع، وكان هذا الأسلوب المسجوع أول الأمر يبدو عليه التكلف وأثر الصنعة، ثم خفت حدة هذا التكلف على مر الأيام بازدياد ثقافته، وكثرة مرانه على الكتابة، ونمو ثروته اللغوية.
وليس من همي في هذا الكتاب أن أتتبع رفاعة في كل ما كتب من كتب ومقالات، وإنما أردت أن أتعرف على ظواهر تطور النثر ممثلة فيه؛ لأنه كان رائدًا من رواده، ولم يكن تطور أسلوبه إلا نتيجة لتطور عام شهدنا معالمه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبخاصة في مصر.
стр. 43
رفاعة الطهطاوي
...
No pages
стр. 44
في العراق والشام
السيد محمود الألوس أبو الثناء
...
في العراق والشام:
وقبل أن نمضي قدمًا في الكلام على تطور النثر ولا سيما في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وما دخل على أساليبه من تغيير، وعلى موضوعاته من ثراء، ذلك الثراء الذي تمثل في الموضوعات الجديدة التي طرقها فاتسع مداه ورحبت آفاقه، يجدر بنا أن نلقي نظرة عابرة على النثر في بلاد الشام والعراق في هذه الفترة التي نتحدث عنها، وسنجد أن الكتاب في أول الأمر كانوا يقلدون الحريري في مقاماته، ويجرون على أسلوبه المسجوع في كل ما يتناولون من أمور، مع التواء في العبارة وتكلف في السجع، وحشد زاخر من المحسنات، نراهم يخاطبوننا من وراء جدر سميكة، وحجب صفيقة لا نستبين منها نفسياتهم، ولا نتعرف على أحاسيسهم؛ لأن القوالب محفوظة والجمل مرصوصة، وإذا حاول أحد أن يتجنب السجع، ويترسل تهبط عبارته وتسف، وسنتخير في هذا المقام بعض الأعلام ممن يعدون نحومًا متألقة في ديارهم حينذاك، وهم ولا ريب من المتأدبين الذين أفادوا من دراستهم للأدب القديم، وحاولوا تقليد أساليبه الكتابية ولا سيما الحريري، والقاضي الفاضل وكتاب عصر المماليك.
السيد محمود الألوس أبو الثناء:
ومن هؤلاء في العراق السيد محمود الألوسي أبو الثناء "١٨٠٢-١٨٥٤":صاحب التفسير المشهور بروح المعاني، وقد ألف في اللغة والمنطق، والتفسير ولكن الذي يعنينا أدبه، ومن آثاره في هذا الأدب مقاماته التي طبعت في كربلاء، وبعض قطع وصفية سجل فيها ما رآه من مناظر في بعض رحلاته، ولنستمع إليه يصف نثره كما قدره: "وكأني بك تجده -إن شاء الله تعالى- كتابًا تشد إليه الرواحل، وتطوى لنيل المنى من فصوله وأبوابه المنازل، حيث تضمن مباحث لطيفة، ومطالب شريفة، ورسائل تقطر ظرفًا، ومسائل ترشح لطفًا، بنثر قرب حتى أطمع، وبعد على المتناول حتى امتنع كأنه من شرخ الشباب مسروق، ومن لذة وصال الأحباب مخلوق، بل لعمري لو أن كلامًا أذيب به صخر، أو أطفئ
стр. 45
بما يرشح من إهابه جمر، أو عولج بمعانيه مريض، أو جبر بمبانيه مهيض لكان هو ذلك الكلام الذي يقود سامعيه من بني الآداب إلى السجود، ويجري في قلب داعيه من ذوي الألباب جرى الماء في العود".
لقد وضع نفسه في منزلة عالية، ولعله كان أحسن أهل جيله في العراق، وما علينا إلا أن نضرب مثلًا من هذا النثر لنتعرف على ما في ثنائه من حقيقة أو مبالغة، يقول في وصف القسطنطينية واصفًا ثغرها: "وأما الثغر، وما أدراك ما الثغر، فذاك الذي تنشق من حلاوة لمن محاسن ثناياه مرارة الخمر، وقد دلع لسانه بالافتخار، فجرى مطلق عنان الفخر في كل مضمار، وتلاسن البحران بلا مرا، فألقم البحر الأسود حجرًا بحر مرمرًا"، ولا أريد أن أمضي في بقية الوصف، فقد أسف فيه إسفافًا، وأتى بألفاظ بذيئة نابية لا تصدر عن أديب، وبحسبنا في هذه الجمل القصيرة ففيها من التكلف والركاكة، وضحولة المعنى ما يغني عن الوقوف لديها طويلًا، فهو حين ذكر الثغر تذكر ثغر الحبيب، وجعل للثغر الملح لمن وثنايا، ولها حلاوة، وللخمر مرارة تنشق حسدا، فأي تعسف وأي ذوق، ثم تمادى في الترشيح فجعل له لسانًا اندلع بالافتخار، وما أبشع هذا الاندلاع، ثم جعل هذا اللسان جوادًا مطلق العنان، الجواد يحتاج إلى مضمار، ثم انظر الجملة التالية وما فيها من ضرورات، وتقديم وتأخير حتى يأتي بسجعة سخيفة تنتهي ببحر مرمرا.
ولم يتغير هذا الأسلوب لدى ابنه السيد عبد الله الألوسي المتوفى سنة ١٨٧٤، فها هو ذا يصف ليلة مطيرة، ويستخدم ذلك السجع الثقيل والاستعارات المفتعلة، وألوان البديع الصارخة: "وحاك الدوى بمكوك الريح من سدى البخار ولحمته شققا سودًا، وصبغها الليل فكانت ظلمات بعضها فوق بعض، وطنبها خيمة خيمة على أكتاف العراق في الطول والعرض، واشتد الريح والظلام، وشرح جنى الليل يخوف صبى النهار كلما أحس منه بقيام ... " إلخ.
وعلى الرغم من أن الزمن قد أوغل في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وبدت بوادر النهضة في كل من مصر والشام تؤتي ثمارها، ويتطور الفكر والخيال، ويتطور تبعًا لهما الأسلوب سواء كان تقليدًا مسجوعًا أو مرسلًا، فإن
стр. 46
العراق لم يتأثر بعوامل هذه النهضة، وظل القوم عاكفين على الأدب القديم، وعلى النماذج الرديئة منه بصفة خاصة، ولم يكن لهم اتصال بالعالم الخراجي إلا عن طريق اللغة التركية أو زيارة عاصمة الخلافة، وهم معذورون ولا شك، فإذا حصلوا شيئًا من العربية وعلومها فبمجهودهم الخاص، دون عون الحكومة، بل إن الحكومة قد فرضت في مدارسها اللغة التركية تدرس بها كل العلوم، وصارت تزاحم العربية مزاحمة شديدة.
فإذا ذهبنا إلى بلاد الشام وجدنا منذ مستهل القرن التاسع عشر اهتمامًا قويًا باللغة وآدابها، ورأينا النهضة تتجه وجهة أدبية منذ ظهورها، بفضل الإرساليات التبشيرية، وما أثارته من جدل ديني وترجمات للكتب المقدسية على أن التخلص من الأسلوب الموروث في النثر لم يكن هينًا، ورأينا مباهاة الأدباء تظهر في محاكاتهم لأسلوب المقامات.
стр. 47
نصايف اليازجي
...
ناصيف اليازجي:
خذ مثلًا ناصيف اليازجي "١٨٠٠-١٨٧١"، وكان معاصرًا لرفاعة الطهطاوي نجده يحرص على كتابة المقامات، حتى بلغت ستين مقامة جمعها في كتاب سماه "مجمع البحرين" طبع لأول مرة ببيروت سنة ١٨٥٦، وبينما كان النثر يتطور في مصر، ويسير بخطى واسعة نحو التحرير والانطلاق، كان لا يزال أسلوب المقامة سائدًا في بلاد الشام، وكان القوم يعدونه مجتلى فخارهم بمعرفة ذخائر اللغة وغريبها، وقدرتهم الفائقة على محاكاة الحريري، والقاضي الفاضل والسيوطي في أسجاعهم، يقول الشيخ ناصيف في مستقل مقامته الخزرجية: "قال سهيل بن عباد، دخلت بلاد العرب، في التماس بعض الأرب، فقصدت نادى الأوس والخزرج، لأتفرج وأتخرج، وآخذ من ألسنتهم بعض المنهج، فلما صرت في بهرة النادي، أخذ بمجامع فؤادي، فجلت بين القوم ساعة، وأنا أحدق إلى الجماعة، وإذا شيخنا ميمون بن خزام، قد تصدر في ذلك المقام، وهو يقول: من أراد أن يعرف جهينة أو شاعر مزينة، فليحضر ليسمع ويرى، فإن كل الصيد في جوف الفرا، فعمد إليه رجل وقال، أطرق كرى، إن النعامة في القرى، فقال الشيح: كل فتاة بأبيها معجبة، فكن سائلًا أو مسئولًا لنرى ما في القداح من الأنصبة ... إلخ".؟
стр. 48
وكان له بجانب ذلك الأسلوب مرسل خال من السجع، ولكنه لم يرتفع فيه إلى درجة الأسلوب الأدبي، وكان يلجأ إليه حين يشرح قضية، أو يخوض في مسألة اجتماعية أو تاريخية، ولعله اصطنع هذا الأسلوب حين رأى رواجه لدى كتاب مصر في أخريات حياته، ولقد تأثر لبنان بخاصة، وبلاد الشام بعامة بتلك النهضية التي تفتحت أزهارها بمصر، ولا أدل على ذلك من قول المعلم بطرس البستاني الذي كان معاصرًا لرفاعة الطهطاوي ١٨١٩-١٨٨٣ عند كلامه على حال اللغة في عهده، وكيف تدهورت، ودخلها كثير من الكلمات الأعجمية، بل إن هؤلاء الأعاجم قد حاولوا جاهدين إفساد لغتنا: "ومع أننا نرى العجم والتتر، والإفرنج من الجهة الواحدة آخذين في توسيع دائرة لغاتهم، وإدخالها بين العرب، والمتفرنجين من الجهة الواحدة آخذين في إفساد، وإماتة لغة أمتهم بواسطة إبدالهم كلماتها المأنوسة بكلمات أجنبية نافرة لا تليق باللغة العربية، كما أن ملبوس أهلها لا يليق بالعرب، مع أنه كما أن الناس تحتاج إلى الناس، كذلك اللغات تحتاج إلى غيرها، ولكن يجب الاقتصار على ما لا وجود له في أصل تلك اللغة مما يزيدها قوة وحسنًا
لا تنافرًا وثقلًا.
هذا ولا ينبغي أن نغفل عن تلك الكلمات النافرة الميتة الموجودة في قواميس اللغة العربية مما لا فائدة منه للعرب إلا التثقيل على الذهن العربي، والقلم الشرقي".
وبعد أن يتكلم على اللغات الدارجة التي نشأت في كل قطر عربي، وزاحمت اللغة الفصحى، وما في ذلك من مضرة باللغة وخسارة فادحة، تلفت حوله فوجد حقول الآداب العربية يبابا، وأخذ يتحسر على ما منوا به من فقد علمائهم، وكتابهم، وأطبائهم وشعرائهم وخطبائهم، ومدارسهم وفلاسفتهم، ثم نوه بما قام به رجال الإرساليات التبشيرية في ربوع الشام من بعث تلك النهضة على يد مدارسهم ومطابعهم، ثم يقول: "وقد فعل محمد علي في هذا الجيل بكتب الإفرنج ما فعله كرولس الكبير بكتب العرب، فأمر بترجمة أطايبها إلى اللغة
стр. 49
العربية، وسلمها مع كثير من الكتب العربية القديمة للمطبعة المعتبرة الموجودة في بولاق من الإقليم المصري، فخرج منها كتب شتى في اللغة والطب والطبعات، والتاريخ وهلم جرا، فزين لغته العربية بكامل الفنون والصنائع من العربية والإفرنجية، وعسى أن يحذو أنجاله، وحفدته حذوه في هذا الأمر".
ونرى من هذا النص أن البستاني كان واقفًا على مدى ما تحتاجه اللغة العربية من إصلاح، وما أصابها من ضعف، وما قام به محمد علي، ورجاله في سبيل تنميتها، وبث روح الحياة في أوصالها بنقل علوم الغرب إليها.
ونرى كذلك أن البستاني في هذه المقالة قد اصطنع الأسلوب المرسل غير المسجوع، وآثر السهولة في التعبير، وكان من دعاة هذا الأسلوب، ونعى على هؤلاء المتحذلقين الذين يتمسكون بأسلوب الحريري المسجوع، أو الذين ينقبون في المعاجم جريا وراء كلمة غريبة: "ولكن إذا وجد قوم من أصحاب الغنى، والخطر يلذ لهم الفحص عن الأمور القديمة، والتفتيش عن المواد السالفة، ويقصدون ذلك بالذات، فلنترك لهم الحرية التامة في هذا الأمر، وتكلفهم المحافظة على اللغة القديمة، ولندع تكأكؤ الأعرابي وأساجيع الحريري، وفيروز باديات الفيروزبادي موضوعات لتأملاتهم الدائمة، ودرسهم الأبدي"، ولعله كان يائسًا من أهل جيله؛ لأنه ذكر بعد هذا قوله: "والظاهر أن هذا لإصلاح محفوظ للأجيال المستقبلة".
ومع سلامة عبارته في مجملها إلا أنها لم تخل من الأخطاء اللغوية، والنحوية فاستخدم واسطة وصحتها وساطة، وأدخل باء الإبدال على المأخوذ لا على المتروك كما هي القاعدة في قوله: "وإماتة لغة أمهم بواسطة إبدالهم كلماتها المأنوسة بكلمات أجبية نافرة"، ولم يخل أسلوبه كذلك من الركاكة كقوله: "وعلى أنه كما أن الناس تحتاج إلى الناس كذلك اللغات ... " إلخ.
ومع وجود المترسلين أمثال البستاني في لبنان، فإن الموضوعات التي طرقوها لم تكن جديدة، ولم تعمل على إثراء اللغة، والأفكار، والصور ولم يزودوها بشيء
стр. 50
من ينابيع الثقافة الغربية، لقد حاول البستاني تنبيه قومه إلى ما هم فيه من جمود فكري، وأدبي لعلهم يستيقظون من سباتهم بقوله:
"إن العرب في أيامنا هذه قنوعون جدا في أمر الأدب، فإنهم يكتفون بأقله، ويحسبون أنفسهم أنهم قد وصلوا إلى أعلى طبقات العلم، مع أنهم لم يقرعوا بابه، فمن تعلم منهم كتاب الزبور أو القرآن يقال أنه ختم عليه، وإذا تعلم شيئًا من النحو والصرف يقال عنه إنه علامة زمانه، وإذا نطق بشعر فلا يبقى عندهم لقب يصفونه به، وما ذاك إلا؛ لأن ظهور نور قليل في العاقل كاف، لأن يغشى على عيني الجاهل".
ونخلص من هذا العرض الموجز لحال الأدب، واللغة في العراق والشام، ومصر إلى أن النهضة في مصر سبقت سواها من أقطار العروبة، وشبت وقويت. وأخذت اللغة تنمو وتزدهر، يرفدها تياران قويان أحدهما عربي قديم نشأ من إحياء التراث العربي ونشر ذخائره، والعكوف على دراسته والإفادة منه، فنضح على ألسنتهم وأقلامهم بيانا قويًا، ولغة سليمة، وثانيهما تيار الثقافة الغربية
يجلب معه موضوعات جيدة، وأفكارًا حديثة وكلمات تحيا أو تعرب، فتقوى اللغة، وتشتد وتحاول أن تجاري حضارتنا وتنهض بثقافتنا.
стр. 51
بطرس البستاني:
ويقول بطرس البستاني "الصغير" صاحب كتاب أدباء العرب الذي ظهر أول أجزائه سنة ١٩٣١، وظهر الجزء الثالث منه ذلك يتناول الأدب الحديث سنة ١٩٣٧: "نشأت النهضة في مصر قبل غيرها من الأقطار العربية، واتسعت دائرتها في زمن قصير"، ثم يذكر عوامل هذه النهضة من بعثات، ومدارس وترجمة، وينوه بقوة الحركة في زمن إسماعيل ثم يقول: "ولبثت مصر منفردة في الاستقلال بالعلوم حتى نهض رجال البعثات الأمريكية في لبنان، وأنشأوا مدارسهم، وجعلوا العربية لغة العلوم، فنقلوا إليها كتبا كثيرة في الطب والطبيعيات والرياضيات، إلا أنهم عدلوا عنها بعد حين إلى الإنجليزية، فسكنت تلك الحركة المباركة".
وفي الحق إن النهضة بلبنان لم تقو إلا بعد سنة ١٨٦٠، وأفاد اللبنانيون من تعلم اللغات الأجنبية، ومن المدارس الطائفية الخاصة التي أمدتهم باللغة العربية، بيد أن النزاع الطائفي من جهة، والاضطهاد التركي، وما صاحبه من كبت وحرمان من جهة أخرى جعل هذه البراعم الأدبية الغضة التي ابتدأت تظهر ثمة تذوى، وتذبل إلا من آثر منهم الهجرة إلى مصر، وهنا تألقوا وأفادوا واستفادوا، وكانوا عاملًا من عوامل نمو النثر، والأدب في الأرض الكنانة.
стр. 52
أثر الصحافة في تطور الأسلوب:
الوقائع المصرية:
ظلت "الوقائع المصرية" الصحيفة الوحيدة في الميدان ردحًا من الزمن، وقد كانت تحرر بالتركية أولًا، ثم بالعربية والتركية، ثم غلبت عليها العربية، وكانت على الرغم من صبغتها الرسمية تأتي ببعض طرائف الأدب، وأقاصيص من ألف ليلة وليلة، ولكنها في أخريات عهد محمد علي ظهرت بالتركية والعربية معًا، ثم احتجت في عهد عباس، وسعيد إلى أن كانت سنة ١٨٧٥ حيث نهضت من كبوتها، وأخذت تعمل على ترويج الثقافة بشتى أنواعها في عهدها الجديد، والذي يعنينا من "الوقائع" أولى الصحف العربية هو الأسلوب الذي كانت تحرر به المقالات، وتصاغ فيه الأخبار سواء كانت داخلية أو خارجية، سياسية أو اجتماعية.
لقد ظل الأسلوب المسجوع مسيطرًا على أقلام الكتاب أمدًا غير يسير، فمنذ ظهور العدد الأول منها أخذ الأدباء يحيونها بمقامات، أو مقالات مسجوعة، وهاكم مثلًا عبد الله فكري -وكان له دور في نهضة النثر سنأتي عليه بعد قليل- يرسل تحية أدبية، فينشئ من أجل ذلك مقامه يقول فيها: "ولا مرية في أن صحف الأخبار، هي الحافلة بهذه المزايا الطائلة، باستخراج فوائد الفرائد من خبايا الزوائد، فهي جهينة الأخبار، وخزينة ذخائر الأفكار، وصيقل الأذهان، ومرآة حوادث الزمان، وهي الجليس الذي تعجب نوادره، والأنيس الذي يطرب
стр. 53
حديثه من يسامره ... إلخ، ويحييها كذلك صالح مجدي تلميذ رفاعة بقوله: "من المعلوم أن راحة الأرواح تتنسم بها الأرواح، وتترنم بها في المساء والصباح، وتضيء كأنها مشكاة في مصباح١، وهي مطالعة الأخبار الدالة على الآثار المصرية، وعن أحوال التمدن المنشور العلم بلسان بفضل ألف قلم ... إلخ".
أما الخبر الذي يصف حادثًا داخليًا، فقد كان مسجوعًا غالبًا لأمد طويل، مثال ذلك ما جاء في العدد الرابع سنة ١٨٦٥: "إن أناسًا من اللئام، سفلة الأنام، ارتضوا بالخزي وارتكاب الآثام، فاستبدلوا الاشتغال بأنواع الكسب الحلال بالاشتغال بالحرام والعار، والدوران في القرى والأمصار، وكلما صادفوا أناسًا على فطرتهم وحسن نياتهم، تحيلوا على اصطيادهم بتحيلاتهم، وعملوا طرق الخديعة، والختل في سلب أموالهم بعد سلب عقولهم، بإحدى المغيبات المشهورة بين الناس بالتاتورة، فيضعونها في شيء من المأكولات، ويطعمونها أصحاب العقول الناقصة بدون شعور، وبعد الحصول على ما معهم يفرون".
وعلى هذا المنوال كان يصاغ الخبر الخارجي المترجم سواء كان سياسيًا، أو غير سياسي، ولم يكن يخلو من الكلمات الأعجمية الكثيرة، ولكنه أخذ يتخلص من السجع تدريجيًا حتى توارى بعد عام تقريبًا، وإن ظلت الكلمات الدخيلة تأتي على أقلام الكتاب إلى أن تولى تحريرها الشيخ محمد عبده سنة ١٨٨٠، فخلصها من هذه الآفة، وجعل السيادة للفصحى، فساعد بذلك على تثبيت الكلمات المترجمة في الأذهان، وإشاعتها بين المثقفين.
وكانت الوقائع تتحرك أول الأمر من نشر القصص والحكايات، وتعيبها بأنها "خرافيات قصص لا تفصح إلا عن عي بأقل وعي ناقل، مما يمجه السمع، ويأباه الطبع، من أساليب ملفقة، وأكاذيب منمقة".
стр. 54
الجوائب:
ولكنها رأت "الجوائب" تعني بهذا النوع فقلدتها، وأخذت تنشر أقصوصات رمزية، أو ذات مغزى جاء معظمها مسجوعًا مترجمًا.
ومن الألوان الأدبية التي زوجتها الوقائع، واحتفت بها تلك المقالات والخطب التي كانت تلقى في الحفلات المدرسية والحفلات العامة، ويدبجها من عرفوا بالأدب في ذياك الوقت، وقد كانت كلها على أسلوب المقامة وطريقها.
أما المقالات العلمية الخالصة، فقد اهتمت بها اهتمامًا زائدًا من مثل "حجر الفتيلة" لرفاعه، "والهيضة" للطبيب محمد الشافعي، وله مقال آخر عن "التبغ ومضاره"، وكانت هذه المقالات تختلف في أسلوبها قوة، وضعفًا تبعًا لتمكن الكاتب من اللغة، ولكن الظاهرة الغالبة عليها هي محاولتها التخلص من السجع والزخرف لغلبة الحقائق العلمية، واهتمام الكاتب بإيراد المعنى كاملًا.
ومما كان له أثر في ترويج الثقافة، وتوسيع الأفكار وإثرائها مما نضج على الأقلام والألسنة فيما بعد، وأمدها بكثير من المعلومات القيمة، نشر الكتب المفيدة مسلسلة سواء كانت أدبية أو علمية، ولا يخفى ما كان لهذا العمل من خدمة للغة، ونشرت الوقائع كذلك أخبار الرحلات والكشوف، والسياحات فوصلت المثقفين بالعالم الخارجي، وأثرت معلوماتهم، وأطلعتهم على ألوان من الحياة لا عهد لهم بها.
ولقد كان لكل هذا أثره المباشر، أو غير المباشر في تغير نظرة الأدباء إلى الحياة، فتغير أسلوب تفكيرهم، وتغيرت تبعًا لذلك طريقة كتابتهم، فتحررت الصحافة اليومية من ذلك الأسلوب المكبل بتلك القيود الثقيلة التي كانت ترزح تحتها الكتابة سواء كانت صحفية، أو غير صحفية.
ولقد كان لصدور "الجوائب" لأحمد فارس الشدياق في سنة ١٨٦١ أثر في هذا الانطلاق والتحرر؛ لأن الجوائب اصطنعت الأسلوب المرسل في الأخبار الصحفية، والمقالات، واتسعت آفاق النثر إتساعًا كبيرًا نظرًا لثقافة الشدياق
стр. 55
العميقة التي أفادها من قراءاته الكثيرة بلغات مختلفة، ولتمكنه من اللغة العربية وحذفه لأصولها، ونظرًا لكثرة تجاربه ولكثرة أسفاره، واختلاطه بمجتمعات متباينة من شرقية وغربية، وكان يغشى هذه المجتمعات، ويدرسها دراسة واعية، ناقدًا مساوئها مشيدًا بمحاسنها، وقد كتب كذلك عن هذه الأسفار عدة كتب منها: "الساق على الساق فيما هو الفارياق"، الذي قص فيه تاريخ حياته من مشاهداته، وكانت تحلو له الموازنة بين خصائص الشعوب، ومنها "كشف المخبا عن أحوال أوروبا"، "والواسطة في أخبار مالطة"، وكان الشدياق شغوفًا بتدوين هذه المشاهدات، وقد أورثته ثقافته وتجاربه تحررًا في الفكر، وسعة في الأفق، فدرجت "الجوائب" على كتابة الأخبار بالأسلوب الخالي من السجع، مع عناية باللغة، واجتهاد في وضع الكلمات العربية المقابلة للكلمات الأجنبية، ومن تلك الكلمات التي وضعتها الجوائب، ولا زلنا نستخدمها حتى اليوم المؤتمر والبريد، والباخرة، والحافلة، والأزمة المالية، والمنطاد، والسلك البرقي "تلجراف"، وعشرات غيرها.
ولنضرب مثلًا على ذلك الأسلوب الصحفي الذي سارت عليه الصحافة منذ ذلك الحين وصار لها قدرة: "إن رفض الباب العالى لإرادة أوروبا قد جعل المسألة الشرقية في صورة جديدة، وإن الديوان الإمبراطوري قد اتخذ من هذه المسألة من أول الأمر مسألة أوربية لا يمكن حلها إلا باتفاق عام مع الدول الكبار، فكل اعتبار شخصي أو منفرد وقع لدى الدول موقع الإنكار، فآلت الصعوبة إلى الدولة التركية بأن تحكم على رعية السلطان بالعدل، والإنسانية كيلًا تعرض أوروبا لمشاكل دائمة ... إلخ".
وقد اهتم الشدياق بالمقال الذي كان يكتبه في صدر الجوائب منذ السنة التاسعة من حياتها، وكان هذا المقال كذلك متحررا من السجع، والزخارف والخيالات إذا تعرض لأمور سياسية أو اجتماعية، أما إذا تعرض لأمور أدبية أو عاطفية، فإن الشدياق كان ينهج نهجًا آخر، فيحتفى بأسلوبه احتفاء بالغًا، ويأتي أحيانًا مسجوعًا، مثال ذلك قوله من مقال بعنوان الوطني المزيف: "من الناس من يبالغ في مدح وطنه، ويحن إليه حنينه، فيصف مروجه ورياضه، ومروجه
стр. 56
وحياضه ووهاده وجباله، وتلاعه وتلاله، وربوعه ودياره، ونباته وأشجاره، ويقوله وثماره، ودوحه وأطياره، وطيب هوائه ولذة، ويزعم أنه فصوله كالربيع حسنًا، وأن جميع أفكاره تتدفق بركة ويمنًا، وأن شهرًا فيه خيرًا من ألف عام في غيره.
هي البلاد التي تغزلت بها الشعراء فقال فيها فلان أبياتًا، وقال فيها فلان قصيدة غرام، وأسمع ما قيل في جداولها ونواعيرها، ويلابلها وعصافيرها، وخمائلها وأزاهيرها، وصروحها وقصورها، ومصانعها ودورها وظبائها ومراتعها.
فإن قلت: كيف جارك الأدنى؟ لعله كان عونًا وخدنا؟ قال: ويلي! إنه شر جار، وهو على البلاد عار وشنار، فكيف جاره الذي يليه؟ عسى أنه ممن تواليه وتصافه؟، وقال: ويلي إنه شر من أخيه، فكيف أهل الحارة طرًا؟ قال: ويلي إنهم كانوا كلهم علي شرًا، ولم أجد منهم إلا ضرًا فكيف أهل البلد أجمعين؟ قال: ويلي، ما منهم أمين معين، فما كأنهم خلقوا من ماء وطين، فإن قلت له: ولكن كيف اشتملت بلادكم على تلك المحاسن، وأهلها على هذه المساوئ الشوائن؟ قال: إن أهلها الأولين كانوا من الخيرين فحرثوها، وزرعوها وعمروها وأمرعوها، ثم فسد الزمان فجاءت خلفاؤهم فاسدة، لكن بقيت هذه المحاسن فيها فائدة.
ولكن ما معنى فسد الزمان، وهو لم يكن صالحًا قط منذ خلق الإنسان؟
ولو كنت من الصالحين لما رأيت في غيرك خلقًا يشين، فإنما ينظر في عيوب الناس من كان أسوأ منهم حالًا.
ومن يك ذا فم مر مريض ... يجد مرا به الماء الزلالا
كذلك قال الشاعر الحكيم، فما أنت في طعنك على بني جنسك إلا مليم، وإن امرءًا يحسب جميع أهل بلاده دونه لجدير بأن يشيعوا مفتونه، ويذيعوا جنونه، ويجتنبوا محضره، ويتنكبوا منظره فيا للعجب ممن يمدح وطنه ليرجع المدح إلى نفسه مع ذم قومه، وجنسه".
стр. 57
ومع اصطناع الشدياق السجع في مثل هذه المقالة الأدبية، إلا أنه أكسبها قوة وتشويقًا بحسن عرضه، وطريف سخريته، ومتانة حجته، وهكذا نجد الكتاب منذ عهد رفاعة والشدياق قد أخذوا يفرقون بين الأسلوب الصحفي الذي يكتب للعامة ولجمهور القراء، وبين الأسلوب الأدبي الذي يكتب للخاصة، وقد وفينا الشدياق حقه من البحث في "الأدب الحديث"، وكانت الجوائب مسرحًا لحملات صحفية جادة على التمسك بالأسلوب المسجوع في الصحافة خبرها، ومقالتها من ذلك ما نشره سليم نوفل في عدد ٢٣ من أغسطس سنة ١٨٧١ منتصرًا لأسلوب الشدياق المرسل، وناعيًا على هؤلاء الذين لا يزالون يتمسكون بأهداب القديم، ويتمسحون بأعتاب المقامات: "قد تقرر عند بعض الفصحاء من نصارى الشام، أن القافية هي ركن الفصاحة، ومحورها وغايتها حتى ذهب أحدهم إلى أن الكلام إذا كان من الفراغ، والسفسطة بحيث يستقبح النطق به لغير طفل لم يغره أكثر من أن تعلق على أطرافه، ولو تلصيقًا بالغراء أذناب متماثلة حتى ينقلب في الحال إلى ضرب من المعجزة، مثال ذلك أن يتفلسف طفل، أو مريض بالحمى فيقول في وصف كلام من تلفيقه له وزن وقافية: "وقد بزغت شمس وجه كلامي على ميزان ثرياه بين عذارى بنات الأفكار، وطلعت بدور جواهر أبياته المرصعة بمذهب غريب بناتها ... "، وما شابه ذلك من الكلام المعطل، فإذا أراد أن يطبخه فصيحًا لم يزد على أن ينفض عليه ذرة من بديع السجع، فينقلب للحال من جوامع الكلم بإذن القافية وقوتها".
وإذا كان الشدياق ومن تابعه قد حاولوا تخليص المقال الصحفي من السجع والتكلف، والجري وراء القافية والزخارف، وحرروا الكتابة الصحفية من هذه القيود، فليس معنى هذا أن هذا الأسلوب قد اختفى، بل إننا نرى الشدياق نفسه في غير المقالات الأدبية التي كان يعتني بأسلوبها، ويرتفع قلمه فيها قد كتب بعض المقامات، ونشرها في الجوائب.
ولكن مما لا ريب فيه أن أسلوبه الصحفي كان قدوة، وهو الأسلوب الذي سارت عليه الصحافة اليومية عشرات السنين إلى أن اختفت المقالة الصحفية، وحل محلها الخبر في السنوات الأخيرة.
стр. 58
لقد كانت الجوائب منتشرة في العالم العربي الإسلامي، ولذلك كان تأثيرها قويًا، بيد أننا نرى نوعًا من الصحافة سمي بالصحافة الأدبية، ولا شأن له بالسياسة، وكان من أول هذه الصحف الأدبية ظهورًا "روضة المدارس" التي ظهرت بمصر سنة ١٨٧٠ بوحي من على مبارك، وبإشراف رفاعة الطهطاوي، وقد أثرت في مقالاتها، ومقاماتها -وكثيرًا ما تخلط بينهما- ذلك الأسلوب المسجوع الموشي بالمحسنات وألوان الخيال، وروجت الشعر والقصص الموضوعة والمترجمة، وكان يحرر بها عدد من نابهي الكتاب في ذلك الحين، وتوزع على طلبة المدارس بالمجان، وقد نشرت بها كتب كثيرة مترجمة في سلاسل متتابعة، بعضها في العلوم وقليل منها في الآداب، والذي يعنينا أن الأسلوب المسجوع، وجد فيها موئلًا وملاذًا.
стр. 59
مدرسة جمال الدين الأفغاني، وأدب المقالة:
كانت الصحافة حتى مجيء جمال الدين الأفغاني إلى مصر في مارس ١٨٧١ لا تجرؤ عن الخوض في المشكلات السياسية إلا بقدر ولا تمشي إلا بحذر، متجنبة ما يغضب الأمير أو يثير الوزير، قانعة بالأخبار التي تنشرها الصحف الأجنبية، وتنقلها عنها بعد أن تمر على رقيب صارم لا يرحم، فرضه إسماعيل سوطًا لاذع الضربات على الصحافة في عهده، وكانت تكتفي بنشر المعلومات عن دول الغرب، ومجتمعاتها دون أن تتعرض لمساوئ المجتمع العربي بمصر، وغيرها وما فيه من أوضار، وفروق شاسعة في مستوى الحياة بين سكانها، وكيف كان الفقر والجهل، والمرض تفتك كلها بجمهرة أبنائها، وكيف كان المال يتفدق غزيرًا على موائد السفه بين أنامل القلة الضئيلة من قطانها، وكيف كان الأجانب يستمتعون بخيراتنا، ولا يتركون لنا سوى الفتات، ويستأثرون بثرواتنا، ونحن عندهم عبيد غير مأجورين، وخدام غير مشكورين نحس بالغربة في وطننا، ولا نجد ملجأ نلوذ به من الظلم الفادح، والضرائب المرهقة التي جعلت الفلاح يترك أرضه هربًا من فداحتها، وعجزه عن أدائها.
стр. 60
أغمضت الصحافة المصرية، وغير المصرية عيونها عن كل هذه الآفات، والمفارقات خوفًا من بطش الحكام، ويصور لنا الشيخ محمد عبده ماذا عساه يلقاه هؤلاء الذين يتجرأون على مناقشة الحكام، أو مخالفة آرائهم بقوله: "ولو حدث إنسانًا فكره السليم بأن هناك وجهة خير غير التي يوجهها إليه الحاكم لما أمكنه ذلك، فإن بجانب كل لفظ نفيًا عن الوطن، أو إزهاقًا للروح، أو تجريدًا من المال".
وكان الأدب صدى لهذه الحياة البئيسة التي تقبر فيها الحريات، وتغل العقول يتغنى بما قام به هذا الحاكم الظالم من أفعال وضيعة، يصور سيئاته حسنات. وسخافاته آيات، وحماقاته معجزات، ومن يريد من الأدباء أن يربأ بقلبه عن هذه الوضاعة لجأ إلى مقامه متخيلة، أو رسالة إخوانية من تهنئة وتغزية، ورجاء ورثاء يظهر فيها مقدرته الفنية، ويشبع غريزته الأدبية.
جاء جمال الدين إلى مصر بعد أن طوف في عديد من الممالك الإسلامية عله يجد بلدا يصلح أن يكون نواة يلتف حولها المسلمون، ليستعيدوا سالف قوتهم، وغابر مجدهم، ووجد في مصر تلك التربة الممرعة الخصيبة، فألقى بها عصا تسياره، ولم يكن قد اشتهر بآرائه السياسية، وإنما عرف عنه أنه عالم ديني ومصلح اجتماعي، فلما وجد الأمور بمصر تزداد كل يوم سوءا من سفه إسماعيل وطيشه، وبعثرته المال ذات اليمين، وذات الشمال على ملذاته وشهواته، ومصر تئن تحت الديون الباهظة، والأجانب ولا سيما إنجلترا وفرسنا يتلمظون عليها، اضطر للاشتغال بالسياسة، وانغمس فيها حتى قمة رأسه.
ولا أريد في هذا المقام أن أترجم له، وأتتبع مراحل حياته، فقد وفيته حقه في "الأدب الحديث" إنما الذي يعنينا هنا ذلك التطور الكبير الذي نماه في نفوس طائفة من الشباب الذي إلتف حوله، وتشبع بتعاليمه ووجد فيهم الروح المتوثبة والهمة الناهضة، نلمس هذا التطور في أمرين:
أولهما: الموضوعات التي طرقها الكتاب، واتخذوا من الصحافة منبرًا يذيع آراءهم، وأفكارهم على الرغم من صرامة الرقيب وشدة وطأته، تمثلت هذه
стр. 61
الموضوعات في الدفاع عن الشعوب المظلومة التي آدها حكامها عسفًا، وإرهاقًا ولم تكن تجرؤ على مراجعتهم في أمر أبرموه، ولو كان ظلما، ولا كيف تثور وتشكو وتئن وتتوجع، فناقشت هؤلاء الحكام في مدى سلطتهم، وحق الشعب في الحياة، وأن الحاكم يخطئ ويصيب، وأن مقدرات الأمة رهن يديه، فإن كان عادلًا عالمًا مصلحًا خيرًا سار بها في طريق الرشاد، وإلا ساقها إلى الهاوية، ونسمع من جمال الدين قوله يحرض الفلاح على الثورة ضد من يمتصون دمه، ويستغلون مجهوده: "أنت أيها الفلاح المسكين تشق قلب الأرض لتستنبت منها ما تسد به الرمق، وتقوم بأود العيال، فلماذا لا تشق قلب ظالمك، لماذا لا تشق قلب الذين يأكلون ثمرة أتعابك"، ويصرخ في المصريين جميعًا بقوله: "انظروا أهرام مصر، وهياكل ممفيس وآثار طيبة، ومشاهد سيوة، وحصون دمياط، فهي شاهدة بمنعة آبائكم وعزة أجدادكم هبوا من غفلتكم اصحوا من سكرتكم، وعيشوا كباقي الأمم أحرارًا سعداء".
ويدعو جمال الدين إلى الأخذ بنظام الشورى، حتى لا يستبد الحكام بالأمر دون شعوبهم، وحتى لا يتخذ الأجانب سفه هؤلاء الحكام ذريعة يتدخلون بها في شئون مصر، وقد رأينا آنفًا تلك الإشارات التي ساقها رفاعة في كتبه عن الحكم الشوري في فرنسا، ولكن النفوس لم تكن قد تهيأت بعد لتنقض غبار القرون الطويلة التي رزوحت تحتها، وهي تئن من الظلم، وتستنيم إلى الاستبداد.
وأخذ هذا النثر الحديث يحارب الاستعمار في شتى صوره، ولا سيما بعد أن أخفقت الثورة العرابية، ومنيت مصر بالاحتلال البريطاني، وتونس بالاحتلال الفرنسي، ثم الحث على إصلاح المفاسد الاجتماعية المتفشية في هذه الشعوب المغلوبة على أمرها، والتي تعاني منها الجمهرة الغالبة حتى تمت فيها صفات رديئة على مر السنين كالنفاق، والرشوة والكذب، والخداع والتراخي في العمل إلى آخر هذا الثبت الشنيع من نقائص الأمم التي منيت بالاستعمار قرونًا طويلة، فماتت فيها روح الكرامة والعزة، لذلك عمد الكتاب في هذه الحقبة إلى التشنيع على هذه الرذائل، وتبشيعها لدى أفراد الشعب كي يقلعوا عنها.
стр. 62
وجد جمال الدين بمصر طائفة من المستنيرين قل أن وجدت حينذاك في أمة عربية إسلامية، ووجد الثقافة فيها خطت خطوات واسعة، واتصلت اتصالًا قويًا بالتيار الغربي، فتشجع هؤلاء الشبباب الذين أعجبوا به وبآرائه -لأنها وجدت صدى قويًا في نفوسهم- على إنشاء الصحف وعلى الكتابة، والتعبير عن آرائهم لتكوين رأي عام حتى يمكن الإصلاح، وكان -على الرغم من أنه لم يكن عربي القلم واللسان بالنشأة- يكتب في هذه الصحف بإمضاء مستعار هو "مظهر بن وضاح"، وكان من أثر دعوته هذه أن أنشأ أديب إسحق جريدتيه مصر والتجارة، وأنشأ يعقوب بن صنوع جريدته "أبا نضارة"، وتدخل في تحرير الوقائع حين ولى أمرها الشيخ محمد عبده، فطلب إلى الكتاب أن يخوضوا في موضوعات معينة تمس الحياة الأمة في صميمها.
وثاني مظاهر هذا التطور تكوين جيل من الكتاب، متمكن من اللغة قدير على الإسهاب، وشرح المعضلات السياسية والاجتماعية، عن دراية ومعرفة وعاطفة جياشة، من غير لجوء إلى المحسنات والزخارف، خبير بتفتيق المعاني وتوليد الأفكار، ولنستمع إلى الشيخ محمد عبده يشيد بأستاذه جمال الدين، وكيف كان أثره في تطور الأسلوب النثري أداء ومعنى:
"كان أرباب العلم في الديار المصرية القادرون على الإجادة في المواضيع المختلفة، منحصرين في غدد قليل، وما كنا نعرف منهم إلا عبد الله "باشا" فكري وخيري "باشا"، ومحمد "باشا" سيد أحمد على ضعف فيه، ومصطفى "باشا"، وهي على تخصص فيه، ومن عدا هؤلاء فإما ساجعون في المراسلات الخاصة، وإما مصنفون في بعض الفنون العربية أو الفقهية وما شاكلها.
ومنذ عشر سنوات نرى كتبة في القطر المصري لا يشق غبارهم، ولا يوطأ مضمارهم، وأغلبهم أحداث في السن، شيوخ في الصنعة وما منهم إلا أخذ عنه، أو عن أحد تلاميذه أو قلد المتصلين به".
ويقول عن اقتداره على تفتيق المعاني، وخوضه في كل مشك لة تطرح أمامه خوض الخبير العالم: "كانت له سلطة على دقائق المعاني وتحديدها، وإبرازها في
стр. 63
الصورة اللائقة بها، كأن كل معنى قد خلق له، وله قوة في حل ما يعضل منها كأنه سلطان شديد البطش، فنظرة منه تفكك عقدها، وكل موضوع يلقى إليه يدخل للبحث فيه كأنه صنع يديه، فيأتي على أطرافه، ويحيط بجميع أكنافه، ويكشف ستر الغموض عنه، فيظهر المستور منه، وإذا تكلم في الفنون حكم فيها حكم الواضعين لها، ثم له في باب الشعريات قدرة على الاختراع، كأن ذهنه عالم الصنع والإبداع".
أفاد جمال الدين النثر فائدة جليلة بإرشاد تلاميذه إلى التحرر من القيود الثقيلة التي كانت ترسف فيها الكتابة الإنشائية، مما أفسد المعنى، وستر الأفكار عن الموضوع والجلاء، كما أرشدهم إلى تجنب المقدمات الطويلة التي ترهق الكاتب، والقارئ بدون طائل، وطبعي أن يصرفهم إلى الاهتمام بالمعاني؛ لأن النثر المقيد لا يتسع لهذه المعاني الجديدة العميقة، ولا يستطيع الإفصاح عنها بوضوح.
стр. 64
محمد عبده:
وإذا نظرنا إلى تلاميذ جمال الدين، وجدناهم فعلًا قد تأثروا بطريقته بعد أن كانوا من الساجعين، فهذا الشيخ محمد عبده أخذ يشق طريقه إلى الكتابة الصحيفة، وهو بعد طالب في الأزهر، فنشرت له أول مقالة بالأهرام في٢ من سبتمبر سنة ١٨٧٦، وقد أرسلها تحية للجريدة، وجاء فيها: "إنه لما نظر لدى كل قاص ودان، واشتهر بين بني نوع الإنسان أن مملكة مصر كانت في سالف الزمان، مملكة من أشهر الممالك وكعبة يؤمها كل سالك وناسك، وإذا كانت قد اختصت بتربية العلوم، وبث المعارف المتعلقة بالخصوص والعموم، وانفردت بالبراعة في الصنائع، والابتكار في أنواع البدائع، فكان أبناء العالم إذ ذاك ينتدون نداها، ويستجدون جداها، يستمطرون من الغيث قطرًا، ويستمدون من المحيط نهرًا ... إلخ".
هذه المقدمة الطويلة المسجوعة المملة، والتي تتوارد فيها الجمل الكثيرة علة المعاني القليلة حرصًا على السجع، والمحسنات اللفظية والمعنوية مع تكلف ظاهر، وأخيرًا وصل إلى الغاية من مقاله، وهي الإشادة بهذه الصحيفة حيث يقول:
стр. 65
"فيا لها من جريدة أسست قواعدها في القلوب، وامتدت مبانيها لكشف الغيوب، تنادي بمقالها وحالها: حي على الفلاح، وهلموا إلى موارد النجاح، لا تقفوا عند صورة المبنى، ولكن تجاوزوا إلى المعنى، تلك أوهام أشباح، وهذه غذاء أرواح، تلك ظواهر صور، وهذه دقائق عبر، تلك مساكن أموات، وهذه لسان سر السماوات.
ونجد كذلك مقالاته تتوالى في الأهرام على هذا النمط من الكتابة كمقالة: "فن القلم والكتابة" و"المدبر الإنساني والمدبر العقلي الروحاني"، وقد نشرت الأخيرة في٣٠ من ديسمبر سنة ١٨٧٦، ثم "العلوم الكلامية، والدعوة إلى العلوم العصرية" وغيرها، كان الشيخ في هذه الآونة طالبًا لم يتخرج في الأزهر بعد، ولكن على الرغم من هذا السجع المتكلف، فإن هذه المباحث دلت على نفس طموح محبة للإصلاح فيها جرأة ومضاء، إذ كان مما يزري بطالب العلم بالأزهر حينئذاك أن يصطنع الكتابة في الصحف السيارة، ولكن محمد عبده وجد الصحافة منبرًا عاليًا يذيع منه آراءه الإصلاحية، فلم يثنه شيء عن اتخاذه أداة لبث أفكاره، ونشر دعوته.
وكان السجع حتى هذه الآونة له منزلة في القلوب تدل على مقدرة الكاتب وبراعته، ولا ريب أن الشيخ كان يمكن لنفسه في عالم الكتابة، ولذلك آثر هذا اللون حتى لا يتهم بالعي أو التقصير، ولكنه عدل عن هذه الطريقة في الوقائع المصرية، وبتأثير من أستاذه جمال الدين الذي وجهه إلى الاهتمام بالمعاني، وبمعالجة الموضوعات الحية التي تمس الحاجة إليها، وهو وإن عدل عن السجع إلا أنه آثر الازدواج، فأنت جملة متسقة متناسبة في الطول من غير قافية، وفيها ترادف صوتي، كما نراه عمد إلى البساطة في التعبير حتى يفهمه أكبر عدد من القراء، فترك استعمال الكلمات الغريبة، وتكلف الخيال والاستعارات والتشبيهات، كما نرى في هذه المقالات كثيرًا من الكلمات العامية، كما في مقاله "حب الفقر وسفه الفلاح" المنشور في ٢٥ من نوفمبر سنة ١٨٨٠، إذا ورد فيه مثلًا "وإرادته الغير مرتبة"، وأل لا تدخل على غير لاستغراقها في الإبهام، واستعماله "البنوك" بمعنى المصارف و"القرباج" بمعنى السوط، وقد كتب تحت هذا العنوان "مرة ثانية في
стр. 66
الوقائع بتاريخ ١٨ من ديسمبر يقول في مستهلها "الاقتصاد هو فضيلة من فضائل الإنسان الجليلة، بل هو من أهمها، مدحته جميع الشرائع وبينت فوائده، وهو كغيره من الفضائل مركب من أمرين بذل وإمساك، أعني أن الاتقصاد هو التوسط في الإنفاق، بحيث لا يبسط صاحب المال يده كل البسط حتى لا يبقى فيها شيئًا، ولا يقبضها كل القبض حتى لا يخرج منها شيئًا، بل ينفق من ماله على حسب حاله، يقدم الأهم فالمهم فيدفع الضرورة، ويقيم البينة على قدر ما يناسب درجة غناه، وفقره ... إلخ".
ونراه في هذه المرحلة يعالج بعض العيوب الاجتماعية مثل المقال السابق الذي يبين فيه جهل الفلاح، واضطراره إلى الدين بالربا الفاحش، ثم مقال آخر بعنوان "المعارف"، يبين فيه فائدة العلم والقراءة، ومقال ثالث بعنوان "الرشوة"، وفيه يقول: "قد تقرر في عقول جهله العوام أن الرشوة هي السبب الوحيد للخلاص من أية جريمة يرتكبونها، فيقدم منهم على ما يخالف الأصول المتبعة، أو يخل بالأمن والسكينة، أو يهتك حرمات الحقوق، اتكالًا على ما يضمره في نفسه، من أن الرشوة كافية للنجاة من العقاب، أو الحصول على غرضه بأي وجه كان، وقد غلب على عقول العامة أن كل صاحب وظيفة ميرية، وغير ميرية لا يصح أن يقضي أمرًا في مصلحة لأحد إلا بالرشوة، ولذلك يرون أنه من الوجوب على من التمس إنجاز أي عمل يتعلق بمصلحته، أن يقدم إلى صاحب الوظيفة رشوة تبعثه على مباشرة ذلك العمل، غير ملتفت لما تطالبه به واجبات المصلحة التي انطبقت بذمته على أجر يتقاضاه في رأس كل شهر، ولذلك صار أمر الرشوة بينهم من قبل العوائد التي لا تشمئز منها طباعهم، ولا يستنكرها أحد منهم، بل كادت أن تكون من الوسائل المحمودة لنجاح المقاصد ودفع الفوائد.
إلخ"، وقد سلك فيها مسلكًا نفسيًا، وأخلاقيًا ودل على حصافة رأي وغزارة علم.
ونرى أنه قد انطلق على سجيته لا يجري وراء سجعه، ولا يتكلف البحث عن كلمة، وإنما يمعن في إيضاح فكرته ببساطة ويسر، وقد ظل يعالج مثل هذه
стр. 67
الموضوعات الأخلاقية، والعيوب الاجتماعية المتخلفة من زمن الظلم، والاستعباد حتى صارت هذه الرذائل عادات متمكنة في نفوس العامة والخاصة.
فلما شبت الثورة العرابية كان محمد عبده من المناوئين لها أول الأمر؛ لأنه كان من دعاة الإصلاح البطيء؟، وتهيئة الأمة عقليًا ونفسيًا لتتحمل تبعات الحكم، كما أنه كان سيئ الظن بأحمد عرابي، ولقد صرح بآرائه هذه في جرأة، فمن دعوته إلى الإصلاح البطيء قوله: "وإنما الحكمة أن تحفظ لها "أي الأمة" عوائدها الكلية المقررة في عقول أفرادها، ثم يطلب بعض التحسينات فيها لا تبعد منها بالمرة، فإذا اعتادوها طلب منهم ما هو أرقى بالتدريج، حتى لا يمضي زمن طويل إلا وقد انخلعوا عن عاداتهم، وأفكارهم المنحطة إلى ما هو
أرقى وأعلى من حيث لا يشعرون"، ويقول في مقال آخر منددا بالمطالبة بالدستور على يد العسكريين:
"ليس من الحكمة أن تعطي الرعية ما لم تستعد له، فذلك بمثابة تمكين القاصر في التصرف بماله قبل بلوغه سن الرشد، وكمال التربية المؤهلة والمعدة للتصرف المفيد"، ويقول مرة أخرى، وكأنه كان يتكلم بلسان القدر:
"إن الأمة لو كانت مستعدة لمشاركة الحكومة في إدارتها شئونها لما كان لطلب ذلك بالقوة العسكرية معنى، فما يطلب به رؤساء العسكرية الآن غير مشروع؛ لأنه ليس تصويرًا لاستعداد الأمة ومطلبها، ويخشى أن يجر هذا الشعب على البلاد احتلالًا أجنبيًا يسجل على مسببه اللعنة إلى يوم القيامة".
وكان يرى أن الشرق إنما ينهض على يد مستبد عادل يحكمه خمس عشرة سنة يصنع فيها ما يصنعه العقل وحده في خمسة عشر قرنًا، مستبد "يكره المتناكرين على التعارف، ويلجئ الأهل إلى التراحم، ويقهر الجيران على التناصف، يحمل الناس على رأيه في منافعهم بالرهبة، إن لم يحملوا أنفسهم على ما فيه سعادتهم بالرغبة، عادل لا يخطو خطوة إلا ونظرته الأولى إلى شعبه الذي يحكمه"، ومن سوء الحظ أن هذا كان رأيه في رياض باشا، وقد كرر رأيه هذا في عدم استعداد الأمة للدستور أكثر من مرة وبأساليب متباينة، وألح عليه إلحاحًا شديدًا متناسيًا ما قام به الحكام المستبدون في مصر من جرائم، وكان
стр. 68
آخرهم إسماعيل الذي أرهق الناس بالضرائب، إشباعًا لنزواته، وسد طلباته، حتى هجروا أرضهم هربًا من السياط والحبس ومصادرة الملك، استمعوا إليه بقول وقد ناقش عرابي في هذه القضية: "كنت معروفًا بمناوأة الفتنة، واستهجان ذلك الشعب العسكري، وتسوية رأي الطالبين لتشكيل مجلس النواب على ذلك الوجه، وبتلك الوسائل الحمقى ... مررت ببيت "طلبه" ثالث يوم عيد الفطر فسمعت جلبة، ورأيت بعضًا من صغار الضباط يجولون من جانب إلى آخر من البيت، فدخلت للزيارة، فوجدت عرابي، وجمعًا غفيرًا من الضباط، ووجدت معهم أحد أساتذة المدرسة الحربية، فجلست واستمر الحديث في وجهته، وكان موضوعه الاستبداد والحرية، وتقييد الحكومة بمجلس النواب، وأن لا سبيل للأمن على الأرواح والأموال إلا بتحويل الحكومة إلى مقيدة دستورية، فأخذت طرفًا من البحث، فأقمنا على الجدل ثلاث ساعات، وكان عرابي والأستاذ في طرف والكاتب في طرف، وهما يقولان: إن الوقت قد حان للتخلص من الاستبداد، وتقرير حكومة ثورية، والكاتب يقول: علينا أن نهتم الآن بالتربية والتعليم بضع سنين، وليس من اللائق أن نفاجئ البلاد بأمر قبل أن نستعد له، فيكون من قبيل تسليم المال للناشئ قبل بلوغ سن الرشد يفسد المال، ويفضي إلى التهلكة".
أما رأيه في عرابي فقد عبر عنه بقوله: إنه شهم في الكلام ضعيف في الحرب، أليق به أن يكون واعظًا للعوام من أن يكون زعيم أمة".
اضطر محمد عبده تحت تأثير الحوادث أن يشتغل بالسياسة على طريقته، وأن يكتب المقالات السياسية في الوقائع، ولما اشتدت الثورة، وانضمت إليها الأمة جمعاء، وجد محمد عبده نفسه مضطرًا؛ لأن يسير مع الجماعة، وبخاصة حين وجد الأمر يتعلق بكرامة الأمة بعد أن تدخل الأجانب، واستعان بهم توفيق، وصار محمد عبده قوة روحية للثورة، يأخذ المواثيق ويحرر بيانات الثورة للشعب وللدول، ويحض قومه على التجنيد، ويحمسهم للقتال ولا يدخر في سبيل ذلك وسعًا، وكان يستعين بالوقائع -وهي الجريدة الرسيمة- على نشر أفكار الثورة، وصار يرى: "إن مصر أصبحت صالحة لحكم نفسها بنفسها، وأن الثورة قد علمت الناس الاتجاه نحو المنافع العامة، فلم يعودوا في حاجة إلى تربية وتعليم".
стр. 69
ولما أخفقت الثورة سجن محمد عبده مائة يوم، ثم حكم عليه بالنفي فاتخذ بيروت ملجأ، والذي يهمنا في هذه المرحلة أمران: أولهما أن أسلوب محمد عبده قد لان وسهل، ولا سيما أسلوبه الصحفي؛ لأن الحوادث جرت بسرعة، وكان مضطرًا إلى ملاحقتها، ولم يكن لديه الوقت للتأنق، واصطناع الازدواج بله السجع؛ ولأنه كان يخاطب الجماهير، ويشرح قضايا هامة تحتاج إلى توضيح معانيه، ونراه قد استخدم الأقيسة المنطقية والبراهين، وعنى بترتيب الفكرة، وتقليبها على شتى وجوهها، وكان في كلامه حرارة الإيمان وقوة اليقين بما يكتب، وبذلك ثبتت على يديه معالم النثر الاجتماعي، والسياسي تلك التي ابتدأها رفاعة الطهطاوي، ثم أحمد فارس الشدياق.
وثانيهما أن هذا لم يكن كل ما عمله محمد عبده من أجل تطوير النثر، ولكننا نراه وقد تولى تحرير الوقائع يشرف على الكتابة الديوانية في كل مصالح الدولة، وعلى الجرائد والمجلات، وقد عنى بتصحيح الكتابة وتقويمها، ومعاقبة المقصرين في هذا الشأن سواء من كتبه الدواوين أو محرريى الصحف، وفي هذا يقول: "أول ما بدأت الجريدة بانتقاده طريقة التحرير التي كانت متبعة في النظارات والإدارات، فأخذت تبين وجه الخليل بها وإضرارها بفهم المعاني المطلوبة، ثم ترسم الطريقة المثلى التي يجب السير عليها، فلم تمض أشهر قليلة حتى ظهر فضل ذوي الإلمام باللغة العربية من موظفي الحكومة، وحضهم رؤساؤهم على مكاتبة الجريدة الرسمية، سترا لعيوب الإدارات، واضطر الجاهلون باللغة والتحرير إلى استدعاء المعلمين، أو المبادرة إلى المدارس الليلية ليتعلموا كيفية التحرير".
وقد أنذر الشيخ مرة مدير جريدة مشهور بتعطيل جريدته إذا لم يختر لها محررًا صحيح العبارة في مدة معينة، فأسرع مدير الجريدة إلى تنفيذ ما أراده الشيخ، وبهذا صار محمد عبده مشرفًا على الأداة الحكومية جميعًا، وعلى الصحافة وتحريرها.
стр. 70
وجمع محمد عبده حوله نخبة من الشباب المستنير الذين تتلمذوا عليه، وعلى أستاذه جمال الدين، وكانت قلوبهم تفيض حمية وغيره على بلادهم، وإصلاحها في شتى الوجوه منهم عبد الكريم سلمان، وسعد زغلول، وإبراهيم المويلحي، واللقاني، وأحمد عبد الغفار، وحسن الشمسي، ومحمد عبد القادر المازني، وسليم رحمي، وخليل إبراهيم وغيرهم، وقد شعر هؤلاء جميعًا وعلى رأسهم أستاذهم محمد عبده أن اللغة القومية مصدر عزة الوطن، ومجلى فخاره، وأن اللغة العربية تزخر بالكنوز التي خلفها السلف، وفي هذه الكنوز ما ينير العقول، ويبعث الهمم قوية ناهضة، ويحيى العزائم الميتة، وأنه لا بد لكي تنهض الأمة نهضة عظيمة من العناية باللغة، وتخليصها من كل شائبة، وهذا هو عبد الكريم سلمان يهيب بأبناء أمته أن يعملوا على تقوية هذه اللغة الكريمة بقوله: "قد سنحت لكم في هذه الأيام فرصة العمل، وناداكم الوطن بلسانه العربي الفصيح: بعزتي عليكم، وحقوقي لديكم، إلا ما نهضتم لتأييد لغتكم، وإعلاء شأنها، وارتفاع منارها، ليعود ذلك إليكم بالمنافع العامة، وإلى بلادكم بالتقدم والعمران".
ويحرر الشيخ محمد عبده مقالًا في الوقائع تحت عنوان "مشكلات الكتابة"، ويرى أن لغة الكتابة الديوانية صارت رموزًا، وأحاجي "مغلقة الألفاظ، غامضة
المعاني، مختلفة التراكيب، لا يقتدر المطالع على حل رموزها، ولا يتمكن من فك طلسماتها إلا بعد أن يجهد نفسه، ويمعن الفكرة، ويدقق النظر، ومع ذلك فلا يخلو الحال من الخطأ في فهم المقصود مما نواه الكاتب منهم".
أخذ هؤلاء الكتاب الذين التفوا حول محمد عبده يعالجون بحماسة كل مشكلات الوطن الاجتماعية، فلم يدعوا آفة من الآفات إلا تعرضوا لها بالنقد والعلاج، وبهذا خطت المقالة الاجتماعية على أيديهم خطوات فسيحة نحو الكمال، إذ تميزوا بالعاطفة الدافقة، والصراحة في التشخيص، والقوة في الأداء، والإخلاص في العلاج، مع غزارة الفكرة ووضوحها.
стр. 71
وإذا كان محمد عبده قد آثر في بادئ أمره أن يسير في الإصلاح على هينة، وأنه اضطر لمجاراة الأحداث فاشتغل بالسياسة حتى نفي عن وطنه، فإنه في جريدة "العروة الوثقى" التي صدرت بباريس، وكان للسيد جمال الدين فيها الفكرة ولمحمد عبده الأسلوب، قد تغيرت نغمته، وصار ذلك الوطني والسياسي المتحمس، الذي يصب شواظ غضبه على توفيق وعلى المحتل الغاصب، وعلى الخونة الذين يؤازرونه، فكانت العروة الوثقى شعلة ملتهبة متوهجة من الحماسة والآراء الحرة الجريئة، وكان طبيعيًا أن يحاربها الاستعمار خشية أن تفسد عليه تفرده بالغنيمة، وقتله الشعوب التي وقعت في قبضته، فمنعها من دخول الهند ومصر، ثم تعطلت بعد أن صدر منها ثمانية عشر عددًا.
هذا وقد كان للشيخ محمد عبده في رسائله الإخوانية، وتفريظاته أسلوب آخر غير ذلك الأسلوب الصحفي المتحرر، أسلوب يحتفى فيه بعبارته، وتصوير مشاعره تصويرًا فنيًا يدل على ذوق أدبي، وتمكن من اللغة، وعلى أنه ذو موهبة شعرية، تمده بالخيالات الطريفة والصور البيانية الجميلة، ونلمس هذا الأسلوب كذلك في وصف رحلاته العديدة، وبخاصة حين يصف منظرا من المناظر، لا حين يتكلم عن العادات والتقاليد ويوازن بينها، وبين عادات بلاده مستهجنا أو مادحًا، خذ مثلًا قوله يصف مقبرة مسينا: "ماذا أقول في وصف هذه المقبرة؟!! مدينة جميلة المناظر، بديعة المداخل، بعيدة المخارج، الداخل فيها أكثر من الخارج، قد اختير لها شجر الصنوبر زينة من بين الأشجار؛ لأنه في خضرة دائمة، وحياة مستمرة، كأن أرواح من يموت تنتقل إليه بعد مفارقة الأجساد، فهو لا يزال دائم الحياة في الصيف، وفي الشتاء والخريف والربيع، مدينة زينها الأحياء في حياتهم ليعدوها لإقامتهم -فيما يزعمون- بعد مماتهم، وهكذا من كان على يقين من الرحيل إلى دار هيأ تلك الدار للسكنى، وأعد لنفسه فيها أنواع النعيم ليطيب له المقام، ولا يقلق به المكان، لكن هل يكفي أن تزين لنفسك مقرا لجثتك، وأنت لا تدري هل تشعر هناك بما زينت، أو تؤخذ عنه إذا مت؟ فهل زينت دارًا لروحك بالطيبات، كما زينت دارًا لجثتك بالزهر والنبات؟ ".
стр. 72
وعلى الرغم من جودة هذا الأسلوب وانتقاء ألفاظه، وما فيه من خيال، فإن الشيخ قد آثر البعد عن السجع إلا ما جاء عفو الخاطر، وآثر الجمل القصيرة المزدوجة.
وربما علا في بعض رسائله حتى صارت كتابته شعرًا منثورًا، ومن ذلك رسالته التي كتبها إلى بعض إخوانه، وهو في سجن القاهرة بعد أن اتهم بالاشتراك في حوادث الثورة العرابية، وذلك في ٦ من المحرم سنة ١٣٢٠ الموافق ٢٠ من هنوفمبر سنة ١٨٨١م.
"عزيزي:
تقلدتني الليالي وهي مدبرة ... كأنني صارم في كف منهزم
هذه حالتي، اشتد ظلام الفتن حتى تجسم بل تحجر، فأخذت صخوره من مركز الأرض إلى المحيط الأعلى، واعترضت ما بين المشرق والمغرب، وامتدت إلى القطبين، فاستحجرت في طباع الناس! إذا تغلبت طبيعتها على المواد الحيوانية والإنسانية، فأصبحت قلوب الثقلين كالحجارة أو أشد قسوة، فتبارك الله أقدر الخالقين.
.......................................
رأيت نفسي اليوم في مهمة لا يأتي البصر على أطرافه، في ليلة داجية غطى فيها وجه السماء بغمام سوء، فتكاثف ركامًا، لا أرى إنسانًا، ولا أسمع ناطقًا، ولا أتوهم مجيبًا، أسمع ذئابًا، وسباعًا تزأر، وكلابًا تنبح، كلها يطلب فريسة واحدة، وهي ذات الكاتب، والتف على رجلي تنينان عظيمان، وقد خويت بطون الكل، وتحكم فيها سلطان الجوع، ومن كانت هذه حاله فهو لا ريب من الهالكين.
تقطع حبل الأمل، وانفصمت عروة الرجاء، وانحلت الثقة بالأولياء، وضل الاعتقاد بالأصفياء، وبطل القول بإجابة الدعاء، وانفطر من صدمة الباطل كبد
стр. 73
السماء، وحقت على أهل الأرض لعنة الله والملائكة، والأنبياء والناس أجمعين. سقطت الهمم، وخربت الذمم، وغاض ماء الوفاء، وطمست معالم الحق، ومزقت الشرائع، وبدلت القوانين، ولم يبق إلا هوى يتحكم، وشهوات تقضى وغيظ يحتدم، وخشونة تنفذ، تلك سنة الغدر، والله لا يهدي كيد الخائنين.
ذهب ذوو السلطة في بحور الحوادث الماضية يغوصون لطلب أصداف من الشبه، ومقذوفات من التهم، وسواقط من اللمم، ليموهوها بمياه السفسطة ويغشوها بأغشية من معادن القوة ليبرزوها في معرض السطوة، ويغشوا بها أعين الناظرين، لا يطلبون ذلك لغامض يبينونه، أو لمستور يكشفونه، أو لحق خفي فيظهرونه، أو خرق بدا فيرقعونه، أو نظام فسد فيصلحونه، كلا بل ليثبتوا أنهم في حبس من حبسوه غير مخطئين".
هذا هو الأسلوب الأدبي الذي صار طابع الرسائل الأدبية، والموضوعات الوصفية ردحًا غير قليل من الزمن امتد حتى نهاية القرن التاسع عشر، ونحن نراه موشى بالخيال، أنيق العبارة، رصينا، يأتي فيه السجع أحيانًا، ولكن بدون تكلف، وتأتي فيه ألوان البديع من غير إكراه، أو تعسف ونلمس فيه حرارة العاطفة المنبعثة هنا من ألم لما لاقاه من خيانة وعدم تقدير، ومن تحكم الأهواء.
стр. 74
أديب إسحق
...
أديب إسحاق:
ومن تلاميذ جمال الدين الذين وثبوا بالنثر وثبات عالية، وكان له فيه أثر واضح بأسلوبه الأنيق، وحماسته العارمة، وأفكاره الجريئة، ومحبته للحرية والعدل، أديب إسحاق، ظهرت براعم أدبه ببيروت حين أخذ يحرر جريدة التقدم بيد أنها لم تزدهر، ويفوح شذاها العطر إلا بعد أن نقلت إلى مصر، فتنفست هواءها، وسقيت ماءها.
كان أديب إسحاق أول أمره يسجع شأ، أدباء الشام جميعًا، ولكن سجعه كان ذا لون خاص، إذ كان يحاول أن يحاكي أدباء العباسيين، وبخاصة مدرسة
стр. 75
ابن العميد، ويعمد إلى الخيال المجنح، ويكسب كلامه قوة ما فيه من عاطفة جياشة، تفيض من قلب مليء بالإخلاص والمحبة لوطنه الكبير، وكان كذلك كثير الاقتباس من آي الذكر الحكيم، فأسبغ على كلامه طلاوة جعلت سجعه مقبولًا.
كان أديب إسحاق يحيل كل موضوع يتناوله قلمه إلى قطعة أديبه، فيها كل مقومات الأسلوب الأدبي، حتى المقالة السياسية، داخلية كانت أم خارجية دع جانبًا كلماته عن كل ما يعلى شأن الوطن قوميًا أو اجتماعيًا، وإذا كانت جريدتاه مصر، والتجارة تعدان من الصحابة اليومية السياسية، فإن روحه الأدبية وأسلوبه الجميل جعلهما مصدرًا من مصادر الأدب في تلك الحقبة.
أصدر أديب هاتين الصحيفتين بإيعاز من أستاذه جمال الدين، وما لبثنا أن تبوأنا مكانة ممتازة في عالم الصحافة الحرة الجريئة التي تسعى لخير مصر بخاصة والأمة العربية بعامة، وتقض مضاجع حاكم السوء الذي كان يتبوأ عرش مصر حينئذاك، يظاهره وزراء باعوا ضمائرهم للشيطان، ولذلك تعرضتا لسخطه ومقته، واضطر أديب بعد أن أغلقتا إلى الهجرة إلى باريس، ولكن لم تثنه الغربة ولوعة النفي عن متابعة الجهاد، فأصدر في جريدة القاهرة، وظل يصدرها على الرغم مما يلاقي من صعوبات حتى اشتدت عليه علة الصدر فغادرها إلى لبنان.
ولنستمع إليه يحدثنا عن بعض المشكلات السياسية والخارجية، من ذلك حديثه عن مؤتمر برلين سنة ١٨٧٨، وفيه يقول: "وهذه الدولة العثمانية قد أكرهت على ما تكره، وتضامنت لحكم الزمان، فتقلص ظل مجدها، وأقل نجم سعدها وأصبحت بين الروسية، وإنجلترا كالسفينة بين عاصفتين، فلجأت إلى الثانية رجاء أن تشد أزرها، وتؤيد أمرها، فكانت كالمستجير بالنار من الرمضاء، إذا استولت إنجلترا على أحسن جزائرها، وقبضت على زمام الإدارة في بلادهم الآسيوية، وألقت الوحشة بينها وبين دولة إسلامية مهمة، وجعلتها بين داخلية ممزقة بالفتن، وخارجية مشوهة بالعداوة والإحن".