← Акыда

Акыда · id 12120

هذه مفاهيمنا

صالح آل الشيخ

Полный текст (242 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

وقال في ص ٦٦ معنونا: "التوسل بقبر النبي ﷺ بعد وفاته"، وذكر برهانه على هذا العنوان الغريب، فقال: قال الإمام الحافظ الدارمي في كتابه "السنن": باب ما أكرم الله تعالى نبيه ﷺ بعد موته. حدثنا أبو النعمان، حدثنا سعيد بن زيد، حدثنا عمرو بن مالك البكري١ حدثنا أبو الجوزاء أوس بن عبد الله قال: قحط أهل المدينة قحطاً شديداً، فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي ﷺ فاجعلوا منه كواً إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا. فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل (تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق، ومعنى كواً أي: نافذة) اهـ. "سنن الدارمي" (ج ١ص ٤٣) . انتهى ما نقله صاحب المفاهيم. ووضعه (تفتقت من الشحم ... ) إلخ بين أقواس من تصرفه، وإخلاله بالنقل السليم، فإن اللفظ في "سنن الدارمي" (١/٤٣) هكذا: "وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسُمِّي عام الفتق" اهـ، هذه عبارة سنن الدارمي، فتصرفه مذموم، وزاد على الأثر قوله: ومعنى كواً أي نافذة، وهذه ليست في سنن الدارمي التي نص على النقل عنها. وهذه الأثر ضعيف جداً لا حجة فيه، لأوجه: الأول: أن راويه عمرو بن مالك النكري ضعيف بمرة، قال ابن عدي في "الكامل" (٥/١٧٩٩) : "منكر الحديث عن الثقات، ويسرق الحديث، سمعت أبا يعلى يقول: عمرو بن مالك النكري: كان ضعيفاً"، ثم قال بعد أن ساق أحاديث: "ولعمرو غير ما ذكرت أحاديث مناكير" اهـ، وقال ابن حبان: "يخطئ ويغرب" اهـ.

стр. 72

فعمرو وأمثاله ممن هذه حالهم كيف يجترأ على الاحتجاج بروايتهم؟! أما من غيرة على سنة رسول الله وشريعته من سراق الحديث؟! الثاني: أن سعيد بن زيد الراوي عن عمرو فيه ضعف، قال يحيى بن سعيد: ضعيف، وقال السعدي: يضعفون حديثه، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي، وقال أحمد: ليس به بأس: كان يحيى بن سعيد لا يستمرؤه، ساق هذه الأقوال الذهبي في "الميزان". الثالث: قال شيخ الإسلام في "مختصر الرد على البكري" ص ٦٨-٦٩: "وما روي عن عائشة -رضى الله عنها- من فتح الكوة من قبره إلى السماء لينزل المطر، فليس بصحيح ولا يثبت إسناده، وإنما نقل ذلك من هو معروف بالكذب. ومما يبين كذب هذا أنه في مدة حياة عائشة لم يكن للبيت كوة بل كان بعضه باقياً كما كان على عهد النبي ﷺ بعضه مسقوف وبعضه مكشوف، وكانت الشمس تنزل فيه كما ثبت في "الصحيحين" عن عائشة أن النبي ﷺ كان يصلي العصر والشمس في حجرتها لم يظهر الفيئ بعد. ولم تزل الحجرة كذلك حتى زاد الوليد بن عبد الملك في المسجد في إمارته لما زاد الحجر في مسجد الرسول ﷺ " انتهى. وبعد أن تبين وانجلى نكارة هذه الحكاية نقلاً وعقلاً، إسناداً وتأريخاً يعلم أن قول صاحب المفاهيم بعد سياق الأثر: "فهذا توسل بقبره ﷺ ، لا من حيث كونه قبراً، بل من حيث كونه ضمَّ جسد أشرف المخلوقين، وحبيب رب العالمين، فتشرف بهذه المجاورة العظيمة، واستحق بذلك المنقبة الكريمة". اهـ.

стр. 73

مما اعتمد فيه على المنكرات الواهيات، ولهذا فلا قيمة لكلامه، ولو بنخالة شعير، أو وزن قطمير وهذا ظاهر لكل أحد، والحمد لله على توفيقه. وقال صاحب المفاهيم في ص ٧٢ بعد سياقه قصة العتبي: [فهذه القصة رواها الإمام النووي في كتابه المعروف بالإيضاح في الباب السادس ص ٤٩٨. ورواها أيضا الحافظ عماد الدين ابن كثير في تفسيره الشهير عند قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ الآية. ورواها أيضا الشيخ أبو محمد بن قدامه في كتابه "المغني" (ج ٣ ص ٥٥٦) ..] انتهى. أقول: هذه عبارات عامية، ليست علمية، ولا تنبئ عن فهم طالب علم، ذلك أن قوله رواها، ... ورواها ... إلخ خطأ محض؛ لأن كلمة رواها لا تقال إلا لمن ساق القصة بإسناده بقوله: حدثنا أو أخبرنا أو نحوها من كلمات التحمل والأداء. ١- فالنووي لم يروها، وإنما قال في "المجموع شرح المهذب" (٨/٢٧٤) وفي آخر منسكه المعروف بـ "الإيضاح": "ومن أحسن ما يقول: ما حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب وسائر أصحابنا عن العتبي مستحسنين له، قال: كنت جالساً عند قبر رسول الله ﷺ ... " انتهى. فهذا هو قول النووي، وما هو برواية، ومن قال إنه رواية: فإما أن يكون لا فقه له ولا فهم بمصطلحات العلماء، وإما أن يكون متشبعاً بما لم يعط، ملبساً، فهذا لا حيلة فيه. ٢- وابن كثير لم يروها، وإنما قال في "تفسيره": [ذكر جماعة منهم الشيخ أبو منصور الصباغ في كتابه الشامل الحكاية المشهورة عن العتبي ... ] وما هذه برواية، وإنما هو نقل.

стр. 74

وابن قدامة في "المغني" لم يروها، وإنما حكاها بصيغة التضعيف (٣/٥٥٧) فقال: "ويروى عن العتبي ... ". وليست هذه رواية، إنما نقل بصيغة التمريض وهي تفيد التضعيف، ثم المؤلف يعلم أن قصة العتبي ضعيفة السند واهية، فهي مردودة غير صحيحة. ولعلمه بذلك أورد الشبهة التي لم يبق له مع الضعف إلا هي، فقال ص ٧٣: "هذه قصة العتبي، وهؤلاء الذين نقولها، وسواءً أكانت صحيحة أم ضعيفة من ناحية السند الذي يعتمد عليه المحدثون في الحكم على أي خبر، فإننا نتساءل ونقول: هل نقل هؤلاء الكفر والضلال؟! أو نقلوا ما يدعو إلى الوثنية وعبادة القبور...." اهـ. أقول: أولا: مادام أنها ليست من سنة الرسول ﷺ ولا فعل خلفائه الراشدين، وصحابه المكرمين، ولا من فعل التابعين والقرون المفضلة، وإنما هي مجرد حكاية عن مجهول، نقلت بسند ضعيف فكيف يحتج بها في عقيدة التوحيد الذي هو أصل الأصول؟! وكيف يحتج بها وهي تعارض الأحاديث الصحيحة التي نهى فيها عن الغلو في القبور والغلو في الصالحين عموماً، وعن الغلو في قبره والغلو فيه ﷺ خصوصاً؟!، وأما من نقلها من العلماء أو استحسنها فليس ذلك بحجة تعارض بها النصوص الصحيحة وتخالف من أجلها عقيدة السلف، فقد يخفى على بعض العلماء ما هو واضح لغيرهم، وقد يخطئون في نقلهم ورأيهم وتكون الحجة مع من خالفهم، وما دمنا قد علمنا طريق الصواب فلا شأن لنا بما قاله فلان أو حكاه فلان، فليس ديننا مبنياً على الحكايات والمنامات، وإنما هو مبني على البراهين الصحيحة. ثانيا: قد تخفى بعض المسائل والمعاني على من خلع الأنداد وتبرأ من الشرك وأهله، كما قال بعض الصحابة "اجعل لنا ذات أنواط كما لهم

стр. 75

ذات أنواط" فقال رسول الله ﷺ : "الله أكبر إنها السنن قلتم والذي نفسي بيده ما قاله أصحاب موسى ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ ". حديث صحيح. والحجة في هذا أن هؤلاء الصحابة وإن كانوا حديثي عهد بكفر فهم دخلوا في الدين بلا إله إلا الله، وهي تخلع الأنداد وأصناف الشرك وتوحد المعبود، فمع ذلك ومع معرفة قائليها الحقة بمعنى لا إله إلا الله، خفي عليهم بعض المسائل من أفرادها. وإنما الشأن أنه إذا وضح الدليل وأبينت الحجة فيجب الرجوع إليها والتزامها، والجاهل قد يعذر، كما عذر أولئك الصحابة في قولهم: اجعل لنا ذات أنواط، وغيرهم من العلماء أولى باحتمال أن يخفى عليهم بعض المسائل ولو في التوحيد والشرك. ثالثا: كيف يتجاسر أحد أن يعارض نصوص كتاب الله، وسنة رسوله ﷺ بقول حكاه حاكٍ مستحسناً له، والله سبحانه يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِأَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور ٦٣] ؟!. قال الإمام أحمد: عجبتُ لقومٍ عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِأَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ ، أتدري ما الفتنة؟ الفتنة: الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهلك. رواه عن أحمد الفضل بن زياد، وأبو طالب، ولعله في كتاب "طاعة الرسول ﷺ " لأحمد ﵀. فطاعة رسول الله ﷺ مقدمة على طاعة كل أحد، وإن كان خير هذه الأمة أبا بكر وعمر، كما قال ابن عباس: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول: قال رسول الله ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر.

стр. 76

فكيف لو رأى ابن عباس هؤلاء الناس الذين يعارضون السنة الثابتة، والحجة الواضحة بقول أعرابي في قصة العتبي الضعيفة المنكرة. إن السنة في قلوب محبيها أعظم وأغلى من تلك الحجج المتهافتة التي يدلي بها صاحب المفاهيم البدعية، تلك المفاهيم المبنية على المنامات والمنكرات. فاعجب لهذا، وجرد المتابعة لرسول الله ﷺ ، وحذارِ ثم حذارِ من أن ترد الأحاديث الصحيحة، وتؤمن بالأخبار الباطلة الواهية، فيوشك بمن فعل ذلك أن يقع في قلبه فتنة فيهلك. رابعا: ما من عالم إلا ويرد عليه في مسائل اختارها: إما عن رأي أو عن ضعف حجة، وهم معذورون قبل إيضاح المحجة بدلائلها، ولو تتبع الناس شذوذات المجتهدين ورخصهم لخرجوا عن دين الإسلام إلى دين آخر، كما قيل: من تتبع الرخص تزندق. ولو أراد مبتغي الفساد والعدول عن الصراط أن يتخذ له من رخصهم سلماً يرتقي به إلى شهواته، لكان الواجب على الحاكم قمعه وصده وتعزيره كما هو مشهور في فقه الأئمة الأربعة وغيرهم. وما ذكر فقيه أن من أحال لتبرير جرمه على قول عالم عُلِمَ خطؤه فيه، أنه يقبل منه ولا يؤخذ بالعتاب. اللهم احفظ علينا ديننا وتوحيدنا. وعنون صاحب المفاهيم ص ٧٦: "بيان أسماء المتوسلين من أئمة المسلمين" وعمدته في هذا إيراد أكثر أولئك العلماء حديثاً فيه التوسل، وهذا من الحكم بالظن المنهي عنه، يل ثبت عن بعضهم -وهم الأكثر- خلاف ما زعمه، والقاعدة المقررة عند أهل العلم أن العالم إذا أورد أثراً بإسنادٍ فقد خفف من العهدة التي تجب عليه من إتباع ذلك بالحكم على الحديث.

стр. 77

وإذا رُوي حديث وصححه راويه في كتاب له فلا يعني هذا إلزامه بالقول به، إذ قد يكون له نظر وفهم، ولعلّ سبباً اكتنف حكم الحديث يمنع من القول به، من إجماع على خلافه، أو نسخ، أو لكونه ليس في شرعنا، ونحو ذلك. وتفصيل هذا الإجمال يطلب من كتب لأصول. قال المؤلف معدداً أسماء: ١. فمنهم الحاكم في المستدرك، فقد ذكر حديث آدم وصححه. والجواب: حال الحديث أنه واضح الضعف، كما نص الحاكم على ضعف راويه في "المدخل"، وأن النسخة التي روي بها الحديث موضوعة، والمستدرك لم يحرره الحاكم، بل أكثره مسودة، كما سبق تفصيل ذلك. فالقول بأنه يقول به مع تضعيفه الشديد لرواية راويه، وضميمة القاعدة التي ذكرنا، ليس بمستقيم مع المنهج العلمي الموفق. ٢. ومنهم البيهقي في "دلائل النبوة"، فقد ذكر حديث آدم وغيره، وقد التزم أن لا يخرج الموضوعات. والجواب: أن البيهقي عقب الحديث بيّن تفرد راويه عبد الرحمن مع ضعفه. وهذه علة توجب رد الحديث. ٣. ومنهم السيوطي في كتابه "الخصائص النبوية"، فقد ذكر الحديث وغيره. والجواب: ذكره ولم يحكم عليه، وذكره في "تخريج الشفاء" له، وقال بضعف إسناده. ٤. ومنهم ابن الجوزي في "الوفاء" فقد ذكر الحديث وغيره. والجواب: أن ابن الجوزي ذكر كل ما وجد ولم يتكفل بصحة إسنادٍ، وقد ذكر في كتابه مكذوبات يعرفها أهل الشأن، ويعدونها من تناقضاته. وقال: (٥، ٦، ٧) ، ومنهم: عياض وملا قاري والخفاجي.

стр. 78

والجواب: أن القاري والخفاجي قد ضعفوا حديث توسل آدم، والعبرة بتضعيفهم لابرأيهم، انظر "شرح القاري" (١/٢١٥) ، و"شرح الخفاجي" (٢/٢٤٢) . قال: ٨- ومنهم: القسطلاني في كتابه "المواهب اللدنية". والجواب: أن القسطلاني لا يُفرَد بقولٍ بتصحيح حديث آدم، فإنما هو في كتابه هذا ناقلٌ من السيوطي، وقد ذكرنا القصة في ذلك، وما قد يكون سبباً لتأليف السيوطي "الفارق بين المصنف والسارق". قال: ٩- ومنهم: الزرقاني في "شرحه على المواهب" (ج١ ص٤٤) . والجواب: ضعف الزرقاني حديث آدم، فإن كان رأياً ارتآه فليذكر دليله، ولم أجد في (ج١ ص٤٤) من شرح المواهب شيئاً من ذلك. قال: ١٠- ومنهم النووي. أقول: ذكْره قصة العتبي لا يعني أنه يجيز التوسل بالذوات ونحوه. قال: ومنهم ابن كثير. الجواب: نقله قصة الأعرابي لا يعني تجويزه للتوسل بالذوات ونحوه، وقصة آدم ذكرها وضعف راويها. وقصة الرجل الذي جاء إلى قبر النبي ﷺ ، بينت ما فيها فارجع إليه، وتصحيح إسنادها لا يعني القول بجواز فعلها، كما يشير إليه صنيع ابن كثير نفسه. وذكره شعار المسلمين [يا محمداه] ليس مقصوداً، بل ورد في أثناء نقل طويل بإسنادٍ مظلم اهـ. قال: ومنهم: ابن حجر فقد صحح سند قصة الرجل الذي جاء إلى قبر النبي ﷺ . والجواب: لم يصححها، وإنما قال: بإسنادٍ صحيح من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار.

стр. 79

وفي هذا تنبيه لعلة الرواية عنده، يفهمها المشتغلون بعلم الحديث. قال: ومنهم: القرطبي المفسر. الجواب: ذكر القرطبي نحواً من قصة الأعرابي، وحكايته لها لا يدل على قوله بموجب كل لفظٍ فيها. ومن هذا ينجلي الغطاء، وينكشف ما تحت الكساء، ويظهر أن قول صاحب المفاهيم فيه تجنّ على أكثر من ذكرنا قولهم، وما كان يحسن به هذا، وهو شيء لم يسبق إليه ولم يفعله المصنفون قبله؛ ذلك لأنه مردود على مقتضى قواعد أهل العلم، وبالله التوفيق. ذكر ص ٥٤: استغاثة الخلق يوم القيامة بالأنبياء وآخرهم النبي محمد ﷺ ؛ ليشفع إلى ربه في أهل الموقف ... إلخ. ثم قال: "فهذا إجماع من الأنبياء والمرسلين وسائر المؤمنين، وتقرير من رب العالمين، بأن الاستغاثة عند الشدائد بأكابر المقربين من أعظم مفاتيح الفرج ومن موجبات رضى رب العالمين" اهـ. أقول: هذه جراءة قبيحة على رب العالمين، وعلى أنبيائه ورسله، فلو صعدت أبخرة هذه الجراءة إلى السحاب لنزل ماؤه سماً زعافاً، ولو نزلت إلى ينابيع الماء لقلبتها ناراً تلظى. ولكن الهوى يفسد العقول، ويجر إلى عبادة غير الله ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ [الجاثية: ٢٣] ، ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾ [الفرقان: ٤٣] ، أيكون دين الجاهلية قرره رب العالمين؟!

стр. 80

أيكون دين الجاهلية أجمع عليه: الأنبياء والمرسلون؟! ما أقبح الهوى! وما أظهر الجاهلية في كلام كاتب المفاهيم الخاسرة! إن الذي يكون يوم القيامة: أن الخلق يطلبون من النبي ﷺ أن يشفع لهم إلى ربهم في فصل القضاء بينهم وإراحتهم من الموقف، وهذا الطلب جار على المألوف الجائز من طلب الشفاعة من حي حاضر قادر بمعنى أن يدعو الله للطالب في حصول مقصوده، فالشفاعة معناها: طلب الدعاء من الحي الحاضر، وهذا بخلاف طلب الشفاعة من الميت، أو التقرب إليه بشيء من أنواع العبادة بقصد أن يشفع له كما قال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ﴾ [يونس: ١٨] . قال ص ٥٥: "وفي الفتاوى الكبرى: سئل شيخ الإسلام ﵀: هل يجوز التوسل بالنبي ﷺ أم لا؟ فأجاب: الحمد لله، أما التوسل بالإيمان به، ومحبته وطاعته والصلاة والسلام عليه، وبدعائه وشفاعته ونحو ذلك من ما هو من أفعاله وأفعال العباد المأمور بها في حقه، فهو مشروع باتفاق المسلمين [الفتاوى الكبرى ج١ ص ١٤٠] ... " اهـ. أقول: جرى كاتب المفاهيم على هديه الذي رضيه لنفسه، وهو التحريف والتبديل، فبتر آخر كلام شيخ الإسلام؛ ليوهم أنه ساوى بين التوسل بدعائه وشفاعته ﷺ حياً وميتاً. وهذا تحريف للمعنى من جنس ما مر من تحريفاته. قال الشيخ بعد قوله الذي نقله الكاتب: "وكان الصحابة -رضى الله عنهم- يتوسلون به في حياته، وتوسلوا بعد موته بالعباس عمه، كما كانوا يتوسلون به" اهـ. فهذا التفسير للإجمال السابق لابد من ذكره ونقله، وفيه أن التوسل به في حياته يكون بدعائه لمن طلب منه الدعاء، أوبابتدائه الدعاء لمن شاء من أصحابه. فهذا حق؛ لأن نبي الله حي

стр. 81

بين أظهرهم، ممكن من الدعاء في دار التكليف، ممكن من سؤال الله لمن طلب منه بالنصوص القطعية. أما بعد انتقاله ﷺ إلى الرفيق الأعلى، والحياة البرزخية، فقد انقطع ما كان يعمله في حياته من الدعاء لمن طلب منه، والشفاعة لمن استشفعه. وما خرج عن ذلك فهو مردود، إلا بنص ولا نص منقول يدل عليه، لا صحيح ولا حسن ولا ضعيف، كما يفهمه أو لو الشأن. والرسول ﷺ -كما بُيِّن في باب الشفاعة من هذا الكتاب- لم يتشفع ولم يتوسل بمن قبله من الأنبياء، بل ولا شهداء أحد وأفضلهم حمزة بن عبد المطلب، فلم يسألهم الدعاء ولا توسل بهم وهم الأنبياء، والشهداء الذين ثبتت حياتهم، وأنهم ليسوا بأموات، ولكنها حياة برزخية. هذا فعل رسول الله ﷺ فنحن له أتباع، والمبتدعة الضلال لأهوائهم أتباع. ومن نظر في هذا نظرة، حدثت له فكرة، أنجته بإذن مالك الأفئدة من الحسرة، إن كان من طلاب الصراط المستقيم، والهدي القويم، هدي خير الخلق أجمعين. قال ص ٥٦: "مما يستفاد من كلام الشيخ ابن تيمية أن من دعا له رسول الله ﷺ صح له أن يتوسل إلى الله بدعائه ﷺ له، وقد جاء أنه ﷺ قد دعا لأمته، كما ثبت ذلك في أحاديث كثيرة" اهـ ثم قال: "لذا؛ فإنه يصح لكل مسلم أن يتوسل إلى الله بذلك فيقول: اللهم! إن نبيك محمداً ﷺ قد دعا لأمته، وأنا من أفراد هذه الأمة، فأتوسل إليك بهذا الدعاء أن تغفر لي وأن ترحمني، إلى آخر ما

стр. 82

يريد، فإذا قال ذلك: لم يخرج عن الأمر المتفق عليه بين كافة علماء المسلمين" اهـ أقول: قد بينت آنفا ما في التوسل بدعاء الرسول ﷺ بعد موته من البدعة، والخروج عن فهم السلف للتوسل. والتوسل بدعاء الرسول ﷺ ليس مقصوداً للكاتب، وإنما أتى بذلك ليصل إلى شيء آخر، وهو ما صرح به بقوله: "فإن قال: اللهم! إني أتوسل إليك بنبيك محمد ﷺ ، فقد فاته التصريح بما ينويه، وبيان ما ينعقد عليه قلبه، وهو مقصود كل مسلم، ومراده لا يخرج عن هذا الحد" اهـ. فهذا الكلام بيّن لِمَ ساق الكاتب كل ما مر من كلام شيخ الإسلام؟ فانظروا ضعف حجته، وقلة بصيرته في إحالته على قلوب المتوسلين برسول الله ﷺ بعد موته، وهو يزعم أنه بما في قلوبهم عليم، وأن مراداتهم لا تخرج عن الحد الذي اطلع به على قلوبهم. أفتش الكاتب قلوب الداعين؟! أم هو نقيبهم ينافح عنهم. وها هو الكاتب خرج عن هذا الحد المدعى، فتوصل بالتوسل البدعي إلى جواز الاستغاثة بالأنبياء، وطلبهم الشفاعة، فجعله سلماً. ثم ما الذي يحجز الداعي من التصريح بما في قلبه؟! لا يمنعه إلا شيء هو أحسن عنده من ما لم يذكره، فلو كان يعتقد في لفظ أنه أقرب وأصح لقاله فإنه داعٍ سائل، والسائل يتحرى المقرب الصحيح، فلو كان مقصودهم ما اعتذر به الكاتب لصرحوا به، ولكن مقصودهم هو التوسل بذاته، مما هو من البدع، ووسائل الشرك، والإقسام به على الله تعالى، واتخاذه شفيعاً، ومغيثاً، ومعيناً، فيما لايقدر عليه إلا الله أو بعد موته. ثم إنك إن فتشت لا تكاد تجد اليوم أحداً ينافح عن جواز التوسل بالذوات إلا وهو يجيز الشرك: كالاستغاثة بالأموات ودعائهم أو طلب

стр. 83

شفاعتهم. وقد طالعت من كتبهم شيئاً فوجدتهم كما وصفت لك، فلعلك تكون من المستبصرين الناجين. قال ص ٥٧: "جاء في حديث عن النبي ﷺ : "حياتي خير لكم ومماتي خير لكم، تحدثون ويحدث لكم تعرض أعمالكم عليّ، فإن وجدت خيراً حمدت الله وإن وجدت شراً استغفرت الله لكم". ذكره الحافظ إسماعيل القاضي في "جزء الصلاة على النبي ﷺ "، وذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" وصححه. وهذا صريح بأنه ﷺ يستغفر للأمة في برزخه، والاستغفار دعاء، والأمة تنتفع بذلك" اهـ. كلام صاحب المفاهيم. أقول: الكلام في هذه الأحرف من أوجه: الأول: هذا الحديث أخرجه إسماعيل القاضي ص ٣٦ في "جزء الصلاة على النبي ﷺ " مرسلاً، فقال: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد قال حدثنا غالب القطان عن بكر بن عبد الله المزني، قال رسول الله ﷺ ... فذكره بلفظ آخر غير ما ذكر، فأوهم صنيع صاحب المفاهيم أنه رواه باللفظ المذكور، وبكر بن عبد الله المزني من التابعين الثقات، توفي سنة ١٠٦ هـ فهو مرسل، والمرسل لا يقبل عند المحدثين. وأما قول الكاتب: "ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" وصححه" ففيه: أن الهيثمي ذكر رواية البزار (وسيأتي ما فيها) ، وقال "رجاله رجال الصحيح"، وهذه العبارة لا تفيد تصحيحه الحديث، فلا يجوز أن يقال إنه صححه، كما تجرأ عليه صاحب المفاهيم، وذلك أن قوله "رجاله رجال الصحيح" تفيد ثقة الرجال وأنهم مخرَّج لهم في الصحيح، ولا تفيد لا صحة الإسناد ولا صحة الحديث.

стр. 84

فصحة الإسناد تفتقر إلى معرفة اتصال الرواية وعدم الانقطاع في الإسناد، وألا يكون في الإسناد مدلس رواه بالعنعنة. فمثلاً: لو روي حديث من طريق أحمد بن حنبل عن سفيان الثوري عن ابن المسيب عن أبي بكر الصديق، لجاز أن يقال: رجاله أئمة أثبات حفاظ، ولا يعني ذلك التكفل بصحة الإسناد، إذ ظاهر الإسناد الانقطاع بين كل راو وشيخه، فأحمد لم يدرك سفيان وهو لم يدرك ابن المسيب، وسعيد لم يدرك أبا بكر. وصحة الحديث ليست بلازمة لصحة الإسناد، بل بينهما مراتب يعرفها أهل العلم والنظر، فكم من حديث صحيح الإسناد وهو شاذ أو غلط أو معلل. وذلك أن تعريف علماء الحديث للحديث الصحيح جمع أمرين: صحة الإسناد وانتفاء الشذوذ والعلة. فما لم يجتمع الأمران، لا يقال بصحة الحديث. ومن هذا يعلم ما في قول صاحب المفاهيم من نسبة تصحيح الحديث للهيثمي من تَقَوُّل على الهيثمي، وزيادة أمرٍ لم يقله الحافظ الهيثمي ﵀. ومثله ما نقله صاحب المفاهيم في ص ١٧٢ من كتابه من قول العراقي: إسناده جيد. الثاني: الحديث رواه البزار في "مسنده" (١/٣٩٧ زوائده) فقال: حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا عبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد عن سفيان عن عبد الله بن السائب عن زاذان عن عبد الله عن النبي ﷺ قال: "إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام"، قال: وقال رسول الله ﷺ : "حياتي خير لكم.. الحديث".

стр. 85

قال البزار: "لا نعلمه يروى عن عبد الله إلا بهذا الإسناد" اهـ. وهذا إسنادٌ فيه: عبد المجيد بن أبي رواد، وهو ممن لا يقبل ما ينفرد به عندهم، ولذا قال الحافظ العراقي شيخ الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح إلا أن عبد المجيد بن أبي رواد وإن أخرج له مسلم ووثقه ابن معين والنسائي، فقد ضعفه بعضهم" فهذا هو التحقيق، وقد تفرد بهذه الزيادة "حياتي خير لكم ... ". أما أول الحديث إن لله ملائكة ... الخ فهو محفوظ من حديث سفيان عن عبد الله بن السائب به، واتفق رواة الحديث عن سفيان على هذا القدر تم أتى عبد المجيد فتفرد عنهم بهذه الزيادة فهي شاذة ضعيفة كما يقتضيه التحقيق. الثالث: لوثبت الحديث لم يكن فيه ما ادعاه صاحب المفاهيم من جواز التوسل بعموم استغفار رسول الله ﷺ لأمته؛ لأن دعاء الرسول ﷺ في حياته لأمته وسؤاله الله لهم أبلغ وأقطع من استغفاره بعد موته -إن ثبت-، وهذا السبب الذي كان موجوداً في حياته هو عين السبب الذي علق الحكم به بعد مماته، فلما لم يشرع هذا العمل وهو التوسل بالاستغفار العام مع قيام المقتضي له في حياة رسول الله ﷺ علم أن إحداثه بدعة. ويؤيد هذا أن خير القرون ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، لم يستعمل أحد منهم التوسل بهذا الطريق الذي اخترعه عشاق البدع، وهُجَّار السنن. أقول: وتوسع صاحب المفاهيم على عادته بتمسكه بأدنى شبهة وأبعدها، فقال ص ١٧٣ أواخر كتابه حول الحديث: "الحديث صحيح لا مطعن فيه" اهـ، وهذا افتراء أو قلة علم؛ بل فيه مطعن كما قدمناه. قال: وهو يدل على أن النبي ﷺ يعلم أعمالنا بعرضها عليه، ويستغفر الله لنا على ما فعلنا من سيئ وقبيح، وإذا كان كذلك فإنه يجوز لنا أن

стр. 86

نتوسل به إلى الله ونستشفع به لديه؛ لأنه يعلم بذلك فيشفع فينا ويدعو لنا ... " اهـ. أقول: في الحديث عرض الأعمال، والكاتب يستدل به على جواز طلب الشفاعة، يا له من فقه غاب عن الأمة بضعة عشر قرناً، حتى ظهر هؤلاء المبتدعة فأدركوه! فعرض العمل عليه ﷺ شيء وتجويزك طلب الشفاعة أمر آخر بعيد، فإن عرضت عليه أعمالك فلن يرضى ﷺ بالشرك الذي فيها، ومنه طلب الشفاعة من الموتى، ولن يستغفر لمشرك يستغيث بالأموات، ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَنيَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة: ١١٣] . إن طلبك الشفاعة من الأموات سيء من العمل وشرك، ورسول الله ﷺ لا يستغفر لمن ترك دينه واتبع هواه فأشرك. إن استغفار رسول الله ﷺ وشفاعته، إنما تكون في حياته وفي الدار الآخرة لا في دار البرزخ، وله أنواع من الشفاعات ليس فيها نصيب لمشرك. فمن طلب الشفاعة منه بعد موته، فحري أن يكون فوت على نفسه شفاعته ﷺ في الآخرة، وإن من سيئ الكلام تعدي صاحب المفاهيم على مقام النبوة حيث جزم بقوله "فيشفع فينا ويدعو لنا". وإن من سيء القول وخطله وشنيعه تعدي الكاتب على مقام الألوهية، فيجوز طلب الشفاعة من النبي ﷺ بعد موته، والشفاعة حق لله وحده، وإنما تطلب منه وحده، كما يدعو المخلصون بقولهم: اللهم! شفع فينا نبيك محمداً ﷺ . وفي باب الشفاعة بيان هذه الأصول بما فيه مقنع لمن أراد الله هدايته.

стр. 87

وضع ص ٦١ عنواناً هو: "الشيخ الإمام محمد بن عبد الوهاب لا ينكر التوسل". أقول: تحليتك محمد بن عبد الوهاب بالشيخ الإمام: إما أن تكون اعترافاً بفضله قي تجديد أمر دين الإسلام، وإصلاحه وجهاده، وإما أن تكون عنيت بها وضعها اللغوي. فإن أردت المعنى الأول فالشيخ قد أقام دعوته في محاربة أصناف الشرك الجلي والخفي، الأكبر منه والأصغر، وحارب وسائل الشرك التي تجر إليه مما حرمه الله ورسوله، ومن تأمل كتاب التوحيد ألفاه في فلك ما ذكر دائر، وعلى الصراط المستقيم سائر. والشيخ ﵀ جاهد في إرجاع الناس إلى دينهم الذي جاء به رسول الله محمد ﷺ ، وجاهد في إقناعهم بأن ما يفعله بعض الناس في زمانه ويدّعونه إسلاماً هو عين ما عليه المشركون الذين قاتلهم رسول الله ﷺ ، فقد كان كثير من المنتسبين إلى الدين في زمانه عبَّاداً للقبور: يدعون أصحاب القبور استقلالاً من دون الله، ويدعونهم مع الله طلباً للشفاعة منهم والقربى إلى الله زلفى، ويرجونهم دفع المضرات، ورفع المهلكات، وتفريج الكربات، كما قال الله عن أشباههم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] . ثم هم يقدمون لأولئك المقبورين أصناف القرابين والعبادات التي لا تكون إلا لله جل وعلا: كالذبح، والنذر، وهم يخضعون لأولئك المقبورين الميتين أعظم من خضعانهم في مساجد الله. كانوا يستغيثون بالأموات، ويخافونهم خوف السر، ويحبونهم أشد من محبة الله، ويتقربون إليهم أكثر من تزلفهم إلى ربهم، بل نسوا ربهم

стр. 88

وذكره، وفشت فيهم مذاهب الإلحاد والزندقة، كمذهب وحدة الوجود، وتعظيم الأولياء على الأنبياء، كما قال مقدمهم: مقام النبوة في برزخ فويق الرسول ودون الولي هذا جزء في واقع أسود رآه الشيخ في هذه الديار، فجاهد متوكلاً على ربه، مقتفياً سنة النبي ﷺ حتى في سيرته الجهادية، فنصره الله وأعزه، ومكن له الدين. وذلك الواقع الذي وصفنا موجود في أكثر البلدان الإسلامية، والواجب تبصيرهم بالمكفرات الواقعة الكثيرة، ثم جهادهم بأنواع الجهاد باليد واللسان والقلب، ولكن اثَّاقل الناس إلى الأرض، إلا قليلاً. هذا الذي ذكر من أصناف الشرك الأكبر كانت محاربته وتغييره، وهداية الناس إلى الإسلام همَّ الشيخ الأول، ثم إن الشيخ ﵀ داع حكيمٌ متروٍ، فإذا كان المخاطب واقعاً في أصناف الشرك فمن غير الحكمة أن ينهاه عن البدع ووسائل الشرك وهو لم يعلم بعدُ أن الشرك موجود بين الناس، بل الواجب أن يبين الشرك ثم إذا استقرت حقيقة الإسلام في قلب العبد وترك وجاهد الشرك الأكبر، فهو سينكر وسائل الشرك؛ لأن العاقل البصير إذا كره شيئاً كره وسائله ودواعيه. إن السلامة من سلمى وجارتها أن لا تحل على حالٍ بواديها فهذا الشاعر القديم عرف هذه الحقيقة، وإليها يهتدي العقلاء، وقد دلت الشريعة إليها وحضت عليها قاعدة "سد الذرائع". وقال ملخصاً مباحثه في التوسل ص ٧٣: "إن التوسل: ليس مقصوراً على تلك الدائرة الضيقة التي يظنها المتعنتون".

стр. 89

أقول: هذه كلمات ينفر منها ذووا القلوب الحية، التي قد ملأت محبة الله وإعظامه وإجلاله جوانحها، ويستأنس لها من شغل بذكر غير الله مع الله، أو نسوا الله فأنساهم أنفسهم. يالها من ألفاظ لو مزجت بماء البحر لمزجته، ولو سالت على زروع الناس لأفسدت معيشتهم. سبحان الله!! التوسل بأسماء الله وصفاته دائرة ضيقة! أسماء الله التي لا تحصى دائرة ضيقة للتوسل! صفات الله العُلى وأفعاله الحكيمة دائرة ضيقة! سبحان الله! ولا حول ولا قوة إلا بالله! يا صاحب المفاهيم! لو دعوت ربك متوسلاً إليه بأسمائه لانقضى عمرك وعمر من معك، ولم تبلغوا نهاية، ولم تحصوا لها عدداً. يا صاحب المفاهيم! لو ظللت تدعو الليل والنهار لا تفتر أبداً تتوسل إلى الله بأسمائه الحسنى لم تنقض، ولانقضى عمرك. يا صاحب المفاهيم! لو توسلت إلى الله بأسمائه الحسنى بما يناسب مطلوبك من أسمائه، لا نقضت حوائجك ولم تبلغ بعضاً من أسماء الله. يا صاحب المفاهيم! إن من أسماء الله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة، فلو ظللت تدعو بها مفردة، ثم تجعل مع الاسم آخر، ثم هكذا، لبلغت ما لو دعا به الخلق من أولهم إلى آخرهم ما يسعهم غير مكررٍ ولا معيد. يا صاحب المفاهيم! إني أنذرك مغبة هذه الكلمة الوبيلة التي يقْشَعِرُ منها البدن، وعليك بالانطراح بين يدي الله والتوبة من هذا القول، وما جرَّ إليه من الشرك، وما قرب إليه من البدع، ولا حول ولا قوة إلأ بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون. اللهم إنا نبرأ إليك من قول من قال: إن التوسل بأسمائك الحسنى وصفاتك العليا دائرة ضيقة، فتقبل اللهم براءتنا، وعلمنا من أسمائك، وآثار صفاتك، ما يقوي قلوبنا، ويهدينا إلى صراطك المستقيم.

стр. 90

الباب الثاني: مسائل في توحيد الربوبية والألوهية ... الشرك في قوم نوح: أخرج البخاري في " صحيحه " (٨/٦٦٧) في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلا تَذَرُنَّ وَدّاً وَلا سُوَاعاً﴾ الآية [نوح: ٢٣] ، عن ابن عباس ﵄: " صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب بعدُ. أما وَدّ فكانت لكلب بدومة الجندل. وأما سواع فكانت لهذيل. وأما يغوث فكانت لمراد، ثم بني غطيف بالجرف عند سبأ. وأما يعوق فكانت لهمدان. وأما نسر فكانت لحمير لآلِ ذي الكلاع. أسماءُ رجالٍٍ صالحين من قوم نوح، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك وتَنَسَّخَ العلم عبدت"، ومما جاء في معنى كلام ابن عباس ما أخرجه عبدُ بن حميد عن محمد بن كعب في قوله: ﴿وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْراً وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيراً﴾ [نوح: ٢٣-٢٤] . قال: " كانوا قوماً صالحين بين آدم ونوح، فنشأ قوم بعدهم، يأخذون كأخذهم في العبادة. فقال لهم إبليس: لو صورتم صورهم، فكنتم تنظرون إليهم، فصورا ثم ماتوا. فنشأ قوم بعدهم فقال لهم إبليس: إن الذين كانوا من قبلكم كانوا يعبدونها، فعبدوها". وأخرج عبد بن حميد عن أبي مطهر قال: ذكروا عند أبي جعفر، يزيد ابن المهلب، فقال: "أما إنه قتل في أول أرض عبد فيها غير الله، ثم ذكر وداً، قال: وكان ودٌّ رجلاً مسلماً، وكان محبباً في قومه، فلما مات

стр. 91

عسكروا حول قبره في أرض بابل، وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان، ثم قال: أرى جزعكم على هذا، فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم فتذكرونه به؟ قالوا: نعم، فصور لهم مثله فوضعه في ناديهم، وجعلوا يذكرونه. فلما رأى ما بهم من ذكره قال: هل لكم أن أجعل لكم في كل منزل كل رجل تمثالاً مثله، فيكون في بيته فتذكرونه؟ قالوا: نعم. فصور لأهل كل بيت تمثالاً مثله، فأقبلوا فجعلوا يذكرونه به، قال: وأدرك أبناؤهم فجعلوا يرون ما يصنعونه به، وتناسلوا ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلهاً يعبدونه من دون الله. قال: وكان أول ما عبد غير الله في الأرض ود، الصنم الذي سموه بود". اهـ. وهناك روايات أخر، قال الحافظ في " فتح الباري " (٨/٦٦٩) : " قال بعض الشراح: محصل ما قيل في هذه الأصنام قولان: أحدهما: أنها كانت في قوم نوح. الثاني: أنها كانت أسماء رجال صالحين. إلى آخر القصة. قلت: بل مرجع ذلك إلى قولٍ واحد، وقصة الصالحين كانت مبتدأ عبادة قوم نوح هذه الأصنام، ثم تبعهم من بعدهم على ذلك" انتهى كلام الحافظ ابن حجر.

стр. 92

الشرك في قوم إبراهيم: قال الشهرستاني في " الملل والنحل " (١/٥٦٠-٥٦٣) : "وكانت الفرق في زمان الخليل ﵇ راجعة إلى صنفين اثنين: أحدهما: الصابئة. والثاني: الحنفاء. فالصابئة كانت تقول: إنا نحتاج في معرفة الله تعالى ومعرفة طاعته وأوامره وأحكامه إلى " متوسط "، لكن ذلك المتوسط يجب أن يكون روحانياً لا جسمانياً، وذلك لزكاء الروحانيات وطهارتها وقربها من رب الأرباب، والجسماني بشر مثلنا يأكل مما نأكل، ويشرب مما نشرب، يماثلنا في المادة والصورة. قالوا: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُم بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٤] . والحنفاء كانت تقول: إنا نحتاج -في المعرفة والطاعة- إلى متوسط من جنس البشر، تكون درجته في الطهارة والعصمة، والتأييد والحكمة: فوق الروحنيات، يماثلنا من حيث البشرية ويمايزنا من حيث الروحانية. فيتلقى الوحي بطرف الروحانية، ويلقي إلى نوع الإنسان بطرف البشرية، وذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [الكهف: ١١٠] ، وقال عزَّ ذكره: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾ [الإسراء: ٩٣] . ثم لما لم يتطرق للصابئة الاقتصار على الروحانيات البحتة والتقرب إليها بأعيانها والتلقي عنها بذواتها، فزعت جماعة إلى هياكلها، وهي السيارات السبع وبعض الثوابت. فصابئة النبط والفرس والروم: مفزعها السيارات.

стр. 93

وصابئة الهند: مفزعها الثوابت. وسنذكر مذاهبهم على التفصيل على قدر الإمكان بتوفيق الله تعالى. وربما نزلوا عن الهياكل إلى الأشخاص التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنهم شيئاً. والفرقة الأولى: هم عبدة الكواكب. والثانية: هم عبدة الأصنام. ثم قال ص٦٧٣ ذاكراً مذهب أصحاب الروحانيات: " ومذهب هؤلاء أن للعالم صانعاً فاطراً حكيماً مقدساً عن سمات الحدثان، والواجب علينا معرفة العجر عن الوصول إلى جلاله. وإنما يتقرب إليه بالمتوسطات المقربين لديه، وهم الروحانيون المطهرون المقدسون: جوهراً، وفعلاً، وحالة. أما الجوهر فهم المقدسون عن المواد الجسمانية المبرؤون عن القوى الجسدانية، المنزهون عن الحركات المكانية، والتغيرات الزمانية، قد جبلوا على الطهارة، وفطروا على التقديس والتسبيح، لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وإنما أرشدنا إليهم معلمنا الأول: عاذيمون، وهرمس. فنحن نتقرب إليهم ونتوكل عليهم، وهم أربابنا وآلهتنا، ووسائلنا وشفعاؤنا عند الله، وهو رب الأرباب وإله الآلهة رب كل شيء ومليكه" اهـ. والغرض من نقل هذا كله تبيان بعض حال الصابئة الذين عبدوا الكواكب؛ لشبهة الوصول إلى الله عن طريق من جُبلَ على الطهارة والتقديس والتسبيح. وبين شرك قوم نوح وشرك قوم إبراهيم جامعٌ تفرعت عنه أصناف الشرك بعد في الناس، فمقل من الشبه ومستكثر، فبعثت لهم الرسل، فكان شرك قوم نوح يرجع إلى مظاهر الصلاح في البشر، وشرك قوم

стр. 94

إبراهيم من العقل والفلسفة لأسرار الطبيعة ووظائف الأفلاك. فشرك قوم نوح شرك تقريب وشفاعة. وشرك قوم إبراهيم شرك أسباب وإعانة، فإذا اتخذت له أصنام كان شرك تقريب وشفاعة، كما دل عليه آخر كلام الشهرستاني. شرك العرب وديانتهم: اعلم أن العرب كانوا بعد إبراهيم ﵇ على دينه الحنيفية، وبُثَّ هذا الدين فيهم، فتلقوه من ولد إسماعيل ﵇، وانتشرت فيهم الحنيفية، وأحبوا البيت وهوت إليه قلوبهم. " وأول من وضع فيه الأصنام عمرو بن لُحَيْ بن غالوثة بن عمرو بن عامر لما سار قومه إلى مكة، واستولى على أمر البيت، ثم صار إلى مدينة البلقاء بالشام، فرأى هناك قوماً يعبدون الأصنام، فسألهم عنها، فقالوا: هذه أرباب اتخذناها على شكل الهياكل العلوية، والأشخاص البشرية: نستنصر بها فننصر، ونستسقي بها فنسقى، ونستشفي بها فنشفى. . فأعجبه ذلك. وطلب منهم صنماً من أصنامهم فدفعوا إليه هبل، فسار به إلى مكة ووضعه في الكعبة. وكان معه إساف ونائلة على شكل زوجين، فدعا الناس إلى تعظيمها، والتقرب إليها، والتوسل بها إلى الله تعالى "١. وذكر الشهرستاني أيضاً أديان العرب واعتقاداتهم، فأجملهم: الطائفة الأولى: منكروا الخالق والبعث والإعادة وهم شرذمة وأفراد. الطائفة الثانية: منكرو البعث والإعادة. الطائفة الثالثة: عباد الأصنام.

стр. 95

ومنهم من كان يميل إلى اليهودية، ومنهم من كان يميل إلى النصرانية، ومنهم من كان يصبو إلى الصابئة. قال عند ذكره الطائفة الثالثة (٢/١٢٣٢) : " وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق، ونوع من الإعادة، وأنكروا الرسل، وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله في الدار الآخرة، وحجوا إليها ونحروا لها الهدايا، وقربوا القرابين، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر، وأحلوا وحرموا. وهم الدهماء من العرب إلا شرذمة منهم نذكرهم" اهـ. كيف دخل الشرك في المسلمين؟ وببعثة نبي الهدى والرحمة محمد ﷺ زالت عبادة الأصنام على أصنافها، وتحررت العقول من دناءة تفكيرها، ووضاعة تصورها، فارتقت إلى التوحيد بعد أن كانت في حمأة الشرك، وأصبحت قلوب العرب وغيرهم متجهة إلى الله وحده، لا شريك معه غيره لا نبي مرسل ولا ملك مقرب، فأتم الله الأمر، وأكمل دينه، وأعلا كلمته. فدام على هذا المسلمون زماناً وقروناً، حتى ظهرت فيهم الحركات الباطنية الخبيثة: كالإسماعيلة وما تفرع عنها من قرامطة، وإخوان الصفا، وعبيديين، ودروز ونحوهم مما يعدون صوراً لعقيدة واحدة. اتخذت هذه الحركة منذ القديم تقديس أهل بيت الرسول ﷺ شعاراً لها، وسلسلوا الإمامة في إسماعيل بن جعفر، وكانوا في تقديسهم لآل البيت مشهورين، فالدولة الفاطمية أثر هذه الحركة الباطنية. فالمسلمون في القرون الأولى لا يوجد بينهم من تحوم مظاهر الشرك في ذهنه كشرك العرب باتخاذ الصالحين والأنبياء وسائل وشفعاء، حتى بث الاسماعيليون معتقداتهم بين الناس سراً، فاستحسن الجهال هذا الأمر لخفته وطرح التكاليف الشرعية، فأخذ يظهر الاعتناء بالقبور وتشييد

стр. 96

مزارات ومشاهد، وتحري الدعاء عندها، حتى نقلهم الشيطان إلى اتخاذهم شفعاء، ثم نقلهم إلى دعاء صاحب القبر، ثم نقلهم إلى الاعتقاد بأن له تصرفاً في الكون، تدرج هذا في قرنين أو نحوها. وإن أقدم من وقفت عليه يرجع المسلمين إلى دين الجاهلية في الاعتقاد بالأرواح والقبور هم الاسماعيليون، وبخاصة إخوان الصفا، تلك الجماعة السرية الخفية التي بثت عقائدها، ورسائلها الخمسين بسرية تامة حتى لا يكاد يعرف لها كاتب ولا مصنف، وإن ظن ظناً. ثم تبعهم على تقديس المقبورين من أهل البيت الموسويون الملقبون بالاثني عشرية، وصنفوا التصانيف في الحج إلى المشاهد، وفي كيفية الزيارات والأدعية عند القبور، يسندونها بطرق باطلة كاذبة إلى أئمة أهل البيت ﵃. وقد طالعت كتاب " الزيارات الكاملة " لابن قولوية ١ فرأيت فيه من هذا شيئاً كثيراً، وهو مطبوع، ومن طالع تراث الإسماعيلين، وحركة إخوان الصفا وجد ما قلتُه ماثلاً أمامه، فإن الشأن عظيم، وإن فتنة الناس بالقبور واتخاذ أهلها شفعاء ووسطاء لم تعرف قبلهم، ولما غلب الجهل قبل ظهور الدولة الفاطمية عرفت هذه الأمور طائفة من الناس، فلما ظهرت الدولة العبيدية شيدت المشاهد ونشرت ما كان سراً من عقائدها. جاء في الرسالة الثانية والأربعين من "رسائل إخوان الصفا" ما يبين هذا، ويبرهن له، فقال مؤلفوا الرسائل (٤/١٩-٢١) : " وذلك أن القوم الذين بعث إليهم النبي ﵊ والتحية والرضوان، كانوا يتدينون بعبادة الأصنام، وكانوا يتقربون إلى الله تعالى بالتعظيم لها والسجود

стр. 97

والاستسلام والبخورات، وكانوا يعتقدون أن ذلك قربة لهم إلى الله زلفى، والأصنام هي أجسام خرس، لا نطق لها ولا تمييز ولا حس ولا صورة ولا حركة، فأرسلهم الله، ودلهم على ماهو أهدى وأقوم، وأولى مما كانوا فيه. وذلك أن الأنبياء ﵈ وإن كانوا بشراً فهم أحياء ناطقون مميزون، علماء مشاكلون للملائكة بنفوسهم الزكية، يعرفون الله حق معرفته، والتقرب إلى الله بهم أولى وأهدى وأحق من التوسل بالأصنام الخرس التي لا تسمع ولا تبصر ولا تغني عنك شيئاً. ثم اعلم أنا نبين هاهنا بدء عبادة الأصنام فنقول: بأن بدء عبادة الامم للأصنام أولاً كان عبادة الكواكب، وبدء عبادة الكواكب كان عبادة الملائكة، وسبب عبادة الملائكة كان التوسل بهم إلى الله تعالى، وطلب القربة إليه. وذلك أن الحكماء الأولين لما عرفوا بذكاء نفوسهم وصفاء أذهانهم أن للعالم صانعاً حكيماً، وذلك لتأملهم عجائب مصنوعاته، وتفكرهم في غرائب مخلوقاته، واعتبارهم تصانيف أحوال مخترعاته، ولما تحققت في نفوسهم هويته، أقروا له عند ذلك بالوحدانية ووصفوه بالربوبية، وعلموا أن له ملائكة هم صفوته من خلقه، وخالص عباده من بريته: طلبوا عند ذلك إلى الله القربة، وتوسلوا إليه بهم، وطلبوا الزلفى لديه بالتعظيم لهم، كما يفعل أبناء الدنيا، ويطلبون القربة إلى ملوكهم بالتوسل إليهم بأقرب المختصين بهم، وكان من الناس من يتوسل إلى الملك بأقاربه وندمائه ووزرائه وكُتّابه وخواصّه وقواده، وبمن يمكنه بحسب ما يتأتى له، الأقرب فالاقرب والأدنى فالأدنى، كل ذلك طلباً للقربة إليه والزلفى لديه.

стр. 98

فهكذا؛ وعلى هذا المثال فعلت الحكماء وأهل الديانات ومن عرف الله، وآمن به وأقر به، فإنهم طلبوا القربة إليه والزلفى عنده: كل واحد بحسب ما أمكنه وتأتى له، وأدى إليه اجتهاده، وتحقق في نفسه. فلما مضى أولئك الحكماء والربانيون العارفون بالله حق معرفته، وانقرضوا، خلفهم قوم آخرون لم يكونوا مثلهم في المعرفة والعلم، ولم يعرفوا مغزاهم في دياناتهم، فأرادوا الاقتداء بهم في سيرتهم واتخذوا أصناماً على مثل صورتهم، وصوروا تماثيل على مثل ما فعلت النصارى في بيعهم، من التماثيل والصور مثل أشباه المسيح ﵇ ومثل الروح القدس وجبرائيل ومريم ﵉، وكذلك أحوال المسيح في متصرفاته؛ ليكون ذلك تذكاراً لهم بأحواله كيفما يمموا تلك التصاوير والتماثيل. ثم قال إخوان الصفا الباطنيون: فصل: ثم اعلم يا أخي! أن من الناس من يتقرب إلى الله بأنبيائه ورسله وبأئمتهم وأوصيائهم، أو بأولياء الله وعباده الصالحين، أو بملائكة الله المقربين، والتعظيم لهم ومساجدهم، ومشاهدهم، والاقتداء بهم وبأفعالهم، والعمل بوصاياهم وسننهم على ذلك بحسب ما يمكنهم، ويتأتى لهم، ويتحقق في نفوسهم ويؤدي إليه اجتهادهم، فأما من يعرف الله حق معرفته فهو لا يتوسل إليه بأحد غيره، وهذه مرتبة أهل المعارف الذين هم أولياء الله. وأما من قصر فهمه ومعرفته وحقيقته: فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بأنبيائه، ومن قصر فهمه ومعرفته بهم فليس له طريق إلى الله تعالى إلا بالأئمة من خلفائهم وأوصيائهم، والتعلق بسننهم، والذهاب إلى مساجدهم ومشاهدهم، والدعاء والصلاة والصيام والاستغفار وطلب الغفران والرحمة

стр. 99

عند قبورهم، وعند التماثيل المصورة على أشكالهم، لتذكار آياتهم، وتعرف أحوالهم، من الأصنام والأوثان وما يشاكل ذلك طلباً للقربة إلى الله والزلفى لديه. ثم اعلم! أنه على كل حال من يعبد شيئاً من الأشياء ويتقرب إلى الله تعالى بأحد فهو أصلح حالاً ممن لا يدين شيئاً ولا يتقرب إلى الله البتة. ." انتهى ما نقلته من رسائل إخوان الصفا. وهذه الجماعة الباطنية كان مبدأ نشاطاتها في أول القرن الثالث، ولم تعرف رسائلها التي قعدت لمذهبها، وبثت ذلك في أواسط الناس إلا في القرن الرابع الهجري، بسرية تامة فدخلت الأفكار في الطغام، وأنكرها العلماء الأعلام، وكفروا أصحابها كما قال ابن عقيل صاحب الفنون وهو من علماء القرن الخامس حيث انتشرت المذاهب بتأييد الدولة العبيدية قال: " لما صعبت التكاليف على الجهال والطغام، عدلوا عن أوضاع الشرع إلى تعظيم أوضاع وضعوها لأنفسهم، فسهلت عليهم إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم، وهم عندي كفار لهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور، وخطاب الموتى بالحوائج وكتب الرقاع فيها: يا مولاي! افعل بي كذا وكذا، أو إلقاء الخرق على الشجر اقتداءً بمن عبد اللات والعزى. . ." انتهى.

стр. 100

فصل قال صاحب المفاهيم ص٢٦ معنوناً: "الواسطة الشركية"، ذكر قوله تعالى: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] فقال: " هذه الآية صريحة في الإنكار على المشركين عبادتهم للأصنام واتخاذها آلهة من دونه تعالى، وإشراكهم إياها في دعوى الربوبية على أن عبادتهم لها تقربهم إلى الله زلفى. فكفرهم وشركهم من حيث عبادتهم لها ومن حيث اعتقادهم أنها أرباب من دون الله. وهنا مهمة لا بد من بيانها وهي أن هذه الآية تشهد بأن أولئك المشركين ما كانوا جادّين فيما يحكي ربنا عنهم" اهـ. أقول: حوى هذا الكلام على مسألتين: الأولى: أن كفار العرب ومشركيهم يعتقدون أن أصنامهم أرباب من دون الله، تخلق وترزق، وهذه تخالف صريح القرآن فيما حكاه عنهم. الثانية: أن قولهم فيما حكى الله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ، لم يقولوه على سبيل الجد، فيما حكاه الله عنهم، وهذه المسألة الثانية من عجائب الأقوال، وغرائب المخترعات، مما سبق به كتاب " المفاهيم " غيره، وبزّه! ! فالله يحكي عن المشركين قولاً يبني عليه حكماً وعند هذا أنهم غير جادين، وكأن الله حكى عنهم غير عالم أنهم ليسوا جادين، أفتراه يحكي هزلاً، والقرآن فصل؟ ! ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: ١٣، ١٤] .

стр. 101

وكلماته في هذه المسألة مما يأنف أن يقوله طالبُ علم، بل لا يقوله إلا من في قلبه زغل وفتنة، وشرك وبدعة. يقول الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِيمَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ [الزمر: ٣] ، هذه الآية بتمامها، أسيقت لقولٍ غير جاد؟ سبحان الله من هذا الافتراء المحض! ! الذي خالف أقوال أهل العلم جميعاً، ولم يقل به أحداً من المفسرين هذا الذي فهمه صاحب المفاهيم. قال الفخر الرازي في " تفسيره " (٢٦/٢٤١) : "واعلم! أن الضمير في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] عائد على الأشياء التي عبدت من دون الله، وهي قسمان: العقلاء، وغير العقلاء، أما العقلاء: فهو أن قوماً عبدوا المسيح وعزيراً والملائكة، وكثير من الناس يعبدون الشمس والقمر والنجوم، ويعتقدون فيها أنها أحياء عاقلة ناطقة، وأما الأشياء التي عبدت مع أنها ليست موصوفة بالحياة والعقل فهي الأصنام. إذا عرفت هذا فتقول: الكلام الذي ذكره الكفار لائقٌ بالعقلاء، أما بغير العقلاء فلا يليق، وبيانه من وجهين: الأول: أن الضمير في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ ضمير للعقلاء، فلا يليق بالأصنام. الثاني: أنه لا يبعد أن يعتقد أولئك الكفار في المسيح والعزير والملائكة أن يشفعوا لهم عند الله، أما يبعدُ من العاقل أن يعتقد في الأصنام والجمادات أنها تقربه إلى الله؟ . . . " اهـ.

стр. 102

ولا بأس أن نشفع كلام الرازي بكلام أحد المتأخرين، هو سيد قطب في كتابه " في ظلال القرآن " قال: (٥/٣٠٣٧) : "فلقد كانوا يعلنون أن الله خالقهم وخالق السماوات والأرض. . . ولكنهم لم يكونوا يسيرون مع منطق الفطرة في إفراد الخالق إذن بالعبادة، وفي إخلاص الدين لله بلا شريك. إنما كانوا يبتدعون أسطورة بنوة الملائكة لله سبحانه، ثم يصوغون للملائكة تماثيل يعبدونها فيها، ثم يزعمون أن عبادتهم لتماثيل الملائكة -وهي التي دعوها آلهة أمثال اللات والعزى ومناة١ - ليست عبادة لها في ذاتها، إنما هي زلفى، وقربى لله؛ كي تشفع لهم عنده وتقربهم منه! وهو انحراف عن بساطة الفكرة واستقامتها، إلى هذا التعقيد والتخويف، فلا الملائكة بنات الله، ولا الأصنام تماثيل الملائكة، ولا الله -سبحانه- يرضى بهذا الانحراف، ولا هو يقبل فيهم شفاعة، ولا هو يقربهم إليه عن هذا الطريق، وإن البشرية لتنحرف عن منطق الفطرة، كلما انحرفت عن التوحيد الخالص البسيط الذي جاء به الإسلام، وجاءت به العقيدة الإلهية الواحدة مع كل رسول. وإنا لنرى اليوم في كل مكان "عبادة" للقديسين والأولياء تشبه عبادة العرب الأولين للملائكة، أو تماثيل الملائكة، تقرباً إلى الله بزعمهم، وطلباً لشفاعتهم عنده. وهو سبحانه يحدد الطريق إليه، طريق التوحيد الخالص الذي لا يلتبس بوساطة أو شفاعة، على هذا النحو الأسطوري العجيب ".

стр. 103

وفي تفسير " التحرير والتنوير " (٢٣/٣٢٢) : "والاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا﴾ ، استثناء من علل محذوفة. أي: ما نعبدهم لشيءٍ إلا لعلّة أن يقربونا إلى الله، فيفيد قصراً على هذه العلة قَصْر قلب إضافي. . . " انتهى. ولو نقلت ما قاله المفسرون لبلغ مئاتٍ من الصفحات، ولكن فيما ذكر فتحُ بابٍ لمن أراد مزيداً من النقول. فبهذا ظهر أن قول صاحب المفاهيم: " وإن أولئك المشركين ما كانوا جادين فيما يحكي ربنا عنهم" من المفاهيم الباهتة التي تفرد بها بعد أربعة عشر قرناً، ولازمها أن هذا القرآن فيه كلام يحكيه رب العالمين ليس صدقاً بل هزلاً، فبئست المقالة. وقد أظهر صاحب المفاهيم هذا اللازم حيث قال ص٢٧: "وقل ذلك أيضاً في قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ، فإنهم لو كانوا يعتقدون حقاً أن الله تعالى الخالق وحده، وأن أصنامهم لا تخلق لكانت عبادتهم لله وحده دونها" اهـ. وهذا كلام لو مزج بماءٍ فراتٍ لمزجه، ويأتي رده في المسألة التالية كلامي هذا.

стр. 104

توحيد الربوبية والإلهية أما المسألة الأولى: وهي زعمه أن كفار العرب الذين بعث إليهم رسول الله إنما كفروا وأشركوا؛ لأنهم اعتقدوا أن أصنامهم أرباب، تخلق وترزق، فصاحب المفاهيم يظن أن كفار العرب لم يكونوا يقولون بأن الله خالقهم، وذكر آية لقمان والزمر: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ، فقال: إنهم لا يعتقدون ذلك، وإنما حكى الله عنهم ما لم يعتقدوه كما مر نقله بنصه آنفاً. وهذه المسألة أصل ضلال كثير من الخلق، وأصلها الذي سبَّب نشرها بين الناس هو منطق اليونان المذموم، ومن تتلمذ له من أهل الكلام المشؤوم، وهي القاعدة التي ارتكز عليها أتباع أولئك الأقوام في تفسير كلمة التوحيد. والحق الذي لا مرية فيه وأطبق عليه كل العلماء وهو صريح القرآن، أن مشركي العرب في زمن رسول الله ﷺ كانوا يعتقدون أن الله خالقهم ورازقهم، فهم مقرون بتوحيد الرب بأفعاله، من الخلق والرِّزق والتدبير والإحياء والإماتة والتسخير ونحو ذلك من أفعال الرب، فلم يكونوا يعتقدون مشاركة أحدٍ له في ذلك، وهو الذي سماه العلماء: " توحيد الربوبية". فهم مقرون بهذا التوحيد، ولم يدخلهم في الإسلام، وليسوا مقرين بتوحيد الله بأفعالهم: كالدعاء والاستغاثة والرجاء والخوف والمحبة والنذر والذبح ونحو ذلك، مما سماه العلماء: " توحيد الألوهية"، أي: توحيد العبادة.

стр. 105

وقد نوع الله جل وعلا في كتابه الكريم الدلائل في إقرار المشركين بتوحيد الربوبية، وإشراكهم في الألوهية، بما إذا قرأه المسلم زاد تبصراً في حالهم، وفقهاً في عقيدتهم. النوع الأول من الدلائل على ذلك: كقوله تعلى في سورة (يونس) : ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ والأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٣١] . وقال في سورة (المؤمنون) : ﴿قُل لِّمَنِ الْأَرْضُ وَمَن فِيهَا إِِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ قُلْ مَن رَّبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤-٨٩] ، فتأمل تعقيبه بـ ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ ، والنكتة فيه أن من أقر بكل هذا ولم يوحد الله بالعبادة فهو مسحور، سحر جاهٍ أو سحر رياسة، أو نحوه. وقال تعالى اسمه وتعاظم في سورة (العنكبوت) : ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَنْ نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ

стр. 106

مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [العنكبوت:٦١-٦٣] وقال تعالى في (لقمان) : ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥] ، وفي (الزمر) : ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٣٨] الآية. وغير هذه الآيات في القرآن. وهي ظاهرة في أن اعتقاد المشركين: أن لا رازق إلا الله، وأنه تعالى مالك السمع والأبصار، والمحي المميت، وهو مدبر الأمر. وأنه تعالى له الأرض ومن فيها، وله السماوات السبع والعرش العظيم، وأنه بيده ملكوت كل شيء، ليس لأحدٍ ملك، وأنه يجير ولا يجار عليه. وأنه خالق السماوات والأرض، ومسخر الشمس والقمر، وأنه منزل القطر، ومحي الأرض بعد موتها. كل هذا اعتقاد مشركي العرب وغيرهم، حكاه القرآن عنهم، وألزم أولئك بأنهم ما داموا مقرين بذلك فَلِمَ لَمْ يوحدوه بعبادته؟ ! ولِمَ يتخذون شفعاء يطلبون شفاعتها من عقلاء أموات، أو جمادات؟ ! وصاحب المفاهيم ينكر هذا ويقول: إن هؤلاء المشركين لم يقروا بما حكاه الله عنهم، فيا لها من جراءة ما بعدها جراءة! ! النوع الثاني: كقوله تعالى في سورة (الأنعام) : ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادةً قُلِ اللهِ شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى قُل لاَّ أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ١٩] ، فهذه الآية الكريمة أفادت أن المشركين يشهدون بأن الله إلههم، ولكنهم يقولون إن

стр. 107

معه آلهة أخرى، وهذه الشهادة منهم أكدت بالقسم وبأداة التأكيد " إنّ "، وأكدت باللام. فلفظ "مع" في قوله تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللهِ آلِهَةً أُخْرَى﴾ يدل على أنهم مقرون بربوبية الله، وكذا بألوهيته، لكنهم جعلوا معه آلهة أخرى، جعلوها مع الله، فشركهم من حيث إشراكهم آلهة مع الله يتوجهون إليها كوسائط توصلهم إلى الله، وترفع حاجاتهم، وتلبي طلبهم بالدعاء لها، هذا اعتقادهم ودينهم. وجاء مثل هذا المعنى في آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٥، ٩٦] ، وقوله: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧] ، وقوله تعالى في آيات النمل: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ﴾ [النمل: ٦٠] ، وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٦١] ، وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [النمل: ٦٢] ، وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: ٦٣] ، وقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النمل: ٦٤] ، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٣] ، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ﴾ [قّ: ٢٦] ، والآيات كثيرة، يذكر الله في كتابه ما يعتقده المشركون أن مع الله إلهاً، فهم مقرون بربوبية الله وأحديته،

стр. 108

ولكن يتخذون معه آلهة في العبادة، ومن تأمل هذا وتدبر تلك الآيات الكريمات العزيزات، انفتحت له من العلم أبوابٌ ولج منها إلى الفهم الصحيح لما بعث الله به رسله. النوع الثالث: كقوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُواْلَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٤٨] ، وقوله: ﴿وَجَعَلُواْلِلّهِ شُرَكَاء﴾ [الرعد: ٣٣] في الرعد وغيرها من الآيات المفيدة أنهم مقرون على أنفسهم بالشرك، في العبادة بل القرآن كله في مخاطبته للمشركين مضمن هذا. ولفظ الشرك لا يكون في لسانٍ إلا ومعناه إشراك شيئين في حكم، فهم مع اعترافهم بشركهم مقرون بربوبية الله، ولكنهم أشركوا به في الإلهية. النوع الرابع: إخباره تعالى عن هؤلاء المشركين الذين كَذَّبوا رسول الله ﷺ وحاربوه وقلوه، أنهم لا يشركون إلا في الرخاء واليسر، لا في الشدة والكرب والعسر، فهم حين ذلك مخلصون لله وحده لا يدعون سواه، ولا يتخذون وسائط. وهذا النوع متعدد في القرآن الكريم العزيز، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُواْ بِهَا جَاءتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُاْ اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنِّ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [يونس: ٢٢] ، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِيالْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَاهُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٥] ، وقال: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى

стр. 109

الْبَرِّ فَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان: ٣٢] . فيا من قال: إن أولئك الكفار يشركون بربوبية الله لا في عبادته؛ ويتأول آياتٍ تأويلاً من نوع اللعب! يا من قال ذلك! أفيدعو أولئك مخلصين في حالة الشدة من لم يعتقدوا ربوبيته وإلهيته؟ ! إن الحق الذي لا يجوز المحيد عنه وهو الذي دل عليه القرآن، من إقرار المشركين بربوبية الله، وكذا بألوهيته، لكنهم أشركوا مبررين صنيعهم بتأويلات وشبهات باطلة، فإذا كان الشدة والكرب، أخلصوا دينهم لله، وتركوا طلب الدعاء من غير الله، وتركوا الاستغاثة بغير الله، أخلصوا ذلك كله لله، ونسوا غيره من الملائكة والأنبياء والصالحين. النوع الخامس: كقوله تعالى في آخر سورة (يوسف) : ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] ، وإيمانهم بالله هو قولهم: الله خالقنا ورازقنا، ومميتنا وحيينا، وإشراكهم هو جعلهم لله شريكاً في عبادته ودعائه، فلا يخلصون له بالطلب منه وحده، وبنحو هذا قال أهل التأويل: ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وعامر، وقتادة، وعطاء، وجمع كما في " تفسير ابن جرير " (١٣/٥٠-٥١) ، وابن أبي حاتم. هذا هدى، فهل لهؤلاء من آذانٍ صاغية، وقلوب تخاف الآخرة، ونفوسٍ تكره النار وغضب الجبار؟ ! اللهم! اهدهم فإنهم لا يعلمون.

стр. 110

الدليل من السنة على إقرار المشركين بتوحيد الربوبية وكذا في السنة أدلة على إقرار المشركين بالربوبية، وأن ذلك الإقرار لا ينفع إلا إذا شهد المقر بالربوبية "أن لا إله إلا الله"، والإله هو المعبود كما قال تعالى: ﴿أَن لاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ﴾ [هود: ٢٦] ، فمن ذلك: ما أخرجه مسلم في " صحيحه " (٢/٤) عن أنس بن مالك قال: "كان رسول الله ﷺ يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذاناً أمسك وإلا أغار. فسمع رجلاً يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله ﷺ : على الفطرة، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله. فقال رسول الله ﷺ : خرجت من النار، فنظروا فإذا هو راعي معزى". فقول رسول الله ﷺ لمن قال: " الله أكبر": على الفطرة، أفاد فائدة وهي أن هذا القول وما يدل عليه من توحيد الربوبية، هو في الفطر مستقر١، ولذا لم يحكم بنجاته من النار وإسلامه إلا بقوله: " أشهد أن لا إله إلا الله"، شهادة متضمنة نفي كل معبود سوى الله، وهو توحيد الألوهية، ودلالة هذا ظاهرة. ومن ذلك ما جاء في " صحيح مسلم " (١٥/١١ مع شرح النووي) عن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: "ردفتُ رسول الله ﷺ يوماً فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ ، قلت نعم، قال: هيه، فأنشدته بيتاً، فقال: هيه، ثم أنشدته بيتاً، فقال: هيه، حتى أنشدته مئة بيت".
следующие страницы →