← Акыда

Акыда · id 12120

هذه مفاهيمنا

صالح آل الشيخ

Полный текст (242 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بدعاء النبي ﷺ ، والتوجه بدعائه في حياته، وهذا مما ثبتت به السنة في أمور غير هذا الحديث، فأثبته أهل السنة والحديث، ولا مراء في هذا، ولا استشكال في معنى الحديث. ومن ظن أن الحديث فيه توسل بالذات فيلزمه تساؤل، وهو أن يقال: كيف يخفى هذا الدعاء الذي فيه توسل بالذات على عميان ومكفوفي الصحابة، فلم يستعملوه في حياته ولا بعد مماته، ولا من بعدهم، والناس حريصون على جوارحهم وحواسهم؟! نعلم من هذا الإلزام أن الحديث إنما فيه التوسل بدعاء النبي ﷺ لا بذاته، وهذا مقطوع به جزماً، فيبقى الحديث خاصا بهذا الأعمى وحده ومعجزة لنبينا محمد ﷺ ، والحمد لله الموفق للصالحات. ثم قال الكاتب: "وليس هذا خاصاً بحياته ﷺ بل قد استعمل بعض الصحابة هذه الصيغة من التوسل بعد وفاته ﷺ ". واستدل له بتعليم عثمان بن حنيف رجلاً له حاجه عند عثمان أن يدعو فيقول: "اللهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبينا محمد ﷺ نبي الرحمة، يا محمد! إني أتوجه بك إلى ربك فيقضي حاجتي، وتذكر حاجتك.." ففعله، فقضى عثمان حاجته. هذا مختصر ما رواه الطبراني: قال: "هذه القصة صححها الحافظ الطبراني والحافظ أبو عبد الله المقدسي". أقول: هنا بدأ صاحب المفاهيم وشرع في تعميته الحقائق، وكَفْره النقول الصادقة، وأخذه في التمويه على غير المتتبعين لمقالاته. فقال: هذه القصة صححها الحافظ الطبراني! ... وما صححها الطبراني وحاشاه، ولو نقلت ما قاله صدقاً وأمانة لما لبست على المطالع لكلامك، إذ الثقة فيمن ينتسب إلى العلم تعمي كثيرين عن تتبع نقول

стр. 37

وهل يصدق فيها ولا يحرف، أم الشأن استغلال الثقة في نشر وترويج غير الحق؟! قال الطبراني في "الصغير" (١/١٨٤) : "لم يروه عن روح بن القاسم إلا شبيب بن سعيد أبو سعيد المكي -وهو ثقة- وهو الذي يحدث عنه ابنه١ أحمد بن شبيب عن أبيه عن يونس بن يزيد الأيلي. وقد روى هذا الحديث شعبة عن أبي جعفر الخطمي واسمه عمير بن يزيد -وهو ثقة- تفرد به عثمان بن عمر بن فارس عن شعبة والحديث صحيح" اهـ. فبهذا النقل اتضح أن تصحيح الطبراني للحديث السابق وهو قول الرسول ﷺ ، ولكن القصة لم يتعرض لها الطبراني بتصحيح ولا غيره، بل قال "لم يروه ... الخ"، وهو يشعر بضعف القصة عنده، وهو الحق. وبيان هذا أن القصة رواها الطبراني في الصغير والكبير (٩/١٧-١٨) من طريق شيخه طاهر بن عيسى بن قيرس المصري التميمي، حدثنا أصبغ بن الفرج حدثنا عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد المكي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر الخطمي المدني به. وهذا الإسناد آفته رواية عبد الله بن وهب عن شبيب بن سعيد وهي منكرة عند أهل الحديث لم أر بينهم اختلافا في ذلك، قال ابن عدي في "الكامل في ضعفاء الرجال" (٤/١٣٤٧) : "حدث عنه ابن وهب بأحاديث مناكير"، ثم قال: "ولعلّ شبيب بمصر في تجارته إليها كتب عنه ابن وهب من حفظه فيغلط ويهم، وأرجو أنه لا يتعمد شبيب هذا الكذب" اهـ. والقصة مدارها على هذا الإسناد، فالمتن منكر، ولا خير في منكر. ثم مما يدلل على هذه النكارة أن الحديث رواه الحاكم (١/٥٢٦-٥٢٧)

стр. 38

وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (ص ١٧٠ ط الهند) من طريق أحمد بن شبيب بن سعيد قال: حدثنا أبي عن روح بن القاسم عن أبي جعفر المدني وهو الخطمي عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن عمه عثمان بن حنيف قال: سمعت رسول الله ﷺ وجاءه رجل فذكر الحديث دون القصة. وهذا الرواية أصح؛ لأنها من روايات أحمد بن شبيب عن أبيه قال الحافظ في "التقريب" في ترجمة شبيب: "لا بأس بحديثه من روايات ابنه أحمد عنه، لا من رواية ابن وهب" اهـ. فأحمد بن شبيب وهو الراوي المختص بأبيه لم يذكر القصة عن أبيه، وهي من نفس الطريق التي رواها ابن وهب عن شبيب، فدل تفرد ابن وهب عن شبيب على نكارتها، ودلت مخالفة رواية ابن وهب عن شبيب -وهي منكرة- لرواية أحمد بن شبيب عن أبيه شبيب دل ذلك على شدة نكارتها وبطلانها، وأنها يمكن أن تكون مكذوبة. إذا تبين هذا؛ فالقصة إما مكذوبة أو منكرة للأمور التي ذكرنا، وهي حجة كافية ناصعة بيضاء لمن أراد الله تبصرته، ومن يضلل الله فما له من هاد. والعجب من صاحب المفاهيم كيف يكون حبه للمنكرات والواهيات أشد من حبه لما صح من حديث رسول الله ﷺ ، وكان حقه ﷺ نفي الكذب عنه، وترك الواهيات المنسوبة له، لا نشرها وترويجها، وفي الإسناد شيخ الطبراني طاهر بن عيسى، وهو مجهول لا يعرف بالعدالة، ذكره الذهبي ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، فهو مجهول الحال، لا يجوز الاحتجاج بخبره، لا سيما فيما يخالف نصوص الكتاب والسنة، قاله الشيخ سليمان بن عبد الله في "تيسير العزيز الحميد" ص ٢١٢ ط-الأولى.

стр. 39

قال ص ٥٤: إن عثمان بن حنيف علّم من شكا إليه إبطاء الخليفة عن قضاء حاجته هذا الدعاء الذي فيه: التوسل بالنبي ﷺ ، والنداء له، مستغيثاً به بعد وفاته ﷺ " اهـ. أقول: هذه ثالثة الأثافي، وقاصمة الظهر، أنستنا ما قبلها من التوسل البدعي، فإذا الشأن في النداء للموتى والاستغاثة بهم! فما كنت أظن أن يبلغ صاحب المفاهيم هذا المبلغ من الهوى حتى رأيت رقمه ببنانه، وقوله بلسانه، فلا حول ولا قوة إلا بالله، ويا مقلب القلوب! ثبت قلوبنا على طاعتك. وهذا القول فاسد مناهض لدين الإسلام، موافق لما عليه أهل الجاهلية من الاستغاثة بالأنبياء والصالحين، وندائهم لكشف الملمات ورفع المدلهمات، أفما يقرأ هؤلاء القرآن، ويسمعون قول سلف الأمة من الصالحين؟! أفما قرؤوا قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً﴾ [الإسراء: ٥٦، ٥٧] . ففي هذه الآية إنكار عام على كل من دعا من دون الله شيئاً، جنياً أو نبياً فكلمة (الذين) في الآية اسم موصول، والأسماء الموصولة من صيغ العموم عند الأصوليين والنَحْويين، كما هو مقرر في هذين العلمين. فقوله: (الذين) يعم كل من دُعِيَ من دونه تعالى في كشف الضر أو تحويله، فعمت الأنبياء والصالحين وغيرهم من الملائكة والجن، فالدعاء لهؤلاء لا

стр. 40

يجوز، فإنه دين الجاهلية والمشركين وصور هذا الدعاء كثيرة: فمنها: النداء للموتى أنبياء أو غيرهم، كما هو ظاهر من الآية، ومنها الاستغاثة، فالأنبياء والصالحون بعد مماتهم لا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً، فكيف يملكون لغيرهم؟! فهذه الآية تظهر دين المشركين وتبينه، فما لهؤلاء يعودون إلى دين المشركين، ما لهم يدعون دين الرسل المتيقن، ويرضون بدين الجاهلية الباطل؟! وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن ص ٢٤ من رده على ابن جرجيس: "وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَمِن دُونِ اللهِ لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ أَمْواتٌ غَيْرُأَحْيَاء وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢٠، ٢١] ، وليست هذه الآية في الأصنام كما يزعمه من لم يتدبر؛ لأن (الذين) لا يخبر به إلا عن العقلاء؛ ولأن الأصنام من الأخشاب والأحجار لا يحلها الموت؛ فإنها لم تحلها الحياة حتى يحلها الموت؛ ولأنها لا تبعث يوم القيامة بعث الإنسان ليجزى بما كسبت يداه، ولا يعقل منها شعور بهذا البعث حتى ينفيه الله عنها، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] ، فهذه الآية فيمن يموت ويبعث، كما لا يخفى على من تدبرها، وتأمل قوله تعالى: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النحل: ٢١] ، وهذا إنما يستعمل فيمن يعقل، كما لا يخفى على من له معرفة باللغة العربية، فالحمد لله على ظهور الحجة وبيان المحجة". عَوْدٌ إلى استدلاله الفاسد بقول المكروب بعد موت النبي ﷺ : "يا محمد إني أتوجه بك إلى ربي"، وأي دليل في هذا بعد معرفة بطلان الحديث ونكارته؟! أفيحتج بالمنكرات والأباطيل؟! إنه لعجب عجيب،

стр. 41

وأمر غريب، واستدلال مريب، فنتنزل معهم في المناظرة بالكلام على معنى هذا اللفظ فأقول: أولاً: أيكون قولك وقول المسلمين في "التشهد": السلام عليك أيها النبي ... نداءً للنبي بعد مماته؟ أينادي المسلمون النبي في كل صلاة، أم أن لفظ النداء هنا لاستحضار منزلة الرسول ﷺ ؛ ليكون أمكن في القلب لما يجب في حقه من تعزيره وتوقيره ونصرته؟ فما استدل واحد من العلماء المهتدين بالتشهد على دعوى جواز مناداة النبي بعد موته، وهذا إجماع لا خلاف فيه. وهذا الأثر -مع نكارته الشديدة- من هذا الباب إنما يكون لاستحضار ما قلنا في لفظ المصلي في التشهد، وهو: التفات، والالتفات له مقتضيات معلومة في فنون المعاني والبيان، وأقول هذا تنزلاً في المجادلة، وإلا فما ينبغي ابتداءً، والمناسب هنا ما ذكرنا آنفاً. ثانيا: غاية ما في هذا الأثر المنكر الضعيف أنه توجه بالنبي ﷺ في الدعاء، فأين هذا من دعاء الميت؟! فإن التوجه بالمخلوقات سؤال به لا سؤال منه، وكل أحد يفرق بين سؤال الشخص وبين السؤال به، فإنه في السؤال به قد أخلص الدعاء لله، ولكن توجه إلى الله بذاته، وأما في سؤاله نفسه ما لا يقدر عليه إلا الله، فيكون قد جعله شريك الله في عبادة الدعاء، فليس في حديث الأعمى وحديث ابن حنيف هذا إلا إخلاص الدعاء لله كما هو صريح فيه، إلا قوله: يا محمد إني أتوجه بك، وهذا ليس فيه المخاطبة للميت فيما لا يقدر عليه، إنما فيه مخاطبته مستحضراً له في ذهنه كما يقول المصلي: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته١ كما أوضحته في الوجه الأول.

стр. 42

ثالثاً: أيكون هذا الدعاء الذي تفرج به الكروب، وتزول به الشدائد المهلكات، وتحصل به المنجيات خفياً على الأمة، فلم يستعملوه حين أصابتهم الشدة والضيق؟! قحط المسلمون في زمن عمر فتوجهوا بالعباس -أي: بدعائه- والرسول ﷺ ميت عندهم، وأصاب المسلمين فتن في زمن عثمان وعلي، وبعده محن وأمور لا يعلم شدتها إلا الله فلِمَ لَمْ يستعملوه؟! أين زعمكم يا أرباب الحجا، وأصحاب الفهوم؟!! قوله ص ٥٤: "ولما ظن الرجل أن حاجته قضيت بسبب كلام عثمان مع الخليفة بادر ابن حنيف بنفي ذلك الظن، وحدثه بالحديث الذي سمعه وشهده، ليثبت له أن حاجته إنما قضيت بتوسله به ﷺ ، وندائه له واستغاثته به" اهـ. أقول: هذا افتراء على صحابي جليل شهد بدراً وما بعدها، وقول بالظن، والظن أكذب الحديث، وجراءة ما بعدها جراءة. وقد قدم كلامه هذا بمقدمة فيها: أن القصة صحيحة صححها الطبراني والمقدسي، ونقل تصحيحهم لها المنذري والهيثمي وغيرهم، وهذا هوى ظاهر إذ أن كلام الطبراني كما سبق نقله بحروفة، إنما هو في تصحيح الحديث أي: المرفوع، ولم يقل: "القصة صحيحة"، بل قال: "الحديث صحيح"، وليت شعري! أما اقشعر بدن كاتب المفاهيم وهو يفتري هذه الافتراءات، وينقل ويكذب في النقل، ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ١٠٥] ، ولا شك أن افتراءً كهذا على صحابة رسول الله ﷺ وعلى حفاظ المسلمين وأئمتهم تشق قراءته وتشق رؤيته.

стр. 43

قال ص ٦٨ معنوناً: "التوسل به في المرض والشدائد". عن الهيثم بن [حنش] ١ قال: كنا عند عبد الله بن عمر ﵄ فخدرت رجله، فقال له رجل: اذكر أحب الناس إليك. فقال: يا محمد! فكأنما نشط من عقال. وعن مجاهد قال: خدرت رِجْلُ رَجُلٍ عند ابن عباس ﵄ فقال له ابن عباس: اذكر أحب الناس إليك فقال: محمد ﷺ ، فذهب خدره، ثم قال: فهذا توسل في صورة النداء" اهـ. أقول: الكلام هنا في أمرين: الأول: الرواية: فالخبر الأول أخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (رقم ١٧٠) ، قال: حدثنا محمد بن خالد بن محمد البرذعي قال: ثنا حاجب بن سليمان قال: ثنا محمد بن مصعب، قال: حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن الهيثم بن حنش به. وهذا إسناذ ضعيف جدأ، فيه علل كثيرة: منها: أن محمد بن مصعب القُرقُساني ضعيف عندهم، قال ابن معين: لم يكن من أصحاب الحديث، كان مغفلاً. وقال النسائي: ضعيف، ومثله عن أبي حاتم الرازي. وقال ابن حبان: "يقلب الأسانيد، ويرفع المراسيل، لا يجوز الاحتجاج به"، وقال الإسماعيلي: محمد بن مصعب من الضعفاء. وقالي الخطيب: كان كثير الغلط لتحديثه من حفظه. وقال أحمد: ليس به بأس، ونحوه عن ابن عدي. ووثقه ابن قانع وابن قانع من المتساهلين. فمن هذا يتضح ضعفه كما ذهب إليه أئمة أهل العلم. وأما قول أحمد: ليس به بأس، يعني في نفسه فهو صدوق في نفسه، ولكنه ضعيف الحديث.

стр. 44

ومنها: أن الهيثم بن حنش مجهول العين، قال الخطيب في "الكفاية في علوم الرواية" ص ٨٨: "المجهول عند أصحاب الحديث هو كل من لم يشتهر بطلب العلم في نفسه، ولا عرفه العلماء به، ومن لم يعرف حديثه إلا من جهة راوٍ واحد، مثل: عمرو ذي مر، وجبار الطائي، وعبد الله بن أغر الهمداني، والهيثم بن حنش ... هؤلاء كلهم لم يرو عنهم غير أبي اسحاق السبيعي" اهـ. ومنها: أن أبا إسحاق السبيعي مدلس، وقد عنعنه عن هذا المجهول. ومنها: أن أبا إسحاق قد اختلط، ومما يدل على تخليطه في هذا الحديث أنه رواه تارة عن أبي شعبة (أو أبي سعيد) ، وتارة عن عبد الرحمن بن سعد. وهذا اضطراب يرد به الحديث. وأمثل ما روي في هذا الباب وأصحه على تدليس أبي إسحاق فيه، ما رواه البخاري في "الأدب المفرد" (٩٦٤) قال: حدثنا أبو نعيم قال: حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن سعد قال: "خدرت رِجْلُ ابن عمر، فقال له رجل: اذكر أحب الناس إليك فقال محمد". وهذه الرواية أصح ما روي، وأفادت فوائد: الأولى: قول ابن عمر: محمد، بدون حرف النداء، والشائع عند العرب -كما سيأتي- استعمال "يا النداء" في تذكر الحبيب؛ ليكون أكثر استحضاراً في ذهن الخادرة رجله، فتنطلق. وابن عمر عدل عن الاستعمال الشائع إلى غيره؛ لما في الشائع من المحذور. الثانية: أن تذكره للنبي ﷺ ، وأنه أحب الناس إليه هو الحق؛ لأنه لا يؤمن أحذ حتى يكون الرسول ﷺ أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين؛ بل ومن نفسه التي بين جنبيه. وهذا ما نعقد عليه قلوبنا، بهداية ربنا.

стр. 45

الثالثة: أن سفيان من الحفاظ الأثبات، فنقله خبر أبي إسحاق بهذا اللفظ يدل على أنه هو المحفوظ، وسواه غلط مردود. وأما الخبر الثاني: فأخرجه ابن السني في "عمل اليوم والليلة" (١٦٩) . وفي إسناده: غياث بن إبراهيم كذبوه. قال ابن معين: كذاب خبيث. ولفظه في تذكره (محمداً) مجردٌ من حرف النداء. فلا حجة فيه، والكلام فيه على نحو ما مر في قول ابن عمر. الأمر الثاني: في الدراية: يقال لهذا المستدل: غاية ما ذكرته أن فيه ذكراً للمحبوب، لا طلب حاجة منه أو به أن يزال ما به، ولا أن يكون واسطة لإزالة خدر الرجل، وليس فيه توسلٌ، وإلا لكان لازماً أن من ذكر محبوبه فقد استغاث به وتوسل به في إزالة شدته، وهذا من أبطل الباطل، وأمحل المحال. فما قوله إذا ذكر الكافرُ حبيبه فزال خدَرُ رجله وانتشرت بعد قيد وخدور؟ أفيكون توسل به؟ ويكون من يزيل الأمراض والأخدار قد قبل هذه الوسيلة؟! وهذا الدواء -التجريبي- للخدر كان معروفاً عند الجاهليين قبل الإسلام جُرِّب فنفع، وليس فيه إلا ذكر المحبوب، وقيل في تفسير ذلك: إن ذكره لمحبوبه يجعل الحرارة الغريزية تتحرك في بدنه، فيجري الدم في عروقه، فتتحرك أعصاب الرجل، فيذهب الخدر. وجاءت الأشعار بهذا كثيراً في الجاهلية والإسلام: فمنها: قول الشاعر: صبُّ محبُّ إذا ما رِجْلُه خَدَرت نادى (كُبَيْشَةَ) حتى يذهب الخَدَر وقول الآخر: على أنَّ رجلي لا يَزَالُ امْذِلالُها مقيماً بها حتى أُجيْلَكِ في فكري

стр. 46

وقال كُثَيِّر: إذا مَذَلَتْ رجلي ذكرتُكِ أشتفي بدعواك من مَذْلٍ بها فيهون وقال جميلُ بثينةَ: وأنتِ لعَيْنِيْ قُرَّةٌ حين نَلْتَقِي وذِكْرُكِ يَشفِيْني إذا خَدَرتْ رجلي وقالت امرأة: إذا خدرت رجلي دعوتُ ابنَ مُصْعبٍ فإنْ قلتُ: عبدَ اللهِ، أجْلَى فتورَها وقال الموصلي: واللهِ ما خَدَرَتْ رجلي وما عَثَرَتْ إلا ذكرتُكِ حتى يَذْهبَ الخدَرُ وقال الوليد بن يزيد: أثيبي هائماً كَلِفاً مُعَنَّى إذا خَدَرتْ له رجْلٌ دَعاكَ١. وغير ذلك من الأشعار، أفيقال: إن هؤلاء توسلوا بمن يحبونه، من نساءٍ وغلمان، وأجيب سؤلهم، وقبلت وسيلتهم؟!! وقال ص ٦٨ معنوناً: "التوسل بغير النبي ﷺ ". ونقل أحاديث من "مجمع الزوائد" للهيثمي (١٠/١٣٢) . والهيثمي الحافظ بَوَّب لهذه الأحاديث بقوله: "باب ما يقول إذا انفلتت دابته، أو أراد غوثاً، أو أضل شيئا"، ساقه ضمن أبواب أدعية السفر. وفِقْهُ الهيثمي في هذا التبويب ظاهر، وأما من بوب بـ "التوسل بغير النبي ﷺ "، فليس بفقيه في النصوص، وسأبين هذا. استدل صاحب المفاهيم تحت هذه الترجمة بأحاديث: قال: "عن عتبة بن غزوان عن نبي الله ﷺ قال: "إذا أضل أحدكم شيئاً أو أراد عوناً وهو بأرض ليس بها أنيس، فليقل: يا عباد الله! أعينوني، فإن

стр. 47

لله عباداً لا نراهم. وقد جرب ذلك" ... رواه الطبراني ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم، إلا أن يزيد بن علي لم يدرك عتبة." انتهى كلامه. والكلام عليه من أوجه: الأول: ما وقع في نقله من التحريفات، فمنها: أنه جعل قوله: "وقد جرب ذلك" من كلام رسول الله، إذ أدخله بين الحاصرتين وهو ليس من كلامه، إنما من قول بعض الرواة المتأخرين كما سيأتي. ومنها: أن (يزيد) محرفة وصوابها زيد بن على، كما هو في معجم الطبراني. الثاني: الحديث رواه الطبراني في "معجمه الكبير" (١٧/١١٧) ، من طريق أحمد بن يحيى الصوفي ثنا عبد الرحمن بن شريك١ حدثني أبي عن عبد الله بن عيسى عن زيد بن علي عن عتبة بن غزوان مرفوعاً. قال الحافظ ابن حجر في "نتائج الأفكار": "أخرجه الطبراني بسندٍ منقطع" اهـ. ويقال: ومع الانقطاع ففي إسناده كلامٌ من وجهين: ١- عبد الرحمن بن شريك: قال أبو حاتم: واهي الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال: ربما أخطأ، ذكر ذلك ابن حجر في "تهذيب التهذيب"، ولم يذكر سوى هذين القولين. ٢- شريك والد عبد الرحمن هو ابن عبد الله النخعي القاضى المشهور، قال الحافظ في "التقريب": "صدوق، يخطئ كثيراً، تغير حفظه منذ ولي قضاء الكوفة، وكان عادلاً فاضلاً عابداً، شديداً على أهل البدع" اهـ. فاجتمع في هذا الإسناد ثلاثُ آفات: الانقطاع، وضعف عبد الرحمن، وضعف شريك. فالإسناد ضعيف بيقين.

стр. 48

وقال: "وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: إن لله ملائكة [في الأرض] سوى الحفظة يكتبون ما يسقط من ورق الشجر، فإذا أصاب أحدكم عرجة بأرض فلاةٍ فليناد: أعينوني يا عباد الله! " رواه الطبراني ورجاله ثقات. اهـ نقله عن "مجمع الزوائد". أقول: وفي نسخة من "مجمع الزوائد" رواه البزار، ولعلّه أصوب، فإن أثر ابن عباس أخرجه البزار في "البحر الزخار"، وذكره الهيثمي في "كشف الأستار" (٤/٣٣-٣٤) ، قال البزار: "حدثنا موسى بن إسحاق ثنا منجاب بن الحارث حدثنا حاتم بن إسماعيل عن أسامة بن زيد عن أبان بن صالح عن مجاهد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. قال البزار: "لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد" اهـ. وفي هذا الإسناد نظر: ١- أسامة بن زيد هو الليثي المدني. عدَّلَه بعضهم وجرح حديثه آخرون، قال أحمد بن حنبل: ليس بشيء رواها الأثرم عنه. وقال عبد الله بن أحمد لأبيه: أراه حسن الحديث، فقال: إن تدبرت حديثه فستعرف فيه النكرة، وكان يحيى بن سعيد يضعفه. وقال أبوحاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال البرقي: هو ممن يضعف، وقال: قال لي يحيى: أنكروا عليه أحاديث. هذه حكاية أقوال بعض من تكلموا فيه. وممن وثقه: ابن معين في رواية أبي يعلى، وكذا نحوه في رواية عباس، وفي رواية الدارمي عن ابن معين: ليس به بأس. وتبع ابن معين ابنُ عدي فقال: ليس بحديثه بأس. ووثقه ابن شاهين، وابن حبان وزاد:

стр. 49

"يخطئ"، ومن تدبر هذه الأقوال علم أن ما تفرد به حقه الرد، فإن توبع قبل، ومن أحاديثه التي تفرد بها حديث ابن عباس. ٢- حاتم بن إسماعيل الراوي عن أسامة بن زيد قال فيه الحافظ: "صحيح الكتاب صدوق يهم" اهـ. قال الشيخ ناصر الألباني: "خالفه جعفر بن عون فقال: ثنا أسامة بن زيد ... فذكره موقوفاً على ابن عباس. أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (٢/٤٥٥/١) ، وجعفر بن عون أوثق من حاتم بن إسماعيل فإنهما وإن كانا من رجال الشيخين، فالأول منهما لم يجرح بشيء، بخلاف الآخر، فقد قال فيه النسائي: ليس بالقوي، وقال غيره: فيه غفلة. ولذلك قال فيه الحافظ: صحيح الكتاب صدوق يهم، وقال في جعفر: "صدوق"؛ ولذلك فالحديث عندي معلول بالمخالفة" اهـ. ٣- تفرد أسامة به، وقد نقدم أن تفرد ضعيف الحفظ يعد منكراً، إذا لم تؤيده أصول صريحة صحيحة. وقال الحافظ ابن حجر: "هذا حديث حسن الإسناد، غريب جداً" اهـ. من "شرح ابن علان للأذكار" (٥/١٥١) ، ومن المعلوم أن حسن إسناده لا يدل على حسن الحديث دائماً. والحديث على ضعفه من أبواب الأذكار لا يدل على ما يدعيه المبطلة من سؤال الموتى ونحوهم، بل إنه صريح في أن من يخاطبه ضال الطريق هم الملائكة، وهم يسمعون مخاطبته لهم، ويقدرون على الإجابه بإذن ربهم؛ لأنهم أحياء ممكنون من دلالة الضال، فهم عبادٌ لله، أحياء يسمعون، ويجيبون بما أقدرهم عليه ربهم، وهو إرشاد ضال الطريق في الفلاة، ومن استدل بهذه الآثار على نداءِ شخص معين باسمه فقد كذب على رسول الله ﷺ ، ولم يلاحظ ويتدبر كلام النبي ﷺ ، وذاك سيما أهل الأهواء.

стр. 50

إذا تبين هذا فالأثر من الأذكار التي قد يتساهل في العمل بها مع ضعفها؛ لأنها جارية على الأصول الشرعية، ولم تخالف النصوص القرآنية، والأحاديث النبوية، ثم هو مخصوص بما ورد به الدليل؛ لأن هذا مما لا يجوز فيه القياس لأن العقائد مبناها على التوقيف. ولهذا روى عبد الله بن أحمد في "المسائل" (ص ٢٤٥) عن أبيه قال: "ضللت الطريق في حجة وكنت ماشياً فجعلت أقول يا عباد الله! دلونا على الطريق، فلم أزل أقول ذلك حتى وقعتُ على الطريق". فما بَوّبَ به صاحب المفاهيم هذا الحديث وأشباهه بقوله: "التوسل بغير النبي ﷺ " هو من عدم تدبر الأحاديث وفهمهما كما فهمها أئمة العلماء، فلم يقل عالم من المتقدمين إنها دليل في التوسل بغير النبي ﷺ ، كيف وقد أجمعوا على منعه؟! وقال ناقلاً عن "مجمع الزوائد" وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رسول ﷺ : "إذا انفلتت دابة أحدكم بأرض فلاة: فليناد: يا عباد الله! احبسوا، فإن لله حاضرا في الأرض سيحبسه". رواه أبو يعلى والطبراني، وزاد: "سيحبسه عليكم" وفيه معروف ابن حسان وهو ضعيف اهـ. أقول: الحديث في "المعجم الكبير" (١٠/٢٦٧) ثنا إبراهيم بن نائلة، و"مسند أبي يعلى" (٢/٢٤٤) ، وفي "عمل اليوم والليلة" لابن السني (ص ١٣٦) من طريق أبي يعلى، كلاهما قال: حدثنا الحسن بن عمر بن شفيق حدثنا معروف بن حسان (أبو معاذ) السمرقندي عن سعيد بن أبى عروبة عن عبد الله بن بريدة عن عبد الله بن مسعود به مرفوعاً. وهذا إسناد ضعيف لأمور: ١- معروف بن حسان: قال أبو حاتم: "مجهول"، وقال ابن عدي: "منكر الحديث"، قلت: هو الراوي عن ابن أبي ذئب عن نافع عن ابن

стр. 51

عمر مرفوعا: "من ربى شجرة حتى نبتت كان له كأجر قائم الليل صائم النهار"، وهو حديث موضوع، رواه الكنجروذي في"الكنجروذيات". ٢- سعيد ابن أبي عروبة: اختلط، قال النسائي: من سمع منه بعد الاختلاط فليس بشيء. ومعروف بن حسان من الصغار، ولم يسمع منه قبل الاختلاط إلا الكبار، وسمع منه قبل استحكام اختلاطه جماعة، وسمع منه بعد استحكام الاختلاط كثير. وكان بدأ اختلاطه سنة ١٣٢ هـ واستحكم ١٤٨ هـ، أفاده البزار. ٣- تدليس سعيد بن أبي عروبة: قال الحافظ "كثير التدليس"، وروى هذا الحديث معنعناً عن ابن بريدة فلا يقبل. قال الحافظ في "نتائج الأفكار": "حديث غريب أخرجه ابن السني، وأخرجه الطبراني، وفي السند انقطاع بين ابن بريدة وابن مسعود" اهـ. فهذه علة رابعة أفادها الحافظ وهي الانقطاع. ٤- روى ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٠/٤٢٤- ٤٢٥) : حدثنا يزيد بن هارون قال أخبرنا محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح أن رسول الله ﷺ قال: فذكره. وهذا الإسناد معضل، وتدليس ابن إسحاق مشهور، فهذه علل تِلْوَ علل، ليس لها دواء من التلف، وإسناده مطروح. ولهذا كله لم يصَحَّحْ أو يحسن هذا الحديث أحدٌ ممن له معرفة أو مشاركة في علم الحديث، بل إما مضعف، أو ناقل تضعيف غيره. وبعدُ: فقول صاحب المفاهيم ص ٦٩: "فهذا توسل في صورة النداء" من الدعاوي العريضة لغةً، وشرعاً. فأما اللغة: فلا يعرف أن من صور التوسل النداء، بل النداء دعاءٌ وطلب مباشر، لمنادى حاضر يسمع ويجيب، والتوسل جعل القرب سبباً لقبول الدعاء.

стр. 52

وأما الشرع: فالأحاديث ضعيفة، والأول والثالث شديدا الضعف، والثاني: والذي فيه ذكر الملائكة ضعيف وغريب جداً، ولا دلالة فيه على المدعى وهو التوسل، إذ هذا نداء حي يقدر على إجابته. وما أحسن ما روى الهروي في "ذم الكلام" (٤/٦٨/١) : "أن عبد الله ابن المبارك ضل في بعض أسفاره في طريق، وكان قد بلغه: أن من اضطر في مفازة فنادى: عباد الله! أعينوني؟ أعين. قال: فجعلتُ أطلب الجزء أنظر إسناده". قال الهروي: فلم يستجز أن يدعو بدعاء لا يرى إسناده١ اهـ. فهذه طريق السلف وأتباعهم، البحث في الأسانيد، وصنيع بعض الخلف وأتباعهم الفرح بكل ما يؤيد رأيهم ولو بالموضوعات المكذوبات، ولا يغارون على سنة المصطفى محمد ﷺ . وقال ص ٦٩: "وجاء في الحديث أن النبي ﷺ كان يقول بعد ركعتي الفجر: "اللهم رب جبرائيل وإسرافيل وميكائيل ومحمد ﷺ أعوذ بك من النار". ثم قال: "وتخصيص هؤلاء بالذكر في معنى التوسل بهم، فكأنه يقول: اللهم! إني أسألك وأتوسل إليك بجبريل.. الخ. وقد أشار ابن علان إلى هذا في الشرح" انتهى كلامه. أقول: في ما قاله تعليل لقول رسول الله ﷺ ، وتحليل لما في نفسه ﷺ ، وإلا فما أدراه عما في قلبه ﷺ حتى يقول "كأنه يقول"، هذا تجرؤ عظيم على مقام الرسالة.

стр. 53

ثم أيَّد تجرأه بنسبته ذلك إلي ابن علان في "شرح الأذكار" (٢/١٤١) ، وما قاله ابن علان ولا أشار إليه، ولكنه تحريف تبديل، وصنيع مذموم رديء. فهاك ما قاله ابن علان في "شرح الأذكار" قال: "إنما خصهم بالذكر -وإن كان تعالى رب كل شيء- لما تقرر في القرآن والسنة من نظائره من الإضافة إلى كل عظيم المرتبة وكبير الشأن، دون ما يستحقر ويستصغر" ثم قال: "فالتوسل إلى الله سبحانه بربوبية الله لهذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة له تأثير عظيم في حصول الحاجات ووصول المهمات" اهـ. وهو كلام جيد من ابن علان، فالتوسل بربوبية الله لهذه الأرواح لا بالأرواح، وهو توسل بصفةٍ من صفات الله العلى، وهذا التوسل مما يحبه الله ويرضاه، واختاره رسوله وانتقاه. فجرَّد المتابعة لرسوله ﷺ ، وذر الخائضين ذوي المين والحين، محبي إفساد ذات البين. وعقد صاحب المفاهيم ص ٦٩ عنواناً، قال فيه معنوناً: "معنى توسل عمر بالعباس"، قلب فيه ما قاله العلماء في معنى هذا التوسل، وأنه توسل بالدعاء؛ لأن العباس يملكه، فقال عجباً، فاسمعه: "ومن فهم من كلام أمير المؤمنين أنه إنما توسل بالعباس ولم يتوسل برسول الله ﷺ ؛ لأن العباس حي والنبي ميت: فقد مات فهمه، وغلب عليه وهمه، ونادى على نفسه بحالة ظاهرة، أو عصبية لرأيه قاهره، فإن عمر لم يتوسل بالعباس إلا لقرابته من رسول الله ﷺ ..". أقول: ما أعجب هذا وأسهل صده ورده، وإنما أتي كاتبه من أمرين: الأول: شهوةٌ خفية تُرى خلل أسطر قوله، وأحرفه. الثاني: قلة التتبع والفقه لمعنى الاستسقاء بالصالحين وتأريخه، فقد صح أن معاوية بن أبي سفيان ﵁ استسقى بـ "يزيد بن

стр. 54

الأسود". قال الحافظ العَلَم يعقوب بن سفيان في كتابه "المعرفة والتاريخ" (٢/٣٨٠-٣٨١) : حدثنا أبو اليمان قال حدثنا صفوان عن سليم بن عامر الخبائري: أن السماء قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فناداه الناس. فأقبل يتخطى الناس فأمره معاوية فصعد المنبر، فقعد عند رجليه، فقال معاوية: اللهم! إنا نستشفع إليك اليوم بخيرنا وأفضلنا، اللهم! إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي، يايزيد! ارفع يديك إلى الله، فرفع يزيد يديه، ورفع الناس أيديهم. فما كان أو شك أن فارت سحابة في الغرب كأنها تُرْس، وهبت لها ريح، فسقينا حتى كاد الناس أن لا يبلغوا منازلهم. وأخرجه ابن سعد في "الطبقات" (٧/٤٤٤) ، وأبو زرعة في "تأريخ دمشق" (١/٦٥٢) وإسناده مسلسل بالثقات الكبار، فهو في غاية الصحة. فهذا معاوية الصحابي -رضى الله عنه- فهم من الاستسقاء بالنبي ﷺ حال حياته أن النبي ﷺ يدعو لهم. وفهم من فعل عمر بالعباس، أن يدعو العباس لهم، وسار على هذا الفهم، فاستسقى واستشفع بيزيد يدعو لهم، وأي قرابة ليزيد من رسول الله ﷺ ؟! ولا شك أن قرابته مع صلاحه سبب لقبول دعائه، أما مجرد القرابة من غير صلاح فلم تفد عمه أبا لهب ونحوه. إنما هو السبب الأعظم، والحبل الأكرم، اتباع النبي ﷺ ، فنحن على فهم الصحابة مقتفون ومتبعون، ولمجانب سنة الخليفة الراشد والصحابة من بعده مجانبون، ولفهم أهل الأهواء رادون ناقضون، والحمد لله رب العالمين.

стр. 55

قال ص ٦٥ معنوناً: "توسل النبي ﷺ بحقه وحق الأنبياء والصالحين". ثم استدل بحديث قبر رسول الله ﷺ فاطمة بنت أسد أم علي -رضى الله عنه- وفيه: "اغفر لأمي فاطمة بنت أسد، ولقنها حجتها، ووسع عليها مدخلها، بحق نبيك والأنبياء الذين من قبلي". قال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط، وفيه روح بن صلاح وثقه ابن حبان والحاكم وفيه ضعف، وبقية رجاله رجال الصحيح [كذا بمجمع الزوائد ج ٩ ص ٢٥٧] رواه الطبراني في الأوسط والكبير بسند جيد. ورواه ابن حبان والحاكم وصححوه عن أنس. ورواه ابن أبي شيبة عن جابر. وابن عبد البر عن ابن عباس. واختلف بعضهم في روح بن صلاح أحد رواته، ولكن ابن حبان ذكره في الثقات وقال الحاكم: ثقة مأمون، وكلا الحافظين صحح الحديث، وهكذا الهيثمي في "مجمع الزوائد" ورجاله رجال الصحيح. ورواه كذلك ابن عبد البر عن ابن عباس، وابن أبي شيبة عن جابر، وأخرجه الديلمي وأبو نعيم، فطرقه يشد بعضها بعضاً بقوة وتحقيق. اهـ. هذا كلام صاحب المفاهيم بحروفه أطلت الكتاب بنقله؛ ليتبين لمن طالع كلامه أمور: الأول: قلة معرفته بالتخريج وأصوله. الثاني: تناقضه في حديث واحد، وفي أسطر متقاربة في مواضع: منها: أنه نقل عن الهيثمي أول كلامه ما يفيد ضعف الحديث، ثم قال في آخره: صححه الهيثمي. فكيف يزعم أنه صححه، وإنما قال عن روح: "وفيه ضعف"، قاله بعد سياق من وثقه مستدركا عليهم. ثم قوله: "رجاله

стр. 56

رجال الصحيح"، إنما تفيد لو كانوا كلهم رجال الصحيح أن رواته ثقات، ولا دخل للحكم على الإسناد بالصحة فكيف بتصحيح الحديث؟! ومنها: أنه قال: بسند جيد، ثم ذكر صحته من الطريق نفسها التي قال إن إسنادها جيد. ومنها: قوله: وأخرجه الديلمي وأبو نعيم، وإنما أخرجاه من طريق روح؛ ليلبس وليوهم كثرة الطرق. الثالث: تكراره لرواية ابن أبي شيبة وابن عبد البر مرتين وما أدري لم؟! ولكن يريد تطويلاً. وعبارته في هذا الحديث مختلة مضطربة متكررة العبارات، ليست بمستقيمة كما هو ظاهر لمن قرأها فضلاً عمن تأملها، فكيف لم ينبه عليها الذين قرضوا كتابه؟! تخريج الحديث: حديث أنس المذكور: أخرجه الطبراني في "الأوسط" (١/١٥٢-١٥٣) ، وفي "المعجم الكبير" (٢٤/٣٥٢) ، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/١٢١) ، من طريق روح بن صلاح حدثنا سفيان الثوري عن عاصم الأحول عن أنس. وفي هذا الإسناد روح بن صلاح: ضعفه الدارقطني، قال الذهبي: الدارقطني لا يضعف إلا من لا طِبّ فيه. اهـ، نقله عنه المناوي في "فيض القدير" (١/٢٨) . وضعفه ابن عدي، وابن ماكولا وقال: "ضعفوه"، وقال ابن يونس في "تاريخ الغرباء": رويت عنه مناكير. أما توثيق ابن حبان فعلى قاعدته في توثيق المجاهيل، وقد ترجم روحاً في "الثقات" فقال: "روح بن صلاح من أهل مصر، يروي عن يحيى بن أيوب وأهل بلده". "روى عنه محمد بن إبراهيم البوشنجي وأهل مصر" اهـ (٢/١٣٢/٢ من ترتيب الهيثمي نسخة دار الكتب) . فهذا ظاهر أنه مجهول، فلا يتكثر بتوثيق ابن حبان، والحاكم تلميذ ابن حبان، فلعلّه استقى توثيقه منه، ومن كان ضعيفاً فلا يقبل حديثه،

стр. 57

فكيف إذا تفرد به؟! فإن هذا الحديث لم يروه أحدٌ من أصحاب سفيان الثوري مطلقاً، ولذا قال الطبراني في "الأوسط" ونقله عنه أبو نعيم في "الحلية": "تفرد به روح بن صلاح" ومعلوم أن الضعيف إذا تفرد بحديث صار منكراً كما قاله الذهبي في "الميزان" في ترجمة ابن المديني، وسبقت الإشارة إلى ذلك. قوله: "رواه ابن حبان والحاكم وصححوه عن أنس"، لم يذكر هذا التخريج الحفاظ الجهابذة، ابن حجر في "الإصابة" ولا السيوطي في "الجامع الكبير"، وذكر كل ما فيه المتقي الهندي في "كنز العمال" في موضعين ولم يذكر هذا المخرج. وكأن المؤلف اغترّ بالكوثري، فهو الذي عزا هذا العزو في "مقالاته" ص ٣٩١، وحاله في التلبيس والتحريف يُعْلم من "التنكيل" للعلامة عبد الرحمن المعلمي اليماني. أما قول الكاتب: "ورواه كذلك ابن عبد البر عن ابن عباس"، فهذا تدليس شديد، وتلبيس عتيد، فرواية ابن عباس ليس فيها توسل النبي ﷺ بحقه وحق الأنبياء، فهذه اللفظة ليست في رواية ابن عباس فلماذا يلبس صاحب المفاهيم على المطالعين لكتبه؟! أيريد إثبات أمر لم يثبت ولم يروَ؟! إن إيراد الشواهد في باب: معناه عند العلماء أن الشاهد يدل على ما ترجم به، وهذا لا يوجد في كلام صاحب المفاهيم، فكأن له قصداً يستخفي به، ويتدسس لإثباته. وإليك ما قاله ابن عبد البر في "الاستيعاب" (٤/١٨٩١) ، قال: "روى سعدان بن الوليد السابري عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس قال: لما ماتت فاطمة أم علي بن أبي طالب ألبسها رسول الله ﷺ قميصه واضطجع معها في قبرها، فقالوا: ما رأيناك صنعت ما صنعت بهذه!. فقال: إنه لم يكن أحد بعد أبي طالب أبرّ بي منها، إنما ألبستها قميصي لتكسى من حلل الجنة، واضطجعت معها ليهون عليها" اهـ.

стр. 58

فأفادنا هذا التوثيق عوار ما قاله صاحب المفاهيم ملبساً تلبيسين: الأول: قوله "رواه" وأنت ترى أن ابن عبد البر لم يروه، وإنما حكى أن سعدان بن الوليد رواه وفرق بعيد بين الحالين. الثاني: أن الشاهد في التوسل بحق النبي والأنبياء ليس له ذكر في خبر ابن عباس، فتحفظ مما يمليه هؤلاء المبطلة، وكن حذراً. وقال صاحب المفاهيم ص ٦٦-٦٧: "قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة وأبو بكر الفارسي قالا: حدثنا أبو عمر بن مطر حدثنا إبراهيم بن علي الذهلي حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن مالك قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب، فجاء رجل إلى قبر النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! استسق الله لأمتك فإنهم قد هلكوا. فأتاه رسول الله ﷺ في المنام فقال: "ائت عمر فأقرئه مني السلام وأخبرهم أنهم مسقون، وقل له: "عليك بالكيس الكيس". فأتى الرجل فأخبر عمر فقال: يا رب لا آلوا إلا ما عجزت عنه. وهذا إسناد صحيح [كذا قال الحافظ ابن كثير في البداية (ج١-ص ٩١) ١ في حوادث عام ثمانية عشر] اهـ. كلام صاحب المفاهيم. أقول: الكلام هنا في مبحثين: الأول: الحافظ ابن كثير ساق قبل رواية البيهقي رواية سيف، وفيها أن عمر -رضى الله عنه- صعد المنبر، فقال للناس: أنشدكم الله الذي هداكم للإسلام هل رأيتم مني شيئاً تكرهون؟

стр. 59

فقالوا: اللهم لا. وعم ذلك؟ فأخبرهم بقول المزني وهو بلال بن حارث. ففطنوا ولم يفطن. فقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا. اهـ المقصود. وهذه الرواية مبينة أن قول نبي الله لعمر في رواية سيف: "عهدي بك وفي العهد شديد العقد، فالكيس الكيس يا عمر.." هو ما فسرها صحابة رسول الله "ففطنوا ولم يفطن عمر" كما جاء صريحاً، وهو إرشاده للاستسقاء. وفي هذا سرّ لطيف وهو أن قول القائل: "يا رسول الله استسق الله لأمتك" منكر، جره تباطؤ عمر عن طلب السقيا، وعدم الفزع إلى المشروع، يجر إلى وجود غير المشروع، فلذا قال نبي الله ﷺ : "عهدي بك وفي العهد شديد العقد، فالكيس الكيس.."، أقول هذا مع ضعف الرواية، لأبين مقصد ابن كثير حين ساق الروايتين الضعيفتين. إذا تبين هذا عُلِمَ فضل علم ابن كثير ﵀ حيث جعل رواية البيهقي هي الثانية، ورواية سيف المفصِّلة معنى الكيس هي الأولى، فتأمل هذا! وتبين مقاصد الحفاظ في أحكامهم. ويقال: تأخر عمر عن الاستسقاء وهو العبادة المشروعة التي يحبها الله، لما فيها من الذل بين يديه، والإنكسار له، وتوجه القلوب بصدقٍ وإخلاص نحو ربها لكشف ضرها، إن تأخر عمر عن الاستغاثة المشروعة سبب هذا الأمر غير المشروع. ولذا؛ لم يفعل أحد من صحابة رسول الله ﷺ مثل ما فعل هذا الرجل الذي جاء إلى قبر نبي الله ﷺ وقال ما قال، وهم إنما سقوا باستسقائهم، لا بقول الرجل غير المشروع. فتنبه لهذا. الثاني: أن هذه الرواية التي ساقها الحافظ ابن كثير من رواية البيهقي في "دلائل النبوة" فيها علل يعلل بها المحدثون:

стр. 60

الأولى: عنعنة الأعمش، وهو مدلس، والمدلس لا يقبل من حديثه إلا ما قال فيه "حدثنا" و"أخبرنا" ونحوها، دون "قال" أو "عن"، إذ احتمال أنه أخذه عن ضعيف يهي الحديث بذكره، كما هو معلوم في "مصطلح الحديث"، مع أن الأعمش في الطبقة الثانية من المدلسين عند الحافظ وغيره. الثانية: مالك الذي في إسناده والذي هو عمدة الرواية مجهول، وذكره البخاري وابن أبي حاتم، ولم يذكرا فيها تعديلاً ولا جرحاً، فهو مجهول، والمجهول لا يقبل حديثه. وابن كثير إنما صحح الإسناد على طريقته في توثيق مجاهيل كبار التابعين كما يعلم من تتبع صنيعه في التفسير وغيره. وإذا كان مجهولاً فلا علم لنا بتأريخ وفاته. الثالثة: أن أبا صالح وهو ذكوان الراوي عن مالك لا يعلم سماعه ولا إدراكه لمالك، إذ لم نتبين وفاة مالك، سيما ورواه بالعنعنة فهو مظنة انقطاع لا تدليس. الرابعة: أن تفرد مالك المجهول به رغم عظم الحادثة وشدة وقعها على الناس إذ هم في كرب شديد اسوَّد معه لون عمر بن الخطاب، إن سبباً يفك هذه الأزمة ويرشد إلى المخرج منها مما تتداعى همم الصغار فضلاً عن الكبار لنقله وتناقله، كما في تناقلهم للمجاعة عام الرمادة، فإذا لم ينقلوه مع عظم سبب نقله دلّ على أن الأمر لم يكن كما رواه مالك، فلعله ظنه ظناً. ونقل الكاتب ص ٦٧ قول الحافظ في هذه الرواية: "روى ابن أبي شيبة بإسنادٍ صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الداري "وكان خازن عمر" ... " فساق نحواً من حديث البيهقي.

стр. 61

قال صاحب المفاهيم: "وقد أورد هذا الحديث ابن حجر العسقلاني وصحح سنده كما تقدم، وهو من هو في علمه وفضله ووزنه بين حفاظ الحديث، مما لا يحتاج إلى بيان وتفصيل" اهـ. أقول: منزلة الحافظ لا مكان للمجادلة فيها فهو عَلَم أشم في علوم الحديث، ولكن الشان في فهم من ينتسب إلى العلم، ولا يدرك ألفاظ الحافظ ومدلولاتها. فالحافظ المِِدْره الجهْبذ ابن حجر لم يصحح إسناده مطلقاً كما زعمه صاحب المفاهيم، إنما قال: "بإسناد صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار ... " اهـ ومعنى هذا أن الحافظ صحح سنده إلى أبي صالح السمان، وما ذكر من رجال إسناده لم يقل بصحته كما هو ظاهر لأهل العلم، ففرق بين قوله هذا وبين ما لو قال: "بإسنادٍ صحيح أن مالك الدار ... "، فتبين أن كلام الحافظ هذا لا يمنع من علتين سبق تعليلُ الحديث بهما. الأولى: جهالة مالك الدار. الثانية: مظنة الانقطاع بين أبي صالح ذكوان وبين مالك الدار، إذا تقرر هذا واتَّضح، عُلم فضل قول الحافظ ابن حجر ﵀ على قول ابن كثير الذي سبق. ومنه يتبين ضعف الأثر، ثم قد أوضحت أنه لا حجة في لفظه، بل ينعكس به الاستدلال على صاحب المفاهيم، وذلك إذا سلمت النفوس، وارتضت قواعد أهل العلم طريقاً وسبيلاً للوصول للحق، ومن لم يكن كذلك فلا يباليه أهل العلم باله، ولا يأخذون بالوزن مقاله.

стр. 62

رواية سيف في الفتوح: قال صاحب المفاهيم ص ٦٧: "وقد روى سيف في الفتوح أن الذي رأى في المنام المذكور هو بلال بن الحارث المزني أحد الصحابة، قال ابن حجر: إسناده صحيح. اهـ[فتح الباري ص ٤١٥ ج٢] انتهى. أقول: هذا كذب ظاهر على الحافظ ابن حجر، فكلامه انتهى عند قوله أحد الصحابة: أما قوله قال ابن حجر: إسناده صحيح، فهو من مفتريات صاحب المفاهيم على الحافظ، فانظر كيف فعلته، وسوء صنعته، وكيف يصحح الحافظ إسناداً يرويه سيف في "الفتوح"؟! والحافظ هو الذي يقول في سيف في كتابه "تقريب التهذيب": ضعيف الحديث، ومن قال فيه ذلك فلا يقبل حتى في المتابعات كما هو معلوم من اصطلاحه، ذكره في مقدمة كتابه، وسيأتي في المسألة التي تلي هذه، كلام الحفاظ في سيف. فما لصاحب المفاهيم وتعمد الكذب، فتعمده الكذب كبيرة، قال في "المشرع الروي في مناقب آل أب علوي" (١/٥٨) : "إن القبيح من أهل البيت أقبح منه في غيرهم، ولهذا قال العباس لابنه عبد الله -رضى الله عنهما-: يا بني! إن الكذب ليس بأحدٍ أقبح من هذه الأمة أقبح منه بي وبك وبأهل بيتك" اهـ. وقال ص ٦٧: " ذكر الحافظ ابن كثير أن شعار المسلمين في موقعة اليمامة كان [محمداه] " اهـ. أقول: ابن كثير ﵀ ساق ذلك في ضمن خبر طويل عن الغزوة، دخل حديث بعض الأخباريين في بعض، وأما هذا الشعار فقد روى خبره ابن جرير في "تأريخ الأمم والملوك" (٢٩٣/٣) قال: "كتب إلي السري

стр. 63

عن شعيب عن سيف عن الضحاك بن يربوع عن أبيه عن رجل من بني سحيم.." فذكر قصة وفيها الشعار. أقول: هذا إسنادٌ مظلم، وما عهدت مسائل العقيدة والتوحيد، بل ولا غيرها من أحكام الشريعة تؤخذ من كتب التاريخ، وإنما تروى قصص التأريخ للعبرة والعظة، والتصديق بمجموعها، لا تفاصيلها، ولهذا قال أحمد بن حنبل: "ثلاثة ليس لها أصول وذكر المغازي.." وإظلام هذا الإسناد من ثلاث جهات: الأولى: سيف هو ابن عمر مصنف "الفتوح" و "الردة"، يروي عن خلق كثير من المجهولين. قال الذهبي في "ميزان الاعتدال" (٢/٢٥٥) : "روى مطيّن عن يحيى: فَلْس خير منه. وقال أبو داود: ليس بشيء. وقال أبو حاتم: متروك. وقال ابن حبان: اتهم بالزندقة. وقال ابن عدي: عامة حديثه منكر.." اهـ. الثانية: الضحاك بن يربوع: قال الأزدي: حديثه ليس بقائم قلت: وهو من المجهولين الذين تفرد بالرواية عنهم سيف. الثالثة: جهالة يربوع والرجل السحيمي. وكل واحدة من هذه العلل والقوادح تضعف الحديث، فكيف وهو من رواية سيف بن عمر؟! وقد عرفت ما فيه، نسأل الله العافية. ولا يُستنكر إيراد ابن جرير لمثل هذه الحكايات الواهيات، وتتابع المؤرخين بعده على ذكرها، فقد قال ابن جرير ﵀ في مقدمة كتابه "تأريخ الأمم والملوك" (١/٨) ما نصه: "فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارؤه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجهاً في الصحة، ولا معنى في الحقيقة:

стр. 64

فيعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، وإنما أتي من قبل بعض ناقليه إلينا، وأنَّا إنما أدينا ذلك على نحو ما أُديَ إلينا". انتهى كلامه. استدل صاحب المفاهيم -على زعمه- بجواز التوسل بحق الصالحين بحديث أبي سعيد الخدري الذي ساقه ص ٦٥-٦٦ ولفظه: "من خرج من بيته إلى الصلاة فقال اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك، وبحق ممشاي هذا فإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا رياء ولا سمعه.. الحديث". أقول: المؤلف قصَّر في الحكم على الحديث والنظر في إسناده على عادته، فالحديث أخرجه الإمام أحمد في "المسند" (٣/٢١) ، وابن ماجه في "سننه" (١/٢٥٦) ، وابن السني في "عمل اليوم والليلة" (٨٥) ، وأشار ابن خزيمة في "التوحيد" ص ١٧ إلى تخريج الحديث في كتاب آخر، كلهم عن فُضيل بن مرزوق عن عطية العوفي عن أبي سعيد الخدري به مرفوعاً. وهذا إسناد ضعيف لأمور: ١- فضيل بن مرزوق: وثقه بعضهم وضعفه آخرون، وهو ممن عيب على مسلم ﵀، إخراج حديثهم في "الصحيح"، كما قال الحاكم ﵀، وأغلظ ابن حبان فقال: "يروي عن عطية الموضوعات". ٢- عطية العوفي: قال الذهبي في "الميزان": "تابعي شهير، ضعيف ... ، وقال أحمد: ضعيف الحديث.. وقال النسائي وجماعة: ضعيف" اهـ. ٣- عطية مدلس مع ضعفه، وتدليسه عجيب، قال أحمد: بلغني أن عطية كان يأتي الكلبي، فيأخذ عنه التفسير، وكان يكنى بأبي سعيد فيقول: قال أبو سعيد. انتهى. ٤- وقد أعلّ الحديث الشيخ ناصر الألباني في "السلسلة الضعيفة" (١/٣٧) بعلة أخرى، وهي: اضطراب عطية أو ابن مرزوق في روايته، حيث إنه رواه تارة مرفوعاً كما تقدم، وأخرى موقوفاً على أبي سعيد، كما رواه ابن أبي شيبة في "المصنف" (١٢/١١٠/١) عن ابن مرزوق به موقوفاً.

стр. 65

وفي رواية البغوي من طريق الفضيل قال: أحسبه قد رفعه، وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (٢/١٨٤) : موقوف أشبه. انتهى وهو كلام متجه؛ لأن المضطربين ضعاف في حديثهم، فلا يحمل ذلك على غير الاضطراب، كما هو معلوم من "أصول الحديث". وقد حسن إسناد الحديث الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء الصغير" (١/٣٢٣) ، وحسن الحديث الحافظ ابن حجر فقال في "نتائج الأفكار": "حديث حسن أخرجه أحمد وابن ماجه وابن خزيمة في "كتاب التوحيد" وأبو نعيم الأصبهاني. قال: وفي "كتاب الصلاة" لأبي نعيم عن فضيل عن عطية قال: حدثني أبو سعيد فذكره، ولكنه لم يرفعه. فقد أمن بذلك تدليس عطية.." انتهى. أقول: أفاد الحافظ هنا أن تحسينه الحديث لأجل انتفاء تدليس عطية وفي هذا نظر من وجهين: الأول: أن تدليس عطية ليس هو تدليس الإسناد المعروف حتى يؤمن بقوله: حدثني، بل هو تدليس آخر، فعطية يقول: حدثني أبو سعيد، أو قال أبو سعيد ويعني به الكلبي. كما أفاد الإمام أحمد ﵀. الثاني: أن الحافظ ذكر أن الرواية التي فيها حدثنا أبو سعيد موقوفة، فلم لم يعلّها بالاضطراب، وحقها ذلك؟! إذا عُلم هذا النظر، فقد قال جماعة كثيرون من الحفاظ بضعف الحديث: منهم: الحافظ عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، في "الترغيب والترهيب" (٣/٤٥٩) . ومنهم: الحافظ النووي في "الأذكار" ص ٢٥. ومنهم: شيخ الإسلام ابن تيمية في "مجموع الفتاوى" (١/٢٨٨) .

стр. 66

ومنهم: البوصيري الحافظ في "زوائد ابن ماجة". وغيرهم، ممن أصاب الحق، فمن تأمل ما ذكر متجرداً منصفاً، علم أن قول هؤلاء الحفاظ الأكثرين هو الأصوب، والله أعلم. تنبيه: قال شيخ الإسلام على هذا الحديث في "مجموع الفتا وى" (١/٢٨٨) : "وهذا الحديث من رواية عطية العوفي عن أبي سعيد، وهو ضعيف بإجماع أهل العلم، وقد روي من طريق آخر١، وهو ضعيف أيضاً، ولفظه لا حجة فيه فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق العابدين أن يثيبهم، وهو حق أحقه الله تعالى على نفسه الكريمة بوعده الصادق باتفاق أهل العلم، وبإيجابه على نفسه في أحد أقوالهم. وهذا بمنزلة الثلاثة الذين سألوه في الغار بأعمالهم" انتهى. وقال ﵀ (١/٢١٧) : "ومن قال: بل للمخلوق على الله حق فهو صحيح إذا أراد به الحق الذي أخبر الله بوقوعه، فإن الله صادق لا يخلف الميعاد، وهو الذي أوجبه على نفسه بحكمته وفضله ورحمته، وهذا المستحق لهذا الحق إذا سأل الله به يسأل الله تعالى إنجاز وعده، أو يسأله بالأسباب التي علق الله بها المسببات كالأعمال الصالحة، فهذا مناسب. وأما غير المستحق لهذا الحق إذا سأله بحق ذلك الشخص فهو كما لو سأله بجاه ذلك الشخص، وذلك سؤال بأمرٍ أجنبي عن هذا السائل، لم يسأله بسببٍ يناسب إجابة دعائه" اهـ. وقال (١/٢١٤) : "وذلك أن النفوس الجاهلية تتخيل أن الإنسان بعبادته وعلمه. يصير له على الله حق من جنس ما يصير للمخلوق على المخلوق، كالذين يخدمون ملوكهم ومُلاَّكهم، فيجلبون لهم منفعة، ويدفعون عنهم

стр. 67

مضرة، ويبقى أحدهم يتقاضى العوض والمجازاة على ذلك، ويقول له عند جفاء أو إعراض يراه منه: ألم أفعل كذا؟ يمن عليه بما يفعله معه، وإن لم يقل ذلك بلسانه كان ذلك في نفسه. وتخيل مثل هذا في حق الله تعالى من جهل الإنسان وظلمه" اهـ. قال ص ٦٢ معنوناً: "التوسل بآثاره ﷺ " "ثبت أن الصحابة ﵃ كانوا يتبركون بآثاره ﷺ وهذا التبرك ليس له إلا معنى واحد ألا وهو التوسل بآثاره إلى الله تعالى؛ لأن التوسل يقع على وجوه كثيرة لا على وجه واحد، أفتراهم يتوسلون بآثاره ولا يتوسلون به؟! هل يصح أن يتوسل بالفرع ولا يصح بالأصل؟! ". أقول: لما كان أكثر من يتبع ما يدعو إليه المبتدعة الجهال الطغام الذين لا يفقهون الفروق اللغوية ولا الشرعية بين الألفاظ، لما كان كذلك سهل على رؤسائهم وسادتهم أن يتلاعبوا بهم، وبالألفاظ الشرعية واللغوية، فتلوى أعناقها وتكسر أيديها، وتعكف أرجلها لتوافق ما يريدون. وهذه الأسطر التي نقلتها من هذه البابة. فالصحابة ثبت أنهم يتبركون بذاته ﷺ ، وما بأيديهم من آثاره الجسمية كالشعر والعرق ونحو ذلك، والتبرك بذاته ﷺ مما نقر به ونؤمن به كما يأتي بيانه، ولكن أين وجد مؤلف المفاهيم أن التبرك يسمى توسلا؟! وكيف استجاز أن يخرق أقوال أهل العلم من الصحابة ومن بعدهم بتسميته توسلاً، والبركة شيء، والوسيلة شي ة آخر؟!! ولذا؛ تعلم مجازفة وتعدي صاحب المفاهيم على صحابة رسول الله بقوله: "هذا التبرك ليس له إلا معنى واحد ألا وهو التوسل بآثاره". ليٌّ لفعل الصحابة ظاهر، وكسر لأعناق تصرفاتهم جائر. وهو يريد تقرير مذهبه ولكن بطريق غير علمية، لا تصلح إلا في الأزمنة الجاهلية، حيث

стр. 68

يتبع الناس ساداتهم دون بحث ونظر، وبقي منهم بقية، ولكن اليقظة العلمية الشرعية كفيلة برد مزاعمه إليه ولو من أتباعه. أنس -رضى اللة عنه- كان عنده شعرة يتبرك بها، فهلا أحضرت لنا نقلاً واحداً أنه قال مرة: "أتوسل بشعر رسول الله.."؟!، لن تستطيع ولو طرت إلى الثريا، لن يأتي المبتدعة بشيء من هذا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. إن الصحابة يفرقون بين التبرك بالأثر المنفصل عن جسمه، وبين التوسل. ولكن القوم لا يفهمون، أو يفهمون وعلى الصحابة يجنون، والحمد لله فنحن أهلُ السنة على طريق الصحابة سائرون، وبما قالوه قائلون. وقال ص ٦٤: "وهذا في الحقيقة ليس إلا توسلاً بآثار أولئك الأنبياء إذ لا معنى لتقديمهم التابوت بين أيديهم في حروبهم إلا ذلك، والله راضٍ عن ذلك، بدليل أنه رده إليهم وجعله علامة وآية على صحة ملك طالوت، ولم ينكر عليهم ذلك الفعل" اهـ. هذا آخر كلامه في "التوسل بآثار الأنبياء"، وواضح لأدنى ذي مسكة من علم ما في كلِمه من عُوَار: ففيه: أن تقديمهم التابوت بين أيديهم مفتقر إلى إثباته لا أن تجعل مقالات بعض المؤرخين مما نقله الأخباريون في مجالسهم مقام النصوص التي يستدل بها، ويفرع عليها. فلم أسمع أحداً ممَّن ارتبط بالعلم بسبب من المتقدمين والمتأخرين يستدل لحكم شرعي عقدي بقول مؤرخ.

стр. 69

أسفاً على ما أصله العلماء، فقد ذهب حين نطق أشباه العلماء، فإن كانت الإسرائيليات حجة عند كاتب المفاهيم وأشباهه كما هو ظاهر من احتجاجهم بها، فليحتجوا بما رواه أبو نعيم في "حلية الأولياء" (١٠/٩) : قال يوسف ﵇: "اللهم! إني أتوجه إليك بصلاح آبائي إبراهيم خليلك وإسحاق ذبيحك؛ ويعقوب إسرائيلك". فأوحى الله تعالى إليه: يا يوسف! تتوجه بنعمةٍ أنا أنعمتها عليهم؟ فاحتجوا بهذا يا أصحاب المفاهيم! وفيه: التجني على مقام الربوبية بقوله "والله سبحانه راض عن ذلك"، فانظر جزمه برضى المولى على فعل نقله الأخباريون لا يثبت عند العلماء، وليس له وزن. يوصف الله بالرضى عن فعلٍ لم يقله هو ولا رسوله، وإنما قاله المؤرخون. ياله من تسرع، وسؤ نظر، وقلة مبالاة، نسأل الله السلامة، نسأل الله السلامة، نسأل الله السلامة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال ص ٦٤: معنوناً: "التوسل بآثار الأنبياء". ثم ساق قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَى وَآلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ . ونقل عن ابن كثير في "تاريخه " قول ابن جرير: "كانوا ينصرون ببركته، وبما جعل الله فيه من السكينة". أقول: كم بين الدعوى والدليل من بون تنقطع أكباد المهاري البزل عن وصوله، فالدعوى: التوسل بآثار الأنبياء، ودليل هذا عند قائله قول ابن جرير: "كانوا ينصرون ببركته". ففي هذا افتئات على العلم الشرعي وجناية من أوجه:

стр. 70

الأول: أن الآيات ليس فيها إلا أنهم أنكروا ملك طالوت، لكونه ليس من سلالة الملك، فقال لهم نبيهم: إن آية صحة ملكه أن يأتيكم التابوت تسكنون لصحة كونه آية، وفيه بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، تستدلون بهذه البقية على الصحة دليلاً ثانياً، والدليل الثالث أن الملائكة تحمله. هذا ما دلت عليه الآية. الثاني: أن كلام ابن جرير وغيره بحاجة إلى أن يستدل له لا أن يستدل به. الثالث: هبهم كانوا يتبركون، فأين الدليل على أنهم كانوا يتوسلون به؟! ومؤلف المفاهيم لا يفرق بين التبرك، والتوسل!. الرابع: هبه كما زعمت، فمن أين جزمت أن ما جاز في شرع من قبلنا جائز في شرعنا مطلقاً؟! الخامس: من أدلة عدم جواز فعل ما فعلت بنو إسرائيل -إن صح-: ترك النبي ﷺ فعل ذلك، والتوجيه إليه في سراياه التي بعثها، وهزم المسلمون فيها، كغزوة مؤته ونحوها، أفلا بعث شيئاً من آثاره كملابسه ونحوها لينصرون بها؟! إن عدم الفعل مع اشتداد الحاجة إليه دليل على أن ذلك ليس مشروعاً عندنا. السادس: وهذا فهم الصحابة بعد نبيهم ﷺ ، لم يأخذوا شيئاً من آثاره ليبعثوها مع المجاهدين تبركاً بها، واستنصاراً بها، وإنما بعثوا والرجال العاملين المخلصين، وتفقدوا أمر السنن في حروبهم، تفقدوا آثار أنبيائهم الآمرة الناهية لا آثارهم الجسمية، هذا شأنهم في حروبهم.

стр. 71

وقال في ص ٦٦ معنونا: "التوسل بقبر النبي ﷺ بعد وفاته"، وذكر برهانه على هذا العنوان الغريب، فقال: قال الإمام الحافظ الدارمي في كتابه "السنن": باب ما أكرم الله تعالى نبيه ﷺ بعد موته. حدثنا أبو النعمان، حدثنا سعيد بن زيد، حدثنا عمرو بن مالك البكري١ حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال: قحط أهل المدينة قحطاً شديداً، فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي ﷺ فاجعلوا منه كواً إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا. فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل (تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق، ومعنى كواً أي: نافذة) اهـ. "سنن الدارمي" (ج ١ص ٤٣) . انتهى ما نقله صاحب المفاهيم. ووضعه (تفتقت من الشحم ... ) إلخ بين أقواس من تصرفه، وإخلاله بالنقل السليم، فإن اللفظ في "سنن الدارمي" (١/٤٣) هكذا: "وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسُمِّي عام الفتق" اهـ، هذه عبارة سنن الدارمي، فتصرفه مذموم، وزاد على الأثر قوله: ومعنى كواً أي نافذة، وهذه ليست في سنن الدارمي التي نص على النقل عنها. وهذه الأثر ضعيف جداً لا حجة فيه، لأوجه: الأول: أن راويه عمرو بن مالك النكري ضعيف بمرة، قال ابن عدي في "الكامل" (٥/١٧٩٩) : "منكر الحديث عن الثقات، ويسرق الحديث، سمعت أبا يعلى يقول: عمرو بن مالك النكري: كان ضعيفاً"، ثم قال بعد أن ساق أحاديث: "ولعمرو غير ما ذكرت أحاديث مناكير" اهـ، وقال ابن حبان: "يخطئ ويغرب" اهـ.

стр. 72

فعمرو وأمثاله ممن هذه حالهم كيف يجترأ على الاحتجاج بروايتهم؟! أما من غيرة على سنة رسول الله وشريعته من سراق الحديث؟! الثاني: أن سعيد بن زيد الراوي عن عمرو فيه ضعف، قال يحيى بن سعيد: ضعيف، وقال السعدي: يضعفون حديثه، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال أحمد: ليس به بأس: كان يحيى بن سعيد لا يستمرؤه، ساق هذه الأقوال الذهبي في "الميزان". الثالث: قال شيخ الإسلام في "مختصر الرد على البكري" ص ٦٨-٦٩: "وما روي عن عائشة -رضى الله عنها- من فتح الكوة من قبره إلى السماء لينزل المطر، فليس بصحيح ولا يثبت إسناده، وإنما نقل ذلك من هو معروف بالكذب. ومما يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة بل كان بعضه باقياً كما كان على عهد النبي ﷺ بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه كما ثبت في "الصحيحين" عن عائشة أن النبي ﷺ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيئ بعد. ولم تزل الحجرة كذلك حتى زاد الوليد بن عبد الملك في المسجد في إمارته لما زاد الحجر في مسجد الرسول ﷺ " انتهى. وبعد أن تبين وانجلى نكارة هذه الحكاية نقلاً وعقلاً، إسناداً وتأريخاً يعلم أن قول صاحب المفاهيم بعد سياق الأثر: "فهذا توسل بقبره ﷺ ، لا من حيث كونه قبراً، بل من حيث كونه ضمَّ جسد أشرف المخلوقين، وحبيب رب العالمين، فتشرف بهذه المجاورة العظيمة، واستحق بذلك المنقبة الكريمة". اهـ.

стр. 73

مما اعتمد فيه على المنكرات الواهيات، ولهذا فلا قيمة لكلامه، ولو بنخالة شعير، أو وزن قطمير وهذا ظاهر لكل أحد، والحمد لله على توفيقه. وقال صاحب المفاهيم في ص ٧٢ بعد سياقه قصة العتبي: [فهذه القصة رواها الإمام النووي في كتابه المعروف بالإيضاح في الباب السادس ص ٤٩٨. ورواها أيضا الحافظ عماد الدين ابن كثير في تفسيره الشهير عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ الآية. ورواها أيضا الشيخ أبو محمد بن قدامه في كتابه "المغني" (ج ٣ ص ٥٥٦) ..] انتهى. أقول: هذه عبارات عامية، ليست علمية، ولا تنبئ عن فهم طالب علم، ذلك أن قوله رواها، ... ورواها ... إلخ خطأ محض؛ لأن كلمة رواها لا تقال إلا لمن ساق القصة بإسناده بقوله: حدثنا أو أخبرنا أو نحوها من كلمات التحمل والأداء. ١- فالنووي لم يروها، وإنما قال في "المجموع شرح المهذب" (٨/٢٧٤) وفي آخر منسكه المعروف بـ "الإيضاح": "ومن أحسن ما يقول: ما حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب وسائر أصحابنا عن العتبي مستحسنين له، قال: كنت جالساً عند قبر رسول الله ﷺ ... " انتهى. فهذا هو قول النووي، وما هو برواية، ومن قال إنه رواية: فإما أن يكون لا فقه له ولا فهم بمصطلحات العلماء، وإما أن يكون متشبعاً بما لم يعط، ملبساً، فهذا لا حيلة فيه. ٢- وابن كثير لم يروها، وإنما قال في "تفسيره": [ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي ... ] وما هذه برواية، وإنما هو نقل.

стр. 74

وابن قدامة في "المغني" لم يروها، وإنما حكاها بصيغة التضعيف (٣/٥٥٧) فقال: "ويروى عن العتبي ... ". وليست هذه رواية، إنما نقل بصيغة التمريض وهي تفيد التضعيف، ثم المؤلف يعلم أن قصة العتبي ضعيفة السند واهية، فهي مردودة غير صحيحة. ولعلمه بذلك أورد الشبهة التي لم يبق له مع الضعف إلا هي، فقال ص ٧٣: "هذه قصة العتبي، وهؤلاء الذين نقولها، وسواءً أكانت صحيحة أم ضعيفة من ناحية السند الذي يعتمد عليه المحدثون في الحكم على أي خبر، فإننا نتساءل ونقول: هل نقل هؤلاء الكفر والضلال؟! أو نقلوا ما يدعو إلى الوثنية وعبادة القبور...." اهـ. أقول: أولا: مادام أنها ليست من سنة الرسول ﷺ ولا فعل خلفائه الراشدين، وصحابه المكرمين، ولا من فعل التابعين والقرون المفضلة، وإنما هي مجرد حكاية عن مجهول، نقلت بسند ضعيف فكيف يحتج بها في عقيدة التوحيد الذي هو أصل الأصول؟! وكيف يحتج بها وهي تعارض الأحاديث الصحيحة التي نهى فيها عن الغلو في القبور والغلو في الصالحين عموماً، وعن الغلو في قبره والغلو فيه ﷺ خصوصاً؟!، وأما من نقلها من العلماء أو استحسنها فليس ذلك بحجة تعارض بها النصوص الصحيحة وتخالف من أجلها عقيدة السلف، فقد يخفى على بعض العلماء ما هو واضح لغيرهم، وقد يخطئون في نقلهم ورأيهم وتكون الحجة مع من خالفهم، وما دمنا قد علمنا طريق الصواب فلا شأن لنا بما قاله فلان أو حكاه فلان، فليس ديننا مبنياً على الحكايات والمنامات، وإنما هو مبني على البراهين الصحيحة. ثانيا: قد تخفى بعض المسائل والمعاني على من خلع الأنداد وتبرأ من الشرك وأهله، كما قال بعض الصحابة "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم

стр. 75

ذات أنواط" فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده ما قاله أصحاب موسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ". حديث صحيح. والحجة في هذا أن هؤلاء الصحابة وإن كانوا حديثي عهد بكفر فهم دخلوا في الدين بلا إله إلا الله، وهي تخلع الأنداد وأصناف الشرك وتوحد المعبود، فمع ذلك ومع معرفة قائليها الحقة بمعنى لا إله إلا الله، خفي عليهم بعض المسائل من أفرادها. وإنما الشأن أنه إذا وضح الدليل وأبينت الحجة فيجب الرجوع إليها والتزامها، والجاهل قد يعذر، كما عذر أولئك الصحابة في قولهم: اجعل لنا ذات أنواط، وغيرهم من العلماء أولى باحتمال أن يخفى عليهم بعض المسائل ولو في التوحيد والشرك. ثالثا: كيف يتجاسر أحد أن يعارض نصوص كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ بقول حكاه حاكٍ مستحسناً له، والله سبحانه يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِأَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ٦٣] ؟!. قال الإمام أحمد: عجبتُ لقومٍ عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِأَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ ، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. رواه عن أحمد الفضل بن زياد، وأبو طالب، ولعله في كتاب "طاعة الرسول ﷺ " لأحمد ﵀. فطاعة رسول الله ﷺ مقدمة على طاعة كل أحد، وإن كان خير هذه الأمة أبا بكر وعمر، كما قال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر.
следующие страницы →