← Адаб

Адаб · id 12116

نشأة النثر الحديث وتطوره

عمر الدسوقي

Полный текст (272 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وإذا كان محمد عبده قد آثر في بادئ أمره أن يسير في الإصلاح على هينة، وأنه اضطر لمجاراة الأحداث فاشتغل بالسياسة حتى نفي عن وطنه، فإنه في جريدة "العروة الوثقى" التي صدرت بباريس، وكان للسيد جمال الدين فيها الفكرة ولمحمد عبده الأسلوب، قد تغيرت نغمته، وصار ذلك الوطني والسياسي المتحمس، الذي يصب شواظ غضبه على توفيق وعلى المحتل الغاصب، وعلى الخونة الذين يؤازرونه، فكانت العروة الوثقى شعلة ملتهبة متوهجة من الحماسة والآراء الحرة الجريئة، وكان طبيعيًا أن يحاربها الاستعمار خشية أن تفسد عليه تفرده بالغنيمة، وقتله الشعوب التي وقعت في قبضته، فمنعها من دخول الهند ومصر، ثم تعطلت بعد أن صدر منها ثمانية عشر عددًا. هذا وقد كان للشيخ محمد عبده في رسائله الإخوانية، وتفريظاته أسلوب آخر غير ذلك الأسلوب الصحفي المتحرر، أسلوب يحتفى فيه بعبارته، وتصوير مشاعره تصويرًا فنيًا يدل على ذوق أدبي، وتمكن من اللغة، وعلى أنه ذو موهبة شعرية، تمده بالخيالات الطريفة والصور البيانية الجميلة، ونلمس هذا الأسلوب كذلك في وصف رحلاته العديدة، وبخاصة حين يصف منظرا من المناظر، لا حين يتكلم عن العادات والتقاليد ويوازن بينها، وبين عادات بلاده مستهجنا أو مادحًا، خذ مثلًا قوله يصف مقبرة مسينا: "ماذا أقول في وصف هذه المقبرة؟!! مدينة جميلة المناظر، بديعة المداخل، بعيدة المخارج، الداخل فيها أكثر من الخارج، قد اختير لها شجر الصنوبر زينة من بين الأشجار؛ لأنه في خضرة دائمة، وحياة مستمرة، كأن أرواح من يموت تنتقل إليه بعد مفارقة الأجساد، فهو لا يزال دائم الحياة في الصيف، وفي الشتاء والخريف والربيع، مدينة زينها الأحياء في حياتهم ليعدوها لإقامتهم -فيما يزعمون- بعد مماتهم، وهكذا من كان على يقين من الرحيل إلى دار هيأ تلك الدار للسكنى، وأعد لنفسه فيها أنواع النعيم ليطيب له المقام، ولا يقلق به المكان، لكن هل يكفي أن تزين لنفسك مقرا لجثتك، وأنت لا تدري هل تشعر هناك بما زينت، أو تؤخذ عنه إذا مت؟ فهل زينت دارًا لروحك بالطيبات، كما زينت دارًا لجثتك بالزهر والنبات؟ ".

стр. 72

وعلى الرغم من جودة هذا الأسلوب وانتقاء ألفاظه، وما فيه من خيال، فإن الشيخ قد آثر البعد عن السجع إلا ما جاء عفو الخاطر، وآثر الجمل القصيرة المزدوجة. وربما علا في بعض رسائله حتى صارت كتابته شعرًا منثورًا، ومن ذلك رسالته التي كتبها إلى بعض إخوانه، وهو في سجن القاهرة بعد أن اتهم بالاشتراك في حوادث الثورة العرابية، وذلك في ٦ من المحرم سنة ١٣٢٠ الموافق ٢٠ من هنوفمبر سنة ١٨٨١م. "عزيزي: تقلدتني الليالي وهي مدبرة ... كأنني صارم في كف منهزم هذه حالتي، اشتد ظلام الفتن حتى تجسم بل تحجر، فأخذت صخوره من مركز الأرض إلى المحيط الأعلى، واعترضت ما بين المشرق والمغرب، وامتدت إلى القطبين، فاستحجرت في طباع الناس! إذا تغلبت طبيعتها على المواد الحيوانية والإنسانية، فأصبحت قلوب الثقلين كالحجارة أو أشد قسوة، فتبارك الله أقدر الخالقين. ....................................... رأيت نفسي اليوم في مهمة لا يأتي البصر على أطرافه، في ليلة داجية غطى فيها وجه السماء بغمام سوء، فتكاثف ركامًا، لا أرى إنسانًا، ولا أسمع ناطقًا، ولا أتوهم مجيبًا، أسمع ذئابًا، وسباعًا تزأر، وكلابًا تنبح، كلها يطلب فريسة واحدة، وهي ذات الكاتب، والتف على رجلي تنينان عظيمان، وقد خويت بطون الكل، وتحكم فيها سلطان الجوع، ومن كانت هذه حاله فهو لا ريب من الهالكين. تقطع حبل الأمل، وانفصمت عروة الرجاء، وانحلت الثقة بالأولياء، وضل الاعتقاد بالأصفياء، وبطل القول بإجابة الدعاء، وانفطر من صدمة الباطل كبد

стр. 73

السماء، وحقت على أهل الأرض لعنة الله والملائكة، والأنبياء والناس أجمعين. سقطت الهمم، وخربت الذمم، وغاض ماء الوفاء، وطمست معالم الحق، ومزقت الشرائع، وبدلت القوانين، ولم يبق إلا هوى يتحكم، وشهوات تقضى وغيظ يحتدم، وخشونة تنفذ، تلك سنة الغدر، والله لا يهدي كيد الخائنين. ذهب ذوو السلطة في بحور الحوادث الماضية يغوصون لطلب أصداف من الشبه، ومقذوفات من التهم، وسواقط من اللمم، ليموهوها بمياه السفسطة ويغشوها بأغشية من معادن القوة ليبرزوها في معرض السطوة، ويغشوا بها أعين الناظرين، لا يطلبون ذلك لغامض يبينونه، أو لمستور يكشفونه، أو لحق خفي فيظهرونه، أو خرق بدا فيرقعونه، أو نظام فسد فيصلحونه، كلا بل ليثبتوا أنهم في حبس من حبسوه غير مخطئين". هذا هو الأسلوب الأدبي الذي صار طابع الرسائل الأدبية، والموضوعات الوصفية ردحًا غير قليل من الزمن امتد حتى نهاية القرن التاسع عشر، ونحن نراه موشى بالخيال، أنيق العبارة، رصينا، يأتي فيه السجع أحيانًا، ولكن بدون تكلف، وتأتي فيه ألوان البديع من غير إكراه، أو تعسف ونلمس فيه حرارة العاطفة المنبعثة هنا من ألم لما لاقاه من خيانة وعدم تقدير، ومن تحكم الأهواء.

стр. 74

أديب إسحق ... أديب إسحاق: ومن تلاميذ جمال الدين الذين وثبوا بالنثر وثبات عالية، وكان له فيه أثر واضح بأسلوبه الأنيق، وحماسته العارمة، وأفكاره الجريئة، ومحبته للحرية والعدل، أديب إسحاق، ظهرت براعم أدبه ببيروت حين أخذ يحرر جريدة التقدم بيد أنها لم تزدهر، ويفوح شذاها العطر إلا بعد أن نقلت إلى مصر، فتنفست هواءها، وسقيت ماءها. كان أديب إسحاق أول أمره يسجع شأ، أدباء الشام جميعًا، ولكن سجعه كان ذا لون خاص، إذ كان يحاول أن يحاكي أدباء العباسيين، وبخاصة مدرسة

стр. 75

ابن العميد، ويعمد إلى الخيال المجنح، ويكسب كلامه قوة ما فيه من عاطفة جياشة، تفيض من قلب مليء بالإخلاص والمحبة لوطنه الكبير، وكان كذلك كثير الاقتباس من آي الذكر الحكيم، فأسبغ على كلامه طلاوة جعلت سجعه مقبولًا. كان أديب إسحاق يحيل كل موضوع يتناوله قلمه إلى قطعة أديبه، فيها كل مقومات الأسلوب الأدبي، حتى المقالة السياسية، داخلية كانت أم خارجية دع جانبًا كلماته عن كل ما يعلى شأن الوطن قوميًا أو اجتماعيًا، وإذا كانت جريدتاه مصر، والتجارة تعدان من الصحابة اليومية السياسية، فإن روحه الأدبية وأسلوبه الجميل جعلهما مصدرًا من مصادر الأدب في تلك الحقبة. أصدر أديب هاتين الصحيفتين بإيعاز من أستاذه جمال الدين، وما لبثنا أن تبوأنا مكانة ممتازة في عالم الصحافة الحرة الجريئة التي تسعى لخير مصر بخاصة والأمة العربية بعامة، وتقض مضاجع حاكم السوء الذي كان يتبوأ عرش مصر حينئذاك، يظاهره وزراء باعوا ضمائرهم للشيطان، ولذلك تعرضتا لسخطه ومقته، واضطر أديب بعد أن أغلقتا إلى الهجرة إلى باريس، ولكن لم تثنه الغربة ولوعة النفي عن متابعة الجهاد، فأصدر في جريدة القاهرة، وظل يصدرها على الرغم مما يلاقي من صعوبات حتى اشتدت عليه علة الصدر فغادرها إلى لبنان. ولنستمع إليه يحدثنا عن بعض المشكلات السياسية والخارجية، من ذلك حديثه عن مؤتمر برلين سنة ١٨٧٨، وفيه يقول: "وهذه الدولة العثمانية قد أكرهت على ما تكره، وتضامنت لحكم الزمان، فتقلص ظل مجدها، وأقل نجم سعدها وأصبحت بين الروسية، وإنجلترا كالسفينة بين عاصفتين، فلجأت إلى الثانية رجاء أن تشد أزرها، وتؤيد أمرها، فكانت كالمستجير بالنار من الرمضاء، إذا استولت إنجلترا على أحسن جزائرها، وقبضت على زمام الإدارة في بلادهم الآسيوية، وألقت الوحشة بينها وبين دولة إسلامية مهمة، وجعلتها بين داخلية ممزقة بالفتن، وخارجية مشوهة بالعداوة والإحن".

стр. 76

ولنستمع إليه مرة ثانية يحدثنا عن بعض الشئون الداخلية عقب سقوط وزارة رياض، وتولية شريف، وكان رياض من ألد أعداء الصحافة الحرة والأقلام الجريئة، وقد سقطت وزارته حين أمر بفض مجلس النواب، فلما جاء شريف ألغى هذا الأمر فحياه أديب بمقال استهله بقوله: ولي وطن آليت ألا أبيعه ... وألا أرى غيري له الدهر مالكا ثم يقول فيه للمصريين: "لقد نهضتم من ورطة الذل بما تم لكم من إقامة الحكومة الوطنية، وتأييد الهيئة الثورية، فصار الأمر منكم وإليكم، وتبعته لكم وعليكم، لتنظروا إلى مستقبلكم نظر الآمن، وتستعملوا ما حصل لكم من الحقوق، وما رد إليكم من الحرية فيما يجلب لكم الخير، ويدفع عنكم الضير، ولا تكونوا كمن وجد كنزًا فأدهشه المال، فلم يودعه مكانًا أمينًا، فأتاه السارق على غرة، فأفاق يطلب الكنز فرأى الأرض قفرًا والمزار بعيدًا". وقال أديب يوم افتتاح مجلس النواب سنة ١٨٨١، معبرًا عن فرحته منددًا بمحرر جريدة البرهان الشيخ حمزة فتح الله حين دعا إلى حكم الفرد: صفحا لهذا الدهر عن هفواته ... إن كان هذا اليوم حسناته وكيف لا؟ وهو حاجة النفس، وأمنية القلب، منذ توجه الخاطر إلى السياسة الوطنية، وانصرف العزم إلى إحياء الهمم، وانعقدت النية على حفظ الحقوق، واتحدت الوجهة في القيام بالواجبات، وهو النشأة التي كست الوطن رداء الفتوة قشيبا، وهو البغية التي غرست للأخمة غصن الأمل رطيبًا، وهو ما رجوناه زمانه، ودافعنا الزمن فيه، وتمنيناه أعوامًا، وغالبنا الحدثان عليه، فيا حسنه من يوم رد فائت البهاء، وأحيا ميت الرجاء وأعاد شباب الأمة، وسدل ستور النعمة، وأظهر مقاصد الأمير، وأيد مساعي الوزير، وقضى لبانات النبهاء، وحقق أماني النزهاء". ولنستمع إليه كذلك يقول عن الحزب الوطني الذي أنشئ في أوائل عهد توفيق وما يتعلق به من أماني، موضحًا سياسته، وأنه "يريد أن يكون المصري في

стр. 77

مقام الإنسان، مستقلًا بوجوده، متمتعًا باستقلاله، فائزًا بحقوقه ناهضًا بواجباته، وتريدونه بمنزلة الحيوان، يساق للموت، فإن عجز فللسلخ، ويطلب أن يكون الوطني آمنًا في داره، مساويًا لجاره، يستغل زرعه، ويستدر ضرعه، وتلتمسون أن يكون غريبًا في آله، مصادرًا بماله، يطعم من يحرمه، ويؤمن من يروعه، ويحفظ من يضيعه": فِإذا عطلت جريدة النهار لحملاتها القاسية على رياض ساق إلينا أديب هذا الخبر في أسلوب عال، مفصحًا عن شعوره إزاء هذا التعطيل، منوها بما أوتي من عزم وجلد، وثبات للشدائد، وفي ذلك يقول: "ولئن ساءنا أن جاءنا ذلك الإخطار بلوم، وعقاب أليم، لقد سرنا أن تكون الجرائد موضعًا للنظر، ومجالًا للنقد، ولم نر في القصاص شيئًا يستعين به اللائم، أو مصابًا يعتضد به الشامت، فإن التجارة تحسب حب الوطن دينا، والمدافعة عنه جهادًا، فإن عاشت فهي سعيدة، وإن ماتت فهي شهيدة، ولقد أتاها الله النعمتين، وأتاح لها الحسنيين، فعاشت به، وماتت عليه، وستبعث بعد أسبوعين، رافلة في ثوب الشهادة، مزينة بحلى السعادة، على الرغم من أنوف حاسديها، الذين أولوا كلامنا إلى ما لا نقصد، وسعوا فيها بما لم يخطر على قلوبنا، وحاولوا إطفاء نور الحق، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره المبطلون". وقد لا يروق هذا الأسلوب كتاب الصحافة اليوم، ولكن "أديب" كما ذكرنا كان يسلك دائمًا المسلك الخطابي الحماسي في كل ما يتناوله من موضوعات، ويضفي عليه من طلاوة أسلوبه، ما يحيله إلى قطعة أدبية يسجع، ويزاوج، وينتقي الكلمات ذات الجرس الموسيقي المناسب للموضوع، ولجارتها من الكلمات، مع عاطفة حارة دائمًا تسبغ على الكلام قوة وحيوية مع بعض ألوان من الخيال والأمثال. وتراه وهو في باريس لا تنسيه الغربة مصر، بل يكتب في "القاهرة" معبرًا عن حبه لمصر، وعن ذكرياته بها، ولا بدع ففيها ر فع ذكره، وشهر أمره، وقدر

стр. 78

أدبه، وعلا قدره، وتفتحت مواهبه، ولذلك يقول عنها وهو في غربته: "مصر، ولا حياء في الحب، بلد تركت فيه زهرة أيام الشباب، وخلفت غرس الآداب، وهززت غصن الأماني رطيبًا، وليست ثوب الآمال قشيبًا، فما عدلت بي عن حبها النكبة، ولا أنستني عهدها الغربة، ولست أول محب زاده الحب وجدا، ولم ينكث على العهد عهدًا، فحذار أهل مصر فإن العدو لكم بالمرصاد، وإنكم لمحفوفون بالعيون والأرصاد". ومع أن هذا الكلام مسجوع، فإن غير مصطنع أو متكلف، وإن وردت فيه عبارات محفوظة كثيرًا ما نراه يرددها مثل "غصن الأماني الرطيب، وثوب الآمال القشيب". وتراه أحيانًا وهو في غربته، يذوب أسى وكمدا حينما يوازن بين ما يراه من نعمة سابغة يتقلب فيها الفلاح الفرنسي، وما يلاقيه فلاح مصري في سبيل ما يقيم الأود، ويسد المسغبة من ذل وإرهاق، وكيف يعيش عيشة الحرمان قريبًا من عيشة الحيوان، مثل قوله تحت عنوان "نفثة مصدور": "وأنا تحت سماء الإنصاف على أرض الراحة بين أهل الحرية أسمع ألحانًا في مجلس العدل، فأذكر قومي في مجالس الظلمة، وتحت سياط الجلادين، فأنوح نوح الثاكلات، وأرى علائم النعمة في معاهد المساواة، فأذكر شقاء سربي في ربوع الظلمة، فأذرف الدمع ممتزجًا بسواد القلب فأكت إليهم: يا قوم! ظلمتم غير معذورين وصبرتم غير مأجورين، وسعيتم غير مشكورين، فهلكتم غير مأسوف عليكم، تصبرون على الظلم حتى يحسبه الناظر عدلًا، وتبتسمون للقيد حتى يظنه الناقد حليًا، وتخفضون للظالمين جناح الذل، حتى يقول من يراكم ما هؤلاء بشرًا إن هؤلاء إلا آلة سخرت للناس يفلحون بها الأرض ويزرعون، يقلب الجائرون عليكم أنواع المكايد وأصناف الحيل، وألوان الخداهع فيما يختلسون، كما تقلب المشعوذة لدى الأطفال أوجه الودعات في استخراج ما يضمرون. رأيت فلاحهم في حقله الصغير يتناول الطعام أكلًا مريئًا، وينام القيلولة نومًا هنيئًا، ويأوي إلى البيت فيأكل بين عائلته، ويتلو عليهم صحيفة النهار، ثم

стр. 79

ينام ملء غينيه، لا يحلم بسوط المأمور، ولا يتصور عصا الشيخ، ولا يتذكر حبس المدير، فتخيلتكم بين السواقي، والأنهار تشتغلون سحابه اليوم لتجتمعوا على القصعة السوداء، فتلتهموا فئات الشعير، وتنكبوا على الترع فتشربوا الماء الكدر، تعودون إلى الأرض المريعة تزرعونها، والغلة الوفيرة تحصدونها، لتنصرفوا إلى أكواخ بالية تشبه قبورًا توالت عليها السنون، فيجتمع من حولكم صغار لا تعرف أبدانهم الوفاء، ونساء تعوضن الأقذار عن الكساء، ثم يأتيكم المأمور سالبًا، والشيخ غاضبًا، والمدير ناهيًا، فأنتم في بلاء مستقر، وعناء مستمر، تحصدون البر ولا تأكلون، وتملكون الأرض ولا تسكنون". فهذا تصوير أدبي رافع لحال الفلاح المصري الزرية، وكيف كان يستغله السادة، وكيف استنام للذل، ورضى بالعيش الدون مع لمحة خاطفة عن حال الفلاح الفرنسي، وما يتمتع به من ألوان الهناءة، وفي ذلك تحريض ولا شك لفلاحي مصر كي يخلعوا نير العبودية، وينشدوا حياة أقوم وأحسن. ونلحظ في هذا النص أنه أكثر من استخدام الطباق، وأنه كان يعتمد الإتيان به، وأن بعض استعاراته ليست مطبوعة، وإنما عليها مسحة من التكلف مثل قوله: "فأذكر شقاء سربي في ربوع الظلمة، فأذرف الدمع ممزوجًا بسواد القلب"، ومع هذا فالنص في جملته قوى ولا سيما تلك العبارات التي اتكأ فيها على الجمل القرآنية. ولكن أديب حاول التخلص من السجع، وبخاصة في نثره الصحفي، وإن ظلت عبارته مرتفعة، بل نراه أحيانًا ينعى على السجع وتكلفه، ويدعو إلى النثر المرسل، ولعل هذا كان بتأثير من أستاذه جمال الدين، أو؛ لأنه رأى أن السجع يفوت عليه المعنى المراد، ويدعوه إلى التكلف وترديد عبارات محفوظة، وفي هذا يقول من مقال بعنوان، "صناعة الكتابة". والنثر هو الكلام المطلق المرسل عفو القريحة بلا كلفة، ولا صنعة إلا ما يكون من وضع الكلام في مواضعه، وإيثار ما يألفه السمع والطبع منه فهو من هذه الوجهة مقدم على سائر أنواع الكلام، بل هو الأصل في الإنشاء، وما سواه فرع

стр. 80

منه، فإنه طبيعي أصيل، وما دونه صناعي حادث، والأصل في الطبيعة لا محالة، يدل على أن هذا الكلام المقفي الذي يسمونه سجعًا لا يكاد يوجد في غير اللسان العربي، فلو كان طبيعيًا لوجب أن يكون في جميع اللغات، أو في المعدودة منها أصولًا على الأقل. ويبين لنا المواطن التي يحسن فيها السجع كما يرى فيقول: وهو وإن حسن في بعض الأماكن كصدور الخطب، ومقاطع الكلام بما فيه من تناسب الألفاظ وتناسب الفواصل التي يحسن وقعها في الأسماع، إلا أنه في الجملة دون المرسل البليغ بهجة وصفاء، وموافقة لمقتضى الحال، لقيد الكاتب فيه بلفظ لا بد منه أو من أخيه، فلا ينبغي استعماله في بيان الحقائق العلمية، ولا في إيضاح الأصول الأدبية، ولا في غير ذلك من مواضع النقد والسرد إلا إذا جاء عفوًا غير مقصود بالذات". وأورد أديب ما ذكره ابن خلدون عن السجع وكيف نشأ، وكيف صار صنعة وتكلفًا، وأبدى إعجابه برأي ابن خلدون وذكر نموذجًا من كتابته المرسلة تأييدًا لهذا الرأي الجديد، ثم يقول: "وجل كلام ابن خلدون ولا سيما في مقدمة تاريخه على هذا النحو من السلامة، ومناعة التكلف". وذكر بعد هذا رأي علي بن الرماني في وصف البلاغة، وأنها: "ما حط التكلف عنه وبنى على التبيين، وكانت الفائدة أغلب عليه من القافية، وجمع سهولة المخرج من قرب المتناول، وعذوبة اللفظ مع رشاقة المعنى". ثم ذكر بعض ما استحسنه من الكلام المسجوع كمقامات الحريري، ورسائل بديع الزمان الهمذاني، وقطع كثيرة للقاضي الفاضل، وجملة غير يسيرة لكتاب مصر من بعدهم إلى انقراض الدولة الفاطمية. ثم اشتد في حملته على الموروث من هذا السجع حتى عصره فقال: "ولم يدخل هذا السجع كلام القدماء في الجاهلية، وصدر الإسلام إلا ما كان منه عفو القريحة، فواصل غير مقفاة، أو يعزى إلى الكهان، والمشعوذين مما يراد به الإيهام والإبهام، فلما استولت العجمة على الألسن، وضعفت قوة الاختراع في الأذهان

стр. 81

سرى داؤه في المكاتبة إلى هذا العهد، فعدل الكتاب عن الكلام الفحل واللفظ الساذج، والأسلوب الطبيعي إلى هذه الأسجاع الملفقة البالية، يتناقلونها خلفًا عن سلف، ويطيلون بها الكلام بلا طائل سترًا لقصورهم في ابتداه المعاني، وإيضاح وقائع الحال من طريقة البلاغة والإيجاز، حتى صارت من العادات، وحصلت بين الملكات، فدخلت في المراسلات الإخوانية، والمكاتبات من الملوك والأمراء في عظائم الأمور، وسقط من ورائها الكلام المرسل إلى غاية السفالة والركاكة، فصار ما يكتب منه رطانة يفهمها بعض الجهلاء، وتعمى على الراسخين في العلم". ثم بين لنا بعد هذه الطريقة التي يرتضيها متخذًا من نصيحة ابن أبي الإصبع نهجًا يسلكه، قال ابن أبي الإصبع: "لا تجعل كلامك كله مبنيًا على السجع، فتظهر عليه الكلفة، ويتبين فهي أثر المشقة، وتتكلف لأجل السجع ارتكاب المعنى الساقط واللفظ النازل، وربما استدعيت كلمة للقطع رغبة في السجع، فجاءت نافرة من أخواتها قلقة في مكانها، بل اصرف كل النظر إلى تجويد الألفاظ وصحة المعاني، واجهد في تقويم المباني، فإن جاء الكلام مسجوعًا عفوًا من غير قصد، وتشابهت مقاطعه من غير كسب كان، وإن عز ذلك فاتركه، وإن اختلفت أسجاعه وتباينت مقاطعه، فقد كان المتقدمون لا يحتفلون بسجع جملة، ولا يتقصدونه إلا ما أتت به الفصاحة في أثناء الكلام، واتفق من غير قصد ولا اكتساب، وإنما كانت كلماتهم متوازنة، وألفاظهم متساوية، ومعانيهم لاصقة، وعبارتهم رائقة، وفصولهم متقابلة وجعل كلامهم متماثلة". وقد رأينا من النماذج التي أوردناها لأديب أنه كان يوافق أحيانًا في سلوك هذا النهج، فيأتي كلامه في القطعة الواحدة مسجوعًا وغير مسجوع، ولكنه يختار كلماته بدقة، متناسبة في جرسها، وتأتي جملة قصيرة الفواصل إن لم تكن مسجوعة، ففيها ازدواج وهوة الترادف الصوتي شأن الأسلوب الخطابي الممتاز لا يوفق أحيانًا، فتأتي سجعاته متكلفة وإن كان ذلك نادرًا، وإن كفلت؟؟؟ وبديع خياله لكلامه في عمومه شيئًا من الطلاوة والجمال.

стр. 82

ولم يكتف أديب في مقاله هذا عن صناعة الكتابة بالوقوف عند حد الأسلوب، ولكنه تكلم عن الكاتب وصفاته، وبين أن ما ذكره الأقدمون من شروط يجب أن تتوفر في الكاتب صالحة لزمانهم، وأما ما يشترطه هو في الكاتب "فهو من جهة الأدب: الاجتهاد والثبات، والاستقامة، ورعاية الحقوق، وحفظ الواجبات، ومؤدى قول الحكيم الفرنسي الموجه إلى كل الناس: ذاتك احفظ وتفقه واعتدل ... واحي للناس ليحي للناس لك فهو هنا يخرج بالكتابة الفنية إلى معنى جديد، ويبعدها عن الذاتية، ويريد من الكاتب أن يشغل نفسه بقضايا قومه وما يهمهم في حياتهم، مع الاعتدال، والتمكن من أصول الصنعة، واحترام النفس ومراعاتها وحفظها. ولا بد للكاتب أن يعلم أصول اللغة ليعصم لسانه عن الخطأ ما أمكنت العصمة لإنسان، ويكون على حظ من العلم والأدب. ولأديب إسحق بجانب ميادينه القومية، والسياسية قطع نثرية وصفية تتناول أحيانًا أمورًا معنوية وأحيانًا أمورًا مادية، فيقول مثلًا عن الحرب: "عرف الإنسان مضار الحرب ولم يتجنبها، فهل تلك طبيعة وجدت في كيانه الحيواني أم عادة تمكنت فيه بالاستمرار، فصارت ملكه يتعذر التخلص منها، وهي مسألة تؤدي إلى النظر في: هل طبع على الخير أو الشر، أو كان من عجائبه أن اجتمع فيه النقيضان، يجني على نفسه الحرب وهي بلية، حتى إذا بلغت منه مبلغها بادر إلى تخفيف مضارها، فمنه الداء والدواء، والسم والدرياق، وهو بالجملة أو العجب، أما تراه قد فتح في القرن التاسع عشر سوق حرب، راجت فيها النفوس، ولم يكن السياق أو البسوس، وإنما هي ثمرة الهوى ونتيجة للغرور، فلما أنشبت فيها أظفارها وأضرمت في حماه نارها، طلب الماء لإطفاء اللهيب فهو الهادم والباني، والزارع، والجاني". ويقول عن جرحى الحرب وما يعانون في أسلوب تتراكم فيه الاستعارات والتشابيه، فناء بها ونبا عن الذوق السليم: "في معترك أو مضت فيه بروق

стр. 83

المرهفات، ولعلعت رعود المدافع، فتلتها غيوث الكرات، وسكرت السيوف بخمر من الدم فعربدت في الرءوس، وعقد العثير لملك الموت سرادق مطنبة بالقنا، والخيل ساغبة تقبل ثقالًا وتعود خفافًا، وكأنها وقد أعياها الفارس حربًا قد غضبت على الإنسان فداست هامه انتقامًا، وقد استحيت الشمس من خشونة الإنسان، فاحتجبت بحجاب الضباب، وتململت الأرض من أعماله فزلزلت زلزالها، وكادت تخرج أثقالها، فارتعد الرعديد وثبت الصنديد، ونادى منادي الحرب: من فر من الموت في الموت وقع، ومن كان ينوي أهله فلا رجع ... إلخ". فتلك الاستعارات والتشابيه المتلاحقة كالحلى المكدسة من غير ذوق، أو نظام على صدر فتاة تغض من جمالها وتزري بشأنها بدلًا من أن يزيد من مفاتنها وتبرز من محاسنها، أو كالألوان المتراكمة الصارخة على صفحة الصورة لا توضح سماتها، وتجلي معالمها وإنما تزيدها غموضًا. لقد كان أديب يلجأ إلى هذا الأسلوب الغاص بالأخيلة حين يشتد انفعاله، وحين يدبج قطعة أدبية كتلك التي كتبها يطري عيشة الخلاء وفيها يقول: "لقد سكن الهواء، وفتر الماء، ووقعت سهام الشمس على الرأس، وثقلت وطأة الليل على النفس، فما لطلاب الهناء سوى الخلاء، وما لإخوان الصفا غير القضاء، فاهجر هواجر الحواضر، وذر مفاسد المحاشد، وسر بي بسرب الآداب، وصحبة أولي الألباب، نلتمس في الجبال نسيمًا بليلًا، وفي الأودية ظلًا ظليلًا". فالسجع والاستعارات، وتعمد المحسنات ولا سيما الجناس غير التام ظاهرة واضحة في مثل هذه القطع الأدبية، وكثيرًا ما كان يطرزها بأبيات من الشعر. ومثل ذلك ما كتبه في مجاعة حلت عام ١٨٨٠ حيث يقول: "هو الظلم حتى تمطر السماء بلاء، فتنبت الأرض عناء، فلا تجد على سطحها إلا جسومًا ضاوية في ديار خاوية، وقلوبًا تحترق في بلاد تحت رق، وهو الجهل حتى تضيع الأخطار، وتفنى الأقدار، وتبطل الهمم، وتزول القيم، ويعفو العلم. ويدرس الفهم، ويستعلي الخامل، ويستولي الجاهل، وتنخفض الرءوس وتنقبض الأنفس وحتى نرى:

стр. 84

بكل أرض في شرقنا أمم ... ترعى بعبد كأنها غنم يستخشن الخز حين يلمسه ... وكان يبرى بظفره القلم لقد مثل أديب مرحلة هامة من مراحل تطور النثر الحديث، في أسلوبه القوى وكلامه الطلي، وخروجه بالأدب عن الذاتية إلى الموضوعية، وجعله كل شئون الحياة مجالًا لقلمه، واهتمامه بالفكرة بجانب العبارة، وبمحاولته في المقال الصحفي الابتعاد عن السجع إلا ما جاء عفو الخاطر، والارتفاع به إلى المستوى الأدبي الرفيع، ووضعه أصولًا وقواعد للمقالة الأدبية بعد أن كان الكتاب لا يفرقون بين المقالة والمقامة، وحتى بعد أن عرفوا المقالة الحديثة، كانوا يستهلونها بمقدمات تستهلك جزءًا من طاقة الكاتب والقارئ، ويطيلها بعضهم حتى تبلغ العشرين صفحة، ويتناول أحدهم قلمه ويتكره على سجيته مقتفيًا أثر انفعاله، فيسيح بنا سياحة وجدانية، ويستطرد إلى شتى الميادين، وقد يلذ لنا ما يكتب ولكن لا نكاد ننتهي من القراءة حتى لا نجد وحدة تجمع شتات الموضوع، وإنما هي خطرات واستطرادات، وأفكار مبعثرة هنا وهناك كما كان حال النديم في مقالاته، وأحيانًا نرى الفكرة المنطقية، والاتجاه العقلي، والميل إلى الحيدة في الأحكام وفي سرد الحقائق كما نرى في مقالات محمد عبده واللقاني. أما أديب فكان يدين بالنظام والترتيب، فالمقالة وإن كانت ذاتية تعبر عن رأي الكاتب في موضوع من الموضوعات، إلا أنها في أشد الحاجة إلى التنسيق "فإنه لا يكفي أن يكون هناك خاطر، بل لا بد من ملاحظة النظام في كيفية إيضاحه، فإنه لا جلاء بدون تنسيق، وعوضًا عن الإفادة والإعجاب، والتأثير والإقناع يتعب القارئ عبثًا، وقبل الكتابة لا بد من وضع رسم، ولو رءوس أقلام، فإذا إذا لم يوضع الرسم يرتبك الذكي، ولا يعرف كيف يبتدئ، وكذلك يدخل في تفاصيل مملة، ويضيع المسألة المهمة ويصبر مظلمًا كلما اجتهد في الإيضاح، ومن أين له أن قارئيه يصبرون إلى أن يعود ليهتدي سبيله، وفي الكتابة القصيرة لا يستغني ألبتة عن هذا الاسم، ولكن العادة تجعله مصورًا في الذهن.

стр. 85

على الفور، بحيث إن الكاتب يسلك سبيله المعلوم بلا دليل، وكيف كان، ففي التنسيق ثلاثة أمور ضرورية: وحدة الموضوع، وتلاحم الأجزاء، واستقلالها التدريجي". وبمثل هذا المنهج وضع أديب أصول المقالة الحديثة، ولدق كان يبالغ أحيانًا فيقسم المقالة إلى فقرات، ويضع لكل فقرة رقمًا، وربما أراد بهذا هداية كتاب المقالة في بادئ الأمر، حتى يلتزموا الطريق السوي في الكتابة، وعلى الرغم من أن أديب نادي بالأسلوب المرسل، والتخلص من السجع إلا ما جاء عفو الفريحة، فإن للعادة تأثيرًا كبيرًا، وظل السجع غالبًا على مقالاته وقطعه الأدبية حتى أخريات حياته. لقد كان تلاميذ جمال الدين ثلاثة أنماط: منهم من يعذب الفكرة على العاطفة في كتابته كالشيخ محمد عبده، واللقاني وسعد زغلول، ومنهم من ينهج المنهج الخطابي الخالص، فيترك لعاطفته العنان تروج به هنا، وهناك في أسلوب يعلو تارة حتى يصير وقفًا على الخاصة، ويسف أحيانًا ليكون مفهومًا من العماية كعبد الله نديم، ومنهم من يقف بين بين، يشتعل حماسة ويتأجج عاطفة، ويأتي بالمعنى الغزير والفكرة المستقيمة، ومع هذا يمسك عنان عاطفته حتى لا تجمح به، ويقود يراعه بصرامة، وحزم في طريق مرسوم، ومهيع معلوم، مثل أديب إسحاق. وقبل أن أنهي الكلام عند أذكر له خاصتين تميز بهما عن سواه: إحداهما أنه كان يجيد الفرنسية، ويكثر في كتابته من الاستشهاد بكلام أعلامها أمثال فولتير ورسوا وهوجو وأضرابهم، وكان يتكئ في معانيه على أفكارهم وبخاصة في حديثه عن الحرية والمساواة، وحقوق الشعب وسلطة الحاكم، كما كان يترجم القصص والمسرحيات للمسرح الذي شارك فيه سليم نقاش، ولا شك أنه بترجماته، واقتباسه من معاني الأدب الغربي قد أثرى الأدب العربي، ومزج بحذق ودراية بين ثقافته العرخبية المتينة، وثقافته الغربية الواسعة، فكان بذلك نموذجًا للكتاب الذين نهلوا من الثقافتين.

стр. 86

والخاصية الثانية أنه كان واسع الأفق في نظرته إلى قضايا الأمة العربية، فعلى الرغم من مقامه بمصر وحبه لها ودفاعه عنها، واهتمامه بكل شأن من شئونها، إذ كان يراها قلب الأمة العربية القوي، إلا أنه كان من أول الدعاة إلى الوحخدة العربية التي تضم الشمل وتوحد الجهود، وتنسق القوى، وترهب الأعداء، وتسر الأصدقاء، في وقت كان أقصى ما يصبو إليه أحرار المفكرين أن تستقل الشعوب العربية استقلالًا ذاتيًا ضمن وحدة عثمانية، أما أديب فكان لسلامة فطرته، ويعد نظرته وعمق وطنيته يرى رأيًا آخر هو ما عبر عنه بقوله: "ما ضر زعماء هذه الأمة لو سارت بينهم الرسائل بتعيين الوسائل، ثم حشدوا إلى ما كان يتذاكرون فيه ويتحاورون، ثم ينادون بأصوات متفقة المقاصد كأنها من فم واحد: قد جاءت الراجفة تتبعها الرادفة، وهبت الحاصبة تليها العاصفة، فذرت حقوقنا فصارت هباء منثورًا، ولمت بنا القارعة ووقعت الواقعة، فصرنا كأن لم تغن بالأمس، ولم تكن شيئًا مذكورًا، فلم تنشد الضالة وتطلب المنهوب لا تقوم بأمر ذلك فئة بدون فئة، ولا نتعصب لمذهب دون مذهب، فنحن في الوطن إخوان، تجمعنا جامعة اللسان، وكلنا وإن تعدد الأفراد إنسان. أيحسبون أن ذلك الصوت لا يكون له صدى، أم يخافون أن يذهب ذلك الاجتهاد سدى، أم يعلمون أن مثل هذا الاجتماع، منزها عن المقاصد الدينية منحصرًا في العصبية الجنسية والوطنية، مؤلفًا من أكثر النحل العربية، يزلزل الدنيا اضطرابًا ويستميل الدول جذبًا وإرهابًا، فتعود للعرب الضالة التي ينشدون، والحقوق التي يطلبون، ولا خوف على زعمائهم ولا هم يحزنون". فهذا ولا ريب تفكير مشرق سبق به أديب الزمن بنحو قرن، ونادى نداء لو استجاب له العرب منذ تلك الآونة ما أصابهم ما ابتلوا به من المحن، والأرزاء على يد المستعمرين وأذنابهم.

стр. 87

إبراهيم اللقاني: ومن الكتاب الذين لمعوا في تلك الآونة -أخريات عهد إسماعيل، وأوائل عهد توفيق- وكان ثمرة لتوجيهات جمال الدين: إبراهيم اللقاني، وقد أتيحت له الفرصة ليكتب في الوقائع حين كان يحررها محمد عبده، وأن يرأس تحرير "مرآة الشرق" التي أنشأها سليم عنحورى، وصدر العدد الأول منها ٢٤ من فبراير سنة ١٨٧٩، ثم ما لبث أن أعياه المرض عن مواصلة تحريرها، فذهب إلى دمشق، وتخلى عنها للقاني فكانت هذه الصحيفة كتيبة في صفوف المعارضة التي قوضت عرش إسماعيل، وعجلت برحيله عن مصر، وكان في محررها جرأة استمدها، من روح جمال الدين، ومن شدة الحرص على مصلحة الوطن، ومن الاضطراب الذي طغى على الحياة في أخريات عهد إسماعيل، وكان اللقاني يعزو الفساد الذي منيت به مصر إلى "أخلاق الأمراء"، وولاة الأمور وجهلهم بواجباتهم، وسوء تدبيرهم واختلال إرادتهم، وقال عنهم إنهم: "لا يعرفون شرعًا، ولا يرضون قانونًا، ولا يسمعون رأيًا، ولا يقبلون نصحًا، بل تعدوا الحدود، وانتهكوا المحارم، وثلموا الأعراض، وحاربوا العدل، وقاوموا الإنصاف، فطغوا وبغوا، ونهبوا وسلبوا، وفتكوا وهتكوا، حبا في أغراضهم، وكرامة لشهواتهم". كان اللقاني يحرر المقال الرئيسي في "مرآة الشرق" بأسلوب يختلف في طبيعته عن كثير من الأساليب الصحفية المعاصرة، ظهر أسلوب قوي لا يستمد قوته من فخامة الألفاظ ورنينها، ولا من الحلى اللفظية والزخارف والتشابيه، وإنما من عمق الفهم، والقدرة على التحليل، وربط الأسباب بالمسببات، والتمكن من جمع الحقائق القريبة والبعيدة، وعرضها بأسلوب واضح مقنع، فبينه وبين الشيخ محمد عبده كثير من وجوه الشبه في هذه الناحية. ومن أمثلة كتابته المقال الذي كتبه تحت عنوان "البخت والاتفاق"، وفيه يقول: "إن البخت والاتفاق محالان، فكل ما يحدث في العالم لا بد له من علة متأصلة حقيقة، وإن مبدع الكون قد جعل في الطبائع والنفوس قوى راسخة ثابتة تتحرك نحو الفعل ليترتب عليها الأثر الذي وضعت لأجله، فتقاوم كل ما يعارضها في سيرها، وتدفع ما يمنعها عن نيله، سواء كان طبيعيًا أو إراديًا. والقواسر التي يظهر أنها تعارض تلك القوى الراسخة المقدسة، وتمنعها من الوصول إلى الغاية التي لا تقيدها، ولا تزيدها إلا قوة وتأييدًا، إن هي إلا كقواسر

стр. 88

الشتاء تأتي على النبت والأشجار، فتنزع ورقها وتذهب بنضارتها وهي في الواقع تزيدها قوة، وتبعث فيها دوافع النمو، حتى إذا جاء الربيع أبرزت ما أعدته فيها تلك القواسر من قوى النمو، وانجلت بالحلل الخضر مكللة بتيجان الزهور، مرصعة بجواهر الثمار، فلا يصح بعد هذا أن تستفزك حوادث الأيام اضطرابًا أو استغرابًا، أو أن تحسبها من قبيل البخت أو الاتفاق". وبعد أن تحدث عن الصدام بين القوانين: الطبيعية المتأصلة، والمعارضة القاصرة قال عن أثر هذا الصدام: "وهذا سر ما نراه في هذه الأيام من الفتنة، والحوادث العظيمة الناشئة عن حركة الخواطر في البلاد الواقعة تحت رق الاستعباد، فلا يحسب الناظر إليها المتهيب منها، إنها ناتجة من فساد الأخلاق ورداءة الطباع، وسفالة النفوس، مستدلًا على ذلك بما يرتكبه أهلها من المنكرات كالقتل والاغتيال والأسر بالاحتيال، كلا، وإنما هي نتيجة استبداد الأمراء، وعسف الرؤساء وظلم الزعماء، فإن هذه القواسر تنصب على قوة الحرية الكامنة في صدور الأفراد فيحصل لها الضغط، فتندفع من بعده، فتخرج بشدة اندفاعها عن مركزها الطبيعي، وتقضي بصاحبها إلى الإفراط، وبناء عليه فما القتل وما الأسر وما الفتنة، وما الثورات إلا نتائج الاستبداد المترتبة عليه لزومًا ووجوبًا". بمثل هذا المنطق الهادئ، والتحليل العميق ظهر اللقاني في جل ما تناوله من موضوعات، وهو أسلوب واضح مقنع قوي، ولكن تنقصه مقومات الأسلوب الأدبي، وتكاد تختفي فيه العاطفة في حين تتألق الفكرة، وبمثل هذا الأسلوب اتضحت سمات المقالة الصحفية أو الاجتماعية، وتميزتا عن المقالة الأدبية، وسنعرف فيما بعد خصائص كل منها.

стр. 89

عبد الله نديم: وهو ممن اتصل بجمال الدين، ولكنه قبل أن يربط سببه بأسبابه كان يتحرق شوقًا لخدمة وطنه، ولكنه كان يخشى بأس الأمراء، وغضب الوزراء، وحين رأى جمال الدين يشجع الشباب على بيان مثالب الحكومة، وسفه إسماعيل مال إليه، ونهج منهج تلاميذه في الصيال والجيال، والنضال مع ما أوتيه من لسان ذرب، وبديهة مواتية، وذكاء لماح، وتمكن من زمام اللغة، ويقول في مذكراته واصفًا حاله قبل الثورة العرابية: "هذا وقد كنت قبل ظهور هذه الحركة إلى الوجود، وترقى الحزب العسكري إلى مراقي السعود، أصرف نفيس الوقت مفكرًا فيما يجلبه الحكام من المقت، وأكتب الكثير من الوقائع، وأقيد اللطائف والفظائع، وأنكر على أهل البلاد وقوفهم تحت ردم الاستبداد، وكلما نبهت عاقلًا أكستني فإن ألححت عليه بكتني، فلم أجد طريقًا لتنبيه الوجهاء والأمراء إلا بعصبية أكونها من الفقراء، فأخذت في تأسيس الجمعية الإسلامية، بوطني العزيز الإسكندرية، فاجتمع إلي أحد عشر رجلًا، وأخذت في إذاعتها عجلًا، وبعد جهد وعناء طويل، تم افتتاحها في عهد الخديوي إسماعيل". ثم يقول: "وكان سبقني إلى تشجيع الخائفين الشيخ محمد جمال الدين، فإنه ألف حزبًا من الشبان، وجمع إليه بعضًا من الأعيان، وبث فيهم روح الغيرة الوطنية، وملأ آذانهم بالمفاخر الشرقية، فتبع بحثه أذكياء ونبلاء وانتفع بعلومه أساتذة فضلاء.... ولما آل الأمر إلىا لخديوي توفيق، وترأس رياض باشا كان أول ما بدأ به من العمل مصادرة هذا الرجل، ورماه بفساد الدين، وجعله من كبار الملحدين، وأرسل إليه من تبعه واقتفاء، ثم قبض عليه ونفاه، ومع ما اعترى جمال الدين من النحوس، فإنه أثر في كثير من النفوس وكان ممن انضم إليه وأكثر من الجامعة عليه صحيح المباني، والمعاني إبراهيم أفندي علي اللقاني، فاتخذ معه بلا فرق، وفتح جريدة مرآة الشرق، فكانت أول جريدة مصرية، بعد الجريدة الرسمية لم يسبقه إلى هذا العميل الجميل إلا محمد أبو السعود بجريدة وادي النيل، ولكن هيهات بين الحرية والرق، والباطل والحق، ولما أجفلت الخديوي إسماعيل بما فيها من التهويل، فصبر وأغفلها ثم انزعج وأقفلها". ويمضي عبد الله نديم في مذكراته يسوق الحديث عن تلاميذ جمال الدين وكيف كان يتفق معهم في المشرب، ويشترك في تحرير صحيفتهم من غير توقيع، خوفًا من بطش رياض.

стр. 90

وبدأ لعبد الله نديم أن يحترف الصحافة، ويكون له ميدانه الخاص، يقول فيه ما يشاء، فأنشأ "التنكيت والتبكيت"، وقبل أن نستعرض أسلوبه بها نذكر أن عبد الله نديم كان مولعًا منذ نشأته بالأدب شعره، ونثره ولكنه كان مقلدًا في كليهما، ونرى نثره قبل "التنكيت والتبكيت" يجري على نهج المقامة في احتفائه بالسجع والمحسنات، بل يربو عليها أحيانًا، إذا كان يفتن في السجع افتتانًا عجيبًا، وكذلك في إيراد ألوان من المحسنات، وضروب من المهارات اللغوية، كأن يورد في نهاية كل سجعة آية قرآنية تنسجم مع السجعة في موسيقاها، وتلتئم معها في جرسها كقوله من رسالة لصديقه عبد العزيز حافظ، وقد شاهده يختلط ببعض المغاربة، ويشتغل بضروب من الخرافات لا تليق بمكانته: "لا حول ولا قوة إلا بالله، اشتبه المراقب باللاه، واستبدل الحلو بالمر، وقدم الرقيق على الحر، وبيع الدر الخزف، والخز بالخشف، وأظهر كل لئيم كبره، إن في ذلك لعبرة سمعًا سمعًا، فالوشاة إن سمعوا لا يعقلوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا، فكيف تشترون منهم القار في صفة العنبر، وقد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، وكيف تسمع الأحباب لمن نهى منهم وزجر، وقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر ... إلخ". وهي رسالة طويلة تدل على تمكن من القرآن الكريم، ومهارة في الصنعة البديعة، وتكلف ملحوظ، وطول الرسالة يدل على كلف بهذا اللون من الكلام الذي يختفي فيه المعنى المراد وراء هذا السحب من المحسنات والعبارات المزوقة التي يوردها لمجرد إظهار القدرة اللغوية. وكل رسائله في مطلع حياته قبل أن يتمرس قلمه بالصحافة، ويخوض في موضوعات تمس حياة المجتمع، كانت تحكي ألوانًا مختلفة من المهارات، والقدرة على السجع، فتارة يأتي بمجموعة من السجعات كل اثنتين منها متشابهتان في القافية، وفي ختامها سجعة من قافية مختلفة، ثم يكرر هذه القوافي بالترتيب الذي ساقها بها أولًا كقوله: "لعبث به الأشواق في مصارع العشاق، لعب الراح بالأرواح، في مجلس الأنس، وجرت به الأنواق في ميادين الأرزاق جرى السحاب والأرواح في حومة الشمس".

стр. 91

وأحيانًا يفرد هذه السجعات، ثم يعيدها بعد خمس أو ست على الترتيب الأول كقوله: "منحتنا اللهم سلامة الروح، فلله الحمد على هذه المنحة حمدًا بلا عد، ووهبتنا صحة لب البيان، فلله الشكر على هذه الصحة شكرًا بلا حد يلوح بدره ويفوح عطره، روح هي عين الحياة، ومدد العقل، ولب، هو منطق الشفاه، وسند النقل، طال عمره وجال أمره ... إلخ". ولا شك أن هذا اللون من الأدب، أدب صنعة لا أدب طبع، الغاية منه -كما كانت الغاية من المقامات في العصور المتأخرة- إظهار المقدرة اللغوية والأدبية، دون أن يكون وراءه عاطفة تدفعه إليه، أو مصلحة عامة تحث عليه، ولا أدل على هذا من أنه كتب رسالة، زعم أن أحد أصدقائه طلب إليه فيها أن تكون مشتملة على أفانين خاصة من البديع وغيره، وفيها يشترط الصديق أن تكون أسطرها عشرين فما فوق، وأن يكون بعضها في غزل وعشق، وبعضها نكتا أدبية، وبعضها فوائد عربية، هذه محاورة والأخرى مسايرة، تارة طرائف خمرية، ومرة لطائف عمرية، وهكذا ترشف من كل دن، وتسطع في كل فن، على أن تكون بحكايات ما طرأت على الأفكار، ولا خرجت من الأوكار، وتلتزم الجناس في الفقر، وألا تأخذ من شعر غيرك إلا بيتا أو بيتين". وقد استجاب النديم لهذا الرجاء، وكتب الرسالة كما طلبها منه، وترى له أحيانًا -نتيجة هذا التكلف، وأثرًا لهذه الصنعة- عبارات غريبة شاذة في استعارتها كقوله: "وطلاوة مر مر البدر معجون بليلة القدر"، وإن سلمت له بعض التعبيرات الجميلة كقوله: "واختلسنا النوم من جفون الزهر"، وقوله: "وأرق من خفر في بكر". كان هذا هو حال النديم قبل أن يشتغل بالصحافة، فلما أنشأ "التنكيت والتبكيت" اضطر إلى العدول عنه، وكأني به في هذه المرحلة الأولى كان يعد نفسه بما يختزن في ذاكرته، وبما يدرب عليه قلمه للسيطرة على أزمة البيان واللغة، جاءت التنكيت والتبكيت بمقالات للخاصة، وأخرى للعامة، يكتب الأولى بأسلوب مرسل فيه قوة وجزالة، ويعالج موضوعات حيوية، وقد اهتم كل

стр. 92

الاهتمام بأدواء المجتمع، وشخص هذه الأدواء، ووصف الدواء الناجع ويكتب الثانية بأسلوب عامي يحشوه بكثير من الكلمنات الدارجة حتى يسهل فهمه، ويعم الانتفاع به، كان الطابع العام للمجلة هو الطابع الاجتماعي، ويصدرها بقوله مخاطبًا كل ناطق بالضاد: "أتقدم بين يديك بخدمة وطنية دعاني إليها حبي فيك، وخوفي عليك وما هي بالعظيمة، فتشكر ولا بالبليغة فتمدح هي صحيفة أدبية تهذيبية تتلو عليك حكمًا وآدابًا، ومواعظ، وفوائد ومضحكات، بعبارة سهلة، لا يحتقرها العالم ولا يحتاج منها الجاهل إلى تفسير، تصور لك الوقائع والحوادث في صور ترتاح إليها النفس وتميل، ويخبرك ظاهرها المستهجن بأن باطنها له معاني مألوفة، وينبهك نقابها الخلق بأن تحته جمالًا يعشق، وحسنا تذهب الأرواح في طلبه، هجوها تنكيت ومدحها تبكيت، ليست منمقة بمجاز واستعارات، ولا مزخرفة بتورية واستخدام، ولا مفتخرة برقة قلم محررها، وفخامة لفظه وبلاغة عبارته، ولا معربة عن غزارة علمه وتوقد ذكائه، ولكنها أحاديث تعودنا عليها ولغة ألفنا المسامرة بها"، ويختم النديم هذه المقدمة البليغة بقوله: "وسأتحفك بغرائب قومك، ومناقب أصلك، أقدمها إليها شذورًا مردفة بما نحن فيه من التنكيت، لتعذر المتهمين، وترحم المسكين، وتكون من الذين أعادوا مجدهم، وأحبوا أوطانهم ببقاء ذكرهم في الوجود من الخالدين. وفي الحق إن النديم في هذه المجلة قد اصطنع أسلوبًا جديدًا دل على مرونة قلمه، ودقة فهمه، فلكل مقام، ولما كانت المجلة تعني بأدواء المجتمع وأوصابه، وذاك يتطلب توضيح المعنى وإيراد الحجة، وضرب المثل كان لزامًا عليه أن يتحلل نوعًا من الاحتفاء بالمحسنات، والزخارف في مقالاته التي كتبها للخاصة كهذا المقال الذي عنون له "بمجلس طبي لمصاب بالإفرنجي"، وهو قصة رمزية لفتى يحبه أهله كل الحب، ولكن تسلل إليه محتال خدعهم وخدعه، وما زال به حتى أصيب بالداء الإفرنجي، فنحل جسمه وذوى شبابه، وأخذوا يلتمسون له العلاج حتى يتم له الشفاء"، ويعني ما أصيبت به مصر على يد إسماعيل وإسرافه، وتدخل الأجانب في شتى شئونها، والمراقبة الثنائية، وصندوق الدين،

стр. 93

والامتيازات الأجنبية وطأتها، وتصور ألم مصر من هذا المرض الإفرنجي، وأملها في النجاة بسعي العقلاء وتفكير المستنيرين، وتوريته بالإفرنجي عن هذه المصائب التي حلت بالبلاد تورية بارعة، "وقد استهلها بقوله: "كان هذا المصاب صحيح البنية، قوي الأعصاب، جميل الصورة، لطيف الشكل، ما رآه فارغ إلا صبا، ولا سمع بذكره بعيد إلا طار إليه شوقًا، وقد مات في حبه جملة من العشاق، الذين خاطروا في وصله بالأرواح والأموال، وكلما وصل إليه واحد سحره برقة ألفاظه، وعزة لا يشاركه فيها مشارك، وهو غزال في الخفة وغصن في اللين، وبدر في البهجة، وجنة في المنظر، تمر عليه الدهور فتزيده حسنًا وتتوالى عليه العشاق فتزداد هيامًا، وأهله فرحون بهذا الفريد، والطالع السعيد يعشقون الموت في حياته، وقد اتفقوا على توحيد كلمتهم في حفظه ... إلخ". وهنا نرى اسلوبًا لا التواء فيه ولا تعقيد، وإن كان يعتمد على ترادف الجمل على المعنى الواحد، وجاءت قوته من حسن اختياره للألفاظ، وقصر الجمل، والازدواج، والسجع المطبوع. بينما نراه في أسلوبه العامي خبيرًا في إيراد الكلمات الدارجة المحلية، كما نرى في مقاله "عربي تفرنج"، إذ يحكي قصة فتى من أبناء الفلاحين أتيح له أن يتعلم في أوروبا، وعاد ممسوخ اللسان، والشخصية متنكرًا لكل تقاليد قومه، وهي بدعة ظلت مصر تعاني منها أمدا غير يسير حتى كانت شخصيتنا مهزوزة، ونظرتنا للأجانب نظرة المغلوب للغالب، وقوميتنا لم تتحدد بعد معالمها، وقد استهله النديم بقوله: "كان أحد الفلاحين اسمه معيط، وولد له ولد فسماه زعيط، وتركه يلعب في التراب، وينام في الوحل، حتى صار يقدم على تسريح الجاموس، فسرحه مع البهائم إلى الغيط، يسوق الساقية، ويحول الماء، وكان يعطيه كل يوم أربع حندويلات، وأربعة أمخاخ بصل، وفي العيد يقدم له اليخنى ليمتعه بأكل اللحم والبصل". وهكذا سار النديم في صحيفته يخاطب كل قوم باللسان الذي يفهمونه، ثم شبت الثورة العرابية، وجذبه الثوار إليهم طائعًا أو مختارًا، وكان خطيبهم الذي

стр. 94

لا يباري., واقترح عليه عرابي أن يسمي جريدته بالطائف تيمنًا بطائف الحجاز، ولتطوف البلاد كما جابتها جوائب الشدياق، فلم يسعه إلا تلبية الرغبة، وصارت "الطائف" لسان حال الثورة. ولكن النديم في الطائف كان يهرج كثيرًا، ويموه الحقائق على الناس، ويحيل الهزائم انتصارًا، ظنًا منه بأنه يقوي العزائم ويبعث الأمل في النفوس، وهو في الطائف يسلك الأسلوب الخطابي في مقدمات مقالاته، ويتكئ كثيرًا على القرآن الكريم، لعلمه بقوة تأثيره في نفوس العامة، بل كان يتخذ أحيانًا الآية القرآنية عنوانًا للمقال كذلك الذي عنونه، "وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها"، وفيها يقول: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِين﴾ ، ذلكم هم العادون المفترون، بغاث الإنجليز، الذين استنسروا في الوجود بأوهام وخيالات، واستضعفونا فجاءوها بالخيل والرجل، وقد زلزلت أرضهم، فأخرجت أثقالها، وثبتت بأقدامنا أرضنا فكنا أوتادها، فتخيلوا أنهم يسيرونها في البر، وما دروا أن الأسمال يقتلها التراب، وتنتنها الشمس، وهم هي، إذ لا تقترب الشاطئ خوفًا من الصياد، وبين أسود تتبع فريستها، يعلم ذلك من شاهد واقعة يوم الأحد ٥ شوال سنة ٩٩ ... إلخ". ويمضي في وصف الموقعة، ولا يتحرج عن استعمال كثير من المصطلحات الحربية الدخيلة من تركية وأجنبية، في أسلوب يقرب من العامية، وإن كانت خطبه التي قالها إبان الثورة تدل على موهبة فذة، وقدرة نادرة، وعلى أن النديم وحيد عصره في هذا الميدان، كان يخطب في اليوم عشرات المرات لا يكرر نفسه، ولا يمل منه سامعوه في أسلوب ساحر وبيان رفيع، وكانت خطبه كلها غير معدة من قبل، وإنما كان الكلام يتفجر منه كأنما يصدر عن ينبوع بئر، ومعين لا يغيض. بينما نراه في "الأستاذ"، وهي الصحيفة التي أصدرها بعد عودته من المنفي يشغل بالسياسة وبالقضايا العامة، وبالمشكلات الاجتماعية، وقد تجنب فيها السجع إلا نادرًا عن غير قصد، أو تكلف، وآثر الأسلوب المرسل السهل، حتى الازدواج والترادف الصوتي لم يعد لهما ذلك الاحتفاء الذي لاحظناه في بعض

стр. 95

مقالات التنكيت، ولا شك أن هذا التطور في أسلوبه كحان نتيجة لتطور الأسلوب الصحفي بعامة في أخريات هذا القرن، ولنضرب مثلا على ذلك من مقال بعنوان "حرب الأقلام بجيوش الأوهام": وفيه يقول: "فلو ترك الشرقيون والأوروبيون لتمتع الفريقان بثمرة المخالطة، وتمكنت منهما دواعي المحبة، وتأكدت روابط الألفة بالاشتراك في المعاملة والمساكنة، وما أوغر الصدور وأفسد النيات إلا هؤلاء الكتاب الذين قبحوا الشرقي للغربي، وافتروا عليه الأكاذيب، وملئون بها جرائدهم وكتبهم، ونشروها بين العالمين الشرقي والغربي، فظن الغربي أن الشرقي بهيم لا يصلح للملك، ولا يليق إلا للاستعباد والقهر، وظن الشرقي أن الغربي عدوه الألد الساعي في سلب سلطته، ونهب ثروته وإعدام دينه، واستعباد إخوانه، فوقعت النفرة بهذه المفتريات". فهذا الأسلوب هو الذي صارت إليه الكتابة الصحفية منذ ذلك الحين، يوم أن كان يتولى تحريرها ذوو الأقلام القوية، فيه سهولة، ولكنه رصين متين، وهو غير الأسلوب الأدبي، وسنعرف خصائص كل من الأسلوبين بعد قليل إن شاء الله، وهكذا رأينا عبد الله نديم ابتدأ تلميذًا مخلصًا لمدرسة الصنعة والبديع، وظل على ذلك ردحًا طويلًا من الزمن، ثم تحول إلى النثر المرسل، والأسلوب الصحفي، ولم يكن يلجأ إلى السجع والبديع إلا في رسائله، وقد كتب به مذكراته كما رأينا في مستهل الكلام عنه، إن كتابة النديم الصحفية في الأستاذ صارت مثلًا يحتذى من حملة الأقلام، ومحرري الجرائد والمجلات في عصره، وبعد عصره سواء في موضوعاتها السياسية والاجتماعية، أم في أسلوبها السهل القوي.

стр. 96

أدباء الشام: إبراهيم اليازجي: وقبل أن نفرغ من أدب المقالة علينا أن نلقي نظرة سريعة على بعض أدباء الشام في تلك الحقبة، وإن كان معظم النابهين من كتاب الشام قد اتخذ مصر مقامًا، وفيها ازدهر أدبهم، واتسعت شهرتهم، ومن هؤلاء إبراهيم اليازجي، وقد اشتهر بأبحاثه اللغوية، ولكنه كان يحترف الصحافة فأنشأ مجلة البيان، وكان يؤثر الأسلوب المسجوع شأن كل أدباء الشام في تلك الحقبة، ومن مقالاته الأدبية قوله عن الحرب: "الحرب مناجزة المتخاصمين، بالسلاح طمعًا في جر مغنم، أو دفعًا لمغرم، فهي هجوم ودفاع، وسطوة وامتناع، فطر عليها الإنسان، لما في طبعه من الأثرة، والعدوان، ونزعت إليها القبائل، والممالك في كل زمان ومكان على ما يصحبها من نهب الأعمار وهدر الدماء، واستباحة الذمار وجوائح البلاء، وما تجد وراءها من البوار والدمار، والجوع والوباء ... إلخ". ونرى له قطعًا وصفية في الزهرة والقمر وغيرهما، وهي تسير على هذا النمط، ويكثر فيها من ضروب الخيال التفسيري من تشبيه واستعارة، وترى الافتعال والتكلف واضحين في مثل هذه كقوله يصف الزهرة: "وإذا رأيتها بارزة في طليعة الكواكب، وقد تجلت في فلكها حين لا يبدو طالع، ولا غارب، فاستلت من الهلال سيفًا استقبلت نحر الظلماء، ثم نادت في جيشها، فإذا به قد طبق نواحي السماء، فبرز الرامي فأوتر قوسه، وانتصب للنضال، ووضع الجبار يده على سيفه ونادى: يا للنزال! وأشرك السماك رمحه فخفق له فؤاد العذراء، وأطلق المريخ سهمه، فإذا هو مضرج بالدماء، وتتابع سائر الجيش بسلاحه، فلا ترى إلا وميضًا وبريقًا وأسنة قد غاصت في كبد الدجنة فمزقتها تمزيقًا، فما أقبل جيش الصباح إلا والأفق مخضوب بدم الدجى، وقد بلغ سيله الزبى بل جاوز الربى". وهكذا نراه قد أقام نجوم السماء في حرب ضروس بعضها مع بعض، وتخيل هذا الخيال الغريب، ولم نفد نحن من هذا الوصف شيئًا، ولم تزدنا تشبيهاته ومجازاته علمًا بالمشبه أو الموصوف، وهذا شأن أدب الصنعة الذي لم تبعثه عاطفة أو غرض سام، وكأني بهؤلاء الناس لم يدركوا وظيفة الأدب، ولا مهمة أركان البلاغة.

стр. 97

نجيب حداد: وربما كان أحسن منه قليلًا الشيخ نجيب حداد، فإنه عني كثيرًا بمعالجة مشكلات المجتمع، يسجع غالبًا ويترسل قليلًا، ولكنه في كلتا الحالتين يؤثر الأسلوب الرصين المحلى بخيال شاعر لا خيال لغوي، وتشعر أنه يفيدك حقًا بخياله هذا متعة فنية، ومعنى رائعًا: من ذلك قوله عن الفقير والغني: طقل للغني المترف السارح في مراتع نعمائه، الساحب ذيل الاعتبار على بني الإنسان نظرائه، المتقلب في أعطاف النعمة والهناء، لا يحس بما في الدهر من شقاء، الراكب الخيل الجياد تجري به عنقًا، السابح في بحار الغنى والترف يكاد يشكو فيها غرقًا، النائم على حشايا من الحرير والدمقس الناعم، المتنعم بما لديه من ملذات الحياة بين المشارب والمطاعم: قف هذا النظر الذاهب في السماء قليلًا، ومل بتلك النعمة التي تجر من فضول أثوابها ذيولًا على فقير يسأل منك رحمة، ويسترحم عنك سولًا: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا﴾ . وبجانب هذا الأسلوب الذي على الرغم بما فيه من سجع، فإننا نجده مقبولًا، فله قوة في الأداء وبراعة الوصف، واستيعاب وتحليل، بجانب هذا نجد له أسلوبًا أدبيًا لا يعتمد فيه على السجع، ولكن يعتمد على انتقاء الكلمة، ودقة أدائها، وحسن جرسها وتلاؤمها مع غيرها في الجملة، مثال ذلك قوله من مقال بعنوان "الخادم والمخدوم" يقول فيه: "متى ترى الرجل مطرقًا مهمومًا يفكر في مستقبل أيامه، وحزينًا كثيبًا يحسب لغده قبل عامه، ويحرص على صحته كما يحرص على رأسماله، إذ لا مال له سواها، وهو مع ذلك ينفقها عرقًا يسيل من ثنايا الجبين العابس، ونورًا ينبعث من حدقة تلك العين الكليلة، وفكرًا تقسم بين عمله المندوب إليه بدافع المعيشة والاحتجاج، وبين عيلته المدفوع إليها بدافع الحنو والتسخير، فقل هذا هو الخادم رب البيت، والأولاد يعمل لطعام اليوم من شغل اليوم، ويسأل السلامة للغد ليعمل في الغد، ولا أمل له من هذه الحياة الدنيا سوى مخدوم يأوي إليه، وعافية يستعين بها عليه، وصية صغار يرجو أن يقوى على قوتهم وسد حاجاتهم، قبل أن يرجو لهم بلوغ الشباب، ويؤهل منهم النفع والإسعاف. ومتى رأيت الرجل يمشي في الأرض مرحًا، ويختال في مشيته فرحًا، ويرفع أبصاره إلى العلا كبرا، قبل أن يرفعها لله شكرًا، ويدخل إلى حانوته آمرًا ناهيًا، يسخط على خادم لا يرضيه، أو يتظاهر بالغضب عليه لكي لا يطمع فيه،

стр. 98

أو يدعي القلة أو الخسران، لكيلا يزيد في رابته ما يكفيه، فقيل: هذا هو المخدوم ... إلخ": ونرى أنه في الفقرة الأولى أجاد في وصف حالة الخادم، وكان كلامه منبعثًا عن عاطفة الرحمة، والشفقة، والرثاء، وقد ثبت فيه هذه العاطفة شيئًا من الحياة، ومع هذا نراه لا يستطيع ترك السجع جملة، فإذا هو في الفقرة الثانية يعود إليه، ولكنه سجع مستساغ، إذ تؤدي الجمل معناها، وتصور حال المخدوم أحسن تصوير، وتذكرنا هذه الموضوعات الكثيرة التي دبجها يراع نجيب الحداد في الظواهر الاجتماعية الفاسدة، والعمل على إصلاح الخلل الاجتماعي في نواحيه، بما كلف به المنفلوطي فيما بعد، مع تشابه في العاطفة؛ لأن كلا منهما أظهر حدبًا بالغًا وأسى واصبًا على الفقراء والمنكوبين. أما في العراق فالحق يقال، لقد ظلت الكتابة الفنية متعثرة تسير فيما درج عليه الكتاب من قبل، على طريقة المقامات في عصورها المتأخرة، ولم يتطور في أسلوبه أو موضوعاته، إذ لم يكن يعدو في خلال القرن التاسع عشر مقدمات الكتب، وبعض دواوين الشعر، والتقاريظ والرسائل، والرحلات والمقامات، والشكاوي التي كانت ترفع إلى السلطان، والولاة والحكام. أما النثر الصحفي، فلم تكن في العراق صحافة كصحافة مصر، أو لبنان في القرن التاسع عشر، وربما كان تأخر الطباعة، وبدائيتها من العوامل التي علقت الصحافة العراقية عن التطور فضلًا عن أن العراق كان يحكم من قبل الأتراك حكمًا مباشرًا، وأولى صحفه، وهي "الزوراء" التي صدرت في سنة ١٨٦٩ أصدرها الوالي التركي مدحت باشا، وراعى فيها لغة الدولة والموظفين، ولغة الذين يقرأون من أبناء العراق، وعددهم كان قليلًا، ولذلك صدرت باللغتين التركية والعربية. وظهر إلى جانبها صحيفتان حكوميتان هما "الموصل" في ١٨٨٥، و "البصرة" في ١٨٩٥، ولم يصدر في العراق طوال القرن التاسع عشر غير هذه الصحف الثلاث تسيطر عليها الحكومة التركية، فلم يتسع فيها المجال لترعرع الأقلام الحرة الناشئة. ولذا نستطيع أن نقول في شيء من الطمأنينة: إن الأسلوب الأدبي في العراق ظل يوسف في أغلال الماضي يعاني من الركة والضحالة، وقيود البديع، ولا يعني أي عناية بالحياة من حوله إلا فيما ندر، أما النثر الصحفي فقد كان معدومًا للأسباب التي أوردناها آنفًا.

стр. 99

تنوع المقالة: ونستطيع الآن بعد أن تتبعنا النثر منذ أوائل القرن التاسع عشر حتى نهايته أن نلخص هذا التطور في كلمات قليلة، وهو أن النثر بدأ يتطور في مصر بحكم حركة البعث، والإحياء للتراث العربي القديم، ولظهور التيار الغربي الحديث الذي ابتدأ على يد رجال البعثات، وأولهم رفاعة الطهطاوي. وأن النثر منذ نشأته حاول أن يرود آفاقًا جديدة، وينقل من الأدب الغربي الشيء الكثير، ويصف ألوانًا من الحياة لا عهد للعرب بها، وأن السوريين أسهموا في نهضته بقدر غير منكور، ثم نراه يتطور في المقال، ويتميز المقال عن المقامة، وينقسم إلى ثلاثة ألوان لكل خصائصه: فالمقال الأدبي والمقال الاجتماعي، والمقال السياسي، وقد كان للصحافة، وللحوادث الكبيرة العميقة الأثر في مصر كالثورة العراقية، ومجيء جمال الدين، وظهور مدرسته أثر واضح في تنويع المقال، والاهتمام بما يشغل الأمة، ويعمل على إنهاضها. وقد كان للصحافة الأدبية بصفة خاصة فضل لا ينكر في هذا التطور؛ لأنها عملت على إحياء التراث العربي القديم بما نقلت منه أو درست وحققت، وخدمت الأدب الحديث بما ترجمت من ثقافة غربية في الآداب، والعلوم والفنون، ومن ثم ازدادت الخصوبة العقلية، والوجدانية في الأدب العربي الحديث، واتسعت أبعاده الثقافية، واختفى من أسلوب الأدب في محيط المجلات نغمة الخطابة، وتوقد الحسن اللذان شاعًا في جيل الثورة العرابية، ووضح فيه عنصر الثقافة

стр. 100

والأفكار الجديدة، وصار أطوع للتعبير عن مختلف الخلجات النفسية، وأخذ يتخلص تدريجًا من المحسنات، والزخارف اللفظية، وإن كان السجع بصفة خاصة، وما يلازمه من محسنات ظل يتلكأ حتى نهاية العشر الأوائل من القرن العشرين، وكان هناك صراع مرير بين المعجبين به، والقالين له سنذكره بعد قليل. ويلاحظ على وجه العموم أن طريقة الكتابة سواء كانت صحفية، أو أدبية أو اجتماعية قد تغيرت تبعًا لتغير طريقة التفكير، نتيجة ازدياد الثقافة والاهتمام بالقضايا العامة، والعمل الجاد لإنهاض الأمة في شتى مجالات الحياة، فصارت عبارات الكتاب تميل إلى القصر، وتحبس كل جملة منها على معنى واحد. واعتماد لون طريف في ترتيب الكلام، وتبويبه وسوق المقال في الغالب لأداء فكرة واحدة، واستحداث صيغ جديدة لأداء معان جديدة، والتخلص من الكلمات الدخيلة والأساليب القديمة الرثة، أو الأساليب التي لا تتفق مع قواعد العربية، والتجوز بكثير من المفردات لإصابة ما لا تطوله بأصل الوضع اللغوي. لقد اتسعت آفاق الكتابة، وتميزت منها ثلاثة ألوان: اجتماع، وسياسة، وأدب. فالنثر الاجتماعي كان نتيجة نمو الوجدان الاجتماعي نموًا محسوسًا، والتخلص من الروح البطيئة الهامدة، ولذلك نراه يتطلب صحة العبارة، والتخلص عن الزخرف والزينة، ويتوخى وضوح الجمل، وترك المبالغة والتهويل، ويعمد إلى سلامة الحجج، وإيرادها على حكم المنطق الصحيح، وربط الأسباب بمسبباتها، والدقة في التفصيل؛ لأن الغرض منه معالجة الأمر الواقع، فلا ينبغي فيه استعمال الأقيسة الشعرية، ولا الخيال المجنح، اللهم إلا في الأحوال التي تقتضي استفزاز الجماهير وإثارة عواطفهم، وتحمسهم للإقلاع عن خلة فاسدة، أو للتظاهر على الاضطلاع ينفع عام على أن يكون ذلك بقدر، فإن الأغراض الاجتماعية إنما تجري في حدود الحقائق على كل حال، وقد بعد هذا النثر الاجتماعي عن السجع والتكلف؛ لأن الجري وراء السجع قد يفوت على الكاتب الغرض الذي يرمي إليه، وقد يذهب المعنى المراد في سبيل سجعة متكلفة، ولا

стр. 101

عجب في البعد عن السجع، إذ الذهن منصرف إلى تفتيق المعاني، وسوق الحجيج، وضرب الأمثلة لا إلى الجري وراء كلمة أو سجعة. أما النثر السياسي فيمتاز بالسهولة، والوضوح بحيث يكون معناه في ظاهر لفظه؛ لأن الصحف تخاطب الجماهير ويقرؤها الخاصة والعامة، هذا إلى أن قراءها إنما يبغونها للساعة، فلا محل للارتفاع بعبارتها، والتعمق في معانيها بما يقتضي من القارئ كد الذهن، وإرهاق الأعصاب. ولا يلتزم في النثر السياسي الاعتماد على المنطق، بل إنه يؤثر عادة الأدلة الخطابية؛ لأنها أنفذ في إقناع الجماهير من سواها، إذ تقوم النزعات السياسية في الغالب على الفروض، والاعتبارات والميول الوجدانية أكثر مما تقوم على الحقائق العالمية. وليس في هذا اللون من النثر احتفاء بالأسلوب، أو تحيز للألفاظ أو جنوح إلى الخيال إلا عند عدد قليل من الأدباء، مثل أديب إسحاق الذي كان يحيل كل شيء يتناوله قلمه إلى قطعة أدبية، ولكن الغالب أن النثر السياسي يعمد إلى التصوير السريع، وليس فهي تحقيق علمي منظم مبني على الاستقراء، أو ذكر المقدمات الوافية، ويكثر فيه عادة التكرار. النوع الثالث من ألوان النثر التي ظهرت في هذه الحقبة هو النثر الأدبي، وقد تناول في القرن التاسع عشر موضوعات جديدة كانت من قبل وقفًا على الشعر، فتتناول بقلم الأديب وصف البؤس، والفقر والحرب والحدائق، وشتى ألوان العواطف، كما ظل سائدًا في الرسائل الإخوانية من تهنئة، وتعزية ورجاء وشفاعة ودعوة واعتذار، وغير ذلك، وظهر في وصف بعض الرحلات والأماكن المشهورة، وهذا النثر يحتاج فيه الكاتب إلى التأنق في عبارته، وتحيز ألفاظه، والاهتمام في الآذان؛ لأن الغاية التي يتوخاها الأديب هي نقل الأثر الذي يحس به في نفسه إلى سواه، وهذه من العوامل التي تساعد على الوصول إلى هذه الغاية. وهذا النثر أدنى الأنواع إلى الشعر، ولهذا لا ينكر منه البديع، على ألا يكون من الكثرة بحيث يستهلك ذهن القارئ، وبحيث لا يأتي متكلفًا، ولا تساق الجملة لمجرد اصطياده، بل إن خيره ما جاء عفوًا.

стр. 102

ويقتضي التأنق في اللفظ، وجودة السبك، وتفتيق المعاني، معرفة بأسرار اللغة، ووفرة محصول من المفردات، وخبرة بالكلام الجيد أو استظهار كثير من المنثور والمنظور، هذا إلى طبيعة مواتية، وحس مرهف، وذوق رقيق، وفطنة إلى مواطن الجمال. وقد رأيت تلك المحاولات التي بذلت من جانب الأدباء للتخلص من السجع حتى في هذا الضرب من النثر، كما رأينا لدى نجيب الحداد، وسنذكر بعد قليل شيئًا عن هذا الصراع، وكيف تغلب الترسل على السجع، وتاب عنه حتى أولئك الذين اشتهروا به.

стр. 103

أدب الرسائل: عبد الله فكري: تعد الرسائل أقدم فنون الأدب في النثر العربي، منذ استحال إلى صناعة فنية على يد عبد الحميد الكاتب، وكان للرسائل شأن عظيم في أخريات العصر العباسي، ونبغ فيها جمهرة من أكابر الأدباء، استطاعوا بأقلامهم أن يصلوا إلى مرتبة الوزارة، ثم صار ديوان الإنشاء في الدول العربية المتعاقبة لا يتولاه إلا أديب زمانه، الذي يفتن في كتابه الرسائل، ولقد ورثنا في العصر الحديث ... بعد عصر الإحياء -عددًا ضخمًا من هذه الرسائل التي دبجتها أقلام الأدباء على مر العصور، ووجدنا أن بعض هذه الرسائل تطول حتى تبلغ حد المقال، كرسالة الشطرنج لعبد الحميد، ودفاع عن البخل لسهل بن هارون، ومن أشهر المدارس التي عنيت بالرسائل مدرسة ابن العميد، وهي مدرسة النثر الشعري، وكان لهذه أثرها البين في أدبنا الحديث. وإذا كان كتاب المقالة قد خلطوا في بادئ الأمر بينها، وبين المقالة كما رأينا في بعض أعداد روضة المدارس، وكما رأينا حتى لدى الشدياق، إلى أن تميزت كلتاهما عن الأخرى، فإن الرسالة لم تكن موضوعًا لهذا الخلط، فهي إما إخوانية، أو ديوانية تصدر بلسان السلطان، وكلاهما وجدت لها النماذج الواضحة في الأدب القديم. ولعل شيخ الكتاب في هذا الباب، وصاحب الأثر المشهور فيه هو عبد الله فكري، إذ كان ديوانيًا بالنشأة والمربى، وعلى يديه نقل الديوان في مصر من التركية إلى العربية، وقد سن للكتاب طريقة الكتابة التي تصدر عن مختلف فروع الديوان، ومن حسن الحظ أنه كان أديًبا بالطبع وله ذوق شاعر، ولذا قاد مدرسة ابن العميد، ولم يلجأ إلى تقليد العصور المتأخرة، فأتت رسائله قصيرة الفواصل، عليها طلاوة شعرية، وفيها سجع مقبول، محلاة ببعض الخيال والبديع.

стр. 104

ومن النماذج التي وضعها لكتاب الديوان قوله في رسالة، وجهها إليهم حتى في السودان: "صدر هذا الفرمان المطاع الواجب له القبول والاتباع، خطابا إلى الحاكم والعلماء والقضاة والأعيان، والوجوه والعمد ومشايخ البلدان، وعموم الأهالي المتوطنين في محافظة كذا بجهات السودان: ليكن معلومًا لديكم بوصول هذا المنشور إليكم، أنه قد اقتضت إرادتنا تنصيب فلان محافظًا عليكم، لما توسمنا فيه من الدراية والاستعداد، والسلوك في طريق الرشاد، وبذل الهمة في أمور المصلحة، ومزيد الاجتهاد". وقد أفاد هذا الأسلوب كتاب الديوان من بعده، وصار لهم قدوة، ولكنه آخر تخلص النثر من طريقة هذه المدرسة الديوانية حتى أوائل عصرنا الحاضر؛ لأن أرباب هذا الأسلوب شغلوا المناصب الرفيعة، فظن الشادون في الأدب أنهم لو قادوهم لوصلوا إلى ما وصلوا إليه، فتمسكوا بأسلوبهم هذا أمد غير يسير، لقد استطاع عبد الله فكري أن يسترد بأسلوبه الديواني هذا للغة العربية مكانتها في المراسلات الديوانية، تلك المكانة التي فقدتها عدة قرون, وأن يزيح التركية من طريقها. أما رسائله الإخوانية فقد بلغت حدًا كبيرًا من الجودة، وتذكرنا فعلًا بأسلوب مدرسة ابن العميد، والصاحب بن عباد والخوارزمي والصولي، من ذلك قوله معزيًا: "يعز على أن أكاتب سيدي معزيًا، أو آلم به في ملمة مسليًا، ولكنه أمر الله الذي لا يقابل بغير التسليم، وقضاؤه الذي ليس له عدة سوى الصبر الكريم، وقد علم مولاي "أجمل الله صبره، ولا أراه من بعده إلا ما سره، وشرح صدره"، أن الله -جل ثناؤه وتباركت آلاؤه- إذا امتحن عبده فصبر آجره وعوضه بكرمه، كما أنه إذا أنعم عليه فشكره زاده وضاعف له نعمه، وقد عرف من حال سيدي في الشكر على السراء، ما يستوجب المزيد منها، والظن بحزمه وعلمه أن يكون حاله في الصبر على الضراء ما سيتجلب الأجر والتعويض عنها!!.

стр. 105

ونلاحظ ما تخلل هذه الرسائل من الجمل الاعتراضية، والدعائية كما كان يفعل أرباب الرسائل في مدرسة ابن العميد، وإن كان أحيانًا يقلد بعض كتاب الدولة الأيوبية كالقاضي الفاضل، فتطول جمله قليلًا، ولكن الأعم الأغلب في رسائله طريقة ابن العميد، وقد يضمن الرسالة بعض الوصف الفني كقوله يصف حديقة: "ثم خرجت إلى حجرات خالية، أعدت فيها فرش عالية، وأدوات غالية، وسطعت بها روائح الطيب، والغالية، وقد أكملت وجود تحسينها، وأتمت أسباب تزيينها، وهي على حديقة ذات أفنان، وأنواع من الزهور وألوان، وثمرات حسانن وقد فاح الطيب من محاجر أزهارها، وصالح الخطيب العندليب على منابر أشجارها. رياض كديباج الخدود نواضر ... وماء كسلسال الرضاب برود فجعلت أجيل فيها النظر، وأتأمل محاسن الروض غب المطر، وأطالع ما رقمه الطل في صحائف الغدران، وأرى خواتم الزهر حين تسقط من أنامل الأغصان. من قبل أن ترشف شمس الضحى ... ريق الغواني من ثغور الأقاح ويذكرنا هذا الوصف ببعض كتابات ابن زيدون، ولسان الدين بن الخطيب، ومن رسائله الوصفية قوله وهو بالآستانة يصف يومًا اشتد برده وغزر مطره، وكثف ضبابه، واسود إهابه فقال: "كتبت إليك والأمطار ساجمة بطلبها ووبلها، وعساكر البرد والبرد هاجمة بخيلها ورجلها، والسماء متلفعة بأذيال السحاب، وكأن الشمس خافت من الطل فتوارت بالحجاب، والجو مسكي الرداء، عنبري الأرجاء، وكأنه وعليه ثوب الغيم مزرور، وقد وجل من صولة البرد فلبس فروة السمور، وأناخ الغمام على الأفق بكلاكله، وهز من البقر بيض مناصله، ونشر في الجو طرائق مطارفه، وجاد على الأرض بتليده وطارفه، وثقل على كاهل الهواء كالطير بل جناحه بالماء، وقرب حتى كاد يمسك باليدين ويعتصر بالراحتين، أو كأنه مرآة مذهبة تبدو

стр. 106

وتخفى، أو جذوة ملتهبة توقد وتطفى، والرعد يهدر بزواجر زماجره السحائب فيبكيها، والطير يتلو سطور الندى في طروس الثرى فيمليها ... ". ونلحظ على هذه القطعة أنه يتعمد ألوانًا خاصة من البديع كالطباق في ظلها وويلها، وخيلها ورجلها، وتليده وطارفه، والجناس غير التام في عساكر البرد والبرد هاجمة، إلخ، ويكثر من الاستعارات تأتي قوية أحيانًا، ومتكلفة أحيانًا، وتطور السجعات آونة حتى تأتي الكلمة المكملة المسجعة كقوله: "كأنه وعليه ثوب الغيم مزرور، وقد وجل من صولة البرد، فلبس فروة السمور"، ويعمد إلى الصورة القديمة الموروثة فالغمام ينيخ بكلاكله، والبرق يهز بيض مناصله، أما قربه حتى كاد يمسك باليدين فقديمًا قال عبيد بن الأبرص في وصف الغمام: دان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يمسكه من قام بالراح وأما أن البرق قد نشر طرائق طرائفه في الجو، فهو مأخوذ كذلك من قول عبيد في نفس القصيدة: كأن ما بين أعلاه وأسفله ... ربط منشرة أو ضوء مصباح وإن دل هذا النثر على شيء، فهو يدل على أنه قد حل محل الشعر في الوصف، وكثرة الأخيلة وضروب المجازات، وأن صاحبه واسع الإطلاع على الأدب القديم، قدير على إيراد السجعات، ومختلف ألوان البديع والاستعارات، وذلك لا ريب مقبول في النثر الأدبي كهذه الرسالة ما لم يأت متكلفًا، على ان عبد الله فكري يكون في أحسن حالاته حين يتوخى الفقرات القصيرة الفواصل، فنشعر أن سجعه طبيعي وأن له رنة مستساغة في الآذان كقوله من رسالة يرد بها على صديق: "سيدي سلمك الله وحياك، وأسعدني برؤية محياك، وزاد عزك وعلياك، وحرص دينك ودنياك، وجمعني على بساط المسرة وإياك، ولا حرمني دوام لقياك، ولا برح الدهر مبتسم الثغر بمحاسن معاليك، ومباهيا اعصار الأوائل بأيامك ولياليك، محليًا أجياد المفاخر بزواهر لآليك - ورد على كتابك الكريم، مورد الإعزاز والتكريم ... إلخ".

стр. 107

وما من أديب أو مستأذب في هذه الفترة حتى أخريات القرن التاسع عشر، وأوائل القرن العشرين إلا واهتم بكتابة الرسائل، يظهر فيه أدبه ويشهر براعته، وإذا كانت المقالة قد اتخذت طابعًا آخر، وجنحت إلى الأسلوب المرسل غالبًا، فقد ظلت الرسائل موضع احتفاء الكتاب، وتأنقهم وكان شيخهم في ذلك جميعًا عبد الله فكري، وقد وضع النموذج لهم بمحاكاته لكتاب القرنين الثالث، والرابع فنسجوا على منواله في مختلف رسائلهم، وها هو ذا الشيخ محمد عبده يسجل له الشيخ رشيد رضا أكثر من أربعين رسالة، ولنكتف منها بقوله من رسالة للشيخ إبراهيم اليازجي. "وصل كتابك يحمل من العذر مقبوله، ويرتاد من الرضا مبذوله، ولقد كنت تعلم أني ما أردتك إلا لنفسك، فالحمد لله إذ أرجعك إليها، وله الشكر على ما عطفك عليها، وما أنا بالمقصر بك عما سألت، ولا الذاهب بك إلى خلاف ما طلبت، وغاية قولي لا تثريب عليك اليوم يغفر الله لك، وهو أرحم الراحمين، حياتنا شح روحها المحبة، والمحبة شبح الإخلاص، فما أسعد وقتًا ترى فيه حياتك منتعشة بروحها زاهرة بسر الإخلاص فيها، وليس بذاهب عنك أنك كما تكون يكون الناس لك، وأسأل الله أن ينفي عنك خواطر السوء، ويزيح عن روحك الطيبة وساوس الغرور، ويمن علي برؤيتك عند الغاية التي أحب لك، وسلامي عليك وحدك من بين أهلك، ولتكن مواصلتك دائمة السلام". ونلاحظ على هذا الكتاب أنه بقلم رجل الدين المتأدب، فيه شيء من غلبة الفكرة على العاطفة، وفيه استشهاد بالقرآن، والحكمة، وفيه طبع رجل الدين الذي يؤثر الموعظة والهداية، وهذه ظاهرة نلمسها في معظم رسائله، وقد مرت بنا إحداهما من قبل حين كان سجينًا في أعقاب الثورة العرابية. ومن رسائله التي يجدر أن ننوه بها لاتصالها بما نحن فيه تلك الرسالة، التي أرسلها إلى الشاعر حافظ إبراهيم حين أهداه ترجمته للجزء الأول من كتاب "البؤساء"، وقد كتب إليه حافظ يقول: "إنك موئل البائس، ومرجع البائس، وهذا الكتاب - أيدك الله- قد ألم بعيش البائسين، وحياة البائسين وضعه صاحبه تذكرة لولاة الأمور، وسماه كتاب البؤساء، وجعله بيتًا لهذه الكلمة الجامعة، وتلك الحكمة البالغة "الرحمة فوق العدل". وقد عنيت بتعريبه لما بين عيشي، وعيش أولئك البؤساء من صلة النسب، وتصرفت فيه بعض التصرف، واختصرت بعض الاختصار، ورأيت أن أرفعه إلى مقامك الأسنى، ورأيك الأعلى، لأجمع في ذلك بين خلال ثلاث: أولها التيمن باسمك، والتشرف بالانتماء إليك، وثانيها ارتياح النفس وسرور اليراع برفع ذلك الكتاب إلى الرجل الذي يعرف مهر الكلام، ومقدار كد الأفهام، وثالثها امتداد الصلة بين الحكمة الغربية، والحكمة الشرقية بإهداء ما وضعه حكيم المغرب إلى حكيم المشرق، فليتقدم سيدي إلى فتاة بقبوله، والله المسئول أن يحفظه للدنيا والدين، وأن يساعدني على إتمام تعريبه للقارئين.

стр. 108

محمد عبده: فأجابه الشيخ محمد عبده بهذه الرسالة التي تعد تقريظًا له: "لو كان بي أن أشكرك لظن بالغت في تحسينه، أو أحمدك لرأي لك فينا أبدعت في تزيينه، لكان لقلمي مطمع أن يدنو من الوفاء بما يوجبه حقك، ويجري في الشكر إلى الغاية مما يطلبه فضلك، لكنك لم تقف بعرفك عندنا، بل عممت به من حولنا، وبسطته على القريب، والبعيد من أبناء لغتنا. رفقت إلى أبناء اللغة العربية عذراء من بنات الحكمة الغربية سحرت قومها، وملكت فيهم يومها، ولا تزال تنبه منهم خامدًا وتهز فيهم جامدًا، بل لا تنفك تحيى من قلوبهم ما أماتته العشرة، وتقوم من نفوسهم ما أعوزت فيه الأسوة، حكمة أفاضها الله على رجل منهم، فجردها من ثوبها الغريب وكساها حلة من نسج الأديب، وجلاها للناظر، وحلاها للطالب، شيقة إلى مؤانسة البصائر: تهش للفهم، وتبش للطف الذوق، وتسابق الفكر إلى مواطن العلم، فلا يكاد يلحظها الوهم إلا، وهي من النفس في مكان الإلهام. حاول قوم من قبلك أن يبلغوا من ترجمة الأعجمي مبلغك، فوقف العجز بأغلبهم عند مبتدأ الطريق، ووصل منهم فريق إلى ما يحب من مقصده، ولكنه لم يعن بأن يعيد إلى اللغة العربية ما فقدت من أساليبها، ويرد إليه ما سلبه

стр. 109

المعتدون علهيا من متانة التأليف، وحسن الصياغة وارتفاع البيان فيها إلى أعلى مراتبه، أما أنت فقد وفيت من ذلك لا غاية لمزيد بعده، ولا مطمع لطالب أن يبلغ حده، ولو كنت ممن يقول بالتناسخ لذهبت إلى أن روح ابن المقفع كانت من طيبات الأرواح، فظهرت لك اليوم في صورة أبدع، ومعنى أنفع، ولعلك قد سننت بطريقتك في التعريب سنة يعمل عليها من يحاوله بعد ظهور كتابك، ويحملها الزمان إلى أبناء ما يستقبل منه، فتكون قد أحسنت إلى الأبناء، كما أجملت في الصنع مع الآباء، وحكمت للغة العربية ألا يدخلها بعد من معجمة سوى ما هو في الأسماء -أسماء الأماكن والأشخاص، لا أسماء المعاني والأجناس، ومثلي يعرف قدر الإحسان إذا عم، ويعلي مكان المعروف إذا شمل، ويتمثل في رأيه يقول الحكيم العربي: ولو أني حبيت الخلد فردًا ... لما أحببت بالخلد انفرادا فلا هطلت علي ولا بأرضي ... سحائب ليس تنتظم البلادا فما أعجز قلمي عن الشكر لك، وما أحقك بأن ترضى من الوفاء باللقاء ... إلخ". وفي هذه الرسائلة يشير الأستاذ الإمام إلى ما كانت تعانيه اللغة على ألسنة الذين يتصدون للترجمة، حيث تلتوي العبارات بين أيديهم، وتغلبهم الأساليب الأعجمية على أمرهم، ويعجزون عن أداء كثير من المعاني لفقرهم في اللغة، ويضطرون إلى حشد كثير من الكلمات الأجنبية لجهلهم بنظائرها في العربية، وإذا أتيح لأحدهم أن يتخلص من كل ذلك، فقل أن يكون يراعه من القوة بحيث يضفي على أسلوبه ثوب الأديب، وتأتي جمله حسنة السبك، قوية الأداء، عليها من الجمال طلاوة كما فعل حافظ، ولقد صارت ترجمته هذه نموذجًا لبعض الأدباء من بعده من أمثال محمد السباعي، وأحمد حسن الزيات، ومحمد عوض، وطه حسين، كما تنبأ الشيخ الإمام. وللشيخ محمد عبده مواقف رائعة في نهضة اللغة، والأساليب الصحيحة وبيناها في كتابنا "الأدب الحديث"!، والذي يعنينا هنا أنه حاول في أخريات حياته أن يتخلص من السجع، وأن يتوب عنه كما يذكر في رسالة كتبها إلى حفني ناصف: تسجع لي في كتابتك، وتطمع أن أسجع لك في جوابك، كأنك لم تسمع أني تبت عن السجع، حتى ول ساق إليه الطبع، فماذا أصنع بك، وقد نقضت توبتي بأدبك؟ ". وسنرى بعد قليل كيف اشتدت الحملة ضد السجع في أوائل القرن العشرين حتى من هؤلاء الذين برعوا فيه، وكيف أن السجع وجد من يدافع عنه ويحميه، ومن الأدباء الذين اشتهروا برسائلهم الأدبية في تلك الحقبة: حمزة فتح الله، وعبد الكريم سلمان، وأديب إسحاق، والشيخ أحمد مفتاح، ومحمد دياب، وحسن توفيق العدل، ومحمود أبو النصر، وحفني ناصف، وإبراهيم اليازجي، وفتحي زغلول، ولكل منهم شخصيته وتفكيره، وهم يختلفون كذلك في ثقافاتهم فمنهم اللغوى، ومنهم القانوني ومنهم الأديب، ومنهم العالم، وإن حاول كل منهم أن يصطنع الأسلوب الأدبي في رسائله.

стр. 110

حمزة فتح الله: فالشيخ حمزة فتح الله مثلًا اشتهر بلغوياته، ومن أقل رسائله احتفاء بالغريب قوله: مولاي، أما الشوق إلى رؤيتك فشديد، وسل فؤادك عن صديق حميم، وود صميم وخلة لا يزيدها تعاقب الملوين، وتألق النيرين إلا وثوقًا في العرى، وإحكامًا في البناء، وإنماء في الغراس، وتشييدًا في الدعائم، ولا يظن سيدي أن عدم ازدياري ساحته الشريفة، واجتلائي طلعته المنيفة، لتقاعس أو تقصير، فإن لي في ذلك معذرة اقتضت التأخير، والسيد "أطال الله بقاءه"، أجدر من قبل معذرة صديقه، وأغضى عن ريث استدعته الضرورة". وفي هذه الرسالة -كما نرى- بعض الكلمات التي آثراها الشيخ بالاستعمال مع أن سواها كان أولى كالملوين وازدياري وريث، ولكنها في جملتها محكمة النسج، شديدة الأسر.
следующие страницы →