Полный текст (2 248 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
وإن كان ابنُ العربي قد خالف في ذلك، ورَضِيَ قَوْلًا آخر (١)، حَمْلًا للنفس على العزيمة، وأداءً لحق هذه الفريضة، التي كادت الرخصة أن تُعَفِّي آثارها.
وقال ابنُ العربي مُتَحَدِّثًا عن دعواته الثلاث؛ التي سأل الله إيَّاها وهو يتضلَّع من ماء زمزم المبارك: "وقد كنت بمكَّة في ذي الحجة سنة تسع وثمانين وأربعمائة، فكنت أَبِيتُ بين المقام وزمزم وأعتكفُ فيه، وأَتَذَكَّرُ قَوْلَ النبي ﷺ : "ماءُ زمزم لِمَا شُرِبَ له" (٢)، فكنتُ أَشْرَبُه بنِيَّةِ العِلْمِ آناء الليل والنهار، فوَهَبَنِي الله ما شاء، ولم أشربه بنية العمل، ودعوتُ الله بالملتزم ثلاث دعوات، فَرَأَيْتُ الاثنتين وبَقِيَتِ الواحدة، والله يَمُنُّ بها عليَّ، فهي العُمْدَةُ.
فكانت الأولى: أن يجعلني من العلماء، حتى لا يتكلم أَحَدٌ بشيء مِنْ فَنٍّ مِنَ العِلْمِ، إن كان حقًّا إلَّا عَلِمْتُه، وإن كان باطلًا إلَّا قَدَرْتُ عليه؛ إثباتًا للأوَّل، ونَفْيًا للثاني، فآتاني الله ذلك.
وآتاني الثانية، وبقيت الثالثة.
_________
(١) سراج المريدين: (٢/ ٣٨٤).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند عن جابر ﵁ عنه: (٢٣/ ١٤٠)، رقم: (١٤٨٤٩ - شعيب)، وابنُ العربي في العارضة عن ابن عباس ﵄: (٤/ ٢٣٣)، قال ابن حجر: "رجاله مُوَثَّقون، إلا أنه اختُلف في إرساله ووصله، وإرسالُه أصح"، الفتح: (٣/ ٤٩٣)، وذكر السخاوي أن ممَّن صحَّحه ابن عُيَينة والدِّمْياطي والمنذري، المقاصد الحسنة: (٣٥٧)، وضعَّفه ابنُ القطان الفاسي، ينظر: بيان الوهم: (٣/ ٤٧٨).
стр. 72
فيا ليتني كنتُ شَرِبْتُ ماء زمزم للعَمَلِ، ودعوت الله فيه في المُلْتَزَمِ" (١).
قال أبو محمد الأَشِيرِي -مُفَسِّرًا هذه الدعوات-: "أذكر من هذه الدعوات التي ذكر شيخُنا الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي ﵁ ما رجوتُ أنه نال بركتها، وصادف عند ربه خيرَها:
أمَّا العلم: فكُتبه وتواليفه تشهد له؛ فإنَّ له في علوم القرآن: من "التفسير"، و"الأحكام"، و"الناسخ والمنسوخ"، و"المشكل"، و"معاني أسماء الله تعالى"، و"معاني أسماء المؤمن"، وهو هذا الكتاب، وغير ذلك من علوم القرآن؛ ما تشهد بتبحره فيه.
وأمَّا علوم الحديث فله "كتاب النَّحريْنِ في شرح الصحيحين"؛ ما لم يَسْبِقْهُ أَحَدٌ إلى مثله، وله "عارضة الأحوذي في شرح الترمذي"، إلى غير ذلك من علوم الحديث.
وله في أصول الفقه مصنفات عدة.
وفي أصول الديانات مثلها.
وله في النحو "ملجئة المتفقهين"؛ ما أعرب عن تقدمه فيه.
وله نَيِّفٌ على ثلاثين تأليفًا؛ بين كبير ومتوسط وصغير، أكبرها ما يفي بنحو خمسة آلاف ورقة؛ وهو "النيِّرين في شرح الحديث"، و"أنوار الفجر في علوم الذِّكْرِ"، إلى غير ذلك ممَّا يطول ذِكْرُه.
_________
(١) سراج المريدين: (٢/ ٢١٤ - ٢١٦).
стр. 73
وأمَّا الدعوة الثانية: فهي -والله أعلم- الظهور في القيام بالحق، فقد وَلِيَ القضاءَ ببلده إشبيلية وأقام فيها العدل؛ حتى حسده من كان مساعدًا، ونابذه من كان معاندًا، ثم امتُحن فيه فصَبَرَ صَبْرَ أُولِي العزم؛ حتى انجلت محنته عن دين تَقِي، وعِرْضٍ نَقِي.
وأمَّا الثالثة -والله أعلم-: فهي الشهادة، فقد رُزِقَها ﵀، أُشخص عن بلده، وغُرِّبَ عن أهله وولده، حتى مات في غير وطنه، على خير سَنَنِه، فرحمة الله عليه ورضوانه، فلقد كان أَوْحَدَ زمانِه، وفردًا في جميع شانِه" (١).
وهذا الكلام ممَّا ينبغي أن يحفظ؛ لأنه يظهر منزلة ابن العربي وصدقه، ويظهر عَدْلَه وقِسْطَه، وعلمه ومعرفته، وهو شهاد من تلميذٍ إمامٍ في حَقِّ شيخه الإمام الحافظ، رحمهما الله ورضي عنهما.
وقال ابنُ العربي في المدينة النبوية الشريفة: "ولقد وصلتُ إليها والحمد لله، وأشرفتُ من الثَّنِيَّةِ، ورأيتُ النور ساطعًا إلى السماء بفضل الله تعالى، وصلَّيتُ في الروضة، وناجيتُ الرسول وَحْدِي لَيْلًا من جهة رأسه، وتسمَّيتُ له، وتشفَّعتُ به، فنسأل الله الذي يختص برحمته من يشاء، ويمنُّ على من يشاء من عباده؛ أن لا يجعل ذلك عناءً، ولا يُصَحره هباءً، بفضله ورحمته" (٢).
وقال ابنُ العربي -أيضًا- واصفًا هذه المناجاة الشريفة: "وقد كنتُ جِئْتُه ﷺ فناجيتُه من قِبَلِ رأسه الرفيع، بإزاء البلاطة، وقلت له: يا رسول
_________
(١) المقدمة الدراسية لكتاب المتوسط في الاعتقاد: (ص ١٩ - ٢٠).
(٢) سراج المريدين: (٢/ ٤١٣).
стр. 74
الله، إني فلان بن فلان، قَصَدْتُكَ مُسْتَغْفِرًا من ذنبي، مُتَشَفِّعًا بك إلى ربي، وقد بلَّغتنا عنه: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾، وقد فَعَلْتُ، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾، فافْعَلْ صلَّى الله عليك ما أخبرتَنا به عنه تعالى، وفارقتُه على هذا" (١).
وهو نَصٌّ يُظْهِرُ تعلق ابن العربي برسول الله ﷺ ، واهتباله بجلاله، وقوله: "إنه رأى نورًا ساطعًا إلى السماء"؛ ممَّا يَدُلُّ على شفوف بصره وبصيرته، ولعله شيء قد خُصَّ به، كما خُصَّ به بعض أهل الله وخاصَّتِه، ومناجاته لرسول الله ومعاهدته مما يَدُلُّ على أن هذه الطريقة سيرة مرويَّة، وحكاية محكيَّة، والله أعلم.
وقال في وصف مكة المعظمة: "وأمَّا من أراد الآخرة فعليه بمكَّة؛ فإنه يرى واديًا وَحِشَ المَنْظَرَةِ، رَمْلَةٌ هامدة، لا تُنبت مَرْعًى، محفوفًا بجبلين؛ شرقيًّا: أبو قُبَيْسٍ، وغربيًّا: كَدَاء -ممدودٌ-، حجارة مُسْوَدَّة، وشماريخه في السماء ممتدة، صَعْبُ المرتقى، عديم المرعى، في بطنه بَيْت قد بُني من حجارة سُودٍ؛ غير مُحْكَمَةِ النَّجْرِ، ولا مُرَتَّبَةِ الوضع، فما هو إلا أن يقع بصرك عليه فتجد لقلبك به عِلَاقَةً أشدَّ من عِلَاقَةِ الجارية الحسناء ذات الجمال، بقلب الشاب الذي عَدِمَ النساء، لا تمل من النظر إليه، ولا تسأم من الطواف به، في أحد أركانه حَجَرٌ أَسْوَد، إذا لَثَمْتَه وجدتَ أعذب من رُضاب الكِعاب، وأشهى من شَمِّ العُرْبِ الأتراب، فإذا غبتَ عنه تَلَفَّتَ قلبُك إليه أبدًا، وطلبتَ المَثَابَةَ إليه باقي عمرك، لغير معنًى
_________
(١) سراج المريدين: (٤/ ٢٢٢ - ٢٢٣).
стр. 75
ظاهر، وإنما هو معنى يضعه الله في قلوب المؤمنين، وآية في حِكْمَتِه، وسَعَةُ رحمةٍ للمؤمنين، وعِيَارٌ على لقائه يوم الدين" (١).
وفيه من رقة قلب ابن العربي، ومن جزالة لفظه؛ الشيء الكثير، وكأنه حديث عاشق محب؛ وَلَّهَهُ الحُبُّ وعذَّبه، ولوَّعه الغرامُ فما قرَّبه، وكأني به يهفو، ولا يغفو، ويرتفع، ولا يتَّضع، وظلَّ هذا حديثَه أبدًا، ونَجِيثَه سرمدًا، يرنو إليه، ويحنو عليه، رحمه الله تعالى ورضي عنه.
شِعْرُه:
وفيها قصائد طوال، أنشأها ابنُ العربي من حُرِّ كلامه، ورقيق لفظه، في تبتله وابتهاله، وشكواه وبلواه، وفيه نصيحته لإخوانه المريدين، وفيها يظهر إخلاصه، ومعاناته، وحَرِيٌّ بها أن تجمع وتضم لأخواتها التي صدرتْ عنه، وله في كل كتاب من كُتُبِه جملة طيبة مباركة، فتُفِيدُ من أراد أن يجمع شِعْرَه ويُخْرِجَه في ديوان من صَنْعَتِه.
فوائدُ رحلته:
وجلب في رحلته هاته نخبةً من الكتب التي لم يتقدَّمه إليها أحد من أهل بلده، ومعها غيرها ممَّا حصَّله في غربته، وسمعه في انتوائه، وفيها كُتُبٌ لم يظهر لها خبر إلى يوم الناس هذا، وعَقَدَ في "سِرَاجِهِ" (٢) هذا فَصْلًا لها، وقد عرَّفنا بها وبندرتها وعِزَّتِها في تعليقاتنا عليها.
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ٦١ - ٦٢).
(٢) سراج المريدين: (٤/ ٣٩٩ - ٤١٠).
стр. 76
قال ابن بشكوال: "وقَدِمَ بلده إشبيلية بعِلْمٍ كثير؛ لم يدخله أحد قبله ممَّن كانت له رحلة إلى المشرق" (١).
قال ابنُ العربي: "والحمد لله الذي جعلنا ممَّن رحل وحصَّل، وقيَّد وبلَّغ وأوصل، وأنذر بما لم يُنْذَرْ به من قبْل" (٢).
المبحث الثاني: مشيخةُ ابن العربي في رحلته
وذَكَرَ في هذا "السراج" جِلَّةً، وترجمنا لجملة منهم، ومنهم من لم يقع تعريفه في ديوان، ولم تُوجَدْ ترجمته في كتاب، ومنهم من أَلْغَزَ القاضي في ذِكْرِ اسمه، أو أشار وكان من قبيل المتفق والمفترق، والكَشْفُ عنه يحتاج لبحث ونظر، ونذكرهم على مراتبهم، ونسردهم بمناقبهم، والله الموفق.
الأوَّل: أبو بكر الطُّرْطُوشِي تـ ٥٢٠ هـ
ويذكره ابن العربي بأسماء، فهو: "أبو بكر الفِهْرِي" (٣)، و"أبو بكر الصُّوفِي" (٤)، و"أبو بكر القُرَشِي" (٥)، و"شيخي في العبادة" (٦)، و"الطُّرْطُوشِي" (٧).
_________
(١) الصلة: (٢/ ٢٢٨).
(٢) سراج المريدين: (٤/ ٣٩٩).
(٣) سراج المريدين: (٢/ ٣٦٦).
(٤) سراج المريدين: (٢/ ٢٥٣).
(٥) سراج المريدين: (٢/ ١٠٠).
(٦) سراج المريدين: (٢/ ٢١١).
(٧) سراج المريدين: (٢/ ٤٧٨).
стр. 77
وأفاد منه بعضَ الحكايات والأشعار، وغيرها ممَّا يأتي ذِكْرُه في مصادر "السراج"، وهو مُوَقِّرٌ له ومُعَظِّم لمنزلته، وذَاكِرٌ له بأفضاله، وسَنِيِّ أحواله، وقد ترجمناه في تعليقاتنا على "السراج" (١)، في السِّفْرِ الأوَّل منه.
الثاني: أبو علي الحلبي ت ٤٩٢ هـ
خطيبُ المسجد الأقصى -طهَّره الله-، ترجمه ابنُ العديم في "تاريخ حلب"، ومصدره في ترجمته هو كتابنا هذا؛ "سراج المريدين"، قال ﵀: "خطيب المسجد الأقصى، كان وَرِعًا متدينًا، وله كلام حسن مُبِين، أخذ عنه أبو بكر بن العربي الإمام، صاحب كتاب الأحكام، وذَكَرَه في أوَّل كتابه في سراج المريدين" (٢).
وساق ابنُ العربي خطبته التي سمعها منه بالمسجد الأقصى (٣)، وذَكَرَ استشهاده (٤)، فأفاد أنه من جملة شهداء بيت المقدس إبَّان دخول الصليبيين عام ٤٩٢ هـ.
الثالث: أبو الفضائل بن طوق تـ ٤٩٤ هـ
الإمام الزاهد، محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن طوق البغدادي الشافعي، أبو الفضائل بن طوق، سمع من أبي الطيب الطبري، وتفقَّه على أبي إسحاق الشيرازي، وأخذ عن أبي القاسم القُشَيري، يروي عنه ابن
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ١٩).
(٢) بغية الطلب: (١٠/ ٤٥٣٣).
(٣) سراج المريدين: (١/ ٦).
(٤) سراج المريدين: (١/ ١٠).
стр. 78
العربي كتاب "الرسالة إلى الصوفية بأُفُقِ الإسلام"، و"التحبير في علم التذكير"، كلاهما للقُشَيري (١).
الرابع: أبو سعد الزنجاني تـ ٤٩٢ هـ
الإمام العلَّامة، محمد بن طاهر الزنجاني، أبو سعد الخراساني، نزيل بيت المقدس، أخذ عن إمام الحرمين، وأبي المظفر الإسفراييني، وأبي القاسم القُشَيري، روى ابنُ العربي عنه كتاب "الإرشاد" و"الشامل" و"البرهان"؛ جميعها لأبي المعالي، وكتاب "الأوسط في الاعتقاد" لأبي المظفر، و"لطائف الإشارات" لأبي القاسم، لقيه ببيت المقدس عام ٤٨٧ هـ، وأفاد منه، وروى عنه مجالسه في التفسير والفقه والتذكير، ونثر كثيرًا منها في كتابه هذا؛ "سراج المريدين"، ويظهر لي -والله أعلم- أنه من جملة من استُشهد عند دخول الصليبيين بيت المقدس عام ٤٩٢ هـ، ويدل على ذلك نعتُ ابن العربي له بالشهيد (٢).
الخامس: أبو الحُسَين ابن الطُّيُوري تـ ٥٠٠ هـ
الإمام الحافظ، أبو الحُسَين المبارك بن عبد الجبَّار الصيرفي البغدادي، ابن الطُّيُورِي، وتفنَّن ابن العربي في إيراد اسمه، فمرة: أبو الحُسَين الصوفي، ومرة: أبو الحُسَين الأزدي، ومرة: المبارك بن عبد الجبَّار، وغيرها من صِيَغٍ وصُوَرٍ.
_________
(١) ينظر في ترجمته: طبقات الشافعية لتاج الدين: (٤/ ١٠٢ - ١٠٣).
(٢) ينظر: سراج المريدين: (٢/ ٢٦٩)، وقانون التأويل: (ص ٩٧)، وفهرس ابن خير: (ص ٣١٩).
стр. 79
السَّادس: أبو بكر محمد بن طَرخان التركي ت ٥١٣ هـ
الإمام المحدث، محمد بن طَرْخَان بن يَلْتكين بن مُبارِز بن بَجْكَم التركي، أبو بكر النَّجِيب بن الأسعد الصُّوفِي البغدادي، والطَّرْخَان: اسم للرئيس الشريف في قومه، وضبطه السيِّد الزَّبيدي (١) بالفتح، وغلَّط من ضبطه بغير ذلك، وكان ذا حظ من عبادة وتأله وزُهْدٍ، لقيه ابن العربي ببغداد، وسمع منه الكثير (٢).
السَّابع: إسماعيل الأصبهاني تـ ٥٣٥ هـ
الإمام الحافظ، قِوَامُ السنة، إسماعيل بن محمد بن الفضل القُرَشي التَّيْمِي، أبو الفضل الأصبهاني، عُرف بالجُوزِي، ومعناه -بلسان أهل أصبهان-: الطير الصغير، من أعيان العلماء، ومن أكابر المفسرين، لقيه ابن العربي عام ٤٨٩ هـ بمكَّة المعظَّمة، وكذلك ببغداد عام ٤٩٠ هـ، وسمع منه وأفاد، وسمع منه "الأحاديث المسلسلة" من تأليفه (٣).
الثامن: أبو حامد الطُّوسِي تـ ٥٠٥ هـ
الإمام العلَّامة، حجة الإسلام، محمد بن محمد الغزالي، أبو حامد الطوسي، لقيه ابنُ العربي عام ٤٩٠ هـ ببغداد، وقرأ عليه جملة من كتبه، منها: "إحياء علوم الدين" (٤)، قال فيه القاضي: "كان رجلًا إذا عاينته رأيت جمالًا ظاهرًا، وإذا عالَمته وجدت بحرًا زاخرًا، وكلما اختبرت احتبرت،
_________
(١) تاج العروس: (٧/ ٣٠٢).
(٢) ترجمته في: سير النبلاء: (١٩/ ٤٢٣)، وطبقات الشَّافعية للتاج: (٦/ ١٠٦ - ١٠٧).
(٣) ينظر: سراج المريدين: (٢/ ١٥٠).
(٤) العواصم: (ص ٢٤).
стр. 80
فقصدتُ رباطه، ولزمت بساطه، واغتنمتُ خلوته ونشاطه، وكأنما فَرَغَ لي لأبلغ منه أملي، وأباح لي مكانه، فكنتُ ألقاه في الصباح والمساء، والظهيرة والعشاء، كان في بزَّته أو بذلته" (١).
وتارة يذكر اسمه، وهو الأقل، وتارة لا يذكره، بل يشير إليه من طرف خفي، كقوله: قال بعض الصوفية، أو كقوله: قال بعض الزهاد، ويرد -أيضًا- بأسماء أخرى، فهو: ذانشمند، وذانشمند الأصغر، والطُّوسِي، وأبو حامد، وغيرها من التسميات، ويأتي مزيد تفصيل في صِلَةِ ابن العربي به في فصل مصادر "السراج".
التاسع: المبارك بن سعد البغدادي تـ ٥٠٥ هـ
أبو الحسن المبارك بن سعيد بن محمد بن الحسن الأسدي البغدادي، ابن الخشَّاب التاجر، دخل الأندلس عام ٤٨٣ هـ، وحدَّث بها عن الشهاب القُضاعي والخطيب البغدادي، وسمع منه جِلَّةُ أهل العلم بالأندلس، ويروي عنه ابنُ العربي كتاب "التاريخ الكبير" للبخاري، قال فيه ابن بشكوال: "كان من أهل الثقة والصدق والثروة" (٢)، توفي في ذي القعدة من عام ٥٠٥ هـ ببغداد.
العاشر: عبد الله بن عبد الرزاق بن فُضَيل الدمشقي تـ ٤٩٢ هـ
المُحَدِّثُ المُسْنِدُ، عبد الله بن عبد الرزاق بن عبد الله بن الحُسَين بن فُضَيل، أبو محمد بن أبي القاسم الدمشقي، روى عن جماعة من أهل العلم (٣).
_________
(١) قانون التأويل: (ص ١١٢).
(٢) الصلة: (٢/ ٢٧٦).
(٣) ترجمته في: تاريخ دمشق: (٢٩/ ٣٤٠).
стр. 81
الحادي عشر: أبو المُطَهَّرِ الأصفهاني
الفقيه القاضي، أبو المُطَهَّر الأَثِيرِي، سعد بن أَثِير الدولة أبي محمد عبد الله بن أبي الرجاء الأصبهاني المعداني، شيخ الشافعية بها، لقيه ابن العربي ببغداد وسمع منه عام ٤٩٠ هـ، وروى عنه الكثير، ويأتي مزيد تفصيل في مروياته في فصل مصادر "السراج" (١).
الثاني عشر: أبو علي الحضرمي القَرَوِي
الإمام العلَّامة المُتَفَنِّنُ، شيخ السُّنَّةِ، الحسن بن علي بن الحسن القروي، أخذ عن الأَذَرِي، وابن مُنير، وحضر عنده ابنُ سابق الصقلي، ونزل الإسكندرية، وبها توفي، وبلغت عدة كتبه ثلاثة آلاف مجلد، لقيه ابنُ العربي بالإسكندرية، وكتب له بخطه ما سأله عنه، ونثر فوائده في كتبه (٢).
الثالث عشر: ابنُ أبي نصر التميمي القَرَوِي تـ ٥١٢ هـ
الإمام الحافظ، والمقرئ المتكلم، محمد بن عَتِيق بن محمد بن أبي نصر التَّمِيمِي القَرَوِي، أبو عبد الله بن أبي كُدَيَّة، أخذ بالقيروان عن الإمام أبي عبد الله الأَذَرِي، صاحب القاضي أبي بكر الباقلَّاني، دَرَسَ عليه عام ٤٤٣ هـ، وأخذ أبو عبد الله بالأندلس عن ابن عبد البر، وسمع بمصر من
_________
(١) أخباره في: القانون: (ص ١٠٥)، والعواصم: (ص ٥٩)، وتاريخ الإسلام: (١٠/ ٦٤٩).
(٢) ينظر في ترجمته وأخباره: مشيخة أبي عبد الله الرازي: (ص ٢٨٨)، ومعجم السَّفر: (ص ١٨٦، ٣٠١)، وأحكام القرآن: (٢/ ٦٧٠).
стр. 82
الشِّهاب القُضاعي، ودخل دمشق قبل عام ثمانين وأربع مائة، لقيه ابنُ العربي ببغداد، وأخذ عنه واختصَّ به، وكان أبو عبد الله قائمًا بعلم الكلام، مناظرًا فيه، مُسْتَوْليًا على مباحثه ومطالبه، فتصدَّر بالنِّظامية، وأخذ الناس عنه ذلك، توفي ﵀ عام ٥١٢ هـ، وقد نَيَّفَ على التسعين، ودُفِنَ في تُرْبَةِ إمام أهل السنة أبي الحسن الأشعري (١).
الرابع عشر: أبو المعالي شِيذَلَة تـ ٤٩٤ هـ
الإمام الفقيه، الأصولي المتكلم، الواعظ الصوفي، أبو المعالي شِيذَلَة، عَزيزي بن عبد الملك بن منصور الجِيلي، استُقضي ببغداد، وأصله من جَيْلان، أخذ عن شيخ الشافعية أبا الطيِّب الطبري، وآخرين، روى عنه ابنُ سُكَّرَةَ، وانتفع الوعَّاظ بتصانيفه، وله كتاب في "مصارع العشاق" (٢).
الخامس عشر: محمد بن عبد الملك التِّنِّيسِي المصري
لم أهتد إلى ترجمته بعد طول بحث، وهو من أصحاب الواعظ الشهير أبي الفضل الجوهري، ويُكثر ابن العربي عنه رواية نوادره، وينوع القاضي في اسمه، فمرة هو: محمد الفُسْطَاطِي، ومرة: محمد الصُّوفِي، ومرة: محمد بن عبد الملك، ويأتي مزيدُ ذِكْرٍ له في السِّفْرِ الثاني من كتابنا هذا (٣).
_________
(١) ترجمته في: تاريخ دمشق: (٥٤/ ١٨٨ - ١٩٠)، ومعجم البلدان: (٤/ ٤٢١)، وسير النبلاء: (١٩/ ٤١٧ - ٤١٨)، والوافي بالوفيات: (٤/ ٥٩).
(٢) ترجمته في: طبقات الشافعية: (٥/ ٢٣٥ - ٢٣٦)، والوافي بالوفيات: (٢٠/ ٧٢).
(٣) ينظر: المطرب لابن دحية: (ص ٢١٤)، ورحلة ابن رُشَيد: (٥/ ١٣٩)، ونفح الطيب: (٢/ ٤٢).
стр. 83
السَّادس عشر: الحاج أحمد بن محمد اليمني
لم أهتد إلى معرفته، وهو من أصحاب أبي الفضل الجوهري المصري، وغالب الظن أن يكون لقيه بمصر، فقد أخذ ابنُ العربي عن عَدَدٍ من أصحاب الجوهري، والله أعلم.
السَّابع عشر: القاضي النَّسَوِي
ذَكَرَه ابنُ العربي -أيضًا- في "الناسخ والمنسوخ" (١)، وهو من العلماء المجاورين ببيت المقدس، وأحد الوعَّاظ المتكلمين على أحوال النفس وسُبُلِ تزكيتها، وكان ملازمًا لمهد عيسى ﵇، وشيخ الصوفية به، ويظهر من خلال نقولات ابن العربي أنه من تلاميذ الإمام أبي القاسم القُشَيري، هذا الذي أمكنني معرفته عنه، ولم أجد له ذِكْرًا في كتاب آخر غير ما ذكرتُ (٢).
الثامن عشر: نصر بن إبراهيم المقدسي تـ ٤٩٠ هـ
قال ابنُ العربي في التعريف به: "وقد رأيتُ من أهل التَّبَتُّلِ جماعةً؛ لم أَرَ فيهم أَحَدًا يَعْدِلُ أبا الفَتْحِ نَصْرَ بن إبراهيم، الإمامَ الزاهدَ، لَقِيتُه في جمادى الآخرة سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وكان ابتداءُ حاله أن أصله من "نابُلُسَ"؛ قَرْيَةِ حريق إبراهيم، خَيْف بين جبلين، أنهارًا وثمارًا وظِلَالًا، ومياهًا باردة، ونِعْمَةً سابغة، وأَمْنًا مُطَّرِدًا.
_________
(١) الناسخ والمنسوخ: (٢/ ١٦٥).
(٢) ينظر: سراج المريدين: (٢/ ٤٤٩).
стр. 84
ونَشَأَ مع أبيه "ببيت المقدس"، وكانت لهم دُورٌ وضِيَاعٌ، فتوفي أبوه وهو شابٌّ، فبقيُ مدَّةً، ثم جَذَبَتْهُ سَابِقَة سَعِيدِيَّة، فخطفت من قلبه المحبة الدنياوية، وخرج حاجًّا، ثم جاهد ورجع إلى الموطن، فحَبَّسَ إحدى دَارَيْهِ على الطلبة مع مُعْظَمِ ماله، وجَعَلَ النَّظَرَ فيها إلى يحيى بن مُفَرِّج شَيْخِ أصحابه، وشَرَطَ أنَّ نَصِيبَه منها كأَنْصِبَائِهِمْ، وحبَّس الدار الأخرى على الأيتام الذين لا أَبَ لهم، وضَيْعَةً من ضِيَاعِه ليُنْفَقَ عليهم منها، حتى يتعلَّموا القرآن.
وخرج إلى "دمشق" لأجل كونها حينئذ في طاعة المصريين، واعتكف "بجامع دمشق" أربعين عامًا، وكان يأتيه نصيبُه مع الطلبة فعَيْشُه منه، وتَبَتَّلَ هذه المدة العُظْمَى، وانقطع إلى الله عَالِمًا مُتَعَلِّمًا مُعَلِّمًا، حتى توفي سنة تسعين وأربعمائة، وعليه جُبَّةُ سِمْطٍ سوداء -أخبرني بعضُ أصحابنا أنه بها دَخَلَ مُعْتَكَفَه-، ودَوَاةٍ، وسَطلٍ صُفْرٍ كان يشرب به ويتوضَّأ، قال لي: حَجَّ معي وغَزَا، ونَيَّفَ على التسعين وهو يَكْتُبُ في "المِزْهَرِيِّ" ثمانين سَطْرًا بخطٍّ دقيق، لكنَّ أسنانه تساقطتْ، ومات وما تلَّبس بالدنيا ولا صَحِبَ من أهلها أحدًا، ولا رأى إلَّا من دخل إليه مُتَعَلِّمًا، وملأ أصحابُه الآفاق وأنجب، فنِعْمَ ما نَجَبَ" (١).
وفي هذه الترجمة ما لا يُوجَدُ في غيرها، من تراجم الفقهاء والعلماء والمؤرخين، وحَرِيٌّ بها أن تعتمد، وأن يذكر هذا "السراج" في مصادر ترجمته.
_________
(١) سراج المريدين: (٢/ ٢٠٦ - ٢٠٨).
стр. 85
التاسع عشر: يحيى بن مُفَرِّج المقدسي
الإمام العلَّامة، يحيى بن مُفَرِّج المقدسي، القاضي الرشيد، صاحب المدرسة الشَّافعية، من كبار أصحاب الإمام نصر بن إبراهيم، وهو من شيوخ ابن العربي، حضر عنده في المناظرة بمدرسته؛ ومعه فيها من جاور بالمسجد الأقصى من علماء الآفاق، وكان استخلفه الفقيه نَصْرٌ على مدرسته تلك، وتسمى مدرسته أيضًا بالمدرسة الناصرية (١).
المُوَفِّي عشرين: أبو القاسم بن الخواتيمي
عبد الجليل بن عمر بن محمد بن بكران المقدسي، ابن الخَوَاتِيمِي (٢) الطبيب، سمع ببيت المقدس من الفقيه نصر بن إبراهيم، وقَدِمَ دمشق بعد أَخْذِ بيت المقدس فاستوطنها، وبها توفي، وكان ينظر في وقوف الجامع، ويتولَّى البيمارستان (٣).
الحادي والعشرون: سلمان القَيْسَرَانِي
سلمان بن ندى بن طِراد القيسراني، الفقيه الشَّافعي، كان إمامًا في الفقه، حافظًا له، مولده في رجب من عام ٤٣٨ هـ (٤). وكان مقيمًا بالمقتدية ببغداد (٥).
_________
(١) سراج المريدين: (٢/ ٢٠٧).
(٢) سراج المريدين: (٢/ ٢٢١).
(٣) ترجمته في؛ تاريخ دمشق: (٣٤/ ٤١).
(٤) ترجمته في: تاريخ دمشق: (٢١/ ٤٧٨).
(٥) سراج المريدين: (٤/ ٤٢٥).
стр. 86
الثاني والعشرون: أبو منصور الشيرازي الصُّوفِي
الإمام أبو منصور من علماء بغداد ووُعَّاظِها، وكان له مجلس يُذَكِّرُ فيه الناس، قال الإمام ابنُ العربي: "وحضرتُ يومًا مجلس شيخنا الإمام أبي منصور الشيرازي بنهر مُعَلَّى، وعادةُ الوُعَّاظِ ألَّا يرقى المنبر إلَّا عالم يجيب عن كل سؤال" (١)، ونهر المُعَلَّى هو الموضع الذي كان فيه دَسْتُ الخلافة ومحلها، وفيه نزل ابنُ العربي مع والده.
الثالث والعشرون: ابنُ أبي الجِنِّ الدمشقي تـ ٥٠٨ هـ
الإمام الحافظ الشَّريف، أبو القاسم علي بن إبراهيم بن العباس بن الحسن بن السَّيِّد الرئيس أبي الجِنِّ حُسَين بن علي، كان مُحَدِّثًا نبيلًا، وثقة كريمًا، من أهل الأثر والرواية، ومن صدور أهل السنة والجماعة، وكان له اعتناء بالسماع والانتخاب، وحصَّل أصولًا نفيسة، أخذ عنه جماعة (٢).
الرابع والعشرون: أبو بكر الشَّاشِي تـ ٥٠٧ هـ
الفقيه الإمام، شيخ الشَّافعية، وفخر الإسلام؛ محمد بن أحمد بن الحُسَين بن عمر الشَّاشِي، له "حلية العلماء"، وهو المسمَّى "المستظهري"، و"المعتمد"، و"الشافي"، و"العمدة"، وغيرها (٣).
الخامس والعشرون: ابنُ عَقِيلٍ الحنبلي تـ ٥١٣ هـ
الإمام العلَّامة الحافظ، أبو الوفاء علي بن عَقِيل البغدادي الحنبلي، صاحب التصانيف، عُرف عنه التبحر في العلوم، والتوسع في المعقوليات
_________
(١) سراج المريدين: (٢/ ٤٤٤).
(٢) سراج المريدين: (٤/ ٧٦).
(٣) سراج المريدين: (٤/ ٥١)، والقانون: (ص ١١١).
стр. 87
منها، وله كتاب كبير سمَّاه "الفنون"، ضمَّنه مناظراته ومحاوراته، وفيه من كل فن وعلم، أصله في أربعمائة سِفْرٍ، وقد أفاد ابنُ العربي من أبي الوفاء، ونثر بعض فوائده في كُتُبِه (١).
السَّادس والعشرون: ابن يوسف البغدادي تـ ٤٩٢ هـ
الفقيه العلَّامة المحدث، أحمد بن عبد القادر بن يوسف، أبو الحُسَين البغدادي، لقي أبا ذَرٍّ الهَرَوِي، وأخذ عن أبي القاسم الحُرفي، ودخل بلاد المغرب (٢).
السَّابع والعشرون: الطبيب ابن المنفوخ
أبو القاسم بن المنفوخ، من أهل مصر، ومن تلاميذ ابن رضوان، سمع منه ابن العربي بزقاق القناديل (٣).
الثامن والعشرون: محمد بن قاسم العثماني ت ٤٩٢ هـ
الفقيه الشَّهِيد، محمد بن قاسم العُثماني، أبو عبد الله الكاتب، نزيل بيت المقدس، روى عنه ابنُ العربي "نوادر أبي الفضل الجوهري"، و"قصيدة ابن عبد الصمد السرقسطي" في إكرام الشيوخ والبِرِّ بهم، وسمعها منه ببيت المقدس، وروى عنه "قصيدته في مناسك الحج"، وسمعها منه بمصر إبَّان وروده عليها من إفريقية، ويُفْهَمُ من نَعْتِ ابن العربي له بالشهيد بأنه من جُمْلَةِ من استُشْهِدَ من المرابطين ببيت المقدس، فتكون وفاته في شعبان من عام ٤٩٢ هـ، عند دَخْلَةِ الصَّلِيبِيِّينَ (٤).
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ٣٩٠).
(٢) سراج المريدين: (٣/ ٨٣).
(٣) سراج المريدين: (١/ ١٩١).
(٤) ينظر: قانون التأويل: (ص ٨٩)، وأحكام القرآن: (٤/ ١٧٤٢)، وفهرس ابن خير: (ص ٥٠٧).
стр. 88
التاسع والعشرون: مهدي الورَّاق
الإمام العلَّامة، مهدي بن يوسف بن غلبون، أبو يوسف الورَّاق، لقيه ابنُ العربي بثغر الإسكندرية عام ٤٨٥ هـ (١)، وأدخل إلى الأندلس كتابه في نقض "التجريد" للطَّبَرِي؛ الذي نقض به -في زَعْمِه- كتاب "التمهيد" للباقلَّاني (٢).
وروى ابنُ العربي عنه كُتُبَ القاضي عبد الوهاب؛ "التلقين" (٣)، و"المعونة" (٤)، وهو من آخر الرواة عن القاضي عبد الوهاب، سمع منه عام ٤٢١ هـ.
المُوَفِّي ثلاثين: أبو عامر العَبْدَرِي الظاهري
وإنَّما أشار إليه من غير أن يُسَمِّيَه، والعبدري هذا من حُفَّاظِ المحدثين، ومن نَقَدَتِهم، أصله من الأندلس، ونزل بغداد، روى عنه ابنُ العربي وسمع منه.
الحادي والثلاثون: أبو عبد الله النحوي
هو الفقيه المقرئ النحوي محمد بن عبد الرحمن المغربي، نزيل بيت المقدس، أفاد منه ابنُ العربي مسائل في النحو، وذكره في كتبه، ووصفه بالزهد والخير (٥).
_________
(١) فهرس ابن خير: (ص ٣٠١).
(٢) سراج المريدين: (٤/ ٤٠٩).
(٣) فهرس ابن خير: (ص ٣٠١).
(٤) فهرسة المنتوري: (ص ١٧٨).
(٥) سراج المريدين: (٣/ ٢٩٣).
стр. 89
المبحث الثالث: مشاهداته
قد تقدَّمت بعضُ هذه المشاهدات (١)، وقد خصَّص لها الإمام ابن العربي كُتُبًا مفردة، ضمَّنها ما رآه وما استحسنه، وما استغربه واستعججه، فجعل الكل في كتاب "ترتيب الرحلة للترغيب في الملة"، وكتاب "عيان الأعيان"، وكتاب "شواهد الجِلَّةِ"، وكتاب "نزهة المناظر"، ونَثَرَ كثيرًا منها في مصنفاته، ككتاب "الأحكام"، و"القبس"، و"قانون التأويل"، و"عارضة الأحوذي".
وقد تضمَّن هذا "السراج" الكثير منها، فنشير إلى بعضها لتعرف، ولتطلب من مظانها، وفيها بعض عوائد الشرق، وبعض رسوم العلم بتلك البلاد، وفيها ما لم يعد له وجود في يوم الناس هذا.
مذبحةُ المسلمين ببيت المقدس:
وكان منها مذبحة المسلمين ببيت المقدس عام ٤٩٢ هـ، وذَكَرَ أن عدَّة من توفي من العابدين والعاكفين والعالمين ما يقارب ثلاثة آلاف، حصدتهم السُّيُوفُ في يوم واحد، فصاروا كأمسِ الذاهب (٢).
رباطات الصوفية:
قال ابنُ العربي فيها: "أو ينقطع إلى الرِّباطات مع الصوفية، فيجري عليه رِزْقُ الصوفية، وتَأَتِّي الغَداء والعَشاء إن كان مُفْطِرًا، أو العَشاء إن كان صائمًا، ويجتمعون عليه ويأكلون بأدب عظيم وحالة حسنة، وكذلك كان حال تلك الأرض؛ من باب بغداد إلى أقصى خراسان، واتفق ذلك بجُود
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ٦٠ - ٦١).
(٢) سراج المريدين: (١/ ٢٠).
стр. 90
الملوك وسَمْح الأغنياء، فإنهم يبنون المدارسَ والرِّبَاطَاتِ، ويُوقِفُونَ عليها العقارات، ويَسْتَدِرُّونَ منها في كل وقت فائد الغلَّات، فيجد الطالب للعلم مأوًى، ولا يعدَم المُقْبِلُ على الله المُعْرِضُ عن الدنيا رِزْقًا" (١).
المجاورون ببيت المقدس:
قال القاضي أبو بكر: "وأمَّا "المَسْجِدُ الأقصى" فكان منهم مَمْلُوءًا -كان- "بالسَّكِينة"، و"بمحراب زكرياء"، و"بباب التوبة والرحمة"، و"بمَهْدِ عيسى"، و"بقُبَّةِ السِّلْسِلَةِ"، و"بقُبَّةِ النَّبِيِّ ﷺ "، و"بقُبَّةِ جِبْرِيلَ ﵇ "، و"بالصخرة المقدَّسة"، و"بمحراب داود"، و"بباب حِطَّة"، و"بباب الأَسْبَاطِ"، بكُلِّ وَاحِدٍ رَجُلٌ عالمٌ منقطعٌ إلى الله، لم يخرج من المسجد مُذْ دخل إليه حتى استُشْهِدَ به.
وكان "ببيت رَامَةَ" مُتَعَبَّدِ إبراهيم، وبقرية "حَبْرُون"؛ حيث قبرُه، و"بحُلَحُول" قرية يونس حيث تُوُفِّيَ، و"بسَبَسْطِيَّة" قرية يحيى، و"بنابُلُس" -برابطة المنجنيق تتخذ لإبراهيم ﵇ جماعةٌ لا يُحْصَوْنَ؛ مشتغلين بالله، مقبلين عليه، خُرُوجًا عن الدنيا وإن كانوا فيها، معرضين عنها وإن كانوا منها" (٢).
وقال أيضًا: "كان يَرِدُ علينا في بيت المقدس كل عام من جبال الشام جماعة من المُتَبَتِّلِينَ؛ يصومون بالمسجد الأقصى شهر رمضان، ثم يرجعون إلى جبالهم وكهوفهم" (٣).
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ٦١).
(٢) سراج المريدين: (٢/ ٢٠٨ - ٢١٠).
(٣) سراج المريدين: (٤/ ٤٣٢).
стр. 91
العُبَّادُ بالمُنَسْتِيرِ:
قال الإمامُ أبو بكر: "ورأيتُ "بمُنَسْتِيرِ إفريقية" جماعةً على الطريقة المُثلى في العزلة عن الدنيا، أَقَمْتُ عندهم عشرين يومًا فكَأَنِّي في الآخرة؛ طِيبُ عِيشَةٍ، وسلامةُ دِينٍ" (١).
كَرَامَةٌ لزُهَّادِ المُنَسْتِيرِ:
قال الإمامُ الحافظ: "لمَّا دَخَلْتُ المُنَسْتِيرَ سنة أربع وتسعين وأربعمائة؛ أخبرني رؤساؤها العابدون، ومشيختها الزاهدون: أن الروم أَرْسَوا إليهم وطلبُوا شراء الماء منهم، على ما تفعله العرب معهم، فبذلوا لهم المال العظيم فيه فامتنعوا عليهم؛ لأنه عَوْنٌ لهم على غَزْوِ المسلمين، وحبَسَتْهُم الرِّيحُ عندهم أيَّامًا، حتى كادوا يموتون عَطَشًا، فأَخْرَجُوا أناجيلهم وفتَحُوها، وجَأَرُوا واستسقَوا واستشفعُوا، فأنشأ الله السَّحَابَ وأَلْقَحَها، وأمطرهم مَطَرًا عظيمًا، فسُقُوا وشُفِّعُوا، ونَصَبُوا الأنطاع، وجمعوا المياه، وملؤوا جِرَارَهم وجُرُبَهم.
قالوا لي: فلمَّا رأينا ذلك قامت المَشْيَخَةُ المُخْلِصَةُ وقالوا: معاشر المنقطعين إلى الله؛ إن هذه أمة كافرة أخلصت فاستُجِيب لها، فتعال نخلص فيهم لعله يُستجاب لنا، فنشرنا المصاحف وانتدبنا للدعاء؛ أن يُمَكِّنَنَا الله منهم، ولا يفتنَّا بهم، ولا يفتنهم بنا، فأرسل الله رِيحًا بحرية؛ فمحت السَّحاب وأعصفت عليهم، وهَالَ البَحْرُ، وعَظُمَ المَوْجُ، واضطربت القطائع، فكلَّما زادوا مَرْسًى زادت الريحُ، حتى قَطَعَتْ حبالهم، ورَمَتْهُم إلينا واحدةً بعد أُخْرَى، ترمي الأمواجُ بالقِطْعَةِ على الحجارة فتنكسرُ،
_________
(١) سراج المريدين: (٢/ ٢١٠ - ٢١١).
стр. 92
ويَخْرُجُونَ فتُضْرَبُ رِقَابُهم؛ واحدًا بعد آخَرَ، ويَقْذِفُ البَحْرُ جميع ما في القِطْعَةِ فنَغْنَمُه هكذا؛ واحدةً بعد أُخْرَى، حتى هَلَكَ جَمِيعُهم، والحمد لله رب العالمين" (١).
طرائق الوعاظ:
وشَاهَدَ منهم جملة، وذَكَرَ طرائقهم وسِيَرَهم ونوادرهم (٢)، وقَصَّ من أخبارهم، وفيها أمور مستغربة، ومسائل مستعذبة، نَثَرَها في السِّفْرِ الثاني من "السِّرَاجِ"، وذَكَرَ اعتناءهم بالشِّعْرِ وميلهم إليه (٣)، واهتبالهم بالإشارة (٤)، ومعرفتهم بالخواطر، وهي أمور لم تكن ببلاد المغرب، ولم يكن لهم بها اعتناء كما هو الحال في بلاد الشرق (٥).
جُودُ أبي سعيد بن الحدَّاد الأصفهاني:
قال ﵁: "ومن غريب الجُودِ: أنه حجَّ سنة تسعين أبو سعيد بن الحدَّاد الأصفهاني، أخو شيخنا إسماعيل البُنْدَار، نزيل بغداد، فدخل مدينة السَّلام؛ وحَمَلَ إلى الخليفة مالًا عظيمًا، وحمل الزَّادَ على ثلاثة آلاف جَمَلٍ، خرج من "النجمية" مُعَرَّسِ الحاج بالجانب الغربي منها، وأَطْعَمَ الحاجَّ من يوم خروجه إلى رجوعه؛ كل يوم، لا يهتبل أَحَدٌ بزاد، ولا ينظر في معيشة، ودَفَعَ إلى أمير الحاج وجَيْشِه الذي يَسْرِي في البَذْرَقَةِ
_________
(١) سراج المريدين: (٢/ ٢٩٩ - ٣٠٠).
(٢) سراج المريدين: (٢/ ٤٥٦).
(٣) سراج المريدين: (٢/ ٤٤٧ - ٤٤٩).
(٤) سراج المريدين: (٢/ ٤٤٩).
(٥) سراج المريدين: (٢/ ٤٤٣ - ٤٤٦).
стр. 93
عشرة آلاف دينار، جَذْرُه الذي كان يُعطيه الملك العادل، فلمَّا مات كان يأخذه من الناس مُقَسَّطًا على الحاجِّ، ثم أعطى ابنَ أبي هاشم عشرة آلاف دينار كِسْوَتَه، وأعطى للأشراف مثلها، ولم يبق بمكة ساكن ولا مُجَاوِرٌ إلَّا وصلتْ إليه صِلَتُه، وعاد إلى بغداذَ؛ فكُتِبَ له كلُّ إمام بها وطالب، وإمام ومؤذن، وصُوفِيٍّ ومُرِيدٍ، فأعطى الرؤوس مائة دينار، مائة دينار، وأعطى الأتباع من دينارين إلى عشرين دينارًا، ومشيتُ إليه بعد إنكفائه عن الحج مع أبي، صُحْبَةَ شيخنا أخيه إسماعيل، فدخلنا عليه؛ وبوَصِيَّةِ أبي حامد الغزالي بِنَا وتنبيهه علينا، لنراهُ ونطَّلع حاله، وقلنا: تكون معرفة، فربما دخلنا خراسان وعرَّجنا على أصفهان، فوصلنا إلى منزله بالكَرْخِ، وتقدَّم أخوه واستأذن لنا، فوصلنا إليه، وتلقَّانا ببِرٍّ وافر، وتكلَّم معنا بتُرْجُمَانٍ، ومَجْلِسُه غاصٌّ، وفي أثناء الكلام جاءت السُّفَرُ، ونُضِدَ عليها الأقراص والصحون بالألوان، فرأيتُها بأجمعها هَيْئَةَ فُولٍ مطبوخ، وهو الذي نُسَمِّيه "البَيْسَار"، فقلتُ: هذه سيرة الزهاد، وإنه ليشبه ملبسَه؛ فإنه كان مُتَوَسِّطًا جِدًّا، فلمَّا غسلنا أيدينا وأخذنا في الأكل إذا بالصحون اللَّوْنُ واحدُ، والأطعمةُ مختلفة، وقد أَتَوْنَا به مُتَشَابِهًا، فَوَالعَظِيمِ الكريم العزيز الرَّحيم العَلِيِّ الحكيم الذي ابتلاني بكم بعدهم، وجعلني بَدَلًا منهم معكم، ما انفصلتُ عن ذلك المجلس إلَّا والدنيا قد خَرَجَتْ من قلبي، فما دَخَلَتْهُ إلى اليوم؛ لأنِّي علمتُ أن تلك هي الدنيا والمُلْك، لا دُنْيَا المَلِكِ العادل ولا مُلْكه، ورأيتُ أنه أَمْرٌ لا يُدْرَكُ، فوَقَفْتُ حيثُ وَقَفَتْ بي المقاديرُ، وتَرَدَّدَتْ في أثناء التدبير، ولله الحُكْمُ العلي الكبير.
стр. 94
ورَدَفَتْنا صِلَتُه في حُرْمَةِ أبي حامد الغزالي وأَخِيهِ، وكان ذلك الذي فَعَلَ برَأْيِ الغزالي وأَمْرِه، ورجع إلى أصبهان وقد أنفق بَيْتَ مال، وكان من تُنَّاهَا، لا اتصالَ له بسلطان، ولا تَصَرُّفَ له معه، وخَرَجَ راكبًا مُسْتَبْشِرًا، والغلمانُ بين يديه بأطباق الدَّنانير، والخلق يتبعونه، وهي تُنْثَرُ عليهم، وهم يلتقطونها، حتى فرغت الأطباقُ، وتقطَّعت الثياب في لَقْطِها، وربما انفكت يَدٌ، وانكسر ساقٌ" (١).
جُودُ أهل بيت المقدس:
قال الإمام الحافظ: "ولقد كنَّا نخرج مع أبي بكر الفِهْرِي الصُّوفِي شَيْخِنا، فنمشي في مشاهد الأنبياء ورباطات الأصفياء؛ الأيام والأشهر، في جَمْع الطلبة، نَقِيلُ بمَنْهِل، ونبيت على منزل، في تُحَفٍ كثيرة، وخيرات معدَّدة مردَّدة، ثم نعود إلى المسجد الأقصى، ثم نخرج إذا طاب الهواء، وغرَّد المُكاء، وانتهى جريان الماء في الأغصان إلى الاستواء" (٢).
جُودُ ابن عمر البغدادي:
قال القاضي أبو بكر: "ولقد نزلنا أضيافًا على رجل من تُنَّاءِ بغداذ، وهو ابن عمر أبي حامد، فكنَّا في ضيافته من يوم دخلناها إلى يوم خروجنا عنها، مع إرسال الدنانير والثياب في أوقات، كأنه كان معنا في الحاجة إليها على ميقات" (٣).
_________
(١) سراج المريدين: (٣/ ٣٤١ - ٣٤٤).
(٢) سراج المريدين: (٣/ ٣٤٤).
(٣) سراج المريدين: (٣/ ٣٤٤).
стр. 95
زُهْدُ أبي الطيِّب اليمني:
قال ابنُ العربي: "وما رأيتُ في رِحْلَتِي مَلِكًا إلَّا أبا الطيِّب اليَمَنِيَّ الزَّاهد؛ فإنه كان مَلِكًا؛ اعتزل الناس كافَّة، واعتكف دائمًا، وتجرَّد عن الدنيا، وقطع العلائق، واقتصر على جِلَفِ الخبز والماء، يأتدمُ بالزيت، لا يأكل شيئًا مَرَّتْ عليه يَدٌ، ولا استولى عليه أَحَدٌ بمِلْكٍ، إنَّما كان في أيام القيظ يخرج إلى "الفَحْصِ" في الأرض التي لا مِلْكَ لأَحَدٍ عليها، فيجمع الخِطْمِيَّ ثم يدرسه، ويستخرج بَزْرَه ويدَّخره، ويطحنه ويصنع منه خُبْزًا ويأكله، ويبتاع من تُجَّارِ الرُّوم الزيت يأتدمُ به، وكان يتوخَّى ذلك كله لغلبة الحرام وعمومه لما في أيدي الناس، فكنتَ تراه شَعِثًا قَضِفًا نَيِّرًا" (١).
رابطة المنجنيق:
قال الإمام الحافظ: "كنَّا نخرج مع شيخنا أبي بكر الفِهْرِي على "باب أَرِيحَا" إلى "عين لِفْتَة"، ونركب الطريق في منزل بعد منزل؛ أربعة بُرُدٍ إلى ثلاثة بُرُدٍ، إلى "نَابُلس"؛ خَيْفَيْنِ بين جبلين، يخرج من أحد الجبلين عين كبيرة، وباقيهما عيون تسقي الأخياف، وينحدر إلى الوادي فيسيل لبساتين، فيها من كل فاكهة زوجان، ونخل ورمَّان، وما تشتهي من ثمار الدنيا نَفْسُ الإنسان، وفي أعلى الجبل الأدنى إلى بيت المقدس البُنيان الذي كان فيه المنجنيق، وقد اتخذه الناس رابطة، فنُقِيم هنالك معتكفين مُتَدَرِّسِينَ للعلم أيَّامًا مُتَنَعِّمِين، وبجنبها في بطن الوادي مُسْتَوْقَدُ النار، رمادًا مُتَّصِلًا في باطن الأرض إلى الماء" (٢).
_________
(١) سراج المريدين: (٣/ ٢٦٠).
(٢) سراج المريدين: (٤/ ٣١٨ - ٣١٩).
стр. 96
مدينة نابلس:
قال ابنُ العربي: "فسألتُ قاضيها ابن خالد ورئيسها ابن مزهر عن معنى تسميتها "نَابُلس"، فقالوا لنا بأجمعهم: إن هذا الوادي كانت به حيَّة يقال لها: "لُس"، وكان قد حَمَتْ غِياضه وحرَّمت مياهه، حتى قُتلت بحكاية طويلة، ثم عُلِّقَ نابُها لعِظَمِه على باب المدينة، آية وعبرة، فقال الناس: "نَابُ لُسَّ"، وكتبوها مُتَّصِلَةً لكثرة الاستعمال" (١).
عِفَّةُ نساء نابلس:
قال القاضي أبو بكر: "وهي بلدة مشحونة بالزهَّاد والعلماء والأخيار، وما رأيتُ أعفَّ من نسائها، ولا حَيَاءَ مُخَدَّرَةٍ؛ تمشي عمرك في الطريق لا يقع عينك فيها على امرأة إلَّا يوم الجمعة؛ فإن النساء في المسجد أكثر من الرجال، فإذا صلَّين ركعتين رجعن، فلا تقع عَيْنٌ على امرأة إلى الجمعة الأخرى" (٢).
العالمةُ الشيرازية:
قال القاضي أبو بكر: "لقد كان في بيت المقدس نِسْوَةٌ يُفْخَرُ بهم على الأزمنة؛ يَلْتَفِفْنَ على العالمية الشيرازية؛ فقيهة واعظة، مُتَعَبِّدَةٌ مُتَبَتِّلَةٌ، فلمَّا دخل الروم بيت المقدس يوم الجمعة لاثنتي عشرة ليلة بقيت لشعبان من سنة ثنتين وتسعين وأربع مائة لجأت بهم أجمعين إلى المسجد الأقصى، وجلسوا في قُبَّةِ السِّلْسِلَةِ التي كان يحكم بها داود ﷺ وفيها، فلمَّا غشيتهم
_________
(١) سراج المريدين: (٤/ ٣١٩).
(٢) سراج المريدين: (٤/ ٣١٩ - ٣٢٠).
стр. 97
الروم قُمْنَ إليهم بالسَّبِّ ورمي التراب في وجوههم، فحصدوهن بالسيوف، وأنزلوا بهن الحتوف، قال لي من عاين ذلك وهو في سطح المسجد الأقصى: كُنَّ قريبًا من ألف امرأة" (١).
أَدَبُ نساء بغداد:
قال ابنُ العربي: "ولقد خرج بعضُ الغرباء ببغداد في فُرْجَةٍ ليوم هو عندهم بها معروف، في رفقة من أهل الطلب، وكان منهم من يُحْسِنُ الأدب، فساروا، فلمَّا برزوا عن المنازل وصاروا في صحراء البلد على شاطئ الوادي يتماشون لارتياد مجلس، إذا بامرأة لها حِشمة، يَحُفُّ بها جَوَارٍ لها، لهنَّ مَنظرة وشارة، فتقدَّم منهم واحدٌ إليهن، فلمَّا دَانَاهُنَّ قال مخاطبًا لهن - يعني: سيدتهن -:
من أين يأتي ذا الغزال الذي … قد كُحِلت بالسِّحْرِ عيناهُ
فصَرَفَتْ سيدتهن رأسها إليه بأسرع من لَمْحِ البصر فقالت:
من دوحة المجد ودار التقى … فسعيُه يرضى به اللهُ
فسُقِطَ في يده لِمَا سمع من الفصاحة، وتبيَّن من العفة والجلالة، وكَفَّ ورجع إلى أصحابه من خلف، وطفقوا يُصَفِّقُونَ عجبًا، ويُفنون القول؛ حَسُنَ ذَا دِيَانَةً وأدبًا، ونزلت مع جواريِّها في ظِلٍّ، وضربوا الرواق من المُلاء الصِّفاق، ولم يكن بأقرب من أن أرسلت إليهم جاريتين من جواريها معهما أطباق، فيها طعام وحلاوة، فأكلوا وأقاموا هنالك، حتَّى لما حان انصرافهم أرسلت إليهم جارية تقول لهم: تقدَّمُوا في الرجوع، فليس
_________
(١) سراج المريدين: (٤/ ٤٣٦).
стр. 98
يَحْسُنُ أن نتدانى في المشي، حتى إذا أبعدتم أخذنا نحن في الرجوع، فقمنا متعجبين ممَّا رأينا فيها من الكرم والأدب والعفة" (١).
أَدَبُ عامَّة بغداد:
قال ابنُ العربي: ولقد كان بعضُ المغاربة يمشي ببغداد في شارع من شوارع الكَرْخِ بالجانب الغربي، إذا سَقَّاءٌ يحمل كأس بِلَّوْرٍ واسعًا مُخَرَّمًا في غاية الجمال، وقد ملأه ماءً، وجعل في أعلاه وردة في أَنْفِ زمان الورد، وهو يمشي فيضطرب الماء وتتموَّج الوردة باضطرابه، فتتلألأ حمرةُ الورد فتَشِفُّ من بياض البِلَّوْرِ فيسطع لها نُورٌ، فانقني وأعجبني ما رأيتُ من ظرفه وحُسْنِ آلته، ووقفتُ لذلك، فقال لي: ما نظرك يا مغربي؟ فقلت: أنظر إلى حُسْنِ هذه الوردة في بهاء هذا الإناء، فقال لي: لا تعجب من ذلك، واعجب من قولي فيها حيث أقول:
للورد عندي محلّ … فإنه لا يُمَلُّ
كل النَّوَاوِيرِ جُنْدٌ … وهو الأمير الأجلُّ (٢)
المبحث الرابع: مناظراته
وذكر منها ما يُعِينُ على معرفة طريقته في النظر، وكيف يحسن التخلص من شبهات المخالفين، ومسائل المعارضين، وكلها متعلقة بالتوحيد وأبوابه، مع القدرية والسَّمَرَةِ من اليهود.
_________
(١) سراج المريدين: (٤/ ٤٣٧).
(٢) سراج المريدين: (٤/ ٤٣٩).
стр. 99
أُولَاها: مناظرتُه لأحد المنكرين لعذاب القبر (١)، وهي طويلة، لم يقع الانتفاع بها من قبل، فتضاف إلى مَسْرَدِ مناظراته التي سجَّل كثيرًا منها في كتابه "العواصم".
وثانيتها: مناظرته لابن عَقِيل الحنبلي (٢)، في رؤية الله يوم العرض.
وثالثها: مناظرته ليهود السَّمَرَة (٣)، وهو جماعة من اليهود يميلون إلى التشبيه، كانوا بنابلس، وما زالوا بها إلى اليوم.
القطب الثاني: النَّظَرُ العَقَدِي ومسائله
احتوى هذا "السراج" على مباحث جليلة في فنون الاعتقاد، وحرَّر ابنُ العربي مسائل كثيرة، وبيَّن سبب الاختلاف في بعضها، ورَدَّ على الفرق المخالفة ما ذهبتْ إليه في تأويلها لكثير من كلام الله تعالى، وهذه المسائل هي مفرَّقة في أوائل الكتاب وأواخره، مشتملة على جميع أبواب الاعتقاد؛ الإلهيات، والنبوَّات، والقضاء والقدر، والسمعيات، مع ما انضاف إليها من القول في الخلافة والتفضيل، على النحو الذي كنا بيَّناه في تقدمتنا لكتاب "المتوسط في الاعتقاد" (٤).
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ٢٦٢ - ٢٦٧).
(٢) سراج المريدين: (١/ ٣٨٩ - ٣٩٠).
(٣) سراج المريدين: (٤/ ٤٢٠).
(٤) مقدمة المتوسط في الاعتقاد: (ص ٢٩ - ٣٠).
стр. 100
مباحث الاعتقاد:
وفي السِّفْرِ الأوَّل من "سراج المريدين" بَسَطَ الإمامُ أبو بكر القولَ في المسائل المتعلقة بالسمعيات، وأفرد "المقام الثالث" منه لهذه المسائل، وبيَّن عويصها، وتخلَّص من إشكالاتها، فتناول في بحثه: الروح والنفس، والقبض، وسكرات الموت، وأحوال الميت في قبره، وعذاب القبر، والبعث والنشور، والعَرض، والشفاعة.
وتناول في "المقام الرابع" أحوال الجنة والنار، وصفتهما، وما صحَّ من الأحاديث فيهما، مع استطرادات تتعلَّق بهذا "المقام".
فكان قِسْمٌ من السِّفْرِ الأوَّل محتويًا على هذه المباحث العقدية، وهذه المسائل الأصولية، فيفيد المشتغل بتراث ابن العربي العَقَدِي، ويُعِينُ على تَلَمُّسِ منهجه؛ بالإضافة إلى ما دوَّنه في كتبه الأخرى.
المبحث الأوَّل: حقيقة الإيمان
ومن المباحث التي أخذت حَيِّزًا كبيرًا مبحث حقيقة الإيمان (١)، فقد أطال فيه النفَس، وحلَّ فيه عقدة الحبَس، وخالف في تقريره أكابر الأشعريين، وبيَّن مذهب أبي الحسن شيخ السُّنَّةِ، واستدلَّ لمذهبه، وأبدأ فيه وأعاد.
المبحث الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه
قال القاضي أبو بكر مُفَسِّرًا لمذهبه، وناقدًا لمن خالفه من المتكلمين: "ومن يَعْجَبْ فَعَجَبٌ ممَّن يتأوَّل هذه الآيات والأخبارَ والحقيقةُ تعضدها،
_________
(١) سراج المريدين: (٢/ ١٦ - ٣٣).
стр. 101
وذلك أنهم جَهِلُوا أو غَفَلُوا عن حقيقة الزيادة والنقص، والوجود والعدم، وذلك أن الشيء لا يزيد بذاته ولا ينقص بها، وإنَّما يزيد بشيء؛ كان جوهرًا أو عَرَضًا، فإن وُجِدَ مِثْلُه أو مِثْلَيْه زاد، فإن عُدِمَ ذلك الوجود بعده نَقَصَ، فإن عُدِمَ أصلُه الأوَّل كان نَفْيًا مَحْضًا، فالعَدَمُ نَفْيُ الوجود الأوَّل، والنقص نَفْيُ الوجود الثاني الذي به كانت الزيادة، ولن يزال العبدُ أبدًا في زيادة المعرفة بنَفْسِه وبِرَبِّه وبدِينِه ما تراخى أجلُه، وإذا طرأ عليه غفلةٌ أو ذُهُولٌ أو شكٌّ في معلوم فانعدم ذلك الزائد على الأصل كان نقصًا حتى لو عُدِمَ الأوَّل الذي حَصَلَ له به الحكم، أو الثاني الذي جُعِلَ مثله في الفَرْضِيَّةِ والعصمة، كان في وُجُودِ الأول عَدَمًا حقيقةً وحُكْمًا، وحُكِمَ عليه بالكفر، وإن عُدِمَ الثاني كان كافرًا حُكْمًا، وهذا ممَّا كان لا ينبغي أن يخفى على أَحَدٍ من المحققين" (١).
المبحث الثالث: الاستثناء في الإيمان
وقد مَنَعَ القاضي أبو بكر من الاستثناء، وانتصر للجَزْمِ، مُبْدِيًا وجه قوله ومذهبه، قال ﵁: "ولم يُنْقَلْ في حديث عن النبي ﷺ أنه شَرَطَ على أَحَدٍ في الإيمان الاستثناءَ، ولا تَطَوَّعَ به أَحَدٌ فأَقَرَّهُ عليه، بل نُقِلَ عنه ضدُّه؛ مِنْ أنه كان يُخْبِرُهم بالإيمان والإسلام وأركانه ووظائفه، فيُجِيبُون إليه، ويُسْلِمُونَ فيه، ويُقِرُّونَ به من غير استثناء، وقد قال - كما تقدَّم في الصحيح لرجل -: "قُلْ: آمنت بالله، ثم استقم"، ولم يَجْرِ للمشيئة ذِكْرٌ، فدَلَّ على أنه من التَّنَطُّعِ الفاسد" (٢).
_________
(١) سراج المريدين: (٢/ ٦٧ - ٦٨).
(٢) سراج المريدين: (٢/ ٧٢).
стр. 102
المبحث الرابع: حقيقة التوحيد
وابتدأه بذِكْرِ سهولته، وألقى باللَّائمة على من صعَّبه على الناس، وبيَّن متعلقاته، وأوضح أركانه وشرائطه، مع التعريج على حقيقة المُوَحِّدِ، وما يضاده من أسماء وصفات (١).
المبحث الخامس: حقيقة الكسب
وهو من المباحث الشائكة، والعُوَيصات التي طال كلام الناس فيها، فقصد إليها القاضي بتحقيقه، ولَقَّنَها سواء طريقه، وذَكَرَ ما ينطوي تحتها، وما يلتحق بها، من جَبْرٍ ومشيئة وإرادة، وغيرها من صنوف المسائل وأنواع الدلائل (٢).
المبحث السَّادس: حقيقة النية
ولتعلقها بما قبلها ذَكَرْتُها، ثم لما فيها من تفصيل مُعِينٍ على إدراك مراتبها ومنازلها؛ كالميل، والعزم، والإرادة، وتمييز ابن العربي بين الإرادة المحدثة والإرادة الأزلية، وغيرها من متممات المبحث (٣).
المبحث السَّابع: تنزيهُ الأنبياء عن المطاعن والنقائص
وهو أصل عظيم؛ عليه عوَّل القاضي ابنُ العربي، وبه اشتغل عُمْرَه، فكان قصده من علم التوحيد تنزيه الأنبياء عمَّا نسبه إليهم جهلة المفسرين،
_________
(١) سراج المريدين: (٢/ ٥٥ - ٦١).
(٢) سراج المريدين: (٢/ ٦٢ - ٦٣).
(٣) سراج المريدين: (٢/ ١٥٧ - ١٦٠).
стр. 103
فبرَّأ نبيَّ الله سليمان ممَّا نسب إليه الجاهلون (١)، وبرَّأ نبي الله أيوب ممَّا تخرَّصه المتخرصون (٢)، وبرَّأ نبي الله يوسف ممَّا افتراه عليه المتأولون (٣)، وبرأ نبي الله آدم من كل إفك وبهتان (٤)، وبرَّأ نبيَّ الله إبراهيم من كل ما قيل فيه (٥)، وبرَّأ رسولنا مُحَمَّدًا ﷺ من أقوال الملحدة وأباطيلها (٦).
المبحث الثامن: تنزيهُ الله وتقديسُه
وهو المبحث الذي أخذ موضعه ومكانه، من أوَّل الكتاب إلى آخره، ونَثَرَ متعلقاته في تضاعيفه، ذاكرًا نُكَتَه، ومُتَمِّمَاتِه، ومسائلَه، وأصولَه، فالله سبحانه مُقَدَّسٌ أن يرجع إليه نفع أو يناله منا خير (٧)، وكذلك هو منزَّه عن المكان (٨)، وذكر القاضي معاني العلو (٩)، ومعاني العظمة (١٠)، وغيرها.
المبحث التاسع: مقاماتُ الصحابة والمفاضلة بينهم
وذَكَرَ في كتابه هذا مقام الصحبة بأَشْرَفِ ذِكْرٍ، وخَصَّ منهم أبا بكر الصديق ﵁؛ فاحتفل في مناقبه، ونصَّ على فضائله، وأطال في ذلك،
_________
(١) سراج المريدين: (١/ ٢٩).
(٢) سراج المريدين: (١/ ٢٠٨ - ٢٢٤).
(٣) سراج المريدين: (٢/ ٢١٧ - ٢١٩).
(٤) سراج المريدين: (٢/ ٤٤٢).
(٥) سراج المريدين: (٤/ ٣١٣ - ٣١٥).
(٦) سراج المريدين: (٢/ ٤٧٤).
(٧) سراج المريدين: (٢/ ٢٥٥).
(٨) سراج المريدين: (٢/ ٢٩١).
(٩) سراج المريدين: (٣/ ١٨٢).
(١٠) سراج المريدين: (٤/ ٤١٣).
стр. 104
وكلمَّا سنحت له فكرة، أو سمحت له برهة؛ إلا ويُبدئ في ذِكْرِه، ويُعيد في فضله (١).
وذَكَرَ عمرَ بن الخطاب ﵁ بمرتبته، ونصَّ على منقبته، وجرَّد خصاله، وأبرزها للعيان، ممَّا يقضي له بالتكرمة، ويُفضي إلى التَّجِلَّةَ (٢).
وكذلك كان الشأن مع عثمان بن عفان ﵁، فنَثَرَ مناقبه في "سراجه" هذا، وذكر شهادته، وما قصَّر في فضائله (٣).
وذَكَرَ عليَّ بن أبي طالب ﵁، وذَكَرَ خصاله، ورجَّح كونه على الحق في مقاتلته لأهل الشام، وتمنَّى لو كان مع عَلِيٍّ، فليس بعده أحد أفضل منه، ولا أقوم منه (٤).
وبرَّأ الطاهرة المُطَهَّرَةَ الصِّدِّيقَةَ بنت الصِّدِّيقِ أُمَّنا عائشة ﵂ ممَّا افتراه المفترون، وقَرَفَها به المبطلون، وذَكَرَ طهارة فراش الأنبياء من كل دَنَسٍ ونَجَسٍ (٥).
القطب الثالث: الصنعة الحديثية
القَصْدُ من هذا القطب الكشف عن معالم الصنعة الحديثية والمَلَكة النقدية عند الإمام ابن العربي المعافري، والتدليل عليها، والإشارة إلى
_________
(١) سراج المريدين: (٤/ ٩٣ - ٩٤).
(٢) سراج المريدين: (٤/ ٣٦١).
(٣) سراج المريدين: (٣/ ٣٠).
(٤) سراج المريدين: (٢/ ١٩٥).
(٥) سراج المريدين: (٤/ ٢٥٣).
стр. 105
نتائجها وثمارها، وربط كل ذلك بمشروعه الفكري الذي رامه وعاش من أجله عمره.
الفصل الأوَّل: دلالة لفظ الصنعة
وأعني بالصنعة هنا: الملكة النقدية المبنية على المعرفة العميقة بعلوم الرواية، والتي تؤهل الناقد للنظر في الأسانيد، وتمييز السقيم من الصحيح.
وقد عُلِمَ أن هذه المَلَكة تحتاج إلى فهم ثاقب، وحفظ واسع، ومعرفة تامَّة بمراتب الرواة (١).
ولا تتأتَّى لكل أحد، فالنُّقَّادُ في تاريخ عِلْمِ الحديث قلة، ولا يكاد يوجد في زمان ما إلا الفرد بعد الفرد.
الفصل الثاني: معالم النبوغ الحديثي عند ابن العربي
ولمكانة ابن العربي الحديثية فقد أطبق العلماءُ خَلَفًا عن سَلَفٍ على نَعْتِه بالحافظ، منهم: الإمام أبو محمد الأشيري (٢)، وأبو الحسن الفزَاري (٣)؛ وهما من تلاميذه، وكان الحافظ ابن بشكوال يُسَمِّيه بالناقد (٤)، وكذلك وَرَدَ عند الحافظ ابن دحية (٥)، وخَطَّطَه بها الإمامُ أبو القاسم
_________
(١) شرح نخبة الفكر: (ص ٤٦).
(٢) المتوسط في الاعتقاد - بتحقيقنا -: (ص ١٩).
(٣) الإمتاع لابن الدرَّاج: (ق ٢٤/ ب).
(٤) الفوائد المنتخبة والحكايات المستغربة لابن بشكوال: (١/ ١٥٧، ١٩٩)، والآثار المروية في الأطعمة السَّرِيَّة لابن بشكوال: (ص ١٠٤).
(٥) التنوير في مولد السراج المنير لابن دحية: (ق ١٥٠/ ب).
стр. 106
السُهَيْلي (١)، والإمامُ أبو جعفر بن مَضاء (٢)، وغيرهم من مُحَدِّثِي أهل الأندلس، وذلك يدل دِلَالَةً بَيِّنَةً على أن النقد كان من وَصْفِه ورَسْمِه؛ خطة معروفة، ومرتبة منيفة.
ومن شواهد ذلك أيضًا ما قاله الفقيه العلَّامة جمال الدين المغيلي في وصف معارفه وعُلُومِه: "إنِّي تأمَّلت ما قَسَمَه الله تعالى للقاضي أبي بكر محمد بن عبد الله المعروف بابن العربي من العلوم الشرعية والعقلية، والفهم في الكتاب والسنة، والتمييز بين صحيح الأثر وحَسَنِهِ وضعيفه، وكَرْعِه من حياض الوحيين، أعني: الكتاب والسنة، وتيقظه إلى نصوصهما، وظاهرهما، ودليلهما، وإشاراتهما، وفحواهما، ومعناهما، ومعرفته بالقاصر من التعليل، والمُطَّرِدِ، وخِبْرَتِه بالوصف المُلْغَى والمعتبر، والتمييز بين المراتب النظرية، والعِلْمِ بطُرُقِ الترجيح" (٣).
ويعنينا هنا ما أكَّده في حق الإمام ابن العربي؛ وهو تمييزه بين الصحيح والحسن والضعيف، وقليل من يُمَيِّزُ بينها، وقليل من يَصِلُ إلى هذه المرتبة.
وقال ابنُ ربيع الأشعري: "ومن أسمح ما رأيتُ في ذلك وأكثرهم توسعة من العلماء القاضي الأجل أبو بكر بن العربي ﵀، وهو من أَجَلِّ علماء الأندلس قَدْرًا، وأشدهم تناصفًا، وأبعدهم عن التقليد،
_________
(١) التنوير في مولد السراج المنير لابن دحية: (ق ١٥٠/ ب)، وينظر: الروض الأُنُف: (٤/ ٥٨).
(٢) التنوير في مولد السراج المنير لابن دحية: (ق ١٥٠/ ب).
(٣) اختصار سراج المريدين لجمال الدين المغيلي: (ق ١/ ب).
стр. 107
وأجراهم مع السنة، وأحسنهم انتزاعًا للأحكام من الكتاب العزيز ومن الأحاديث الصحاح" (١).
ومَحَلُّ الشَّاهِدِ هنا قَوْلُ ابن ربيع: "الأحاديث الصحاح"، ليكون اعتناءُ ابن العربي بالأحاديث الصحاح كلمة اتفاق، بها عُرِفَ، وبها اشتهر، ولولا سابقُ معرفته بهذه الصنعة ما كان بالغًا هذه المرتبة، التي شهد له بها جِلَّةُ مشيخة العلم بالمغرب والأندلس.
وفي هذا الفصل أذكر بعضًا من دلائل النبوغ وشواهد التميز؛ التي مَكَّنَتْهُ من امتلاك ناصية هذه الصنعة الشريفة، وهي:
المبحث الأوَّل: اتساعُ ابن العربي في الرواية
إن كثيرًا من أسانيد الأندلسيين مُتَّصِلَةٌ بالإمام ابن العربي، ويظهر ذلك في كتاب "الفوائد المنتخبة" لابن بشكوال، وكتاب "المسلسلات" لابن الطَّيْلَسَان، وهذا يدل على أهمية الأسانيد التي أدخلها إلى الأندلس، ويمكن التعويل على جملة أمور في التدليل على اتساع روايته، نذكر منها:
الأوَّل: رحلته التي دامت عشر سنوات، وفيها لقي أكابر المحدثين والرواة.
الثاني: الكتب والأجزاء والمصنفات التي أدخلها إلى الأندلس، وهي مسموعاته من مشيخته، ويظهر بعضه في كُتُبِ البرامج والفهارس الأندلسية، مثل "برنامج" ابن خَيْرٍ الإشبيلي، و "برنامج" ابن عُبَيْدِ الله الحَجْرِي، وكذلك "إفادة النَّصِيح" و "ملء العَيبة" لابن رُشَيْد، و "برنامج" المِنتوْرِي،
_________
(١) كتاب الذكاة لابن ربيع الأشعري: (ق ٣٥/ أ).
стр. 108
وقِسْمٌ آخرُ يظهر في كتب "الصِّلات"؛ لابن بشكوال، وابن الأبَّار، وابن الزبير، وابن عبد الملك، فقد نَثَرُوا في تضاعيف تراجمهم ونَصُّوا على رواية الجمِّ الغفير من أهل الأندلس عن الإمام أبي بكر، بل يتصدر القاضي طبقته في المأخوذ عنهم، ولا يقاربه أحد من أهل المغرب والأندلس في زمانه إلَّا ما كان من ابن ورد والرُّشاطي.
كُتُبُ الحديث التي أدخلها ابنُ العربي إلى الأندلس (١):
" الأحاديث التي خُولِفَ فيها مالك" للدَّارُقُطْنِي.
"السُّنَنُ" للفِرْيَابِي.
"الأفراد" للدارقطني.
"صحيح الحديث" للإسماعيلي.
"نسخة أبي زكرياء يحيى بن معين من حديث يحيى بن يحيى التميمي".
"حديث هلال الحفَّار".
"مشيخة أبي علي بن شاذان".
"تسمية شيوخ مالك وسفيان وشعبة" لمسلم.
"وفاة الشيوخ" لابن المنادي.
"نسخة همَّام بن مُنَبِّه".
كتاب "الشجرة" للجُوزَجاني في أسماء المحدثين.
_________
(١) سراج المريدين: (٤/ ٣٩٩ - ٤١٠).
стр. 109
"المدخل إلى معرفة كتاب البخاري" للإسماعيلي.
"تسمية كل من روى عن مالك بن أنس"؛ ألف رجل، تأليف الخطيب.
"الفَصْلُ للوَصْلِ المُدْرَجِ في النَّقْلِ" له.
كتبُ الرواية التي أخذها الناسُ عنه بالأندلس (١):
" الاستدراكات والإلزامات" للدارقطني.
"الطبقات" لمسلم.
جزء فيه "حديث أبي عبد الله البخاري".
جزء فيه "الناسخ والمنسوخ" لأبي داود.
"عوالي أبي بكر بن ريدان".
جزء من "حديث أبي الحُسَين المبارك بن عبد الجبار".
"معرفة من يدور عليه الإسناد" لعلي بن المديني.
"فوائد عن أبي الحُسَين الطُّيُوري".
"صحيح الإمام مسلم" رواية الجُلودي (٢).
"سنن أبي داود" رواية اللؤلؤي (٣).
_________
(١) ينظر: الذيل والتكملة لابن عبد الملك المراكشي: (٦/ ٤٦٢).
(٢) فهرس ابن خير: (ص ١٣٥).
(٣) فهرس ابن خير: (ص ١٤٣).
стр. 110
"جامع الترمذي" (١).
"السنن" للدارقطني (٢).
"الجمع بين الصحيحين" لمحمد بن فتُّوح (٣).
"المصباح والداعي إلى الفلاح" لأبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي (٤).
"حديث أبي عاصم الضحَّاك النبيل" (٥).
"الأحاديث العوالي المنتقاة الصحاح" لأبي الفوارس طِراد بن محمد الزينبي الهاشمي (٦).
"نسخة همَّام بن مُنَبِّهٍ" عن أبي هريرة (٧).
جزء "ما روى هلال بن محمد الحفَّار" (٨).
كتاب "مصافحة البخاري ومسلم" للبرقاني (٩).
_________
(١) فهرس ابن خير: (ص ١٥٦).
(٢) فهرس ابن خير: (ص ١٦١).
(٣) فهرس ابن خير: (ص ١٦١)، وفهرس الحجري: (ص ١٦٧).
(٤) فهرس ابن خير: (ص ٢٠٣).
(٥) فهرس ابن خير: (ص ٢٠٤).
(٦) فهرس ابن خير: (ص ٢٠٦).
(٧) فهرس ابن خير: (ص ٢٠٨).
(٨) فهرس ابن خير: (ص ٢٠٩).
(٩) فهرس ابن خير: (ص ٢١١).
следующие страницы →